Indexed OCR Text

Pages 641-660

٦٤١
٩٤ - بَابُ السترة بمكة وغيرها
كتاب الصلاة
المصلي من غير كراهة في ذلك ، وهو قول طاوس وعطاء وأحمد ، نص عليه
في رواية ابن الحكم وغيره .
وكان محمد بن الحنفية يصلي بمسجد مِنَّى ، والناس يمرون بين يديه ، فجاء
فَتَّى من أهله ، فجلس بين يديه .
وروى ابن جريج ، عن ابن أبي عمار ، قال : رأيت ابن الزبير طاف بالبيت،
ثم جاء فصلَّى ، والطُّوَّاف بينه وبين القبلة .
قال : تمر بين يديه المرأةُ فينتظرها حتَّى تمر ، ثم يضع جبهته في موضع
قدميها .
واستدل الإمامُ أحمد بحديث المطلب بن أبي وداعة :
وقد خرّجه الإمامُ أحمد والنسائي وابن ماجه(١) من رواية ابن جريج ، عن
كثير بن كثير، عن أبيه ، عن المطلب بن أبي وداعة، قال: رأيت النبي وَّ إذا
فَرَغَ من سَبْعِهِ(٢) جاء حتى يحاذي بالركن ، فيصلي ركعتين في حاشية المطاف ،
وليس بَيْنَه وبين الطُّوُّف أحدٌ .
وخرَّجه الإمامُ أحمد - أيضًا - ، عن ابن عُبينة ، قال : حدثني كثير بن كثير
ابن أبي وداعة، سمع بعض أهله يحدث، عن جده، أنه رأى النبي وَّ يُصلي
مما يلي باب بني سهم ، والناس يمرّون بين يديه ، ليس بينهم سُتْرة .
قال ابنُ عُيينة : وكان ابن جريج أخبرنا عنه ، فقال : ثنا كثير ، عن أبيه ،
فسألته(٣)، فقال : ليس من أبي سمعتُه ، ولكن من بعض أهلي ، عن جدي ، أن
النبي ◌َّ صلى مما يلي باب بني سَهْم، ليس بينه وبين الطُّوَّاف سترة.
وخرَّجه أبو داود(٤) عن الإمام أحمد .
(١) أحمد (٣٩٩/٦) والنسائي (٦٧/٢) وابن ماجه (٢٩٥٨).
(٢) في ((هـ)) و((ك)): ((سعيه)).
(٣) في ((ق)): ((فسأله)).
(٤) (٢٠١٦) .

٦٤٢
حديث : ٥٠١
كتاب الصلاة
وقد تبين برواية ابن عيينة هذه أنها أصح من رواية ابن جريج ، ولكن يصير
في إسنادها من لا يُعرف .
وقد رواه غيرُ واحدٍ عن كثير بن كثير كما رواه عنه ابن جُريج .
وصلاة النبي بَلّ بالأبطح إلى العَنَزَة لا يعارض حديث المطلب؛ لأن حديث
المطلب دلَّ على جواز الصلاة بمكة إلى غير سُتْرة ، وحديث أبي جُحيفة دلَّ على
جوازِ الصلاة بمكةَ إلى سُتْرة .
وقد نصَّ أحمد على أنَّ مكة مخصوصةٌ من بين البلدان بذلك ومن أصحابنا
من قال : إنَّ حُكْمَ الحرم كله كذلك ، ولو قيل : إنَّ الصلاةَ إلى غير سُتْرة
مختص بالمسجد الحرام وحده دون بقاع مكة والحرم لكان جمعًا بين الحديثين
متوجهًا ، وكلام القاضي أبي يعلى في كتابه ((الجامع الكبير)) يدل عليه ، وصرّح
به غيره من أصحابنا .
وحَمَلَ الشافعي حديث المطلب بن أبي وداعة على أنَّ الأمرَ بالصلاة إلى
السُّرة على الاستحبابِ دُونَ الوجوبِ ، كما حَمَلَ عليه حديثَ ابن عباس في
صلاة النبي ◌َّهِ بِمِنَّى إلى غيرِ جدار .
وحديثُ أبي جُحيفة قد يُوهم أن النبيَّ بَّهِ صلى بالهاجرة الظهر والعصر ،
فجمع بينهما في أول وقتهما وهو مقيم بمكة ، ولم يَسْتدل به أحد - فيما نعلم -
على الجمع بين الصلاتين .
وقد جاء في رواية للإمام أحمد(١): ((فصلى الظهر أو العصر)) - بالشك.
ولكن رواية من قال : ((بالهاجرة)) يدل على أنه صلى الظهر بغير شكٍّ.
وقد خرَّجه مسلم(٢)، ولفظه : فتقدم ، فصلى الظهر ركعتين ، يمر بين يديه
(١) (٣٠٩/٤ ) .
(٢) (٥٦/٢) .
١

٦٤٣
٩٤ - بَابُ السترة بمكة وغيرها
كتاب الصلاة
الحمار والكلب لا يمنع ، ثم صلَّى العصر ركعتين ، ثم لم يزل يصلي ركعتين
حتَّى رجع إلى المدينة .
وهذا يدل على أنه إنما صلى العصر في وقتها .
وقد رواه حجَّاج بين أرطاة ، عن عون بن أبي جُحيفة ، عن أبيه ، وقال
فيه - بعد ذكر صلاة الظهر - ثم حضرت العصر ، فقام بلال فأذَّن ، فصلَّى بنا
رسول اللّه ◌َّل ركعتين.
خرَّجه من طريقه ابنُ سعد .
وهو صريح في أنه لم يجمع بين الصلاتين .
وحجَّاج بن أرطاة ، وإنْ كان متكلما فيه ، إلاَّ أنه فقيه يفهم معنى الكلام ،
فيُرجَعُ إلى زيادته على من ليس له مثلُ فهمه في الفقه والمعاني .

