Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
١٣ - بابُ وقت العصر
كتاب المواقيت
وقيل: بقاءُ حَرِّها ولونِها - : قاله الخطابي(١) وغيرُه .
وحديثُ أَنَسٍ :
خَرَّج له ثلاثة أحاديث :
الحديث الأول :
٥٤٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالك، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّه بْنِ
أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي العَصْرَ، ثُمَّيَخْرُجُ الإِنْسَانُ إِلَى بَنِي
عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَتَجِدُهُمْ يُصَلُونَالْعَصْرَ.
وكذا خَرَّجه مسلمٌ(٢)، عن يَحْيَى بن يَحْيَى، عَنْ مالك، به . وكذا هو في
((الموط))(٣).
ورواه ابنُ المبارك وعتيقُ بن يعقوب(٤)، عن مالك، عن إسحاقَ ، عن أَنَسٍ،
قال : كُنَّا نصلِّي العصرَ مَعَ رسولِ اللّه وَّهِـ فذكرا(٥) الحديث، وصَرَّحَا برفعه .
والروايةُ المشهورةُ عن مالكِ في معنى المرفوعِ ؛ لأنَّ أَنَسًا إنما أخرجه في
مخرج الاستدلال به على تعجيلِ العصر .
وبنو عَمْرو بن عوف على ثلثي فرسخٍ من المدينة ، ورُوي ذلك في حديثٍ
عن عُرْوة بن الزبير .
وفي الحديث : دليلٌ على جوازِ تأخيرِ العصر ، ما لم يدخل وقتُ الكراهة ؛
فإنَّ الصحابةَ فيهم مَن كان يُؤْخِّرُها عن صلاةِ النبيِّ وَّ في عهدِه ، والظاهر: أنَّه
(١) في ((شرح البخاري)) (٤٢٦/١).
(٢) (١٠٩/٢ - ١١٠).
(٣) (ص ٣٢) .
(٤) في الأصل: ((عتيق بن منصور)) خطأ، وعلى الصواب جاء في ((التمهيد)) (٢٩٥/١)، وهو
مترجم في ((الثقات)) لابن حبان (٥٢٧/٨) .
(٥) في الأصل ((هـ)): ((فذكر)) بالإفراد .

١٠٢
حديث : ٥٤٨ - ٥٤٩
كتاب المواقيت
كان ◌َّيهِ يعلم ذلك، ويُقرُّ عليه .
ورَوَى رِبعي بن حِراش ، عن أبي الأبيض ، عن أَنَسٍ ، قال : كُنْتُ أصلِّي
مع رسولِ اللّه وَّوَل العصرَ والشمسُ بَيْضَاءُ مُحَلِّقَةٌ، ثم آتي عشيرتي وهم
جلوسٌ، فأقولُ: ما مجلسكُم؟ صَلُّوا؛ فقد صلَّى رسولُ اللّه وَه.
خَرَّجه الإمامُ أحمد(١) .
وخرَّج النسائي(٢) إلى قوله: ((مُحَلِّقَةٍ))(٣).
وخرَّجه الدار قطني(٤) بتمامه ، وزَادَ فيه : وهُمْ في ناحية المدينة(٥).
وأبو الأبيض هذا ، قال الإمامُ أحمد : لا أعرفه ، ولا أعلمُ رَوَى عنه إلا
رِبعي بن حِراش .
الحديث الثاني :
٥٤٩ - حَدَّثْنَا ابْنُ مُقَاتِل: أبنا عَبْدُ اللَّه: أبنا أَبُو بَكْرِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حٍُّ،
قال: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ يَقُولُ: صَلَّيْنَا مَعَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ الظُّهْرَ، ثُمَّ خَرَّجْنَا حَتَّى
دَخَلْنَا عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالكِ، فَوَجَدْنَاهُ يُصَلِّي الْعَصْرَ، فَقُلْتُ: يَا عَمِّ، مَا هَذِهِ الصَّلاةُ
الَّتِي صَلَّيْتَ؟ قَالَ: الْعَصْرُ، وَهَذِهِ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ وَ الَّتِي كُنَّا نُصَلِّي مَعَهُ .
أبو أُمَامَة ، هو : ابنُ سهلٍ بْنِ حُنَّف .
وصلاةُ عُمَرَ بْنِ عبدِ العزيز هذه كانتْ بالمدينة ، حيث كان أميرًا مِن قِبَل
الوليد، وقد تقدم أنه حينئذٍ لم يكن عنده علم من مواقيت الصلاة المسنونة ،
فكان يجري على عادة أهل بيتِهِ وعمومِ الناسِ معهم في تأخيرِ الصلاة أحيانًا ، فلما
(١) (٣ /١٣١ - ١٦٩ - ١٨٤ - ٢٣٢) .
(٢) (١/ ٢٥٣) .
(٣) وكذا هو عند أحمد في بعض المواضع المذكورة .
(٤) (١ / ٢٥٣) .
(٥) وكذا هو - أيضًا - في بعض المواضع عند أحمد .

١٠٣
١٣ - بابُ وقت العصر
كتاب المواقيت
بلغته السُّنَّةُ اجتهدَ حينئذٍ على العملِ بها ، ولكنَّه لم يعمل القيام بها على وجهها
إلا في أيامٍ خِلافته ، فإنَّه بالغ حينئذٍ في إقامةِ الحق على وجهه ، ولم يترخص
في شيءٍ مما يقدر عليه ، ولا أخذته في اللّه لومة لائم - رضي اللّه عنه.
[الحديث الثالث] :
٥٥٠ - حدثنا أَبُو الْيَمانِ: أبنا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِك،
قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِوَ يُصَلِّي الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ حَيَّةٌ، فَيَذْهَبُ الذَّهِبُ
إِلَى الْعَوَالِي، فَيَأْتِيهِمْ وَالشَّمْسُ مُرْتَفَعَةٌ .
وَبَعْضُ الْعَوَالِي مِنَ الْمَدِينَةِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَمْيالٍ أَوْ نَحْوِهِ .
٥٥١ _ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ يُوسُفَ: أبنا مَالكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ
مَلك، قَالَ : كُنَّا نُصَلِّي الْعَصْرَ، ثُمَّ يَذْهَبُ الذَّاهِبُ إِلَى قُبَاءٍ، فَيَتَيْهِمْ وَالشَّمْسُ
ء
مُْتَفَعَةٌ.
إنما خرَّجه من هذين الوجهين ؛ ليبين مخالفته لأصحاب الزهريِّ في هذا
الحديث .
وقد خالفهم فيه من وجهين :
أحدهما: أنَّه لم يذكر فيه النبيَّ نَّهِ، وَذَكَرَهُ أصحابُ الزهريِّ، كما خَرَّجه
البخاريُّ هنا من رواية شُعيب .
وخَرَّجه في أواخرٍ ((كتابه)» (١) من رواية صالح بن كَيْسَان، ثم قال: زَادَ
الليثُ، عن يونسَ : ((وبُعْدُ العوالي أربعةُ أميال أو ثلاثة)).
وخَرَّجه مسلم (٢) من رواية الليث وعَمْرو بن الحارث - كلاهما - ، عن
الزهري، به .
ورواه أبو صالح ، عن الليث ، عن يونسَ ، عن الزهري .
(١) (٧٣٢٩) .
(٢) (١٠٩/٢).

