Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
٥ - بابُ فضل الصلاة لوقتها
كتاب المواقيت
أمِّ فَرْوَة -: قاله الدار قطنيّ في ((العلل)).
ورُوي نحوه من حديث الشِّفَاء بنت عبد اللّه .
وفي قول النبي وَّهو: ((الصلاة على وقتها - أو على مواقيتها)): دليلٌ - أيضًا -
على فضل أول الوقت للصلاة ؛ لأنَّ ((على)) للظرفية، كقولهم: ((كان كذا على
عهد فلان)) ، والأفعال الواقعة في الأزمان المتسعة عنها لا تستقر فيها ، بل تقع
في جزء منها ، لكنها إذا وقعت في أول ذلك الوقت فقد صار الوقتُ كلُّه ظرفًا لها
حُكْمًا .
ولهذا سُمِّىَ المُصَلِّي مُصَلِيًا في حالِ صلاتِه وبعدها إما حقيقةً أو مجازًا على
اختلافٍ في ذلك ، وأمَّا قَبْل الفعلِ في الوقتِ فَلَيْسَ بمصلٍّ حقيقة ولا حكمًا ،
وإنَّما هو مصلٍّ بمعنى استباحة الصلاة فقط ، فإذا صلَّى في أول الوقت فإنَّه لم
يسمَّ مصليًا إلا في آخر الوقت .
. وقوله : ((ثم بر الوالدين)) لما كان ابنُ مَسْعودٍ له أُمُّ احتاج إلى ذكر بر والديه
بعد الصلاة ؛ لأن الصلاة حقُّ اللَّه وحقُّ الوالدين متعقب لحق اللَّه عَزَّ وجَلَّ،
كما قَالَ تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤].
وقوله : ((ثم الجهاد في سبيل اللّه))؛ لأنَّ الجهاد فرضُ كفاية ، والدخول فيه
بعد قيام من سقط به حق فرض الكفاية تطوعٌ إذا لم يتعين بحضور العدو ، ولهذا
تقدم بِرُّ الوالدين على الجهاد إذا لم يتعين، كما قال النبيّ وَطلّ لمن أراد أن يجاهد
معه : ((ألكَ والدان؟)) قال: نعم. [قال]: ((ففيهما فجاهد)) - وفي رواية:
«فأمره أن يرجع إليهما)»(١) .
فذكر النبيِّ وَِّ لابن مسعودِ أن أفضلَ الأعمالِ القيامُ بحقوقِ اللَّهِ التي فَرَضَها
على عباده فرض (٢)، وأفضلُها : الصلاةُ لوقتها، ثم القيامُ بحقوقِ عبادِه ، وآكدُه
(١) البخاري (٣٠٠٤) ومسلم (٣/٨).
(٢) كذا ، ولعل الصواب : ((فرض عين)).

٤٢
حدیث : ٥٢٧
كتاب المواقيت
بِرُّ الوالدين ، ثم التطوعُ بأعمالِ البرِّ ، وأفضلُها الجهادُ في سبيل اللّه .
وهذا ممَّا يستدل به الإمامُ أحمد ومن وافقه على أن أفضل أعمال التطوع
الجهاد .
فإن قيل : فقد رُوي خلاف ما يفهم منه ما دلَّ عليه حديث ابنِ مسعودٍ هذا ؛
ففي (الصحيحين))(١)، عن أبي هريرة، أن النبي وَ ◌ّرَ سُئِلَ: أَيُّ الأعمال أفضل؟
قال: ((إيمانٌ بالله ورسوله)). قيل: ثم أيُّ؟ قال: ((الجهادُ في سبيل اللّه)).
قيل : ثم أيُّ ؟ قال : ((حج مبرور)) .
وفيهما - أيضًا (٢) - عن أبي ذرِّ، أنه سَأَلَ النبيَّ وَّةِ: أيَّ الأعمال أفضل؟
قال: ((الإيمانُ باللَّه، والجهادُ في سبيله)) .
ولم يذكر في هذين الحديثين الصلاةَ ولا برَّ الوالدين ، ورُوي نُصوص أُخَر
بأن الجهادَ أفضلُ الأعمال مطلقًا ، ورُوي ما يدل على أن أفضلَ الأعمال ذكرُ اللّهِ
عز وجل ، وجاء ذلك صَريحًا عن جماعةٍ كثيرةٍ من الصحابة - رضي اللّه عنهم.
قيل : هذا ممَّا أشكلَ فهمُهُ على كثيرٍ من الناس ، وذكروا في توجيهه
والجمع بين النصوص الواردة به وجوهًا غير مرضية .
فمنهم مَنْ قال : أرادَ بقوله : ((أفضل الأعمال كذا)) أي : أنَّ ذلك من أفضل
الأعمال ، لا أنه أفضلها مطلقًا .
وهذا في غاية البعد .
ومنهم من قال : أجاب كلَّ سائل بحسب ما هو أفضل الأعمال له خاصة كما
خصَّ ابنَ مسعود بذكر الوالدين لحاجته إليه ، ولم يذكر ذلك لغيره .
لكنْ أبو هريرة كانت له أم ـ أيضًا .
(١) البخاري (٢٦) ومسلم (٦٢/١).
(٢) البخاري (١٥١٩) ومسلم (٦٢/١).

