Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
١٢ - بابُ وقت الظهر عند الزوال
كتاب المواقيت
كان يَخْطُبُ قبل صلاتِه خطبتين ، ثم يُصلِّي ، وهذا كلُّه لا يمنع أن يقال : كان
يصلّي الظهر أو الجمعة إذا زالت الشمس .
وفي روايةٍ لحديث أبي بَرْزَةَ - وقد خَرَّجها البخاريُّ فيما بعد(١) - : كان يصلي
الهَجير التي تدعونها الأُولى إذا دَحَضَت الشمسُ .
وفي هذه الرواية : أنَّ لصلاة الظهر اسمينِ آخرين :
أحدهما : الهجير ؛ لأنها تصلى بالهاجرة .
والثاني : الأولى .
وقيل : سُميت بذلك لأنها أول صلاة صلاها جبريل بالنبي وَخلو عند البيت ،
في أول ما فرضت الصلوات الخمس ليلة الإسراء .
الحديث الثالث :
قال :
٥٤٢ - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُقاتل: ثنا عَبْدُ اللَّه: أبنا خَالدُ بْنُ عَبْد الرَّحْمن :
خَلَّثَنِي غَالِبٌ الْقَطَّانُ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ المُزَنِي، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، قَالَ: كُنَّا
إِذَا صَّيْنَا مَعَ(٢) رَسُولِ اللَّهِعَبالظَّهَائِرِ سَجَدْنَا عَلَى ثِيَابِنَ اتَّقَاءَ الحَرِّ.
قد سَبَقَ هذا الحديثُ في ((باب: السجود على الثياب)).
وفيه : دليلٌ على أنَّ صلاةَ الظهر كانت تُصلَّى في حالِ شدة حَرِّ الحصى
الذي يسجد عليه .
ويشهدُ لهذا المعنى: حديثُ خَبَّب: شكونا إلى رسولِ اللَّهِ وَهِ حَرَّ
الرمضَاءِ ، فلم يُشْكنا، وكلُّه يدل على أنه وَّ كان يبرد بالظهر إبرادًا يسيرًا حتّى
تنكسر شدةُ الحَرِّ، ولم يكن يؤخِّرها إلى آخرِ وقتِها حتَّى يبرد الحَصَى .
(١) (٥٤٧) .
(٢) في ((اليونينية)): ((خلف)).

٨٢
حديث : ٥٤٢
كتاب المواقيت
وقد روي بمثل هذا الإسناد الذي خَرَّجه البخاري هاهنا عن بكرٍ ، عن أَنَسٍ،
قال: كنَّا نصلِّي مع رسولِ الله ◌َِّ في شدةِ الحَرِّ فيأخذ أحدُنا الحَصَى في يده ،
فإذا بَرَدَ وضعه وسَجَدَ عليه .
ذَكَرَهُ البيهقي في كتابِ ((المعرفة)) تعليقًا .
والمعروفُ في هذا حديثُ جابرٍ ، قال : كنتُ أصلِّي الظهر مَعَ رسولِ اللَّهِ
وَ لَّه، فآخذ قبضة من الحَصَى لتبرد في كفي ، أضعها لجبهتي ، أسجد عليها ؛
لشدةِ الحَرِّ .
خَرَّجه الإمامُ أحمد وأبو داود والنسائي وابن حبَّان في (صحيحه) والحاكم(١).
وليس هذا مما يُنهى عنه مِنْ مَسِّ الحصى في الصلاة (٢)، كما سيأتي ذكرُه -
إنْ شاء اللّه تعالى - ، فإنَّ ذلك المنهي عنه مَسُّه عَبَثًا ، وهذا لمصلحة المصلِّي .
وقال مالكٌ : يُكْره أن ينقلَ الترابَ والحصى من موضعِ الظلِّ إلى موضعِ
الشمسِ ليسجدَ عليه .
(١) أحمد (٣٢٧/٣) وأبو داود (٣٩٩) والنسائي (٢٠٤/٢) وابن حبان (٢٢٧٦) والحاكم
(١ /١٩٥) .
(٢) في الأصل ((هـ)): ((وليس هذا مما ينهى عنه من مس عبثًا وهذا لمصلحة الحصى في الصلاة))
وأظن عبارة ((عبثًا وهذا لمصلحة)) تكررت بسبب انتقال نظر الناسخ وستأتي .
١

٨٣
١٢ - بابُ تأخير الظهر إلى العصر
كتاب المواقيت
١٢ -باب
تَأْخِيرِ الظُّهْرِ إِلَى العَصْرِ
٥٤٣ - حدثنا أَبُو النُّعْمانِ: ثنا حَمَّادُ بنُ زَيِّدٍ، عَنْ عَمْرِو - وهو : ابنُ دينار -
عن جَابِرِ بْنِ زَيّدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِّ ◌َ صَلَّى بِالْمَدِينَةِ سَبْعًا وَثَمَانِيًا الظُّهْرَ
وَاَلْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ .
فَقَالَ أَيُّوبُ : لَعَلَّهُ فِي لَيْلَةٍ مَطِيرَةٍ؟ قَالَ : عَسَى .
وخَرَّجه مسلم(١) من طريق حمّاد - أيضًا - ، ولم يذكر فيه قول أيوب .
وخَرَّجه من طريق ابنِ عُينة ، عن عَمْرو ، ولفظُ حديثهِ : صليتُ مَعَ النبي
وَّ ثَمَانِيًّا جَمِيعًا وسَبْعًا جَمِيعًا. قلتُ: يَا أَبَا الشعثاء، أظنُّهُ أَخَّرَ الظهرَ وعَجَّلَ
العصرَ، وأَخَّرَ المغربَ وعَجَّلَ العشاءَ . قال : وأنا أظنُّ ذلك .
وخَرَّجه البخاريُّ - أيضًا - في ((أبواب: صلاة التطوع))(٢).
وخَرَّجه النسائي(٣) عن قُتِيبة، عن سُفْيان، وأَدْرَجَ تفسيرَه في الحديث.
قال ابنُ عبدِ البر : الصحيح : أنَّ هذا ليس من الحديث ، إنما هو من ظنِّ
أبي الشعثاء وعَمْرو بن دينار .
ورَواه محمدُ بن مسلم الطائفي ، عن عَمْرو بن دينار ، وزَادَ في حديثه :
((من غيرِ مرضٍ ولا عِلَّة)).
خَرَّجه من طريقه الطبراني(٤).
(١) (٢/ ١٥٢).
(٢) برقم (١١٧٤) .
(٣) (٢٨٦/١) .
(٤) (١٢ / ١٧٧) .

