Indexed OCR Text
Pages 521-540
٥٢١ ١٣ - بَابُ الأذان قبل الفجر كتاب الأذان ورواه سليمان بن حرب وغيره عن شعبة بالشكِّ في ذلك(١). وقد روى الواقدي بإسناد له ، عن زيد بن ثابت، أنَّ النبيِّ وَ جله قال: ((إن ابن أم مكتوم يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذنَ بلالٌ» . خرجه البيهقيُّ (٢). والواقدي ، لا يعتمد [ عليه ] . والصحيح من ذلك : ما رواه القاسمُ ، عن عائشةَ ، وما رواه سالمٌ ونافع وعبد اللَّه بن دينار ، عن ابن عمر(٣)، وما رواه أبو عثمان، عن ابن مسعودٍ(٤)؛ فإنَّ هذه الأحاديث كلها صحيحة ، وقد دلَّت على أن بلالاً كان يؤذن بليل . ودلَّ ذلك على جواز الأذان قبل طلوع الفجر، وهو قولُ مالك، والأوزاعي، وابن المبارك ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبي يوسفَ ، وأبي ثورٍ ، وداود ، وأبي خيثمة(٥)، وسليمان بن داودِ الهاشميِّ، وأبي بكر بن أبي شيبةَ وغيرهم من فقهاء أهل الحديث . وعليه عملُ أهل الحرمين ، ينقلونه خلفًا عن سَلَف ، حتى قَالَ مالكٌ في (الموطٍ)(٦): لم يزلِ الصبحُ يُنَادِى لها قبلَ الفجرِ . وذكر الشَّافِعِيُّ ، أَنَّ فِعْل أهلِ الحرمين ، وأنَّه من الأمورِ الظّاهرةِ عندهم ، (١) البيهقي (٣٨٢/١). (٢) البيهقي (٣٨٢/١ - ٣٨٣). (٣) ما رواه سالم، عن ابن عمر: خرجه أحمد (٩/٢، ١٢٣) والبخاري (٦١٧) ومسلم (١٢٨/٣) وغيرهم . ما رواه نافع ، عن ابن عمر : هو حديث الباب ، وخرجه - أيضًا - أحمد (٥٧/٢، ٩٤) ومسلم (١٢٩/٣). وما رواه عبد اللَّه بن دينار ، عن ابن عمر ؛ خرجه أحمد (٦٢/٢، ٦٤) والبخاري (٦٢٠) وغيرهما. (٤) أخرجه أحمد (٣٨٦/١، ٣٩٢، ٤٣٥) والبخاري (٦٢١) ومسلم (١٢٩/٣) وغيرهم . (٥) سقط حرف العطف من الأصل . (٦) (ص ٦٨) . ٥٢٢ حديث : ٦٢٢ - ٦٢٣ كتاب الأذان ولم ينكره منکرٌ . وقال الإِمام أحمد : أهلُ الحجاز يقولون : هو السنَّة - يعني : الأذانَ بليلٍ . وكذا قال إسحاق : هو سنَّةُ . وكذا قال أحمد في رواية حنبل . قال القاضي في ((جامعه الكبير)) والآمدي: وظاهرُ هذا، أنه أفضلُ من الأَذانِ بعد الفجرِ ، وهو قول الجوزجاني وغيره من فقهاء أهل الحديث ؛ لأنَّه أبلغُ في إيقاظِ النَّوَّامِ للتَّأهُّبِ لهذه الصلاة ، فيكون التقديم سنَّةً ، كما : أنْ كان التثويبُ في هذا الأذانِ سنة - أيضًا - ؛ لهذا المعنى. وقالتْ طائفةٌ : هو رخصةٌ ، وهو قول ابن أبي شَيْبة ، وأومأ إليه أحمدُ في روايات أخرُ . فالأفضلُ عند هؤلاءِ : الأذان بعد طلوع الفجرِ ، ويجوز تقديمه . واختلف القائلونَ : بأن الفجر يؤذنُ لها بليلٍ في الوقت الذي يجوز الأذان فيه من الليلِ : فالمشهور عند أصحابِ الشافعي: أنه يجوزُ الأذانُ لها في نصف الليل الثاني؛ لأنه يخرجُ به وقتُ صلاة العشاء المختارُ . ومنهم من قال : ينبني على الاختلاف في آخرِ وقتِ العشاء المختارِ ، فإن قلنا : ثلث الليل أذن للفجر بعد الثلث . ومنهم من قال : يؤذن للفجر في الشِّتَاء لسبعٍ ونصف بقي من الليل ، وفي الصيف لنصف سبعٍ . وروى الشافعيّ في القديم بإسنادٍ ضعيف ، عن سعد القَرظ، قال: أذّا في زمن النبيِّ ◌َّ بقباء، وفي زمن عمر بالمدينة ، فكان أذاننا في الصبح في الشتاء ٥٢٣ ١٣ - بَابُ الأذان قبل الفجر کتاب الأذان السبعٍ ونصف بقي من الليلِ، وفي الصيفِ [لسُبعِ] (١) يبقى منه . ومن الشافعية من قال : يؤذنُ لها قبيل طلوع في السحر . وصححه جماعةٌ ، وهو ظاهرٌ المنقولِ عن بلالٍ وابن أمِّ مكتومٍ . وأما أصحابنا ، فقالوا : يؤذن بعد نصف الليل ، ولم يذكروا ذلكَ عن أحمدَ . ولو قيل : إنه لا يؤذنُ حتى يطلعَ الفجر الأولُ استدلالاً بحديث أبي ذرٌ المتقدم لتوجه . وقد مر بي أنَّ أحمد أَوما إلى ذلك ، أو نص عليه ، ولم أتحققه إلى الآن . وروى الشافعيُّ بإسناده ، عن عروة بن الزبيرِ ، قال : إنَّ بعد النداءِ بالصبح لحزبًا حسنًا ، إن الرجلَ ليقرأُ سورةَ البقرةِ . وهذا - أيضًا - يدلُّ على قربِ الأذانِ من طلوع الفجرِ . وأمَّا أصحابُ مالك ، فحكى ابن عبد البر عن ابن وهب ، أنه قال : لا يؤذنُ لها [إلا في السَحَرَ. فقيل له: وما السَحَرَ ؟ قال: السُّدسُ الآخرُ. قال: وقال ابن حَبيب : يؤذن لها](٣) من بعد خروجٍ وقتِ العشاءِ ، وذلك نصفُ الليلِ . ومع جوازِ الأَذانِ لصلاةِ الصبح قبل طلوعِ الفجرِ ، فيستحبَّ إعادة الأذان لها بعدَ الفجر مرة ثانية . قال أحمد - في رواية حنبل - : الأذانُ الذي عليه أهل المدينة الأذانُ قبل طلوع الفجرِ ، هو الأذانُ الأول ، والأذانُ الثاني بعد طلوعِ الفجر . وكره أحمدُ الأذانَ للفجرِ قبل طلوع الفجر في رمضانَ خاصة ؛ لما فيه منعُ الناسِ من السحور في وقت يباحُ فيه الأكل . (١) لعل الصواب: ((لنصف سبع)) كما تقدم . (٢) ساقط من الأصل . ٥٢٤ حديث : ٦٢٢ - ٦٢٣ کتاب الأذان وقد يستدلُّ له بحديث شداد مولى عياض ، عن بلال المتقدم ذكره(١)، في نهي النبي ومَّ بلالاً أنْ يؤذنَ حتى يطلعَ الفجرُ ؛ فإنَّ في تمامِ الحديث : أنَّه أَتى النَّبِي ◌َّةِ وهو يَتَسَخَّرُ . ومن أصحابنا من حكى رواية أخرى : أنَّه لاَ يُكْرَه . قال طائفة من أصحابنا : وكراهته إنما هو إذا اقْتَصر على هذا الأذان ؛ فإن أُذِنَ معه أذانٌ ثانٍ بعد طلوع الفجر لمْ يكره . وعليه يدلُّ حديثُ ابن عمر وعائشة في هذا الباب . وقالت طائفة من أهل الحديث : لا يؤذنُ لصلاة الصبح قبل الفجرِ ، إلا أَنْ يعادَ الأذانُ بعد الفجر في جميعِ الأوقاتِ ، وهو اختيار ابن خزيمةَ وغيره ، وإليه ميلُ ابن المنذر ، وحكاه القاضي أبو الحسنِ من أصحابنا روايةً عن أحمدَ . ويمكن أنْ تكون مأخوذةً من رواية حنبل التي ذكرنا آنفاً . واستدلَّ هؤلاء بحديث عائشة وابن عمر وأنيسة ، وما في معناها من أنه كان في زمنِ النبيِ وَ ﴿ أذانانِ: أحدهما بليلٍ، والأخر بعد الفجرِ. ويمكن الجمعُ بين هذه الأحاديثِ والأحاديثِ التي رواها العراقيونَ في أمرٍ النبي ◌َّ بلالاً بإعادة الأذانِ بعدَ الفجرِ، بأنَّ الأذانَ كَان في أوَّلِ الأمرِ بعد طلوعٍ الفَجْرِ ، ثم لما أذنَ بلالٌ بليلٍ وأمره النبيُّ وَّ بإعادة أَذَانِه بعد الفجرِ رأى النبيّ ءِ و84َ* في أذانه قبل الفجر مصلحةً، فأقرَّه على ذلك [واتَّخذَ ] مؤذنًا آخر يؤذن بعد الفجر ؛ ليجمع بين المصالح كلها : إيقاظِ النوام ، وكفِّ القوامٍ ، والمبادرة بالسحورِ للصوامِ ، وبين الإعلام بالوقت بعد دخوله . وهذا كما رُوي ، أنَّ بلالاً هو الذي زاد في أذانه : ((الصلاة خير من النوم)) مرتين في آذان الفجرِ، فأقرها النبيُّ وَّ في الأذان (٢) لما رأى فيه من زيادة إيقاظ (١) وهو عند أبي داود (٥٣٤) . (٢) ابن ماجه (٧١٦) . ٥٢٥ ١٣ - بَابُ الأذان قبل الفجر کتاب الأذان النائمينَ في هذا الوقتِ . واستدلَّ الأولونَ بما خرجه أَبُو داود(١) من روايةِ عبد الرحمنِ بن زيادٍ ، عن زيادٍ بن نعيم الحضرميِّ ، عن زيادٍ بن الحارث الصدائي ، قال : كنت مع النبيّ وَّ في سفرٍ، فلما كان أوَّل أذانِ الصبح أَمرني فأذّنْت ، فجعلتُ أقول أقيمُ [يا] رسول اللَّه(٢)؟، فجعل ينظر في ناحيةِ المشرق إِلى الفجرِ، فيقول: ((لا))، حتى إِذا طلعَ الفجرُ نزل فتبرَّزَ ثم انصرف إليَّ وقد تلاحق أصحابه - يعني : فتوضأ -، فأرادَ بلال أَن يقيم، فقال له النبي ◌ِّر: ((إن أخا صُداء هو أذَّن، ومن أذن فهو يقيم)). قال: فأقمت - وذكر حديثًا فيه طول(٣) . فهذا يدلُّ على أنَّه أَذنَ قبل طلوعِ الفجرِ واجتزا بذلك الأَذَانَ ، ولم يُعِدْهُ بعد طلوعه . ولمن رجح قول من أوجب الإعادة بعد طلوع الفجر ، أنه يقول : هذا الحديث إسنادُه غير قوي . وقد خرجه ابنُ ماجه والترمذي (٤) مختصرًاً . قال الترمذيِّ: إِنَّما نعرفه من حديث الأفريقي ، والأَفريقي هو ضعيف عند أهلِ الحديث . وقال سعيد البرذعي(٥): سئل أبو زرعة عن حديث الصدائي في الأذان. (١) (٥١٤) . (٢) في ((الأصل)) زيادة: (( ٠ (٣) ليس عند أبي داود إلا القدر الذي ذكره المؤلف ، وكذلك هو عند المذكورين بعد قليل . وقد رواه ابن عبد الحكم في ((فتوح مصر)) (ص ٣١٢ - ٣١٣) مطولاً ، ونقل الشيخ أحمد شاكر - رحمه اللَّه تعالى - في ((شرح الترمذي)) (٣٨٦/١ - ٣٨٨) لفظه بتمامه. وفي بعض ألفاظه ما يستنكر ، وهذا مما يدل على ضعفه . (٤) ابن ماجه (٧١٧) والترمذي (١٩٩). (٥) في ((سؤالاته لأبي زرعة)) (٥١٦/٢ - ٥١٧). ٥٢٦ حديث : ٦٢٢ - ٦٢٣ كتاب الأذان فقال : الأفريقي ، وحرك رأسه . قلت : وقد اختلف عليه في لفظ الحديث : فخرجه الإمام أحمد(١) عن محمد بن يزيد الواسطي ، عن الإِفريقي بهذا الإِسناد، ولفظه: قال رسول اللَّه وَ له: ((أذن يا أخا صُداء)) قال: فأذنت، وذلك حين أضاءَ الفجرُ - وذكر الحديث مختصرًا . فهذه الرواية فيها التصريح بأنَّه إِنَّما أَذَّنَ بعد إضاءَةِ الفجرِ وطلوعه . وقد رواه ابن لهيعة، فخالف الأفريقيّ في إسناده، فرواه عن بكر بن سوادة، عن زياد بن نعيم، عن حبان بن بُحِّ الصدائي صاحبِ النبيِّ وَِّ، قال: اتَّبعت النبيَّ وَّ - يعني: في مسيرٍ له - ليلةً إلى الصباحِ ، فأذنت بالصلاة لما أصبحت، وأعطاني إناءً وتوضأتُ منه، فجعل النبيَّ وَ لّ أصابعه في الإناء ، فانفجر عيونًا ، فقال: ((من أرادَ منكم أنْ يتوضأ فليتوضأً))(٢)- فذكر حديثًا، ولم يذكر فيه : الإِقامةَ . وفي هذه الرواية إِنَّمَا أذن لما أصبح - أيضًا . وقصَّة الوضوء وتفجر الماء مذكورةٌ - أيضاً - في حديث الإِفريقي. (١) (٤/ ١٦٩) . (٢) خرجه الإمام أحمد في ((مسنده) (١٦٨/٤). ٥٢٧ ١٤ - بَابُ كم بين الأذان والإقامة كتاب الأذان ١٤ _ بَابٌ كَمْ بَيْنَ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ فيه حديثان : الأول : قال : ٦٢٤ - حَدَّثْنَا إِسْحَاقُ الوَاسِطِيُّ: ثَنَا خَالِدٌ، عَنْ الجُرَيْرِيِّ، عَنْ [ابْن] بَرَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِبْنِ مُغَفَّلِ المُزْنِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِوَ قَالَ: (بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَةٌ) . ثَلاَثًا - «لمَنْ شَاءَ)) . ((إسحاق)) هذا ، يروي عنه في غير موضع عن خالد ، وهو : ابن عبد الله الطحان ، ولا ينسبُ إسحاق . وقد قيل : إنه ابن شاهين الواسطي . الثاني : قال : ٦٢٥ - ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ: ثَنَا غُنْدَرُ (١) : ثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ : سَمِعْتُ عَمْرُو بْنَ عَامِرِ الأَنْصَارِيَّ، عَنْ أَنَسِ بْنِّ مَالِكٍ، قَالَ : كَانَ المُؤَذِّنُ إِذَا أَذَّنَ قَامَ نَاسٌ مِنْ أَضَحَّابِ رَسُولِ اللَّهِ،وَ يَبْتَدِرُونَ السُّوَارِيَ، حَتَّى يَخْرُجَ النَِّيَُّ﴿ وَهُمْ كَذَلِكَ، يُصَلُّونَ الَرَّكْعَيْنِ قَبْلَ المَغْرِبِ، وَلَمْ يَكُنَّ بَيْنَ الأَذَانِ أَوَالإِقَامَةِ] شَيْءٌ . قَالَ عُثْمَانُ بْنُ جَبَلَةَ وَأَبُو دَاوُدَ، عَنْ شُعْبَةَ: وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا إِلاَّ قَلِيلٌ. وحديث ابنِ مغفل يدلُّ على أنَّ بين كل أذان صلاةٍ وإقامتها صلاةٌ لمن شاءَ ، فدخل في ذلك المغربُ وغيرها ، فدلَّ على أنَّ بين أذانِ المغربِ وإقامتها ما يَتْسِعُ (١) في الأصل: ((ثنا محمد بن علي: وثنا غندر))، والتصويب من ((اليونينية)). ٥٢٨ حديث : ٦٢٤ - ٦٢٥ کتاب الأذان لِصَلَاةِ رَكَّعَتَيْنِ . وَقَدْ ذكرنا قدرَ الفصلِ بين أذانِ المغربِ وإقامتها في ((باب: وقت المغرب)). وقد روى حيان بن عبيد [اللَّه العدويُّ هذا الحديثَ عن عبد الله](١) بن بريدة، عن أبيه، أنَّ النبيَّ بَ لّ قال: (([إنَّ] عند كل أذانين ركعتين قبل الإقامة ، ما خلا أذان المغرب)) . خرجه الطبراني والبزارُ والدارقطنيُّ (٢). وقال : حيان بن عبيد اللَّه هذا ليس بقويٌّ ، وخالفه حسين المعلم وسعيد الجريري وكهمس بن الحسن ، وكلهم ثقات . يعني: أنهم رووه عن ابن بريدة ، عن [ابن] (١) مغفلٍ ، بدون هذه الزيادة (٣). وقال الأثرم : ليس هذا بشيءٍ ؛ قد رواه عن [ابن](١) بريدةَ ثلاثةُ ثقات على خلاف ما رواهُ هذا الشيخُ الذي لا يُعرف ، في الإسنادِ والكلام جميعًا . وكذلك ذكر ابنُ خزيمة(٤) نَحْوه ، واستدلَّ على خطئه في استثنائه صلاةَ المغربِ بأَنَّ ابنَ المباركِ روى الحديث عن كهمس ، عن [ابن](١) بريدة ، عن ابن مغفل ، وزاد في آخره : فكان ابن بريدة يصلي قبل المغرب ركعتين . وحديث أنس يدلُّ على أن بين أذان المغرب وإقامتها ما يتسع لصلاة ركعتين . فأما قوله في آخر الحديث : ((ولم يكنْ بين الأذانِ والإِقامةِ شَيْءٍ))، فمراده - والله أعلم - لم يكن شيء كثير؛ بدليلٍ رواية عثمان بن جبلة وأبي داود (١) سقط من الأصل . (٢) الطبراني في ((الأوسط)) (٨٣٢٨) والبزار (٦٩٣ - كشف) والدارقطني في ((السنن)) (٢٦٤/١ - ٢٦٥) و ((الأفراد» (١٤٩٧ - أطرافه) بتحقيقي . (٣) قلت : أسند الدار قطني رواياتهم عقب ذلك . (٤) (١٢٨٧) . 1 ٥٢٩ ١٤ - بَابُ كم بين الأذان والإقامة کتاب الأذان الطيالسيِّ التي ذكرها البخاريُّ تعليقًا: ((ولم يكن بينهما إلا قليل)). وقد خرجه النَّسائي(١) من رواية أبي عامر العَقدي ، عن شعبة ، وفي حديثه: ((ولم يكن بين الأذان والإقامة شيء» - كرواية غندر . وقد زعم بعضُهم : أنَّ قيامَ الصحابةِ للصلاةِ كان إِذَا ابتدأ المؤذنُ في الأذان، ولم يكنْ بين الأذان والإقامة ، واستدلَّ برواية من روى : ((ولم يكنْ بين الأَذانِ والإِقامة شيء)) . وفي (صحيحِ مسلمٍ) (٢) عن عبد العزيز بن صهيب ، عن أنسَ ، قال : كنّا بالمدينة ، فإذا أذَّنَ المؤذنُ لصلاة المغرب ابتدروا السواري ، فركعوا ركعتين ، حتى إنَّ الرجلَ الغريبَ ليدخلُ المسجدُ فيحسبُ أَنَّ الصَّلاة قد صلِّيت ، من كثرةٍ منْ يصليهما . في ((مسند الإمام أحمدَ»(٣) من حديث مُعَلَّى بن جابر، عن موسى بنِ أنسٍ ، عن أبيه ، قال : كان إذا قام المؤذنُ فأذنَّ لصلاة المغرب قام من يشاء ، فصلَّى حتى تقام الصَّلاةُ ، ومن شاء ركع ركعتين ، ثم قعد ، وذلك بِعَيْنَيْ رسول الله ومعلَّى بن جابر، مشهور، روى عنه جماعة ، وذكره ابن حبان في ((ثقاته)). وهذا ظاهر في أنهم كانوا يقومون إِذا شرعَ المؤذنُ في الأذانِ ، وأنَّ منهم من كان يزيدُ على ركعتينِ . وفيه : ردٌّ على إسحاقَ (٥) بن راهويه ، قال : لا يُزاد على ركعتين قبل (١) (٢٨/٢ - ٢٩) . (٢) (٢ / ٢١٢) . (٣) (١٩٩/٣) . (٤) في الأصل: ((ثم بعد ذلك بين رسول اللّه وَظله)) خطأ. والتصويب من ((المسند)). (٥) هنا انتهت الكراسة الأولى من ((س)). ٥٣٠ حديث : ٦٢٤ - ٦٢٥ كتاب الأذان المغرب ، وقد سبق ذكره . وقد خرج الإسماعيلي في ((صحيحه)) من حديث عثمان بن عمرَ : ثنا شعبة ، عن عمرو بن عامر ، قالَ : سمعتُ أنس بن مالك يقولُ : كان المؤذنُ إذا أَخَذَ في أَذَانِ المغرب قام لبابُ (١) أصحاب رسول اللَّه وَلِّ فابتدروا السواري، فكانَ رسولُ اللَّهِ وَلَهِ يخرجُ إليهم وهم يصلُّون، وكان بين الأذان والإقامة قريب . وهذه الروايةُ صريحةٌ في صلاتهم في حال الأذان ، واشتغالهم حين إجابة المؤذن بهذه الصلاة . وقد كان الإمامُ أحمد يومَ الجمعة إذا أخذَ المؤذنُ في الأذان الأول للجمعة قامَ فصلَّى ركعتين - أو أربعًا - على قدْر طولِ الأذانِ وقِصَرِه . ويأتي الكلامُ على حكم الصلاةِ قَبْلَ المغربِ في موضع آخر - إن شاء