Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١
٩ - بابُ الإبراد بالظهر في شدة الحر
كتاب المواقيت
٩ ۔باب
الإِبْرَادِ بالظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ
خَرَّج فِيه أَرْبعةَ أحاديث :
الحديث الأول :
قال :
٥٣٣، ٥٣٤ - ثنا أَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمان بن بلال: ثنا أُبُو بَكْر، عَنْ سُلَيْمَانَ ، قَالَ
صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ: حَدَّثَنَا الأَعْرَجُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَغَيْرُهُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - وَنَافِعٌ مَوْلَى
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ -، أَنَّهُمَا حَدََّاهُ عَنْ رَسُول اللَّه ◌ِ، أَنَّه
قَالَ: «إِذَا اشْتَدَّالْحَرُّفَأَبْرِدُوا عَنِ الصَّلاَةِ؛ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّمِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ).
أبو بكر ، هو : ابن أبي أُويس . وسُليمان ، هو : ابنُ بلالٍ .
وهذا من جملة نسخة يرويها أيوب ، عن أبي بكر ، عن سليمان . والبخاريّ
يخرِّج منها كثيرًا، وقد توقف فيها أبو حاتم الرازيُّ؛ لأنها مُنَاوَلَة ، فإنه قال :
قال ابنُ أبي أُويس : أخذتُ أنا وأيوب بن سليمان بن بلال من أخي ألفًا ومائتي
ورقة مُنَاولةً ، فعَارضنا بها . قال أبو حاتم : فزهدتُ فيها من أَجْلِ ذلك ، فلم
أسمعْها من واحد منهما .
ولكن الرواية بالمناولة جائزةٌ عند الأكثرين .
وقد ذَكَرَ الطبراني أَنَّ هذا الحديثَ تفرَّد به أيوب بهذا الإسناد .
ولكن قد رُوي حديث الأعرج ، عن أبي هريرة من غيرِ هذا الوَجْه .
خَرَّجه ابنُ ماجه(١) عن هشام بن عمَّر ، عن مالك ، عن أبي الزنادِ ، عنه .
وهو في ((الموط)) (٢) كذلك .
(١) (٦٧٧) .
(٢) (ص ٣٦) .
٦٢
حديث : ٥٣٣ - ٥٣٧
کتاب المواقيت
وكذلك حديث نافع، خَرَّجه ابنُ ماجه - أيضًا (١) - من طريق الثقفي ، عن
عُبيد اللّه، عن نافع، عن ابنِ عمر، أنَّ النبيَّ وَّ قال: ((أَبْرِدُوا بالظهر)).
الحديث الثاني :
٥٣٥ - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ: ثنا غُنّدَرٌ: ثنا شُعْبَةُ، عَن المُهَاجر أَبي الْحَسَنِ :
سَمِعَ زَيّدَ بْنَ وَهْبٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ : أَّنَ مُؤَذِّنُ النَِّّ: ﴿ِ الظُّهْرِ، فَقَالَ: (أَبْرِدْ، أَبْرد) -
أَوْ قَالَ - : ((انْتَظر، انْتَظرْ)) - وَقَالَ: ((شدَّةُ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّم؛ فإذَا اشْتَدَّ الْحَرَّ
فَأَبْرِدُوا عَنِ الصَّلاةِ». حَتَّى رَأَيْنَا فَيْءَ الثُّلُولِ .
قال ابن خِرَاش في ((تاريخه)): زيّدُ بنُ وَهْبٍ ، كوفي ثقة ، دَخَلَ الشامَ ،
وروايته عن أبي ذَرٍّ صحيحةٌ . والمهاجرُ أبو الحسن صدوقٌ كوفي . وهذا
الحديث لم يَرْوِه إلا شعبة: ((أبردوا بالظهر)).
الحديث الثالث :
قال :
٥٣٦ - ثنا عليَّ بْنُ عَبّد الله المَديني: ثنا سُفْيانُ، قال: حفظناه من الزَّهْرِيِّ ،
عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّب، عَنْ أَبِي هُرَيّرَةَ، عَنِ النَِّّ ◌َ، قَالَ: ((إِذَا اشْتَدَّ الحَرُّ
فَأَبْرِدُوا عَنِ الصَّلاَةِ؛ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمْ)) .
٥٣٧ - ((وَاشْتَكَتِ النَّارُ إِلى رَبِّهَا، فَقَالَتْ: ربي، أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا. فَأَذْنَ لَهَا
بِنَفَسَيْنِ : نَفَسِ فِي الشِّاءِ ، وَنَفَسٍ فِي الصَِّ، فَهُوَ أَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الْحَرِّ ،
وَأَشَدُّمَا تَجِدُونَ مِنَ الزَّمْهَرِيِ».
قولُ سفيان بنِ عُيينة: ((حفظناه من الزهريِّ عن سعيد)) يشير إلى أنه إنما
حفظه عن الزهري ، عن ابن المسيب ، لم يحفظه عنه عن أبي سَلَمَةَ .
وقد رُوي عن ابن عُبينة ، عن الزهري ، عن سعيد أو أبي سَلَمَة - بالشكِّ.
(١) (٦٨١) .
١
٦٣
٩ - بابُ الإبراد بالظهر في شدة الحر
كتاب المواقيت
ذكره الدار قطني(١) .
ورُوي عن الزهري ، عن أبي سلمة وحدَه ، عن أبي هريرة - : قاله عنه
شُعيب بن أبي حَمْزة .
وقد خَرَّج البخاريُّ في ((بَدْءِ الخلق))(٢) من طريقه بهذا الإسناد حديثَ :
((اشتكت النارُ إلى ربِّها)) .
ورواه جماعةٌ، عن الزهري، عن سعيد وأبي سلمة - معًا - ، عن أبي هريرة.
وقد خَرَّج مسلم(٣) حديث : الإبراد من رواية الليث ويونس وعمرو بن
الحارث ، عن الزهري ، عنهما .
وخَرَّج(٤) حديث : ((اشتكت النار)) من حديثِ يونس ، عن ابن شهاب ، عن
أبي سلمة وَحْدَه .
ورَوَى حديث [الإبراد](٥) عن الزهريِّ عن سعيد وأبي سلمة - معا -: يَحْيَى
الأنصاريُّ وعُبِيدُ اللّه بن عمر وابنُ جُرِيج وابنُ أَبي ذئب ومَعْمَر وغيرُهُم .
قال الدارقطني : القولانِ محفوظانٍ عن الزهري .
يعني : عن سعيد وأبي سلمة (٦).
(١) في ((العلل)) (٩/ ٣٩٠ - ٣٩٤).
(٢) (٣٢٦٠) .
(٣) (١٠٧/٢).
(٤) (١٠٨/٢).
(٥) سقط من الأصل ((هـ)) واستدركناه من ((العلل)) للدار قطني.
وفي العبارة تخليط صححناه منه .
(٦) يقصد الدارقطني بتصحيح القولين عن الزهري أي في حديث الإبراد خاصة ؛ لأنه قال هذا
الكلام في معرض الكلام عليه دون حديث : ((اشتكت النار)) .
ويؤيده : أن الإمام أحمد - رحمه اللّه تعالى - سئل عن حديث: (اشتكت النار))، فخطأ ابن
عيينة حيث جعله من حديث سعيد ، عن أبي هريرة ، وقال: ((إنما هو عن أبي سلمة)).
حكاه الخلال - كما في ((المنتخب من العلل له)) لابن قدامة (١٨٦).
٦٤
حديث : ٥٣٨
كتاب المواقيت
الحديث الرابع :
٥٣٨ - حدثنا عُمَرُ بْنُ حَفْص بن غياث: ثنا أَّبِي: ثنا الأَعْمَشُ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، عَنْ
أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ مَّ: ((أَبْرِدُوا بِالظُّهْرِ؛ فإنَّ شِدَّةَ الْحَرِّمِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ).
تَبَعِهِ: سُفْيَانُ وَيَحْيِى وَأَبُو عَوَانَةَ، عَنِ الْأَعْمَثِ .
يعني: كلُّهُم رَووه، عن الأعمش، عن أبي صالح ، عن أبي سعيد الخدري.
وقد خَرَّجه البخاريِّ في ((بَدْءِ الخَلقِ))(١) عن الفِرْيَابِي، عن سُفيانَ كذلك ،
ولفُظُه : ((أبردوا بالصلاة)).
إلا أنَّ روايةَ حفصٍ فيها تصريحُ الأَعْمشِ بسماعه له من أبي صالح ، فأُمِنَ
بذلك تدليسُه له عنه .
وإنما ذَكَرَ البخاريُّ المتابعة لحفصٍ على قولِه ؛ لأنَّ عبدَ الرزاق والأشجعي
روياه ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة .
ذَكَرَه الإمامُ أحمد في رواية ابنه عبد اللّه .
وخَرَّجه كذلك في ((مسنده)) في ((مسند أبي هريرة))(٢)، ثم أتبعه بحديث
أبي سعيد أنَّه هو الصوابُ (٣) .
= وصنيع البخاري يدل على ذلك؛ فإنه خرج حديث ((اشتكت النار)) من حديث سعيد هاهنا في
غير بابه عرضًا لا قصدًا ؛ لأن ابن عيينة هكذا جمع في روايته بين المتنين ، بينما في ((بدء
الخلق)) خرجه من حديث أبي سلمة من حديث شعيب عن الزهري عنه في باب ((صفة النار))،
وهذا بابه - وهذا فيه إشارة إلى أن حديث : ((اشتكت النار)) ليس من حديث سعيد بل من
حديث أبي سلمة ، وهو ما خرجه هاهنا من حديث سعيد إلا لمجيئه عرضًا في رواية سفيان
لحديث الإبراد . والله أعلم .
وقد توسعت في تعليقي على ((المنتخب من علل الخلال)) في شرح علة هذا الحديث ، وبيان
وجه الخطأ الذي وقع فيه ابن عيينة ، فانظره غير مأمور (ص ٢٨٧ - ٢٨٩) .
(١) (٣٢٥٩) .
(٢) (٥٣/٣).
(٣) لعل صواب السياق: ((يشير أنه هو الصواب)).
٦٥
٩ - بابُ الإبراد بالظهر في شدة الحر
كتاب المواقيت
وكذلك حَدَّث به عَبْدُ الرحمن بن عمر الأصبهاني - ويُلقب : رُسْتَه - ، عن
ابن مهدي ، عن سفيان ، أملاه عليهم - قال أبي(١): مِنْ حِفْظِهِ - ، فأَنْكَرَه
عليه أبو زُرْعَة، وقال : هو غَلَطٌ ؛ الناسُ يروونه عن أبي سعيدٍ ، فلما رَجَعَ
رُسْتَه إلى بلده نَظَرَ في أصله فإذا هو عن أبي سعيدٍ، فَرَجَعَ عمَّا أملاه، وكَتَبَ إلى
أبي زُرْعة يَعْتذرُ عمَّا وَقَعَ منه .
وعامة روايات هذا الحديث من طرقه إنما فيها: ((أَبْردوا بالصَّلاة)) أو ((عَن
الصَّلاة))، وليس في شيءٍ منها في ((الصحيح)) ذِكْرُ ((الظهر))، إلا في رواية
أبي سعيد التي خَرَّجها البخاريُّ هاهنا .
وفي أحاديث الباب كله ؛ الأمرُ بالإبراد بالصلاة في اشتدادِ الحرِّ .
قال الخطَّابي(٢): قولُه: ((أَبْرُدُوا بالصلاة)) أي: تَأَخَّرُوا عَنَها مُبْرِدين ، أي :
دَخلين في وقت البَرْدِ . قال: والمرادُ : كسرُ شدةٍ [حَرِّ ] الظهيرة؛ لأن فتورَ
حَرِّها بالإضافة إلى وَهَجِ الهاجرة بَرْدٌ ، وليس المرادُ أن يؤخر إلى أحدٍ بَرْدَي
· النهار ، وهو بَرْد العشي ؛ إذ فيه الخروجُ من قولِ الأمة .
قال : وفَيْح جهنم شِدَّةً استعارها، وأصلُهُ السَّعةُ والانتشارُ ، وكانت العربُ
تقول في غاراتها : فِيحي فَاحِ .
وقال غيرُهُ : الفَيْحُ سطوعُ الحَرِّ ، يقال : فاحت القدْرُ تفوحُ إذا غلت .
وأمَّا قولُ صاحبِ ((الغَريبين)): أبردُوا بالظهر : صَلُّوها في أوَّلِ وقتها . وبَرْدُ
٠
النهار أوَّلُه .
فهو خطأٌ ، وتغييرٌ للمعنى ، وصلاة الظهر في أوَّلِ وقتها في شدةِ الحَرِّ ليس
إيرادًا، بل هو ضِدُّه، بخلافِ أوَّلَ النَّهارِ ، كما في الحديث: ((مَنْ صلَّى
(١) كذا ، ولا أدري من القائل: ((قال أبي))، وهذه القصة قد حكاها ابن أبي حاتم في ((تقدمة
الجرح)) (ص ٣٣٦) . فالله أعلم .