١٠٤
حديث : ٥٥٠ - ٥٥١
کتاب المواقيت
وما ذَكَرَه البخاريُّ في رواية شُعيب من قوله : ((وبَعْضُ العوالي من المدينة
على أربعة أميال أو نحوه)) ، فهو من قولِ الزهري ، أُدرج في الحديث .
قال البيهقي(١): وقد بَّنَ ذلك معمرٌ ، عنه .
ثم خَرَّجه من طريق معمر عنه ، وقال في آخر حديثه : قال الزهريّ :
والعوالي من المدينة عَلَى مِيلين(٢) وثلاثة - أو حسبه قال: وأربعة.
والوجه الثاني : أنَّ مالكًا قال في روايته : ((ثم يذهب الذاهبُ إلى قُبَاء))،
كذا رواه أصحابُه عنه، وكذا هو في ((الموطأ)(٣).
وخالفه سائرُ أصحابِ الزهري ، فقالوا: ((إلى العوالي)).
وقد رواه خالد بن مَخْلد ، عن مالك ، فقال فيه: ((العوالي)) ، وليس هو
بمحفوظ عن مالك .
قال النسائي : لم يتابع مالكًا أحدٌ على قوله في هذا الحديث : ((إِلى قُبَاء)»،
والمعروف: ((إلى العوالي)).
وقال ابنُ عبد البر(٤): رواه جماعة أصحاب الزهري عنه ، فقالوا: ((إلى
العوالي))، وهو الصواب عند أهلِ الحديث. قال: وقول مَالِكِ: ((إلى قُبَاء)»
وَهْم لا شك فيه عندهم ، ولم يتابعه أحدٌ عليه .
وكذا ذَكَرَ أبو بكر الخطيب وغيرُه .
(١) (١ / ٤٤٠) .
(٢) وقع في الأصلين ((م)) و((هـ)): ((ميل)) والمثبت من ((سنن البيهقي)).
(٣) (ص ٣٢) .
(٤) ((التمهيد)) (١٧٨/٦).
وعنده كلام النسائي وكذا الدارقطني .
وانظر: ((التتبع)) للدارقطني (ص ٤٥٧ - ٤٥٩) و((السنن)) له (٢٥٣/١) و((هدي الساري))
(ص٣٥١ - ٣٥٢) و((الفتح)) لابن حجر (٢٩/٢).

١٠٥
١٣ - بابُ وقت العصر
کتاب المواقيت
قلتُ: قد رَوَاه الشافعي في القديم: أنا [أبو] صفوان ابن سعيد بن عبد الملك
ابن مَرْوان ، عن ابنِ أبي ذِئْب ، عن الزُّهريِّ، عن أَنَسِ ، قال: كَانَ رسولُ اللَّه
وَلِّ يُصلِّي العصرَ، ثم يذهب الذاهبُ إلى قُبَاءِ فيأتيها والشمسُ مرتفعةٌ .
ورواه عن ابنِ أبي فُدَيْك، عن ابنِ أبي ذئب، وقال: ((إلى العوالي))(١).
وكذا رَوَاه الواقدي ، عن معمر ، عن الزهريِّ . وهذا لا يُلتفت إليه .
قال ابنُ عبد البر : إلا أنَّ المعنى في ذلك متقارب على سعة الوقت ؛ لأنَّ
العوالي مختلفة المسافة ، فأقربُها إلى المدينة ما كان على ميلين أو ثلاثة ، ومثل
هذا هي المسافة بين قُباء وبين المدينة ، وقُباء من بني عمرو بن عوف ، وقد نَصَّ
على بني عمرو بن عوف في [حديث أنس](٢) هذا إسحاقُ بنُ أبي طلحة .
يشير إلى حديثه المتقدم ، وخَرَّجه من طريق إبراهيم بن أبي عبلة ، عن
الزهري، عن أَنَسٍ، عن النبيِ بَّهِ، وقال فيه: ((والعوالي من المدينة على
عشرة أميال)) ، وكان الزهري ذكر في هذه الرواية أبعدَ ما بين العوالي والمدينة ،
كما ذكر في الرواية المتقدمة أقربَ ما بينها وبين المدينة .
وفي الباب حديث آخر : خَرَّجه البخاريُّ في ((القسمة)) (٣)، فقال: نا محمد
ابن يوسف : نا الأوزاعي : نا أبو النجاشي ، قال : سمعت رافع بن خديج
[قال]: كنَّا نُصلِّي مع النبيِّ وَِّ العصرَ، فَتَنْحَرَ جَزورًا، فَتُقْسَم عَشر قِسَمٍ ،
فتأكل لحمًا نَضِيجًا قبل أنْ تغربَ الشمسُ .
قال الدارقطنيُّ : أبو النجاشي ، اسمه : عطاء بن صُهيب ، ثقة مشهور ،
صَحِبَ رَافع بين خَديج سِتَّ سنين .
(١) انظر (التمهيد)) (٦/ ١٨١).
(٢) زيادة من ((التمهيد)).
(٣) في ((الشركة)) (٢٤٨٥) ومسلم (١١٠/٢ - ١١١).