٨٤
حدیث : ٥٤٣
كتاب المواقيت
ومحمد بن مسلم ، ليس بذاك الحافظ .
وخَرَّج النسائي(١) من طريقِ حبيب بن أبي حبيب، عن عَمْرو بن هَرم ، عن
جابر بن زيد ، عن ابن عباس ، أنه صلى بالبصرةِ الأولى والعصرَ ، ليس بينهما
شيءٌ، والمغرب والعشاءَ، ليس بينهما شيءٌ، [فَعَلَ ذلك من شُغْلٍ، وزَعَمَ ابنُ
عَّاسٍ، أَنَّه صلَّى مَعَ رسولِ اللهِ وَل بالمدينة الأولى والعصرَ ثمانٍ سجدات،
ليس بينهما شيءٌ (٢).
وقد روي هذا الحديث عن ابن عباس من وجوه أخر ، بألفاظ مختلفة ،
رَوَي عنه من رواية سعيد بن جُبير ، عن ابنِ عباسٍ ، قال : صلى لنا رسولُ اللّه
وَّ الظهرَ والعصرَ جميعًا بالمدينة ، في غيرِ خوفٍ ولا سفرٍ .
خَرَّجه مسلم(٣).
وخَرَّجه أبو داود(٤)، وزاد : قال مالكٌ : أَرَى ذلك كان في مطرٍ .
وخَرَّجه مسلم - أيضًا - من طريق زهير ، عن أبي الزبير - بمثله ، وزاد :
قال ابنُ عبَّاسٍ : أَرادَ أن لا يُحْرِج أحدًا من أُمَّته .
وخَرَّجه - أيضًا (٥) - من طريق قُرَّةً، عن أبي الزبير ، وذكر فيه : أن ذلك كان
في سَفْرةٍ سافرها في غزوة تبوك ، وذكر فيه قولَ ابنِ عبَّاس: أَرَادَ أن لا يُحْرِجِ
أُمَّتُه .
وخَرَّج - أيضًا - من طريق الأعمشِ ، عن حبيبِ بنِ أبي ثابتٍ ، عن سعيد
ابن جُبير، عن ابنِ عباسٍ، قال: جمع رسولَ اللَّهِ رَ له بين الظهرِ والعصرِ،
(١) (١/ ٢٨٦) .
(٢) ما بين المعقوفين ألحق بهامش الأصل ((هـ)، ولم يظهر كله ، فاستدركته من النسائي.
(٣) (١٥١/٢).
(٤) (١٢١٠) .
(٥) (١٥٢/٢).

٨٥
١٢ - بابُ تأخير الظهر إلى العصر
كتاب المواقيت
والمغرب والعشاءِ بالمدينة ، في غير خَوْفٍ ولا مطرِ . قلتُ لابن عباس : لِمَ فَعَلَ
ذلك ؟ قال : كيلا يُحْرِج أمته .
وقد اختلف على الأعمشِ في إسنادِ هذا الحديث ، وفي لفظه - أيضًا - :
فقال كثير من أصحاب الأعمش ، عنه فيه : من غيرِ خوفٍ ولا مطرٍ .
ومنهم من قال عنه : من غير خوفٍ ولا ضَررٍ .
ومنهم من قال : ولا عُذْرِ .
وذَكَرَ البزارُ، أنَّ لفظة ((المطر)) تفرَّد بها حبيبٌ، وغيرُهُ لا يذكرها . قال :
عَلَى أنَّ عبد الكريم قد قال نحو ذلك .
وكذلك تكلم فيها ابنُ عبد البر .
ورُويِّنا من طريق عبد الحميد بن مهدي البالسي : حدثنا المعافي بن سليمان
الجَزري : ثنا محمد بن سَلَمَةَ : ثنا أبو عَبْدِ الرحيم ، عن زيد بن [أبي أنيسة،
عن](١) أبي الزبير ، عن سَعيد بن جُبير ، عن ابن عبّاسِ ، قال : صليتُ مَعَ
رسولِ اللَّهِ وَ لَّهِ بالمدينة من غير مطرٍ ولا قرِّ الظهرَ والعصرَ جمعًا. قلت له : لم
فعل ذلك ؟ قال ابنُ عبَّاس : أراد أن لا يُحْرِج أمته .
وعن زيد ، عن عَمْرو بن دينار ، عن أبي الشعثاءِ ، عن ابنِ عباس - مثله .
ولكن؛ عبد الحميد هذا ، قال فيه الحافظ عبد العزيز النَّخْشَبي: عنده مناكير.
وأما رواية عبد اللّه بن شقيق ، فمن طريق الزبير بن الخِرِّيت ، عن عبد اللّه
ابن شقيق ، قال : خَطَبَنَا ابنُ عباس يومًا بعد العصر حتى غربتِ الشمسُ وبَدَتِ
(١) زيادة مني ، الظاهر أنها سقطت من الناسخ ، فأبو عبد الرحيم هذا هو خالد بن يزيد ،
ويقال : ابن أبي يزيد مترجم في ((تهذيب الكمال))، وفيه أنه راويةُ زيد بن أبي أنيسة ،
وابن أبي أنيسة يروي عن أبي الزبير عن سعيد بن جبير .
وأيضًا ، فإن زيد بن أبي أنيسة يروى عن عمرو بن دينار ، وسيأتي بعد هذا أنه رواه عنه .
والله أعلم.

