Indexed OCR Text
Pages 361-380
٣٦١ ٣٧ - بَابُ من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها كتاب المواقيت وقيل : عَنِ الحسنِ ، عَن أبي رافعٍ ، عن أبي هريرة(١) . وقيل غيرُ ذلك(٢). ورَوَه حمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنِ الأَزْرقِ بنِ قَيْسٍ ، عن يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ ، عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النبيِّ وَِّ . خَرَّجه النسائي(٣). وقيل - بهذا الإسنادِ - : عن يَحْيَى بْنِ يَعْمُر ، عن رجلٍ من أصحابِ النبيُّ وسيِلا خَرَّجه الإمامُ أحمد (٤) . وهذا إسنادٌ جيد . ورُوي عن أبي هُريرة من وَجْهِ آخرَ . ورَوَىَ حمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ ، عن داود بنِ أبي هندٍ ، عن زُرَارةَ بْنِ أَوْفَى ، عن تميمٍ الداريِّ، عَنِ النبيِّ بَله - بمعنى حديث أبي هريرة. خَرَّجه أبو داود وابنُ ماجه (٥) . وزرارة ، قال الإمام أحمد: ما أحسبه لَقِيَ تميمًا(٦). وقد رُوي حديثُ أبي هُريرة وتميمٍ مَوْقُوفًا عليهما . وقد خَرَّجَ الإمامُ أحمد(٧) هذا المعنى عن النبيِّ نَّهِ من طريقِ الأَشْعَثِ بن (١) أخرجه النسائي (١/ ٢٣٣). (٢) راجع: ((العلل)) للدار قطني (٢٤٤/٨ - ٢٤٨). (٣) (٢٣٤/١) . (٤) (٤ / ١٠٣) . (٥) أبو داود (٨٦٦) وابن ماجه (١٤٢٦). (٦) راجع: كتابي: ((ردع الجاني)) (ص ٢١٨). (٧) (٦٤/٤ - ٦٥). لكن تأمل الأسانيد في ((المسند)). ٣٦٢ حديث : ٥٩٧ كتاب المواقيت سُلَيْم، عن أبيه ، عن رجلٍ من بني يَرْبُوع، سَمِعَ النبيَّ ◌َ﴿ يقولُ ذلك. وخرَّج - أيضًا(١) - من طريق ابنِ لَهِيعة ، عن يزيدِ بنِ أبي حَبيب ، عن عَبْدِ الرحمن بنِ معاوية بْنِ حُدَيْج : سَمِعْتُ رَجُلاً من كندة يقول : حدثني رجلٌ من أصحابِ النبيِ وَّ﴿ من الأنصارِ، أنه سَمِعَ النبيِّ وَلَّ يقولُ: ((لا ينتقص أحدُكم من صلاته شيئًا إلا أتمها اللَّه من سُبْحَتَه)» . وخرَّجه أبو القاسم البغوي بنحو هذا اللفظ من حديث عائذٍ بْنِ قُرْط ، عَنِ النبيِّ وَلِ﴾(٢) . وقد رُوي هذا المعنى - أيضاً - ، عَنِ النبيِّ ◌َِّ من حديثِ ابْنِ عمر وابنِ عبّاس ، وفي إسنادهما ضعفٌ. واختلف الناسُ في معنى تكميلِ الفرائضِ من النوافلِ يومَ القيامة : فقالتْ طائفةٌ : معنى ذلك أنَّ من سَهَا في صلاتِهِ عَنْ شيءٍ من فرائضِها أو مندوباتها كُمِّل ذلك من نوافِلِه يومَ القيامةِ، وأمَّا مَنْ تَرَكَ شيئًا من فرائضِها أو سنِها عَمْدًاً ، فإنَّه لا يكمل له من النوافلِ ؛ لأنَّ نيةَ النفلِ لا تنوبُ عن نيةٍ الفرضِ . هذا قولُ عبدِ الملك بْنِ حَبيب المالكي وغيرِهِ . وقالتْ طائفةٌ: بل الحديثُ على ظاهرِهِ في تركِ الفرائضِ والسننِ عَمْدًا وغير عَمْدٍ . وإليه ذَهَبَ الحارثُ المحاسبيُّ وغيرُه . وهو قولُ طائفةٍ من أصحابنا وابنِ عَبْدِ البر ، إلا أنَّهم خصَّوه بغيرِ العامد . ءِ (١) (٤٢٩/٥) . (٢) ساقه ابن حجر في ((الإصابة)) (٣/ ٦١٠) وعزاه - أيضًا - للطبراني وابن أبي خيثمة وابن شاهين ، من طريق قيس بن مسلم السكوني ، عن عائذ ، ولفظه: ((من صلى صلاةً لم يتمها زيد فيها من سبحاته حتى تتم". وقال ابن حجر: ((وإسناده حسن)). ٣٦٣ ٣٧ - بَابُ من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها كتاب المواقيت وحَمَلَه آخرونَ علي العامدِ وغيرِهِ ، وهو الأظهرُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تعالى. وقولُهم : ((نيةُ الفرضِ لا ينوبُ عنها نيةُ النفلِ)) إنَّما هو بالنسبة إلى أحكامٍ تكليفِ العبادِ في الدنيا ، فأمَّا بالنسبةِ إلى فضلِ اللَّه في الآخرةِ فَلا ؛ لأنَّ فضلَه واسعٌ لا حجر عليه ، بل هو تعالى يفعلُ ما يشاء ، ويحكم ما يريد . مع أنَّ في تأديةِ الفرائض بنيةِ التطوعِ اختلافًا مشهورًا بين العلماءِ في الحجٌ والصيامِ والزكاةِ ، وكذا في الصلاةِ . وأيضًا ؛ فقد حكَيْنَا فيما سَبَقَ في ((كتاب الإيمان)) عن