Indexed OCR Text
Pages 521-540
٥٢١ كتاب الصلاة ٧٠ - بابُ ذكر البيع والشراء على المنبر في المسجد وقد رواه بعضُهمْ عن مالك ، فأسنده كله عن يحيى ، عن عَمرة ، عن عائشة ، كما رواه سفيان ، وليس بمحفوظ عن مالك . وذكر البخاري ، عن ابن المديني ، أن يحيى - وهو : ابن سعيد - وعبد الوهاب - وهو : الثقفي - روياه عن يحيى بن سعيد ، عن عَمرة - نحوه . والظاهر : أنه أراد أنهما لم يذكرا عائشة في أوله كمالك . وأن جعفر بن عون رواه عن يحيى بن سعيد : سمعت عَمْرة ، قالت : سمعت عائشة ، فصرحت بسماعها من عائشة الحديثَ كلَّه ، وهذا يُقوّي رواية ابنِ عبينة . لكن خَرَّجه الإمام أحمد(١)، عن جعفر بن عون ، ولم يذكر فيه السماع . وفي حديث ابن عيينة شكَّ منه في لفظتين : إحداهما : هل قال في الحديث: ((ثم قام رسول اللّه وَّل على المنبر))؟ أو قال: ((فصعد على المنبر)) ؟ [وهذا اختلاف قريب ؛ لأن المعنى متقارب ، غير أن رواية: ((قام على المنبر))](٢) تَقْتَضِي أنه خَطَبَ بذلك قائمًا ، وليس في مجرد صعوده ما يقتضي قيامه . والثانية : شك سفيان : هل في الحديث : أن أهل بريرة قالوا لعائشة : ((إنْ شئتِ أعتقتها ويكون الولاء لنا)» ؟ أو قالوا : ((إن شئت أعطيتها ما بقي)) بدل : ((أعتقتها)) ؟ وقد خَرَّج ابنُ خزيمة في مصنفٍ له مفردٍ في الكلام على حديث بَرِيْرَةَ : هذا الحديثَ ، عن عبد الجبار بن العلاء ، عن سفيان ، وقال فيه : إنهم قالوا لعائشة : ((إِنْ شئتِ فأعطي ما بقي، ويكون لنا الولاءُ). وقال : هذه اللفظة: ((فأعطي ما بقي)) وَهْم ؛ ثنا بهذا الخبر عبد الله بن (١) (٦ / ١٧٥) . (٢) سقط من ((هـ). ٥٢٢ حديث : ٤٥٦ كتاب الصلاة محمد ، عن (١) الزهري ، عن سفيان ، ولم يذكر هذه اللفظة ، ورواه الثقفي عن يحيى ، وليس فيه هذه اللفظة . قلتُ : قد تَبَيَّنَ برواية البخاري ، عن ابن المديني ، عن سفيان ، أنه كان يتردد في هذه اللفظة ، ولا يجزم بها ، وقد رواه الحُميديُّ (٢) وغيرُه عن سفيان ، ولم يذكروها ، إنما ذكروا : لفظةَ العتقِ . ومقصود البخاريِّ بتخريج الحديث في هذا الباب: أن النبيِّ وَّ خَطَبَ على المنبر في مسجده ، وذكر في خطبته أحكام البيع والشِّراءِ ، فدلَّ على جواز مثل ذلك في المسجد . وقد رَوَى مالك(٣)، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة قصة بَرِيرة - أيضاً - ، وقال في حديثه : فَقَامَ رسولُ اللّهِ وَ لّ في الناس، فحمد الله وأثنى عليه ، وقال : ((ما بالُ رجال يَشْترطون شُروطًا ليست في كتاب اللّه))؟ - الحديث .. وقد خَرَّجه البخاري في موضعٍ آخرٍ(٤) . وظاهرُ هذا : يدلُّ على أنَّه خَطَبَ بذلك على المنبر . وذِكْرُ البيع والشراء يقع على وجهين : أحدهما : أن يكون ذكرهما على وَجْهِ الإفاضة في حديث الدنيا أو في التجارة ، فهذا من مباح الكلام في غير المسجد ، وقد اختلف في كراهة مثله في المسجد ، فكرهه طائفة من العلماء . قال أصحابنا ، [منهم ابنُ بطة وغيرُه](٥): يُكْره الحديث فيه ، إلا لمصلحة في الدين . (١) سقط من ((ق)). (٢) (٢٤١) . (٣) (ص ٤٨٨). (٤) (٢٧٣٥) . (٥) من ((ق)) . ١ ٥٢٣ كتاب الصلاة ٧٠ - بابُ ذكر البيع والشراء على المنبر في المسجد قال أحمد في رواية حنبل : لا أرى لرجل إذا دَخَلَ المسجد إلا أن يُلْزم نفسَه الذكر والتسبيح ؛ فإنّ المساجد إنما بُنيت لذكر الله عز وجل . ورَوَى حمّادُ بن سَلَمَةَ في ((جامعه)): ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ ، عن عاصم بن عمر بن قَتَادة ، أن عُمَرَ بنَ الخطّابِ سَمِعَ ناسًا يذكرون تجاراتهم في المسجدِ والدنيا ، فقال : إنما بُنيت المساجد لذكر اللّه ، فإذا أردتم أن تذكروا تجاراتكم فاخْرُجُوا إلى البقيع . وقال سعيد بن عبد العزيز : رأَى أبو الدرداء رجلاً يقول لصاحبه في المسجد : اشتريتُ وَسْقَ حَطبٍ بكذا وكذا . فقال أبو الدرداء : إنّ المساجد لا تعمر لهذا . وقال سفيان : عن رجل ، عن الحسن : يأتي على الناس زمان لا يكون لهم حديث في مساجدهم إلا في أمر دنياهم، فليس للَّه فيهم حاجة ، فلا تجالسوهم. وكَرِهَه أبو مسلم الخولاني وغيرُهُ من السلف . وروي عن عمر ، أنه بنى البطحاء خارج المسجد ، وقال : من أراد أن يلغط فليخرج إليها . ورَخَّصَ أصحابُ الشافعي في التحدث بأمور الدنيا المباحة في المساجد ، وإن حَصَل معه ضحك . واستدلوا بما خرّجه مسلم(١) من حديث جابر بن سَمُرَةَ ، قال : كان رسولُ اللّهِ وَ لَه لا يقوم من مُصلاّه الذي يُصلّ فيه الصبحَ حتى تطلعَ الشمسُ، فإذا طلعت قام . قال : وكانوا يتحدثون فيأخذون في أمر الجاهلية ، فيضحكون وَيَتَسْمُ . وقد كان النبي(٢) وَّ يختم مجالسه بكفارة المجلس، وأَمَرَ أن تُخْتَمَ (١) (١٣٢/٢). وهو عند النسائي (٣/ ٨٠) والترمذي (٢٨٥٠). (٢) سقط من ((ق). ٥٢٤ حديث : ٤٥٦ كتاب الصلاة المجالسُ به ، وأَخَبَرَ أنّه إنْ كان المجلسُ لَغْوًا كانت كفارةً له ، ورُوي ذلك عن جماعة مِنْ الصحابةِ ، فإذا وَقَعَ اللغو في المساجد ثم خُتِمَ المجلس بكفارته ، فهو شبيه بالبصاق في المسجد ودفنها بعده ، كما سَبَقَ . الثاني : أنْ يكون ذِكْرُ البيع والشراء على وجه الإخبار عن أحكامهما الشرعية ، وما يجوزُ من ذلك وما لا يجوز ، فهذا من نوع تعليم العلم ، وهو من أجَلِّ القُرَب وأفضلها مع صلاح النية فيه . فإن اقترن بذلك إرادةُ الإنكار على من باع بيعًا غير سائغ ، أو شَرَط في بيعه شرطًا غير سائغ ، فقد اجتمع فيه حينئذٍ أمران : تعليمُ العلم ، والأمرُ بالمعروف والنهي عن المنكر . ومثل هذا إذا أعلن به على المنابر في المساجدِ كان أبلغ في إشهارِه ونشرِه وظهورِه وارتداعٍ المخالفين له ، وهذا كلُّه من أفضل القُرَب والطاعات . وحينئذٍ ؛ ففي دخول هذا الحديث في تبويب البخاري نظر ، فإن كان قد أشار إلى الاستدلال بهذا الحديث على جواز البيع والشراء في المسجد فهو أبعد وأبعد . وأما عقد البيع والشراء في المسجد : فقد ورد النهي عنه من حديث عَمرو ابن شعيب، عن أبيه، عن جدّ، عن النبي ◌َّ. خَرَّجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي وحسَّته (١). وخَرَّج الترمذي والنسائي وابن خزيمة في ((صحيحه)) والحاكم(٢) من حديث محمد بن عبد الرحمن بن ثَوبان، عن أبي هريرة، عن النبي وَِّ، قال: ((إذا (١) أحمد (١٧٩/٢ - ٢١٢) وأبو داود (١٠٧٩) والنسائي (٢/ ٤٧) وابن ماجه (٧٤٩) والترمذي (٣٢٢). (٢) الترمذي (١٣٢١) والنسائي في ((اليوم والليلة)) (٧٦) وابن خزيمة (١٣٠٥) وابن حبان (١٦٥٠) والحاكم (٥٦/٢) . ٥٢٥ ٧٠ - بابُ ذكر البيع والشراء على المنبر في المسجد كتاب الصلاة رأيتم من يَبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح اللّه تجارتك)). وقد رُوي ، عن ابن ثوبان - مرسلاً ، وهو أصح عند الدارقطني(١). وحكى الترمذي(٢) في ((جامعه)) قولين لأهل العلم من التابعين في كراهة البيع في المسجد . والكراهة قول الشافعي وأحمد وإسحاق ، وهو عند أصحابنا كراهة تحريم ، وعند كثير من الفقهاء كراهة تنزيه . وللشافعي قول : إنه لا يكره بالكلية ، وهو قول عَطَاءِ وغيرِه . واختلف أصحابُنا في انعقادِ البيع في المسجدِ على وجهين . وفرّق مالك بين اليسير والكثير ، فكَرِه الكثير دون اليسير ، وحُكي عن أصحاب أبي حنيفة نحوه . (١) انظر: ((العلل)) له (٦٤/١٠). وأخرجه عبد الرزاق (٤٤١/١)، عن ابن ثوبان، قال : كان يقال - فذكره. (٢) (٣ /٦٠٢) . ٥٢٦ حديث : ٤٥٧ كتاب الصلاة ٧١ - بَابُ التَّقَاضِي وَالْمُلاَزَمَةِ فِي الْمَسْجِدِ ٤٥٧ - حدثنا عَبْدُ اللّهِ بْنُ مُحَمَّد: ثنا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ : أبنا يُونُسُ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكِ، عَنْ كَعْبٍ، أَنَّه تَقَاضِي ابْنَ أَبِي حَدْرِهِ دَيْنَا كانَ لَهُ عَلَيْهِ فِي الْمَسْجِد، فَارْتَفَعَتْ أَصْواتُهُمَا حَتّى سَمِعَهَا رَسُولُ اللّهِوَّهِ وَهْوَ فِي بَيْتِهِ ، فَخَرَجَ إِلَيْهِما حَتّى كَشَفَ سَجْفَ حُجْرَتَه، فَنَادَى: ((يَا كَعْبُ!))، قالَ: ◌َبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللّه. قَالَ: ((ضَعْ مِنْ دَيْنكَ هذا)). وَأَوْمَأَ إلَيْهِ، أَي الشَّطْرَ . قَالَ: لَقَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللّهِ. قالَ : ((قُمْ فَاقْضِهِ» . مقصودُ البخاري : الاستدلال بهذا الحديث على جواز تقاضي الغريم لغريمِهِ في المسجد، ومطالبته بدينه، وملازمته له لطلب حقه؛ فإن النبي وَّ عَلِمَ بذلك وسَمِعَه ولم