٨٦
حديث : ٥٤٣
كتاب المواقيت
النجومُ ، وجَعَلَ الناسُ يقولون: الصلاة الصلاة. قال: فجاءَه رجلٌ مِن بني تميم،
لا يفتر ولا ينثني : الصلاة الصلاة . فقال ابنُ عباس : أتعلمني السنة لا أمَّ لك ؟
ثم قال : رأيتُ رسولَ اللَّهِ بِّهِ جَمَعَ بين الظهرِ والعصرِ والمغرب والعشاء.
قال عبدُ اللّه بن شقيق: فحَاكَ في صدري من ذلك شيءٌ فأتيتُ أبا هريرة ،
فسألته فصدق مقالته .
خَرَّجه مسلم (١) .
وخَرَّجه - أيضًا - من رواية عمران بن حُدَير ، عن عبد الله بن شقيق ، قال :
قَالَ رجلٌ لابنِ عبَّاس: الصلاة ، فسَكَتَ ، ثم قال: الصلاة ، فسَكَتَ ، ثم قال:
الصلاة ، فسكَتَ ، ثم قال: لا أمَّ لك، تعلمنا الصلاة ؟! كنا نجمع بين الصلاتين
على عهدِ رسولِ اللّه وَل .
وأمَّا روايةُ عِكْرمة ، فمن طريقِ الحَكَم بن أَبان ، عن عِكْرمة ، عن ابنِ
عباس، قال: صَلَّى رسولُ اللَّهِ وَ لَهِ مُقِيمًا غير مسافر سبعًا وثمانيًا .
خَرَّجه الإمامُ أحمد(٢).
وفي رواية أشعث بن سوَّار - وفيه ضعف - ، عن عِكْرمة ، عن ابنِ عبَّاسٍ،
قال: جَمَعَ رسولُ اللّهِ وَلَوْ بين الظهرِ والعصرِ ، والمغرب والعشاء بالمدينة ، من
غير خوفٍ ولا مطر ، أراد التخفيفَ عن أُمَّتَّه .
وأما رواية عطاء بن يسار ، فمن رواية عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، عن
عطاءِ بن يسار، عن ابنِ عبَّاسٍ، أن النبيَّ وََّ جَمَعَ بين الظهرِ والعصرِ،
والمغرب والعشاء ، من غيرِ مَرَضٍ ولا مطرٍ . فقيل لابن عبَّاسِ : ما أَرادَ بذلك ؟
قال : التوسعة على أمَّته .
(١) (٢/ ١٥٢ - ١٥٣) .
(٢) (١/ ٢٢١).

٨٧
١٢ - بابُ تأخير الظهر إلى العصر
كتاب المواقيت
خَرَّجه حَرب الكرماني ، عن يَحْيَى الحِمَّاني ، عن عبد الرحمن ، به .
وعبد الرحمن ، فيه ضعفٌ .
وأما رواية صالح مولى التَّوْأَمة ، فذَكَرها أبو داود تعليقًا (١)، وفيها : من غير
مطرٍ .
وخرَّجها الإمامُ أحمد(٢) من طريق داودِ بنِ قيس ، عن صالح مولى التوأمة ،
عن ابنِ عباس، قال: جَمَعَ رسولُ اللّهِ وَ لَ بين الظهرِ والعصرِ ، والمغرب
والعشاء ، في غير مطرٍ ولا سفرٍ . قالوا : يا بنَ عبَّاسِ ، ما أرادَ بذلك ؟ قال :
التوسعَ على الأمة .
وصالح ، مُخْتَلَفٌ في أمره ، وفي سماعه من ابن عباس - أيضًا .
وفي الباب أحاديث أخر ، في أسانيدها مقال .
وخَرَّج النسائي(٣) من رواية يحيى بن هانئ المُرَادي: حدثنا أبو حذيفة ، عن
عبد الملك بن محمد بن أبي بَشير(٤)، عن عبد الرحمن بن عَلْقَمة ، قال : قَدِمَ
وَفْدُ ثقيف على النبيِّبَ، فَأهدوا له هَدِيَّة، وقَعَدَ مَعَهُمْ يسألُهم ويَسْأَلُونه،
حتَّى صَلَّى الظهرَ مع العصرِ .
قال الدارقطني : عبد الملك وأبو حذيفة مجهولان . وعبد الرحمن بنُ
علقمة لا تصح صحبته ولا يُعْرف .
وقد اختلفتْ مسالكُ العلماءِ في حديث ابنِ عبَّاسٍ هذا ، في الجمع من غير
خوفٍ ولا سفرٍ ، ولهم فيه مسالك متعددة :
المسلكُ الأوَّلُ : أَنَّه منسوخٌ بالإجماع على خلافِه ، وقد حكى الترمذي في
(١) عقب (١٢١٤) .
(٢) (٣٤٦/١).
(٣) (٢٧٩/٦) .
(٤) في كتب التراجم، وكذا في النسائي: (بن بشير)) بدون: ((أبي)).