سفيانَ ، أنَّ من نَسِيَ صلاة فدَخَلَ مع قومٍ يصلُّونها ، وهو ينوي أنَّها تطوعٌ ، أنها تقعُ عن الفرضِ الذي عليه . وقال أحمدُ بنُ أبي الحَواري : قال لي الفِرْيَابي : صلِّ ركعتي الفجرِ في البيتِ ، فإنْ متَّ قبلَ الفريضةِ أَجْزاتك من الفريضة . ورُوي عن بعضِ الصحابةِ ، أَنَّه دَخَلَ المسجدَ ولم يكن صلَّى الظهر ، وإن الإمام يُصلِّي العصرَ ، فصلَّى مَعَه وهو يظنُّ أنَّها الظهر، فاعتَلَّ بها عن العصرِ ، ثم صلَّى الظهرَ . خرَّجه الجوزجانيُّ . واستدلَّ الأولون بالأحاديثِ التي فيها : أنَّ من ضيَّع بعضَ حدودِ الصلاةِ ، أنَّه لا عهدَ له عندَ اللَّه، إن شاء عذَّبِه، وإنْ شاءَ غَفَرَ له . ولاحُجَّةَ في ذلك؛ لأنَّ اللَّهَ إِذَا شَاءَ أن يغفرَ لعبدٍ أَكْمَلَ فرائضَه من نوافله ، وذلك فضلٌ من عندِه يفعله مَعَ من يشاء أن يرحمَه ولا يعذبه . واستدلُّوا - أيضًا - بما رَوَى موسى بْنُ عُبيدة ، عن إبراهيم بْنِ عَبْدِ اللَّه بنِ حُنين(١)، عن أبيه، عن عليٍّ، عَنِ النبيِّ بِّهِ، قال: ((مَثَلُ المصلِّي مَثَلُ (١) في الأصل : ((حسين)) خطأ. ٣٦٤٠ حديث : ٥٩٧ كتاب المواقيت التاجر ، لا يخلصُ له ربْحُهُ حتى يأخذَ رأس ماله ، فكذلك المصلِّي لا يقبل له صلاة نافلة حتى يؤدى الفريضة)) . خرَّجِه البزارُ والهيثمُ بن كُلَيب في ((مسنديهما)) والإسماعيلي(١). وموسى بنُ عبيدة ، ضعيفٌ جداً من قبل حفظه ، وقد تفردَ بهذا . وخرَّج أبو الشيخ الأصبهانيُّ من طريق أبي أمية، عن الحسنِ، عن أبي هُرَيرة - مرفوعًا - : ((مَن صلَّى المكتوبة فلم يُتْمَّ ركوعَها ولا سجودَها ، ثم يكثر من التطوعِ ، فمَثَلُهُ كمَثَلٍ من لا شِفَّ له حتَّى يؤدي رأسَ مَالِه)) . وأبو أميَّةً ، هو : عبدُ الكريم ، متروكُ الحديثِ . و((الشِّفُّ»: من أسماءِ الأضدادِ ، يكون بمعنى الزيادةِ ، وبمعنى النقصِ . وخَرَّجه إسحاقُ بْنُ راهويه في «مسنده))، عن كُلّثُوم بْنِ محمد بْنِ أبي سدرة، عن عَطَاءِ الخُراساني، عن أبي هريرة، عن النبي ◌ِّ، قال: ((إذا صلَّى الرجلُ الصلاةَ المكتوبةَ ، فلم يُتَمَّ رُكُوعَها ولا سُجُودَها وتكبيرَها والتضرعَ فيها ، كان كمثل التاجر لا شفَّ له، حتَّى يفي رأس ماله)) . وكلثومٍ ، ضعَّفْه ابنُ عَدِي وغيرُهُ . وعَطَاءٌ ، لم يسمعْ مِن أبي هريرة . ومعنى هذه الأحاديث - إنْ صَحَّ منها شيءٌ -: أنَّ النوافلَ يُكمل بها نقصُ الفرائضِ ، فلا يسلم له شيءٌ من النوافلِ حتَّى يُكمل نقصَ الفرائضِ ؛ ولهذا شبَّهه بالتاجرِ الذي [لا] يخلص له رِبْحٌ حتى يستوفيَ رأسَ مَالِه ، ويظهرُ هذا في المُضاربِ بمالِ غيرِهِ ، ولهذا يقولُ الفقهاءُ : إنَّ رِبْحَه وقايةٌ لرأسِ المالِ . ومن هُنا ؛ قَالَ طائفةٌ من السلفِ - منهم : ابنُ عبَّاسٍ وأَبُو أُمَامَةَ - : إنَّما النافلةُ للنبيِّ وَلَّ خاصَّةً . (١) والرامهرمزي في ((الأمثال)) (ص ١٣٩ - ١٤٠) ، عن موسى بن عبيدة ، عن ماعز بن سويد ، عن علي. وراجع: ((مجمع الزوائد)) (٢/ ١٢٢). ٣٦٥ ٣٧ - بَابُ من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها کتاب المواقيت يَعْنُونَ : أنَّ غيرَه تُكمل فرائضُه بنوافله ، فلا يخلص له نافلة ، فنوافلُه جبرانات لفرائضه . ورَوَى إسحاقُ بْنُ راهويه في ((مسنده)): ثنا عَبْدُ اللَّه بنُ واقدٍ : ثنا حَيْوةُ بنُ شُرَيْحٍ، عن أبي الأَسْوَدِ ، عن ابنِ رَافِعٍ ، عن أبي هُرَيْرَة، عن النبيِّ ◌َر، قال: ((مَنْ كَانَ عليه من رَمَضَانَ شيءٌ، فَأَدْرَكَهَ رمضانُ ولم يَقْضِه لم يَتَقَبِّلْ منه، ومَنْ صَلَّى تطوعًا وعليه مكتوبةٌ ، لم يُتقبل منه)) . عبدُ اللَّهِ بنُ واقد ، هو : أبو قَتَادةَ الحراني ، تكلموا فيه . وهذا غريبٌ من حديث حَيْوة ، وإنَّما هو مشهورٌ من حديثِ ابنِ لَهِيعة . وقد خرَّجه الإمامُ أحمد (١) عن حسنِ الأَشْيب ، عن ابنِ لَهِيعة ، عن أبي الأَسْوَدِ، عن عَبْدِ اللَّه بنِ رافعٍ، عن أبي هُرَّيْرَة، عن النبيِّ ◌َِِّ ، قال: (مَنْ صَامَ تطوعًا وعَلَيهِ مِن رَمَضَانَ شَيءٌ لم يَقْضِهِ، فإِنَّه لا يُتَقَبَّلُ منه)) . ولم يذكر في حديثه : ((الصلاة)). وقد رُوي مَرْفُوعًا . وقال أبو زُرْعَة : الصحيحُ المرفوعُ (٢). ونفي القَبولِ لا يَسْتَلْزِمُ [نفي] (٣) الصحةِ بالكُلية، وقد سَبَقَ ذِكْرُ ذلك غيرَ . مرة ء (١) (٢ / ٣٥٢) . (٢) ((العلل)) لابن أبي حاتم (٧٦٨). قلت: وتصحيح المرفوع، أي من حديث ابن لهيعة، فإنه قد اختلف عليه فيه، وهذا لا يعني أنه صحيح إلى النبي وَّر؛ لأن ابن لهيعة ضعيف الحفظ، وتفرده مما لا يعتدُّ به. والله أعلم. ويدل على ذلك : ما سيأتي قريباً عن الإمام أحمد وإبراهيم الحربي ، وتعليق المؤلف على کلامهما . (٣) زيادة متعينة. ٣٦٦ حديث : ٥٩٧ كتاب المواقيت ويدلُّ عَلَى ذلك : أن في تمامِ الحديثِ الذي خَرَّجه الإمامُ أحمدُ : ((مَنْ أَدْرَكَ رَمَضَانَ، وَعَلَيْهِ مِنْ رَمَضَانَ شَيْءٌ لَمْ يَقْضِهِ لَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْه))، ومعلومٌ أنَّه يلزمه قضاؤُهُ بعدَ رمضانَ مَعَ الإطعامِ . ولا يُعلم في لزومِ القضاءِ خلافٌ ، إلاَّ عن ابنِ عُمَرَ من وَجْهِ فيه ضعفٌ ، والخلافُ مشهورٌ في وجوبِ الإطعامِ مع القضاءِ . وقد نَقَلَ إبراهيمُ الحربيُّ (١)، عن أحمدَ، أَنَّه سُئِلَ عن حديثِ النَّبِيِّ ◌َّةٍ: ((لاَ صلاةَ لمن عَلَيْه صلاةٌ))؟ قَالَ : لاَ أَعْرِفُ هذا اللفظ (٢). قال الحربيُّ: ولا سَمِعْتُ بهذا عن النبيِّ ◌ِه. وهذا يدلُّ على أنَّ الحديثَ الذي خَرَّجه إسحاقُ لا أصل له . وقد اختلفَ العلماءُ فيمن عليه قضاءُ رمضانَ : هل يجوزُ له أن يتنفل بالصيامِ قبلَ القضاءِ ، أم لا ؟ فيه قولان معروفان ، هما روايتانٍ عن أحمد . وأكثر العلماء على جوازه ، ورُوي عن طائفةٍ من السلفِ المنعُ منه . وقال هشامُ بْنُ عُرْوةَ ، عن أبيه : مَثَلُ الذي يتطوعُ بالصومِ وعليه قضاءُ رمضانَ ، كمَثَلِ الذي يُسبِّحُ وهو يخافُ أنْ تَفُوتَهُ المكتوبةُ (٣) . وكذلك لو كَانَ عليه صلاةٌ فائتةٌ ، فتطوع قبلَ قضائها ، فإنْ كَانَ التطوعُ بسنتها الراتبة ، فهو جائزٌ ، بل يُستحبُ عندَ جمهور العلماء ، خلافًا لمَالك ، وقد سَبَقَ ذلك، وإنْ كَانَ تطوعًا مُطْلَقًا ، فَقَالَ أصحابُنا: لا يجوزُ؛ لأنَّ القضاءَ عندَهم على الفورِ ، بخلافِ قضاءِ رمضان ؛ فإنَّه على التراخي حتَّى يَتَضَايق وقتُه في شعبان . (١) ذكره ابن الجوزي بإسناده عنه في ((العلل المتناهية)) (٤٣٩/١). ونقله الزيلعي في ((نصب الراية» (١٦٦/٢) . (٢) في ((العلل المتناهية)): ((لا أعرف هذا البتة)). (٣) ابن أبي شيبة (٣٠٥/٢). ٣٦٧ ٣٧ - بَابُ من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها كتاب المواقيت وفي انعقادِه - لو فعل - وجهانِ ، وحُكي روايتانِ . ورجَّح بعضُهم عدمَ الانعقاد ، وحَمَلَ حديثَ تكميلِ الفرائضِ بالنوافلِ على السننِ الرواتبِ ، أو عَلَى من تطوعَ ونَسِيَ أنَّ عليه فائتةً . والذينَ لا يَرَوْنَ على العامد القضاءَ بالكلية ، لا يتصور هذه المسألةُ عندهم ؛ لأنَّهم يقولون : ليس يلزمه قضاءٌ بالكلية . ٣٦٨ حديث : ٥٩٨ کتاب المواقيت ٣٨ -باب قَضَاءِ الصََّوَتِ(١) الأُولَى فَالأُولَى ء ٥٩٨ - حَدَّثْنَا مُسَلَّدٌ: ثنا يَحْتَى: ثنا هِشَامٌ: ثنا يَحْنَى - هُوَ: ابنُ أبي كَثِيرٍ -، عَن أبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: جَعَلَ عُمَرُ [يَوْمَ الخندَقِ](٢) يَسُبُّ كُفَّارَهُمْ، فَقَالَ : ما كِدْتُ أُصَلِّ الْعَصْرَ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ . قَالَ : فَنَزَلْنا بُطْحَانَ ، فَصَلَّى بَعْدَمَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَنَّى المَغْرِبَ . إنَّما في هذا الحديثِ ترتيبُ الفائتةِ مَعَ الحاضرةِ ، وأَنَّه يُقدِّمُ الفائتةَ على الحاضرةِ ، ثم يُصلِّي الحاضرةَ ، وقد سَبَقَ هذا الحديثُ والكلامُ عليه . وفي البابِ : أحاديثُ في قضاءِ الفوائتِ وترتيبها ، ليستْ عَلَى شرطِ البخاريِّ، وكأنَّه أَشَارَ بالتبويبِ إليها ، ولكنَّه اقتصرَ على حديثِ جابرٍ ؛ لمَّا لَم يكن في البابِ على شرطِهِ غيرُه . وقد رُوي عن جابرٍ من وَجْهِ ضعيفٍ ، أَنَّهَ بَّهِ صلَّى فوائتَ ورتبها . فرَوَى حمادُ بْنُ سَلَمة ، عن عبدِ الكريمِ أبي أُمَّةً ، عن مُجَاهدٍ ، عن جَابِرِ، أنَّ النبيَّ وَّهِ شُغِلَ يومَ الخندقِ عَن صلاةِ الظهرِ والعصرِ والمغربِ والعشاءِ ، فَأَمَرَ بِلاَلاً فأذَّن وأقامَ وصلَّى الظهرَ، ثم أَمَرَه فأذَّن وأَقَامَ وصلَّى العصرَ، ثم أَمَرَه فأذَّن وأَقامَ فصلَّى المغربَ، ثُمَّ أمره [فأذن] وأَقَامَ وصلَّى العشاءَ ، وقال : ((ما [على] وَجْهِ الأرضِ قومٌ يذكرونَ اللَّهَ في هذه الساعة غیرکم)) . خرَّجه البزارُ في ((مسنده)(٣). (١) في نسخة: ((الصلاة)). . (٢) زيادة من البخاري . (٣) (٣٦٥ - كشف) . ٣٦٩ ٣٨ - بَابُ قضاء الصلوات الأولى فالأولى كتاب المواقيت وقال : لا نعلمُ رَوَاه بهذا الإسنادِ ، إلاَّ مؤملُ - يعني : عن حَمَّد - ، وقد رَوَه بعضُهم ، عن عَبْدِ الكريم ، عن مُجَاهِدٍ ، عن أبي عُبيدة ، عن عَبْدِ اللَّه . انتهى . وعَبْدُ الكريم أبو أُمَّيَّة ، متروكُ الحديث ، مع أنَّ البخاريَّ حسنُ الرأي فيه . وقد رَوَى أَبُو الزُّبِيرِ ، عن نَافِعِ بْنِ جُبير بنِ مُطْعم ، عن أبي عبيدة بْنِ عَبْدِ اللَّه بْنِ مسعودٍ، قال: قال عَبْدُ اللَّه: إنَّ المشركينَ شَغَلُوا رسولَ اللَّهِ وَّل عَنْ أَرْبَعِ صَلَوَاتٍ يَّوْمَ الْخَنْدَقِ حَتَّى ذَهَبَ من الليلِ ما شاء اللّه ، فَأَمَرَ بِلاَلاً ، فأذَّن وأَقَامَ ، فصلَّى الظهرَ، ثم أَقَامَ فصلَّى العصرَ ، ثُمَّ أَقَامَ فصلَّى المغربَ ، ثُمَّ أَقَامَ فصلَّى العشاءَ . خرَّجه الإمامُ أحمد (١) من طريقِ هُشَيْمٍ ، عن أبي الزَّبير . وقال الترمذيُّ (٢): ليس بإسناده بَأْسٌ، إلا أنَّ أَبَا عُبيدة لم يَسْمَعْ من عَبْد اللَّه . وخَرَّجه النسائيُّ (٣) من طريق هِشَامِ الدَّسْتَوائي، عن أبي الزُّبير - ولم يذكرُ فيه : الأذانَ ، وإنَّما ذَكَرَ الإقامةَ لِكلِّ صلاةٍ، وزَادَ في آخرِهِ : قال : ثُمَّ طَافَ علينا ، فقال : ((مَا عَلَى الأرضِ عصابة يذكرون اللَّهَ غيركم)) . وَكَذَا رَوَاه الأوزاعيُّ عن أبي الزُبير، وفي حديثه: حتَّى إِذَا كَانَ قريبا من نصفِ الليلِ فَقَامَ رسولُ اللّهِ وَلَ، فَبَدَأَ بالظهرِ فصلاًّها، ثُمَّ العصر، ثُمَّ المغرب ، ثم العشاء بإقامة إقامة (٤). (١) (١ / ٣٧٥) . (٢) (١٨١). (٣) (٢٩٧/١) . (٤) أخرجه البيهقي (٤٠٣/١). ٣٧٠ حديث : ٥٩٨ كتاب المواقيت وخَرَّجه أبو يَعْلَي الموصلي(١) من طريقِ يَحْيَى بن أبي أُنَيْسة - وهو ضعيفٌ جِدّاً -، عن زُبَيْدِ الأَيَامِيِّ (٢)، عن أبي عَبْدِ الرحمن السلميِّ، عن ابنِ مسعودٍ ، عَنِ النبيِّ وََّـــ وذَكَرَ في حديثِه: الأذانَ والإقامةَ لكلِّ صلاة. ورَوَى سعيدُ المقبري ، عن عَبْدِ الرَّحمنِ بنِ أبي سَعيدِ الخدريِّ ، عن أبيه ، قال : حُبِسْنَا يومَ الخندق عَنِ الصلاةِ ، حتى كان بعد المغرب بِهَوِيٌّ مِنَ اللَّيْلِ ، حتى كُفِينا ، وذلك قولُ اللَّه عز وجل: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزَا﴾ [الأحزاب: ٢٥]. قال: فدعا رسول اللَّهِ وَّهِ بلالاً، فأقامَ صلاةَ الظُّهر ، فصلاَّها وأحسنَ صلاتَها ، كما كانَ يصليها في وقتها ، ثم أمره فأقامَ العصرَ ، فصلاها فأحسنَ صلاتها كما كان يصلِيها في وقتها ، ثمَّ أمره فأقامَ المغربَ، فصلاًّها كذلك، ثم أقامَ العشاءَ، فصلاًّها كذلكَ . قال : وذلك قبل أن يُنْزِلَ اللَّهُ في صلاة الخوف: ﴿فَرِجَالاً أَوْ رَكْبَانَا﴾ [البقرة: ٢٣٩]. خرَّجه الإمام أحمد - وهذا لفظه - والنسائي وابن خزيمة وابن حبان في «صحیحیھما))(٣). وقد دلَّتْ هذه الأحاديثُ على أنَّ منْ فاتَتْهُ صلواتٌ ، فإنه يبدأ بالأُولى فالأُولى ، هذا هو المشروعُ في قضائِها بالاتِّفَاقِ . واختُلِفَ في الأَذَان والإِقامة ، ففي بعضها : أنه صلَّى كلَّ صلاة بإقامة إقامة ، من غير ذكر أذان . وفي بعضها : أنه أذَّن للأُولى ، وأقامَ لكل صلاة . وفي بعضها : أنه أذَّنَ وأَقَامَ لكلِّ صلاةٍ . واختلف العلماء في ذلك ، وقد سبق ذكر الاختلاف في الأذان للفائتة إذا كانت واحدةً . (١) (٣٩/٥) . (٢) ويقال: ((اليامي)). (٣) أحمد (٢٥/٣ - ٤٩ - ٦٧) والنسائي (١٧/٢) وابن خزيمة (٩٩٦) وابن حبان (٢٨٩٠). ٣٧١ ٣٨ - بَابُ قضاء الصلوات الأولى فالأولى کتاب المواقيت وأمَّا معَ تَعَدُّدِ الفوائتِ : فمنهم من قال : يُقيمُ لكل صلاة ، ولا يؤذنُ ، وهو قولُ الحسن والأوزاعي ومالك والشافعي في قولٍ ، وحكي روايةٌ عن أحمدَ . ومنهم من قال : يؤذِّن للأُولى، ويقيمُ لكلِّ صلاة ، وهو قولُ أحمدَ وأبي ثور وداودَ وأحدُ أقوال الشافعي . وله قول ثالثٌ : إن أَمَّل اجتماع الناس بالأذان أذَّن ، وإلاَّ اقتصر على الإقامة لكلِّ صلاة . وقال الثوري : ليس عليه في الفوائت أَذَان ولا إقامة . وأمَّا الترتيبُ ، فقد ذكرنا أنه مستحبُّ بالاتِّفَاق . واختلفوا : هل هو شرْطٌ لصحةِ الصلاة ، أمْ لا ؟ فمذهبُ أحمدَ : أنه شرط ، قَلَّت الفوائتُ أو كثرتْ ، وهو قول زُفَرَ . ومذهبُ مالكٍ وأبي حنيفةَ : يجب الترتيبُ فيها إن كانت خمسًا فما دُونَ ، ولا يجبُ فيما زادَ . ومذهبُ الشافعي : أنه لا يجبُ الترتيبُ بحالٍ ، وهو قول أبي ثور وداودَ ، وروايةٌ عن الأوزاعي . وروي عن سمرة بن جندب ما يدلُّ عليه . وهؤلاء جعلوا ترتيبَ الصلواتِ في الأداءِ من ضرورةِ الوقتِ ، فإذا فاتت فلا يجب فيها الترتيبُ، كمن عليه ديون مُنَجَّمَةٌ، إذا أُخِرَت إلى آخرها نجمًا فلا يبالي بما قضى منها قبل الآخر ، حتى لو قضى آخرها نجمًا قبلَ الكلِّ لجازَ ، وكصومٍ رمضانَ إذا فاتَ ، فإنه لا يُشْترط لقضائه ترتيبٌ ولا موالاةٌ ، بل يجوز تفريقُه وتتابعُه . واستدلَّ بعضُ منْ أوجبَ الترتيبَ بما روى ابن لهيعة ، عن يزيد بن ٣٧٢ حديث : ٥٩٨ کتاب المواقيت أبي حبيب ، عن محمد بن يزيد ، أن عبد الله بن عوف حدثه ، عن أبي جمعة حبيب بن سباع - وكان قد أَدْرَك النبيَّ وَّهِ -، أن النبيَّ ◌َ لّ عامَ الأحزابِ صلَّى المغربَ، فلما فرغَ قال: ((هل علم أحدٌ منكم أني صلَّيت العصرَ ؟)) فقالوا: يا رسولَ اللَّه، ما صلَّيتها، فأمرَ المؤذنَ فأقامَ، وصلَّى العصر ، ثم أعادَ المغْرِبَ. خرَّجه الإمام أحمد(١). واستدلَّ به بعض من يقولُ : لا يسقطُ الترتيب بالنسيانِ . وحمله بعضُ من خالفه على أنَّه كان تذكر العصرَ في صلاة المغرب قبل أن يفرغَ منها . وهذا حديثٌ ضعيفُ الإسناد ، وابن لهيعة لا يُحتجَّ بما ينفرد به . قال ابن عبد البر : هذا حديثٌ لا يعرفُ إلا عن ابن لهيعةَ ، عن مجهولينَ ، لا تقومُ به حجةٌ . قلت : أما عبد الله بن عوف ، فإنه الكناني ، عامل عمر بن عبد العزيز على فلسطين ، مشهور ، روى عنه الزهري وجماعة . وأما محمد بن يزيد ، فالظاهر أنه ابنُ أبي زيادِ الفلسطيني ، صاحبُ حديث الصُّورِ الطويل ، وقد ضعَّفَوه . وروى مالكٌ في ((الموطٍ)(٢)، عن نافع، أن عبد الله بن عمرَ كان يقول : من نسي [صلاةً] فلمْ يذْكُرْها إِلا وَرَاء الإمام، فإذَا سَلَّمَ الإمامُ فليصلِّ الصلاةَ التي نسيَ ، ثم يصلِّي بعدَها الأُخْرى . وقد روى(٣) عثمان بنُ سعيد الحِمْصي ، عن مالك مرفوعًا . (١) (١٠٦/٤) . (٢) (ص ١٢٢). (٣) كذا ، والأشبه : ((رواه)). ٣٧٣ ٣٨ - بَابُ قضاء الصلوات الأولى فالأولى کتاب المواقيت ورفعُهُ باطلٌ - : ذكره ابن عدي(١) . كذا روي عن عبيد الله بن عمرَ ، عن نافعٍ ، عن ابن عمرَ - مرفوعًا . خَرَّجه أبو يعلَي الموصليُّ والطبرانيُّ والدارقطنيُّ (٢). وذَكَرَ عَنْ مُوسَى بِن هَارونَ الحافْظِ ، أن رفعه وهمٌ ، وإنما هو موقوفٌ . وكذا قال أبو زرعة الرازي(٣). وأنكر يحيى بن معينٍ المرفوعَ إنكارًا شديدًا - : ذكرهُ ابن أبي حاتم(٤). وقد اختلفَ من اشترطَ الترتيبَ للقضاءِ فيمنَ ذكرَ فائتةً وهو يصلِّي حَاضِرَةً . فقيل : يسقطُ عنْهُ الترتيبُ في هذه الحالِ ؛ لأنَّ الحاضِرَةَ قد تَعَيَّنَ إِتْمَامُهَا بالشّروعِ فيها ؛ لتضايقِ وقتِ الحاضرةِ . وحكي عن الحسن وطاوس ، وهو قولُ أبي يوسف ، واختاره بعضٌ أصحابنا ؛ لأن الجماعة عندنا فرضٌ . وقيل : لا يسقطُ ، وهو قولُ أبي حنيفةَ ومالك وأحمدَ . وعلى هذا ؛ فهلْ يُبْطِلُ الحاضرةَ ، أم يقطعُها ؟ على قولين : أحدهما : أنه يقطعها - وهو قولُ مالك وأبي حنيفةً وأحمدَ - ، إلا أنْ يكون مأمومًا فيتمُّهَا كما قالَه ابنُ عمر . والثاني : يُتْمُّهَا نفْلاً، وهو قولُ الليث والثوري وأحمدَ في رواية . (١) (١٢٣٦/٣) قال: ((لقن البغداديين بهلول الإنباري (كذا)، عن محمد بن عمرو بن حبان ، عن عثمان بن سعيد الحمصي ، عن مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر ، فلقنوه ، عن النبي مَلة ، وهو موقوف)). (٢) أبو يعلى في ((معجمه)) (١١٠) والطبراني في ((الأوسط)) (٥١٣٢) والدار قطني (٤٢١/١) وابن عدي (١٢٣٦/٣). (٣) ((العلل)) لابن أبي حاتم (٢٩٣). (٤) وكذا رجح ابن عدي الموقوف . ٣٧٤ حديث : ٥٩٨ كتاب المواقيت فعلَى هذا ؛ إن قلنا : يصحُّ ائتمامُ المفترضِ بالمتنفلِ صحَّ ائتمامُ المأمومينَ به ، وإلا فلا . وذَكَرَ ابنُ عبد البرِّ : أنَّ مذهبَ مالك : أنَّ المأمومَ يُتُمُّ صلاته ، ثم يصلي الفائتةَ، ثم يعيدُ الحاضرةَ ، كمَا قَالَهُ ابنُ عُمَرَ . قال : وعِنْدَ مَالكِ وأصحابه : لا يجب الترتيبُ في الفوائتِ بعد صلاةٍ الوقتِ ، إلا بالذكرِ ، وجوبَ استحسانٍ ، بدليلٍ إجماعهم على أنَّ من ذكر فائتةً في وقتِ حاضرةٍ ، أو صلواتٍ يسيرةٍ ، أَنَّهُ إِنْ قَدَّمَ العصرَ على الفَائِتَةِ ، أَنْه لا إِعادة عليه لِلْعَصْرِ التي صلاَّها ، وهو ذاكرٌ فيها لِلْفَائِتَةِ ، إلا أن يبقى من وقتها ما يُعِيدُها فِيها قبلَ غروبِ الشمسِ . قال : وهذا يدلُّ على أنَّ قولَهم : من ذكر صلاةً في صلاة فإنها تتْهدمُ أو تفسدُ عليه ، ليسَ على ظاهره ، ولو كان علَى ظاهِرِه لوجبت الإعادةُ عليه للعصْرِ بَعْدَ غُرُوبِ الشمسِ ؛ لأنَ ما يفسدُ ويهدمُ حقيقةً يُعاد أبدًا ، وما يعادُ في الوقت فإنه استحبابٌ ، فقضتْ على هذا الأصل . قال : وقال أبو حنيفة : من ذكر فائتة ، وهو في صلاة أخرى من الصلوات الخمس ، فإن كان بينهما أكثر من خمس صلوات مضى فيما هو فيه ، ثم صلى التي عليه ، وإن كان أقل من ذلك ، قطع ما هو فيه ، وصلى التي ذكر ، إِلَّ أن يضيقَ وقتها ، فيُتِمُّها ، ثم يصلّي الفائتةَ . انتهى . ٣٧٥ ٣٩ - بَابُ ما يكره من السمر بعد العشاء كتاب المواقيت ٣٩ - بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ السَّمَرِ بَعْدَ العِشَاءِ (السَّامِرُ): من السَّمَرِ، والجمع: السُّعَّار، والسَّامر هاهنا في موضع الجمع. ((السَّمَرَ)): هو التحدَّث بالليل، وقوله تعالى: ﴿مَسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا﴾ [المؤمنون: ٦٧] هو من السمر، ومعناه هنا : الجمع - أي: سُمَّارًا . فسُمَّارِ جَمْعٌ ، وسامر يكون مفردًا ، وقد يرادُ به الجمع كما في الآية . ٥٩٩ - حَدَّثْنَا مُسَدَّدٌ: ثَنَا يَحْبَى: ثَنَا عَوْفٌ: ثَنَا أَبُو الْمِنْهَال، قَالَ: أَنْطَلَقْتُ مَعَ أَبِي إِلَى أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ، فَقَالَ لَهُ: حَدِّثْنَا، كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهُ يُصَلِّي المَكْتُوبَةَ؟ قَالَ : كَانَ يُصَلِّي الهَجِيرَ - وَهِيَ الَّتِي تَدْعُونَها الأُولَى - حِينَ تَدْخَضُ الشَّمْسُ، ويُصَلِّ الْعَصْرَ ثُمَّ يَرْجِعُ أَحَدُنَا إِلَى أَهْلِهِ فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ، وَنَسِيتُ مَا قَالَ فِي الْمَغْرِبِ. قَالَ: وَكَانَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ العِشَاءَ. قَالَ: وَكَان يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا، وَكَانَ يَنْفَتَلُ مِنْ صَلَاة الغَدَاةِ حينَ يَعْرفُ أَحَدُنَا جَلِيسَهُ، وَيَقْرَأُ مِنَ السَّيْنَ إِلَى الِمِائَةِ . قد سَبَقَ هذا في مواضع ، وشرحُ ما فيه من مواقيت الصلاة ، وذكرُ النَّوْمِ قبل العِشَاءِ ، ولم يبقَ من أحكامه غيرُ ذكرِ الحديثِ بعد العشاءِ ، وهو السَّمَر . وفي هذا الحديثِ: أنَّ النبيَّ رَّ كَانَ يَكْرَهُهُ، وقد ذَكَرْنَا فِيمَا سَبَق حديثَ عائشةَ، أنَّ النَّبِيَّ وَ﴿ مَا نَامَ قَبْلَ العِشَاءِ ولا سَمَرَ بَعْدِها(١). وخرَّجَ الإمام أحمدَ وابن ماجه (٢) من حديث عطاء بن السائب ، عن أبي وائلٍ، عن ابن مسعود، قال: جَدَبَ لنا رسول اللّهِ وَ لِّ السَّمَرَ بعد العشاء. (١) أخرجه أحمد (٢٦٤/٦) وابن ماجه (٧٠٢). (٢) أحمد (٣٨٩/١ - ٤١٠) وابن ماجه (٧٠٣) . ٣٧٦ حديث : ٥٩٩. کتاب المواقيت ومعنى ((جَدَبَه)): عابه وذمَّه - : قاله أبو عبيد وغيره . ووهم من قال : أباحه لهم ، كالطحاوي ، وهو مخالف لما قاله أهل اللغة . وهذا الحديثُ وَهِمَ عطاء بن السائب في إسنادِهِ ؛ فقد رواهُ الأعمشُ ومنصورٌ وأبو حَصِين ، عن أبي وائلٍ ، عن سلمان بن ربيعة ، قال : جَدَب لنا عمرُ السَّمَرَ . وخالفهم عطاء بن السائب وعاصمٌ ، فقالا : عن أبي وائل ، عن ابن مسعود ، ثم اختلفا ، فرفعه عطاء ، ووقفه عاصم ، ووهما في ذلك . والصحيحُ : قولُ منصور والأعمش - : قاله أبو بكر الأثرم . وذكر مسلمٌ نحوه في ((كتاب التمييز)) ، وزاد : أنَّ المغيرةَ رواه عن أبي وائل، عن حذيفةَ - من قوله . قالَ : ولم يرفعْه إلا عطاء بن السائب . وأشارَ إلى أنَّ روايةَ الأعمشِ وحبيب بن أبي ثابت وأبي حَصِين ، عن أبي وائل ، عن سَلْمان ، عن عمرَ هي الصحيحة ؛ لأنهم أحفظُ وأولى بحسنٍ الضبطِ للحديث . وقد رويت كراهة السمر بعد العشاء عن عمر وحذيفة وعائشة (١) وغيرهم . ثم منهم من علَّل بخشيةٍ (٢) الامتناع من قيام الليل ، روي ذلك عن عمر . ومنهم من علَّل بأنَّ الصلاة ينبغي أن تكونَ خاتمةَ الأَعْمَالِ ، فيستحب النومُ عَقِيَبَها ، حتى ينامَ على ذكرٍ ، ولا ينامَ على لغوٍ . وروي عن عمر بن عبد العزيز ، أنه كان يسمر ما لم يوتر ، فجعل الختمَ (١) أخرج ذلك عنهم عبد الرزاق في ((المصنف)) (١/ ٥٦١ - ٥٦٢). (٢) في الأصل بدون الباء . ٣٧٧ ٣٩ - بَابُ ما يكره من السمر بعد العشاء كتاب المواقيت بالوترِ يقومُ مقامَ الختم بالصلاةِ المكتوبةِ . وكانت عائشةُ تقول لمن يسمر: أرِيحُوا كتَّابِكمْ (١). تعني : المَلائِكةَ الكاتبين . ومتى كان السمر بلغوٍ ورَفَتٍ وهِجاء فإنه مكروه بغير شك . وفي ((مسند الإمام أحمد))(٢) من حديث شداد بن أوس - مرفوعًا - : ((من قَرَضَ بيتَ شعر بعد عشاء الآخرة لم يُقْبل له صلاةٌ تلك الليلة)) . (١) عبد الرزاق (٥٦٥/١) بمعناه . (٢) (٤/ ١٢٥) . وهو حديث ضعيف ، وقد توسعت في شرح علته في تعليقي على ((المنتخب من علل الخلال» لابن قدامة (٤٥) ، فارجع إليه إن رأيت . ٣٧٨ حديث : ٦٠٠ - ٦٠١ کتاب المواقيت ٤٠ - بَابُ السَّمَرِ في الفِقْهِ وَالْخَيّرِ بَعْدَ العِشَاءِ فيه حديثان : الأول : قال : ٦٠٠ - نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَبَّاحٍ: نَا أَبُو عَلِيِّ الحَقِيُّ: نَا قُرَّةُ بْنُ خَالد: انْتَظَرْنَا الحَسَنَ وَرَثَ عَلَيْنَا حَتَّى قَرْبْنَا مِنْ وَقْتِ قِيَامِهِ، فَجَاءَ ، قَالَ : دَعَانَا جِيرَتْنَا هَؤُلاءِ، ثُمَّ قَالَ : قَالَ أَنَسٌّ: نَظَرْنَا رَسُولَ اللَّهِ بِهَ ذَاتَ لَيْلَةٍ، حَتَّى كَانَ شَطْرُ الَّيْلِ يَبْلُغُهُ، فَجَاءَ فَصَلَّى لَنَا، ثُمَّ خَطَبَا، فَقَالَ: ((أَلاَ إِنَّ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا، ثُمَّ رَقَدُوا، وَإِنَّكُمْ لَنْ تَزَالُوا فِي صَلاَةٍ مَا انْتَظَرْتُمُ الصَّلَةَ» . قَالَ الحَسَنُ : وَإِنَّ القَوْمَ لَنْ يَزَالُوا فِي خَيْرِ مَا انْتَظَرُوا الخَّرَ . قَالَ فُرَّةٌ : وَهُوَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، عَنِ النَِّّ ◌َ. معنى ((راث)): أبطأ. الثاني : ٦٠١ - ثَنَا أَبُو الْيَمَانِ: أَبَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ : حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي حَثَمَةَ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: صَلَّى النَِّيُّ وَ صَلَةَ العِشَاءِ فِي آَخِرِ حَاتِهِ، فَلَمََّ سَلَّمَ قَامَ النَِّيُّ ◌َ، فَقَالَ: ((أَرَيْتَكُمْ لَيْلَتَّكُمْ هَذِهِ، فَإِنَّ رَأْسَ مِائَةٍ سَنَةٍ لاَ بَبْقَى مِمَّنْ هُوَ الْيَوْمَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ أَحَدٌ) . فَوَهَلَ النَّاسُ فِي مَقَالَةِ النَِّيِّ ◌َّةٍ إِلى مَا يَتَحَدِّثُونَ مِنْ(١) هَذِهِ الأَحَادِيثِ عَنْ مِائَةٍ (١) في نسخة: ((في)). ٣٧٩ ٤٠ - بَابُ السمر في الفقه والخير بعد العشاء كتاب المواقيت سَنَةٍ ، وَإِنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((لاَ يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ الْيَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ)) - يُرِيدُ بِذَلكَ : أَنَّهَا تَخْرِمُ ذَلكَ القَرْنَ . ((وَهَل)) - بفتح الهاء -، قال الخطابي(١): معناه: غلطوا وتوهموا، والوَهْلِ: الوَهْمُ، يقال : وَهَل إذا ذهب وَهَلُّه إلى الشيء . انتهى. وضبطه بعضهم ((وَهِل)) بكسر الهاء ، وقال : معناه فزع ونسي، والوَهَل - بالفتح - : الفزع . وقيل : معناه : وقع في وهله . والأول أصوب . والله أعلم . ومراد ابن عمر : أن النَّبِيَّ ◌َّ أرداً أنَّ من كان موجودًا في وقتٍ قوله ذلك لا يبقى منهم أحدٌ على رأسِ مائة سنةٍ ، فَيَنْخَرِمُ ذَلِك القَرْنُ ، فَظَنَّ بَعْضُهُمْ: أَنَّ مُرَادَه : أنَّ الساعةَ تقومُ بدون مائة سنة ، وهو وهم ممن ظن ذلك ، ولذلك أنكره عَلِيُّ بن أبي طالب - رضي اللَّه عنه - على من تَوَهَّمَهُ . ومقصودُ البخاريِّ بهذين الحديثين : الاستدلالُ على جوازِ الموعظةِ وذكرُ العِلْمِ بعد العشاءِ ، وأنه ليس من السَّمَر المنهيِّ عنه . وقد كان ابن شبرمة وغيرُه من فقهاء الكوفة يسمرونَ في الفقه إلى أذان [الفجر] (٢). ونصَّ الإمام أحمدُ على أنه لا يُكره السمر في العلم . وِ وروى قتادة ، عن أبي حسان ، عن عبد الله بن عمرو ، قال : كان النبي وَل* يحدثنا عن بني إسرائيلَ حتى يُصْبحَ، ما يقومُ إلا إلى عُظْمٍ صلاةٍ . خرجه أبو داود(٣). (١) ((أعلام الحديث)) (١/ ٤٥١). (٢) زيادة مني للسياق. (٣) (٣٦٦٣) . ٣٨٠ حديث : ٦٠٠ - ٦٠١ کتاب المواقيت وكذا رواه هشام الدستوائي وعمرو بن الحارث وسعيد بن بشير . وخالفهم : أبو هلال ، فرواه عن قتادة ، عن أبي حسانَ ، عن عمرانَ بنِ حصين . والقولُ : قولُ هشامٍ ومن تابعه - : قاله الإمام أحمد وأبو حاتم(١) وأبو بكر الأثرم . وخَرَّج الإمام أحمدُ والنسائي والترمذيُّ وابن خزيمةَ في ((صحيحه)) (٢) من حديثِ علقمةَ، عن عمرَ بن الخطابِ، قال: كان رسول اللَّهِ وَلَهُ يَسْمُر مع أبي بكر في الأمرِ من أمرِ المسلمينَ ، وأنا معهم . قال الترمذيُّ : حسن . وقد قيل : إن علقمة لم يسمعه من عمر ، وبينهما رجلٌ - : قاله البخاريّ ( والأثرم . ورجح الدارقطني(٤): أنه ليس بينهما أحد (٥). وفيه دليل على جواز السَّمَرِ في مصالح المسلمين ، وما يعود بنفعهم . وقد روي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، أنه كان يسمر مع عليٍّ بن أبي طالب حتى يذهب ليلٌ طويلٌ (٦). وكان ابن عباسٍ يسمر عند معاوية(٧). (١) ((العلل)) لابنه (٤٥١). (٢) أحمد (٢٦/١) والنسائي في ((الكبرى)) والترمذي (١٦٩). (٣) حكاه عنه الترمذي في ((العلل الكبير)) (ص ٣٥٢). (٤) في ((العلل)) (٢٠٤/٢) . (٥) قلت : وقول البخاري والأثرم هو الصواب وقد توسعت في بيان ذلك في بحث عندي ، يسر الله إتمامه . (٦) ابن أبي شيبة (٧٩/٢) بمعناه . (٧) ابن أبي شيبة (٢/ ٨٠). ١