Indexed OCR Text
Pages 661-680
٦٦١ ٩٨ - بَابُ الصلاة إلى الراحلة والبعير والشجر والنخل كتاب الصلاة وقوله : ((يأخذ الرَّحْلِ)): رَحْلُ البعير ، هو : ما على ظهره مما يركب عليه ، والراحلة : هي ما يرتحله الرجل - أي : يركبه في ارتحاله ، بعيرًا كان أو ناقة - : قاله الأزهري وغيره . ومنه: قولُهُ وَلَهُ: ((الناسُ كإبل مائة، ليست فيها راحلة))(١). وقوله : ((فيَعْدِله)) - بفتح الياء ، وكسر الدال . قال الخطابيُ (٢): أي : يُقيمه تلقاء وجههِ . و((آخِرةُ الرَّحْلِ)) - بكسر الخاء - : هي الخشبة التي يَستند إليها الراكبُ على الرَّحْل . وقد سَبَقَ الخلافُ في تقديرها : هل هو ذِراع تام بالذراع الذي يذرع به ، أو ذراع بعظم ذراع الإنسان ، وهو نحو ثلثي ذراع مما يذرع به ؟ ويقال في آخرة الرحل : مؤخرة [الرحل](٣). واختلفوا في ضبطها : فمنهم من ضبطها بضم الميم وسكون الهمزة ، وكسر الخاء المعجمة . وقد حكَاها أبو عبيد ، وأنكرها ابنُ السكيت وغيره . وقال بعضُهم : لا يقال : مؤخر ومُقْدِم - بالكسر - ، إلا في العين خاصة ، وإنما يقال في غيرها بالفتح . وضبطها بعضهم بسكون الهمزة ، وفتح الخاء وتخفيفها . ذكره ثابت في ((دلائله))، وأنكر ذلك ابن قتيبة وغيره . (١) أخرجه أحمد في «مسنده» (٧/٢ - ٤٤ - ٧٠ - ٨٨ - ١٠٩ - ١٢١ - ١٢٢ - ١٢٣ - ١٣٠) ومسلم في «صحيحه» (١٩٢/٧) وغيرهما من حديث ابن عمر مرفوعًا - واللفظ لمسلم - : ((تجدون الناس كابل مائة لا يجد الرجل فيه راحلة)» . (٢) في ((شرح البخاري)) (٤١٨/١). (٣) ليس في ((ق). ٦٦٢ حديث : ٥٠٧ كتاب الصلاة وضبطها الأصيلي في نسخته بالبخاريِّ - فيما حَكَى عنه - بفتح الميم وسكون الواو وكسر الخاء . وضبطها بعضُهم بضم الميم وفتح الهمزة والخاء وتشديدها . ذكره صاحب ((المشارق))، وأنكرها صاحب ((النهاية)). وقال بعضُهم : المحدثون يروونه بتشديد الخاء ، والصواب : آخرة . وقد تبين بهذا الحديث الذي ذَكَرَه البخاريُّ في ((صحيحه)) جوازُ الاستتارِ بالراحلةِ وبالبعيرِ ، سواء كان مرتحلاً أو غير مرتحل ، اللهم إلا أنْ يكون غير المرتحل هائجًا ، فيُخشى من هيجانه إفسادُ الصلاة على من يصلِّي إليه ، كما ذَكَرَه الخطابيُّ . وجوازُ الاستتار برَحْلِ الراحلة . وأمَّا الشجرُ ، فذَكَرَهُ البخاريُّ في تبويبه ، ولم يذكر فيه شيئًا ، وهو مأخوذٌ من الاستتار بالرَّحْل ؛ فإنَّ الرَّحْلَ خشب ، والخشب مأخوذ من الشجر ، فإذا ثَبَتَ جوازُ الاستتار في الصلاة بالخشب دَلَّ على جواز الاستتار بالشجر قبل قَطْعه . ٠٠ وفيه حديثٌ ليس على شرطِ البخاريِّ ، من رواية أبي إسحاق ، عن حَارِثَةَ ابْنِ مُضَرِّبٍ ، عن عليٍّ ، قال: لقد رَأَيْتُنَا ليلةَ بدرٍ، وما فينا إنسان إلا نائمٌ ، إلا رَسُول اللّهِ وَ لّه، فإنَّه كان يصلِّي إلى شجرة، ويدعو حتَّى أَصْبَحَ. خرَّجه الإمام أحمد والنسائي(١). وابن حبان في ((صحيحه))(٢)، وعنده: ((تحت شجرة) . وقد رواه بعضُهم ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث ، عن عليٍّ . (١) أحمد (١٢٥/١ - ١٣٨) والنسائي في ((الكبرى). (٢) (١٢٥٧) . ٦٦٣ ٩٨ - بَابُ الصلاة إلى الراحلة والبعير والشجر والنخل كتاب الصلاة ورواه غيرُه ، عن أبي إسحاق ، عن البَرَاء . والصحيح : عن حارثة ، عن عليٌّ - : قاله الدار قطنيّ . وخرَّج أبو داود(١)، بإسنادٍ فيه نظرٌ، أنَّ النبيَّ ◌َجلَّ نَزَلَ بتبوك إلى نخلة ، فقال : ((هذه قبلتنا))، ثم صلَّى إليها. وقد سَبَقَ حديثُ المقداد، أنه لم يَرَ النبيَّ ◌َ يصلِّي إلى عُودٍ ولا عَمُودٍ ولا شجرة إلا جعله على حاجبه الأيمن أو الأيسر . (١) (٠٧ ٧) . ٦٦٤ حديث : ٥٠٨ كتاب الصلاة ٩٩ - بَابُ الصَّلاَةِ إِلَى السَّریرِ ٥٠٨ - حدثنا عُثِّمانُ بِنُ أَبِي شَيْبَةَ: ثنا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنِ الأَسْوَدَ ، عَنْ عَائِشَةَ، قالتْ: أَعَدَلْتُمُونَا بِالْكَلْبِ وَالْحِمَار؟! لَقَدْ رَأَيْتُنِي مُضْطَجِعَةً عَلَى السَّرِيرِ، فَيَجِيءُ النَِّيُّمِنَّه ◌َيَتَوَسَّطُ السَّرِيرَ فَيُصَلِّي، فَأَكْرَهُ أَنْ أُسْنِحَهُ ، فَأَنْسَلُّ مِن قِبَلِ رِجْلَيِ السَّرِيرِ حَتَّى أَنْسَلَّ مِن لِحَافِي . زَعَمَ الإسماعيليُّ: أنَّ هذا الحديثَ لا دلالةَ فيه على أنَّ النبيَّ نَلَ كَانَ يُصلِّي إلى السَّرير، وإنَّما يدلُّ على أنَّهَ وَّلِ كان يصلِّي على السَّرير . قال : ولكن صلاته إلى السرير موجود في حديث الأعمش ، عن مسلمٍ ، عن مسروقٍ، عن عائشةَ، أنَّ النبيَّ وَّلو كان يصلِّي والسرير بينه وبين القبلة . وحديث الأعمش ، عن مسلمٍ ، عن مسروقٍ ، عن عائشةَ : خرَّجه البخاريُّ فيما بعد(١)، ولفظه: لقد رأيتُ النبيَّ وَجَهَ يصلِّي وإني لَبَيْنَه وبين القبلة ، وأنا مضطجعةٌ على السَّرير . وخرَّجه - أيضًا - من طريقِ الأعمش بهذا الإسنادِ ، وبإسنادٍ آخر ، عن إبراهيمَ، عن الأسود، عن عائشةَ، قالتْ: لقد رأيتُ النبيَّ وَّهِ يصلِّي وَأَنَا على السرير بينه وبين القبلة مضطجعة . وكذا خرَّجه مسلم (٢) من حديث الأعمش بالإسنادين ، ومن طريقٍ جَرير عن منصور ، كما خَرَّجه البخاريُّ في هذا الباب . وهذه الألفاظ كلها ليس فيها تصريحٌ بأنَّه كان يصلِّي تحت السَّرير . (١) (٥١٤) . (٢) (٦٠/٢) . ٦٦٥ ٩٩ - بَابُ الصلاة إلى السرير كتاب الصلاة ولكن خرَّجه الإمام أحمد (١)، عن ابن نُمير ، عن الأعمش ، بالإسنادين معًا. فذَكَرَ الحديثَ - ، وفيه: لقد رأيتُ رسولَ اللَّهِ بَّله يصلِّي مقابل السرير ، وأنا عليه بينه وبين القبلة . وقولُ عائشةَ: ((فأكره أن أُسْنحَه)). قال الخطابي(٣): قولها: ((أُسْنِحه)) من قولك: سَنَح لي الشيءُ، إذا عَرَض، تُريد : أَنِّي أَكْرَه أَنْ أستقبله بَيَدني في صَلاتِه. ومن هذا سَوانِحُ الطَّر والظِّباء ، وهي ما يَعْتَرِض الرَّكْبَ والمسافرين ، فَتَجِيءُ عن مَاسِرهم وتجوزُ إلى مَامِنِهِم (٣). وفي الحديث : دليلٌ على جوازِ أن يصلِّي المصلِّي إلى سُتْرةٍ شاخصةٍ من الأرضِ ، وإنْ كان فوقها إنسانٌ نائمٌ . ونظيرُهُ : الصلاةُ إلى سَرِيرِ الطَّفْلِ وهو فيه . ورَوَى الإمامُ أحمد (٤): ثنا محمد بن بكر : أنا ابن جُريج : أخبرني عطاء ، عن عُرْوَةَ أنَّ عائشةَ أخبرتْه، قالتْ: لقد كانَ النبيُّ بَّهِ يصلِّي وإني لَمُعْتَرِضَةٌ على السَّرِيرِ بَيْنَهُ وبَيْنَ القبلةِ . قلتُ: أبينهما جُدُر المسجد ؟ قالت : لا ، في البيت إلى جُدُرِهِ . وهذا يدلُّ على أنَّ سترتَه كانتْ جدارَ البيت دون السَّرير ، ولعل السَّرير لم يكن مرتفعًا شاخصًا عن الأرضِ كمُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ . ويدل على هذا: أن النبيّ وَّ﴿ كان أحيانًا إذا سَجَدَ يغمزُها برجله(٥)، ولو كان السَّريرُ مرتفعًا عن الأرض قدرْ ذراعٍ أو قريب منه لم يتمكن من ذلك . (١) (٦/ ٢٣٠) . (٢) في ((شرح البخاري)) (٤١٩/١). (٣) في الأصل مقلوب خطأ ، وعلى الصواب في المصدر المذكور . (٤) (٦ / ٠٠ ٢) . (٥) كذا في الأصل، والصواب: ((في رجلها)). والله أعلم. وقد تقدم الحديث برقم (٥١٩). ٦٦٦ ١٠٠ - بابٌ يرد المصلي على من مر بين يديه كتاب الصلاة ١٠٠ - بَابٌ يَرُدُّ المُصَلِّي مَنْ مَرَّبَيْنَ يَدَيَّهِ وَرَدَّابْنُ عُمَرَ فِي النَّشَهُّدِ وَفِي الْكَعْبَةِ، وَقَالَ: إِنْ أَبَّى إِلَّ أَنْ يُقَاتِلَهُ قَاتَلَهُ. ردُّ ابنِ عُمَرَ في الكعبة قد ذكرناه في ((باب: السَّرة بمكةَ وغيرِها)). وأمَّا رَدُّ في التشهد، فقال أبو نعيم(١): ثنا فطر بن خليفة ، عن عمرو بن دينار ، قال : مررتُ بابن عُمر بعد ما جلس في آخر صلاته حتى أنظر ما يَصنع ، فارتفع من مكانه فدَفَعَ في صَدْري . قال : وثنا جعفر بن بُرقان، عن عَمْرو بن دينار ، قال : أردتُ أنْ أمرَّ بين يدي ابنِ عمر وهو يصلّي ، فانتهرني بتسبيحةٍ . قال : وثنا بَشير بن مُهاجر ، قال : رأيتُ أَنَسَ بنَ مالك وهو جالسٌ في صلاتِهِ لم ينصرف ، فجاء رجلٌ يريدُ أن يمرَّ بينه وبين السارية ، فأَمَاطه . ورَوَىَ ابنُ عُيينة ، عن عَمْرو بن دينار ، قال : انصرفَ الإمامُ من العصر ، فقمتُ أبادرُ مجلسَ عُبيد بن عُمير ، فمررتُ بين يدي ابنِ عُمَرَ وأنا لا أشعر ، فقال : سبحان الله، سبحان الله - مرتين - ، وجثا على ركبتيه ، ومدَّ يديه حتَّى رَدَّني . وأمَّا قولُ ابنِ عُمَرَ : ((إنْ أَبَى إلاَّ أنْ تُقَاتله فَقَاتله)). فقد خرَّجه عَبْدُ الرزاق في ((كتاب)(٢) عن عُبيد الله بن عمر ، عن نافعٍ ، عن ابنِ عُمَرَ ، قال : لا تدع أحدًا يمرَّ بَيْنَ يَدَيَكَ وأنتَ تصلِّي ، فإنْ أبى إلا أن تُقَاتله فَقَاتله . وقد رُوي عن ابنِ عُمَرَ مرفوعًا من رواية الضَّحّاكِ بْنِ عُثْمانَ ، عن صَدَقَةَ بنِ (١) وراجع: ((التغليق)) (٢٤٧/٢ - ٢٤٨). (٢) (٢/ ٢٠) وعنده: ((عبد الله)) بدل ((عبيد الله)). وانظر: ((التغليق)) (٢٤٨/٢). ٦٦٧ ١٠٠ - بَابٌ يرد المصلي من مر بين يديه كتاب الصلاة يَسارِ، عن عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ قال: ((إِذَا كَانَ أحدُكُمْ يُصَلِّي فَلاَ يَدَعْ أحدًا يَمُرُّبِين بَدَيْهِ ، فإنْ أَبَى فليُقَاتِلُهُ؛ فإنَّ مَعَهُ الْقَرِينَ). خرّجه مسلم(١). وفي رواية أخرى لابن ماجه (٢): ((فإنّ معه العُزَّى)). وروى النَّضْرُ بنُ كثيرٍ أبو سهل السَّعدي ، عن سعيد بن أبي عَرُوبَة ، عن قتادَةَ ، عن نافعٍ ، عن ابنِ عُمَرَ ، عن النبيِ نََّ، قال: ((إذا كنتَ تُصَلِّي فمرَّ بين يَدَيَكَ أحدٌ ، فَرُدَّه، فإنْ أَبَى فَرُدَّه، فإنْ أَبَى فقَاتله؛ فإنّه شيطانٌ)) . خرَّجه الدار قطني في ((المُخْتلف والمُؤْتلف)) . وقال في النَّضْر هذا : فيه نظرٌ . وكذا قال أبو حاتم الرازيّ : شيخ فيه نظر . وكذا قال البخاريّ : فيه نظر . وقال في موضع آخر : عنده مناكير . وخرَّجه الطبراني في «الأوسط))(٣)، وقال: تفرد به النَّضرُ بنُ كثيرٍ . ولفظه : ((فإنْ عَادَ الرابعةَ فَقَاتِلُهُ)). وخرَّجه البزَّارُ ، وقال : لا نعلمُ أسندَ قتادة عن نافعٍ ، عن ابنِ عمر إلاَّ هذا، ولا رواه عن سعيد إلا النضر ، وهو بصري مشهورٌ لا بأسَ به . وزَعَمَ ابنُ حِبَّن : أنَّه يروي الموضوعات عن الثقات . فالله أعلم . قال البخاريّ - رحمه الله - : ٥٠٩ - حَدَّثْنَا أَبُو مَعْمَرِ: ثنا عَبّدُ الْوَارِثِ: ثنا يُونُسُ، عَنْ حُمَيْدِ بنِ هِلاَلٍ، عَن أَبِي صَالِحٍ، أَنَّأَبَا سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ النَِّيُّ ◌َ . (١) (٥٨/٢) . (٢) (٩٥٥) . (٣) (٦٠٥٠) . ٦٦٨ حديث : ٥٠٩ كتاب الصلاة وَحَدَّثَنَا آدَمُّ: ثنا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغيرَةِ: ثنا حُمَّيْدُ بْنُ هلَاَلِ الْعَدَويُّ: ثنا أَبُو صَالح السَّمَّانُ، قَالَ : رَأَيْتُ أَبَا سَعِيدِ الْخُدْرِيَّ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ يُصَلِّي إِلَى شَيءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ، فَأَرَادَ شَابٌ مِنْ بَنِي أَبِي مُعَيْطٍ أَنْ يَجْثَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ ، فَدَفَعَ أَبُو سَعِيدٍ في صَدْرِهِ، فَنَظَرَ الشَّابُّ فَلَمْ يَجِدْ مَسَاءًا إلا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَعَادَ لِيَجْثَازَ، فَدَفَعَهُ أَبُو سَعِيدٍ أَشَدَّ مِنَ الأُولَى، فَنَالَ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ، ثُمَّدَخَلَ عَلَى مَرْوَانَ، فَشَكَا إِلَيْهِ مَا لَقِيَ مِن أبي سعيد، وَدَخَلَ أُبُو سَعيد خَلْفَهُ عَلَى مَرْوَانَ ، فَقَالَ : مَالَكَ وَلَابْنِ أَخِيكَ يَا أَبَا سَعِيدٍ؟ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌َيَقُولُ: "إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى شَيءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ ، فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيَدْفَعُهُ ، فَإِنْ أَبَّى فَلْيُقَاتِلُه ؛ فإنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ)). سُليمانُ بنُ المُغيرة ، لم يخرِّج له البخاريُّ إلا هذا الحديث متابعةً لحديث يُونسَ بنِ عُبيد، وإنَّما خرَّجه بعد إسنادٍ حديث يونس ؛ لما فيه من الزيادة في إسنادِهِ ومَتِهِ . أما في إسنادِهِ ، ففيه : التصريحُ بسماعٍ حُمَيَدٍ له من أبي صَالِحٍ ، وسماعِ أبي صالح له من أبي سعيد . وأمَّا في المتن ، فإنَّ فيه : ذكرُ الصلاة إلى السُّتْرة ، وليس هو في حديثٍ يونس . وكذلك رَوَاهِ سَلِيمُ بنُ حَيَانَ ، عن حُميد ، ولم يقل - أيضًا -: ((إِذَاَ صلَّى أحدُكم إلى شيءٍ يَسْتُرُهُ من النَّاسِ» . وحينئذٍ ؛ فلفظ الحديث الذي ساقه البخاريُّ لسُليمانَ بنِ المغيرة ، وحَمَلَ حديثَ يونس عليه ، ولم يُنَبِّه على ما في حديث سُليمان من الزيادة . وقد نبّه على ذلك الإسماعيليُّ . ٦٦٩ ١٠٠ - بَابٌ يرد المصلي من مر بين يديه كتاب الصلاة وكذلك رَوَى مَالِكٌ، عن زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بن أبي سَعيدٍ الخُدْرِي، عن أبيه، أنَّ رسولَ الله وَّ قال: ((إذا كَانَ أحدُّكُمْ يُصَلِّي فَلا يَدَعْ أَحَدَّا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلَيَدْرَاهُ مَا اسْتَطَاعَ، فَإِنْ أَبِى فَلَيُقَاتِلُهُ؛ فإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ) . خرَّجه مسلمٌ ( . وقد رُوي هذا الحديثُ عن أبي سعيدٍ من روايةٍ عَطاء بن يَسَار وأبي الوَدَّاك . ورُوي - أيضًا - من رواية عطاء بن يسار ، عنه (٢). وليس في حديثِ أحدٍ منهم ذِكْرُ الصلاة إلى السُّتْرة ، وإنَّما تفرد بذكرِها سليمان بن المُغيرة في حديثه عن حُمَيَد بنِ هِلالٍ . والله أعلم . وتَبَعه على ذِكْرِها : ابنُ عَجْلاَنَ ، عن زَيْدِ بنِ أَسْلم ، عن عَبْدِ الرحمن بن أبي سعيد ، عن أبيه . وقد خرَّج حديثه أبو داود وابن ماجه(٣). وليس ابنُ عَجْلان بذاك الحافظ . وتابعه - أيضاً - : داودُ بنُ قَيس ، عن زَيْد بن أَسْلم . خَرّج حديثَه عَبْدُ الرزاق (٤)، عنه ، بسياق مطوَّل ، وفيه : أنَّ أَبَا سَعيدٍ دَفَعَ الفَتَى حتَّى صَرَعَهُ ، وأنه لما سألَه مروان عن ذلك قال : ما فعلتُ ، إنَّما دفعتُ شيطانًا، ثم قال: سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ وَلَه يقول: ((إذا أراد أنْ يَمرَّ بين يديك (١) (٢ / ٥٧) . (٢) حديث عطاء بن يسار عند النسائى (٨/ ٦١). وحديث أبي الوداك عند أبي داود (٧١٩) (٧٢٠) . وكذا وقع ذكر عطاء بن يسار مكرراً بالأصل ، والظاهر أن الصواب في الموضع الثاني: ((عطاء ابن يزيد)»؛ فإنه قد روى عنه هذا الحديث - أيضًا - ، أخرجه أبو داود (٦٩٩). (٣) أبو داود (٦٩٨) وابن ماجه (٩٥٤). (٤) (٢ / ٢٠ - ٢١) . ٦٧٠ حديث : ٥٠٩ كتاب الصلاة وبين سترتك أحدٌ فاردده، فإن أَبَّى فاردده، فإنْ أَبَى فقاتله ؛ فإنَّما هو شيطانٌ)) . وخرَّج الإمامُ أحمد (١) عن عَبْدِ الرزاق المَرْفُوعِ منه خاصَّةً . وخرَّج(٢) من حديث زُهير ، عن زَيْد بن أَسْلم الحديث بنحوِ رِواية مالك ، من غيرِ ذِكْرِ سُتْرة . وخرَّج مسلم(٣) حديثَ سُليمان بنِ المُغيرة: عن شَيْبَان بنِ فَرُّونَ ، عنه ، وفي سياقِهِ أَشْيَاء مخالفةٌ لسياقِ البخاريِّ . منها : أنَّ أَبَا سعيدِ دَفَعَ في نَحرِ الشابِّ مرتين ، وقال في الثانية : فمَثَلَ قَائِمًا، فَالَ مِنْ أبي سَعيدٍ، ثُمَّ زَحَمَ النَّاسَ، فَخَرَجَ فَدَخَلَ عَلَى مَرْوانَ . وَفِيه : أنَّ رسولَ اللَّهِ بِ ◌ّهِ قال: ((فَلْيَدْفَعْ فِي نَحْرِهِ» . وفيما فَعَلَه أبو سعيدٍ : دليلٌ على دَفعِ المارِّ بَيْنَ المصلِّي وبين سترتِهِ ، وإنْ ازدحمَ النَّاسُ ، ولم يجد المارُّ سبيلاً سوى ذلك. ويدلُّ عليه - أيضًا - : قولُ النَّبِيِّنَّةِ: (لَوْ يَعْلَمُ المارُّبَيْنَ يَدَي الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ لَكَانَ أَنْ يَقْفَ أَرْبَعِينَ خَيْرَاً لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَ))(٤). فإِنَّه يدلُّ على أنَّ وقوفَه أربعين ينتظر مَسْلَكًا يُباح له المرورُ فيه خيرٌ له من المرورِ بين يَدَيِ المُصَلِّي ، وإنْ لم يجد طريقًا غيرَه . وقد قال بعضُ الشافعية والمالكية وبعضُ أصحابنا : لا يُكْرِه المرورُ حينئذ ، ولا يُمنع منه . قال أصحابنا : لكن يضع المارُّ شيئًا يمرُّ من وَرَائِه، أو يَخُطُّ خَطًا إذا لم يجد . (١) (٩٣/٣) . (٢) (٤٩/٣). (٣) (٥٧/٢ - ٥٨). (٤) البخاري (٥١٠) ومسلم (٥٨/٢). ٦٧١ ١٠٠ - بَابٌ يرد المصلي من مر بين يديه كتاب الصلاة وكلامُ أحمد وأكثرِ أصحابِنا ليس فيه شيءٌ من هذا ، وكذا كلامُ أكثرِ أصحابِ الشافعي ، والرجوعُ إلى ما فَهِمَهَ الصحابيُّ مِن الحديث الذي رَوَاه وعَمِلَ به مستدلاً به أَوْلَى . وقولُ النَّبِيِّنَّ: ((إذا كان أحدُكُم يُصلِّي فلا يَدَعْ أَحَدًا يمرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَيَدْرَاهُ مَا