٦٤٤
حديث : ٥٠٢
كتاب الصلاة
٩٥ ۔باب
و
الصَّلاة إلى الأُسْطُوَنَةِ(١)
وقال عُمَرُ : الْمُصَلُّونَ أَحقُّ بِالسَّوَارِي مِنَ المتحدِّثِينَ إليها .
ورأى ابن عمرَ (٢) رجُلاً يُصلِّي بِينَ أُسْطُوانتَيْنِ، فأدناهْ إِلى سَارِيةٍ، فَقَالَ : صّلِّ
إليها .
خرَّج فیه حدیثین :
الحديث الأول :
٥٠٢ - ثنا الْمَكِّيُّ: ثنا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، قَالَ: كُنْتُ آَتِي مَعَ سَلَمَةَ بْنِ الأَْوَعِ،
فَيُصَلِّي عندَ الأُسْطُوانَةِ الَّتِي عِنْدَ المُصْحَفِ ، فَقُلْتَ: يَا أَبَا مُسْلِمٍ، أَراكَ تَتَحَرَّى
الصَّلَاةَ عِنْدَ هذِهِ الأُسْطُوانَةِ؟ قالَ: فَإِنِّي رأيتُ النبيَّفَ يَتَحَرَّى الصَّلاةَ عِنْدَها .
هذا - أيضًا - من ثلاثيات البخاري .
والأسطوانة : السارية .
وهذه الأُسْطُوانة الظاهر أنَّها من أُسْطُوان المسجد القديم الذي يسمى الروضة،
وفي الروضة أسطوانتان ، كل منهما يقال: إن النبي ونَ﴿ كان يصلِّي إليها:
الأسطوانة المخلقة ، وتعرف بأسطوانة المهاجرين ؛ لأنَّ أكابرهم كانوا
يجلسون إليها ويصلون عندها ، وتسمى : أسطوان عائشة .
ويقال: إن النبيّ وَجُلّ صلى إليها المكتوبة بعد تحويل القبلة بضع عشرة يومًا،
ثم تقدم إلى مصلاه اليوم .
وهي الأسطوانة الثالثة من المنبر ، والثالثة من القبلة ، والثالثة من القبر
(١) في الأصل بالصاد ، في هذا الموضع وما بعده ، وأثبتناه بالسين على الجادة .
(٢) في إحدى نسخ البخاري: ((عمر)).

٦٤٥
٩٥ - بَابُ الصلاة إلى الأسطوانة
كتاب الصلاة
الشريف ، وهي متوسطة في الروضة .
وأسطوانة التوبة ، وهي التي رَبَطَ فيها أبو لبابة نفسَه حتَّى تَابَ اللَّهُ عليه .
وقد قيل: إنَّ رسولَ اللّهِ وَّيِ كان إذا اعتكف في رمضان طُرح له فراشُهُ،
ووضع سريره وراءها .
وقد رُوي عن عُمَرَ مولى غُفْرة ومحمد بن كعب، أنَّ أكثرَ نوافل النبي وَل
كانت عندها .
وهي الأسطوانة الثانية من القبر الشريف ، والثالثة من القبلة ، والرابعة من
المنبر .
وفي الحديث: دليلٌ على أنَّه لا بأسَ أن يَلزمَ المصلِّي مكانًا معينًا من المسجد
يصلِّي فيه تطوّعا .
وقد وَرَدَ في رواية التصريح بأنَّ هذه الصلاة كانت تطوعًا .
خرَّجه ابنُ ماجه (١)، ولفظ حديثه: أنَّ سَلَمَةَ كان يأتي إلى سبحة الضُّحى
فيعمد إلى الأسطوانة دون المصحف(٣)، فيصلي قريبًا منها ، فأقول له: ألا تصلِّي
هاهنا، وأشيرُ إلى بعضِ نواحي المسجدِ، فيقول: إني رأيت رسولَ اللّه وَه
يتحرى هذا المقام .
وقوله : ((قريبًا منها)) قد يحمل على أنَّه كان ينحرفُ عنها في صلاته ، ولا
يستقبلها استقبالاً .
وخرّج البزار(٣)، من رواية يزيد بن أبي زياد ، عن مجاهد ، عن عبد الرحمن
ابن صفوان، قال: لما خَرَج النبيُّ وَِّ من البيت سألتُ مَنْ كان معه : أين
(١) (١٤٣٠) .
(٢) كتب فوقها في ((ق)): ((الصف))، وضبَّب، وفي ((ك)) و((هـ)): ((الصف)) قولاً واحدًا. وفي
ابن ماجه : ((المصحف)).
(٣) (١١٦٣) .

٦٤٦
حديث : ٥٠٢
كتاب الصلاة
صلَّى رسولُ اللّهِ وَّهِ؟ قالوا : صلى ركعتين عند السارية الوسطى ، عن يمينها.
ويزيد بن أبي زياد ليس بالحافظ .
ورَوَى عبد العزيز بن أبي رَوَّاد ، عن نافع ، عن ابنِ عمر ، سَأَلَ بلالاً : أين
صلَّى النبيُّ وَّ ـ يعني: في الكعبة - ؟ قال : فأشار له بلال إلى السارية الثانية
عند الباب . قال : صلَّى عن يمينها ، تقدم عنها شيئًا .
وعبد العزيز - أيضًا - ليس بالحافظ .
وقد صَرَّح أصحابنا وأصحابُ الشافعي وغيرُهم بأنه يُستحب لمن صلَّى إلى
سترةٍ منصوبةٍ أن ينحرفَ عنها ولا يستقبلها .
وصرَّح بذلك من أصحابنا : أبو بكر عبد العزيز وابن بطة والقاضي أبو يعلى
وأصحابه .
وأخذوه من نَصِّ الإمامِ أحمد على أنَّ الإمامَ يقومُ عن يمين طاقِ المحراب .
وكذا قال النخعي .
واستدلوا بما رَوَى علي بن عيَّاش ، عن الوليد بن كامل ، عن المهلَّب بن
حُجْر البهراني ، عن ضباعة بنت المقداد بن الأسود ، عن أبيها : ما رأيتُ
رسولَ اللَّهِ وَلَهَ يصلي إلى عودٍ ولا إلى عَمُودٍ ولا إلى شجرةٍ إلا جعله على
حاجبه الأيمن أو الأيسر ، ولا يَصْمُد له صمْدًا .
خرَّجِه الإمامُ أحمد وأبو داود(١).
وخرَّجه الإمام أحمد - أيضًا من رواية بقيّة بن الوليد ، عن الوليد بن كامل ،
عن حُجْر - أو ابن حُجْر - بن المهلَّب، عن ضبيعة بِنْتِ المقداد(٢) بن مَعْدِيكَرِبَ،
عن أبيها ، أن النبيَّ وَِّ كان إذا صلَّى إلى عَمُودِ أَوْ خَشَبَةٍ أَوْ شِبْهِ ذلك لا يَجْعَلُه
(١) أحمد (٤/٦) وأبو داود (٦٩٣).
(٢) في ((المسند)): ((المقدام)) لكن في ((ق)) علامته التصحيح عليها، وما سيأتي يبينه .
١

