Indexed OCR Text

Pages 461-480

٤٦١
٧ - بَابُ ما يقول إذا سمع المنادي
كتاب الأذان
فروى الليث بن سعد ، عن يزيد بن أبي حبيب ، أن سويد بن قيس أخبره ،
عن معاوية بن حُدَيج، أنَّه رسول اللَّه ◌َ لّهِ صلَّى يومًا، فسلَّم وقد بقيتْ من
الصلاة ركعة ، فأدركه رجل ، فقال : نسيتَ من الصلاة ركعة ، فرجع فدخلَ
المسجدَ ، وأمرَ بلالاً فأقام ، فصلى للناس ركعةً ، فأخبرتُ بذلك الناسَ ، فقالوا
لي : تعرفُ الرجل ؟ فقلتُ: لا ، إلا أن أراه . فمرَّ بي ، فقلتُ : هو هَذَا .
فقالوا : هذا طَلْحة بن عبيد الله .
ءِ
خرجه الإمام أحمدُ وأبو داود والنسائيّ .
وابنُ خزيمةَ وابن حبانَ في ((صحيحهما))، وعندهما : أنه سلّم في ركعتين
من صلاة المغرب .
والحاكم(١)، وقالَ : صحيح الإسنادِ .
وسويدٌ هذا، وثَّقَهُ النسائيُّ وابن حبانَ . ومعاويةُ بن حُديج ، أثبت البخاري
وغيره له صحبة ، وأنكره الإمام أحمد في رواية الأثرم ، فيكون حديثه هذا
مرسلاً عنده .
فهذا يدل على [أنَّ](٢) إقامةَ الصلاة في الصَّلاَة لا يبطلها، وفيها الحَيْعَلَتَانِ،
ويزيد على الأذان بقوله : ((قد قامت الصَّلاَة)) - أيضًا - ؛ ولهذا بنى عَلَى ما مَضَى
من صَلاتِه هُوَ ومَنْ صلَّى معه .
وهذا قد يبنى على أصول مالك وأحمد - في رواية عنه - على قوليهما : إنَّ
كلام العامدِ في الصلاة لمصلحةِ الصلاة لا يبطلُ الصلاةَ . ويأتي ذكرُ هذا في
موضعٍ آخر - إن شاء اللَّه .
وإذا قلنا : لا يجيبُ المؤذن في الصَّلاَةِ: فهل يُتَابِعُ إِذا فَرَغَ منها ؟
(١) أحمد (٤٠١/٦) وأبو داود (١٠٢٣) والنسائي (١٨/٢) وابن خزيمة (١٠٥٣) وابن حبان
(٢٦٧٤) والحاكم (٢٦١/١) .
(٢) زيادة مني.

٤٦٢
حديث : ٦١٢ - ٦١٣
کتاب الأذان
قال طائفة من الشافعية : يجيبه إذا سلَّمَ ، فإن طالَ الفصلُ ، فهو كتركِ
سجود السهو .
وكذلك قال طائفة منهم في المتخلِّي والمجامع إذا سمعَ الأذان : إنه إذا فرغ
تابعه .
وقالَ بعضهم : وإذا لم يتابعه حتى فرغ عمدًا ، فالظاهر أنه يُتدارك على
القرب ، ولا يُتدارك بعد طولِ الفصلِ .
والأفضلُ أن يتابعه على كلِّ جملة عقب فراغ المؤذن منها من غير تأخرٍ ،
ہے
کما دلَّ عليه حديث معاوية .
ومن زعمَ من المتأخرين : أنه يجوز(١) الإجابة حتى يفرغَ ثم يجيبه ، وزعم
أنه لا يُسمَّى مؤذنًا حتى يفرغَ من أَذَانه - : فقد أبْطَلَ، وقال ما خالفَ به الأولينَ
والآخرين .
وفي تسميته مؤذنًا بعد فراغ أذانه حقيقةً اختلافٌ - أيضًا - ؛ فإنه ينقضي
الفعلُ الذي اشتقَّ منه الاسمُ ، ولو سابقَ المؤذنَ في بعضِ الكلماتِ .
ففي ((تهذيب المدونة)) للمالكية: إذا عجَّل قبل المؤذن بالقولِ فلا بأسَ.
والله أعلم .
(!) كذا، والأشبه: ((يؤخر)).

٤٦٣
٨ - بَابُ الدعاء عند النداء
کتاب الأذان
٨ - بَابُ
الدُّعَاءِ عنْدَ النِّدَاء
٦١٤ - حَدَّثَنِ ابْنُ عَيَّاش: ثَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ ، عَنْ مُحَمَّد بْنِ المُنْكَدرِ ،
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللّهِوَ قَالَ: ((مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النَِّاءَ: اللَّهُمَّ ،
رَبَّ هَذه الدَّعْوَةِ التَّامَّةً، وَالصَّلاَةِ القَائِمَةِ، آت مُحَمَّدًا الوَسيلَةَ وَالفَضِيلَةَ ، وَأَبْعَثْهُ
مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ، حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِيِّ يَوْمَ القِيَامَةِ» .
هذا مما تفرَّد [به] البخاريُّ دون مسلمٍ .
وخرجه الترمذيُّ(١)، وقال : حسنٌ غريبٌ من حديث ابن المنكدرِ ، لا نعْلَمُ
أَحَدًا رَوَاهُ غير شُعَيْبٍ بن أبي حمزة .
وذكر ابنُ أبي حاتمٍ (٢)، عن أبيه ، قال : قد طعن في هذا الحديث ، وكان
عرض شعيبُ بن أبي حمزة على ابنِ المنكدر كتابًا ، فأمر بقراءته عليه ، فعرف
بعضًا وأنْكَر بعضًا، وقال لابنه - أو لابن أخيه - : اكتب هذه الأحاديث ، فدوَّن
شعيب ذلك الكتاب ، ولم تثبت رواية شعيب تلك الأحاديث على الناس ،
وعُرض عليَّ بعضُ تلكَ الكتبُ [فرأيتها مشابهةً] (٣) لحديثِ إسحاق بن أبي فروة ،
وهذا الحديث من تلك الأحاديث . انتهى .
وقد روى الأثرم ، عن أحمد ، قال : نظرتُ في كتب(٤) شعيب ، أخرجها
إليَّ ابنه ، فإذا فيها من الصحة والحسن والمشكل نحو هذا .
(١) (٢١١) .
(٢) في «العلل)) (٢٠١١).
(٣) في الأصل: ((قرأ منها مشابهًا))، والتصويب من ((العلل)).
(٤) في الأصل: ((كتاب)) خطأ، والنص في ((الجرح والتعديل)) (٢/ ١/ ٣٤٥) و((التهذيب
الكمال)» (٥١٨/١٢) .