٤٣
٥ - بابُ فضل الصلاة لوقتها
كتاب المواقيت
وظَهَرَ لي في الجمع بين نصوص هذا الباب ما أنا ذاكره بحمد اللّه وفضله ،
ولا حولَ ولا قوةَ إلا باللّه ، فنقول :
لا ريبَ أنَّ أفضلَ الأعمال ما افترضه اللهُ على عباده ، كما ذكرنا الدليلَ عليه
في أول الكلام على هذا الحديث ، وأولى الفرائض الواجبة على العباد وأفضلُها
الإيمانُ باللهِ ورسوله ، تصديقًا بالقلبِ ، ونطقًا باللسان، وهو النطقُ بالشهادتين،
وبذلك بُعث النبيِّ وََّ، وأُمِرَ بالقتالِ عليه، وقد سَبَقَ ذلك مبسوطا في ((كتاب
الإيمان)) .
ثم بعدَ ذلك : الإتيانُ ببقية مباني الإسلامِ الخمس التي بني عليها ، وهي :
الصلاةُ ، والزكاةُ ، والصيامُ ، والحجّ .
وقد كان النبيُّ نَل ◌َ يأمر مَنْ يبعثه يدعو إلى الإسلام أن يدعو أولاً إلى
الشهادتين ، ثم إلى الصلاةِ ، ثم إلى الصيامِ ، ثم إلى الزكاةِ ، كما أَمَرَ بذلك
معاذَ بنَ جَبَلٍ لمَّا أرسله إلى اليمن(١)، وكان يعلِّم من يسأله عن الإسلام مبانيه
الخمس ، كما في حديث سؤال جبريل عليه السلام له عن الإسلام ، وكما في
حديث طلحة، أن النبي ◌َّيِ عَلَّم الأعرابيَّ الذي سأله عن الإسلامِ المبانيَ (٢).
فإذا تقرر هذا، فقول النبي وَّر في حديث أبي هريرة لما سُئل: أي الأعمال
أفضل؟ قال : ((إيمانٌ بالله ورسوله)) فهذا وَجْه ظاهر، لا إشكالَ فيه؛ فإنَّ ..
الإيمانَ باللهِ ورسولِه أفضلُ الأعمال مطلقًا ، وسمَّى الشهادتين مع التصديق بهما
عملاً ؛ لما في ذلك من عملِ القلب واللسان .
وقد قَرَّر البخاريُّ ذلك في ((كتاب الإيمان)) وسَبَقَ الكلامُ عليه في موضعه .
وقوله في حديث أبي هُريرة : ((ثم الجهاد في سبيلِ اللّه))، وفي حديث
أبي ذَرِّ: ((والجهاد)) - بالواو - يشهد له أنَّ اللّه قَرَنَ بين الإيمان به وبرسوله
(١) البخاري (١٣٩٥) ومسلم (٣٧/١ - ٣٨).
(٢) البخاري (٤٦) ومسلم (٣١/١).

٤٤
حديث : ٥٢٧
کتاب المواقيت
والجهاد في سبيله في مواضعَ، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّه
وَرَسُولِهِ وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ﴾(١)، وقوله: ﴿هَلْ أَدُلُكُمْ عَلَى
تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٦) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ﴾ [الصف: ١٠، ١١] الآية .
فالإيمان بالله ورسوله : التصديق بهما في القلب مع الإقرار بذلك باللسان .
والجهادُ هو دعاء الناس إلى ذلك بالسيف والسَِّان، بعد دعائهم بالحُجَّةِ والبَيَان ،
ولهذا يشرع الدعاءُ إلى الإسلام قبل القتال .
وقد قيل : إن الجهادَ كان في أولِ الإسلام فرضَ عينٍ على المسلمين كلِّهم ،
لا يسع أحدًا التخلفُ عنه، كما قال تعالى: ﴿انفِرُوا خفَافَا وَثَقَالاً﴾ [التوبة: ٤١]،
ثم بعد ذلك رخَّص لأهل الأعذارِ ، ونَزَلَ قولُه: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا
كَافَّةَ﴾ [التوبة: ١٢٢]، رُوي ذلك عن ابن عبّاسٍ وغيرِه ، وحينئذٍ فيحتمل جعل
النبيِّ وَل أفضل الأعمال بعد الإيمان الجهاد معنيين :
أحدهما : أن يقال : إنما كان ذلك حيث كان الجهادُ فرضَ عينٍ ، فكان
حينئذ أفضلَ الأعمال بعد الإيمان ، وقرينًا له ، فلما نَزَلَت الرخصةُ وصار الجهادُ
فرضَ كفايةٍ تأخَّر عن فرضِ الأعيان .
وقد اختلف ابنُ عمر وعبدُ اللّه بن عمرو بن العاص في عَدِّ الجهاد من
فرائض الإسلام ، فعده عبد الله بن عمرو منها بَعْدَ الحجِّ، وأنكَرَ ذلك ابنُ عُمَرَ
عليه ، وقال : فرائضه تنتهي إلى الحجِّ .
وقد رَوَى اختلافَهما في ذلك أبو عُبيد في ((كتاب الناسخ والمنسوخ)) وغيره.
وعدَّ حُذيفةَ بنِ اليَمان الجهاد من سهامِ الإسلامِ ، والأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر ، وأضافهما إلى مَبَاني الإسلامِ الخمس ، وجَعَلَها ثمانيةَ سهام ، وكأنه
(١) هذه الآية ملفقة من شطرين، الشطر الأول من سورة [النور: ٦٢] و[الحجرات: ١٥]
والشطر الثاني من سورة [التوبة: ٢٠].