٦٤٧
٩٥ - بَابُ الصلاة إلى الأسطوانة
كتاب الصلاة
نُصْبَ عَيْنَيْهِ، ولكنْ يَجْعَلُهُ عَلَى حَاجِبِهِ الأَيْسِ .
ولعلَّ هذه الرواية أشبه : وكلام ابنٍ معين وأبي حاتم الرازي يشهد له .
والشاميون كانوا يسمون المقدام بن معديكرب : المقدادَ ، ولا ينسبونه -
أحيانًا ، فيظنّ من سمعه غير منسوب أنه ابن الأسود ، وإنما هو ابنُ مَعْدِيكَرِبَ
وقد وقع هذا الاختلاف لهم في غير حديث من رواياتهم .
والمهلَّب بن حُجْر شيخ ليس بالمشهور .
والوليد ، قال أبو حاتم : هو شيخ . وقال البخاريّ : عنده عجائب .
قال القرطبيُّ : لعلّ هذا كان أول الإسلام ؛ لقربِ العهدِ بإلف عبادة الحجارة
والأصنام ، حتَّى تظهر المخالفةُ في استقبال السترة لما كانوا عليه من استقبالهم
تلك المعبودات . انتهى .
وقد كَرِهَ مالك أنْ يصلي إلى حَجر في الطريق ، فأمَّا إلى حجارة كثيرة فجائز.
ذَكَرَه في ((تهذيب المدونة)) .
د
وقد وَرَدَ النهي عن أن يوطن الرجل له مكانًا في المسجد يصلي فيه : من
رواية تميم بن محمود، عن عبد الرحمن بن شبل، قال: نَهَى رسولُ اللَّه وَلـ
عن نَقْرة الغراب ، وافتراش السَّع ، وأن يوطن الرجلُ المكان الذي (١) في
المسجد كما يوطن البعير .
خرَّجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه (٢).
وفي إسناده اختلاف كثير .
وتميم بن محمود ، قال البخاري : في حديثه نظر .
وقد حَمَلَ أصحابُنا حديثَ النهي على الصلاة المفروضة ، وحديثَ الرخصة
(١) من ((هـ)) و((ك)).
(٢) أحمد (٤٢٨/٣) وأبو داود (٨٦٢) والنسائي (٢١٤/٢) وابن ماجه (١٤٢٩).

٦٤٨
حديث : ٥٠٣
كتاب الصلاة
على الصلاة النافلة .
وكان للإمام أحمد مكانٌ يقوم فيه في الصلاة المكتوبة خلف الإمامِ ، فتأخّر
يومًا فنحاه الناس وتركوه ، فجاءَ بعد ذلك فقَامَ في طرف الصف ولم يقم فيه ،
وقال : قد جَاءَ أنه يُكره أنْ يوطن الرجلُ مكانَه .
الحديث الثاني :
٥٠٣ - حدثنا قَبِيصَةُ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بنٍ عامِرٍ ، عن أَنَسِ ، قَالَ : لَقَدْ
أَدْرَكْتُ كِبَارَ أَصْحَابٍ محمد ◌َِّ يَبْتَدِرُونَ السَّوَارِيَ عِنْدَ الْمَغْرِبِ .
وزَادَ شُعْبَةُ، عن عَمْرِو، عَنْ أَنَسٍ: حَتَّى يَخْرُجَ النَِّّ ◌َ.
رواية شعبة قد أسندها البخاريُّ في ((كتاب الأذان))(١).
وخرَّج مسلمٌ (٢) من روايةٍ عَبْدِ العزيز بن صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ ، قال: كُنَّا
بالمدينة ، فإذا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ لِصَلاةِ الْمَغْرِبِ ابْتَدِرُوا السَّواري ، فركعوا ركعتين ،
حتَّى إِنَّ الرَّجُلَ الغريبَ لَيَدْخُلُ المسجدَ فَيَحْسِبُ أنَّ الصَّلاةَ قَدْ صُلِيتْ مِنْ كَثْرَةٍ مَن
يُصَلِّيهما .
فهذا الحديث: يدل على أنَّ عادةَ أصحابِ النبيِّ وََّ في زمنه كان التنفلُ إلى
السواري قبل الصلاة المكتوبة وبعدها ، بخلاف الصلاة المكتوبة ، فإنهم كانوا
يصلونها صفوفًا صفوفًا، ولا يعتبرون لها سُتْرَةً، بل يكتفون بسُتّرة إمامِهم .
ورَوَى وكيع ، عن هِشام بن الغازِ ، عن نافعٍ ، قال : كان ابنُ عمر إذا لم
يجد سبيلاً إلى سارية من سواري المسجد قال لي : اجلسْ وَوَلِّ ظهرك .