٨٨
حدیث : ٥٤٣
كتاب المواقيت
آخر ((كتابه)) أنَّه لم يقل به أحدٌ من العلماء .
وهؤلاء لا يقولون : إنَّ الإجماعَ يَنْسَخ ، كما يُحْكَى عن بعضِهم ، وإنما
يقولون : هو يدلُّ على وجودِ نصِّ ناسخٍ .
المسلكُ الثاني : معارضتُه بما يخالفه ، وقد عارضه الإمامُ أحمد بأحاديث
المواقيت ، وقوله: ((الوقت ما بين هذين))، وبحديث أبي ذَرَّ في الأمراء الذين
يؤخِّرون الصلاةَ عن وقتها ، وأمره بالصلاة في الوقت ، ولو كان الجمعُ جائزًا
من غيرِ عُذْرُ لم يحتج إلى ذلك ، فإنَّ أولئك الأمراءَ كانوا يجمعون لغير عذرٍ ،
ولم يكونوا يؤخرون صلاةَ النهارِ إلى الليل ، ولا صلاةَ الليلِ إلى النهارِ .
وكذلك في حديث أبي قتادةَ، عن النبي ◌ِِّ، أَنَّه قال لمَّا ناموا عن صلاة
الفجر حتَّى طلعتِ الشمسُ: ((ليس في النوم تفريطٌ ، إنَّما التفريطُ على من لم
يصل الصلاةَ حتَّى يجيء وقت الصلاة الأخرى)) .
خَرَّجه مسلم(١) .
وخرجه أبو داود(٢)، وعنده : ((إنما التفريطُ في اليقظة أنْ تؤخر صلاة حتى
يدخل وقت صلاة أخرى)) .
وقد عارض بعضُهم حديثَ ابنِ عبَّاسٍ هذا بحديثٍ آخر يُروى عنه ، وقد أشار
إلى هذه المعارضة الترمذي وابن شاهين ، وهو من رواية حَنَش ، عن عِكْرمةً ،
عن ابنِ عباسٍ، عن النبيِ رََّ، قال: ((مَنْ جَمَع بين صلاتين من غير عذر فقد
أَنَی بابا من أبواب الكبائر)» .
خَرَّجه الترمذي(٣) .
وقال : حَنَشُ هذا هو أبو علي الرَّحْبي، وهو حُسين بن قيس، وهو ضعيفٌ
(١) (١٣٨/٢ - ١٣٩) .
(٢) (٤٤١) .
(٣) (١٨٨) .

٨٩
١٢ - بابُ تأخير الظهر إلى العصر
كتاب المواقيت
عند أهلِ الحديث ، ضَعَّفَه أحمد وغيرُهُ ، والعملُ على هذا عند أهل العلم .
يعني : على حديث حَتَشٍ مع ضَعْفِهِ .
وخرَّجه الحاكم(١) وصححه، ووثَّق حَنَشًا ، وقَالَ : هو قاعدة في الزجرِ عن
الجمعِ بلا عُذْرٍ .
ولم يُوافَق على تصحيحه .
وقال العُقيلي(٢) : ليس لهذا الحديثِ أصلٌ .
ورواه بعضُهم ، وشَكَّ في رفعِه ووقفه .
كذلك خَرَّجه الحارثُ بن أبي أسامة .
ولعله من قولِ ابن عبّاسٍ .
وقد رُوي مثله عن عُمر وأبي موسى :
وروى وكيع ، عن سفيان ، عن هشام ، عن رجلٍ ، عن أبي العالية ، عن
عُمَرَ بنِ الخطّاب ، قال : الجمعُ بين الصلاتين من غيرِ عُذْرٍ من الكبائر .
وعن أبي هلال الرَّاسبي ، عن حَنْظلة السَّدوسي ، عن أبي موسى ، قال :
الجمعُ بين الصلاتين من غيرِ عُذْرٍ من الكبائر .
المسلكُ الثالثُ: حمله على أنَّ النبيَّ وَّةِ أَخَّرَ الظهرَ إلى آخرِ وقتها ،
فَوَقَعَتْ في آخر جزءٍ من الوقت ، وقدم العصرَ في أول وقتها ، فصلاها في أول
جزء من الوقت ، فوقعت الصلاتان مجموعتين في الصورة ، وفي المعنى كل
صلاة وقعتْ في وقتِها ، وفَعَلَ هذا ليبين جوازَ تأخيرِ الصلاة [إلى] آخر وقتِها .
وقد رُوي من حديثٍ معاذ بن جبل، أنَّ جَمْعَ النبيِّ وَّهِ بين الصلاتين بتبوك.
كان على هذا الوَجْهِ - أيضًا .
(١) (١ / ٢٧٥) .
(٢) (١/ ٢٤٨) .

٩٠
حدیث : ٥٤٣
كتاب المواقيت
خَرَّجه الطبراني في ((أوسطه)) (١) بإسناد فيه ضَعْفٌ .
وقد سبق عن عمرو بن دينار وأبي الشعثاء ، أنهما حملا الحديث على هذا
الوجه ، كما خَرَّجه مسلم (٢)، وأشار إليه الإمامُ أحمد وغيرُه .
وعلى مثل ذلك حَمَلَ الجمعَ بين الصلاتين في السفرِ بغيرِ عَرَفة والمزدلفة
مَنْ لا يَرَى الجمعَ في السفرِ ، منهم : سفيانُ الثوري وغيرُهُ من الكوفيين .
والمسلكُ الرابعُ : أنَّ ذلك كان جَمْعًا بين الصلاتين لمطرٍ ، وهذا هو الذي
حَمَلَهُ عليه أيوب السختياني كما في رواية البخاري، وهو الذي حَمَلَهُ عليه مالكٌ -
أيضًا .
ومَنْ ذَهَبَ إلى هذا المَسْلَك فإنَّه يَطْعَن في رواية مَنْ روى : ((من غيرِ خوفٍ
ولا مطرِ)) كما قَالَه البزارُ وابنُ عبد البر وغيرُهما .
ومَنْ حَمَلَ الحديثَ على هذا فإنه يَلْزَمُ من قولهِ جوازُ الجمعِ في الحضرِ
للمطرِ بين الظهرِ والعصرِ والمغربِ والعشاءِ ، وقد اختُلِفَ في ذلك :
فأمَّا الجمعُ بين العشاءين للمطرِ ، فقد رُوي عن ابن عمر .
رَوَى مالكٌ(٣)، عن نافعٍ ، أن ابن عمر كان يجمعُ في الليلة المطيرة .
وقد رُوِّيناه من طريق سفيان بن بشير(٤)، عن مالكِ ، عن نافعٍ ، عن ابنِ
عمر - مرفوعًا - ، ولا يصح رفعُهُ .
وفيه حديثٌ آخر مرفوعٌ من رواية أولاد سعد القرظ ، عن آبائِهم ، عَنْ
أَجْدَادِهم، عن سعد القرظ، أنَّ النبي ◌َّ كان يجمعُ بين المغرب والعشاء في
المطرِ .
(١) (٠١ ٩ ٦) .
(٢) (١٥١/٢ - ١٥٢).
(٣) (ص ١٠٩) .
(٤) لم أعرفه ، وأخشى أن يكون مصحفًا .