٤٦٤
حديث : ٦١٤
کتاب الأذان
وقد روي ، عن جابر من وجه آخر بلفظ فيه بعض مخالفة ، وهو يدل على
أن لحديث جابر أصلاً .
خرجه الإمام أحمد (١) من رواية ابن لهيعةَ : ثنا أبو الزبير ، عن جابرٍ ، عن
رسول اللَّهُ وَ ◌ّل، قال: ((مَنْ قال حين ينادي المنادي: اللهمّ، ربّ هذه الدعوة
التامَّةَ والصلاة النافعة ، صلِّ على محمد وارضَ عنْه رضًا لا سخطَ بعده ؛
استجابَ الله دعوته)) .
وقد روي في هذا المعنى وسؤال الوسيلةِ عند سماعِ الأَذَانِ من حديثٍ
أبي الدَّرْدَاءِ ، وابنِ مسعودٍ - مرفوعًا - ، وفي إسنادهما ضَعْفٌ .
ومما يشهدُ له - أيضًا - : حديثٌ خرجه مسلمٌ (٢) من طريق كعب بن علقمة،
عن عبد الرحمن بن جبير ، عن عبد اللَّهِ بن عمرٍو بن العاصِ ، أنه سمع النبيّ
﴿ريّ يقولُ: ((إذا سَمِعْتُمُ المؤذِّنَ فقولُوا مِثل ما يقولُ، ثم صلُّوا عليَّ؛ فإِنَّه مَنْ
صلَّى عليَّ صلاةً صلى اللَّه عليه بها عشراً، ثم سَلُوا اللَّهَ لي الوسيلةَ؛ فإنها منزلةٌ
في الجنَّةِ لا تنبغي إلا لِعَبْدٍ مِنْ عباد اللَّه، وأرجو أن أكون أنَا هُوَ ، فَمَنْ سَأَلَ لي
الوسيلةَ حلتْ له الشفاعةُ) .
وعبد الرحمن بن جبيرِ هذا : مولى نافع بن عمرو القرشيِّ المصريِّ ، وظنَّ
بعضهم ، أنه : ابنُ جُبير بنُ نفير ، فَوَهِم ، وقد فرقَ بينهما البخاريُّ والترمذيّ
وأبو حاتم الرازيُّ وابنه .
وقد روي عن الحسنِ ، أنَّ هذا الدعاءَ يُشْرعُ عند سماعٍ آخرِ الإقامة .
روى ابنُ أبي شيبة (٣): ثنا أبو الأحوص ، عن أبي حمزة ، عن الحسنِ ،
قالَ: إِذَا قال المؤذنُ : ((قَدْ قَامَتِ الصَّلاة))، فقل: اللهمَّ، ربَّ هذه الدعوة
(١) (٣٣٧/٣) .
(٢) (٤/٢) .
(٣) (٢٠٦/١) .

٤٦٥
٨ - بَابُ الدعاء عند النداء
کتاب الأذان
التَّامَّة والصلاة القائمة، أعط محمدًا سُؤْلَه يَوْمَ القيامة . فلا يقولها رجلٌ حينَ
يُقيم المؤذنُ إلا أدخلَه اللَّه في شفاعةِ محمد يومَ القيامةِ .
وروى ابنُ السُّنْيِّ في كتاب ((عمل اليوم والليلة))(١) من رواية عبد الرحمن بنِ
ثابت بن ثوبان ، عن عطاء بن قرة ، عن عبد اللَّهِ بن ضَمْرةَ ، عن أبي هريرةَ ،
أنه كانَ يقولُ إذا سَمِعَ المؤذن يقيمُ: اللَّهمَّ، ربَّ هذه الدَّعْوَةِ التَّامَّة وهذه
الصلاة القائمة ، صلِّ على محمد وآَتِهِ سُؤْلَه يَوْمَ القِيَامَةِ .
وهذه الآثار تشهدُ للمنصوصِ عن أحمدَ ، أنه يدعو عند الإقامة ، كما سبقَ
عنه .
وقوله : ((مَنْ قال حين يَسْمِعُ النِّداءَ)): ظاهره أنه يقولُ ذلكَ في حالِ سماعٍ
النداءِ ، قبلَ فَرَاغِهِ . ويُحتمل أنَّه يُريدُ به حِينَ يفرغ من سماعه .
وحديثُ عبد الله بن عمرو صريحٌ في أنَّه يسألُ الوسيلةَ بعد إِجابةِ المؤذنِ
والصَّلاة على رسولِ اللَّه وَلَهُ .
وهذا هو الأَظْهَرُ ؛ فإنه يُشْرع قبل جميع الدعاء تقديمُ الثناء على الله والصلاة
على رسوله ، ثم يدعو بعد ذلك .
وقوله : ((اللهمَّ ربَّ هذه الدعوة التامة)).
والمرادُ بالدعوة التامة : دعوةُ الأذان ؛ فإنَّها دعاءٌ إلى أشرف العبادات ،
والقيامِ في مقامِ القربِ والمناجاةِ ؛ فلذلك كانت دعوةً تامةً - أي : كاملةً لا نقص
فيها ، بخلاف ما كانت دعواتُ أهلِ الجاهليةِ: إِمَّ إلى استنصارِ على عدوٍّ، أو إلى
نعي ميتٍ ، أو إلى طعامٍ ، ونحو ذلك مما هو ظاهرهُ النقص والعيب .
وروى أبو عيسى الأسواري ، قال : كانَ ابنُ عمر إذا سَمِعَ الأذانَ قال :
اللَّهُمَّ ربَّ هذه الدعوةِ المستجابةِ المستجاب لها ، دعوة الحقِّ وكلمة التقوى ،
(١) (١٠٤) .