(٢) في ((شرح البخاري)) (٤٢٤/١ - ٤٢٥).
٦٦
حديث : ٥٣٨
کتاب المواقيت
البردين دَخَلَ الجنة))(١).
وقد بَوَّب البخاريُّ على هذه الأحاديث : ((الإبراد بالظهر في شدة الحر)) فدلَّ
ذلك على أنَّه يَرَى الإبرادَ في شدةِ الحَرِّ بكلِّ حال ، سواء كان في البلاد الحارة أو
غيرها ، وسواء كان يصلِّي جماعة أو وحده .
وهذا قولُ كثيرٍ من أهل العلمِ ، وذَكَرَ طائفةٌ من المالكية كالقاضي إسماعيل
وأبي الفرج أنَّه مذهبُ مالكٍ ، وذَكَرَ صاحب ((المغني)) من أصحابِنا أنَّه ظاهرُ كلامٍ
أحمد والخِرَقي ، ورجَّحه، وكذلك حكاه ابنُ المنذرِ عن أحمد وإسحاق ،
وحكاه الخَطَّبي عن أحمد ورجَّحه ابنُ المنذر ، وحَكَاه عن أهلِ الرأي ، وحكاه
الترمذي في ((جامعه)) عن ابنِ المبارك وأحمد وإسحاق ، ورجَّحه .
ولذلك ذَكَرَ بعضُ الشافعية أنَّه ظاهرُ الحديث ، ومَالَ إليه ، والمنصوصُ عَنِ
الشافعي: أنَّه لا يُستحبُ الإبرادُ إلا في شدةِ الحرِّ في البلادِ الحارة لمن يصلّي
جماعة في موضع يقصده الناسُ من بُعْدِ ، كذا نَصَّ عليه في ((الأم)) ، وعليه
جمهورُ أصحابه .
ولهم وَجْه : أنه لا يُشترط البلاد الحارة ، وحكوا قولاً للشافعي : أنه لا
يُشترط بُعْدُ المسجدِ ، بل يُبْرِدِ ولو كانتْ منازلُهم قريبةً منه .
واشترط طائفةٌ مِن أصحابِنا للإبرادِ : أنْ تكونَ الصلاةُ في مسجدٍ ، قالوا :
وسواء كان مما ينتابه الناس أو لا ، وأنْ تكونَ البلدانُ حارةً شديدةَ الحرِّ أو
متوسطة .
ومنهم مَن اشترطَ مسجدَ الجماعة فقط .
وكذلك قال ابنُ عبدِ الحكم وطائفةٌ من المالكية العراقيين : أنه لا يُبرِد إلا
بالصلاة في مساجد الجماعة دون مَن صَلَّى مُنْفَرِدًا .
وذَكَرَ القاضي إسماعيل، عن ابن أبي أُويس، عن مالك، قال: بلغني أنَّ عُمَرَ
(١) البخاري (٥٧٤) ومسلم (١١٤/٢).
٦٧
٩ - بابُ الإبراد بالظهر في شدة الحر
کتاب المواقيت
قال لأبي مَحْذُورة: إنَّك بأرض حَارة، فَأَبْرِد، ثم أَبْرد، ثم نادٍ، فكأنني عندك(١).
واختلفوا في المعنى الذي لأجله أُمِرَ بالإبراد .
فمنهم مَنْ قال : هو حصولُ الخُشُوعِ في الصلاةِ ؛ فإنَّ الصلاةَ في شدةِ الحَرِّ
كالصلاةِ بحَضْرةِ طعامٍ تتوقُ نفسُهُ إليه، وكصلاةٍ مَنْ يُدافعُ الأخْبَئِين ، فإنَّ
النفوسَ حينئذٍ تتوقُ إلى القَيْلُولَة والراحة ، وعلى هذا فلا فَرْقَ بَيْنَ مَنْ يصلِّي
وحدَه أو في جماعةٍ .
ومنهم مَنْ قَالَ: هو خشيةُ المشقةِ على مَنْ بَعُد مِنْ المسجدِ بمشيه في الحَرِّ،
وعلي هذا فيختصُّ الإبرادُ بالصلاةِ في مساجدِ الجماعةِ التي تُقْصد من الأمكنة
المتباعدة .
ومنهم من قال : هو وقت تنفس جهنم .
وقد ثَبَتَ في ((صحيح مسلم))(٢) من حديثٍ عَمْرو بن عَبَسَة، عن النبيِ وَّ،
قال : ((الصلاةُ مشهودةٌ محضورةٌ حتَّى يستقلَّ الظِّلُ بالرَّمْح ، ثم اقْصرْ عن الصلاة
فإنَّ حينَذ تُسْجَرُ جَهَنَّمُ ، فإذا أقبل الفَيْءُ، فإنَّ الصلاةَ مشهودةٌ محضورةٌ حتَّى
تُصَلِّيَ العَصْرَ» .
وفي (صحيحي ابن خزيمة وابن حبان))(٣) من حديث أبي هريرة - مرفوعًا - ،
قال : ((فإذا انتصفَ النهارُ فاقْصرْ عن الصلاة حتَّى تميل الشمسُ ؛ فإنَّ حينئذ تسعر
جهثَّمُ ، وشدةُ الحرِّ من فيحِ جهنّم ، فإذا مالتِ الشمسُ فالصلاةُ محضورةٌ مشهودةٌ
متقبلةٌ حتَّى تُصلِّي العصر)) .
وخَرَّجه ابنُ ماجه(٤)، ولفظُه: «فإذا كانت - يعني : الشمس - على رأسكَ
(١) هو في ((المصنف)) لابن أبي شيبة (٢٨٦/١).
(٢) (٢٠٨/٢ - ٢٠٩) .
(٣) ابن خزيمة (١٢٧٥) وابن حبان (١٥٤٢) .
(٤) (١٢٥٢) .
٦٨
حديث : ٥٣٨
کتاب المواقيت
كالرُّمحِ فِدَعِ الصلاةَ ؛ فإنَّ تلكَ الساعةَ تسعَّرَ(١) فيها جهنّم ، وتفتح فيها أبوابها ،
حتى تزيغ الشمسُ عن حاجبكَ الأيمن ، فإذا زالتْ فالصلاةُ محضورةٌ متقبلة)) .