٤٥
٥ - بابُ فضل الصلاة لوقتها
كتاب المواقيت
جَعَلَ الشهادتين سهمين(١) .
والثاني - وهو أشبه - : أنَّ النبيَّ وَّ كان إذا سُئِلَ عن أفضلِ الأعمال ،
فتارةً يذكر الإيمانَ بالله ورسوله لدخولِه في مُسَمَّى الأعمال ، كما سَبَقَ تقريرُهُ ،
وتارةً يذكر أعمال الجوارح؛ لأن المتبادي إلى الفهم عند ذكر الأعمال مع الإطلاق
أعمالُ الجوارح ، دونَ عملِ القلبِ واللسانِ ، فكان إذا تبيَّن له أنَّ ذلك هو مرادُ
السائلِ ذَكَرَ الصلاةَ له ، كما ذكرها في حديث ابن مسعودٍ هذا ؛ فإنَّ الصلاةَ
أفضلُ أعمالِ الجوارح ، وحيث أَجَابَ بذكرِ الإيمان أو بذكرِ الصلاة ، فإنما
مقصودُه التمثيلُ بأفضلِ مباني الإسلام ، ومراده المباني بجملتها ؛ فإنَّ المباني
الخمس كالشيءِ الواحدِ ، وكلُّ من دَخَلَ في الإسلامِ بالإقرار بالشهادتين أو
بالصلاة - على رأي من يَرَى فعلَها إسلامًا - ، فإنه يُؤْمَرُ ببقيةِ المباني ، ويُلْزَمُ
بذلك ، ويُقَاتَلُ على تَرْكِهِ .
وفي حديثٍ خَرَّجه الإمام أحمد (٢). أَنَّ النبي ◌َّ قال: ((أربعٌ فرضهن اللّه
في الإسلام، فمن أتى بثلاث لم يُغْنِينَ عنه شيئًا حتَّى يأتي بهن جميعاً : الصلاةُ،
والزكاةُ ، وصيامُ رمضان، [ وحج البيت])) .
وفي حديث آخر (٣): ((الدين خمسٌ لا يقبل اللّه منهن شيئًا دون شيءٍ)) - فذكر
مباني الإسلام الخمس ، وأن من أتى ببعضها دون بعض لم يُقبل منه .
ونَفْيُ القَبولِ لها بمعنى نفيِ الرضا بذلك واستكمالِ الثوابِ عليه ، وحينئذ
(١) أخرجه البزار (٣٣٦ - كشف) مرفوعًا ، عن أبي إسحاق ، عن صلة ، عن حذيفة . ورواه
الطيالسي (٤١٣) والبزار (٣٣٧ - كشف) من طريق شعبة ، عن أبي إسحاق موقوفًا ، وهو
الصواب -: قاله الدارقطني في ((العلل)) (١٧١/٣).
وراجع: ((جامع العلوم والحكم)) (١/ ٧٣) بتحقيقي .
(٢) (٤ / ٢٠٠ - ٢٠١) . والزيادة من المسند ، وليست في الأصل .
(٣) أخرجه أبو نعيم (٢٠١/٥)، وأنكره أبو حاتم في ((العلل)) (٨٧٩) (١٩٦٢).
وانظر: ((جامع العلوم)) (١ / ١٣٠ - ١٣١) بتحقيقي .

٤٦
حديث : ٥٢٧
کتاب المواقيت
فذكر بعض المباني مُشْعِرٌ بالباقي منها، فكان النبيُّ ◌َِّ تارةً يكتفي في جواب مَنْ
سَأَلَه عن أفضلِ الأعمال بالشهادتين ، وتارةً بالصلاة ، ومراده في كلا الجوابين
سائرُ المباني، لكنه خَصَّ بالذكرِ أشرفَها ، فكأنَّه قَالَ : الشهادتان وتوابعُهما ،
والصلاةُ وتوابعُهَا ولوازِمُها ، وهو بقيةُ المباني الخمس .
ويشهد لهذا: قولُ النبيِّ نَّهِ: ((أُمِرْتُ أنْ أقاتلَ الناسَ حتَّى يقولوا لا إله
إلا اللّه، فإذا قالوها عَصَمُوا مني دماءَهم وأموالهم))(١).
فتوهم طائفةٌ من الصحابةِ أن مَرَادَهُ أنَّ مجردَ هذه الكلمة يعصمُ الدمَ حتَّى
توقَّفوا في قتالِ مَنْ مَنَعَ الزكاة ، حتى بَيَّن لهم أبو بكر - ورَجَعَ الصحابةُ إلى
قوله -: أنَّ المرادَ : الكلمتان بحقوقهما ولوازمهما ، وهو الإتيانُ ببقيةِ مباني
الإسلام .
وقد تبين صحةُ قولِهم بروايات أُخر تصرِّح بإضافةٍ إقام الصلاة وإيتاء الزكاة
إلى الشهادتين في شرط عصمة الدم .
وكذلك قوله وَ له: ((مَنْ قَالَ: لا إله إلا اللّه لم تمسه النارُ - أو دَخَلَ الجنة))(٢).
إنَّما أراد الشهادتين بلوازمهما وتوابعهما، وهو الإتيان ببقية أركانِ الإسلام
ومبانيه .
وفي حديث ابن مسعودٍ قَدَّمَ بِرَّ الوالدين على الجهادِ إشارة إلى أنَّ حقوقَ
العبادِ اللازمة التي هي مِنْ فروضِ الأعيان تُقدم على التطوعِ بالجهاد .
وحديث أبي هريرة وأبي ذَرٍّ فيهما اقترانُ الجهادِ بالإيمانِ ، لكنه في حديث
أبي هريرة جعله بَعْدَ الإيمان ، وجعل بعده الحج المبرور ، فيحتمل أن يقال :
(١) البخاري (٢٥) ومسلم (٣٩/١) من حديث ابن عمر.
وعندهما أيضًا من حديث أبي هريرة : البخاري (٢٩٤٦) ومسلم (٣٨/١).
(٢) أخرجه الطبراني (٤٨/٧) والحاكم (٢٥١/٤) وأبو نعيم (١٧٤/٧ - ٣١٢) وابن عدي
(٢٦٣٩/٧) من طرق متعددة .

