Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١ ٢٨ - بَابُ من أدرك من الفجر ركعة كتاب المواقيت ٢٨ - بَابُ مَنْ أدْرَكَ مِنَ الفَجْرِ رَكْعَةً ٥٧٩ - حدثنا عَبّدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ: عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيِّدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْن يَسَارِ وَعَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ وَعَنِ الأَعْرَجِ، يُحدِّثُونَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِوَلَ قَالَ: ((مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الصُّبْحِ رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةَ مِنَ العَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ). هذا الحديث نصٌّ في أنَّ مَنْ صلَّى الفجرَ قبلَ طلوعِ الشمسِ فإنَّه مُدْرِكٌ لوقتها ؛ فإنَّه إذا كان مدركًا لها بإدراكهِ منها ركعةٌ قبلَ طلوعِ الشمسِ ، فكيف إذا أدركها كلَّها قبل الطلوع ؟ فإن قال قائلٌ: نحمله على أهلِ الأعذار والضرورات، كما حملتم قولَه: ((مَنْ أدركَ ركعةً من العصرِ قبلَ أَنْ تغربَ الشمسُ فقد أدركها)) على حالِ الضرورة . قلنا : في العصرِ قد دَلَّ دليلٌ على كراهةِ التأخيرِ إلى اصِفِرارِ الشمس ، ولم يدل دليلٌ على كراهةِ تأخيرِ الفجرِ إلى الإسفار . وقد ذَكَرْنا معنى قولِ النبيِّ بَِّ: ((فَقَدْ أَدْرَكَهَا)) في ((باب: مَنْ أَدْرَكَ ركعةً من العصرِ قبلَ الغروبِ» . وقد فسَّه الإمامُ أحمدُ بإدراك وقتِها . وجمهورُ العلماءِ على أنَّ تأخيرَ صلاة الفجر حتَّى يبقى منها مقدارُ ركعةٍ قبلَ طلوعِ الشمسِ لغيرِ ضرورةٍ غيرُ جائزِ ، وقد نَصَّ عليه الإمامُ أحمد ، وحُكِي جوازه عن إسحاق وداود . وتقدم مثلُه في صلاة العصر . وقد سَبَقَ الحديثُ(١) في ((باب: مَنْ أَدْرَكَ ركعةً من العصرِ قَبْلَ الغروبِ)) من (١) (٥٥٦) . ٢٤٢ حديث : ٥٧٩ كتاب المواقيت حديثِ أبِي سَلَمَة، عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النبيِّ بَّهِ، قال: ((إذَا أَدْرَكَ أَحَدُكُمْ سَجْدَةً مِنْ العَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَلْيُثُمَّ صَلاَتَه ، وإِذَا أَدْرَكَ سَجْدَةً من صَلَةِ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَلْيُثُمَّ صَلَه)) . وقد رَوَى الدَّراورديُّ عن زَيْدِ بْنِ أَسْلم حديثَ أبي هريرة الذي خَرَّجه البخاريُّ هاهنا بالإسنادِ الذي رَوَاه عنه مالك (١)، ولفظُ حديثِهِ: ((مَنْ أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس وركعة بعد ما تطلع فقد أدركها ، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس وثلاثًا بعد ما تغرب فقد أدركها))(٢). ورواه - أيضًا - مسلمُ بْنُ خالد ، عن زيد بن أسلم، عن الأعرج وعطاء ، عن أبي هريرة، عن النبيِّ وَلّر - في صلاة الصبح بمعنى رواية الدراوردي(٣). ورواه أبو غسَّان، عن زَيْد بنِ أَسْلم (٤)، عن عطاء ، عن أبي هريرة ، أنَّ رسولَ اللَّهِ وَ له قال: ((مَنْ صلَّى سجدةً واحدةً من العصرِ قبلَ غروب الشمس ، ثم صلَّى ما بقي بعدَ غروب الشمس فلم تفته العصرُ ، ومن صلَّى سجدة من الصبح قبل طلوع الشمس ، ثم صلَّى ما بقي بعد طلوع الشمس فلم تفته الصبح)). ورَوَى سعيدُ بن أبي عروبة ، عن قَتَادةَ ، عن خِلاَسٍ ، عن أبي رافع ، عن أبي هريرة أنَّ رسولَ اللّهِ وَ لَّ قال: ((إذا أَدْركتَ رَكْعَةً مِنْ صَلاَةَ الصَّبْحِ قَبَل أنْ تَطْلُعَ الشمسُ فَصَلِّ إليها أُخْرَى)) . خَرَّجه الإمام أحمد (٥). (١) في ((الموطإ)) (ص ٣٠). (٢) أخرجه ابن ماجه (٦٩٩) وابن خزيمة (٩٨٥) والبيهقي (٣٧٨/١ - ٣٧٩) واللفظ له . (٣) البيهقي (٣٧٩/١). (٤) من قوله: ((عن الأعرج وعطاء)) إلى هذا الموضع تكرر في الأصل ((هـ)، فأعرضت عنه . وراجع: ((العلل) للدارقطني (٣٢١/١٠). (٥) (٢٣٦/٢ - ٤٨٩) . ٢٤٣ ٢٨ - بَابُ من أدرك من الفجر ركعة كتاب المواقيت ورواه همَّامٌ عن قتادةَ - بنحوه ، وصَرَّح فيه بسماعٍ قتادةً من خِلاَسٍ(١). ورواه هِشام الدستوائي ، عن قتادة ، عن عَزْرَةَ بْنِ تَمِيمٍ ، عن أبي هريرة ، عن النبيِ وَّه، قال: (إذا صَلَّى أحدُكُمْ رَكْعَةً مِنْ صَّلاَةِ الصُّبْحِ ثُمَّ طَلَعَتِ الشَّمْسُ فَلْيُصَلِّ إليها أُخْرَى))(٢). وفي هذه النصوصِ كلِّها: دليلٌ صريحٌ على أنَّ مَنْ صلى ركعةً من الفجرِ قبلَ طلوعِ الشمسِ ثُمَّ طلعتِ الشمسُ أنَّه يتم صلاتَه وتجزئه ، وكذلك كلُّ مَن طلعتْ عليه الشمسُ وهو في صلاةِ الفجرِ فإنه يتم صلاتَه وتجزئه ، وهو قولُ جمهورِ العلماءِ من الصحابة والتابعين وَمَن بعدهم . ورَوَى الشافعيُّ : أخبرنا ابنُ عيينة ، عن ابْنِ شهابٍ ، عن أَنَسٍ ، أنَّ أَبَا بكر صلَّى بالنَّاسِ الصبحَ ، فَقَرَأَ سورةَ البقرة، فَقَالَ له عُمَرُ : كادت الشمسُ أن تطلعَ ، فقال : لو طلعتْ لم تجدنا غافلين(٣). ورَوَى عاصمُ الأَحْول ، عن أبي عثمان النَّهدي ، قال : صليتُ مع عمر بن الخطاب الفجر ، فلما سلَّم ظَنَّ الرجالُ ذَوو العقول أنَّ الشمسَ طلعتْ ، فلما سلم قالوا : يا أميرَ المؤمنين ، كادتِ الشمسُ تطلع ، فتكلم بشيءٍ لم أفهمه ، فقلت : أيَّ شيءٍ قال ؟ فقالوا : قال : لو طلعتْ لم تجدنا غافلين(٤). ورَوَى الأوزاعيُّ: حدثني يَحْيَى بْنُ سعيد، عن سعيد المقبري ، قال : كان أبو هريرة يقول: مَنْ نَامَ أو غَفَلَ عن صلاة الصبح فصلَّى ركعةً من صلاة الصبح قبل أنْ تطلعَ الشمسُ والأخرى بعد طلوعها فقد أدركها(٥). وقال في (١) أخرجه أحمد (٢/ ٤٩٠). (٢) النسائي في ((الكبرى)). (٣) تقدم مختصراً من رواية مالك في ((الموطإ)). (٤) أخرج الطحاوي (١/ ١٨٠) نحوه . وقد تقدم قريبًا . (٥) كتب بعدها : ((أجزأها)) وضبَّب. ٢٤٤ حديث : ٥٧٩ كتاب المواقيت العصر كذلك . وممَّن ذَهَبَ إلى ذلك من العلماء: مالكٌ والشافعيُّ وأحمدُ وإسحاقُ وأبو ثور. وكذلك قال الثوريُّ ، إلا أنَّه قال : يُستحب أنْ يعيدَها . وقال أبو حنيفة وأصحابُه : تبطل صلاتُه؛ لأنَّه دَخَلَ في وقتِ نُهي عن الصلاة فيه . فبطلت صلاتُه ، بناء على أصلين لهم : أحدهما : أن ما وَقَعَ منها بعدَ طلوعِ الشمسِ يكون قضاءً . والثاني : أنَّ الفوائت لا تُقضى في أوقاتِ النهي . وأمَّا الجمهور فَخَالَفُوا في الأصلين . وقد تقدم ذِكْرُ الاختلافِ فيما يقع من الصلاة خارج الوقت إذا وَقَعَ أولها في الوقت : هل هو قضاء ، أو لا ؟ وأنَّ ظاهرَ مذهب الشافعي وأحمد لا يكون قضاء؛ لقول النبي ◌ََّل: ((فَقَدْ أَدْرَكها)). وأمَّا قضاءُ الفوائت في أوقات النهي ، فخالف فيه جمهورُ العلماء ، وأجازُوه عملاً بعمومٍ قولِهِ : ((مَنْ نَامَ عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذَكَرَها)). وقالوا : إنَّما النهي عن النفلِ ، لا عن الفرض ، ولهذا يجوزُ أنْ يصلِّي بعد اصفرارِ الشمس ودخولِ وقتِ النهي صلاةَ العصرِ الحاضرة ، وقد وَفَقَ عليه أبو حنيفة وأصحابُه ، وإنما خَالَفَ فيه بعضُ الصحابة . وعلى تقديرٍ تسليم منع القضاء في أوقات النهي ، فإنما ذلك في القضاء المبتدا به في وقت النهي ، فأما المستدام فلا يدخل في النهي ؛ فإنَّ القواعدَ تشهدُ بأنَّه يُغتفر في الاستدامة ما لا يُغتفر في الابتداء . وعلى هذا ؛ فنقول في النفلِ كذلك ، وأنَّ مَنْ كان في نافلةٍ فَدَخَلَ عليه وقتُ نهي عن الصلاة لم تبطل صلاتُه ويتمها ، وهو ظاهرُ كلامِ الخِرَقي من أصحابنا ، وصرَّح به ابنُ عقيل منهم . ٢٤٥ ٢٨ - بَابُ من أدرك من الفجر ركعة كتاب المواقيت وقد رَوَى محمد بن سنان العَوَقِيُّ : حدثنا هَمَّامٌ : ثنا قتادة ، عن النضرِ بْنِ أَنَسٍ، عن بَشِيرِ بْنِ نَهِيك، عن أبي هريرة، عن النبيِ نَّهِ، قال: ((مَنْ صَلَّى رَكْعَةٌ مِنَ الصُّبْحِ ثُمَّ طَلَعَتِ الشَّمْسُ فَلْيُصَلِّ الصبحَ)(١). قال البيهقي في ((خلافياته)): هذا ليس بمحفوظ ، إنما المحفوظ: عن قتادة - بغير هذا الإسناد -: ((فليتم صلاته)) - كما تقدم، وإنَّما المحفوظُ بهذا الإسناد : حديث : ((من لم يصل ركعتي الفجر حتَّى طلعت الشمسُ فليصلها)) . انتهى . وقد خَرَّج الترمذي في ((جامعه)(٢) حديثَ همَّم، عن قَتَادَةَ ، عن النضرِ بْنِ أنس، عن بَشِير بْنِ نَهِيك، عن أبي هريرة - مرفوعًا - : ((مَنْ لَمْ يُصَلِّ ركعتَي الفجرِ فَلْيُصَلِّهما بعدَ ما تَطْلُعُ الشمسُ)) . ثم قَالَ: لم يروه عن همَّام بهذا الإسنادِ نحوَ هذا إلا عَمْرَو بْن عَاصمٍ الكِلاَبيُّ، والمعروفُ مِن حديثٍ قتادةَ : عَن النضْرِ بْنِ أَنَسٍ ، عن بَشِير بن نَهِيكِ، عن أبي هريرةَ، أنَّ النَّبِيَّ وَ قَالَ: ((مَنْ أَدْركَ ركعةً من صلاة الصبحِ قبلَ أنْ تَطْلُعَ الشمسُ فَقَدْ أَدْرِكَ الصبحَ)). انتهى . وإذا كان هذا معروفًا بهذا الإسنادِ عن قتادةَ ، فلم يَهِمْ فيه محمد بن سِنان ، وإنَّما غيَّر بعضَ لفظهِ حيث قال : ((فَلْيُصلِّ الصبحَ))، وهو رواية بالمعنى الذي فَهِمَه من قولِه : ((فليتم صلاتَه))، ومرادُه : فليتم صلاة الصبح ، وليستمر فيها . والحديث الذي أشار إليه الترمذيُّ خَرَّجه الإمام أحمد(٣): حدثنا بَهْز ، قال : ثنا همَّام : ثنا قتادةُ ، عن النضر بن أنسٍ ، عن بَشير بن نَهيكِ ، عن أبي هريرة - قال همام : وجدتُ في كتابي : عن بَشير بن نَهيكِ ، ولا أظنه إلا عن النضر بن أنسٍ، عن بَشِير بن نَهِيك، عن أبي هريرة - عن النبيِ نَِّ قال: ((مَنْ صلَّى - (١) أخرجه أحمد (٣٠٦/٢ - ٣٤٧ - ٥٢١) وابن خزيمة (٩٨٦). (٢) (٤٢٣) . (٣) (٣٠٦/٢) . ٢٤٦ حديث : ٥٧٩ كتاب المواقيت يعني : ركعتي الصبح -، ثم طلعت الشمسُ، فليتم صلاتَه)) . ورواه - أيضًا (١) - عن عَبْدِ الصمد ، عن همَّام: ثنا قتادةُ ، عن النضْر بن أنسٍ ، عن بَشير بن نَهيك، عن أبي هريرة، عن النبيِ وََّ، قال: ((مَنْ صلَّى من الصبحِ ركعةً ثم طلعت الشمسُ فَلْيُصلِّ أُليها أُخْرى)). هكذا رَوَىَ همَّم ، عن قتادةَ هذا الحديث، وقد تقدم أنَّ سعيدَ بنَ أبي عَروبة وهِشَامًا الدستوائي رَوَيَا أصلَ الحديث عن قتادةَ ، واختلفاً في إسنادِهِ . قال ابنُ أبي حاتم(٢): سألت أبي عن اختلافهم على قتادة ؟ فقال أبي : أحسب الثلاثة كلَّها صحاحًا ، وقتادة كان واسعَ الحديثِ ، وأحفَظُهم سعيد قبل أنْ يختلطَ ، ثم هِشَام ، ثم همَّم . ٠ (١) (٢ / ٣٤٧ - ٥٢١) . (٢) في ((العلل)) (٢٢٨). ١ ٢٤٧ ٢٩ - بابُ من أدرك من الصلاة ركعة كتاب المواقيت ٢٩ -باب مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الصَّلاةِ رَكْعَةً ٥٨٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: أبنا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مَنِ الصَّلاَةَ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلاَةَ» . رَوَى بعضُهم هذا الحديثَ عن مَالِكِ، وقال فيه : ((مَنْ أَدْرَكَ ركعة من العصرِ))، وهو وَهَمٌ على مالكِ، وإنَّما حديثُ مالك(١): ((من أَدْرَك ركعةٌ من الصلاة)) . وخَرَّجه مسلم (٢)، عن عَبْدِ بْنِ حُميد : ثنا عَبْدُ الرزاق، قال : ثنا مَعْمر ، عن الزهريِّ، عن أبي سَلَمَةَ، عن أبي هريرة، عن النبيِّ وَِّـِ بمثلِ حديثٍ مالكٍ ، عن زَّيْدِ بْنِ أَسْلَم . يعني : الحديثَ الذي خَرَّجه البخاريُّ في البابِ الماضي . وذَكَرَ الدارقطني في ((العلل))(٣) أنه ليس بمحفوظ عنه - يعني: عن مَعْمر . وذَكَرَ أنَّ عَبْدَ الرزاق رَوَاه بخلاف ذلك . قال : ورُوي - أيضًا - عن مُحمد بنِ أبي حفصة وسفيان بن حسين ، عن الزهريِّ - يعني : بذكر العصر والفجر . والمحفوظُ : عن الزهريِّ في حديث: ((مَنْ أَدْرَكَ ركعةً من الصلاة)). (١) وهو في ((الموطأ)) (ص ٣٣). (٢) (٢/ ١٠٣) . (٣) (٢١٣/٩ - ٢٢٥) . وقارن بما قال الدارقطني (٢٢٢/٩) لزامًا . ٢٤٨ حديث : ٥٨٠ کتاب المواقيت وقد اختلف في معنى ذلك : فقالتْ طائفةٌ: معناه : إدراكُ وقتِ الصلاةِ ، كما في حديثِ عطاءِ بنِ يسار ويُسر بْنِ سعيد والأعرج ، عن أبي هريرة الذي سَبَقَ في الباب الماضي . وقد رَوَى هذا الحديثَ المذكور في هذا البابِ عمَّارُ بْنُ مطر ، عن مالكِ ، وقال فيه : ((فقد أَدْرَكَ الصَّلاةَ وَوَقْتَها)). قال ابنُ عَبْدِ البر(١): لم يقله عن مالك غير عمَّار، وهو مجهولٌ لا يُحتج به. وقالتْ طائفةٌ معناه : إدراكُ الجماعة . ويَشْهِدُ له : ما خَرَّجه مسلمٌ (٢) مِن رواية يُونُس ، عن ابْنِ شِهَابٍ ، ولفظُه: ((مَنْ أَدْرَكَ ركعةٌ مِن الصَّلاةِ مَعَ الإمام فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلاة». وهؤلاء لهم في تفسيرِ إدراكِ الجماعة قولان : أحدُهما : أنَّ المرادَ إدراكُ فضلِ الجماعة وتضعيفها . ورَوَى نوحُ بْنُ أبي مريم هذا الحديث ، عن الزهري ، عن سعيد ، عن أبي هريرة، عن النبي ◌َّ، قال: ((مَنْ أَدْرَكَ الإِمامَ جَالِسًا قبل أنْ يسلِّم فقد أَدْرَكَ الجماعةَ وفضلَها» . خرَّجه الدار قطني(٣). وقال : نُوح متروكٌ . وقد وَهِمَ في لفظه، وخَالَفَ جميعَ أصحابِ الزهري ، ووَهِمَ - أيضاً - في إسناده ؛ فإنَّه عن أبي سَلَمَةً لا عن سعيد بن المسيّب . (١) ((التمهيد)) (٦٤/٧). (٢) (١٠٢/٢). (٣) في ((السنن)) (١٢/٢) و((الأفراد)) (ق ٢٩١ / ب). وانظر («العلل)) (٢٢١/٩). ٢٤٩ ٢٩ - بابُ من أدرك من الصلاة ركعة كتاب المواقيت مع أنَّه قد رُوي عن مالكِ والأوزاعي ، عن الزهري ، عن سعيد ، وليس بمحفوظ . ورَوَى أبو الحسن(١) ابن جَوْصًا في ((مسند الأوزاعي)): حدثنا أحمدُ بْنُ محمد بْنِ يَحْيَى بْنِ حَمزة : ثنا أبي: عن أبيه يحيى بن حمزة: حدثني الأوزاعيّ، أنه سَأَلَ الزهريَّ عن رجلٍ أَدْرَكَ من صلاة الجمعة ركعةً؟ فقال: حدثني أبو سَلَمَةَ، أنَّ أَبَا هريرةَ قال: قالَ رَسُولُ اللّهِ وَ: ((مَنْ أَدْرَكَ من صلاة ركعةً فقد أدركَ فضيلةَ الجماعة)» . وهذا اللفظُ - أيضًا - غير محفوظ . وأحمدُ بن محمد بن يحيى بن حمزة ، ضَعُفُوه ؛ ذَكَرَهُ الحاكمُ أبو أحمد في ((كتاب الكنى)) . ورَوَى أبو علي الحنفي - واسمُهُ: عُبِيدُ اللَّه بْنُ عبد المجيد - هذا الحديثَ ، عن مالكٍ، وقال في حديثه : «فقد أَدْرَكَ الفَضْلَ)) . . قال ابنُ عبدِ البر (٢): لا أَعْلَمُ أحدًا من الرواة قَالَه عن مالك غيره . قال : ورواه (٣) نَافِعُ بْنُ يَزِيد ، عن يَزَيدِ بْنِ الهادِ ، عن عَبْدِ الوهابِ بْنِ أبي بكر ، عن ابنِ شِهاب ، عن أبي سَلَمَة ، عن أبي هريرة ، أنَّ النبيَّ كيا الله صـ وسلم قَالَ : ((مَنْ أَدْرَكَ ركعةً من الصَّلاة فَقَدْ أَدْرَكَ الصلاةَ وفَضْلَها)) . قَالَ : وهذا اللفظُ - أيضًا - لم يقلْه أحدٌ عن ابنِ شهابٍ غير عبد الوهاب هذا ، وليس ممن يُحتج به على أَصْحَابِ ابْنِ شِهابٍ . قال : وقد رَوَى هذا الحديث الليثُ بنُ سعد ، عن ابن الهادي ، عن ابن شهاب ، فلم يذكرْ في الإسناد: ((عبدَ الوهاب))، وَلاَ جَاءَ بهذه اللفظة . ٠ (١) في الأصل: ((أبو الحسين)) خطأ. (٢) بعد ما رواه بإسناده من طريق أبي علي الحنفي، في ((التمهيد)) (٦٤/٧). (٣) ((التمهيد)) (٦٣/٧) ووقع فيه ((نافع بن زيد)) وصوَّبه المحقق جزاه الله خيراً . ٢٥٠ حديث : ٥٨٠ کتاب المواقيت وقد اختلف العلماءُ في ما يُدرك به فضلُ الجماعةِ مَعَ الإمام : فقالتْ طائفةٌ : لا يُدرك بدون إدركِ ركعةٍ تامة ؛ لظاهرِ الحديث . وقد رَوَاه قُرةُ بْنُ عَبْدِ الرحمن ، عن الزهريِّ ، عن أبي سَلَمَةَ ، عن أبي هريرة ، وزاد فيه : ((قبلَ أنْ يقيمَ الإمامَ صُلْبَه)) . خَرَّج حديثَه ابْنُ خُزيمة في ((صحيحه)) والدار قطني(١). وليس هذا اللفظ بمحفوظ عن الزهريِّ - أيضًا - ، وقُرَّةً هذا مختلف في أمره ، وتَفَرَّدَ بهذا الحديثَ عنه يَحْيَى بْنُ حُميد بهذه الزيادة ، وقد أنكرها عليه البخاريُّ والعقيليُّ وابنُ عدي والدارقطني وغيرُهم . وحُكي هذا القولُ عن مالك: أَنَّه لا يدرك الجماعة بدون ركعة . وذَكَرَه ابن أبي موسى مِن أصحابِنا مَذْهَبًا لأحمد، ولم يحكِ فيه خِلاَفًا . وهو قولُ عطاء ، حتَّى قَالَ : إذا سلَّم إمامه ، فإنْ شَاءَ تكلم ، فلم يكن في صلاة ، قد فاتته الركعة . خَرَّجه عبد الرزاق(٢)، عن ابنِ جُريج ، عنه . وخَرَّج أبو داود(٣) من حديث أبي هريرة، عن النبيِّ نَّهِ، قَالَ: ((مَنْ أَدْرَكَ الركعةَ فقد أَدْرَكَ الصلاة)) . وخَرَّجِه الحاكمُ (٤) وصححه . وفي إسنادِهِ مَنْ ضُعَّفَ . وخَرَّجه الطبراني وغيره من رواية عبد الحميد