٦٤٩
٩٦ - بَابُ الصلاة بين السواري في غير جماعة
كتاب الصلاة
٩٦ - بَابُ
الصَّلَاةِ بِينَ السَّوَارِي في غيرِ جَماعةٍ
٥٠٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسماعيلَ: ثنا جُوَيِّيَةُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ:
دَخَلَ النبيُِّ﴿ِ البَيْتَ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيّدٍ وَعُثْمَانُ بِنُ طَلِحَةَ وَبِلَالٌ، فَأَطالَ ثُمَّ خَرَجَ،
فَكُنْتُ أَوَّلَ النَّاسِ دَخَلَ عَلَى أَثَرِهِ، فَسَأَلْتُ بِلالاً: أَيْنَ صَلَّى؟ فَقَالَ : بين العَمُودَيْنِ
المُقَدَّمَيْنِ .
٥٠٥ _ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّه بنُ يُوسُفَ: أبنا مَالكُ بنُ أَنَس، عن نَافع ، عن ابن عمر،
أنَّ رَسُولَ اللَّهِوَ لَ دَخَلَ الكَعْبَةَ وأُسَامَةُ بنُ زَيْدٍ وبلالٌ وَعُثْمَانُ بنُ طَلْحَةَ الحَجَبِيّ،
فَأَغْلَقَهَا عَلَيْهِ، وَمَكَثَ فيها، فَسَأَلْتُ بِلالاً حينَ خَرَجَ: مَا صَنَعَ رسولُ اللَّه ◌ِ؟
قَالَ: جَعَلَ عَمُودًا عَن يَساره ، وعَمُودًا عن يمينه ، وثلاثةَ أَعْمَدَةَ وَرَاءَهُ - وَكَانَ
البيتُ يَوْمَئِذٍ عَلَى سِنَّةِ أَعْمِدَةٍ -، ثُمَّ صَلَّى.
وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ : حَدَّثَنِي مَالِكٌ، فَقَالَ : عَمُودَيْنِ عَنْ يَمِيِنِهِ .
قد دَلَّ هذان الحديثان على أنَّ البيتَ الحرامَ كان فيه ستةُ أعمدة حين دَخَلَه
النبيِّ بَّ، وكانت الأعمدةُ صَفَّين، في كل صفِّ ثلاثةُ أعمدة، فَجَعَلَ النبيّ
وَّ الأعمدةَ الثلاثةَ التي تلي باب البيت خلف ظهرِه ، وتقدم إلى الأعمدة
المتقدمة ، فصلَّى بين عمودين منها .
وفي رواية مَالِكِ التي ذَكَرَها البخاريُّ - تعليقًا - : أنَّه جَعَلَ عمودين عن
يمينه ، وعمودًا عن يَسَارِه .
وقد خرَّجها مسلم(١) عن يَحْيَى بن يَحْيَى ، عن مَالِكِ.
وهذا يدل على أنَّه كان إلى جهةِ الركن اليماني أقرب منه من جهة الحجر .
(١) (٤ / ٩٥) .

٦٥٠
حديث : ٥٠٤ - ٥٠٥
كتاب الصلاة
ويشهد لذلك - أيضًا -: رواية سالم، عن أبيه ، أنَّه سَأَلَ بلالاً: هل صلَّى
فيه رسولُ اللّه ◌َله؟ فقال: نَعَم، بين العمودين اليمانيين.
وقد خَرَّجها البخاريُّ في ((الحج))(١) .
والمراد باليمانيين : ما يلي جهة الركن اليماني .
ويدل عليه - أيضًا - : حديثُ مُجَاهد، عن ابنِ عُمَرَ، أَنَّه سَأَلَ بلالاً :
أصَّلَى النبيُّ مَّل في الكعبة؟ قال : نعم، بين الساريتين اللتين على يساره إذا
دَخَلَ .
وقد خَرَّجه البخاريُّ في ((أبواب استقبال القبلة))(٢)، وقد مَضَى.
وقد رَوَى عَبْدُ العزيز بن أبي رَوَّاد، قال: حدثني نافعٌ ، أنَّ ابنَ عُمَرَ سَأَلَ
بلالاً: أين صلَّى رسولُ اللّهِ وَ لِّ؟ فأشار له بلالٌ إلى الساريةِ الثانيةِ عند الباب،
قال : صلَّى عن يمينها ، تقدم عنها شيئًا .
خرَّجِه الأزرقي .
وقوله : ((السارية الثانية عند الباب))، كأنه يريد السارية الثانية مما يلي الباب؛
فإنَّ البابَ يليه سارية من الصفِّ المؤخَّرِ ، ثم يليها سارية ثانية من الصف
المقدَّمِ ، وهي السارية الوسطى من ذلك الصفِّ .
وقوله: ((صلَّى عن يمينها)) يوهم أنَّه جَعَلَها عن يسارِهِ حتَّى يكون مصليًا عن(٣)
يمينها ، وعلى هذا التقدير، فيكون قد جَعَل عمودًا عن يمينه وعمودَينِ عن يَسَارِه.
وهذا يخالف رواية مالك المتقدمة، وتلك الرواية مع ما عضدها وشَهِدَ لها
أصحّ من رواية ابن أبي روّاد، ويزيد بن أبي زياد التي ذكرناها في الباب الماضي.
(١) (١٥٩٨) .
(٢) (٣٩٧) .
(٤) في ((ق)): ((على)).
1