٤٧
٥ - بابُ فضل الصلاة لوقتها
كتاب المواقيت
كان ذلك في زمان كان الجهادُ فيه فرضَ عينٍ ، فكان مُقُدمًا على الحَجِّ ، ويحتمل
أن يُقال : قد فُهِمَ دخولُ الحَجِّ من ذكر الإيمان بالله ورسوله ؛ لأن ذلك يتبعه
بقية مباني الإسلام ، ومنها الحج ، لا سيما وقد تقرر في أول الكتاب أن الإيمان
قول وعمل ويكون المراد به جهاد المتطوع .
وهذا أشبهُ بقواعد الشريعة ؛ فإنَّ مَنْ مَعَه مال ، وعليه زكاةٌ أو حَجٌّ ، وأراد
التطوعَ بالجهادِ ، فإنه لا خلاف أنه يقدم الزكاة والحجَّ على التطوعِ بالجهادِ ، كما
قَالَ عَبْدُ اللّه بنُ عَمْرو بن العاص : حجةٌ قبل الغزو أفضلُ مِن عشرٍ غَزَوَات ،
وغزوة بعد حجَّةٍ أفضلُ مِن عشر حجَّات .
وروي - مرفوعًا - من وجوه في أسانيدها مقال(١).
فتبين بهذا التقرير أنَّ الأحاديثَ كلَّها دالةٌ على أنَّ أفضلَ الأعمال الشهادتان
مع توابعهما ، وهي بقيةُ مباني الإسلام ، أو الصلاة مع توابعها - أيضًا - من
فرائض الأعيانِ التي هي من حقوق اللّه عز وجل ، ثم يلي ذلك في الفضل
حقوقُ العبادِ التي هي من فروضِ الأعيانِ، كَبِرِّ الوالدين ، ثم بعد ذلك [أعمال](٢)
التطوع المقربة إلى اللّه ، وأفضلها الجهاد.
وفي حديث أبي هريرة تأخير الحج عن الجهاد ، ولعله إنما ذكره بعد الجهاد
حيث كان الحج تطوعًا ، فإن الصحيح أن فرضه تأخَّر إلى عام الوفود .
وقد يقال : حديثُ أبي هريرة دَلَّ على أن جنسَ الجهادِ أشرفُ من جنسٍ
الحج ، فإنْ عَرض للحج وصفٌ يمتاز به على الجهادِ وهو كونه فرض عين ، كان
ذلك الحج المخصوص أفضل من الجهاد ، وإلا فالجهادُ أفضل منه .
(١) أخرجه البيهقي (٣٣٤/٤) موقوفًا .
والمرفوع رواه هو - أيضًا - وأبو نعيم في ((الحلية)) (١٨٨/٥) والحاكم (١٤٣/٢) ولا يصح
رفعه. وانظر: ((السلسلة الضعيفة)) للشيخ الألباني (١٢٣٠) .
ورواه ابن المبارك في ((الجهاد)) (ص ١٨٧) من قول عبد الرحمن بن غنم .
(٢) زيادة للسياق .

٤٨
حديث : ٥٢٧
كتاب المواقيت
فهذه الثلاثة المذكورة في هذا الحديث هي رأسُ الإسلامِ وعمودُه وذُرْوَةٌ
سَنَامِهِ، كما في حديث معاذِ: ((فرأسه الشهادتان ، وعمودُه الصلاةُ، وذُرْوةُ سَنَامه
الجهادُ)(١).
والجهادُ أفضلُ ما تُطوع به من الأعمالِ ، على ما دلَّت عليه النصوصُ
الصحيحةُ الكثيرةُ ، وهو مذهبُ الإمامِ أحمد .
وفي ((الصحيحين))(٢) عن أبي سَعيدٍ، عن النبيِّ بَله، قال: ((أفضلُ الناس
مؤمنٌ آخذٌ بعنان فَرِسِه في سبيلِ اللّه ، ثم رجلٌ معتزلٌ في شعب من الشِّعاب يعبد
ربه ويدع الناس منْ شرِّ)) .
فهذا نصٌّ في أنَّ المجاهدَ أفضلُ من المتخلي لنوافلِ العباداتِ من الصلاةِ
والذكرِ وغيرِ ذلك ، فأمَّا النصوصُ التي جاءتْ بتفضيل الذكرِ على الجهادِ وغيرِه
من الأعمال ، وأنَّ الذاكرين للَّه أفضلُ الناسِ عند اللهِ مطلقًا فالمرادُ بذلك أهلُ
الذكر الكثير المستدام في أغلب الأوقات .
وليس الذكر مما يَقْطَعُ عن غيرِه من الأعمال كبقية الأعمال ، بل يمكن
اجتماعُ الذكر مع سائرِ الأعمال ، فَمَنْ عَمِلَ عَمَلاً صالحًا ، وكان أكثرَ للّه ذكْرًا فيه
من غيرهِ فهو أفضل ممَّن عَمِلَ مثلَ ذلك العمل من غيرِ أن يذكر الله معه .
وقد وَرَدَ في نصوصٍ متعددة أنّ أفضلَ المصلين والمتصدقين والمجاهدين
والحاجُّ وغيرِهم من أهل العبادات أكثرُهم للّه ذِكْرًا .
وقد خَرَّجه الإمامُ أحمد(٣) متصلاً، وخَرَّجه ابنُ المبارك وغيره مرسلاً .
فهؤلاء أفضلُ الناس عند اللّه، ثم يليهم الذين يذكرونَ اللَّهَ كثيرًا وليس لهم
نوافل من غير الذكر كالجهادِ وغيرهِ، بل يَقْتَصِرُونَ مَعَ الذكرِ على فرائضِ الأعيانِ،
(١) أخرجه أحمد (٢٣١/٥) والترمذي (٢٦١٦) وابن ماجه (٣٩٧٣).
(٢) البخاري (٢٧٨٦) ومسلم (٣٩/٦).
(٣) (٤٣٨/٣ - ٤٤٠) (٢٣٩/٥). وانظر: ((جامع العلوم)) (٥٧٤/٢ - ٥٧٥) بتحقيقي .

٤٩
٥ - بابُ فضل الصلاة لوقتها
كتاب المواقيت
فهؤلاء هُم الذاكرونَ للّه كثيرًا، المفضّلون على المجاهدين ، ويليهم قومٌ يقومون
بالفرائض وبالنوافلِ كالجهادِ وغيرِه من غير ذكرٍ كثيرٍ لهم .
وإنما قال النبي وَ﴿ لمن سَأَلَه عمَّا يَعْدِلُ الجِهادَ: ((هل تستطيع إذا خَرَجُ
المجاهدُ أن تصومَ ولا تفطر ، وتقومَ ولا تفتر؟)). قال: لا . قال: ((فذلك
الذي يَعْدلُ الجهاد))(١) ؛ لأنه سأله عن عمل ينشئه عند خروج المجاهد يعادل
فضل جهاده .
وأمَّا الذاكرون للَّه كثيرًا، فإنما فُضِّلوا على المجاهدين بغير ذكرٍ ؛ لأنَّ لهم
عملاً مستمرًا دائمًا قبلَ جهادِ المجاهدين ، ومَعَه وبعدَه ، فبذلك فُضِّلوا على
المجاهدین بغیر ذکرٍ كثير .
وبهذا تُجتمع النصوص الواردة في ذلك .
وأما حديث : ((خيرُ الإسلام إطعامُ الطعام وإنشاءُ السلام))(٢) فقد سَبَقَ الكلامُ
عليه في أولِ الكتابِ ، وأَنَّه ليس المرادُ به تفضيلَ هاتين(٣) الخصلتين على سائرٍ
خِصالِ الإسلامِ مِن الشهادتين والصلاة وغيرهما ، بل المرادُ أنَّ أفضلَ أهلٍ
الإسلام القائمين بخصاله المفروضة من الشهادتين والصلاة والصيامِ والزكاة
والحجِّ مَنْ قَامَ بعد ذلك بإطعامِ الطعامِ وإفشاءِ السلام .
فإنْ قيل : فيكون التطوعُ بذلك أفضل من التطوعِ بالجهادِ والحجِّ .
قيل : فيه تفصيلٌ : فإنْ كان إطعامُ طعامٍ فرضَ عينٍ كَنَفَقَةٍ مَنْ تَلْزِمُ نَفقتُهُ
من الأقارب فلا ريبَ أنَّه أفضلُ من التطوع بالنفقةِ في الجهادِ والحجِّ ، فإنْ كان
تطوعًا ، فإنْ كان صلة رَحمٍ فهو أفضلُ مِن الجهادِ والحجِّ ، نصَّ عليه أحمد
وكذا إنْ كان في عامٍ مجاعةٍ ونحوها ، فهو أفضلُ من الحجِّ عند الإمام أحمد ،
(١) البخاري (٢٧٨٥) .
(٢) البخاري (١٢).
(٣) في الأصل: ((هذين)).