١٠٦
حديث : ٥٥٠ - ٥٥١
كتاب المواقيت
والكلام هَاهُنا في مسألتين :
إحداهما :
في حَدٍّ وقت العصر : أوله وآخره :
فأما أوله : فحَكَى ابنُ المنذر فيه أقوالاً ، فقال :
اختلفوا في أوَّلِ وقتِ العصرِ : فكان مالكٌ والثوريُّ والشافعيُّ وأحمد
وإسحاق وأبو ثور يقولون : وقت الظهر(١) إذا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شيءٍ مثله .
واختلفوا بعد ، فقال بعضُهم : آخرُ وقتِ الظهرِ أولُ وقتِ العصر ، فلو أنَّ
رجلين صلَّى أحدُهما الظهرَ والآخرُ العصرَ حين صار ظلُّ كلِّ شيءٍ مثله لكانا
مصليين الصلاتين في وقتها ، قال بهذا إسحاقُ ، وذَكَرَ ذلك عن ابنِ المبارك .
وأمَّا الشافعيُّ فكان يقول : أولُ وقتِ العصر إذا جاوز ظلُ كلِّ شيءٍ مثله ما
كان ، وذلك حين ينفصل من آخرٍ وقت الظهر .
قلت : هذا هو المعروفُ في مذهبِ أحمدَ وأصحابه ، وحَكَى بعضُ
المتأخرين رواية عنه كقولِ ابنِ المبارك وإسحاقَ ، وهي غير معروفة .
قال ابن المنذر : وحُكِيَ عن ربيعة قولٌ ثالثٌ، وهو : أنَّ وقتَ الظهرِ
والعصرِ إذا زالتْ الشمسُ .
وفيه قولٌ رابع ، وهو : أنَّ وقت العصر أن يصير الظل قائمتين بعد الزوال ،
ومن صلاها قبل ذلك لم تجزئه ، وهذا قولُ النعمان - يعني : أبا حنيفة .
وحكَى ابن عبد البر(٢)، عن مالك مثل قول ابن المبارك وإسحاق ، وعن
الثوري والحسن بن صالح وأبي يوسف ومحمد وأحمد وإسحاق وأبي ثور مثل
قول الشافعي ، وعن أبي حنيفة : آخر وقت الظهر إذا صار ظل كل شيء مثليه.
(١) كذا وفي (الأوسط)) (٣٢٩/٢): ((أول وقت العصر))، فقد يكون هذا هو الصواب و((العصر))
تصحفت إلى ((الظهر))، أو يكون: ((آخر وقت الظهر))، وكلاهما صواب .
(٢) ((التمهيد)) (٧٣/٨ - ٧٦). وراجعه إذ فيه ((ومحمد بن جرير)) بدل: ((أبي ثور)).

١٠٧
١٣ - بابُ وقت العصر
كتاب المواقيت
قال : فخالف القياس في ذلك ، وخالفه أصحابه فيه .
وذكر الطحاوي رواية أخرى عن أبي حنيفة ، أنه قال : آخر وقت الظهر حين
يصير ظل كل شيء مثله ، كقول الجماعة . ولا يدخل وقت العصر حتى يصير
ظل كل شيءٍ مثليه ، فترك بين الظهر والعصر وقتًا مفردًا لا يصلح لأحدهما .
قال : وهذا لم يتابع عليه - أيضًا .
وحكى ابنُ عبد البر(١)، عن أبي ثور والمزني مثل قول ابن المبارك ومَنْ
تابعه، بالاشترك بين الوقتين إذا صَارَ ظلُّ كُلِّ شيءٍ مثليه بقدر أربع ركعات ، فمن
صلى في ذلك الوقت الظهر والعصر كان مؤديًا لها .
وحُكي عن عطاء وطاوس ، أن ما بعد مصير ظل كل شيءٍ مثله وقت الظهر
والعصر معًا ، قال طاوس : إلى غروب الشمس ، وقال عطاء : إلى اصفرارها ،
وقد سَبَقَ ذكرُ قولهما ، وأنه حُكي رواية عن مالك .
وقد نَصَّ الشافعيُّ على أنَّ وقتَ العصر لا يدخل حتَّى يزيد ظل الشيءٍ على
مثله ، وكذلك قاله الخِرَقي من أصحابنا .
واختلف أصحابُ الشافعي في معنى قوله : ((بالزيادة)):
فمنهم من قال : هي لبيان انتهاءِ الظل إلى المثل ، وإلا فالوقتُ قد دَخَلَ قبل
حصولِ الزيادةِ بمجرد حصول المثل ، فعلى هذا تكون الزيادةُ من وقتِ العصر .
ومنهم مَنْ قال : إنها من وقت الظهر ، وإنَّما يدخل العصر عقبها ، وقيل :
إنَّه ظاهرُ كلامِ الشافعيِّ والعراقيين من أصحابه .
ومنهم مَنْ قال : ليستْ الزيادةُ من وقت الظهر ولا مِن وقتِ العصرِ ، بل هي
فَاصِلٌ بين الوقتين . وهو أضعفُ الأقوالِ لهم .
(١) في الأصل: ((وحكى عن ابن عبد البر)).