وهذا يدلُّ على أنَّ شدةَ الحَرِّ عقيب الزوال من أثر تسجرها ، فكما تُمنع
الصلاةُ وقت الزوال ، فإنه يُستحب تأخُّرُها بعد الزوال حتَّى يبرد حَرُّها ويزول شدة
وَهَجها ؛ فإنَّه إثْر وقت غضب ، والمُصلِّي يناجي ربَّه ، فينبغي أنْ يتحرى بصلاته
أوقات الرضا والرحمة ، ويجتنب أوقاتَ السُّخطِ والعذابِ ، وعلى هذا فلا فَرْقَ
بين المصلِّى وحدَه وفي جماعة - أيضًا .
والأمر بالإبرادِ أمرُ نَدْبٍ واستحبابٍ ، لا أمرَ حَتْمٍ وإيجاب ، هذا مما لا
خلافَ فيه بَيْنَ العلماء .
فإنْ شَذَّ أحدٌ من أهلِ الظاهر جريًا على عادتهم ، ولم يبال بخرقِ إجماعِ
المسلمين ، كان مَحْجُوجًا بالإجماع قبله ، وبحديث عمرو بن عبسة وأبي هريرة
المذكورين، فإنهما يصرِّحان بأنَّ الصلاةَ بعد الزوال مشهودةٌ محضورةٌ متقبلةٌ ،
ولم يفرق بَيْنَ فَرْضٍ ونَفْلٍ .
وذَهَبَ طائفةٌ مِن العلماءِ إلى أن الإبرادَ رخصةٌ ، وأنَّ تركَه سُنة ، والصلاةُ
في أول الوقت بكل حالِ أفضل ، وهو قولُ الليثِ بنِ سعدٍ وطائفة من أصحابِ
الشافعي .
والأحاديث الصحيحة تَردُّه .
وقد جَعَلَ مالكٌ القولَ بتركِ الإبرادِ قولَ الخوارج .
وأمَّا حدُّ الإبراد ، فقال القاضي أبو يعلى من أصحابنا : يكون بين الفراغ من
الصلاة وبين آخر وقت الصلاة فضلٌ (٢).
(١) في ابن ماجه: ((تسجر)).
(٢) انظر: ((المغني)) لابن قدامة (٣٧/٢).
٦٩
٩ - بابُ الإبراد بالظهر في شدة الحر
كتاب المواقيت
وقال الشافعية : حقيقةُ الإبراد : أنْ يؤخِّر الصلاة عن أول الوقت بقدر ما
يحصل للحيطان فيءٌ يمشي فيه طالب الجماعة، ولا يؤخَّر عن النصف الأول من
الوقت .
وحَكَى سفيانُ الثوري وإسحاق بن راهويه عن بعض العلماء ، أنه إذا أَخَّر
الصلاةَ إلى نصفٍ وقتِها فلم يُفرِّط، وإذا أَخَّرها حتى كانت إلى وقتِ الصلاةِ
الأخرى أقربَ فقد فرَّط .
ولعله يريد : أنه يُكْره ذلك ، لا أنَّه يَحْرُم .
وأمَّا صلاةُ الظهر في غيرِ شدة الحرِّ ، فجمهورُ العلماءِ على أنَّ الأفضلَ
تعجيلُها ، وفيه خلافٌ عن مالك يأتي ذكرُهُ فيما بعدُ - إنْ شاء اللهُ .
واستدلَّ مَنْ لم يَرَ استحبابَ الإبرادِ بحديث خَبَّابِ بنِ الأَرَت : شكونًا إلى
رسول اللّه ◌ِ وَ له حرَّ الرمضاءِ، فلم يُشْكنا (١)، وقد ذكرناه في ((باب: السجود على
الثوب))(٢)، وذكرْنَا أنَّ الصحيحَ في تفسيرِهِ : أنَّهم طلبوا منه تأخيرَ الصلاة
بالهاجرة، فلم يجبهم إلى ذلك ، وأمرهم بالصلاة إذا زالت الشمسُ .
وقد أُجيب عنه بوجهين :
أحدهما : أنَّهم طلبوا منه التأخيرَ الفاحشَ المقاربَ آخر الوقت ، فلم يجبهم
إليه .
والثاني : أنَّه منسوخٌ بالأمر بالإبرادِ ، وهو جوابُ الإمامِ أحمد والأَثْرَم .
واستدلا بحديث المغيرة بن شعبة، قال: كَّا نصلِّي مع رسول اللَّه وَلِيل
الظهرَ بالهاجرة ، فقال لنا : ((أبردوا بالصلاة ؛ فإنَّ شدةَ الحرِّ من فَيْح جَهنّم)).
(١) أخرجه مسلم (١٠٩/٢).
(٢) هو الباب رقم (٢٣) من ((كتاب الصلاة)).
والحديث برقم (٣٨٥).
٧٠
حديث : ٥٣٨
کتاب المواقيت
خَرَّجه الإمامُ أحمدُ وابن حِبَّان في ((صحيحه)) وابن ماجه (١).
وَ خاله أنهم
وزعمتْ طائفةٌ أنَّ معنى حديث خَبَّب : أنهم شكوا إلى النبي
يُعذبون(٢) في رمضاءِ مكة فِي شدةِ الحر ، وسألوه أنْ يدعوَ لهم ، فلم يجبهم .
وهذا بعيدٌ ، وألفاظُ الحديث ترده ، وقد سَبَقَ ذكرُه .
وأمَّا قولُهُ وَّل: ((اشتكت النارُ إلى ربِّها))، فالمحققون من العلماءِ على
أنَّ اللَّهَ أَنْطَقَها بذلك نُطْقًا حقيقيًا كما يُنْطِقُ الأيدي والأرجلَ والجلودَ يومَ القيامةِ،
وكما أَنْطَق الجبالَ وغيرها من الجمادات بالتسبيح والسلام على رسول اللّه وَله ،
وغير ذلك مما يُسمع نطقُه في الدنيا .
ویشهد لذلك : ما خرّجه الإمام أحمد والترمذي(٣)۔ وصحَّحه ـ ، مِنْ حديث
الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ◌َِّ، قال: ((يخرج عنْقُ
من النار يوم القيامة ، لها عَيْنَان تُبْصَرَان ، وأُذُنَان تَسْمَعَان ، ولسَانُ يَنْطق ، يقول : إني
وُكِّلْتُ بِثَلاثَةٍ: بكل جَبَّارِ عَنيدٍ، ويكلَّ مَنْ دَعَا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ، وبالْمُصَوِّرِينَ).