٤٦٦
حديث : ٦١٤
كتاب الأذان
فتوفني عليها ، وأحْيِني عليها ، واجْعَلْني من صالحِ أهلِهَا عَمَلاً يومَ القيامةِ.
وقد روي عن ابن عمر - موقوفًا - من وجوه أخر .
وروي عنه مرفوعًا من وجه ضعيف .
قال الدار قطنيُّ : الصحيح : موقوفٌ .
وخرَّج بقيُّ بن مَخْلَدٍ والحاكمُ (١) من حديث عُفير بن معدان ، عن [سليم بن
عامر، عن](٢) أبي أمامة، عن النبي بَّه: ((إذَا نَادى المنادي فتحت أبوابُ
السَّمَاءِ واستجيبَ الدُّعاء، فَمَنْ نَزَلَ به كرْبٌ أو شدَّةٌ فَلْيَتَحينِ المُنَادِي إِذَا نَادَى،
فَلْيَقُلْ مثل مَقَاله ، ثم ليقلْ: اللهمَّ، ربَّ هذه الدعوة التامَّة الصَّادِقَة الحقِّ
المستجابَة ، المستجاب لها ، دَعوة الحقِّ وكَلمة التقوى، أَحْينَا عليها، وأمتْنَا
عَلَيْها، وابعَثْنا عليها، واجْعَلْنَا من خيار أهلها محيًا ومماتًا. ثم يسألُ حَاجته)).
وعفيرُ ، ضعيفٌ جداً .
وقولُهُ : ((والصلاة القائمة)) - أي: الَّتي ستقومُ وتحضرُ .
وقد خرج البيهقيُّ (٣) حديثَ جابرٍ، ولفظه: ((اللهمَّ إني أسألكَ بحقِّ هذه
الدَّعْوة التامَّة والصلاة القائمة)).
وهذا اللفظُ لا إشكالَ فيه ؛ فإنَّ اللَّه سبحانه جعل لهذه الدعوة وللصلاة حقًّا
كتبه على نفسِهِ ، لا يُخْلِفُه لمن قام بهما من عباده ، فرجعَ الأَمْرُ إلى السؤالِ
بصفات اللَّه وكلماته .
ولهذا استدلَّ الإمامُ أحمد على أن القرآنَ ليسَ بمخلوقٍ باستعاذة النبيُّ
بكلمات اللَّه التَّمة ، وقال : إنما يُستعاذُ بالخالِقِ لا بالمخلوقِ .
وَسَةٍ
وأما روايةُ مَنْ رَوى: ((اللهمَّ، ربَّ هذه الدعوة النَّامَّةِ والصلاة القائمةِ))، كما
(١) (١ / ٥٤٦) .
(٢) سقط ، واستدركته .
(٣) ((السنن الكبرى)) (٤١٠/١).

٤٦٧
٨ - بَابُ الدعاء عند النداء
کتاب الأذان
هي رواية البخاريًّ والترمذيَّ وغيرهما ، فيقال : كيفَ جعل هذه الدعوة مربوبةً ،
مع أن فيها كلمةَ التوحيدِ ، وهي من القرآن ، والقرآن غير مربوبٍ ولا مخلوق ؟
وبهذا فرَّق من فرق من أهل السنةِ بين أفعالِ الإيمانِ وأقوالهِ ، فقال : أقوالُه
غيرُ مخلوقة ، وأفعالُه مخلوقُةٌ ؛ لأنَّ أقوالَه كلَّها ترجعُ إلى القرآنِ ؟
وأُجيبَ عن هذا بوجوه :
منها : أنَّ المربوبَ هُوَ الدَّعْوة إلى الصَّلاَةَ خاصَّةٌ، وهو قوله: ((حَيَّ على
الصلاة ، حيَّ على الفلاحِ))، ولَيْسَ ذَلكَ في القُرآن ، ولم يرد به التكبير
والتهليل . وفيه بُعْدٌ .
ومنها : أنَّ المربوبَ هو ثوابُها . وفيه ضعف .
ومنها : أن هذه الكلمات من التهليل والتكبير هي من القرآن بوجه ، وليست
منه بوجه، كما قال وَّهُ: ((أفضلُ الكلام بعد القرآن أربعٌ، وهنَّ من القرآن:
سبحانَ اللَّه، والحمد لله، ولا إله إلا اللَّهُ، والله أكبرُ))(١).
فهي من القرآن إذا وقعت في أثناءِ القرآن ، وليستْ منه إذا وقعتْ في كلامٍ
خارجٍ عَنْهُ ، فيصحُّ أن تكونَ الكلماتُ الواقعة من ذلك في ضمن ذلك مربوبةً .
وقد كرِه الإمام أحمدُ أن يؤذنَ الجُنُب ، وعللَّ بأن في الأذان كلمات من
القرآن .
والظاهرُ : أن هذا على كراهةِ التنزيهِ دونَ التحريم .
ومن الأصحاب من حملهَ على التحريمِ ، وفيه نظرٌ ؛ فإن الجنب لا يُمنعُ من
قولِ: ((سبحانَ اللَّهِ، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبرُ» على وجه
الذكرِ ، دونَ التِّلاوةِ .
وسئل إسحاقُ عن الجُنْبِ يجيبُ المؤذنَ ؟ قال: نَعَمْ ؛ لأنَّه ليسَ بِقُرآنٍ .
(١) ((المسند)) (٢٠/٥).