٩١
١٢ - بابُ تأخير الظهر إلى العصر
كتاب المواقيت
خَرَّجه الطبراني(١).
وإسناده ضعيف .
قال يَحْيَى في أولادِ سعد القرظ : كلهم ليسوا بشيءٍ .
وممَّن رَأَى الجمعَ للمطرِ: مالكٌ في المشهور عنه، والأوزاعي ، والشافعي،
وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور .
ورُوي عن عمر بنِ عبد العزيز ، عن فقهاء المدينة السبعة .
وعن مالكِ رواية : لا يجوزُ الجمعُ للمطرِ إلا في المدينةِ في مسجدِ النبي
وَّة؛ لفضله، ولأنه ينتاب من بُعْدِ، فيجمع بينهما بعد مغيبِ الشفقِ، ولَيْس
بالمدينة غيرُه .
والمشهورُ عنه الأوَّلُ .
وأصل هذا : أنَّ الأمراء بالمدينةَ كانوا يجمعون في الليلة المطيرة ، فيؤخِّرون
المغرب ويجمعون بينها (٢) وبين العشاء قبل مغيبِ الشفق، وكان ابن عُمر يجمع
معهم ، وقد عُلم شدةُ متابعة ابن عمر للسنة ، فلو كان ذلك محدثًا لم يوافقهم
عليه البتة .
وقد نَصَّ على أن جمعَ المطرِ يكونُ على هذا الوجهِ المذكورِ قبل مغيبٍ
الشفقِ : مالكٌ وأحمد وإسحاق .
وقيل لأحمد : فيجمع بينهما بعد مغيبِ الشفقِ ؟ قال : لا ، إلا قبل ، كما
فَعَلَ ابن عُمر . وقال : يجمع إذا اختلط الظلامُ .
وأمَّا الجمعُ بين الظهرِ والعصرِ في المطرِ ، فالأكثرون على أنه غير جائز :
وقال أحمد : ما سمعت فيه شيئًا . وأجازه الشافعيَّ إذا كان المطرُ نازلاً ، وبه
قال أبو ثور ، هو رواية عن أحمد .
(١) (٦ / ٤١) .
(٢) في الأصل ((هـ)): ((بينهما)).

٩٢
حدیث : ٥٤٣
کتاب المواقيت
والعَجَبُ من مالك - رحمه الله - كيف حَمَلَ حديثَ ابنِ عبَّاسٍ على الجمعِ
للمطرِ ، ولم يَقُل بِهِ في الظهرِ والعصرِ ، والحديثُ صريحٌ في جَمْعِ الظهرِ
والعصرِ والمغربِ والعشاءِ ؟!
المسلكُ الخامس: أنَّ الذي نَقَلَه ابنُ عبّاس عن النبيِ وَّ إنما كان في السفر
لا في الحَضَر ، كما في روايةَ قرة ، عن أبي الزبير ، عن سعيد بن جُبير ، عن
ابن عبَّاسٍ ، أنَّ ذلك كان في غزوة تبوك ، وقد خَرَّجه مسلم كما تقدم .
وكذلك رَوَى عبد الكريم ، عن مجاهدٍ وسعيد بن جُبير وعطاء وطاوس ،
أخبروه عن ابنِ عبَّاسٍ، أَنَّه أخبرهم، أنَّ رسولَ اللّهِ بِ لِّ كان يجمعُ بين المغربِ
والعشاءِ في السفر من غير أن يُعْجِلَهُ شيءٌ، ولا يطلبه عدو، ولا يخاف شيئًا (١).
ولكن ؛ عبد الكريم هذا ، هو : أبو أُمَّة، وهو ضعيفٌ جدًا .
وأكثر رواة حديث ابن عباس ذكروا أن جَمْعَه كان بالمدينة ، وهم أكثر
وأحفظ .
· والمسلكُ السادس : أنَّ جَمْعَهُ ذلك كان لمرضٍ .
وقد رُوي عن الإمام أحمد ، أنه قال : هذا عندي رخصة للمريض
والمرضع .
وقد اختلف في جَمْعِ المريض بين الصلاتين :
فرخَّصَ فيه طائفةٌ ، منهم : عطاء والنخعي والليث وأحمد وإسحاق .
وكذلك جَوَّزَه مالكٌ للمضطرِ في [رمضة] (٢)، فإنْ جَمَعَ لغيرِ ضرورةٍ أعادَ في
الوقت عنده ، وعند أبي حنيفة .
والشافعي لا يبيح من المرض الجمع بين الصلاتين بحال .
واستدل من أَبَاحَ الجمعَ للمريض، بأمر النبي ◌َّ المستحاضة أن تجمع بين
(١) أخرجه ابن ماجه (١٠٦٩).
(٢) كذا ولعله : ((مرضه)).
١