١٠٨
حديث : ٥٥٠ - ٥٥١
كتاب المواقيت
وأمَّا المنقولُ عن السلف، فأكثرهم حَدِّدَه بقدر سير الراكب فرسخًا أو
فرسخين قبل غروب الشمس .
فرَوَى مالك(١)، عن نافعٍ، أنَّ عُمَرَ كَتَبَ إلى عماله: صَلُّوا الظهرَ إذا كان
الفيءُ ذراعًا ، إلا أن يكون ظل أحدكم مثله ، والعصرَ والشمسُ بيضاءُ نقية ،
قدر ما يسيرُ الراكب فرسخين أو ثلاثة ، قبل غروبِ الشمس .
ورواه غيره : عن نافع ، عن ابن عُمَرَ ، عن عمر .
ورَوَى أبو نُعيم الفضلُ بن دُكَين : نا سَعَد بن أوس(٢)، عن بلال العبسي ،
أن عُمَرَ كَتَب إلى سعد : صلِّ العصر وأنت تسيرُ لها ميلين أو ثلاثة .
نا يزيد بن مَرْدَانَه ، قال : سألتُ أنسَ بن مالك عن وقت العصر ؟ فقال :
إذا صلَّيتَ العصرَ ثم سِرتَ ستةَ أميالٍ حَتَّى إلى (٣) غروبِ الشمس فذلك وقتُها .
نا ابنُ عيينة ، عن أبي سنان ، عن سعيدِ بْنِ جُبير ، قال : تُصلِّي العصرَ قدر
ما تسير البعير المحملة فَرسخين .
نا ابن عيينة ، عن أبي سنان ، عن عبد اللّه بن أبي الهُذَيْل، قال: فرسخ.
وأما آخرُ وقتِ العصرِ ، ففيه أقوال :
أحدها : أنه غروبُ الشمس ، رُوي ذلك عن ابنِ عبَّاسٍ وعِكْرِمة وأبي جعفر
محمد بن علي .
والثاني : إلى مصيرِ ظِلِّ كُلِّ شيءٍ مثليه ، رُوي عن أبي هريرة ، وهو قولُ
الشافعيِّ ، وأحمد في رواية .
والثالث : حتَّى تصفر الشمسُ ، رُوي عن عبد اللّه بن عَمْرو بن العاص ،
(١) «الموطأ)) (ص ٣١). وفيه: ((ذراعًا إلى أن يكون ... )).
(٢) في ((م)): ((سعيد بن أويس)) وفي ((هـ)): ((سعيد بن سويد)) . والصواب ما أثبته، وهو
العبسي أبو محمد .
(٣) كذا .
٠

١٠٩
١٣ - بابُ وقت العصر
كتاب المواقيت
وهو قولُ الأوزاعيِّ ، وأحمد في روايةٍ ، وأبي يوسف ، ومحمد .
وفيه حديث ، عن عَبْد اللّه بن عَمْرو ، اخْتُلِفَ في رفعِه ووقفه ، وقد
خَرَّجه مسلمٌ في ((صحيحه))(١) مرفوعًا .
وأكثر مَنْ قَالَ بهذا القولِ والذي قبلَه ، قالوا : لا يخرجُ وقتُ العصرِ بالكلية
باصفرارِ الشمسِ ولا بمصير ظل كلِّ شيءٍ مثليه ، إنما يخرجُ وقتُ الاختيار ،
وَيَبْقَى ما بعده وقت ضرورة .
وهل يكونُ التأخيرُ إليه لغير ذوي الأعذار مُحَرَّمًا ، أو مكروهًا كراهة تنزيه ؟
فيه وجهان لأصحابنا .
وقال الإصْطخْرِيُّ من الشافعية : يخرجُ وقتُ العصرِ بالكلية حين يصير ظِلُّ
الشيءِ مثليه ، ويصير بعد ذلك قضاء ، ولم يوافقه على ذلك أحدٌ .
والمشهور عند الشافعية : أنه بعد مصير ظل كلِّ شيءٍ مثليه إلى اصفرار
الشمس يجوز التأخير إليه بلا كراهة ، ولكن يفوتُ وقتُ الفضيلة والاختيار ،
وقالوا : يفوتُ وقتُ الفضيلة بمصير ظلِّ الشيءِ مثله ونصف مثله ، ووقتُ
الاختيار بمصير ظل الشيءٍ مثليه ، ووقتُ الجواز يمتد إلى اصفرارِ الشمس ،
ومن وقتِ الاصفرار إلى أنْ تغربَ الشمسُ وقتُ كراهة لغير ذوي الأعذار .
وحَكَى ابنُ عبد البر(٢) عن مَالِكِ وغيرِه من العلماء : أن مَنْ صلى العصر قبل
اصفرار الشمسِ فقد صلاها في وقتها المختار ، وحكاه إجماعًا ، وحكاه(٣) عن
الثوري وغيره .
قال : وهذا يدلُّ على أنَّ اعتبار المثلين إنما هو للاستحباب فقط .
وحكى عن أبي حنيفة : أن وقتَ الاختيارِ يمتدُ إلى اصفرارِ الشمس .
(١) (١٠٤/٢ - ١٠٥) .
(٢) ((التمهيد)) (٧٦/٨) .
(٣) السابق (٨/ ٧٧) .

١١٠
حديث : ٥٥٠ - ٥٥١
کتاب المواقيت
وحكى عن إسحاق وداود : آخرُ وقتِ العصرِ أنْ يدرك المصلِّي منها ركعةً
قبل الغروب ، وسواء المعذور وغيره .
وسيأتي القولُ في ذلك فيما بعد - إنْ شاء اللّه سبحانه وتعالى.
وحكَى الترمذيُّ في («جامعه»(١) عن أبي بكرة أنه نام عَنْ صلاةِ العصرِ ،
فاستيقظ عند الغروب ، فلم يصلِّ حتى غربت الشمس .
وهذا قد ينبني على أنَّ وقتَ العصرِ يخرج بالكلية باصفرارِ الشمس ، فتصير
قضاءً ، والفوائت لا تُقْضَى في أوقاتِ النهي عند قومٍ من أهلِ العلم.
ونَهَى عُمَرُ بْنُ الخطاب مَنْ فاته شيءٌ من العصرِ أنْ يطوِّل فيما يقضيه منها ،
خشية أنْ تدركه صفرةُ الشمس قبلَ أنْ يفرغَ من صلاتِه .
المسألة الثانية :
هل الأفضلُ تعجيلُ العصر في أول وقتها ، أو تأخيرها ؟ فيه قولان :
أحدهما - وهو قولُ الحجازيين وفقهاء الحديث - : أنَّ تعجيلها في أولِ وقتها
أفضل، وهو قولُ الليث، والأوزاعيِّ، وابن المبارك ، والشافعيِّ ، وأحمد ،
وإسحاق ، وقولُ أهلِ المدينة : مالكِ وغيرِه .
ولكن مالك يستحبُّ لمساجد الجماعات أنْ يؤخروا العصرَ بعدَ دخولٍ وقتها
قليلاً ؛ ليتلاحق الناسُ إلى الجماعة .
وقد تقدم إنكارُ عُرْوة على عُمَرَ بْنِ عبدِ العزيز تأخيره العصر شيئًا ، وإنكارُ
أبي مسعود الأنصاري على المغيرة تأخيره العصر شيئًا .
والأحاديث التي خَرَّجها البخاريُّ في هذا الباب كُلُّها تدلُ على استحباب
تعجيلِ العصر وتقديمها في أول وقتها .
والقول الثاني : أنَّ تأخيرَها إلى آخر وقتِها ما لم تصفر الشمس أفضل ، وهو
(١) (٣٣٦/١) .