٥٠
-
حديث : ٥٢٧
كتاب المواقيت
وقد يقال في الجهادِ كذلك إذا لم يَتَعَيَّن .
وهذا الكلامُ كلَّه في تفضيلِ بعضِ الأعمال على بعض لِذَاتِها ، فأمَّ تفضيلُ
بعضِ الأعمال على بعض لِزمَانِها أو مكانِها فإنَّه قد يقترن بالعملِ المفضولِ من
زمان أو مكان ما يصيرُ به فاضلاً، فهذا فيه كلامٌ آخر نذكرُه في موضعٍ آخر - إن
شاء اللّه سبحانه وتعالى .

٥١
٦ - بَابٌ الصلوات الخمس كفارة للخطايا
کتاب المواقيت
٦ - بَابٌ
الصَّلَواتُ الْخَمْسُ كَفَّارَةٌ لِلْخَطَايَا
إِذَا صَلَاهُنَّ لِقْتِهِنَّ فِ الجَمَاعَةِ وَغَيْرِها
٥٢٨ - حدثني ◌ِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ : ثنا ابنُ أَبِ حَازِمٍ وَلََّوَرْدِيُّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ
عَبّدُ اللَّهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،
أَُّ سَمِعَ النِّيََّ يَقُولُ: (أَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهَرَ بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ فِيهِ كُلّ ◌َوْمٍ خَمْسًا
مَا تَقُولُ ذَلِكَ يُقِي مِنْ دَرَنِهِ؟)) قَالُوا: لاَ يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ شَيْئًا. قَالَ : ((فَذَلِكَ مَثَلُ
الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، يَمْحُو اللَّهُ بِهَا الْخَطَايَ)» .
هذا مثلٌ ضَرَبَهُ النبيُّ نَّهِ لِمَحْوِ الخطايا بالصلواتِ الخمسِ ، فَجَعَل مثلَ ذلك
مثلَ مَن ببابِهِ نهرٌ يغتسل فيه كلَ يومٍ خمسَ مِرار ، كما أنَّ درنَه ووسخَه يُنَقَّى
بذلك حتى لا يبقى منه شيءٌ ، فكذلك الصلوات الخمس في كلِّ يوم تَمْحُو
الذنوبَ والخطايا حتَّى لا يبقى منها شيءٌ .
واسْتَدَلَّ بذلك بعضُ مَنْ يقولُ : إنَّ الصلاةَ تكفِّرُ الكبائرَ والصغائرَ ، لكنِ
الجمهور القائلونَ بأنَّ الكبائرَ لا يكفِّرُها مجردُ الصلاة بدون توبة ، يقولون : هذا
العمومُ خصَّ منه الكبائر بما خَرَّجه مسلمٌ (١) مِن حديث أبي هُريرة ، عن النبي
وَّ، قال: ((الصلوات الخمسُ، والجمعةُ إلى الجمعة، ورمضانُ إلى رمضان
مکفراتٌ لما بینهن ، ما اجتنبت الكبائر)» .
وفيه - أيضًا (٢) -: عن عُثمان، عن النبي ◌َّ، قال: ((ما مِن امْرِئ مسلم
تحضره صلاةٌ مکتوبة ، فیحسن وضوءها وخشوعها ور کوعها ؛ إلا كانتْ كفارةً لما
(١) (١ / ١٤٤) .
(٢) (١/ ١٤٢).