الله . وإنما المقصود هنا : ذكر قدرِ الفصل بين الأذانِ والإقامةِ للمغربِ وغيرها . وقد سبق حكمُ الفصلِ بين أذان المغرب وإقامتها في ((باب: وقت المغرب)). وذكرنا أحاديثَ في أمر النبيِّ وََّ بلالاً أَنْ يفصلَ بين أذانه وإقامته في ((باب: الإِبرادِ بالظهرِ)). (١) لعل الأشبه: ((كبار)). ١ ٥٣١ ١٥ - بَابُ من انتظر الإقامة کتاب الآذان ١٥ -باب مَنِ انْتَظَرَ الإِقَامَةَ ٦٢٦ - حَدَثْنَا أَبُو الَيَمَانِ: أَبْنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: أَبْنَا عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَهَ إِذَا سَكَتَ المُؤَذِّنُ بِالأُوَلَى مِنْ صَلَاةِ الفَجْرِ قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ خَقِفَتَيْنِ قَبْلَ صَلَةِ الفَجْرِ بَعْدَ أَنْ يَسْتَبِينَ الفَجْرُ ، ثُمَّ اضْطَجَعَ عَلَّى شِقَّهِ الأَّيْمَنِ حَتَّى يَأْتَِهُ المُؤَذِّنُ لِقَامَةِ . قول عائشة: ((كان النبيّ وَ طلو إذا سكت المؤذن)) - أي : فرغ من أذانه. قولها : ((بالأولى [من] صلاة الفجر)) - تعني: بالمرة الأولى. وهذا يحتملُ أن تكونَ أرادت به أنه كان يصلِّي الركعتين قبل فراغِ المؤذنِ من أذانه قبل الإقامة ، فإنَّ الأذان والإقامة يسميان أذانين ، كما في حديث عبد الله ابن مغفل المتقدم ، ويحتملُ أنْ تكون أرادتْ أَنَّ الأذانَ نفسه کان یکررُ مرتین ، فيؤذنُ بلالٌ وبعده ابنُ أم مكتوم، فكانت صلاة النبيِّ بَِّ بعد بلالٍ قبل أذانِ ابن أم مكتوم، إذا تبينَ الفجرُ للنبيِّ بَّهِ صلى ركعتي الفجرِ، ولم يتوقف على أذانِ ابن أم مكتوم ، فإن ابن أم مكتوم كان يُسْفِر بأذان الفجر ، ولا يؤذن حتى يقال له : أصبحتَ . فإن قيل: فكيف أذِنَ النبيَّ ◌َّ في الأكل في الصيام إلى أذانِ ابن أم مكتوم، والأكل يَحْرُمُ بمجردِ طلوعِ الفجرِ ؟ وقد روي في حديث أنيسة ، أنَّهم كانوا يأمرونَهُ أن يؤخر الأذان حتى يكملوا السحورَ (١). قيل : هذا مما أشكل فهمه على كثيرٍ من الناس ، وقد تأول بعضُهم قولَهم لابن أم مكتوم : ((أصبحتَ ، أصبحتَ) على أَنَّ المراد قاربتَ الصباح [بعد تبینِ (١) أخرجه أحمد (٤٣٣/٦) والنسائي (١٠/٢) وابن خزيمة (٤٠٤) (٤٠٥). ٥٣٢ حديث : ٦٢٦ کتاب الأذان طلوع الفجر لا تحرم في وقت طلوعه سواء](١). والأحاديثُ والآثارُ المرويةُ عن الصحابةِ في هذا المعنى كثيرةٌ جدًا . وليس هذا قول الكوفيين الذين كانوا يستحبون الأكل والشربَ إلى انتشارِ الضوءِ على وجه الأرضِ ؛ فإنَّ ذَلِكَ قولٌ شاذٌّ منكر عند جمهورِ العلماءِ ، وستأتي المسألةُ في موضعها مبسوطةً - إنْ شَاءَ اللَّه تعالى . وسيأتي الكلامُ على الاضطجاعِ بعد صلاةٍ ركعتي الفجر في موضع آخر - إن شاء اللَّه تعالى . وإنما المقصود هنا: قولها : ((حتى يأتيه المؤذن للإقامة))؛ فإن هذا يدلُّ على أنَّه يجوز انتظارُ المصلي للإِقامة ، وأن يؤخرَ دخولَ المسجد خارجًا منه حتى تقامَ الصلاةُ ، فیدخل حينئذٍ . وهذا هو مقصودُ البخاريِّ في هذا البابِ ، وأراد بذلك مخالَفَة من كَرِهَ انتظارَ الإِقَامَةِ ، فإن طائفةً من السلفِ كرهوه وغلظوا . حتى روي عن عبد اللَّهِ بن عمرو بن العاصِ ، أَنَّه قال : هو هَرَب من دینِ محمدٍ والإسلامِ . وقد كرهه من(٢) المتأخرين من أصحابنا ، وقالوا : يُكْرِه للقادرِ على الدخولِ إلى المسجد قَبْل الإقامة أن يجلس خارج المسجد ينتظر الإقامة ، ذلك تفوت به فضيلة السبقِ إلى المسجد وانتظار الصلاة فيه ، ولحقوق الصفِّ الأول . وقد ندب النبيّ وَّه إلى التهجير إلى الصلاة، وهو القصدُ إلى المساجد في الهجير ، إما قبل الأذان أو بعده ، كما ندب إلى التهجير إلى الجمعة : انتظار الصلاة بعد الصلاة ، وقالَ للذين انتظروه إلى قريبٍ من شطرِ الليلِ لصلاة (١) كذا السياق بالأصل ، والظاهر أن سقطًا وقع . وراجع ((الفتح)) لابن حجر (٢ / ١٠٠). (٢) الأشبه: ((بعض)) أو ((طائفة من)). کتاب الأذان ٦ ١٥ - بَابُ من انتظر الإقامة ٥٣٣ العشاءِ: ((إنكمْ لنْ تزالوا في صلاة ما انتظرتموها))(١). وقد كان كثير من السلفِ يأتي المسجد قبلَ الأذانِ ، منهم : سعيدُ بن المسيب ، وكان الإمام أحمدُ يفعله في صلاة الفجر . وقال ابن عيينة : لا تكنْ مثل أجيرِ السوْءِ ، لا يأتي حتَّى يُدْعَى . يشير إلى أنَّه يستحبُّ إِثْيانُ المسجد قبل أن ينادي المؤذنُ . وقال بعضِ السلفِ في قول اللَّهِ تعالى: ﴿السَّبِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ١٠]: ـه إنّهم أَوَّلُ الناسِ خروجًا إلى المسجدِ وإِلى الجهاد . وفي قوله : ﴿سَابِقُوا إِلَىْ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [الحديد: ٢١] قال مكحولٌ : التكبيرة الأولى مع الإمامِ . وقال غيره : التكبيرة الأولى والصف الأول . قال ابن عبد البر : لا أعلمُ خلافًا بيني العلماءِ أنَّ من بكَّر وانتظرَ الصلاةَ ، وإِنْ لم يصلِّ في الصَّفِّ الأوَّل أفضلُ ممَّنْ تأخَّر، وإنْ صلَّى في الصفِّ الأوَّلِ. وروى المعافى ، عن سفيان الثوري ، قال : مجيتُك إلى الصلاة قبلَ الإِقامة توقيرٌ للصلاة . فمن كان فارغًا لا شغل له ، وجلَسَ إلى الصلاةِ قبل الإِقامةِ على باب المسجدِ ، أو قريبًا منه ينتظرُ أنْ تقامَ الصلاة فيدخل المسجد ، وخصوصًا إن كان على غير طهارةٍ ، وإنما ينتظر في المسجد إذا دخلَ المسجدَ بعد الإقامة ، فهو مُقَصِّرِ راغبٌ عن الفضائلِ المندوبِ إليها . ولكنَّ هذا كله في حقِّ المأمومِ ، وقد تقدمَ من حديث أبي المثنى ، عن ابن عمر ، قال : كان أحدنا إذا سمعَ الإِقامةَ توضأ وخرجَ من وقته . وفيه دليلٌ على أنَّ الصحابة كانوا ينتظرونَ الإِقامةَ في عهد النبيِّ وَّ. فأما الإمامُ ، فإنه إذا انتظر إِثْيانَ المؤذنِ له في بيتهِ حتى يؤذنهُ بالصلاة (١) تقدم برقم (٥٧٢) . ٥٣٤ حديث : ٦٢٦ کتاب الأذان ويخرج معه فيقيم الصلاةَ حينئذٍ بالمسجد فيصلي بالناس ، فهذا غير مكروه بالإجماع، وهذه كانت عادة النبيِّ وَِّ . وفي حديث ابن عباسٍ: أنَّ النبيَّ ◌َِّ صلَّى ركعتي الفجر ، واضطجع حتى يأتيه المؤذنُ بالإقامةِ ؛ فإنَّ الإقامة إنما تكون بإذن الإمامِ ، أو عند خروجه إلى الناسِ ، بخلاف الأذان . وفي ((صحيح مسلم))(١) عن جابر بن سمرة ، قال : كان بلالٌ يؤذنُ إذا دحضتِ الشَّمْسُ، فلا يقيم حتى يخرجَ النبيِّ وََّ، فإذا خرجَ أقامَ الصلاةَ حين يراه . وقال عليّ : المؤذنُ أملكُ بالأذان ، والإمام أملك بالإقامة . خرجه البيهقيُّ (٢). وقال : روي من حديث أبي هريرة - مرفوعًا - ، وليس بمحفوظ(٣). (١) (١٠٢/٢) . (٢) في ((السنن الكبرى)) (١٩/٢). (٣) أخرجه ابن عدي (١٣٢٧/٤) من حديث شريك ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة مرفوعًا: ((المؤذن أملك بالأذان، والإمام أملك بالإقامة ... )) قال ابن عدي : وهذا بهذا اللفظ لا يروى إلا عن شريك من رواية يحيى بن إسحاق عنه ، وإنما رواه الناس عن الأعمش بلفظ آخر وهو: ((الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن)) . وانظر ((التلخيص الحبير)) (٢١٧/١ - ٢١٨). ٥٣٥ ١٦ - بَابُ بين كل أذانين صلاة لمن شاء کتاب الأذان ١٦ - بَابٌ بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَةٌ لِمَنْ شَاءَ ٦٢٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ: ثَنَا كَهْمَسُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيِّدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِوَهُ: ((َبَيْنَ كُلِّ أَذَاتَيْنِ صَلَةٌ، بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَةٌ)). ثُمَّ قَالَ في الثَّالِثَةِ: ((لِمَنْ شَاءَ). لا اختلاف أنَّ المرادَ بالأذانين في الحديث : الأذانُ والإِقامةُ ، وليس المراد الأذانيينِ المتواليينِ ، وإن كانا مشروعين كأذَانِ الفجرِ إذا تكرر مرتينِ . وَقَدْ تَوَقَّفَ بعضُهُمْ في دخولِ الصَّلاةِ بَيْنَ الأذانِ الأَوَّلِ والثاني يوم الجمعة في هذا الحديثِ ؛ لأنهما أَذَانَانِ مشروعانِ ، وعلى ما قررناه : لا يدخلُ في الحديث ، وكما لا تدخل الصلاة بين الأذانِ الأولِ والثاني للفجر ، وإن كانت الصلاةُ يوم الجمعة بعد الزوال حسنةً مندوبًا إليها ؛ لأدلة أخْرَى ، تذكر في ((الجمعة)) - إنْ شاء اللَّه . وحديثُ ابن مغفل يدخل فيه : الصلاةُ بين الأذان والإقامة في جميع الصلوات الخمس ، فأمَّا أذانُ الصَّبح فيشرعُ بعده ركعتا الفجرِ ، ولا يزادُ عليهما عند جمهورِ العلماءِ . حتى قالَ كثير منهم : إن من صلَّى ركعتي الفجر في بيته ، ثم دخل المسجد(١). يعني أنَّ الأظهر عنه أنَّه لاَ يصلي في أوقاتِ النهي شيءٌ منَ ذواتِ الأسبابِ ولا غيرها . (١) كذا والظاهر أنه سقط: ((لا يصلي تحية المسجد)). لكن بالنظر فيما بعده يظهر أن السقط أكبر من هذا ، ولعله كلام للإمام أحمد . ٥٣٦ حديث : ٦٢٧ كتاب الأذان وعنه رواية أخرى ، أنَّه يصلي ذواتَ الأسباب ، كقولِ الشافعي ، فيصلي الداخل حينئذٍ تحية المسجد ثم يجلس . وقد تقدمت هذه المسألة في الكلام على أحاديثِ النهي مستوفاةً . وأما الظُّهر ، فإنه يستحبُّ التطوع قبلها بركعتين أو أربع ركعاتٍ ، وهي من الرواتبِ عند الأكثرينَ . وقد روي في الصلاةِ عقب زوال الشمس أحاديثُ ، في أسانيد أكثرها مقالٌ. وبكل حال ؛ فما بين الأذانين للظهرِ هو وقتُ صلاة ، فمن شاء استقَلَّ ومن شاء استكثر . وأما بين الأذانين لصلاةِ العصرِ ، فهذا الحديث يدلُّ على أنَّه يشرع بينهما صلاة ، وقد ورد في الأربعِ قبل العصرِ أحاديثُ متعددة، وفي الركعتين - أيضًا . واختلفوا : هل يَلتحقُ بالسننِ الرواتبِ ؟ والجمهورُ على أنها لا تلتحق بها . وأما بين الأذانينِ قبل المغرب ، فهذا الحديث يدل على مشروعية الصلاة فيه . وقد اختلف العلماء في ذلك : فمنهم من كرهه ، وقالَ : لا يزولُ وقت النهي حتَّى يُصلِّي المغرب ، وهو قولُ الكوفيين وغيرهم . ومنهم من قال : باستحبابها ، وهو رواية عن أحمد ، وقول طائفة من السلف ؛ لهذا الحديث ؛ ولحديث أنسٍ في الباب الماضي . ومنهم من قال : هي مباحة ، غير مكروهة ولا مستحبة ، والأمر بها إطلاق من محظور ، فلا يفيد أكثر من الإباحة ، وهو رواية عن أحمد ، وسيأتي القول فيها بأبسطَ من هذا في موضع آخر - إن شاء اللّه تعالى . i ٥٣٧ ١٦ - بَابُ بين كل أذانين صلاة لمن شاء کتاب الأذان وأَمَّ الصلاة بين الأذانينِ للعشاءِ ، فهي كالصلاةِ بينَ الأذَانينِ للعصرِ ودونها؛ فإنَّا لا نعلمُ قائلاً يقول بأنها تلتحق بالسننِ الرواتبِ . ٥٣٨ حديث : ٦٢٨ كتاب الأذان ١٧ - بَابُ مَنْ قَالَ: لِيُؤَذِّنْ فِي السَّفَرِ مُؤَذِّنٌ وَاحِدٌ ٦٢٨ - ثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدِ: ثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ أَبُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ الحُوَيْرِثِ، قَالَ: أَيْتُ النَِّيَّ ◌َ فِي نَفَرِ مِنْ قَوْمِي، فَأَقَمْنَا عِنْدَهَ عِشْرِينَ لَيْلَةً ، وَكَانَ رَحِيمًا رَقِيقًا، فَلَمَّا رَأَى شَوْقَنَا إِلَى أَهْلِنَا، قَالَ: ((ارْجعُوا، فَكُونُوا فيهمْ، وعَلِّمُوهُمْ، وَصَلُّوا، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاَةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ ، وَلَيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ). مراده: أنَّ النبي ◌َّهِ أَمَرَ مالكَ بن الحويرث وأصحابه بالرجوعِ إلى أهْلِهِمْ ، وأمرهم إذا