وقد رُوي عن الأعمش، عن عطية، عن أبي سعيد، عن النبي وَّ.
خَرَّجه الإمام أحمد - أيضًا (٤).
وقيل : إنَّ هذا الإسناد هو المحفوظ .
وخَرَّجه البزار(٥) بهذا الإسناد ، ولفظ حديثه : ((يخرجُ عنقٌ من النار يتكلم
بلسان طَلْق ذَلْق، لها عينان تبصر بهما ، ولها لسان تتكلم به)) - وذكر الحديث .
(١) أحمد (٤/ ٢٥٠) وابن حبان (١٥٠٥) (١٥٠٨) وابن ماجه (٦٨٠).
(٢) في الأصل: ((يقدمون)) تصحيف، وقد سبق ذكر هذا القول في آخر الباب رقم (٢٣) من
((كتاب الصلاة)) .
(٣) أحمد (٣٣٦/٢) والترمذي (٢٥٧٤).
(٤) (٣ / ٤٠) .
(٥) (٣٥٠٠ - كشف) . - لكن فيه: ((وبمن قتل نفساً بغير نفس .. )) بدلاً من ((وبالمصورين)).
٧١
٩ - بابُ الإبراد بالظهر في شدة الحر
کتاب المواقيت
وقوله : ((فأشد ما تجدون من الحرِّ ، وأشد ما تجدون من الزمهرير)) -
بمعنى : أنه مِنْ تنفس جهنم .
وقد فَسَّرَ ذلك الحسنُ بما يحصل منه للناس أذى من الحر والبرد .
قال ابنُ عبد البر(١): أحسنُ ما قيل في معنى هذا الحديث: ما رُوي عن الحسن
البصري - رحمه اللّه - ، قال: اشتكت النار إلى ربِّها، قالت: يارب ، أكل بعضي
بعضًا ، فخفِّفْ عني. قال: فخَفََّ عنها، وجَعَلَ لها كلَّ عامٍ نفسين، فما كان من
بَرْدِ يُهْلِك شيئًا فهو من زمهريرِها ، وما كان مِنْ سَمُومٍ يُهلك شيئًا فهو من حرِّها .
وقد جَعَلَ اللهُ تعالى ما في الدنيا من شدةِ الحر والبرد مُذَكِّرًا بِحَرِّ جهنم
وبَرْدِها ، ودليلاً عليها ، ولهذا تُستحب الاستعاذةُ منها عند وجودِ ذلك .
كما رَوَى عثمانُ الدارمي وغيرُهُ من رواية دَرََّجٍ ، عن أبي الهيثم ، عن
أبي سعيد - أو عن ابن حُجَيْرة الأكبر (٢)، عن أبي هريرة، أو أحدهما - حدَّه ،
عن النبي وَّ، قال: ((إذا كان يومٌ حارٌّ، فإذا قال الرجلُ: لا إله إلا اللّه، ما أشدَّ
حر هذا اليوم، اللهم أجرني من حَرِّجهنم، قال اللهُ لجهنم : إنَّ عبدًا من عبيدي (٣)
استجارني من حَرِّك، وأنا أُشْهدك أنّي قد أَجَرْتُه ، وإذا كانَ يومٌ شديدُ البَرْد ، فإذا
13
قال العبد : لا إله إلا اللّه، ما أشدَّ برد هذا اليوم، اللهم أجرني من زمهريرِ جهنم،
قال اللّه لجهنم: إنَّ عبدًا من عبادي قد استعاذني من زمهريرك ، فإني أشهدكِ أني
قد أجرتُهُ)). قالوا: وما زمهريرُ جهنّم؟ قال : ((بَيْتٌ يُلقى فيه الكافر فيتميز من
شدة بردها)) (٤).
(١) ((التمهيد)) (٨/٥).
(٢) اسمه: ((عبد الرحمن بن حجيرة))، ترجمته في ((التهذيب)).
(٣) كذا في الأصل ((هـ)): ((عبيدي)) وسيأتي مثله قريبًا ((عبادي))، وهو أشبه .
(٤) أخرجه السهمي في ((تاريخ جرجان)) (٩٧٨) بإسناد آخر عن أبي موسى الأشعري
٧٢
حديث : ٣٥٩
كتاب المواقيت
١٠ - بابُ
الإِبْرَادِ بِالظُّهْرِ فِي السَّفَرِ
٥٣٩ - حَدَّثْنَا آدَمُ: ثنا شُعْبَةُ: ثنا مُهَاجِرٌ أَبُو الحَسَنِ مَوْلَى لِبَنِي ◌َيْمِ اللَّهِ، قَالَ:
سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ وَهْبٍ، [عَنْ أَبِي ذَرٍّ ] الغِفَارِيِّ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَ فِي
سَفَرَ، فَأَرَادَ المُؤَذِّنُ أَنْ يُؤَذِّنَ لِلْظُّهْرِ، فَقَالَ لَهُ: (أَبْرِدْ))، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ، فَقَالَ لَهُ:
(بْرِدْ)، حَتَّى رَأَيْنَا فَي ◌َ الْتُّلُولِ، فَقَالَ النَِّيُّ ◌َّهِ: «إِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّم، فإِذا
اشْتَدَّالحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلاَةِ» .
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿يَيَّأْ ﴾ [النحل: ٤٨] يَتَمَيَّلُ .
مقصودُ البخاريِّ بهذا الباب : أنَّ الإبرادَ بالظهر مشروعُ في الحضر والسفر ،
وسواء كان جماعةُ المصلين مجتمعين في مكان الصلاة أو كانوا غائبين .
وقد استدل الترمذيُّ في ((جامعه))(١) بهذا الحديث على أن الإبراد لا يختصّ
ءِ
بالمصلِّي في مسجدٍ ينتابُه الناس من البعد ، كما يقولُه الشافعي؛ فإن النبيَّ وَل
كان هو وأصحابُه مجتمعين في السفر ، وقد أبرد بالظهر .
وقوله : ((حتى رأينا فَيْءَ التَّلُول)) - يعني: حتى مَالت الشمسُ وبَعُدَتْ عن
وسطِ السماءِ ، حتَّى ظَهَرَ للتُّلُول فيءٌ. والفيءُ هو الظلُّ العائدُ بعدَ زوالِه ، فإنَّ
الشمسَ إذا طلعتْ كان للتَّلُول ونحوِها ظلٌ مستطيل، ثم يقصر حتَّى يتناهى قصرُه
وقت قيامِ الشمسِ بالظهيرة ، ثم إذا زالت الشمسُ عَادَ الظلُّ وأَخَذَ في الُول ،
فما كانَ قبل الزوالِ يُسمى ظلاً، وما كانَ بعدَه يسمى فيئًا ؛ لرجوعِ الظلِّ بعد
ذَهابِه ، ومنه سُمى الفيءُ فيئًا ، كأنه عَادَ إلى المسلمينَ ما كانوا أحق به مما كان
في يده .