اسْتَطَاعَ))، أَمْرٌ بِدِفْعِ المارِّ، ونهيٌ عن تمكينه من المرور، وظاهرُه الوجوبُ. وقد وَقَعَ في كلامِ ابنِ عَبْدِ البرِّ ما يقتضيه، وأنَّه لا يعلم فيه خِلافًا، ووَفَع في كلامه - أيضًا - ما يَقْتَضِي أَنَّه على الندبِ دونَ الوجوبِ ، وهو قول كثيرٍ مِن أصحابِنا والشافعية وغيرِهم . ورُوي عن سُفيان الثوريِّ، أَنَّه كَانَ أَحْيانًا لا يمنعُ المارَّ بين يديه إذا كان فَقِيرًا ، ويمنعه إذا كان جَبَّارًا . ورَوَى أبو نُعيم : ثنا سُفيان، عن داود ، عن الشَّعبي، قال : إذا مَرَّ الرجلُ بين يَدَيْكَ وأنت تصلِّي فلا تردَّه . ولعله أراد إذا مرَّ وذَهَبَ من بين يديه إلى الناحية الأخرى ، فإنَّه لا يردّه منْ حيث جاء ، فإنه يَصيرُ مُرورًا ثانيًا . وهذا قولُ الجمهور ، وخَالَف فيه بعضُ السلف ، منهم : ابنُ مسعود وسالم . وفي كلامِ بعضِ المالكية ما يَقْتَضي وجوب الدفع ، إذا كان للمارِّ مندوحة عنه وكان المصلِّي قد تعرض لذلك في ابتداءِ صَلاَتِه . وسيأتي مزيدُ بَيَانِ لذلك في البابِ الآتي - إنْ شاء الله . وفي روايةِ سُليمانِ بنِ المغيرة المخرَّجة في ((الصحيحين)): ((إذَا كَانَ أحدُكُمْ يُصَلِّي إلى شيءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ، فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَمُرَّ بين يديه، فَلْيَدْفَعْهُ)): دليلٌ مِنْ قِبَلِ مفهومِ الشرطِ على أنَّ مَنْ صلَّى إلى غيرِ سُتْرةٍ فلا يردُّ مَنْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ ، ٦٧٢ حديث : ٥٠٩ كتاب الصلاة وهو قولُ ابنِ المنذر وبعضِ أصحابِنا . وأمَّا أكثرُ أصحابنا فعندهم : أنَّ رَدَّ المصلِّي لا يختصُّ بمَنْ كان يصلِّي إلى سُتْرةٍ ، بل يشترك فيه مَنْ صلَّى إلى سُتْرة ومَنْ صلَّى إلى غيرِ سُتْرةٍ ومرَّ بقربه مار واستدلوا بعُمُومِ الأحاديثِ التي لَمْ يُذكر فيها هذا الشرطُ ، وجَعَلُوا هذه الروايةَ المذكور(١) فيها الشرط من بابِ تخصيصِ بعضِ أفرادِ العموم بالذكرِ ، فلا يَقْتَضِي تخصيصه ، إلا أنْ يكونَ له مفهوم ، فيبني على أنَّه : هل يُخص العمومُ بالمفهوم ، أَمْ لا ؟ وأمَّا الشافعية، فَقَالُوا : يَحْرُمُ المرورُ بين يدي المصلِّي إلى سُتْرة وبين سترتِهِ، على الصحيح عندهم ، ومن صلَّى إلى غيرِ سترةٍ كُرِهَ المرورُ بين يديه ، ولم يَحْرُم . وهل يدفعه المصلِّي ؟ لهم فيه وجهان : أصحهما عندهم : لا يدفعه ؛ لمفهوم قوله : ((إذا كان أحدُكم يصلِّي إلى سَتْرة)). وقولُهُ وَّه: ((فليدفعه))، وفي رواية مسلم: «فليدفع في نَحْرِه))، وفي روايته : أنَّ أبا سعيد دَفَعَ في نَحْرِ المارِّ بَيْنَ يَدَيْهِ ، وفي رواية البخاريِّ : أنه دَفَعَ في صدره . وقد كان ابنُ عمر وغيرُهُ من الصحابةِ يدفعون المارَّ بين أيديهم . ونَقَلَ أبو طالب ، عن أحمد ، وذَكَرَ حديث أبي سعيد هذا ، فقال أحمد : يمنعه ، فإنْ أبى عليه فهو في صلاته يَدْرَأُ عن نفسِهِ ما استطاع . وقال إسحاق بن إبراهيم بن هانئ (٢): رأيتُ أبا عبد الله - يعني: أحمد - إذا (١) وهي في مسلم (٢/ ٥٧ - ٥٨) - أيضاً - . في ((ق)): ((وجعلوا الرواية المذكورة .. )). وفى ((ك)): ((مذكور)). (٢) في ((مسائله)) (٦٦/١). ٦٧٣ ١٠٠ - بابٌ يرد المصلي من مر بين يديه كتاب الصلاة صلَّى فمرَّ بين يديه أحدٌ دَفَعَهُ دَفْعًا رفيقًا، فإنْ أَبي إلا أن(١) يمرَّ دَفَعَه دَفْعًا شديدًا. وقال أبو الحارث : أخبرني بعضُ أصحابِنا ، أنه رأى أحمد يومَ الجمعة يصلِّي في مسجدِ الجامع ، فمرَّ بين يديه رَجُلٌ فردَّه ، فأبى أنْ يرجعَ ، فدَفَعَهُ حتی رمی به . وقال في رواية حنبل : إذا أراد أن يمر بين يَدَيْكَ رجلٌ فامنعه ما قدرت . وقد دَلَّ فِعْلُ أبي سعيد على أنَّ المارَّ إذا أَبَى أنْ يرجعَ بالدفعِ الأول فإنه يُدفع في المرة الثانية أشد من الدفع الأول ، وكذلك فَعَلَه الإمامُ أحمد . وأمَّا قوله : ((فإنْ أَبَّى فليقاتله)) ، إذن في قتاله في المرة الثانية . وفي رواية ابن عمر : أنَّ القتالَ في الرابعة ، لكن في إسنادها ضعفٌ كما سَبَقَ . وقال أصحابُ الشافعي : يدفعه دفعَ الصائِل بالأَسْهل فالأَسْهل ، ويزيد بحسب الحاجة ، وإن أدَّى إلى قتله فمات [منه](٢) فلا ضمانَ فيه كالصائلِ. وحَكَى القاضي أبو يعلى ومَنْ تابعه من أصحابنا عن أحمد في قتالِه روايتين: إحداهما : يقاتله ، وذَكَرُوا نصوصَ أحمد السابقة . والثانية : لا يفعل ؛ فإنه قال في رواية إسماعيل بن سعيد الشالنجي: يَدْرَأُ ما استطاع ، وأكره القتالَ في الصلاةِ . ذَكَرَهُ عنه الجوزجاني في ((كتابه المترجم)» ، وخالف في ذلك ، وقال : بل يقاتله ؛ للأمر بقتاله ؛ فإنه شيطانٌ لا حُرْمَةً له . وقال ابنُ عَبْدِ البر في ((التمهيد)) (٣) في قوله: ((فليقاتله)): المرادُ بالمقاتلة : (١) في الأصول : ((فإن أبى أن يمر)) خطأ والتصويب من مصدره. (٢) من ((ق)). (٣) (١٨٩/٤). ٦٧٤ حديث : ٥٠٩ كتاب الصلاة المدافعةُ، وأظنَّه كلامًا خَرَجَ على التغليظِ، ولكلِّ شيء حَدٌّ . قال : وأَجْمَعُوا على أنَّه لا يقاتله بسيف ولا بخاطفةٍ ولا يبلغ معه مبلغًا تَفْسد به صلاتُه . وحكَى عن أشهب ، أنه قال : يردّه بإشارة ، ولا يمشي إليه ؛ لأن مشيه إليه أشد من مرورِه بين يَدَيْهِ ، فإنْ فَعَلَ لم تبطل صلاتُه إذا لم يكن عَمَلاً كثيراً . قال ابنُ عَبْدِ البر : وقد بلغني أنَّ عُمَرَ بنَ عبدِ العزيز - في أكبر ظني - ضَمَّنْ رجلاً دَفَعَ آخرِ مَرَّ بين يديه وهو يصلِّي ، فَكَسَرَ أنفَه دية ما جَنَى على أنفه ، فدَلَّ على أنَّه لم يكن له أن يبلغَ به ذلك . وقد كَانَ الثوريُّ يدفع المار بين يديه دَفْعًا عنيفًا . وذَكَرَ القاضي أبو يعلى مِن أصحابنا : أنَّ أبا بكر أحمد بنَ سلمان النجَّاد رَوَى بإسنادِهِ عن مَالِكِ ، أَنَّه بَلَغَه أنَّ رجلاً في زمانٍ عثمانَ مَرَّ بين يَدَيْ رجلٍ وهو يُصلِّي ، فرماه فشجَّه، فأتوا عثمانَ ، فقال : أيمر بين يدي وأنا أصلِّي ؟ فقال عثمانُ : الذي صنعتَ أعظم . وقال ابنُ عبد البر : في ((الاسْتذكار)). فإنْ دَافَعَهُ مدافعة لا يقصد بها قَتْلَه فكان فيها تلفُ نفسه كانت عليه ديتُه كاملةً في ماله . وقد قيل : الديةُ على عاقلته . وقيل : هي هَدْرٌ على حسب ثنية العاضِّ . قال : وهذا كله يدل عَلَى نفي القَوَد ؛ لأنه فِعْلٌ تولد مِنْ عملٍ أصلُه مباحٌ . قال : وقد كان أبو سعيد الخدريُّ يشتدُّ في هذا - وهو راوي الحديث - طلبًا لاستعمال ظاهرِهِ . ثم ذكر عن ابن أبي شيبة(١)، أنه رَوَى عن أبي معاوية، عن عاصم ، عن ابنِ. سيرين ، قال : كان أبو سعيد قائمًا يصلِّي، فجاءه عَبْدُ الرحمن بنُ الحارث بن هشام يمر بين يديه، فمنعه، فأَبَى إلا أنْ يمضي، فدَفَعَه أبو سعيد وطَرَحَه، فقيل (١) وهو في ((مصنفه)) (١/ ٢٥٣). ٦٧٥ ١٠٠ - بَابٌ يرد المصلي من مر بين يديه كتاب الصلاة له : تصنعُ هذا بعبدِ الرحمن ؟ فقال : واللهِ لو أبى إلا أنْ آخذ بشعرِهِ لأخذتُ . قال : وذَكَرَ عبد الرزاق(١)، عن الثوريِّ، عن عاصم ، عن محمد بن سِيرين، عن أبي العَالِية ، عن أبي سعيد الخُدْري ، قال : مَرَّ رجلٌ مِن بني مَرْوان بين يديَّ في الصلاة ، فدفعتُهُ ثلاثَ مراتٍ ، فشكاني إلى مَرْوان ، فذَكَرَ ذلك لي، فقلتُ : لو أَبَى لأخذتُ بِشَعْرِهِ . قال عبدُ الرزاق : وأنا ابنُ جُريج ، قال : سمعتُ سليمان بن موسى يُحدِّث، عن عطاء، قال : أراد داودُ بن مروان أن يمرَّ بين يَدَيْ أبي سعيد الخُدْري، وهو يُصلِّي، وعليه حُلَّةً له ، ومَرْوان أميرٌ بالمدينة ، فردّه ، فكأنه أَبَى، فلهزه في صدره ، فذَهَبَ الفتى إلى أبيه ، فأخبره ، فدعا مروان أبا سعيد ، فَذَكَرَ ذلك له، فقال: نَعَمْ؛ قال النبيِّ وََّ: ((اردده، فإنْ أَبَى فجاهده)). ورَوَى أبو نعيم في ((كتاب الصلاة)): ثنا عبد الله بن عامر، عن زيد بن أسلم، قال : بينما أبو سعيد يصلِّي في المسجد ، فأَقْبَلَ الوليدُ بنُ عقبة بن أبي مُعَيْط ، فأراد أن يمر بين يَدَيْهِ ، فَدَرَأَهُ، فأبى إلا أنْ يمرَّ، فدَفَعَه ولَطَمَه ، وقال : سمعتُ رسولَ الله ◌َّهِ يقول: ((إنْ أَبَى إلا أنْ يمر فاردده، فإنْ أَبَى إلا أنْ يمرَّ فادفعه ؛ فإنَّما تدفعُ الشيطانَ) . عبد الله بن عامر الأسلمي فيه ضعف . وزيد بن أَسْلم ، إنما رواه عن عبد الرحمن بن أبي سعيد ، عن أبيه ، كما تقدم. وتسمية المارِّ الوليد بن عقبة غريبٌ غيرُ محفوظ . ورَوَى ابنُ أبي شيبة (٢): ثنا أبو أسامة ، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر ، قال : سمعتُ عبد الحميد بن عبد الرحمن - عامل عمر بن عبد العزيز - ، ومرّ (١) وهو في ((مصنفه)) (٢١/٢ - ٢٢). (٢) (٢٥٣/١) . ٦٧٦ حديث : ٥٠٩ كتاب الصلاة بین یدیہ رجل وهو یصلّي ، فجبذه حتی کاد یخرق ثيابه . وإسناده(١)، عن سعيد بن جُبير، أنه سُئِل : أَدَعُ أحدًا يمر بين يديَّ ؟ قال: لا . فقيل له : فإن أبى ؟ قال : فما تصنع ؟ قيل له : إنَّ ابنَ عُمَرَ كان لا يَدَعُ أحدًا يمر بين يديه . قال : إنْ ذهبتَ تصنعُ صنيعَ ابنِ عُمَرَ دَقَّ أنفَكَ . وفي هذا إشارةٌ إلى شدةٍ ردِّ ابنِ عُمَرَ مَنْ مَرَّ بين يديه ، وأنَّ غيرَه لا يتمكن من مثلٍ ذلك . وقولُهُ وَّهِ: ((فإنَّما هو شيطان)) . تعليلٌ للإِذْنِ في قِتَالِهِ. وقد اختلف في معناه : فقيل : المعنى : أنَ مَعَهُ الشيطانُ المقترن به ، وهو يأمره بذلك وهو اختيارُ أبي حاتم (٢) وغيره . ويدل عليه : حديثُ ابنِ عمر : ((فإِنَّ مَعَهَ القَرِينَ) . وقيل : المرادُ : أنَّ فِعْلَه هذا فعل الشيطان ، فهو بذلك من شياطين الإنس، وهو اختيارُ الجوزجاني وغيرِهِ . ورَوَى الدَرَاوَرَدِيُّ ، عن صفوان بن سليم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد ، أنه كان يصلّي ومر بين يَدَيْهِ ابنٌ لمرْوَان ، فضَرَبَه ، فقال مروان : ضربتَ ابنَ أَخِيكَ؟ فقَالَ: ما ضربتُ إلا شيطانًا؛ سمعتُ رسولَ الله وَهـ يقول: ((إنْ أبى فردَّه، فإنْ أَبَى فقَاتِله؛ فإنَّما هو شيطانٌ)) . وبكل حال ؛ فيُستدل به على تحريمِ المرورِ بين المصلِّي وسترتِه ؛ لأنَّه جَعَلَه مِنْ عمل الشياطين ، وأَمَرَ بالعقوبة عليه ، وذلك من أدلةِ التحريم . (١) السابق والموضع نفسه. (٢) في ((ك)) و ((هـ): ((ابن أبي حاتم)). ٦٧٧ ١٠١ - بَابُ إثم المار بين يدي المصلي كتاب الصلاة ١٠١ - بَابُ إِثْمِ المَارِّبَيْنَ بَدَيِ المُصَلِّي ٥١٠ - حَدَّثْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: أبنا مَالِكٌ، عَنْ أبي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ ◌ُبِّدِ اللَّهِ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، أَنَّ زَيِّدَ بْنَ خَالِدِ أَرْسَلَهُ إِلَى أَبِي جُهَيْمٍ يَسْأَلُهُ: مَاذَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِوَ فِي المَارِّ بَيْنَ يَدَي المُصَلِّي؟ فَقَالَ أَبُو جُهَيْمٍ : قَالَ رَسُولُ اللَِّ نَّهِ: (لَوْ يَعْلَمُ المَارُّ بَيْنَ يَدَي الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ(١) لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْه)). قَالَ أَبُو النَّضْرِ: لاَ أَدْرِي: قَالَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، أَوْ شَهْرًا، أَوْ سَنَةٌ ؟ وخرَّجه مسلم(٢) عن يَحْيِى بن يَحْيِى ، عن مَلِكِ. وخرَّجه - أيضًا - من طريق وكيع ، عن سفيان - هو : الثوريّ - ، عن سالم ءُ أبي النضر - بمعنى حديث مالك . ورواه ابن عيينة ، عن سالم أبي النَّضْر ، عن بُسْر بن سَعيد ، قال : أرسلني أبو الجُهَيم، أسأل زَيْدَ بن خالد الجهني: مَا سَمِعْتَ من النَّبِيِّ وَلَِّ يقول - فذَكَرَه من رواية زَيْد بن خالد، عن النبي ◌َّر. كذا روِّيناه في ((مسند الحميدي))(٣)، عن سفيان. وكذا خَرَّجه ابنُ ماجه(٤)، عن هشام بن عمَّار، عن ابنِ عُيينة، إلا أنَّه قال: ((أرسلوني إلى زيد بن خالد أسأله)) - ولم يذكر مَنْ أرسله. (١) ألحق في هامش ((ق)) زيادة: ((من الإثم)) عن بعض نسخ البخاري ، وسيأتي الكلام عليها. (٢) (٥٨/٢) وهو في ((الموطإِ)) (ص ١١٤). (٣) (٨١٧) . (٤) (٩٤٤) . ٦٧٨ حديث : ٥١٠ كتاب الصلاة وذكر أن الشك في تمييز الأربعين من ابنِ عُيينة . وهذا كلُّه وهمٌ . وممَّن نَصَّ على أنَّ جَعْلَ الحديث من مسند زَيْد بن خالد، عن النَّبِيِّ ◌ََِّ وهم من ابن عُبينة ، وخطأ : ابنُ مَعِين في رواية ابنِ أبي خيثمة ، وأَشَارَ إليه الإمامُ أحمد في رواية حنبل . وقد اضطرب ابنُ عُبينة في لفظه وإسنادِه ، ولم يحفظه جيدًا . وقد رُوي عنه كقول مالك وسفيان (١) على الصواب . خرَّجِه ابنُ خزيمة(٢)، عن علي بن خَشْرَم ، عنه . ومن تكلف الجمعَ بين القولين من المتأخرين ، فقوله ليس بشيءٍ ، ولم يأتِ بأمرٍ يُقُبل منه . وأبو الجُهيم ، هو : ابن الحارث بن الصِّمَّة ، وقد سَبَقَ له حديثٌ في ((التيمم)) . وقد رواه الضحاك بن عُثمان ، عن سَالم أبي النضر ، عن بُسر بن سعيد ، عن زَيد بن خالد، قال: قال رسول الله وَّهِ: ((لو يعلمُ المارَّ بين يَدَي المُصلِّي والمصلِّي ما عليهما)) - وذَكَرَ الحديث . خرَّجه أبو العبّاس السَّرَّاج في ((مسنده). وهذا يوافق رواية ابن عيينة ، وهو - أيضًا - وهم . وزيادته : ((والمصلِّي)) غير محفوظة - أيضًا . وقد وَقَعَ في بعضِ نسخٍ كتاب البخاري ، ومسلم - أيضًا - بعدَ: ((ماذا عليه)): ((مِن الإِثم)) ، وهي غيرُ محفوظة . (١) يعني : الثوري . وقد تقدم حديثه . (٢) (٨١٣) . ٦٧٩ ١٠١ - بَابُ إثم المار بين يدي المصلي كتاب الصلاة وذَكَرَ ابنُ عبد البر: أنَّ هذه اللفظة في رواية الثوري ، عن سالم أبي النضر. وقد وقعتْ في كتابِ ابنِ أبِي شَيبة(١) من رواية الثوري مدرجة بلفظة : (يعني: من الإِثم))، فدَلَّ على أنَّها مدرجةٌ من قولِ بعضِ الرواة ، وتفسيرٌ للمعنى؛ فإنَّ هذا يُفهم من قوله : ((ماذا عليه))، فإنَّ ابنَ آدم له عملُهُ الصالحُ وعليه عملُهُ السَّءُ، كما قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فعليها﴾ [فصلت: ٤٦]. وقال: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكتسبت﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وإذا كَانَ هذا عليه فهو مِنْ سَيئاته. وفي المعنى أحاديث أُخر ، ليست على شرطِ البخاريِّ : فَرَوَى عُبيد الله بن عبد الرحمن(٢) بن مَوَهَب ، عن عمِّه، عن أبي هريرة ، عن النبيِّ بََّ، قال: (لَوْ يعلمُ أحدُكُمْ مَا لَه أن يَمْشي بين يدي أخيه معترضًا وهو يناجي ربّه، كان لأن يقف في ذلك المكان مائة عام أحبَّ إليه أن يخطوَ)) . خَرَّجه أحمد(٣)، وهذا لفظُه . وخرَّجه ابنُ خُزيمة وابنُ حِبَّن في ((صحيحيهما)(٤) بمعناه . وخرَّجه ابن ماجه(٥)، ولم يذكر: ((وهو يناجي ربه))، وعنده : ((معترضًا في الصلاة)) . وعُبيد الله بنُ عبد الله بن مَوْهب (٦)، ضعَّفْه يَحْيَى، وقال النسائيُّ: ليس (١) (١/ ٢٥٣) . (٢) في هامش ((ق)): ((لعله: عبد الله)). قلت : كلا ، فإن عبيد الله بن عبد الله بن موهب هو عمُّ هذا الذي يروي عنه هنا . (٣) (٣٧١/٢). (٤) ابن خزيمة (٨١٤) وابن حبان (٢٣٦٥) . (٥) (٩٤٦) . (٦) كذا بالأصول ، وأظن الصواب: ((عبيد الله بن عبد الرحمن))؛ فهذه الأقوال قيلت فيه ، وليس في عمِّه، إلا أن يكون نسبه إلى جده ((عبد الله))، وهذا موهم . ٦٨٠ حديث : ٥١٠ كتاب الصلاة بذاك القويّ . وقال ابنُ عَدِي هو حسنُ الحدیث یکتب حديثه . وخرَّج الطبراني(١) من رواية ابنِ أخي ابن وهب ، عن عمِّه : ثنا عَبْدُ الله بن عيَّاش، عن أبي رَزِين الغافقي، عن عَبْدِ الله بن عَمْرو، عن النَّبِيِّ وَِّ، قال: ((الذي يمر بين يدي الرجلِ وهو يصلِّ عَمْدًا، يتمنى يومَ القيامة أنَّه شجرةٌ يابسة)). إسنادُه ليس بقوي . وقد رُوي موقوفًا ، بلفظِ آخر ، من رواية أبي عبد الرحمن المقري : ثنا موسى بن أيوب ، قال : سمعتُ أَبَا عِمران الغَافِقِي يقول : سمعتُ عَبْدَ الله بن عَمْرو يقول : لأنْ يكون الرجلُ رَمَادًا يُذرى به خيرٌ له من أنْ يمرَّ بين يَدَيْ رَجُلٍ متعمدًا وهو يُصلِّي . خرَّجه ابنُ عَبْدِ البر وغيرُه . ورَوَىَ ابنُ أبي شيبة(٢)، عن أبي أُسامة ، عن عَبْدِ الرحمن بن يزيد بن جابر، قال : سمعتُ عَبْدَ الحميد بن عَبْدِ الرحمن - عاملَ عُمَرَ بنِ عَبْدِ العزيز - يقول : قال رَسُولِ اللهِ وَلِّ: (لَوْ يَعْلَمُ المارَّبَيْنَ يَدَي المُصَلِّي لأحبَّ أن تنكسرَ فخذُه ولا یمر بین یدیه» . هذا مرسلٌ . وأبو أُسامة ، قد قيل : إنه كان يَرْوِي عن عبد الرحمن بن يزيد بن تميم الشامي ، ويسميه : ابن جابر ، وابن تميم ضعيف ، وابن جابر ثقة . وذَكَرَ مَالِكٌ في ((الموطٍ))(٣) عن زَيْد بن أَسْلم، عن عطاءِ بنِ يَسار ، عن كَعْبِ الأَحْبَارِ، قال: لَوْ يَعْلَمُ المارُّ بَيْنَ يَدَيِ المُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ لكَانَ أنْ يُخْسَفَ (١) في ((الأوسط)) (١٩٢٨). (٢) (٢٥٣/١). (٣) (ص ١١٤) .