٦٥١
٩٦ - بَابُ الصلاة بين السواري في غير جماعة
كتاب الصلاة
وقوله في رواية ابن أبي رواد: ((تقدم عنها شيئًا)) يدل على أنَّه صلَّى متقدمًا
عنها إلى مُقَدم البيت، وسيأتي في الباب الذي يلي هذا أنَّه وَّ جَعَلَ بينه وبين
الجدار نحوَ ثلاثة أذرع .
وقد رَوَى الأعمشُ ، عن عُمارَةَ بن عمير ، عن أبي الشَّعثاء - وهو : سُليم
المحاربي - ، قال : خرجتُ حاجًا ، فجئتُ حتَّى دَخَلْت البيت ، فلما كنتُ بين
الساريتين مضيتُ حتَّى لزقت بالحائط ، فجاءَ ابنُ عُمَرَ فصلَّى إلى جنبي، فلمَّا
صلَّى قلتُ له: أينَ صلَّى رسولُ اللّهِ بَ لهَ مِن البيت؟ قال : أخبرني أُسامةُ بنُ
زَيْدٍ، أَنَّه صلِّى هَاهُنَا .
خَرَّجه الإمامُ أحمد وابنُ حِبَّان في ((صحيحه)(١).
وفيه : دليل على أنه صلَّى متقدمًا على الساريتين ، وإنْ لم يكن جعلهما
خلف ظهره ، كما جَعَلَ الأعمدةَ الثلاثةَ المتأخرة التي تلي باب البيت ، فإنَّه
جعلها وراء ظهره في صلاته .
ومقصودُ البخاريِّ بهذا الباب: أنْ مَن صلَّى بين ساريتين منفردًا، كمَنْ
يصلّي تطوعًا؛ فإنَّه لا يُكْرَه له ذلك كما فَعَلَه النبيُّ بَّ في الكعبة ، وكان ابن
عمر يفعله .
وكذا لو صلى جماعةً ، وكان إمامَهم ، ووقف(٢) بين الساريتين وَحْدَه ، وقد
فعل ذلك سعيد بن جُبير وسويد بن غَفَلة .
ورخَّص فيه سفيانُ للإمامِ وكَرِهَه للمأمومين .
وإنما يُكره ذلك ؛ لصفٍّ تقطعه السواري ، فلو صلَّى اثنان أو ثلاثة جماعةً
بين ساريتين لم يُكره - أيضًا - ، هذا قولُ أصحابنا وأصحابِ الشافعي وغيرِهم من
العلماء .
(١) أحمد (٢٠٤/٥ - ٢٠٧) وابن حبان (٣٢٠٥).
(٢) في ((ق)): ووقف .

٦٥٢
حديث : ٥٠٤ _ ٥٠٥
كتاب الصلاة
وعلى مثل ذلك حَمَلُوا ما وَرَدَ مِن النهي عنه - مرفوعًا ، وموقوفًا .
فالمرفوعُ؛ رُوي من حديث سفيانَ ، عن يَحْيَى بن هَانِئْ بن عُرْوة المُرَادِي،
عن عَبْدِ الحميد بنِ محمود ، قال: صَلَّينا خلفَ أميرٍ من الأُمراءِ ، فاضْطَرَّنَا
النَّاسُ فصلينا بين السََّرِيَتَيْنِ ، فلما صلينا قال أنسُ بنُ مَالِكٍ: كنّا نتَّقي هذا على
عَهْد رسول اللّه لَه .
خرَّجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وابنُ خُزيمة وابنُ حِبَّان في
((صحيحيهما)) والحاكم(١)، وقال : صحيح .
وقال الترمذي : حديثٌ حسنٌ .
وعَبْدُ الحميد هذا ابنُ محمود المَعْوَلَي البصري ، رَوَى عنه جماعةٌ ، وقال
أبو حاتم : هو شيخ .
ويَحْيَى بن هانئ المرادي ، كوفي ثقة مشهور .
ورَوَى هارون بن مسلم أبو مسلم ، عن قتادة ، عن معاوية بن قُرة ، عن
أبيه، قال: كنا نُنْهى أن نُصَفَّ بين السواري على عَهْدِ رسولِ اللَّهِ وَ لَه ونُطرد
عنها طردًا .
خَرَّجه ابنُ ماجه وابنُ خُزيمة وابنُ حِبّان في (صحيحيهما)) والحاكم(٢)
وصححه .
وقال ابنُ المديني: إسنادُه ليس بالصافي . قال: وأبو مسلم هذا(٣)
مجهول .
وكذا قال أبو حاتم : هو مجهول .
(١) أحمد (١٣١/٣) وأبو داود (٦٧٣) والنسائي (٩٤/٢) والترمذي (٢٢٩) وابن خزيمة (١٥٦٨)
وابن حبان (٢٢١٨) والحاكم (١/ ٢١٠ - ٢١٨).
(٢) ابن ماجه (١٠٠٢) وابن خزيمة (١٥٦٧) وابن حبان (٢٢١٩) والحاكم (٢١٨/١).
(٣) في ((ق)): ((هو)).

٦٥٣
٩٦ - بَابُ الصلاة بين السواري في غير جماعة
كتاب الصلاة
وليس هو بصاحب الحنَّاءِ ؛ فإنَّ ذاك معروف ، وقد فرّق بينهما مسلمٌ في
كتاب ((الكنى)) وأبو حاتم الرازي .
وفيه : عن ابن عباس - مرفوعًا - ، ولا يثبت .
قال ابنُ المنذر : لا أعلمُ في هذا خبرًا يثبت .
وقد رُوي النهي عنه ، عن حُذيفة وابن مسعود وابن عباس ، وهو قولُ
النخعي ، وحكاه الترمذي عن أحمدَ وإسحاق .
وقد نصَّ أحمد على كراهة الصلاة بين الأساطين مطلقًا من غير تفصيلٍ - :
نَقَلَه عنه جماعةٌ ، منهم : أبو طالب وابنُ القاسم ، وسوَّى في روايته بين
الجمعة وغيرِها .
ونَقَلَ عنه حَرْبٌ: يُكره ذلك، قلَّوا أو كثروا ، وإن كانوا عَشَرَةً .
وصرَّح أبو بكر عَبْدُ العزيز بن جعفر في ((كتاب الشافي)) بكراهةٍ قيام الإمام
بين السواري .
وأمَّا القاضي أبو يعلى وأصحابُه، فقالوا : إنَّما يُكره ذلك لصفٍّ تقطعُهُ
السواري ، وحَمَلُوا كلامَ أحمد على ذلك .
ويشهد له : ما نَقَلَه ابنُ منصور، عن أحمد ، وقد سَأَلَه : هل يقومُ الإمامُ
بين السَّريتين، يَؤُمُّ القَومَ؟ قال: إنَّما يُكره للصفِّ ، إذا كان يَستتر بشيءٍ فلا
بَأْسَ .
قال إسحاقُ بنُ راهويه كما قال .
وكذا نَقَلَ حَرْبٌ ، عن إسحاق ، أنه يُكره ذلك للصفةِّ ، ولا يُكره لمن
صلَّى وحدَه .
ورخَّص فيه ابنُ سيرين وأبو حنيفة ومالكٌ وابنُ المنذر .

٦٥٤
حديث : ٥٠٤ _ ٥٠٥
كتاب الصلاة
وفي ((تهذيب المدونة)) للمالكية : لا بأسَ بالصلاة بين الأساطين لضيقٍ
المسجد .
وقد رُوي عن حُذيفة ، أنَّه كَرِهه لقطع الصفوف - أيضًا .
قال أبو نُعيم : ثنا زُفَرُ - هو : ابنُ عبد الله، عن حُصَين بن عَبْد الرحمن ،
عن هلال بن يَسَاف ، قال: كان حذيفةُ يَكْره أن نقوم(١) بين الأُسْطُوانتين لتقطع
الصفوف .
ومِنْ أهلِ الحديث من حَمَلَ الكراهةَ على مَنْ صلَّى وحدَه مع الجماعةِ بيز
السواري ، لأنه يصير فذًا، بخلافٍ مَنْ صلَّى مع غيرِهِ .
وهذا بعيدٌ جداً ، ولا فَرقَ في هذا بَيْنَ ما بين السواري وغيرِها .
م د.
(١) في ((ك)) و((هـ)): ((يكره الصلاة .. )).

٦٥٥
٩٧ - بَابٌ
كتاب الصلاة
٩٧ - بابٌ
٥٠٦ - حَدَّثَنَا إِبراهيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ: ثنا أبو ضَمْرَةَ: ثنامُوسَى بْنُ عُقْبَةٍ، عَنْ نَافِعٍ،
أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ كانَ إِذَا دَخَلَ الْكَعْبَةَ مَشَى قِبَلَ وَجْهِهِ حِينَ يَدْخُلُ ، وَجَعَلَ البابَ قِبَلَ
ظَهْرِه ، فَمَشى حتَّى يَكُونَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الجدار الذي قَبَلَ وَجْهِهِ قَرِيبًا مِنْ ثَلاثَةِ أَذْرُع
صَّى، يَتَوَخَّى المَكَانَ الَّذِي أَخْبَرَهُ بِهِ بِلالٌ أَنَّالنَِّيَّ ◌َّهِ صَلَّى فيه .
قالَ : وَلَيْسَ عَلى أَحَدِنا بأسٌ أَن يصلِّي في أَيِّ نَواحِي البيتِ شَاءَ .
هذا الحديثُ: ممَّا يدلُّ على أنَّ النبيَّ نَّهِ صلَّى في الكعبة تلقاءَ وجهه لمَّاً
دَخَل ، وجَعَل البابَ وراءَ ظهرِه .
وقد خرَّج مسلمٌ (١) من حديث أيوب ، عن نافعٍ ، عن ابنٍ عُمَرَ ، أنَّه سَأَلَ
بلالاً: أين صلَّى النبيُّ نََّ؟ قَالَ: بين العمودين ، تلقاءَ وجهِهِ .
وفي هذا الحديثِ : زيادة : أنَّه صلَّى إلى الجدارِ الذي تلقاءَ وجهه حتَّى كان
بينه وبينه قريب من ثلاثةِ أذرعٍ .
وقد رُوي في حديث مَالِكِ ، عن نافعٍ ، عن ابنِ عُمَرَ ، عن بِلالٍ هذه
الزيادة - أيضًا - ، وأنه صلَّى وبينه وبين القبلة ثلاثة أذرع .
وقد خرَّجها أبو داود(٢) من روايةِ ابنِ مهدي ، عن مَالِكِ.
وقال جماعةٌ ، عن مالك ، فيه : ((نحو من ثلاثة أذرع)).
وقد خرَّجه النسائي(٣) كذلك من رواية ابن القاسم ، عن مالك .
وقد رَوَى حمَّدُ بنُ سَلَمَةَ ، عن ابنِ أبي مليكة ، أنَّ معاويةَ قَدِمَ مكة ،
(١) (٤ / ٩٥) .
(٢) (٢٠٢٤) .
(٣) (٦٣/٢) .