(١) (٢٩٦/١ - ٢٩٧) .
٧٣
١٠ - بابُ الإبراد بالظهر في السفر
كتاب المواقيت
وقد حكَى البخاري عن ابن عبّاسٍ أنه فَسَّر قوله: ﴿يَتَفَيَّْ ظِلالُهُ﴾: يتميل .
وفي حديث أبي ذَرٍّ دليلٌ على أنَّ حدَّ الإبراد إلى [أن] يظهر فيء التلول
ونحوها .
وخَرَّج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والحاكم(١) من حديث ابن مسعود ،
قال : كان قَدْرُ صلاةِ رسولِ اللَّهُ وَّه في الصيف ثلاثةَ أقدامٍ ، وفي الشتاءِ خمسة
أقدام إلى سبعة أقدام .
وقد رُوي موقوفًا على ابن مسعود ، وأنه قال في الصيف : ثلاثة أقدام إلى
خمسة أقدام .
قال بعضُ أصحابنا : وهذا يدلُّ على أنه إلى الطرف الأول أقرب ، وهذا
يشبه قول الشافعية : أنه لا يؤخر إلى النصف الآخر من الوقت ، وهو الصحيح.
وقد تقدم عن سُفيان ، أنه حكَى عن بعضِ العلماء ، أنَّه عدَّ التأخير إلى
· النصف الثاني تفريطًا، فظاهرُ حديث أبي ذَرِّ الذي خَرَّجه البخاري يدل على أنه
يُشرع الإبرادُ بالأذان عند إرادةِ الإبرادِ بالصلاةِ ، فلا يؤذَّن إلا في وقتٍ يصلَّي
فيه، فإذا أُخِّرت الصلاة أُخْرِ الأذان معها ، وإن عُجِّلت عُجِّل الأذانُ.
وقد وَقَع في كلام بعض أصحابِنا ما يدلُّ على أنَّ مَن أَخَّر الصلاةَ في السفرِ
إلى آخر وقتها وهو سائر، أنَّه يؤذِّن إذا نَزَلَ وأرادَ الصلاةَ، وحَمَلُوا فعلَ ابنِ
مسعودٍ بالمُزْدَلِفة على ذلك ، إذا دخل وقت الثانية أَذَّنَ لها .
ويشهدُ لذلك: أَنَّ النبي ◌ََّ لَيْلَةً جَمْعٍ لما غربتْ له الشمس بعَرَفَة ، ودَفَعَ،
لم يُنْقَل عنه أنه أَذَّن للصلاة ، فلمَّا قَدِمَ جَمْعًا أَذَّن وأَقَام وصلَّى(٢).
وهذا يدلُّ على أنَّ الصلاتين المجموعتين في وقت الثانية لا يؤذَّن لهما إلا
(١) أبو داود (٤٠٠) والنسائي (٢٥٠/١) والحاكم (١٩٩/١)، ولم نجده في ((المسند)).
(٢) أبو داود (١٩٣٣) بمعناه .
٧٤
حديث : ٥٣٩
كتاب المواقيت
عند صلاتِهما في وقت الثانية ، فيكون الأذانُ للوقتِ الذي يصلِّي فيه لا للوقتِ
الذي يَجْمَعُ فيه .
ولكن قد رَوَى أبو داود الطيالسي هذا الحديث في ((مسنده»، عن شعبة -
وخَرَّجه من طريقه الترمذي(١) - ولفظه: قال أبو ذَرٍّ: كان رسولُ اللَّهِ وَ لِّ فِي
سفرٍ ومعه بلال، فأراد أن يقيم، فقال النبي ◌َّ: ((أَبْرِدْ))، ثم أراد أن يقيم ،
فقال النبي وَلَّ: ((أَبْرد في الظهر)). قال: حتَّى رأينا فَيْءَ التَّلول، ثم أَقَام
فصلَّى، فقال رسولُ اللَّهِ وَّةِ: ((إنَّ شِدَّةَ الحَرِّ من فَيح جَهنم ، فأبردوا عن
الصلاة)) .
ففي هذه الرواية التصريحُ بأنَّ الإبرادَ إنما كان بالإقامة، والإقامة تسمى أذانًا،
كما في قوله {مَّل: ((بين كل أذانين صلاة))(٢)، ومراده: بَيْنَ الأذان والإقامة .
وقد خرَّجه البخاريُّ في الباب الماضي، ولفظه: أذَّن مؤذِّنُ رسول اللَّه ◌َِ
الظهر ، فقال: ((أَبْرد، أَبْرد)) - أو قال: ((انتظر، انتظر)).
وهذا - أيضاً - يدلُّ على أنَّه إنما أخَّرَه بالإبرادِ والانتظار بعد أن أَذَّن ، وهو
دليلٌ على أنه يؤذن في أوَّلِ وقتِ الصلاةِ بكل حالٍ ، سواء أبردَ أو لم يُبْرد .
ولكن إنْ أرادَ تأخيرها عن وقتها بالكلية حتَّى يصليها في وقت الثانية جَمْعًا ،
فإنَّه يؤخر الأذانَ إلى وقتِ الثانيةَ .
ويدلُّ على هذا: ما خَرَّجه مسلم(٣) من حديث جابرِ بنِ سَمُرَة ، قال : كان
بلال يؤذِّن إذا دَحَضَت الشمسُ، فلا يقيم حتَّى يَخْرج النبيُّ وَِّ، فإذا خَرَجَ
أقام حِيْنَ يراه .
(١) (١٥٨) .
(٢) البخاري (٦٢٤) ومسلم (٢١٢/٢).
وقد تقدم الكلام حول هذا المعنى .
(٣) (١٠٢/٢).
٧٥
١٠ - بابُ الإبراد بالظهر في السفر
كتاب المواقيت
وفي الأذان للمجموعتين في وقت الثانية خلاف يُذكر في موضعٍ آخر .
ومتى فَرَّق بين المجموعتين في وقتِ الثانية تفريقًا كثيرًا ، فقال القاضي
أبو يعلى من أصحابِنا : تحتاجُ الثانيةُ إلى أذانٍ آخر .