٤٦٨
حديث : ٦١٤
كتاب الأذان
ومنها : أن الرَّبَّ ما يُضافُ إِلَيْهِ الشَيْءُ، وَإِنْ لم يَكُنْ خَلْقًا له، كرب الدار
ونحوِهِ ، فالكلام يضاف إلى اللَّهِ ؛ لأنَّه هو المتكلم به ، ومنه بدأ ، وإليه يعودُ،
فهذا بمعنى إضافته إلى [ ربوبية](١) اللَّه.
وقد صرح بهذا المعنى الأوزاعيّ ، وقال فيمن قال: ((بربِّ القرآن)): إنْ لم
يُرِدْ ما يريد الجهميَّةِ فلا بأسَ .
يعني : إذا لم يردْ بربوبيته خَلْقَه كما يريدُه الجهمية ، بل أرادَ إضافةَ الكلامِ
إلى المتكلم به .
وقوله : ((آت محمدًا الوسيلةَ))، قد تقدَّم حديث عبد الله بن عمرو ، عن
النّبِيِّ بَّهِ، أنه قال: (ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ ليَ الوسيلةَ؛ فإنها منزلةٌ في الجنة لا تنبغي إلا
لعبد من عباد اللَّهِ، وأرجو أن أكونَ أَنَا هُو)) .
وخرج الإمامُ أحمدُ والترمذيُّ (٢) من حديث أبي هريرةَ، عن النبيِّ ◌َِّ،
قال: ((سَلُوا اللَّه لي الوَسيلَة)). قَالُوا: يَا رَسولَ اللَّهُ، مَا الوسيلَةُ ؟ قال:
((أَعْلَى درجة في الجنّة، لا ينالُها إلا رجلٌ واحدٌ، أرجو أنْ أكونَ أنَا)).
ولفظُ الإمامِ أحمدَ : ((إذَا صَلَّيْتُم عليَّ فسَلُوا اللَّهَ لي الوسيلةَ)) - وذكر باقيه .
وخرج الإمامُ أحمد (٣) من حديث أبي سعيد، عن النبي بَلَّ ، قال :
((الوَسيلةُ درجةٌ عندَ اللَّه عز وجل ليسَ فوقها درجةٌ ، فسلُوا اللَّه أن يؤتيني
الوسيلةَ)) .
وأمَّا ((الفضيلة))، فالمرادُ - والله أعلم - : إظهارُ فضيلته على الخلق
أجمعين يومَ القيامةِ وبعده ، وإشهادُ تفضيله عَلَيْهم في ذلكَ الموقف ، كما قال :
((أَنَا سَيِّدُ وَلَد آدمَ يومَ القيامةِ))، ثم ذكر حديثَ الشَّفَاعةِ.
(١) غير واضحة ، لكن هكذا يمكن أن تقرأ .
(٢) أحمد (٢٦٥/٢) والترمذي (٣٦١٢) .
(٣) (٣/ ٨٣) .
١

٤٦٩
٨ - بَابُ الدعاء عند النداء
کتاب الأذان
وقوله : ((وابْعَثْه مقامًا محمودًا))، هكذا في رواية البخاريِّ وأبي داودَ
والترمذيِّ والنسائيِّ (١) وغيرهم .
وعزا بعضُهم إلى النسائيِّ، أنَّه رواه بلفظ: ((المقام المحمود)) بالتعريف،
وليسَ كذلك .
[وكذلك] (٢) وقعت هذه اللفظةُ بالألف واللامِ في بعض طرقِ رواياتِ
الإِسماعيليِّ في ((صحيحه)).
ووجهُ الروايةِ المشهورة : أنَّ ذلك متابعةٌ للفظ القرآن ، فهو أولى ، وعلى
هذا فلا يكون ((الذي وعدته)) صفةً ؛ لأن النكرة لا تُوصف بالمعرفة وإن
تخصَّصَتْ، وإنما تكونُ بدلاً ، لأنَّ البدلَ لا يُشترط أن يطابق في التعريف
والتنكير ، أو يكون منصوبًا بفعلٍ محذوفٍ تقديره : ((أعني: الذي وعدته))، أو
يكونَ مرفوعًا - خَبَر مبتدٍ محذوفٍ - أي ((هُو الذي وعدته)).
و((المقام المحمود)):
فُسِّرِ بالشفاعةِ .
وقد رُوي ذلك عن النبيِّ ◌َّ من حديث أبي هريرة وأبي سعيدٍ وابن عباسٍ
(٣)
وغيرهم(٣).
وفُسِّر : بأنه يدعى يوم القيامة ليُكْسَى حُلّةً خضراء ، فيقوم عن يمين العرش
مقامًا لا يقدمه أحدٌ ، فَيَغْبطُه به الأَوَّلونَ والآخرونَ .
(١) أبو داود (٥٢٩) والترمذي (٢١١) والنسائي (٢٦/٢).
(٢) زيادة مني ، الظاهر أنها سقطت لانتقال نظر الكاتب .
(٣) حديث أبي هريرة: أخرجه أحمد (٤٤١/٢ - ٤٤٤ - ٤٧٨ - ٥٢٨) والترمذي (٣١٣٧)
وأبي سعيد : أخرجه أحمد (٨٣/٣)، وابن عباس: أخرجه عبد بن حميد (٦٨٨) وروى من.
حديث ابن عمر أخرجه الطبراني (٩٨/١٥) وكعب بن مالك أخرجه أحمد (٤٥٦/٣) وابن
مسعود أخرجه أحمد (٣٩٨/١ - ٣٩٩) ومن حديث ابن عمر موقوفًا : أخرجه البخاري
(٤٧١٨)، ومن مرسل علي بن الحسين أخرجه الطبري (٩٩/١٥).

٤٧٠
حديث : ٦١٤
كتاب الأذان
وقد روي عن النبيِّ ◌َ﴿ من حديث ابن مسعودٍ ، ونحوه من حديث كعب بن
مالك - أيضًا - ، وكذا رُوي عن حذيفة - موقوفًا ، ومرفوعًا .
وهذا يكون قبل الشفاعة .
وفسره مجاهد وغيره بغير ذلك .
وقوله : ((حلَّتْ له شفاعتي)) .
قيل : معناهُ نالته وحصُلَتْ له ووجبتْ .
وليس المرادُ بهذه الشفاعةِ الشفاعة في فصلِ القضاء ؛ فإنَّ تلك عامَّةً لكل
أحد . ولا الشفاعةَ في الخروجِ من النارِ ، ولا بد ؛ فإنه قد يقول ذلك مَن لا
يدخلُ النار .
وإنما المراد - والله أعلم -: أنه يصيرُ في عناية رسول اللّه ◌َِ لَه، بحيثُ
تتحتم له شفاعتهُ (١)؛ فإن كان ممن يدخلُ النَّارَ بذنوبه شَفَع له [في](٢) إخراجه
منها ، أو في منعه من دخولِها . وإن لم يكن من أهلِ النار فيشفع له في دخوله
الجنة بغير حسابٍ ، أو في رفعٍ درجته في الجنة .
وقد سبقت الإشارة إلى أنوع شفاعة النبي ◌َّر في ((كتاب التيمم)).
(١) في الأصل : ((شفاعتيه)).
(٢) زيادة للسياق.