بن عبد الرحمن بن الأَزْهر، عن أبيه، عن النبي وَ لچر . (١) ابن خزيمة (١٥٩٥) والدار قطني (٣٤٦/١ - ٣٤٧). (٢) (٢٨٥/٢ - ٢٨٦) . (٣) (٨٩٣) . (٤) (١/ ٢٧٣ - ٢٧٤) .. وراجع ((إرواء الغليل)) (٤٩٦) . ٢٥١ ٢٩ - بابُ من أدرك من الصلاة ركعة كتاب المواقيت وإسناده جيد . قال الحافظ محمدُ بْنُ عَبْدِ الواحد المقدسيُّ : لا أعلم له علَّة . . وقالتْ طائفةٌ : تُدرك فضيلةُ الجماعة بإدراكِ تكبيرة الإحرام قبلَ سلامٍ الإمام ، وهو قولُ أبي وائل . وقال قتادةُ : إنَّ ابنَ مسعودِ أدركَ قومًا جُلوسًا في آخر صلاتهم ، فقال : قد أدركتم إنْ شَاءَ الله(١) . وهو مذهبُ الشافعي ، والمشهور عن أحمد عند القاضي أبي يعلى وأتباعه ، حتَّى قال بعضُ أصحابنا : هو إجماعٌ من العلماءِ ، لا نعلم فيه خلافًا ؛ ولكن لیس بإجماعٍ كما تقدم . ورَوَى ابْنُ عدي (٢) من طريق محمد بن جابر ، عن أَبَان بن طارق ، عن كثير بن شِنْظير، عن عطاء، عن جابرٍ، عن النبيِّ نَّ، قال: ((مَنْ أَدْرَكَ ركعةٌ من الصلاة فقد أَدْرَكَ فضلَ الجماعة، ومَن أَدْرَكَ الإمامَ قبلَ أن يُسلِّم فَقَدْ أَدْرَكَ فضلَ الجماعة)). قال: وكُنَّا نتحدثُ أنَّ مَنْ أَدْرَكَ قبلَ أنْ يَتَفَرَّقُوا فقد أَدْرَكَ فضلَ الجماعة . وليس هذا بمحفوظِ ، وأَبَانُ بْنُ طارق ومحمد بن جابر ضعيفان . وقد رواه ابن عُلِيَّةِ ، عن كثيرِ بْنِ شِنْظِير ، عن عطاء ، عن أبي هريرة ، قال : إذا انتهى إلى القومِ وهم قعود في آخرٍ صلاتهم فقد دَخَل في التضعيف ، وإذا انتهى إليهم وقد سلَّم الإمام ، ولم يتفرقوا فقد دخل في التضعيف . قال عَطَاء : وكان يُقال : إذا خَرَج من بيته وهو ينويهم ، فأدركهم أو لم يدركهم فقد دَخَلَ في التضعيف . (١) عبد الرزاق (٢٨٥/٢) والطبراني (٣٥٩/٩). (٢) (٦/ ٢٠٩٠)، وراجع: ((الإرواء)) (٤٩٦). ٢٥٢ حديث : ٥٨٠ کتاب المواقيت وهذا الموقوف أصح . وكذا قال أبو سَلَمَةَ : مَنْ خَرَجَ من بيتِهِ قبلَ أنْ يسلِّم الإمامُ فَقَدْ أَدْرَكَ . ومعنى هذا كلِّه: أنَّه يُكتب له ثوابُ الجماعة ؛ لما نَوَاهَا وسَعَى إليها ، وإنْ كانتْ قد فاتته، كَمَنْ نَوَى قيامَ الليل ثم نَامَ عنه ، ومَنْ كَانَ له عملٌ فعَجَزَ عنه بمرضٍ أو سفر ، فإنه يُكتب له أجرُه . ويشهد لهذا : ما خَرَّجه أبو داود والنسائي(١) من حديث أبي هريرة ، عن النبي ◌َّ، قال: ((مَنْ توضأ فأحسنَ الوضوء، ثم رَاحَ فوَجَدَ الناس قد صلَّوْا ، أعطاه اللهُ مِثْلَ أجرٍ مَنْ صلاَّها وحضرها ، لا ينقُص ذلك من أجرهم شيئًا » . وخرَّج أبو داود (٢) من حديثٍ سعيد بْنِ المسيَّب ، عن رَجُلٍ من الأنصار ، سَمِعَ النبيَّ بَّهِ يقول: ((إذا تَوَضأ أحدُكم فأحسنَ الوضوءَ، ثم أَتَى المسجد فصلَّى في جماعة غُفر له ، فإنْ أتي المسجد وقد صلَّوا بعضًا وبقي بعضٌ فصلَّى ما أَدْرَكَ وأتمّ ما بقي كان كذلك ، فإن أتى المسجد وقد صلّوا فأتم الصلاة كان كذلك)» . وخَرَّج النسائيُّ (٣) في هذا الباب من حديث عثمان: سمعتُ النبي ◌َّ يقول: ((مَنْ توضأ للصلاة فأسبغَ الوضوءَ ، ثم مَشَى إلى الصلاة المكتوبة ، فصلاًّها مَعَ النَّاسِ ، أو مع الجماعة ، أو في المسجد غُفْر له ذنبه)) . ولا خِلافَ عن الشافعيِّ وأحمدَ أنَّ الجُمعةَ لا تُدرك بدون إدراك ركعة تامة ؛ لأنَّ الجماعة شرطٌ لها ، وهذا مما يقوي القول بأنَّ الجماعةَ لا تُدرك بدون إدراك ركعة . (١) أبو داود (٥٦٤) والنسائي (٢/ ١١١). (٢) (٥٦٣) . (٣) (١١٢/٢) . 1 ٢٥٣ ٢٩ - بابُ من أدرك من الصلاة ركعة كتاب المواقيت والقول الثاني : أنَّ المرادَ بإدراكِ الركعة في الجماعة إدراك جميع أحكام الجماعة ، من الفضلِ ، وسجودِ السهو ، وحكم الإتمام ، وهذا مذهبُ مالك . فعلى هذا ؛ إذا أَدْرَكَ المسافرُ المقيمَ في التشهدِ الآخر لم يلزمه الإتمام ، وإن أَدْرَكَ معه ركعةً تامة فأكثر لَزِمَهُ الإتمام ، وإذا خَرَجَ من بلدِهِ مسافرًا وقد بَقِيَ عليه من وقت الصلاة قَدْرُ ركعةٍ قَصَرَ الصلاةَ، وإنْ كَانَ أقل مِن قَدْرِ ركعة أتمها ، وإذا أَدْرَكَ المسبوقُ مع الإمامِ ركعةً لَزِمَهُ أن يسجدَ معه لسهوِهِ ، سواء أَدْرَكَه في ذلك السهو أو لم يدركه ، وإن لم يدرك معه ركعة لم يلزمه السجودُ له . هذا كلُّه مذهبُ مالك . ووَفَقَهُ الليثُ والأوزعيَّ في مسألةِ سجودِ السهو . ووافقه أحمدُ ـ في رواية عنه - في المسافر إذا أَدْرَكَ مِن صلاةِ المقيم أقلَّ من ركعة فدخل معه أن له أنْ يقصرَ . والمشهورُ عنه أَنَّه يلزمه الإتمامُ كقولِ الشافعيِّ وأبي حنيفة . وكذا قَالَ طائفةٌ من أصحابِنا في انتمامِ المفترضِ بالمتنفل ، ومَنْ يُصلِّي فرضًا خَلَفَ من يُصلِّي فرضًا آخر ، أنه إن أدرك معه دون ركعةٍ جَازَ ائتمامُه به ؛ لأنه لم يُدْرك معه ما يُعتد به من صلاة ، وإنْ أَدْرَكَ معه ركعةً فصاعدًا لم يجز ائتمامه به . وقالتْ طائفةٌ أخرى: قوله : ((مَنْ أَدْرَكَ ركعةً من الصلاة فقد أَدْرَكَ الصلاة» يدخل في عُمومِهِ إدراكُ الوقتِ بالنسبة إلى أداء الصلاة، وإدراكُ الجماعة كما تقدم . ويدخل فيه - أيضًا - إدراكُ قَدْرِ ركعةٍ من وقت الوجوبِ إذا زَالَ عُذْرُ المعذور في آخرِ وقتِ الصلاة . ٢٥٤ حديث : ٥٨٠ كتاب المواقيت فلو طَهُرت من حَيْضِها في آخِرِ الوقتِ وقد بَقي منه قَدْرُ ركعة لَزِمَها القضاءُ ، وإن لم يَبْقَ منه قدرُ ركعةٍ فَلاَ قضاءَ عليها . وهذا قولُ مالكِ والليثِ ، وأحدُ قولي الشافعي ، ورواية عن أحمد ، حَكَاها أبو الفتح الحلوانيُّ وغيرُه . والمشهورُ عن الشافعي وأحمدَ : أنه يعتبر إدراك قَدْرِ تكبيرة الإحرام من الوقتِ إذا زَالَ العُذْرُ . وهو قولُ أبي حنيفة ، وحُكي عن الأوزاعيِّ والثوري . وكَذَا المشهورُ عند أصحابِ أحمد من مذهبِ أحمد فيما إذا طرأ العذرُ بعد دخولِ الوقت في أوَّلِهِ . وقالتْ طائفةٌ من أصحابنا كابنِ بَطَّة وابن أبي موسى : يعتبر في أوَّلِ الوقت ذَهاب وقت يمكن فيه أداء الصلاة كلِّها ، وهو قولُ الشافعي وإسحاق . والقولان للشافعي في اعتبار ركعة وقدر تكبيرة فيما إذا زَالَ العذرُ في آخر الوقت كالحائض تطهر . فإِن طَرَأَ العذرُ في أوَّلَه كالطاهرِ تحيض ، فلأصحابِنا طريقان : أحدهما : أنه على الخلاف في زواله في آخرِ الوقت. والثاني - وهو الصحيحُ المشهورُ عندهم -: يُعتبر ذَهاب قدر الصلاة بكمالها . فإنْ طَرَأَ العذرُ قبل ذلك فلا قضاءَ ، كما قاله ابنُ بطة وابنُ أبي موسى من أصحابنا . وفرَّقُوا بين أوَّلِ الوقتِ وآخرِهِ ، فإنَّ أوَّلَ الوقتِ إذا لم يمض قدرُ التمكن من الفعل كان الإلزامُ بالفعل تكليفًا بما لا يُطاق ، وأمَّا في آخرِ الوقت فيمكن فعلُ ما أَدْرَكَه في الوقت ، ويكمله بعد الوقت ، ويكون كلَّه أدَاءً على ما سَبَق و تقريره . ٢٥٥ ٢٩ - بابُ من أدرك من الصلاة ركعة کتاب المواقيت وأمَّا من سَوَّى بين الصورتين في الوجوب - وهو المشهورُ عند أصحابنا - ، فَقَالُوا : ليسَ ذلكَ تكليفًا لِمَا لا يُطاق، فإنَّا لا نكلِّ مَن طَرَأَ عليه العذرُ بالفعلِ في الوقتِ الذي لا يتمكن فيه ، بل يلزمه في ذمته ويجب عليه القضاءُ . وخَرَّج ابن سريج قولاً آخَرَ : أَنَّه لا يجب القضاء حتى يدرك جميع الوقت خاليًا من العذر من نصِّ الشافعي على المسافر إذا سافر في أثناء الوقت فله القصر. وفرَّق أكثرُ أصحابِه بينهما ، بأنَّ المسافرَ والمقيم كلاهما تجبُ عليه الصلاةُ ، لكن المسافر له القصرُ إذا صلَّى في السفرِ ، وإنْ لَزِمَتْهُ الصلاةُ قبلَ ذلك في الحضرِ اعتبارًا في صفةِ الصلاةِ بحالِ أدائها في وقتِها ، كَمَا لو كَانَ في أوَّلِ الوقتِ قَادِرًا على القيامِ أو الطهارةِ بالماء ثم عَجَزَ عن ذلك في آخرِهِ ، فإنّه يُصلِّي قاعِدًا وبالتيمم . ومذهبُ الحسنِ وابنٍ سيرين وحمَّدٍ ، والأوزاعيِّ ، وأبي حنيفة في المشهورِ عنه ، أنه لا قضاءَ ، وإنْ وجد المانع في آخر الوقت . ورَوَاه ابنُ وهبٍ ، عن مالكٍ - : نَقَله ابنُ عَبْدِ البر ، ولم يَذْكُر عنه خلافه . وفي ((تهذيب المدونة)): أنَّ مذهبَ مالك: لا قضاءَ إلا أن يتضايق الوقتُ عن الفعلِ ، ويبقى منه قدرُ ركعةٍ ، ثُم يوجد بعد ذلك ، لأنَّ تركَها قبلَ ذلك جائزٌ . وهو رواية زُفر ، عن أبي حنيفة . وهذا الاختلافُ عنهم فيما إذا تجددَ المانعُ من الصلاةِ في أثناءِ الوقت مبني على أصلين : أحدهما : أنَّ الصلاةَ : هل تجبُ بأوَّلِ الوقتِ وُجُوبًا موسعًا ، أم لا ؟ فقال الأكثرون : تجب بأوَّله ، وهو المحكي عن مالك ، والشافعي ، ٢٥٦ حديث : ٥٨٠ كتاب المواقيت وأحمد ، وبعضِ أصحابِ أبي حنيفة . وقال أكثرُ أصحابِه : تجبُ بآخره إذا بَقِيَ من الوقت قدرُ ما يتسعُ لتلك الصلاة ؛ لأنَّ مَا قبلَه يجوزُ تركها فيه ، فلا يوصفُ فيه بالوجوبِ . ومنهم مَنْ قَالَ : لا تجب حتى يبقى من الوقتِ قدرُ تكبيرةٍ واحدة . ومن النَّاسِ من يحكي هذه الأقوالَ الثلاثة ثلاثَ روايات عن أبي حَنِيفة . ومِنْ أصحابِنا مَنْ قَالَ : تجبُ في جزءٍ منه غيرِ معين ، وهو ما يقعُ فيه فعلُ الصلاة ، فتكون أجزاءُ الوقت كخصال الكفارة . ٠ والثاني : هل يستقرُّ الوجوب في الذمة بما يجبُ به الصلاة ، وهو أولُ جزء من الوقت عند مَن يرى ذلك ، أم لا يستقرُّ الوجوبُ حتَّى يَمْضِيَ من الوقتِ مقدار ما يفعل فيه ، أَمْ لا يستقرُّ حتَّى يَبْقَى من الوقتِ مقدارُ ما يتّسع لفعلٍ الصلاة ، أم لا يستقر حتى يخرجَ آخرُ الوقتِ سالمًا من الموانع ؟ فهذه أربعةُ أقوالٍ . والأوَّلُ : هو المشهورُ عند أصحابنا ، وذَكَرُوا أَنَّه المنصوصُ عن أحمدَ ، وقد نَصَّ أحمدُ على أنَّ المرأةَ إذا حَاضَتْ بعدَ دخولِ الوقتِ قليلاً فعليها القضاءُ ، وهو - أيضًا - قولُ بعضِ الشافعية ، وحُكي عن الثوريِّ وطائفة من السلف . والثاني : قولُ الشافعيِّ وإسحاقَ وابنٍ بَطَّةَ وابن أبي موسى . والثالث : قول مالك ، ورواية زُفر عن أبي حنيفة . والرابع : قول أبي حنيفة ومن وَفَقَه كالأوزاعيِّ وابنُ سريج من الشافعية . وأما إذا زَالَ العذرُ في آخرِ الوقت ، فالأكثرون على أنه لو زَالَ قبلَ خروجٍ الوقت ولو بقَدْرِ تكبيرةٍ وجبتْ تلك الصلاةُ به، وهو قولُ الثوريِّ، والأوزاعيِّ، وأبي حنيفة ، والشافعي في أشهرِ قَوْلَيْهِ ، وأحمد في ظاهرِ مذهبه . وقال طائفةٌ : يعتبر أن يدركَ من الوقتِ قَدْرَ ركعة ، وهو قولُ مالك ، ٢٥٧ ٢٩ - بابُ من أدرك من الصلاة ركعة كتاب المواقيت والليث ، والشافعي في قولِهِ الآخرِ ، وحُكي رواية عن أحمد ؛ لمفهوم الحديث المُخَرَّجِ في هذا البابِ . وحُكي عن بعضهم ، أَنَّه اعْتَبَرَهَا هُنا للوجوب إدراك قَدْرِ الصلاة بكمالها من الوقتِ . وهذه طريقةٌ ضعيفٌ في مذهبِ الشافعي وأحمد ، وحُكي عن زُفر . والمروي عن الصحابة يدلُّ على القولِ الأوَّلِ ؛ فإنَّ رُوي عن عَبْدِ الرحمن ابْنِ عوف وابْنِ عبَّاسٍ وأبي هريرة ، في الحائضِ تطهر قبلَ طلوعِ الفجرِ : تُصلِّي المغربَ والعشاءَ . زَادَ (١) عبدُ الرحمن وابنُ عباس : وإذا طهرت قبلَ غروبِ الشمسِ صلَّت الظهرَ والعصرَ . ولم يفرقوا بين قليل من الوقت وكثيرٍ . (١) انظر ابن أبي شيبة (١٢٢/٢) وعبد الرزاق (٣٣٣/١) والبيهقي (٣٨٧/١). ٢٥٨ حديث : ٥٨١ كتاب المواقيت ٣٠ _باب الصَّلاَةِ بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ فيه حديثٌ عن عُمَرَ ، وابْنِ عُمر ، وأبي هريرة : فحديثُ عمر : قال فيه : ٥٨١ - حدثنا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ : ثنا هشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي العَاليةِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاس، قَالَ : شَهِدَ عِنْدِي رِجَالٌ مَرْضيُّونَ - وَأَرْضَاهُمْ عنْدِي عُمَرُ -، أَنَّ رسول الله وَ نَهِّى عَنِ الصَّلَةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتّى تُشْرِقَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ . حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ: ثنا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ : سَمِعْتُ أَبَا العَالية ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ : حَدَّثَنِي نَاسٌ بِهِذَاً . إنما أعاده من طريقِ شعبةً لتصريحِ قتادةَ فيه بالسماعِ من أبي العالية . وقد قال شعبةُ : لم يسمع قتادةُ من أبي العالية