٥٢
حديث : ٥٢٨
كتاب المواقيت
قبلَها من الذُّنُوبِ ، ما لم تُؤْتَ كبيرةٌ وكذلك الدهر كله)) .
وخَرَّج النسائي وابنُ حِبَّان والحاكم(١) مِنْ حَدِيث أبي سعيد وأبي هريرة ، عن
النبي وَّ، قال: ((والذي نفسي بيده، مَا مِنْ عبد يصلِّي الصلوات الخمس
ويصومُ رمضان ويُخرج الزكاة ويجتنبُ الكبائرَ السبعَ إلا فُتحتْ له أبوابُ الجنَّة ،
ثم قيل له : ادخلْ بِسَلام)) .
وخرَّج الإمامُ أحمد والنسائي(٢) من حديث أبي أيوب، عن النبي بَّ معناه -
أيضًا .
وقال ابنُ مسعودٍ : الصلواتُ الخمسُ كفاراتٌ لِمَا بينهن ما اجْتُنْبت الكبائرُ .
ورُوي عنه مرفوعًا. والموقوف أصح (٣).
وقال سَلْمان (٤): حافظوا على هذه الصلواتِ الخمسِ ؛ فإنهنَّ كفارةٌ لهذه
الجراح ، ما لم تصب المَقْتَلة .
وقد حكَى ابنُ عبد البر وغيرُهُ الإجماعَ على ذلك، وأنَّ الكبائرَ لا تُكَفَّر
بمجرد الصلوات الخمس ، وإنما تكفِّر الصلواتُ الخمسُ الصغائرَ خاصَّةً .
وقد ذهب طائفةٌ من العلماءِ ، منهم : أبو بكر عبد العزيز بنُ جعفر من
أصحابِنا - إلى أنَّ اجتنابَ الكبائرِ شرطٌ لتكفير الصلواتِ الصغائرَ ، فإنْ لم تُجتنب
الكبائر لم تكفرِّ الصلوات شيئًا من الصغائر ، وحكاه ابنُ عطية في ((تفسيره)) عن
جمهورِ أهلِ السنة ؛ لظاهر قوله : ((ما اجتنبت الكبائر)).
والصحيح الذي ذهب إليه كثير من العلماء ، ورجَّحه ابنُ عطية ، وحكَاه عن
(١) النسائي (٨/٥) وابن حبان (١٧٤٨) والحاكم (٢/ ٢٤٠).
(٢) أحمد (٤١٣/٥) والنسائي (٨٨/٧).
(٣) أخرجه مرفوعًا البزار (١٧٠٤).
والموقوف عند عبد الرزاق (٤٨/١) وابن أبي شيبة (١٥٩/٢) والطبراني (١٦١/٩).
(٤) ابن أبي شيبة (١٥٩/٢).

٥٣
٦ - بَابٌ الصلوات الخمس كفارة للخطايا
13
كتاب المواقيت
الحذَّاق: أنَّ ذلك ليس بشرط، وأنَّ الصلواتَ تكفر الصغائرَ مطلقًا إذا لم يصرّ
عليها ، فإنها بالإصرار عليها تصير من الكبائر .
وحديثُ أبي هريرة الذي خَرَّجه البخاري في هذا الباب وغيرُه من الأحاديث
يدلُّ على ذلك، وقد ذَكَرَ البخاريُّ في تبويبه عليه أنَّ صلاتهن في وقتِهِنَّ شَرْطٌ
لتكفيرِ الخطايا، وأَخَذَ ذلك من قول النبي ◌ََّ: ((يغتسل فيه كل يوم خمسًا)»،
وهذا يدلُّ على تفريق الصلوات خمسَ مِرارٍ في كلِّ يومٍ وليلة ، ومَن جَمَعَ بينهما
في وقتٍ واحد أو في وقتين أو ثلاثة لغير عُذْرٍ لم يحصل منه هذا التفريق ولا
تكرير الاغتسال ، وهو بمنزلةٍ مَنِ اغتسلَ مرةً أو مرتين أو ثلاثًا .
وحديثُ عثمان الذي خَرَّجه مسلمٌ يدلُّ على أنَّ كلَّ صلاة تكفرُ ذنوبَ ما بينها
وبين الصلاة الأخرى خاصَّةً ، وقد وَرَدَ مصرَّحًا بذلك في أحاديث كثيرة .
وحينئذٍ ؛ فَمَنْ تَرَكَ صلاة إلى وقت صلاة أخرى لغير عُذْرِ وجَمَعَ بينهما فلا
يتحقق أن هاتين الصلاتين المجموعتين في وقت واحدٍ لغيرِ عُذْرِ يكفرَّان ما مَضَى
من الذنوب في الوقتين معًا ، وإنما يكون ذلك إنْ كان الجمعُ لعذرٍ يبيح الجمعَ .
وتمثيلُهُ وَّه بالنهر هو مبالغة في إنقاء الدرن ؛ فإنَّ النهرَ الجاري يُذْهِبُ الدرنَ
الذي غُسل فيه ولا يَبْقَى له فيه أثرٌ ، بخلاف الماءِ الراكدِ ؛ فإنَّ الدرنَ الذي غُسل
فيه يَمْكثُ في الماء ، وربما ظَهَر مَعَ كثرةِ الاغتسالِ فيه على طول الزمان ؛ ولهذا
رُوي النهي عن الاغتسال في الماءِ الدائمِ كما سَبَقَ ذكرُه في الطهارة.
وفي ((صحيح مسلم) (١) من حديثِ الأَعْمَش ، عن أبي سُفْيان ، عن جَابٍ ،
عن النبي ◌َّ، قال: ((مثلُ الصلوات الخمسِ كمثل نهرِ جَارِ غمرِ على بابِ
أحدِكم يغتسلُ فيه كلَّ يومٍ خمسَ مرات)) . قال : قال الحسنُ: وما يُبْقِي ذلك
من الدَّرَنِ .
(١) (٢/ ١٣٢) .
:

٥٤
حديث : ٥٢٨
كتاب المواقيت
وقد رُوي عن الأعمش ، عن أبي سفيان ، عن عُبيد بن عُمير ، عن النبي
* - مرسلاً .
قال أبو حاتم(١): كذلك أرسله الحفاظ ، وهو أشبه .
ورُوي تشبيه الصلوات بخمسةِ أنهارٍ .
خَرَّجه ابنُ جرير الطبري والطبراني والبزار (٢) من طريق يحيى بن أيوب :
وحدثني عبد اللّه بن قُرَيط، أنَّ عطاء بن يَسَار حَدَّثْه، أنَّه سَمع أبا سعيد الخدري
يحدِّث، أَنَّ سَمِعَ رسولَ اللّهِ وَهِ يقول: ((الصلواتُ الخمس كفارة ما بينهما)).
وقال رسولُ اللّهِ وَّ: ((أرأيتَ لو أنَّ رَجُلاً كان له معتملٌ ، وبينَ منزله ومُعْتَمله
خمسةُ أنهار، فإذا انطلقَ إلى مُعْتَمله عَمل ما شاء اللّه، فأصابَه الوسخُ والعَرَقُ،
فكلَّما مَرَّ بنهر اغتسل ما كان ذلك مبقيًا من درنه ، فكذلك الصلوات ، كلما عمل
خطيئةً أو ما شاء اللّه، ثم صلَّى صلاةٌ فَدَعَا واستغفر غُفر له ما كان قبلَها)) .
وخَرَّج البزار (٣) نحوه - أيضًا - من طريق عُمر بن صُهْبان ، عن زَيْد بن
أَسْلم، عن عَطَاء بن يسار، عن أبي سعيدٍ، عن النبي وَهر.
وهذه متابعة لابن قُريط ، ولكن ابن صُهبان فيه ضعفٌ شديدٌ .
وأمَّا استنباطُ البخاري : أنَّ هذا التكفير لا يُشترط له أن تكونَ الصلاةُ في
جماعة؛ فإنَّه أَخَذَه من قولِه ((بباب أحدكم))، ومن صلَّى في بيته فهو كمن صلَّى
في باب منزله .
ولقائل أن يقول : لو كان الأمر على ذلك لجعل النهرَ في المنزل ، فلمَّا
جعله ببابه دلَّ على أنه خارج من بيته ، ففيه إشارةٌ إلى الصلاة في المساجد ،.
(١) ((العلل)) لابنه (٣٨٣).
(٢) الطبراني في «الكبير» (٣٧/٦) و((الأوسط)) (١٩٨) والبزار (٣٤٤ - كشف).
(٣) (٣٤٥ - كشف) .