٤٧١
٩ - بَابُ الاستهام في الأذان
كتاب الأذان
٩ - بَابُ
الاسْتِهَامِ فِي الأَذَانِ
وَيُذْكَرُ أَنَّ قَوْمًا اخْتَفُوا فِي الأَذَانِ ، فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ سَعْدٌ .
قال عبد اللَّه ابن الإمام أحمد: ثنا أبي: ثنا هشيم، قال: ابن شبرمة أخبرنا ،
قال : تَشَْاحَّ الناسُ بالقادسيةِ على الأذان، فارتفعوا إلى سعد، فأَفْرَع بينهم(١).
وهذا إسنادٌ منقطع .
قال عبد اللَّه ابن الإمام أحمد (٢): سألت أبي عن مسجد فيه رجلان يدَّعيان
أنهما(٣) أحق بالمسجد ، هذا يؤذنُ فيه وهذا يؤذنُ فيه ؟ فقال : إذا استووا في
الصلاح والورع أقرعَ بينهما . وكذلك فعل سعد ، فإن كان أحدهما أصلح [في
دينه](٤) فينبغي لهم ألاَّ يختصموا .
فقلت : وإن كانَ أحدهما أسنَّ وأقدمَ في هذا المسجد ، يُنفقُ عليه ويحوطه
ويتعاهده ؟ قال : هذا أحقُّ به .
ومعنى هذا : أنه إذا تَشَاحَّ في الأذان اثنانِ ، فإنِ امتازَ أحدهما بمزيد فضلٍ
في نفسه فإنه يُقدَّم ، وهو مراد أحمدَ بقوله: ((إن كان أحدهما أصلح [في
دينه](٣) فينبغي لهم ألا يختصموا)) - يعني: أن الأصلحَ أحقَّ فلا ينازع - ، فإن
استووا في الفضلِ في أنفسهم وامتازَ أحدهم بخدمة المسجد وعمارته قُدِّم بذلك .
وقال(٥) أصحابنا : إنه يُقدَّم أحد المتنازعين باختصاصهِ بصفات الأذان
(١) وأخرجه البيهقي (٤٢٨/١ - ٤٢٩) .
(٢) في ((مسائله)) (ص ٥٧).
(٣) في الأصل: ((ورعان أيهما)).
(٤) ليست في ((المسائل)) وفي الأصل ((في بدنه))، ولعل الصواب: ((في دينه)) كما أثبته .
(٥) في الأصل : ((وكان)) خطأ .

٤٧٢
٩ - بَابُ الاستهام في الأذان
کتاب الأذان
المستحبة فيه ، مثلَ أن يكون أحدهما أندى صوتًا وأعلمَ بالمواقيت ونحو ذلك ؛
فإن استووا في الفضائل كلها أُقْرع بينهم حينئذٍ ، كما فعل سعدٌ .
والظاهرُ : أن مرادَ أحمدَ : التنازعُ في [ طلب ] (١) الأذان ابتداء ، فأما من
ثبت له حق الأذان في المسجد ، وهو مؤذنٌ راتب فيه ، فليس لأحد منازعته ،
ويُقدَّم على كل من نَازعه .
وقد نقل الشالنجي عن أحمد ما يبين هذا المعنى :
قال إسماعيلُ بن سعيد الشالنجي : سألت أحمدَ عن القومِ إذا اختلفوا في
الأذان فطلبوه جميعًا ؟ فقال : القُرْعَةُ في ذلك حَسَنٌ .
وقال(٢): ثنا هشيم ، عن ابن شُبرمة ، أن الناس تشَاحُوا يوم القادسية في
الأذان ، فأقرع بينهم سعد في ذلك .
قال الشالنجي : قال أبو أيوب - يعني : سليمان بن داود الهاشمي - : إن
مات المؤذِّنُ وله ولدٌ صالح فهو أحقُّ بالأذان ، وإن لم يطلبه ، وإن لم يكن
بأهلٍ لذلك ، وطلبه صلحاء المسجد يُقْرِعُ بينهم في ذلك .
وبه قال أبو خيثمة - يعني : زهير بن حرب .
وقال ابن أبي شيبةَ في الأذان : على ما جاء : ((يؤم القومَ اقرؤُهُم
الكتاب اللَّه))، وكذلك الأذان .
قال الجوزجاني بعد أن ذكر هذا عن الشالنجي - ما معناه - : إنَّ اختلاف
النَّاسِ يُرُدُّ إلى السُنّةِ .
ثُمَّ روى حديث النَّبِيِّ وَِّ ((المؤذنُ مُؤْتَمنٌ)) من طرقٍ(٣).
(١) مشتبهة بالأصل.
(٢) القائل : هو الإمام أحمد .
(٣) روى من حديث أبي هريرة وعائشة وأبي أمامة وواثلة وأبي محذورة ، بهذا اللفظ وبألفاظ
متقاربة، فحديث أبى هريرة أخرجه أحمد (٢٨٢/٢ - ٣٨٢ - ٤٢٤ - ٤٦١ - ٤٧٢)
وأبو داود (٥١٨) والترمذي (٢٠٧) وابن خزيمة (١٥٢٨).

٤٧٣
٩ - بَابُ الاستهام في الأذان
كتاب الأذان
وروى حديثَ حسين بن عيسى ، عن الحكم بن أبان ، عن عكرمة ، عن
ابن عباس، عن النبيِّ بَِّ: ((ليؤذنْ لكم خيارُكُمْ)).
وقد خرجه أبو داود وابن ماجه(١).
وتُكلِّمَ فيه من جهة الحسين ، والحكم - أيضًا .
وفي مراسيل صفوان بن سليم، أنَّ النبيَّ وَّه قال لبني خطمة من الأنصار :
((يا بني خطمة، اجعلوا مؤذنَكُمْ أَفْضَلكم في أنْفُسِكُمْ»(٢).
ثُمَّ قال الجوزجاني : لا بدَّ أنْ يكونَ المؤذنُ خيارًا ، وبأن يكون مُؤتمنًا متبعًا
للسنةِ ، فالمبتدعُ غير مُؤْتمنٍ. فإن اجتمع هذه الخلالُ في عدَّةٍ من أهل المسجد ،
فإن أحقَّهم بالأذانِ أنداهُمْ صوتًا .
ثم ذكر حديث عبد الله بن زيد، أن النبيَّ بَ له قال له: «ألقه على بلال؛
فإنه أندى صوتًا منك)). قال : وإنما أظنهما كانا متقاربين في الفضل والأمانة ،
وفَضَلَه بلالٌ بالصوتِ ، فلذلك رآه أحقَّ .
فإذا اجتمع رجالٌ في المسجدِ وَعَلاهم رجل ببعضِ هذه الخصال كان أحقّ
بالأذان ، وإذا استوتْ فيها حالاتهم فالقرعة عند ذلك حسنٌ .
وأشار إلى فعل سعدٍ وعضَّده بقولِ النبيِّ وَِّ: ((لَوْ يعلمُ الناس ما في النِّداء،
ثم لم يجدوا (٣) إلا أن يَسْتَهِمُوا عليه لاستهموا)).
ثم قال : فأما الآباءُ والأبناءُ والعَصَبةُ في الأذان والإمامة ، فإنا لا نعلم فيه
وحديث عائشة أخرجه أحمد (٦٥/٦) والبيهقي (٤٣١/١).
=
وحديث أبي أمامة أخرجه أحمد (٢٦٠/٥) والبيهقي (٤٣٢/١).
وحديث واثلة أخرجه الطبراني (٨٤/٢٢).
وحديث أبي محذورة أخرجه البيهقي (٤٢٦/١) .
(١) أبو داود (٥٩٠) وابن ماجه (٧٢٦).
(٢) أخرجه البيهقي (٤٢٦/١) .
(٣) في الأصل : ((ثم ليجدوا)).

٤٧٤
٩ - بَابُ الاستهام في الأذان
كتاب الأذان
سنَّة ماضية . والله أعلم . انتهى ما ذكره ملخصًا .
وخرج أبو داود(١) من رواية غالب القطان ، عن رجل ، عن أبيه ، عن
جده، أن رجلاً منهم أتى النبيَّ ◌َِّ، فقال: إن أبي شيخ كبيرٌ، وهو عَريفُ
الماء ، وإنه سألك أنْ تجعل إليِّ العِرَافَة بعده ؟ فقال: ((إن العرافةَ حقٌّ، ولا بد
للناس من العُرَفَاء، والعرفاء في النار)).
وهذا إسناد مجهول .
ولم يذكر أنه جعل العرافة له بمجرَّد كون أبيه عريفًا ، والإمامة العظمى لا
تُستحقُّ بالنسب ؛ ولهذا أنكر الصحابة على من بايعَ لولده .
وقال عبد الرحمن بن أبي بكر . جئتُم بها هِرَقْلِيَّةً ، تبايعون لأبنائكم !
وسمع ذلك عائشةُ والصحابة ، ولم ينكروه عليه ، فدلَّ على أن البيعةَ للأبناء
سنةُ الروم وفارس ، وأما سنة المسلمين فهي البيعة لمن هو أفضلُ وأصلحُ للأمة .
وما تزعمه الرافضةُ في ذلك فهو نَزْعة من نزعات المشركين في تقديمِ الأولادِ
والعصباتِ .
وسائرُ الولاياتِ الدينية سبيلُها سبيلُ الإمامة العظمى في ذلك. والله أعلم
وقد رُوي ما يَستدلُّ به منْ جعلَ الأذان للأبناء بعد آبائهم .
قال الإمام أحمد (٢): ثنا خلف بن الوليد : ثنا الهذيلُ بن بلال ، عن ابن
أبي محذورة، عن أبيه - أو عن جده - ، قال: جعلَ رسولُ اللَّه ◌َّ الأذانَ لنا
ولموالينا ، والسقاية لبني هاشمٍ ، والحجابة لبني عبد الدارِ .
الهذيلُ بن بلال ، ضعفة ابن معين ، وقواه الإمام أحمدُ ، وأبو حاتم .
وإسناده مشكوك فيه ، ولم يسمَّ ابن أبي محذورةَ هذا .
(١) (٢٩٣٤) .
(٢) (٤٠١/٦) .

٤٧٥
٩ - بَابُ الاستهام في الأذان
كتاب الأذان
وخرج الإمام أحمد والترمذي (١) من رواية أبي مريم ، عن أبي هريرة ، عن
النبيِّ بََّ، قال: ((الملكُ في قريش، والقضاءُ في الأنصارِ، والأذان في الحبشة)).
وخرجه الترمذي موقوفًا على أبي هريرة ، وقال : هو أصحّ .
وأبو مريمَ هذا ، ليس بالمشهور .
والمراد بهذا : أن سيد المؤذنين كان من الحبشة ، لا أنَّه يتوارثونه بعد
بلال ؛ فإنه لا يُعرفُ بعده من الحبشة مؤذنٌ .
وقد يُستدلُّ - أيضًا - بأن وَلَدَ أبي محذورةَ كانوا يتوارثونَ الأذانَ بمكة مدةً
طويلة ، وكذلك أولادُ سعد القَرَظ بالمدينة .
وروى الدارقطني (٢) بإسناده عن سعد القَرَظ، أن عمرَ دعاه(٣)، فقال له :
الأذانُ إليك وإلى عَقِبِكَ من بعدك .
وفي الإسناد ضعف .
قال الشافعيُّ - رحمه اللَّه - وأصحابه : يستحبُّ أن يكون المؤذنُ من ولد
بعضٍ من جعلَ بعضُ الصحابة الأذانَ فيهم ، ثم الأقرب إليهم فالأقرب .
وقال الشافعي - أيضًا - : إذا تنازعَ جماعة في الأذان ، ولم يكنْ للمسجد
مؤذنٌ راتبٌ أُقْرِعَ بينهم ، وكذا إذا كان له مؤذنونَ ، وتنازعوا في الابتداءِ ، أو
كان المسجدُ صغيرًاً، وأدَّى اختلاف أصواتهم إلى تهويش ، فَيُقْرَعُ ، ويؤذن من
خرجت له القُرْعَة ، أما إذا كان هناك راتبٌ ، ونازعَه غيرُهُ ، قُدِّم الراتبُ ، وإن
كان جماعة مرتبون ، وأمكن أذانُ كل واحدٍ في موضع من المسجد ؛ لكبره ،
أَذَّن كلُّ واحد وحده ، وإن كان صغيرًا ، ولم يؤدِّ اختلاف أصواتهم إلى تهويشٍ
أذَّنوا جملةً واحدةً .
(١) أحمد (٣٦٤/٢) والترمذي (٣٩٣٦).
(٢) في ((سننه)) (٢٣٦/١).
(٣) في الأصل بدون الهاء .