إلا ثلاثة أشياء : هذا الحديث ، وحديثَ ابنِ عباس، عن النبي ◌َِّ: ((لا ينبغي لأحد أن يقولَ : أنا خيرٌ من يُونُس بنِ متَّى))(١)، وحديث عليٍّ: «القضاة ثلاثة ذَكَرَه أبو داود والترمذي في ((كتابيهما)»(٢) عن شعبةَ - تعليقًا. وقد خُرِّج في ((الصحيحين)) لقتادةَ عن أبي العالية ، حديثُ ابنِ عباس في ((دعاء الكرب)»(٣)، وحديثه: في رؤية النبي وَّ ليلة الإسراء الأنبياءَ (٤). (١) البخاري (٣٣٩٥) ومسلم (١٠٢/٧) وأحمد (٢٤٢/١). (٢) وابن أبي حاتم في ((المراسيل)) (٦٢٨). (٣) البخاري (٦٣٤٥) ومسلم (٨/ ٨٥). (٤) البخاري (٣٢٣٩) ومسلم (١٠٥/١). ٢٥٩ ٣٠ - بابُ الصلاة بعد الفجر حتى ترتفع الشمس كتاب المواقيت وقد رُوي هذا الحديث مِنْ حديث الحسن ، عن أبي العالية ، وليس بمحفوظ - : ذَكَرَه العقيليّ . وقولُ ابنِ عباس : شَهِد عندي رجالٌ مرضيون وأرضاهم عندي عمر ، معناه: أخبرني بذلك وحدثني به ، ولم يُرد أنَّهم أخبروه به بلفظ الشهادة عندَه. وهذا ما استدلَّ به من يسوِّي بين لفظِ الإخبارِ والشهادة ، وقد نَصَّ عليه أحمدُ في الشهادةِ بالجنة للصحابة الذين رُوي أنهم في الجنة ؛ فإنَّ مِن الناسِ مَنْ قَالَ : يُقال : إنَّهم في الجنة ، ولا نشهد ، فقال أحمدُ : إذا قال فقد شَهد . وسوّى بين القولِ والشهادةِ في ذلك . وأمَّا في أداءِ الشهادةِ عند الحاكم ، فاعتبر أكثرُ أصحابنا لفظَ الشهادة ، وذَكَرَ القاضي أبو يعلى في موضعٍ احتمالاً آخر ، بأنَّه لا يُشترط ذلك . وكان ابنُ عباسٍ يروي - أحيانًا - ، عن النبيِ وََّ مَا شَهِدَه وسَمِعَه منه، ويقول: أَشْهَدُ على رَسُولِ اللّهِ وَّه، كما قَالَ ذَلكَ في روايته لخطبةِ العيد ، وقد سَبَقَ حديثُه بهذا في (كتاب العلم)) في ((باب: عظة الإمام النساء وتعليمهن)). وقوله : ((نَهَى عن الصلاةِ بعد الصبح حتَّى تشرقَ الشمس))، أوَّلُ هذا الوقتِ المنهي عن الصلاة فيه إذا طَلَعَ الفجر ، وهو المرادُ بقوله في هذه الرواية: (بعدَ الصبحِ))؛ فإنَّ الصبحَ هو الفجر، كَما قَال تعال: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ؟ [التكوير: ١٨]، وقال: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُّ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود: ٨١]. وفي رواية لمسلم(١) في هذا الحديثِ : نَهَى عَنِ الصَّلاَةِ بَعْدَ الفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ . وهذا قولُ جمهور العلماء: أنَّ أوَّلَ وقتِ النهي عن الصلاةِ إذا طَلَعَ الفجرُ. (١) (٢٠٧/٢) . ٢٦٠ حديث : ٥٨١ كتاب المواقيت ورُوي معنى ذلك عن ابْنِ عُمَرَ وابْنِ عَبَّاسٍ وعَبْدِ اللَّه بن عَمْرو وأبي هُريرة(١) . وقال النخعيُّ : كانوا يَكْرَهُونَ ذلك(٢). وكَرِهَهُ سعيدُ بْنُ المسيّب ، قال : هو خلافُ السنة(٣). وعطاء والحسن ـ [قال](٤): وما سمعتُ فيه بشيءٍ - ، والعلاء بن زياد وحميد ابن عبد الرحمن . وهو مذهبُ الثوريِّ ومالكِ وأبي حنيفة وأحمد في ظاهرِ مذهبه . وذَكَرَ أبو نصر بْنُ الصَّبَّاغ من الشافعية : أنَّه ظاهرُ مذهب الشافعي . وحَكَى الترمذيُّ في «جامعه»(٥) أنَّ أهلَ العِلِم أجمعوا عليه، وكَرِهُوا أنْ يُصلِّيَ الرجلُ بعدَ طلوعِ الفجرِ إلا ركعتي الفجر . وخَرَّج الإمامُ أحمدُ وأبو داود والترمذيُ (٦) من حديثِ ابْنِ عُمَرَ ، عن النبيِّ وَّ، قال: ((لا صلاةَ بعد الفجرِ إلاَّ سجدتينٍ)) . وله طرقٌ متعددةٌ عن ابْنِ عُمَرَ (٧). وخرَّج الطبرانيُّ والدارقطنيُّ والبزار(٨) نحوَه من حديثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرو ، عن النبيِّ وَّةِ. (١) ((قيام الليل)) للمروزي (ص ٨٠) وعبد الرزاق (٥٣/٣). (٢) ابن أبي شيبة (١٣٥/٢). (٣) عبد الرزاق (٥٢/٣، ٥٣). (٤) زيادة مني. وانظر ((قيام الليل)) وعبد الرزاق. (٥) (٢/ ٢٨٠). (٦) أحمد (١٠٤/٢) وأبو داود (١٢٧٨) والترمذي (٤١٩). (٧) راجع: ((إرواء الغليل)) (٤٧٨). (٨) الطبراني في ((الأوسط)) (١٥٢١) والدارقطني (٢٤٦/١) والبزار (٧٠٣ - كشف) ومحمد بن نصر في ((قيام الليل)) (ص ٧٩) والبيهقي (٤٦٥/٢) .