وقد رُوي عن ابنِ مسعودٍ في جمعِهِ بالمزدلفة(١) ما يَشْهِدُ لَه . واللّه سبحانه
وتعالى أعلم .
(١) البخاري (١٦٧٥).
٧٦
١١ - بابُ وقت الظهر عند الزوال
كتاب المواقيت
١١ - بابُ
وَقْتِ الظُّهْرِ عِنْدَ الزَّوَالِ
وَقَالَ جَابِرٌ : كَانَ النَّبِيُّ ◌َلَا يُصَلِّي الظهرَ بالهَاجِرَةِ .
حديثُ جابر هذا خَرَّجه في ((باب: وقت المغرب))(١)، ويأتي في موضعهِ -
إن شاء اللّه .
وقد سَبَقَ حديث أبي جُحَيّفة في صلاة النبي وَّ الظهر بالبطحاء بالهاجرة(٢).
وقد ذكرنا - أيضًا - حديث جابر بن سَمُرة، أنَّ النبيَّ وَّ كان يصلِّ الظهرَ إذا
دحضت الشمسُ .
وخَرَّج الإمام أحمدُ وأبو داود(٣) من حديث زيد بن ثابت ، قال : كان النبي
وَّ يصلّي الظهرَ بالهاجرة، ولم يكن [يصلّي] صلاةً أشد على أصحابِ النبيِّ وَّل
منها ، فنزلتْ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨].
وخَرَّج الإمامُ أحمد والنسائي(٤) نحوه من حديث أُسامة بن زيد، أَنَّ رسول الله
كان يصلّي الظهر بالهَجِير ، ولا يكون وراءه إلا الصفُّ والصفان ، والناس في
قائلتهم وتجارتهم ، فأنزل اللّه: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾.
والحديثان إسنادهما واحد ، مختلف فيه ، وفيه نظر .
خَرَّج البخاري في هذا الباب ثلاثة أحاديث :
الحديث الأول :
قال :
(١) برقم (٥٦٠).
(٢) تقدم برقم (٥٠١) .
(٣) أحمد (١٨٣/٥) وأبو داود (٤١١) .
(٤) أحمد (٢٠٦/٥) والنسائي في ((الكبرى)) وابن ماجه (٧٩٥).
٧٧
١١ - بابُ وقت الظهر عند الزوال
کتاب المواقيت
٥٤٠ - حدثنا أَبُو الْيَمان: أبنا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، قال: أَخْبَرَنِي أَسُ بْنُ
مَالِك، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ يَ خَرَجَ حِيْنَ زَاغَتِ الشَّمْسُ، فَصَلَّى الظُّهْرَ ، فَقَامَ عَلَى
المِنْبَرِ، فَذَكَرَ السَّاعَةَ؛ فَذَكَرَ أَنَّ فيها أُمُورًا عظامًا، ثُمَّ قَالَ: ((مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ
شَيْءٍ فَلَيَسْأَلْ، فَلا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلَّ أَخْبَرَتُكُمْ مَا دُمْتُ فِي مَقَامِي)) ، فَأَكْثَرَ
النَّاسُ في الْبُكَاءِ، وَأَكْثَرَ أَنْ يَقُولَ: ((سَلُوا))، فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ السَّهْمِيُّ،
فَقَالَ: مَنْ أَبِي؟ قَالَ: (أَبُوكَ حُذَافَةُ)، ثُمَّ أَكْثَرَ أَنْ يَقُولَ: ((سَلُونِي)) ، فَبَرَكَ عُمْرُ
عَلَى رُكْبَّهِ، فَقَالَ: رَضينا باللّهِ رَبًا، وَبَالإِسْلامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا. فَسَكَتَ. ثُمَّ
قَالَ : ((عُرِضَتْ عَلَيَّ الجَنَّةُ وَالنَّارُ آنِفًا فِي عُرْضِ هذَا الْحَائِطِ ، فَلَمْ أَرَ كَالْخَيْرِ
وَالشَّرِّ) .
زَيْغُ الشمسِ : مَيِّلُها ، وهو عبارة عن زَوَالها .
والحديثُ يدلُّ على أنَّهِ وَّهِ صلَّى الظهرَ في ذلك اليوم حين زالت الشمسُ
من غير مهلة ، لكن هل كانت تلك عادته في صلاة الظهر ، أم عجلها ذلك اليوم
لأمرٍ حَدَثَ حتَّى يخبرهم به ، ولذلك خَطَبَهم وذَكَرَ الساعة ؟
هذا محتمل، والثاني أظهر، فإنَّه نَّهِ كان يُؤْخِّرُ صلاةَ الظهرِ في شدةِ
الحرِّ ، كما تقدم ، وأمَّا في غيرِ ذلك فكان يعجلها ، لكن هل كانت عادتُه أن
يدخلَ في صلاة الظهر حين تزول الشمس في غير وقت شدة الحر دائمًا ؟ هذا فيه
نظرٌ ، بل الأظهرُ خلافُه .
وقد رُوي عنه وَّه، أنه كان يصلّي إذا زالت الشمسُ أربعَ ركعات ، ويقول:
((إنَّها ساعة تفتح فيها أبوابُ السماء، ويُستجاب الدعاءُ)) .
خَرَّجه الترمذي وغيرُه(١).
(١) الترمذي (٤٧٨) وكذا في ((الشمائل)) (٢٨٨) وأحمد (٤١١/٣).
٧٨
حديث : ٥٤٠
كتاب المواقيت
وقد كان يصلّي قبل الظهر ركعتين(١)، ورُوي عنه أنه كان يصلِّي أربعًا(٢).
وهذا كلُّه يدل على أنَّه لم يكن يحرم الصلاة عقيب الزوال من غير مُهْلة
بينهما .
وقد ذكرنا في الباب الماضي حديث ابن مسعود في صلاة النبي ◌َّ في الشتاء
خمسة أقدام إلى سبعة - يعني : قدر الظل .
وقد رُوي عن النبي ◌َِّ، أَنَّه أمر بلالاً أن يجعلَ بين أذانه وإقامته قدر ما
يفرغ الآكل من أكله ، والشارب من شُرْبِهِ ، والمُعْتَصِرُ إذا دَخَلَ لقضاء حاجته .
خَرَّجه الترمذي(٣) من حديث جابر، وقال: إسنادُه مجهولٌ .
وخَرَّجه عبْدُ اللّه ابنُ الإمام أحمد (٤) من حديث أبي بن كعب .
وخَرَّجه الدار قطني(٥) وغيرُه من حديث عَلي .