٤٧٦
٩ - بَابُ الاستهام في الأذان
كتاب الأذان
وهذا كله إذا كان التشاحُّ رغبةً في فضله وثوابه ، فإن كان رغبةً في الرياسة
والتقدمٍ فينبغي أن يؤخرَ من قصد ذلك ولا يُمكَّن منه، كما قال النبيِّ ◌َِّةِ: ((إنا
لا نوليٌّ عملنا هذا من طلبه أو حرص علیه»(١).
قال سفيانُ الثوريُّ : إذا رأيتَ الرجل حريصًا على الإمامة(٢) فأخِّرُهُ .
وكذلك إذا كان غرضُهُ أخذَ العوضِ الذي يُعْطَاه أهلُ الأذانِ في هذه الأزمان،
إما من بيتِ المالِ - وقد عُدِم ذلك - ، أو منَ الوقفِ .
فإن تشاحَّ اثنان: أحدهما غرضه ثوابُ الأذان ، والآخر غرضُه غرض الدنيا ،
فلا شكَّ في أن الأولَ أحقُّ .
وقد قال عثمان بن أبي العاص: إنَّ من آخرِ ما عَهِدَ إليَّ النبيَّ ◌َّ أن أتخذ
مؤذنًا لا يأخذُ على أذانه أجرًاً .
أخرجه الإمامُ أحمد وأبو داودَ والنسائيُّ وابن ماجه والترمذيُّ (٣).
وقال : حسن ، والعملُ عليه عند أهلِ العلمِ ، كرهوا أن يأخذوا على الأذان
أجرًا ، واستحبوا للمؤذنِ أن يحتسبَ في أذانه .
وروى أبو نعيم : ثنا عمارة بن زاذان ، عن يحيى البكاء ، قال : كنت أطوفُ
مع سعيد بن جبير ، فمر ابن عمرَ ، فاستقبله رجلٌ من مؤذني الكعبة ، فقال ابن
عمر : واللَّهِ ، إني لأبْغَضُكَ في اللَّهِ؛ لأخذِ الدراهم(٤).
قال: وثنا المسعودي، عن القاسم - هو: ابن عبد الرحمن -، قال: كان يُقال:
أربعٌ لا يؤخذ عليهنَّ رزق : قراءةُ القرآن، والأذانُ، والقضاءُ ، والمقاسمُ (
٠
(١) أخرجه البخاري (٢٢٦١) بنحو لفظه .
(٢) في الأصل: ((الأمانة)) خطأ.
(٣) أحمد (٢١/٤) وأبو داود (٥٣١) والنسائي (٢٣/٢) وابن ماجه (٧١٤) والترمذي (٢٠٩).
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٠٧/١) وعبد الرزاق (١/ ٤٨١) وابن عدي (٧/ ٢٦٥٠) وقد تقدم .
(٥) انظر ((المصنف)) لعبد الرزاق (٤٨٢/١) (١١٤/٨ - ١١٥).

٤٧٧
٩ - بَابُ الاستهام في الأذان
كتاب الأذان
وروى وكيع في ((كتابه)) عن عمارةَ بن زاذان ، عن يحيى البكاء ، أن ابن
عمر قال له رجل في الطواف من مؤذني الكعبة : إني لأحبك في اللَّه . قال :
وإني لأبغضك في اللَّه؛ لتَحْسِينك صوتَك لأجلِ الدراهم(١) .
قال : معاوية بن قرة : لا يؤذنُ إلا محتسبٌ .
وروى ابن أبي شيبة(٢): ثنا ابن نمير ، عن حلام بن صالح ، عن فائد بن
بكير، قال : خرجتُ مع حذيفة إلى المسجد صلاةَ الفجر ، وابنُ النَّبَّاح مؤذن
الوليد بن عقبةَ يؤذنُ، وهو يقولُ: اللَّهُ أكبرُ اللَّهُ أكبرُ ، أشهد أن لا إلهَ إلا اللّه ،
أشهد أن لا إله إلا الله ، يهوي بأذانه يمينًا وشمالاً. فقال حذيفة: من يرد الله
أن يجعلَ رزقه في صوته فعل .
وهذ إنما قاله حذيفة على وجه الذمِّ له ؛ لأنه رآه يتمايل في أذانه ، كأنه
يعجب بحسن صوته ، فجعل حذيفة يناكل بذلك ، وهذا مثل قول ابن عمر .
ونصُّ الشافعي - في الحديث - : إن الإمامَ ليسَ له أن يرزق المؤذنينَ وهو
يجد من يؤذن له طوعًا ممن له أمانةٌ .
وكذلك قال أصحابنا .
وقال الشافعي - في القديم - : قد رزقهمْ إمام هدّى(٣): عثمانُ بن عفان .
وسئل الضحاك عن مؤذن يؤذن بغير أجرٍ فيعطى : هل يأخذُ ؟ قال : إن
أعطيَ من غير مسألةٍ ، وكان فقيرًا، فلا بأسَ أن يَأْخُذَ .
وظاهر مذهب الإمام أحمد : أنَّه لا يَأْخَذُ على شيء من الأذانِ أَجَرًا ، ونص
عليه في الأذان بخصوصهِ .
وروي عنه : أن الإمام يرزقهم من الفيء ، وهو محمول على أنه لم يجد من
يتطوع بذلك .
(١) هو رواية من الأثر الذي تقدم عنه .
(٢) (١/ ١٩١) .
(٣) في الأصل : ((قدر رزقهم أما هدى)) كذا ..