٩٣
١٢ - بابُ تأخير الظهر إلى العصر
كتاب المواقيت
الصلاتين بغسلٍ واحدٍ ؛ لمشقة الغُسل عليها لكل صلاة ، وذلك ما (١) رُوي عن
النبي ◌َّ من حديث حَمنة بنت جحش وعائشة وأسماء بنت عُميس ، وفي
أسانيدها بعض شيءٍ .
وأمر به : علي وابن عباس ، وهو قول عطاء والنخعي والأوزاعي وأحمد
وإسحاق .
والمسلكُ السابع : أنَّ جَمْعَهُ كان لشُغْلِ ، وفي رواية حَبِيب بن أبي حَبِيب ،
عن عَمْرو بن هَرِم ، عن جابر بن زيد ، عن ابن عبَّاسٍ ، أنه جَمَعَ من شُغل ،
كما خَرَّجه النسائي(٢) وقد سَبَقَ .
وكذلك في حديث عبد الرحمن بن علقمة، أن وفدَ ثقيف شَغَلُوا النبيِّ وَِّ.
وخرَّج النسائي من رواية سالم ، عن ابن عمر ، أنه لما استصرخ على امرأته
صفية أسرع السير ، وجمعَ بين الظهرِ والعصرِ والمغربِ والعشاءِ ، ثم قال : قال
رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إذا حَضَرَ أحدُكم أمرًا يخشى فوته فيصلِّي هذه الصلاة)) .
وخَرَّجه النسائي(٣)، وفي رواية له: ((إذا حَضَر أحدكم الأمر الذي يخاف
فواته ، فليصل هذه الصلاة)) .
وقد نَصَّ أحمد على جواز الجمع بين الصلاتين للشغل .
قال القاضي وغيرُه من أصحابنا : مراده : الشغل الذي يباح معه ترك الجمعة
والجماعة .
وفي ذلك نظر .
وعن ابن سيرين : لا بأس بالجمع بين الصلاتين للحاجة والشيء ما لم يتخذ
عادة .
(١) في الأصل ((هـ)): ((من)).
(٢) (١/ ٢٨٦) .
(٣) (٢٨٥/١ - ٢٨٦) .

٩٤
حديث : ٥٤٣
کتاب المواقيت
المسلك الثامنُ : حَمْلُ الحديث على ظاهره ، وأنه يجوز الجمع بين
الصلاتين في الحضر لغير عذر بالكلية ، وحكي ذلك عن ابن عباس وابن سيرين،
وعن أشهب صاحبِ مالكٍ .
وروى ابنُ وهبٍ وغيرُه ، عن مالك أن آخر وقتِ الظهرِ والعصرِ غروبُ
الشمس .
قال ابنُ عبد البر : وهذا محمولٌ عند أصحابِه على أهلِ الضرورات كحائضٍ
تطهرتْ ، ومغمّى عليه يفيق .
وحَكَى - أيضًا - عن طاوس : امتداد الظهر والعصر إلى غروبِ الشمسِ.
وعن عطاء : امتدادهما إلى أن تصفر الشمسُ .
وكذلك رُوي عن عطاء وطاوس أنَّ وقت المغرب والعشاء لا يفوتُ حتى
يطلع الفجرُ .
وحُكي معنى ذلك عن رَبِيعة، وأنَّ الوقتين مشتركان ، وأنَّ وقتَ الصلاتين
يمتدُّ إلى غروبِ الشمس .
وحُكي عن أهلِ الحجاز جملةً .
وعدَّ الأوزاعيُّ مما يُجتنب من أقوالهم، فروى الحاكم(١)، عن الأصمِّ:
أخبرنا العباس بن الوليد البيروتي : ثنا أبو عبد اللّه بن بحر ، قال : سمعت
الأوزاعي يقول : يُجتنب من قولِ أهل العراق: شربُ المُسْكِر ، والأكلُ عند
الفجر في رمضان ، ولا جمعَةَ إلا في سبعة أمصار ، وتأخير صلاة العصر حتى
٠٠
يكون ظلُّ كل شيءٍ أربعة أمثاله ، والفرارُ يوم الزحف . ومن قولِ أهلِ الحجاز :
استماعُ الملاهي ، والجمعُ بين الصلاتين من غير عُذْرٍ ، والمتعةُ بالنساءِ ،
والدرهمُ بالدرهمين والدينار بالدينارين ، وإتيانُ النساء في أدبارهن .
(١) في ((معرفة علوم الحديث)) (ص ٦٥) .
٠

٩٥
١٢ - بابُ تأخير الظهر إلى العصر
كتاب المواقيت
قال الأَثْرم في ((كتاب العلل)) : قلتُ لأبي عبد اللّه - يعني: أحمد - أي شيءٍ
تقول في حديث ابن عباس ، أن النبي ◌َّ صلى ثمانيًا جميعًا وسبعًا جميعًا، من
غير خوفٍ ولا سفرٍ ؟
فقال : ابنُ عباسٍ كما ترى قد أثبت هذا - أو صححه - ، وغيرُه يقول - ابنُ
عمر ومعاذٌ وغيرُ واحدٍ - ، يقولون: إنَّه في السفر . فقلتُ : أيفعله الإنسانُ ؟
فقال : إنَّما فعله لئلا يُحْرِج أمَّه .
وذَكَرَ الأَثْرمُ نحوه في ((كتاب مسائله لأحمد»، وزاد : قال أحمد : أليس قال
ابنُ عباس : أن لا يُحْرِج أمته ، إِنْ قدَّم رجل أو أخَّر - نحو هذا .
وهذا الذي زاده في ((كتاب المسائل)) يبين أنَّ أحمدَ حَمَلَه على تأخيرِ الصلاةِ
الأولى إلى آخر وقتها ، وتقديم الثانية إلى أوَّل وقتها ، كما حَمَلَه على ذلك
أبو الشعثاء وعمرو بن دينار وغيرهما كما سَبَقَ . والله أعلم .
وقولُ ابنِ عبَّاسِ: ((من غيرِ خوفٍ ولا سفرٍ)) ، يدل بمفهومه على جواز
الجمع للخوفِ والسفرِ ، فأما الجمعُ للسفر فيأتي الكلامُ فيه في موضعِه -
إن شاء اللّه تعالى - ، وأمَّا الجمعُ للخوفِ للحضر فظاهرُ حديثِ ابنِ عبّاس
جوازُه .
وقد اختلفَ العلماءُ في جوازِ تأخير الصلاة عن وقتها بالكلية ، وإن لم تكن
مما تجمع ، كتأخير صلاة الصبح حتى تطلع الشمسُ ، والعصر حتى تغرب
الشمسُ، إذا اشتد الخوفُ .
وفيه عن أحمد روايتان .
فتأخير الصلاتين المجموعتين إلى وقت الثانية وتقديمها في أوَّلِ وقتِ الأولى
إذا احتيج إلى ذلك في الخوف أولى بالجواز ، بل لا ينبغي أن يكون في جوازه
خلافٌ عند مَن يُبِيح الجمع للسفر والمرض والمطر ، ونحو ذلك من الأعذار
الخفيفة .