٦٥٦
حديث : ٥٠٦
كتاب الصلاة
فدَخَلَ الكعبةَ، فَأَرْسَلَ إلى ابنِ عُمَرَ: أين صلَّى رسولُ اللَّهِ وَ لِهِ؟ قَالَ: صلَّى
بين الساريتين بحيال الباب ، فجاء ابنُ الزبير ، فدَخَلَ ، فقال لمعاويةَ : أَمَا إِنَّك
قد علمتَ أني أعلم مثل الذي يعلم ، ولكنَّك حسدتني .
خرَّجه الإمامُ أحمد(١).
وخرَّجه الأزرقي بسياقٍ مطوَّل ، من حديثِ عَبْدِ الحميد بن جبير بن شَيبة ،
عن أخيه شيبة بن جبير بن شيبة بن عثمان ، قال : حَجَّ معاويةُ وهو خليفة -
فَذَكَرَ حديثًا طويلاً ، وفيه: أنه فُتح له بابُ الكعبة، فدَخَلَ وأرسل إلى ابنِ عمر ،
فجاءه، فقال له معاوية: يا أبا عبد الرحمن، أين صلَّى رسولُ اللّه ◌َله عامَ
دَخَلَها ؟ فقال: بين العمودين المقدمين ، واجعلْ بينك وبين الجدارِ ذراعين أو
ثلاثة - وذكر بقيةَ الحديثِ في دخولِ ابنِ الزبيرِ ، وغيرِ ذلكِ .
وقد ذَكَرْنَا هذا الحديثَ في ((باب الدنو من السترة)).
وفي الحديث - أيضًا - : دليلٌ على أنَّ مَنْ دَخَلَ مسجدًا وأراد أن يصلِّي فيه
تطوعًا ، فالأَوْلَى له أنْ يُصلِّي في صدرِ المسجد ، لا عند بابه .
وقد رُوي أنّ النبيَّ وَّهِ صلَّى ليلةَ أُسري به إلى المسجد الأقصى في صدرِ
المسجد - أيضًا - :
فَخَرَّج الإمام أحمد (٢) من رواية حَمادِ بنِ سَلَمَةَ : ثنا أبو سنان ، عن عُبَيْدِ بنِ
آدَمَ، قال : سمعتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ يقولُ لكَعْبِ : أَيْنَ تَرَى أَنْ أُصَلِّي - يعني:
في بيت المقدس - ؟ فَقَالَ: إنْ أَخَذْتَ عَنِّ صلَّيْتَ خَلْفَ الصَّخْرَةِ ، فَكَانَتِ
القُدْسُ كُلُّهَا بَيْنَ يَدَيْكَ . فَقَالَ عُمَرُ - رضي الله عنه - : ضَاهَيْتَ اليهود ، ولكن
أُصَلِّي حيثُ صلَّى النبيُّبِّهِ، فَتَقَدَّمَ إلى القِبْلَةِ، فصلَّى، ثُمَّ جَاءَ فَسَطَ رِدَاءَهُ
وَكَنَسَ الكُنَاسَةَ فِي رِدَائِهِ ، وكَنَسَ النَّاسُ .
(١) (٢/ ٧٥) .
(٢) (٣٨/١).

٦٥٧
٩٧ - بَابٌ
كتاب الصلاة
عُبيد بن آدم، ذَكَرَه ابنُ حبَّان في ((ثقاته)). وأبو سنان ، هو : القَسْمَلِيَّ
عيسى بن سنان ، ضَعَّفه الأكثرون ، منهم : أحمد ويحيى . وقال أبو حاتم :
ليس بالقوي ، وقال العجلي : [لا بأس به](١). وقال ابنُ خِرَاش : صدوق .
وقد رواه أبو أسامةَ ، عن أبي سنان عيسى بن سِنان القسملي(٢)، عن
المغيرة بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، قال : صليت مع عمر في كنيسة مريم ، في
وادي جهنم ، فلما انصرفَ قال : لقد كنتَ غنيًا أن تصلِّي على بابٍ من أبواب
جهنم ، ثم تنخع ، فَأَخْرَج قميصه ، فَزَقَ فيه ، فقلنا : يا أميرَ المؤمنين ، لو
تَفَلْتَ في الكنيسة ، وهو مكان شِرْك ؟ فقال: إنَّه وإن كان يشرك فيه ، فإنه يُذكر
فيه اسمُ اللهِ كثيرًا. قال: ثم دَخَلْنا المسجدَ ، فقال عُمَرُ: قال رسول اللّه وَهُ:
((صليتُ ليلةَ أُسري بي في مُقدم المسجد ، ثم دخلتُ في الصخرة التي في بيت
المقدس)) - وذَكَرَ بقية الحديث ، وفي آخره : قال: ((ثم انطلق بي إلى السماء،
ففُرضت عليَّ الصلاة ، ثم رجعت إلى خديجة ، وما تَحَوَّلَتْ عن جانبها الآخر)) .
خرَّجه الإسماعيلي في ((مسند عمر)) في ترجمة : ((حديث : عبد الرحمن بن
محمد والد المغيرة بن عبد الرحمن ، عن عُمَرَ)).
وقد كَرِهَ بعضُ المتقدمين التطوعَ في مقدم المسجد من السَّحَر :
فخَرَّج الإمامُ أحمد(٣) من حديث عبد الله بن عامر الأَلْهاني، قال: دَخَلَ
المسجد حابسُ بنُ سَعْدِ الطائيُّ من السَّحَرِ - وقد أدرك النبيَّ وَّهِ -، فرأى الناسَ
يُصَلُّون في مقدم المسجد ، فقال : مُرَاءُونَ وربِّ الكعبة ، أرعِبُوهم ، فمن
أرعبهم فقد أطاع اللهَ ورسولَه ، فأتاهم الناس فأخرجوهم ، فقال : إنَّ الملائكةَ
تُصلّي من السَّحَر في مقدم المسجد .
(١) بياض بالأصول ، واستدركته .
(٢) في الأصل: ((السامي)).
(٣) (١٠٥/٤ - ١٠٩).