حضَرَتِ الصَّلاةُ أن يؤذنَ أحدهم ، كانَ (١) دليلاً على أَنَّ المسافرينَ لا يشرعُ لهم تكريرُ الأَذَانِ وإِعادتُه مرتينٍ في الفَجْرِ ولا في غيرِهِ . ويعضد هذا: أنه لم ينقلْ عنِ النَّبِيِّ وَ أَنَّه كانَ له في السَّفَرِ مؤذنان ، يؤذنُ أحدهما بعد الآخر . وحديث زيادٍ بن الحارث الصدائي المتقدم يدلُّ على ذلك . ولكنَّ اللفظَ الَّذِي سَاقِه البخاريُّ في هذا الباب إِنَّما يدلُّ على أنَّه أمرهم بذلك إذا رجعوا إلى أهليهم ، لا أنَّه أمرهم به في سفرهم قبل وصولهم ، وقد نَّبه على ذلك الإِسماعيلي، وترجم عليه النَّسائي(٢): ((اجتزاءُ المرءِ بأذان غيره في الحَضَرِ)) . وقد خرجه البخاريُّ في البابَ الذي يلي هذا بلفظ صريحٍ ، بأنه أمرهم بذلك في حالِ رجوعِهم إلى أهلِهِمْ وسَفَرهمْ ، فكانَ تخريجه بذلك اللفظِ في هذا الباب (١) الأشبه : ((فكان)». (٢) (٩/٢). ٥٣٩ ١٧ - بَابُ من قال : ليؤذن في السفر مؤذن واحد كتاب الأذان أولى من تخريجه بهذا اللفظ الذي يدلُّ على أنَّه لم يأمرهم بذلكَ في السفر . فإن قيلَ : بل قوله : ((إذا حضرتِ الصَّلاة فليؤذنْ لكمْ أحدكم)) عامٌّ في السفر والحضر ، ولا يمنعُ من عمومهِ تخصيص أول الكلام بالحضر . قيل : إن سلم ذلك لم يكن فيه دليل على أنه لا تستحبُّ الزيادة على مؤذن واحدٍ في السَّفْر خاصة ؛ لأن الكلام إذا كانَ شاملاً للحضرِ والسفرِ فلا خلافَ أنه في الحضر لا يكره اتخاذ مؤذَّيْن ، فكيف خصَّ كراهَة ذلك بالسَّفَرِ وقد شملها عموم واحد ؟ وفي حديث عمرو بن سلمة الجرمي، عن أبيه ، أنَّه لما قدم على النبيِّ ◌َِّة قال لهم: ((إِذَا حَضَرَتْ صلاةٌ فليؤذنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ)) . وَذَكَرِ الحَدِيثَ . وقد خرجه البخاريُّ في موضع آخر(١) . وأمرُه هذا لا يختص بحالٍ سفرهم ، بل يشملُ سفرَهم وإقامَتَهم في حيّهم . 1 (١) (٤٣٠٢) . ٥٤٠ حديث : ٦٢٩ کتاب الأذان ١٨ - بَابُ الأذَان لِلْمُسَافِرِينَ إِذَا كَانُوا جَمَاعَةٌ وَالإِقَامَةِ وَكَذلِكَ بِعَرَفَةَ وَجَمْعِ وَقُولِ اَلَمُؤَذِّنِ: (الصَّلاَةُ فِي الرِّحَالِ))، فِي اللَّيْلَةِ البَارِدَةِ أو الْمِطَيِرَّة الأذانُ بعرفة وجَمْعٍ ، لم [يخرج] (١) فيه هاهنا شيئًا ، إِنَّما خرج أحاديثَ في ((أبواب: الجمع بين الصلاتين))، وفي ((كتاب الحجِ)، والكلامُ فيه يأتي في موضوعِه - إنْ شاء اللّه تعالى . وأشارَ إليه هاهنا إشارةً ؛ لأن فيه ذكرَ الأذانِ في السفر ، وإنما خرج هاهنا أربعة أحاديث مما يدخل في بقية ترجمة الباب . الحديث الأول : ٦٢٩ - ثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: ثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ المُهَاجِرِ أَبِي الحَسَنِ، عَنْ زَيِّدِ بْنِ وَهْبٍ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّه ◌َ فِي سَفَرٍ، فَأَرَادَ المُؤَذِّنُ أَنْ يُؤَذِّنَ ، فَقَالَ لَهُ: (أَبْرِدِ». ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ، فَقَالَ لَهُ: (أَبْرِدْ)). ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ، فَقَالَ لَهُ: (َبْرد)، حَتَّى سَاوَى الظّلُّالُّلُولَ، فَقَالَ النَّبِيُّ: ((إِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ) . هذا الحديث قد خرجه البخاري فيما سبقَ في ((أبواب: وقتِ صلاة الظهر))(٢). ومقصودُه منه هاهنا: أنَّ النبيَّ وَّ كانَ يُؤذنُ له في السفرِ . وقد تقدم الكلامُ على الإبرادِ ، وهل كانَ بالأَذان أو بالإقامةِ . وقولُه في هذه الرواية: ((حتى ساوى الظلُّ التلولَ)) ظاهرهُ أَنَّه أخَّر صلاةَ الظهر يومئذ إلى أن صار ظل كلِّ شيءٍ مِثْلَه ، وهو آخر وقتها . وهذا يحتملُ أمرين : (١) في الأصل: ((يمر)) كذا. ولعله: ((يذكر)). (٢) (٥٣٩) .