٩٦
حديث : ٥٤٣
كتاب المواقيت
وعن أحمد روايتان في جواز الفطر في الحضر للقتال ، ومن أصحابنا من
طَرَّدهما في قصر الصلاة - أيضًا .
وقد حكَى أبو عُبيد في ((غَرِيبه)) عن عثمان بن عفَّانِ - رضي الله عنه - جوازَ
قصر الصلاة في الحضر للخوف .
فالجمعُ أولى بالجواز . والله أعلم .

٩٧
١٣ - بابُ وقت العصر
كتاب المواقيت
١٣ -باب
وَقْت العَصْر
خَرَّج فيه عن عائشةَ ، وأبي بَرْزَةَ ، وأَنَسٍ :
فحديثُ عَائشةَ : خَرَّجه من طرقٍ مسندات تعليقً(١)، فقال:
وَقَالَ أَبُو أُسَامَةَ، عن مِشامٍ : في قَعْرِ حُجْرتها .
وفي بعضِ النسخِ ذَكَرَ هذا بعدَ أنْ أسندَه من حديث أبي ضَمْرة، وهو أحسن .
وقال :
٥٤٤ - نا إبراهيمُ بْنُ المُنَّذر ، قَالَ : نا أَنَسُ بْنُ عياض ، عَنْ هشام ، عَنْ أَبيهِ ،
عَنِ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ يُصَلِّي العَصْرَ وَالشَّمْسُ لَمْ تَخْرَجْ مِنْ
حُجْرِتَهَا .
٥٤٥ - ثنا قُتِيَةُ: ثنا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّالنَّبِيَّ
وَ صَلَّى العَصْرَ وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا، لَمْ يَظْهَرِ الْفَيْءُ مِنْ حُجْرِتِها .
٥٤٦ - ثنا أبو نُعَيْمٍ: نا ابْنُ عُبَّنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ:
كَانَ النَّبِيَُّ يُصَلِّي صَلَاةَ الْعَصْرِ وَالشَّمْسُ طَالِعَةٌ فِي حُجْرَبِي ، لَمْ يَظْهَرِ الْفَيْءُ
بَعْدُ.
قَالَ أَبُو عَبْدُ اللَّه: وَقَالَ مَالكٌ، وَيَحْيَى بْنُ سَعَيَد، وَشُعَيْبٌ ، وَأَبْنُ أَبِي حَقْصَةَ:
وَالشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ .
حديثُ مَالك هذا الذي أشار إليه، قد خَرَّجه في أوَّل ((كتاب: المواقيت)) (٢)
(١) لعل الأشبه: ((وتعليقًا)).
(٢) (٥٢٢).

٩٨
حديث : ٥٤٤ - ٥٤٦
كتاب المواقيت
في ضمن حديث أبي مسعود الأنصاري ، من طريق مالك ، عن الزهري ،
ولفظه: قال عُروة: ولقد حدثتني عائشةُ، أنَّ رسولَ اللّهِ وَله كان يصلِي العصر
والشمس في حُجْرَتِها ، قبل أن تظهر .
وكان مقصودُ عُروة: الاحتجاج على عُمَرَ بْنِ عَبْد العزيز - رحمه الله - حيثُ
أَخَّر العصرَ يَوْمًا شيئًا، فأخبره عُروة بهذا الحديث، مستدلاً به على أن النبيَّ وَلَيه
كان يعجل العصرَ في أولٍ وقتها .
ووجهة الدلالة من الحديث على تعجيل العصر : أن الحجرةَ الضيقة القصيرة
الجُدران يُسرع ارتفاعُ الشمس منها ، ولا تكون الشمسُ فيها موجودة ، إلا
والشمس مرتفعة في الأفق جدًا .
وفَسَّرَ الهروي وغيرُهُ : ظهورَ الشمس من الحجرة بعلوها على السطح ،
فيكون الظهور العلو ، ومنه: قولهُ تعالى: ﴿وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾
[الزخرف: ٣٣]، وقولُه تعالى: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ﴾ [الكهف: ٩٧] ، وقولُ
النبي ◌َّهُ: ((لاَ تَزَالُ طائفةٌ من أمتي ظاهرين على الحق))(١).
وقد ذَكَر ابنُ عبد البر(٢) في معنى ظهورِ الشمسِ من الحجرة في هذا الحديث
قولين : أحدهما : العلو كما تقدم . والثاني : أنَّ معناه خروجُ الشمسِ من قاعة
الحجرة . قال : وكلُّ شيءٍ خَرَجَ فقد ظَهَرَ .
قلت : ورواية أبي ضَمْرة أنس بن عياض ، عن هشام التي خرَّجها البخاري
ها هنا تدل على هذه؛ لأنه قال في روايته : ((والشمسُ لم تخرج من حُجْرتها)) .
وفي رواية الليث وغيره : ((لم يظهر الفَيء من حجرتها)).
والفَيْءُ: هو الظل بعد الزوال بذهاب الشمس منه ، والمعنى : أن الفَيءَ لم
يعمّ جميع حجرتها ، بل الشمس باقية في بعضها .
(١) انظر: ((السلسلة الصحيحة)) للشيخ الألباني (٢٧٠).
(٢) في ((التمهيد)) (٨/ ٩٧).