٦٥٨
حديث : ٥٠٦
كتاب الصلاة
وإنَّما خرَّجه في ((المسند)) لقول حَابسٍ: ((من أَرعبهم فقد أطاع اللهَ
ورسوله)»، وهذا في حكم المرفوع .
وحابس بن سعد معدودٌ (١) من الصحابة .
وقد رُوي - أيضًا - النهي عن ذلك عن عمر بن الخطاب ، وأنه ضَرَبَ مَنْ رآه
في مقدم المسجد يصلّي ، وقال : ألم أنهكم أن تقدموا في مقدم المسجد
بالسَّحر ؛ إنَّ له عَوَامِرَ .
خرَّجه جعفر الفريابيّ في ((كتاب الصلاة)).
قال القاضي أبو يعلى من أصحابنا : هذا يدل على كراهة التقدم في الصفِّ
الأولِ في صَدرِ المسجد قبل السَّحر .
ويُكره - أيضًا - استنادُ الظهرِ إلى القبلة بين أذان الفجر والإقامة .
وكرهه ابن مسعود ، وقال : لا تحولوا بين الملائكة وبين صلاتِهم .
وقال النخعيُّ : كانوا يكرهونه .
وقال الإمامُ أحمد : هو مكروه ، وأَمَرَ من فعله أنْ يحوّل وجهَه إلى القبلة .
ورُوي عن عُمَرَ بنِ عبد العزيز ، أنَّه نَهَى أن يستندَ إلى القبلة في مواقيت
الصلاة .
وهذا يعم سائر الصلوات ، ولعله كرهه ؛ لأنَّ الداخلَ إلى المسجد يصلي
عند دخوله ، فإذا كان بين يديه رجلٌ مسندٌ ظهره إلى القبلة صلَّى مستقبلَ وجهه ،
وذلك مكروهٌ ، كما تقدم .
وقد رُوي فيه حديثٌ مرفوعٌ ، يدل على الرخصة فيه في غيرِ صلاةِ الفجر ،
من رواية عيسى بن المسيِّب ، عن الشَّعِبِيِّ، عن كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ، قال : بينما
أنا جالسٌ في مَسْجِدٍ رسول اللّهِ وََّ، مُسْنِدِي ظُهُورنَا إلى قِبْلَةِ مَسْجِده سَبْعَةُ
(١) في ((ق)): ((معروف)).

٦٥٩
٩٧ - بَابٌ
كتاب الصلاة
رَهْطِ، إِذْ خَرَجَ إلينا رسولُ اللّهِ فَ لَهُ صلاةَ الظُّهْرِ حَتَّى انتَهَى إِلَيْنَا، فقال: ((ما
يُجْلِسُكُمْ هاهنا؟)) فقلنا : يا رسولَ اللّه، نَنْتَظِرُ الصلاةَ . قال: فَأَرَمَّ قليلاً ، ثم
رَفَعَ رَأْسَه، فقال: ((أَنَدْرُون ما يقولُ رَبُّكُم؟)) - ثم ذَكَرَ حديثًا [طويلاً ](١) في
فضلِ المحافظةِ على الصلوات .
خرَّجه الإمامُ أحمد (٢).
وعيسى بن المسيب ، تُكلم فيه .
وذكر مالكٌ ، عن يحيى بن سَعيد ، عن محمد بن يحيى بن حبان ، عن عمِّه
واسع ، قال : كنتُ أصلِّي وابن عمر مسند ظهره إلى جدار القبلة ، فلما قضيتُ
صلاتي انصرفتُ إليه .
قال ابنُ عبد البر : فيه الاستنادُ إلى حائطِ القبلة في المسجد ، إلا أنَّ ذلك لا
ينبغي أن يفعله من يستقبل(٣) الصلاة.
وقوله : ((وقال : ليس على أحدنا بأس أن يصلي في أي نواحي البيت شاء)).
الظاهر أنَّه من قول نافع ، وقد وافقه أكثرُ العلماء على ذلك ، منهم :
الثوريُّ والشافعي .
وقد رُوي عن أحمد ، أنه لا يصلي في الكعبة إلا إلى الجهة التي صلَّى إليها
النبيُّ ◌َهِ .
وحمله أصحابُنا على الاستحباب ، وقد سَبَقَ ذلك .
(١) ليس في ((ق)).
(٢) (٤ / ٢٤٤) .
(٣) في هامش ((ق)): ((لعله: يريد)) وفي ((ك)) و((هـ)): ((من يريد الصلاة)).

٦٦٠
حديث : ٥٠٧
كتاب الصلاة
٩٨ - بَابُ
الصَّلاة إلى الرَّاحِلَةِ والْبَعِيرِ والشَّجَرِ والرَّحْلِ
٥٠٧ - حَدَّنا محَّدُ بنُ أبي بكر المُقَدَِّيُّ البَصْرِيُّ: ثنا مُعْتَمِرُ بنُ سُليمان،
عن عُبَيَدِ اللَّهِ، عن نَافِعٍ ، عن ابنِ عُمَر، عن النبيِّمَ، أَنَّهَ كَانَ يُعَرِّضُ رَاحَتَهُ
فَيُصَلِّي إِلَيْهَا. فَقُلْتُ: أَفَأَيْتَ إِذَ هَبَّتِ الرَّكَابُ؟ قَالَ: كَانَ يَأْخُذُ الرَّحْلَ فَيُعَدِّلَهُ،
فَيُصَلِّي إِلى آخَرَتِهِ - أَوْ قالَ: مُؤَخِّرته -، وكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ.
قد ذكرْنَا في ((باب: الصلاة في مواضع الإبل)) الاختلافَ في رَفْع هذا
الحديثِ ووقفِه ، وحكمَ الاستتارِ بالبعيرِ في الصلاةِ .
وقوله : ((يعرِّض راحلته)) بكسر الراء - أي : ينيخها ، معترضة بينه وبين جهة
القبلة .
وفيه لغة أخرى : يَعرُّضُ - بضم الراء -، ذَكَرَها صاحبُ ((كشف المشكل)).
وقوله: ((هبت الركاب))، معناه: قامت الإبل للسير - : قاله الهرويُّ وغيرُه.
ويقال للنائم إذا قَامَ مِن نَوْمِهِ : هَبَّ من منامه .
والمرادُ : إذا لم يكن عنده إبل باركة يستتر بها .
وقال الخطابيُّ (١): هَبَّت: أي هاجَت، يقال: هَبَّ الفَحْلُ هَبِيبًا إذا هَاجَ.
قال : يريد : أنَّ (٢) الإبل إذا هاجت لم تَهْدأ، ولم تَقِرَّ، فتُفسِد على المُصَلِّي
إليها صلاتَه .
وهذا الذي قاله في غَاية البُعْدِ ، وإن كان محتملاً في اللفظ ، فليس هو
المرادُ في الحديث .
(١) في ((شرح البخاري)) (٤١٨/١).
(٢) في ((ق)): ((قال وبرو وان)) كذا، وفي ((ك)) و (هـ)) بياض. والتصحيح من المصدر المذكور.