١١١
١٣ - بابُ وقت العصر
كتاب المواقيت
قولُ أهلِ العراق ، منهم : النخعيُّ ، والثوريُّ ، وأبو حنيفة .
قال النخعيُّ: كان مَن قبلكم أشدَّ تأخيرًا للعصر منكم، وكان إبراهيمُ يَعْصِرُ
العصرَ - أي : يضيقُها إلى آخرِ وقتِها .
وقَالَ أبو قلابة وابنُ شُبْرمة : إنما سُميت العصر لتُعصر .
وقد رُوي هذا القول عن علي ، وابنِ مسعود وغيرِهما ، وفيه أحاديث
مرفوعة ، كلُّها غيرُ قوية .
قال العُقيليُّ : الرواية في تأخيرِ العصر فيها لين .
وذَكَرَ الدار قطنيُّ أنه لا يصح منها شيءٌ يقاوم أحاديث التعجيل ؛ فإنَّها
أحاديث كثيرة ، وأسانيدُها صحيحة من أصحُّ الأسانيد وأثبتِها . وقال : أحاديثُ
تأخير العصر لم تثبت ، وإنَّما وجهها - إن كانت محفوظة - : أن يكونَ ذلك على
غيرِ تعمدٍ ، ولكنْ للعذرِ والأمر يكون(١).
(١) كذا . وربما كان معناه : أن تأخير العصر يكون لعذرٍ أو لأمرٍ عرض.

١١٢
حديث : ٥٥٢
كتاب المواقيت
١٤ - بَابُ
◌ِمِ مَنْ فَاتَتْهُ الْعَصْرُ
٥٥٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُاللَّهِ بْنُ يُوسُفَ : أنا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدَ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ،
أنَّ النَّبَِّ قَالَ: (الَّذِي تَفُوْتُهُ صَلَةُ العَصْرِ فَكَأَنَمَّا وَتِرَ أَهْلَهُ وَمَلَهُ) .
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: ﴿يَتِرَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥]: وَتَرْتَ الرَّجُلَ، إِذَا قَتَلْتَ لَهُ قَتَيْلاً،
وأَخَذْتَ مَالَه(١).
فواتُ صلاة العصر : أُريد به : فواتها في وقتها كلِّه، كذا فَسَّرِه ابنُ عبد البر
وغيرُه .
وقد فَسَّرِه الأوزاعيُّ: بفواتٍ وقتِ الاختيار ، بعد أن رَوَى هذا الحديثَ عن
نافع ، قال الأوزاعيّ : وذلكَ أن تَرَى ما على الأرضِ من الشمس مصفراً .
خرَّجه أبو داود في ((سننه))(٢) ومحمد بن يحيى الهمداني في (صحيحه)).
وقد أدرج بعضهم هذا في الحديث :
قال ابنُ أبي حاتم (٣) : سألتُ أبي عن حديثٍ رواه الوليد ، عن الأوزاعي ،
عن نافع، عن ابنِ عمر، قال: قال رسولُ اللّه ◌َلِّ: ((مَنْ فاتته صلاةُ العصر -
وفواتُها: أن تَدخل الشمسَ صفرةٌ - فكأنمَّا وُتُرَ أهْلِه ومالُه)) ؟ فقال أبي : التفسيرُ
من قولِ نافعٍ . انتهى .
وقد تبين أنَّه مِن قولِ الأوزاعي كما سَبَقَ .
وقد رُويت هذه اللفظة من حديث حجاج والأوزاعي ، عن الزهري ، عن
ابن عمر ، عن النبي وَلها .
(١) في ((اليونينية)): ((أو أخذت ماله)) وفي نسخة: ((أو أخذت له مالاً)).
(٢) (٤١٤) (٤١٥). وفيه: ((صفراء)).
(٣) في ((العلل)) (٤١٩).
١
٠

١١٣
١٤ - بَابُ إثم من فاتته العصر
كتاب المواقيت
ورَوَى هذا الحديث الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن النبيِّ وَّر.
خَرَّجه من طريقه مسلمٌ (١) .
ورواه حفص بن غَيلان ، عن سالم ، وزاد فيه: ((في جماعة)).
وهذه - أيضًا - مدرجةٌ، وكأنَّها من تفسير بعضِ الرواة ، فَسَّر فواتها المرادَ
في الحديث بفواتِ الجماعة لها ، وإنْ صلاها في وقتها ، وفي هذا نظرٌ .
وعلى تفسيرِ الأوزاعي يكون المرادُ : تأخيرَها إلى وقتِ الكراهة ، وإنْ
صلاها في وقتها المكروه .
وعلى مثل ذلك يُحمل ما رواه مَالكُ في ((الموطٍ)(٢) عن يَحْيَى بنِ سعيدٍ ،
أنه قال: إنَّ الرجل ليُصلِّي الصلاة وما فاتته ، ولَمَاَ فاته من وقتها أعظم - أو
أفضل - من أهلِه ومالِه .
وقد رواه الليثُ بنُ سَعْدٍ ، عن يَحْيى بن سعيد ، عن يَعلى بن مسلم ، عن
طَلق بن حَبيب، عن النبي ◌ِّو - مرسلاً.
ورواه جعفر بن عَون ، عن يَحْيى بن سعيد ، عن محمد بن المنكدر ، عن
يعلى، عن طَلق، عن النبي ◌َِّ .
ورواه حماد بن زيد ، عن يَحْيَى بن سعيد ، عن محمد بن المنكدر ، عن
طَلق بن حَبيب، قال: كان يُقال - فذكره، ولم يذكر: النبيِّ ◌َلِّ.
خَرَّجه محمدُ بْنُ نصر المروزيُّ مِن هذه الوجوه كلِّها(٣).
وقد رُوي موصولاً من وجوه أخر :
فرَوَى وَكيع في ((كتابه)) (٤) عن شُعبة عن سَعْد بن إبراهيم ، عن الزهري ،
(١) (٢/ ١١١) .
(٢) (ص ٣٤) .
(٣) ((تعظيم قدر الصلاة)) (١٠٤٠) (١٠٤١) (١٠٤٢).
(٤) ومن طريقه محمد بن نصر المروزي (١٠٤٣) .