٤٧٨
٩ - بَابُ الاستهام في الأذان
كتاب الأذان
ونقل عنه ابن منصور في الذي يقوم للناس(١) في رمضان : أُيْعَطى ؟ قال :
ما يعجبني أن يأخذَ على شيء من الخير أجرًاً .
قال : وقال إسحاق بن راهويه: لا يسعه أن يؤمّ على نيَّة أخذ ، وإن أمَّ ولم
ينوٍ (٢) شيئًا من ذلك ، فأعطيَ أو أكرم جَازَ.
ونقل حرب وغيره عن أحمد: أنه يقدم عند [النساء(٣) مَنْ رضِيَه أهلُ المسجدِ .
فحكى القاضي وأصحابه هذه روايةً ثانيةً عن أحمدَ ؛ لأنَّ الحق لهم في
ذلك ؛ لأنهم أعرف بمن يبلغهم صوته ، ومن هو أعفُّ عن النظرِ عند عُلُوَّةٍ
عليهمْ للأذان .
وجعل صاحب ((المغني)) رضا الجيران مقدمًا على القرعة، وأنه إنما يُقرع
بعد ذلك .
والصحيح : طريقة الأكثرين ؛ لأنَّ أبا داود نقل عن أحمد: أنه لا يُعتبر رضا
الجيران بالكلية ، وإنما يُعتبر القرعة ، فَعُلم أن رواية ومن وافقه (٤) تخالف ذلك.
ولا يعتبر رضا من بني المسجد واختيارهُ ـ : نص عليه أحمد ؛ معلِّلاً بأن
المسجد لله ، ليسَ للذي بناه .
يشير إلى أنَّه خرج عن ملكه ، وصار للَّه عز وجل .
وهذا يدلُّ على أنه لا [تصرُّف](٥) له على المسجد الذي بناه .
وهو المشهور - أيضًا - عن الشافعية : أنَّ باني المسجد ليس أحقّ بإمامته
وأذانه من غيره .
(١) لعل الصواب: ((يؤم الناس)).
(٢) في الأصل: ((ولو ينوي)).
(٣) كذا الأصل، ولعل الصواب: ((التشاح)) أو ((التساوي)).
(٤) كذا ، ولعل الصواب: ((رواية حرب ومن وافقه)).
(٥) في الأصل: ((نظر فيه)) وضرب على ((فيه))، ولعل الأشبه ما أثبته .

٤٧٩
٩ - بَابُ الاستهام في الأذان
کتاب الأذان
وقال أبو حنيفة وطائفة من الشافعية - كالروياني - : إنّ من بني المسجد فهو
أحقُّ بأذانه وإمامته ، كما أنَّ من أعتق عبدًا فله ولاؤه .
وهذا التشبيه لا يصحّ ؛ لأن ثبوت الولاءِ على العبد المعتق لا يستفيد به
الولايةَ عليه في حياته ، والحجرَ عليه ، والانتفاعَ بمالهِ ، وإنما يستفيد به رجوعَ
ماله إليه بعد موته ؛ لأنه لا بد من انتقال ماله عنه حينئذٍ ، فالمولى المعتق أَحقَّ
به من غيره من المسلمينَ ؛ لاختصاصه بإنعامه عليه .
وأمَّا المسجد ، فالمقصود من بنائه(١) انتفاعُ المسلمين به في صلواتِهم
واعتكافِهم وعباداتهم ، والباني له [كبقية] (٣) المسلمين في ذلك من غير زيادة .
فإن شَرَط باني المسجدِ عندَ وقفِهِ له قبلَ مصيرِه مسجدًا بالفعل أنَّه وولده
أحقُّ بإمامته وأذانِه صحَّ شرطه واتبع ، وإن كان غيرهم أقرأ منهم وأندى صوتًا ،
إذَا كان فيهم من يصلح لذلكَ ، وإن كانَ غيره أولَى منه - : نصَّ على ذلك :
عبيد اللَّه بن الحسن العنبري .
وهو قياسُ قولِ أحمد في صحةِ الواقفِ لنفسه ما شاءَ من غلَّة الوقف
ومنافعه .
قال البخاري - رحمه الله - :
٦١٥ - ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: أَبْنَا مَالِكٌ، عَنْ سُمَيِّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ
أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِ قَالَ: ((لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ
وَالصَّفَبِّالأَوَّلِ، ثُمَّ لا يَجِدُونَ إِلَّ أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لاَسْتَهَمُوا ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي
النَّهْجِيرِ لاَسْتَبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي العَمَةِ والصُّبْحِ لأَنَوْهُمَا وَلَوْ حَبُوا)) .
فقوله : ((لو يعلم الناسُ ما في النِّداء والصف الأول)) - يعني : لو يعلمون ما
(١) في الأصل: ((فالمقصود به بنائه)).
(٢) مشتبهة في الأصل ، وهكذا يمكن أن تقرأ.

٤٨٠
حديث : ٦١٥
كتاب الأذان
فيهما من الفضلِ والثوابِ ، ثم لم يجدوا الوصولَ إليهما إلا بالاستهام عليهما -
ومعناهُ: الإِفْرَاع - لاستهمُوا عليهما تنافسًا فيهما (١) ومشاحَّةً (١) في تحصيلٍ
فضلهما وأجرهما .
وهذا مما استدلَّ به مَن يرى الترجيحَ عند التنافس في الأذانِ بالقرعة ، كما
سبقَ .
وقد قيل : إنَّ الضمير في قوله : ((لاستهموا عليه)) يعود إلى الصفِّ الأولَ ؛
لأنه أقربُ المذكورينَ ، ولم يقل : ((عليهما)) .
والأظهرُ : أَنَّه يعود إلى النداءِ والصفِّ الأَولِ ، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ
وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ ﴾ [التوبة: ٦٢].
وقد دلَّ الحديثُ على القرعةِ في التنافسِ في الصفِّ الأولِ إذا استبقَ إليه
اثنان وضاق عنهما وتَشَاحًا فيه ، فإنه يُقْرعُ بينهما .
وهذا مع تساويهما في الصفات ، فإن كانَ أَحدهما أفضلَ من الآخر توجَّه أن
يقدمَ الأفضلُ بغير قرعة، عملاً بقول النبيِّ مَّمَ: ((لِيَلِيَنِي منكم أولُوا الأحلامِ
والنهيُّ، ثم الذين يلُونهم)) .
خرجه مسلم(٢) من حديث ابن مسعود، ومن حديث أبي مسعود الأنصاريِّ ،
كلاهما عن النبيِّ ◌َِله .
وقد ذكر أصحابنا : أنه لو قدم بميِّتَيْنِ إلى مكانٍ مُسَبَّل من مقبرة مُسبَّلَة في آن
واحد ، فإن كان لأحدهما هناك مَيْزةٌ من أهلٍ مدفونين عنده أو نحو ذلك قُدم ،
وإن استويا أُقرع بينهما ، ولو دُفن اثنانِ في قبرِ ، واستويا في الصفاتِ أُقْرعَ
بينهما ، فقدمَ إلى القبلةِ من خرجت له القرعةُ .
(١) في الأصل مشتبهة .
(٢) (٢ / ٣٠) .