٩٩
١٣ - بابُ وقت العصر
كتاب المواقيت
وعلى هذه الرواية ، فيكون معنى ظهور الفَيْء من الحجرة : وجوده وبيانه
ووضوحه .
وفسِّر - أيضًا - ظهوره : بعلوه لجُدُرِ الحجرة .
وفَسَّرَ محمدُ بْنُ يَحْيِى الهمداني في ((صحيحه)) ظهورَ الفَيء بغلبته على
الشمس . قال : والمعنى : لم يكن الفَيْءُ أكثر من الشمس حين صلى العصر ،
كما يُقال : ظَهَرَ فلانٌ على فلان إذا غَلَبَ عليه .
وفي بعضِ روايات ابنٍ عيينة لهذا الحديث زيادة : ((بيضاء نقية)).
وأما رواية أبي أسامة ، عن هشامٍ التي ذكَرَها البخاري - تعليقًا - : ((والشمس
في قَعْرِ حُجْرتها)) ، فهذه الرواية تدل على أنَّ الشمس كانت موجودةً في وسط
الحجرة وأرضها ، لم تظهر على جدران الحجرة .
وهذه الرواية تدل على شدةٍ تعجيلِ العصرِ أكثر من غيرها من الروايات ، فإنَّ
بقيةَ الروايات إنما تدل على بقاء الشمس في الحجرة لم تخرج منها ، فيحتمل أن
تكون موجودة على حيطان الحجرة قد قاربت الخروج .
ورواية أبي أسامة تدل على أن الشمسَ كانت موجودةً في أرضِ الحجرة .
وقد خَرَّجه الإسماعيلي في ((صحيحه)) والبيهقي (١) من حديث أبي أسامة ،
عن هشام، عن عائشة، قالت: كان رسول اللّه وَ ل يصلي العصر والشمس في
قعر حُجْرتي .
وخَرَّجه البيهقي - أيضًا - من طريق أبي معاوية: نا هشام - فذَكَرَهُ ، وقال :
(والشمس بيضاء في قَعْر حُجْرتي طالعة)(٢).
وحَكَى عن الشافعي ، أنه قال : هذا من أَبْن ما رُوي في أول الوقت ؛ لأن
(١) (١ / ٤٤٢) .
(٢) كلمة ((طالعة)) ليست عند البيهقي في هذه الرواية، وإنما ذكرها ابن عيينة ، عن الزهري ، عن
عروة ، عن عائشة، وقد أشار إليها البيهقي (٤٤٢/١) . وهي عند البخاري في هذا الباب .

١٠٠
حدیث : ٥٤٧
كتاب المواقيت
حُجَرَ النبيِ وَّةِ في موضعٍ منخفضٍ من المدينة ، وليست بالواسعة ، وذلك أقرب
لها مِن أَنْ ترتفع الشمس منها في أول وقت العصر .
وحديث أبي برزة :
قال :
٥٤٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقاتل: أبنا عَبْدُ اللَّهِ: أبنا عَوْفٌ، عَنْ سَّارِ بْنِ سَلَمَةَ،
قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَأَبِي عَلَى أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ، فَقَالَ لَهُ أَبي: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّه
وَ يُصَلِِّ الْمَكْتُوبَةَ؟ فَقَالَ: كَانَ يُصَلِّي الْهَجِيرَ الَّتِي تَدْعُونَهَا الأُولى حينَ تَدْخَضُ
الشَّمْسُ، وَيُصَلِّ الْعَصْرَ، ثمَّ يَرْجِعُ أَحَدُنَا إِلى رَحْلِهِ فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ وَالشَّمْسُ
حَيَّةٌ - وَنَسِيتُ مَا قَالَ فِي الْمَغْرِبِ -، وَكَانَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ مِنْ الْعِشَاءَ الَّتِي
تَدْعُونَهَا الْعَتَمَةَ، وَكَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا، وَكَانَ يَتْفَتِلُ مِنْ صَلاةٍ
الْغَدَاةِ حِينَ يَعْرَفُ الرَّجُلُ جَلِيسَهُ، وَيَقْرَأُ بِالسِّينَ إِلَى الْمِائَةِ .
المقصودُ من هذا الحديث في هذا الباب : قولُ أبي بَرْزَةَ: ((كان النَّبِيُّ
يصلي العصر ، ثم يرجع أحدٌنًا إلى رَحْلِهِ في أقصى المدينة والشمس حيًَّ)) .
صَبَا الله
وقد سَبَقَ(١) الحديثُ من رواية شعبة(٢)، عن أبي المنهال ، وفيه : ((ويصلِّي
العصر وأحدنا يذهب إلى أقصى المدينة ، ثم يرجع والشمس حيّة))، وذكر في
حديثه : زيادة الرجوع .
وقوله : ((والشمس حَيَّةٌ)) فَسَّرَ خيثمة حياتَها بأنْ تجد حَرَّها.
خَرَّجه البيهقي(٣).
وقيل : حياتُها : بقاءُ لونِها .
(١) برقم (٥٤١) .
(٢) في الأصل : ((من رواية أبي شعيب)) خطأ.
(٣) ((السنن الكبرى)) (٤٤٠/١ - ٤٤١) .