١١٤
حديث : ٥٥٢
كتاب المواقيت
عن ابن عمر، قال: قال رسولُ اللَّهِ وَّهِ: ((إنَّ الرجلَ ليدرك الصلاة، وما فاته
مِن وقتها خير له من أهله وماله)) .
ورواه نُعيم بن حمَّد ، عن ابنِ المبارك ، عن شُعبة ، به .
والزهريُّ لم يسمعْ من ابنِ عمر عند جماعة ، وقيل : سمع منه حديثًا أو
حديثين .
ورواه هُشيم(١)، عن يَعلى بن عطاء ، عن الوليد بن عبد الرحمن القرشي ،
عن ابنِ عمر، عن النبي ◌َّ - بنحوه.
خرَّجه محمدُ بنُ نصر المروزي(٢) .
والوليد هذا ، لا أعرفه ، إلا أنْ يكون الجُرَشي الحمصي، فإنَّه ثقةٌ معروف.
ورَوَى إِبراهيم بنُ الفضل المدني ، عن المقبري ، عن أبي هريرة ، عن
النبي ◌ََّ، قال: ((إنَّ أحدكم ليصلِّي الصلاة لوقتها، وقد تَرَكَ من الوقتِ الأول
ما هو خیرٌ له من أهله وماله» .
خَرَّجه الدار قطني (٣) .
وإبراهيم هذا ، ضعيفٌ جدًاً .
ورواه - أيضًا - يعقوبُ بْنُ الوليد المدني، عن ابنِ أبي ذِئْبٍ ، عن المقبري،
عن أبي هريرة ، عن النبي ◌َّ - نحوه(٤).
ويعقوب هذا ، منسوب إلى الكذب .
قال ابن عبد البر في ((الاستذكار)) : وقد رُوي هذا الحديث من وجوه
ضعيفة. وزَعَم في ((التمهيد)) أنَّ حديث أبي هريرة هذا حسن ، وليس كما قال.
(١) في الأصلين: ((هشام)) خطأ.
(٢) (١٠٤٤) .
(٣) (٢٤٨/١) .
(٤) أخرجه ابن عبد البر في ((التمهيد)) (٣٤٢/٤).

١١٥
١٤ - بَابُ إثم من فاتته العصر
كتاب المواقيت
قال ابنُ عبد البر : كان مالك - فيما حكَى عنه ابن القاسم - لا يعجبه قول
يحيى بن سعيد هذا - يعني : الذي حَكَاه عنه في ((الموطأ)).
وذَكَرَ ابن عبد البر أنَّ سببَ كراهةٍ مالكِ لذلك - واللهُ أعلم - أنَّ وقتَ
الصلاة كلَّه يجوزُ الصلاةُ فيه، كما قال: ((ما بين هذين وقتٌ) ، ولم يقل : أوله
أفضل . والذي يصحُّ عندي في ذلك : أنَّ مالكًا إنَّما أنكرَ قولَ يُحيى بنِ سعيدٍ ؛
لأنه إنما صَحَّ عن النبيِّ وَّ أنَّه قال ذلك فيمن فاتته العصرُ بالكلية حتّى غربتِ
الشمسُ ، فكأنَّ مَالِكًا لم يَرَ أن بَيْنَ أول الوقت ووسطه وآخره من الفضل ما يبلغ
ذهاب الأهل والمال ؛ لأنَّ ذلك إنما هو في ذهابِ الوقت كله .
وفي هذا الحديثِ : أن ذهاب بعض الوقت كذهاب الوقت كلّه، وهذا لا
يقوله أحدٌ من العلماء ، لا مَنْ فضَّل أول الوقت على آخره ، ولا مَنْ سَوَّى
بينهما ؛ لأن فَوْتَ بعض الوقت مُبَاحٌ ، وفَوْت الوقت كلِّه لا يجوز ، وفاعله
عاصٍ للّه إذا تعمَّد ذلك، وليس كذلك مَنْ صلَّى في وسطِ الوقتِ وآخرِه ، وإنْ
كان مَنْ صلى في [أوَّلَ] (١) وقته أفضل منه . انتهى.
وقد تقدم أنَّ الأوزاعيَّ حَمَلَهُ على مَنْ فَوَّت وقتَ الاختيار ، وصلَّى في وقتِ
الضرورة ، وهو يدلُّ على أنَّه يَرَى أنَّ التأخير إليه مُحرَّم ، كما هو أحدُ الوجهين
لأصحابِنا ، وهو قولُ ابنِ وَهْبٍ وغيرِه .
ومنهم مَنْ حَمَلَه على مَنْ فوتها حتَّى غربت الشمسُ بالكلية .
وظاهرُ تبويبِ البخاريِّ يدلُّ على أنَّ الحديث محمولٌ على مَنْ فَوَّت العصرَ
عَمْدًا لتبويبه عليه : ((باب: إثم من فاتته العصر)).
فأمَّا مَنْ نَامَ عنها أو نسيها فإنَّ كفارته أن يصليها إذا ذَكَرَها ، وإذا كان ذلك
كفارةً له فكأنه قد أدرك بذلك فضلَها في وقتها .
(١) زيادة ليست بالأصل .