٥٥
٦ - بَابُ الصلوات الخمس كفارة للخطايا
کتاب المواقيت
وإن قربتْ من المنازل .
وحديث أبي سعيد صريحٌ في أنَّ النَهَرَ بَيْنَ المنزلِ وبَيْنَ المُعْتَمَلِ ، وهو
المكانُ الذي يَعْمَلُ فيه المرء عمله وينتشر فيه لمصالح اكتسابه ونحو ذلك .
وهذا مما يدلُّ على أنَّ المرادَ بالدرنِ الصغائرُ التي تُصيب الإنسانَ في كسبِهِ
ومعاشِه ومخالطتِهِ للناسِ المخالطة المباحة .

٥٦
حدیث : ٥٢٩ - ٥٣٠
كتاب المواقيت
٧ - بابٌ
في تَضْيعِ الصَّلاةِ عَنْ وَقْتِها
٥٢٩ - حدثنا مُوسَى بْنُ إسماعيلَ: ثنا مَهْدِيٌّ، عَنْ غَيْلاَنَ، عَنْ أَنْس، قَالَ: ما
أَعْرِفُ شَيْئًا مِمَّا كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِهِ . قِيلَ: الصَّلاةُ؟ قَالَ : أَيْسَ ضَيَعْتُمْ
ما ضَيْعتُمْ فیها ؟
٥٣٠ - حدثنا عَمْرُو بْنُ زُوارَةَ: ثنا(١) عَبْدُ الوَاحدِ بْنُ وَاَصلِ أُبُو عُبَيْدَةَ الْحَدَّادُ ،
عَنْ عُثِّمَانَ بْنِ أَبِي رَوَّادِ أخي عَبْدِ العَزِيزِ، قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ: دَخَلْتُ
عَلَى أَنَسِ بِنِ مَالِكِ بِدِمَشْقَ وَهْوَ يَبْكِي، فَقُلْتُ: مَا يُبْكِيكَ؟ فَقَالَ: لاَ أَعْرِفُ شَيْئًا
مِمَّا أَدْرَكْتُ إِلا هَذِ الصَّلاةَ، وَهَذِهِ الصَّلاةُ قَدْ ضَيِّعَتْ.
وَقَالَ بَكْرُ بْنُ خَلَفٍ: حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرِ الْبُرْسَانِيُّ: أبنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي رَوَادِ
نَحْوَهُ .
إنما كان يبكي أنسُ بنُ مالك مِن تضييع الصلاة إضاعة مواقيتها ، وقد جاءَ
ذلك مفسراً عنه، ورَوَى سُليمان بنُ المُغيرة ، عن ثابت ، قال : قال أنسٌ :
ما أَعْرِفُ فِيكُمُ اليومَ شَيْئًا كنتُ أعهدُه على عهد رسولِ اللَّهِ وَه، ليسَ قَوْلَكُمْ:
لاَ إَلَه إِلَّ اللهُ. قلتُ : يَا أَبَا حَمْزَةَ ، الصلاةَ ؟ قال : قد صليتم حين تغرب
الشمس، فكانت تلك صلاةُ رسول اللّهِ وَلَر؟ !.
خَرَّجه الإمام أحمد(٢) .
ورواه حمَّادُ بنُ سَلَمَةَ ، أنَّ ثابتًا أخبرَهَ، قال : قال أنسٌ : ما شيءٌ شهدتُهُ
على عهد رسول اللّه وَله إلا وقد أنكرتُه اليوم، إلا شهادتكم هذه. فقيل: ولا
٠
(١) في ((اليونينية)): ((أخبرنا)).
(٢) (٣ / ٢٧٠) .

٥٧
٧ - بابٌ في تضييع الصلاة عن وقتها
کتاب المواقيت
الصلاة؟ فقال: إنكم تصلون الظهر مع المغرب، أهكذا كان رسولُ اللّه وَله
يصلي ؟!
وهذا استفهامُ إنكارٍ من أنسٍ، يعني: أن هذه لم تكن صلاةَ النبيِّ وَّ.
وخَرَّجَ الإمامُ أحمد (١) من حديث عثمانَ بنِ سعد ، قال : سمعتُ أنسَ بنَ
مالك يقولُ : ما أَعْرِفُ شيئًا ممَّا عهدتُ مَعَ رسولِ اللهِ بَُّل اليوم . قيل له : ولا
الصلاة ؟ قال : أَوليس قد علمتَ ما صَنَعَ الحجاجُ في الصلاة ؟
ويقال: إنَّ الحجاج هو أول من أَخَّرَ الصلاة عن وقتها بالكلية ، فكان يصلِّي
الظهرَ والعصرَ مع غروبِ الشمس، وربما كان يصلِّ الجمعة عند غروبِ الشمس،
فتفوتُ الناسَ صلاةُ العصر ، فكان بعضُ التابعين يُومئ في المسجد الظهر والعصر
خوفًا من الحجّاجِ .
وقد رُوي هذا الحديث عن أنسٍ من وجوه متعددة .
وخَرَّج الإمامُ أحمد والترمذي(٢) من حديث أبي عمران الجَوْني ، عن أنسٍ ،
قال: ما أعرف شيئاً مما كنَّا عليه على عَهْدِ رسولِ اللهِ وَهِ. قلتُ: أينَ الصلاة؟
قال : أَوَ لم تَصْنعوا في صلاتكم ما قد علمتم ؟
وغَيلان - الذي خرَّجه البخاري من طريقه أولاً ، عن أنسٍ - هو: ابنُ جَرِير،
رواه عنه مَهدي بن ميمون .
وعثمان بن أبي رَوَّاد هو أخو عبد العزيز بن أبي رَوَّاد ، يكنى : أبا عبد اللّه.
قال ابن معين : كان ثقة . وقد رَوَى عنه شعبة وغيره ، وقد بَيَّن البخاريُّ أنه
رَوَى عنه هذا الحديث : أبو عبيدة الحداد ومحمد بن بكر البُرْساني .
وبكر بن خلف الذي عَلَّق البخاري عنه الحديث، يقال له : ختن المقرئ ،
(١) (٢٠٨/٣) .
(٢) أحمد (٣/ ١٠٠) والترمذي (٢٤٤٧) .