ورُوي - أيضًا - من حديث أبي هريرة وسلمان(٦).
وأسانيده كلها ضعيفة .
والصحيحُ عند أصحابنا : أنه يُستحب أن تكون الصلاة بعد مُضي قَدْرِ الطهارة
وغيرها من شرائطِ الصلاة ، وكذلك هو الصحيحُ عند أصحابِ الشافعي ، وقالوا:
لا يضر الشغلُ الخفيفُ كأكل لُقَمٍ وكلام قصير ، ولا يكلف خلاف العادة .
ولهم وَجْهٌ آخر : أنه لا يحصل فضيلة أوَّلِ الوقت حتَّى يقدم ذلك كله قبل
(١) البخاري (١١٨٠) ومسلم (١٦٢/٢) من حديث ابن عمر.
(٢) البخاري (١١٨٢) ومسلم (١٦٢/٢) من حديث عائشة.
(٣) (١٩٥) .
(٤) في ((زوائد المسند)) (١٤٣/٥).
(٥) (٢٣٨/١) وأبو نعيم في ((أخبار أصبهان)) (٢/ ٢٧٠).
(٦) حديث أبي هريرة أخرجه البيهقي (٤٢٨/١)، وعزاه ابن حجر في ((الفتح)) (٢/ ١٠٦) لأبي
الشيخ من حديث أبي هريرة وسلمان .
٧٩
١١ - بابُ وقت الظهر عند الزوال
كتاب المواقيت
الوقت حتَّى تنطبق الصلاة على أول الوقت .
قال بعضُهم : وهذا غَلَطٌ صريحٌ مخالفٌ للسنة المستفيضة ، وقد جَعَلَهَ مالكٌ
قولَ الخوارج وأهلِ الأهواءِ .
وللشافعية وَجْه آخر : لا تفوت فضيلةُ أوَّل نصف الوقت ، ولا يُستحب
عندهم أنْ ينتظر بها مَصير الفيء مثل الشِّرَاك .
وحَكَىَ الساجي ، عن الشافعي ، أنه يُستحب ذلك، وحكَى عن غيره أنَّه لا
يجوز فعلُها قبل ذلك؛ فإنَّ جبريل عليه السلام صلَّى بالنبي ◌ِّ أولَ يومٍ الظهرَ
والفيء مثل الشِّراك .
وهذا ليس بشيءٍ ، وهو مخالفٌ للإجماع ، وقد حُملَ حديث جبريل على أن
الشمسَ يومئذٍ زالت على قدر الشِّراك من الفيءٍ .
ونَقَلَ ابنُ القاسم ، عن مالك ، أنَّه كان يَستحبُ لمساجد الجماعات أن
يؤخروا صلاة الظهرِ بعد الزوال حين يكون الفيءُ ذراعًا، صيفًا وشتاءً ، عملاً بما
رواه في ((الموطإ)» (١) عن نافع ، أن عمر كتب إلى عماله بذلك .
وقال سفيان الثوري : كان يستحب أن يمهل المؤذن بين أذانه وإقامته في
الصيف مقدار أربعين آية ، وفي الشتاء على النصف منها ، ويمهل في العصر
أربعين آية، وفي الشتاء على النصف منها ، وفي المغرب إذا وَجَبَت الشمسُ أذَّن،
ثم قَعَدَ قعدةٌ ، ثم قَامَ وأقام الصلاةَ . قال: ويُمْهِل في العشاء الآخرة قَدْرَ سِتِين
آية، وفي الفجر إذا طَلَعَ الفجر أَذَّن، ثم صلَّى ركعتين، ثم سَبَّح اللّه وذَكَرَه.
وهذا يدلُّ على استحبابه الإبراد بالعصر في الصيف .
وحُكِي مثلُه عن أشهب من المالكية .
وقد استحب كثيرٌ من السلف المشي إلى المساجد قبلَ الأذان ، وكان الإمامُ
(١) (ص ٣١) .
٨٠
حديث : ٥٤١
كتاب المواقيت
أحمد يفعله في صلاة الفجر ، والآثار في فضل المبادرة بالخروج إلى المساجد
كثيرة.
وبقيةُ الحديثِ ، قد سَبَقَ الكلامُ عليه ، بعضه في ((كتاب العلم)) ، وبعضه
في ((الصلاة على التنور والنار)).
وعُرض الحائط - بضم العين - : جانبه .
الحديث الثاني :
قال :
٥٤١ - حدثنا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ : ثنا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي المِنْهالِ ، عَنْ أَبِي بَرْزَةَ ،
قال: كَانَ النَّبِيُّ:﴿ يُصَلِّي الصُّبْحَ وَأَحَدُنَا يَعْرِفُ جَليسَهُ ، وَيَقْرَأُ فيها مَا بَيْنَ
السِّينَ إلى المائَة ، وَيُصَلِّي الظُّهْرَ إذا زالَتِ الشَّمْسُ، وَالْعَصْرَ وَأَحَدُنَا يَذْهَبُ إلى
أَقْصَى الْمَدِيثَةِ ، ثَمَّ يَرْجِعُ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ ، وَنَسيتُ مَا قَالَ فِي الْمَغْرِبِ ، وَلاَ يُبالي
بِتَأَخِيرِ الْعِشَاءِ إلى ثُلُثِ اللَُّلِ. ثُمَّقَالَ: إِلَى شَطِ اللَّيلِ .
وَقَالَ مُعَاذٌ : قَالَ شُعْبَةُ : ثُمَّلَقِيتُهُ مَرَّةً، فَقَالَ: أَوْ نُلُثِ اللَّيْلِ .
الكلامُ على هذا الحديثِ يأتي مُفَرَّقًا في أبوابِهِ ، حيث أعاد البخاري تخريجَه
فيها .
والغرض منه هاهنا صلاةُ الظهر ، وأنه كان يصليها إذا زالتِ الشمس ، وهذا
يدل على مُدَاومته على ذلك ، أو على كثرته وتكراره ، وهذا هو الأغلبُ في
استعمال : ((كان فلان يفعل))، وإنما يقع ذلك لغير التكرار نادرًا .
وهذا لا ينافي ما قدَّمنا أنَّه يتأهبُ لهَا بعدَ دخول الوقت ، وبعد الأذان فيه ،
وصلاة ركعتين أو أربع .
وقد رُوي أنَّ النبي ◌َّوَ كان يُصلِّي الجمعَة إذا زالتِ الشمسُ(١)، ومعلومٌ أنّه
(١) البخاري (٩٠٤) ومسلم (٩/٣).