١١٦
حديث : ٥٥٢
کتاب المواقيت
وفي هذا نَظَرٌ ، ولا يلزمُ مِن الإتيانِ بالكفارة إدراك فضلِ ما فاته مِن العملِ ،
وفي الحديث : ((مَنْ تركَ الجمعة فليتصدق بدينار، أو بنصف دينار))(١)، ولا يلزمُ
مِنْ ذلك أن يلحقَ فضل مَنْ شَهِد الجمعة .
ولهذا المعنى يقول مالك والأوزاعي وغيرُهما فيمن صلَّى في الوقتِ صلاةً
فيها بعضُ نقص : إنَّها تُعاد في الوقت ، ولا تعاد بعده ؛ لأن نقص فواتِ الوقت
أشد من ذلك النقص المستدرك بالإعادة بعده ، فلا يقوم الإتيانُ به خارج الوقت
مقامَ الإتيان به في الوقت ، بل الإتيانُ في الوقت بالصلاة على وجْهٍ فيه نقصٌ
أكمل من الإتيان بالصلاة كاملة في غير الوقت .
ويدلُّ عَلَى ما قاله البخاريُّ: ما خَرَّجه الإمامُ أحمد (٢) من رواية حجَّاجِ بن
أرطاة ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمر، عن النبي ◌ِّهِ، قال: ((الذي تَفُوتُه صلاةُ
العصر متعمدًا حتى تغرب الشمسُ فكأنما وُتُرَ أهله وماله)) .
ويدل عليه - أيضًا - حديث أبي هريرة، عن النبيِّ بَّ: ((مَنْ أَدْرَك ركعةٌ من
العصر قبل أن تغرب الشمسُ فلم تفته)) .
خَرَّجه الإمام أحمد(٣) من رواية يَحْيَى بن أبي كثير ، عن أبي سَلَمَةَ، عن
أبي هريرة، عن النَّبِّ ◌َِّ .
ورواه أبو غسَّن وهِشامُ بْنُ سَعَد ، عن زَيْدِ بْنِ أَسْلِم ، عن عطاء بن يسار ،
عن أبي هريرة، عن النبيِّ وَّ - بمعناه.
وقد رُوِيَ ما يدلُّ على أنَّ الناسي لا تكون الصلاة فائتة له كالنائم :
(١) أخرجه أحمد (١٤/٥) وأبو داود (١٠٥٣) (١٠٥٤) وابن حبان (٢٧٨٨) (٢٧٨٩) من حديث
سمرة بن جندب ، وهو حديث ضعيف لا يصح .
:
(٢) ((المسند)) (١٣/٢ - ٢٧ - ٧٦) .
(٣) (٢٥٤/٢) .
ورواه مالك ، عن زيد . أخرجه أحمد (٢/ ٤٦٢) .

١١٧
١٤ - بَابُ إثم من فاتته العصـ
كتاب المواقيت
فَرَوَى الإمام أحمد(١): ثنا محمد بن جعفر: ثنا سعيد (٢)، عن قَتَادَةَ ، عن
عَبْدِ اللّه بن رَبَاح، عن أبي قَتَادَةَ الأنصاري - فذَكَرَ قصةَ نومهم مع النبي ◌ِّ ◌ُلّ عن
صلاة الصبح حتَّى طلعت الشمسُ -، وفيه: قال: فقلتُ: يا رسولَ اللّه ، هَلَكْنَا،
فَاتَتْنَا الصلاةُ، فَقَالَ رسولُ اللَّهِ وََّ: ((لَمْ تهلكوا ولم تفتكم الصلاةُ ، وإنما
تفوتُ اليقطانَ ولا تفوتُ النائمَ)) - وذَكَرَ الحديث .
وقد حَمَلَ بعضُ السلف هذا الحديث على مَنْ فاتته العصرُ بكلِّ حالٍ ، وإنْ
کان ناسيًا .
فرَوَى زُهير بن معاوية : نا أَسيد بن شُبْرُمَة الحارثي ، قال : سمعتُ سالمًا
يحدث عن عبد اللّه بن عمرُ، عن النبي ◌ِّر، قال: ((الذي تفوتُه صلاةُ العصر
فكأنمًّا وُتُر أهلَه ومالَه)) قال : فقلت : وإن نَسِيَ ؟ قال : وإن نَسِيَ ، فصلاةٌ
ينساها أشدُّ عليه من ذهابِ أهلِه وماله .
خرَّجه الدارقطنيُّ في أولِ كتابِه ((المختلف والمؤتلف)).
وذَكَرَ أن أَسيد بن شُبْرُمَة، يقال: فيه ((أُسيد)) - أيضًا - بالضم ، قال : ولا
أعرف له غير هذا الحديث ، وحديث آخر رواه عن الزهري .
وقوله : ((وترَ أهلَه ومالَه)).
قيل : معناه : حرب أهله وماله وسلبهما ، من وَتَرْتَ فلانًا إذا قَتَلْت
حَمِيمه، والوتر : الحقد ، بكسر الواو ، ولا يجوز فتحُهَا ، وذلك أبلغ من
ذَهابِ الأهل والمال على غير هذا الوجه ، لأنَّ المَوْتُور يهمُّ بذَهابِ ما ذَهَبَ منه
ويطلب ثاره حتَّى يأخذ به(٣).
(١) (٣٠٢/٥) .
(٢) في ((المطبوع)): ((شعبة))، لكن في ((أطراف المسند)) (٥٢/٧): ((سعيد)) كما هنا. وراجع:
((المسند الجامع)) (٣٣٦/١٦ - ٣٤٢).
(٣) راجع: ((النهاية)) لابن الأثير .