٥٨
حدیث : ٥٢٩ - ٥٣٠
کتاب المواقيت
يكنى أبا بشر ، ثقة ، رَوَى عنه أبو داود وابنُ ماجه .
ولهم شيخ آخر ، يُقال له : عثمان بن جبلة بن أبي رَوَّاد المروزي والد
عبدان عبد اللّه بن عثمان ، وهو ابن أخي عثمان هذا ، يروي عن شعبة وطبقته ،
ورَوَى عنه عمُّه عثمانُ بنُ أبي رواد ، وهو ثقة - أيضاً - ، وقد خَرَّج البخاريُّ عن
أبيه عبدان ، عنه .

٥٩
٨ - با المصلي يناجي ربه عز وجل
كتاب المواقيت
٨ - بابٌ
المُصَلِّي يُنَاجِي رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ
٥٣١ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: نا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ : قَالَ
النَِّيُّ ◌َهِ: (إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا صَلَّى يُنَاجِي رَبَّهُ، فَلَ يَتْفِلَنَّ عَنْ يَمِيِهِ ، وَلَكِنْ تَحْتَ
قَدَمه الُسْری» .
وَقَالَ سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ : ((لا يَتْفِلُ قُدَّمَهُ أَوْ بَيْنَ يَدَيْهِ . وَلَكنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ
قَدَمه)) .
مے
وَقَالَ شُعْبَةُ : ((لاَ يَبْزُقُ بَيْنَ يَدَيْهِ ، وَلاَ عَنْ يَمِينِه، وَلَكنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ
قَدَمه)) .
سے
وَقَالَ حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ ، عَنْ النَِّّ ◌َ: ((لاَ يَبْزُقْ فِي الْقِبْلَةِ ، وَاَ عَنْ يَمِينِهِ ،
وَلَكِنْ عَنْ شماله(١)، أَوْ تَحْتَ قَدَمه)) .
٥٣٢ - حَدَّثَنَا حَقْصُ بْنُ عُمَرَ : ثنا يَزِيدُ بْنُ إِبْراهِيمَ: ثنا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ ، عَنِ
النَّبِيِّ ◌َِّ، أَنَّهَ قَالَ: ((اعْتَدِلُوا في السُّجُود، وَلاَ يَبْسُطْ أَحَدُكُمْ ذِرَاعَيْهِ كَالكَلْبٍ ، وَإِذَا
بَزَقَ فَلَا يَبْزُقْ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلاَ عَنْ يَمِينِهِ ؛ فَإِنَّه يُنَاجِي رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ).
عامةُ ألفاظ حديث أنس التي عَلَّقَها هاهنا قد خَرَّجها في ((أبواب القبلة والبزاق
في المسجد)) . وخَرَّج هناك مناجاةَ المُصَلِّي لرِّبِّه عزَّ وجلَّ من حديث أبي هريرة ،
ومعناه من حديث ابن عمر ، وذكرنا نحن هناك أحاديث متعددة في هذا المعنى ،
وتكلمنا [على ذلك](٢) بما فيه كفاية .
(١) في ((اليونينية)): ((عن يساره)).
(٢) لحق هكذا استطعنا أن نقرأه ، والموضع المشار إليه في شرح الحديث رقم (٤٠٥)، وقد
ساق هناك أحاديث متعددة في قرب اللّه تعالى من المصلى في حال صلاته .

٦٠
حدیث : ٥٣١ - ٥٣٢
كتاب المواقيت
والنَّجَاءِ : الحديثُ الخفي ، والنِّداء : عكسه .
وإنما خَرَّج البخاريُّ هذه الأحاديث في هذا الباب ليبين بذلك فضل الصلاة ،
وأن المصلى مناجٍ لربه في صلاته ، وإذا كان المصلِّي مناجيًا لربِّه وكان ربه قد
أَوْجَبَ عَلَيْهِ أن يُنَاجيه كلَّ يومٍ وليلة خمسَ مرات في خمسةِ أوقات ، واستدعاه
لمناجاته بدخولِ الوقت والأَذَان فيه ؛ فإن الأَذانَ يُشْرَع في أوَّلِ الوقت ، فأفْضَلُ
المناجين له أسرعُهم إجابةً لداعيه ، وقيامًا إلى مناجاته ، ومبادرة إليها في أوَّل
الوقت .
ولهذا المعنى - والله أعلم - خَرَّجه في ((أبواب مواقيت الصلاة)).
ويُسْتدل لذلك بأنَّ اللّه تعالى لما اسْتَدعى موسى عليه السلام لمناجاته وكلامه
أَسْرَعَ إليه، فقال له ربُّه: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى (٨٣) قَالَ هُمْ أَوْلَاءِ
عَلَىْ أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه: ٨٣، ٨٤] فَدَلَّ عَلَى أنَّ المسارعة إلى
مناجاة اللّه تُوجبُ رِضَاه .
وهذا دليلٌ حسنٌ على فضلِ الصلاةِ في أوَّلِ أوقاتِها . واللّه سبحانه وتعالى
أعلم .