١١٨
حديث : ٥٥٢
كتاب المواقيت
وقيل : معناه : أُفردَ عن أهله وماله ، من الوَتر - بكسر الواو وفتحها - ،
وهو الفَرْد - أي : صار هو فَرْدًا عن أهله وماله .
وعلى هذا والذي قبله ، فالمعنى : ذَهابُ جميع أهله وماله .
وقيل : معناه: قُلِّل ونُقص، ومنه: قوله تعالى: ﴿وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾
[محمد: ٣٥] .
و ((أهلَه ومالَه)): روايتهما بنصب باللام، على أنَّه مفعولٌ ثان لـ ((وتر))؛ لأنَّ
(وتر)) و((نقص)) يتعديان إلى مفعولين، ولو رُوي بضم اللام على المفعول الأول
لم يكن لَحْنًا ، غير أنَّ المحفوظ في الرواية الأولُ ـ : قاله الحافظُ أبو موسى
المدينيّ .
وقال أبو الفرج ابن الجوزي في ((كشف المُشْكِل)) : في إعراب الأهلِ
والمالِ ، قولان :
أحدُهما : نصبُهُمَا ، وهو الذي سمعناه وضبطناه على أشياخنا في كتاب
أبي عبيد وغيره ، ويكون المعنى : فكأنما وُتِرَ في أهله وماله ، فلمَّا حذف
الخافض انتصب .
والثاني : رفعُهُمَا على من لم يُسمَّ فاعلُه ، والمعنى : نَقَصَا .
وكأنه يشير إلى أنَّ النصبَ والرفعَ يُبنى على الاختلاف في معنى ((وَتُر)): هل
هو بمعنى : سُلُب ، أو بمعنى : نَقص ؟ واللّه أعلم .
وفي الحديث : دليلٌ على تعظيمٍ قَدْرِ صلاةِ العصر عند اللّه عزَّ وجلَّ
وموقعها من الدين ، وأنَّ الذي تفوته قد فُجِعَ بدينه وبما ذَهَبَ منه ، كما يُفْجَع
مَنْ ذَهَبَ أهلُه ومالُه .
وهذا مما يُستدل به على أنَّ صلاةَ العصرِ هي الصلاةُ الوسطى المأمور
بالمحافظة عليها خُصوصًا بعد الأمر بالمحافظة على الصلوات عمومًا .

١١٩
١٤ - بَابُ إثم من فاتته العصر
کتاب المواقيت
وقد زَعَمَ بعضُ العلماءِ : أنَّ هذا لا يختص بفوات العصر ، وأنَّ سائرَ
الصلواتِ فواتُها كفواتِ العصرِ في ذلك ، وأنَّ تخصيصَ العصر بالذكر إنما كان
بسؤالِ سائلٍ سألَ عنه فأُجيب ، ورَجَّحَه ابنُ عبد البر ، وفيه نظرٌ .
وقد يُستدل له بما خرَّجه الإمام أحمد(١) وغيرُه من حديث عمرو (٢) بن
شُعيب، عن أبيه، عن عَبْد اللّه بن عَمْرو، عن النبيِّ وَّ، قال: ((مَن تَرَكَ
الصلاةَ سُكْرًا مرةً واحدة فكأنمًّا كانتْ له الدنيا وما عَلَيها، فسُلُبَهَا)) .
واستدل مَنْ قال : إنَّ جميعَ الصلوات كصلاة(٣) العصرِ في ذلك بما رَوَى
ابنُ أبي ذِئْبٍ ، عن ابن شهاب ، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن
هِشام، عن نَوْفل بن معاوية الدِّيلي، قَالَ: قَالَ رسولُ اللَّهِ وَلِّ: ((مَن فاتته
الصلاةُ فكأنمًا وُتُرَ أهلَه ومالَه)) .
قال : وهذا يَعم جميع الصلوات ، فإن الاسم المعرف بالألف واللام كما (٤)
في قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَأَتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣].
وهذا ليس بمتعين ؛ لجواز أن يكون الألف واللام هنا للعهد ، كما في قوله
تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهَمَا مِن بَعْد الصَّلاة﴾ [المائدة: ١٠٦] على تأويل من فَسَّرها
و
بصلاة العصر .
وحديث نَوْفل بن مُعَاوية قد اختُلِفَ في إسناده ومتنِه ، وقد خرَّجه البخاريّ
ومسلمٌ في ((الصحيحين))(٥) في ضمن حديث آخر تبعًا لغيره مخرجًا من حديث
صالح بن كَيسان ، عن الزهري ، عن ابنِ المسيَّب وأبي سَلَمَةَ ، عن أبي هريرة ،
عن النبيِّ نَّهِ: ((ستكون فتنٌ القاعد فيها خيرٌ من القائم)) - الحديث .
(١) (١٧٨/٢) .
(٢) في الأصلين: ((ابن عمرو)) خطأ.
(٣) في الأصلين : ((كالصلاة)).
(٤) لعل سقطًا وقع هنا ويكون الصواب: (فإن الاسم المعرف بالألف واللام [يعمُّ] كما ... )).
(٥) البخاري (٣٦٠٢) ومسلم (١٦٨/٨).

١٢٠
حديث : ٥٥٢
کتاب المواقيت
وعن الزُّهْرِي : حدَّثني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث ، عن
عبد الرحمن بن مطيع بن الأسود ، عن نَوْفَل بن مُعَاوية ، مثل حديث
أبي هريرة، إلا أن أبا بكر يزيد : ((من الصلاة صلاةٌ مَنْ فانته فكأنَّما وُتُرَ أهلَه
ومالَه)). كذا خرَّجه البخاريُّ في ((علامات النبوة)) من ((صحيحه))(١)، وخرَّجه
مسلم في ((كتاب الفتن))(٢) .
وكذا رواه عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهريِّ بهذا الإسناد لحديث نوفل.
ورواه ابن أبي ذئب ، عن الزهري ، فأسقط من إسناده : عبد الرحمن بن
مُطيع .
وكذلك رُوي عن مَعْنِ ، عن مَالِكِ ، عن الزهريِّ .
قال النسائيّ : أَخافُ أنْ لا يكون محفوظًا عن مالك ، ولعله: مَعْن ، عن
ابن أبي ذِئْبٍ .
وقد رُوي ، عن ابن أبي ذئب ، عن الزهريِّ ، عن أبي سَلَمَةَ ، عن نَوْفلٍ ،
وهو وَهَم على ابنِ أبي ذِئْبٍ .
وأمَّا الاختلافُ في متنِ الحديث ، فقد رُوي عن [ابن] أبي ذئب أنه قال في
الحديث: ((مَن فاتته الصلاةُ) كما تقدم ، ورُوي عنه أنه قال في حديثه : ((مَن
فاتته صلاةٌ))، ورُوي عنه في حديثه : ((مَنْ فاتته صلاةُ العصر)).
وفي رواية له : ((من فاتته الصلاة )) وفي آخر الحديث - قلت لأبي بكر : ما
هذه الصلاة؟ قال: هي العصر؛ سمعتُ ابن عمر يقول: قال رسولُ اللّه وَلِهِ:
((مَنْ فاتته صلاة العصر)) - الحديث .
وفي رواية : قال أبو بكر : لا أدري .
(١) (٣٦٠٢) .
(٢) (١٦٨/٨) .
٠٠