ينكره . وهذا مما يعتضد به مَنْ يُجيز البيع والشراء في المسجد ، كما دل عليه تبويب البخاري في الباب الماضي . ومن كَرِهَ البيع ، فَرَّق بينه وبين التقاضي بأن البيع في المسجد ابتداءً لتحصيل المال فيه ، وذلك يجعل المسجد كالسوق المُعَدِّ للتجارة ، واكتسابِ الأموال ، والمساجد لم تُبْنَ لذلك ، ولهذا قال عطاء بن يسار وغيره لمن [رأوه] يبيع في المسجد : عليك بسوق الدنيا ، فهذا سوق الآخرة . أما تقاضي الدَّين ، فهو حفظ مال له ، وقد لا يتمكن من مطالبته إلا في المسجد ، فهو في معنى حفظ ماله مِن الذهاب ، وفي معنى التحاكم إلى الحاكم في المسجد ، كما سبق ذكره . (١) في ((هـ))، و((ك)): ((أراد أن)). ٥٢٧ ٧١ - بابُ التقاضي والملازمة في المسجد كتاب الصلاة وممن رَخَّص في المطالبة لغريمه في المسجد : عطاء وابن جريج . وفي إشارة النبي بَّ بيده، وإيمائه إليه، أن يضعَ الشطرَ: دليلٌ على أنّ إشارة القادر على النطق في الأمور الدينية مقبولة كالفُتيا ونحوها ، وقد سَبَقَ ذكرُ ذلك في ((كتاب : العلم)) . ولم يكن هذا مِنْ النبي ◌َِّ حُكْمًا؛ لأنه لم يستوفِ شرائطَ الحكم مِنْ ثبوت الدَّين ونحوه، وإنما كان على وَجْهِ الإصلاح . والله أعلم . ٥٢٨ حديث : ٤٥٨ كتاب الصلاة و ٧٢ -باب كَنْسِ الْمَسْجِدِ وَالْنِقَاطِ الْخِرَقِ وَالْقَذَى وَالْعِيدَانِ ٤٥٨ - حدثنا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْب : ثنا حَمَّادُ بْنُ زَيْد، عَنْ ثابت ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَجُلاً أَسْوَدَ - أَوَ امْرَةً سَوْدَاءَ - كَانَ يَقُمُّ الْمَسْجِدَ ، فَمَاتَ، فَسَأَلَ النَّبِيُّ ◌َّ عَنَّهُ، فَقَالُوا: ماتَ. فَقَالَ: ((أَفَلاَ كُمْ آذَنْتُمُونِي بِهِ؟ دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ) - أَوْ ((عَلَى قَبْرِها)) - فَأَتِى قَبْرَه فَصَلَّى عَلَيْهَا))(١). فيه : دليلٌ على أن قَمَّ المسجد حَسَنٌ مندوب إليه ؛ فإنَّ هذا الذي كان يقم المسجد في عهد النبي ◌َّ لم يكن حاله يخفى عليه . والقمُّ: هو إخراجُ القُمَامَة ، وهي الزَِّالةُ . وقد رُوي من وجوه أخر أنها كانت امرأةً ، من غير شك : فرَوَى إسماعيلُ بنُ أبي أُوَيس : حدثني أخي ، عن سليمان بن بلال ، عن العلاء ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، قال : كانت سوداءُ تلتقط الخِرَقَ والعيدانَ من المسجد، فسأل عنها رسول اللّه ◌َخليل، فقيل: ماتت من الليل، ودُفنت، وكَرِهْنَا أنْ تُوقِظَكَ ، فذهب النبي ◌ََّ إلى قبرها، وصلّى عليها، وقال: ((إذا مات أحدٌ من المسلمين فلا تَدَعوا أن تُؤْذنُوني به))(٢). وروى ابنُ لَهِيعَة ، عن عبيد اللّه بن المغيرة ، عن أبي الهَيْئم ، عن أبي سعيد، قال : كانت سوداء تَقُمُّ المسجد ، فتوفيتْ ليلاً ، فلما أَصْبَحَ رسولُ اللّهِ وَ﴿ أُخْبِرَ بِمَوْتِها، فقال: ((ألا آذَنْتُمُوني بها؟)) فخَرَجَ بأصحابه ، فوقف على (١) كذا في بعض نسخ البخاري ، وفي بعضها : ((فأتى قبرها فصلى عليها))، وفي بعضها: «فأتى قبره فصلى عليه)». (٢) أخرجه ابن خزيمة (١٣٠٠) والبيهقي (٣٢/٤ - ٣٣). ٥٢٩ كتاب الصلاة ٧٢ - بابُ كنس المسجد والتقاط الخرق والقذى والعيدان قبرِهَا ، فكبّر عليها ، والناسُ خَلْفه ، فدعا لها ، ثم انصرف . خَرَّجه ابنُ ماجه(١) . وقد رُويَ : أن هذه المرأةَ يُقال لها : أم مِحْجَن : فَرَوَى محمد بن حُمَيَد الرَّازي : ثنا مِهْران بن أبي عُمر ، عن أبي سِنان ، عن علقمة بن مَرْئد ، عن ابنِ بُريدة، عن أبيه ، أن النبيَّ ◌َِّ مرَّ على قبرِ حديثِ عهدٍ بدفنٍ ، ومعه أبو بكر وعمر (٢)، فقال: ((قَبْرُ مَنْ هذا؟)) قال أبو بكر : هذه - يا رسولَ اللّهِ - أمُّ مِحْجَن، كانت مُولعةً بأن تلتقط الأَذَى مِن المسجد . قال: ((ألا آذَنْتُمُوني؟)) قالوا : كنتَ نائماً، فكرهنا أن نجهدك . قال: ((فلا تفعلوا ؛ فإنّ صلاتَكُم على موتاكم تنور لهم في قبورهم))(٣) قال: فصَفَّ بأصحابه ؛ فصَلَّى عليها (٤). وفي هذا الإسناد ضعفٌ . ورَوَى أبو الشيخ الأصبهاني في ((كتاب ثواب الأعمال)) بإسناد له ، عن عُبيد بن مرزوق(٥)، قال : كانت بالمدينة امرأةٌ يقال لها : أم مِحْجَن ، تَقُمُّ المسجدَ، فماتتْ، فلم يعلم بها النبي وَلَه، فمَرَّ على قبرها، فقال: ((ما هذا ءِ القبر؟)) قالوا: أم مِحْجَن. فقال: ((التي كانت تَقُمّ المسجد ؟)) قالوا : نعم . فصَفَّ الناسُ، وصلّى عليها ، ثم قال: ((أيّ العمل وجدتٌ أفضلَ؟)) قالوا : يا رسول اللّه، أتسمع؟ قال: ((ما أنتم بأسمعَ منها))، فذكر أنها أجابته: قمَّ المسجد . (١) (١٥٣٣) . (٢) ليس عند البيهقي ذكر: ((عمر)). (٣) عند البيهقي: ((فإن صلاتي على موتاكم .. )). (٤) ((السنن الكبرى)) للبيهقي (٤٨/٤). (٥) لعله: ((عبيد بن أبي مرزوق)) المترجم في ((التاريخ الكبير)) (٣/ ٢/ ٥) و((الجرح)) (٣/٦) و ((الثقات)) (١٥٧/٧) و («اللسان» (١٢٤/٤). ٥٣٠ حديث : ٤٥٨ كتاب الصلاة وهذا مرسلٌ غريبٌ . وقد ذَكَرْنا فيما تقدم حديث الأمر باتخاذ المساجد في الدور ، وأن تُنظف وتُطيب . ورَوَى ابْنُ جُرَيْج ، عن المطّلب بن عبد اللّه بن حَنْطَب، عن أنسٍ ، عن النبيِ بَّهُ، قال: ((عُرضت عليّ أجور أمتي ، حتى القذاة يخرجها الرجلُ من المسجد)» . خَرَّجه أبو داود والترمذي(١) . والمطّلبُ لم يسمع من أنسٍ - : قاله ابنُ المديني وغيرُ واحد . وابنُ جُرَيْج ، قال الدارقطني : لم يسمع من المطّلب . قال : ويقال : إنه كان يدلسه عن ابنِ أبي سَبرة وغيره من الضعفاء . وكنسُ المساجد وإزالة الأذى عنها فعلٌ شريفٌ ، لا يأنف منه من يعلم آداب الشريعة، وخصوصًا المساجد الفاضلة، وقد ثَبَتَ أنّ رسولَ اللّه وَ لَهَ رَأَى نُخَامةٌ في قبلة المسجد فَحَكَّها بيده ، وقد سبق هذا الحديث(٢). ورَوَى وكيع : ثنا كثير بن زيد ، عن المطّلب بن عبد اللّه بن حَنْطب، أن عمر أتى مسجد قباء على فَرَسٍ له ، فصلّى فيه ركعتين ، ثم قال : يا أَوْفَى ، ائتني بجَريدة، فأتاه بجَريدة ، فاحْتَجَزَ عمر بَثَوْبِهِ، ثُمَّ كَسَحَه . وقال أبو نُعيم الفضل : ثنا أبو عاصم الثقفي ، قال : كنت أمشي أنا والشعبي في المسجد ، فجعل يُطَاطئ رأسه ، فقلتُ : ماذا تأخذ ؟ قال : المشاطة والصوف . (١) أبو داود (٤٦١) والترمذي (٢٩١٦) وابن خزيمة (١٢٩٧) . (٢) برقم (٤٠٥) . ٥٣١ ٧٣ - بَابُ تحريم تجارة الخمر في المسجد كتاب الصلاة ٧٣ - بَابُ تَحْرِيمِ تِجارَةِ الْخَمْرِ فِي الْمَسْجِدِ ٤٥٩ - حدثنا عَبّدَانُ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْروقٍ، عَنْ عَائشةَ، قَالتْ: لما أُنْزِلت الآياتُ مِن سُورة الْبَقَرة في الرِّبًا خَرَجَ رَسُولُ اللّه وَهُ إِلَى الْمَسْجِدِ ، فَقَرَأَهُنَّ عَلَى النَّاسِ، ثُمَّ حَرَّمَ تِجارة الخَمْرِ . ذِكْر الخمر بالتحريم - إما لشربه، أو للتجارة فيه - : من جملة تبليغ دين الله وشرعه ؛ وذلك لأنه تُصان (١) عنه المساجد ؛ فإنّ اللّه ذكر في كتابه الذي يُتُلى في الصلوات في المساجد : الخمر والميسرَ والأنصابَ والأزلامَ ، كما ذكر : الزنا والربا وسائرَ المحرمات من الشرك والفواحش، ولم يزل النبي وَّ يتلو ذلك في المسجد في الصلوات وغيرها ، ولم يزل يذكر تحريم ما حَرّمه اللّه في المساجد وفي خطبه على المنبر ، وهذا الباب مما لا تدعو الحاجةُ إليه ؛ لظهوره . ولكن [يُشْكِلُ](٣) في هذا الحديث أمران: أحدهما : أن تحريم التجارة في الخمر مما شرع من حين نزول تحريم الخمر، ولم يتأخر إلى(٣) نزول آيات الربا، فإنَّ آيات الربا من آخر ما نزل من القرآن ، كما رَوَى البخاريُّ في ((التفسير))(٤) من رواية الشَّعبي ، عن ابن عباس ، قال: آخر آية نزلت على رسول اللّه وَ ﴿ آية الربا. وفي ((الصحيحين))(٥) عن جابر، أنه سَمِع النبي وَّر عام الفتح وهو بمكةً (١) في ((ق)) و((هـ)): ((لا تصان)) خطأ. (٢) من ((ق)). (٣) في ((ك)) و((هـ)): ((ولم يتأخر شرعه إلى)). (٤) البخاري (٤٥٤٤) . (٥) البخاري (٢٢٣٦) ومسلم (٤١/٥). ٥٣٢ حديث : ٤٥٩ كتاب الصلاة يقول : ((إنَّ اللّهَ ورسوله حَرَّمَ بَيْعَ الخمرِ والميتة والخنزير والأصنام)). وخَرَّج مسلم(١) من حديث أبي سعيد الخدري، أن النبي وَّ قال: ((يا أيها النَّاسُ، إن اللّه يعرِّض بالخمر، ولعل اللَّه سينزل فيها أمرًا، فمَنْ كان عنده منها شيءٌ فليبعه ولينتفع به)). قال: فما لبثنا إلا يسيراً حتَّى قال: ((إنّ اللّهَ حرَّمَ الخمرَ ، فمَنْ أدركته هذه الآية وعنده منها شيءٌ فلا يشرب ولاَيَبع)) . قال : فاستقبل الناس بما كان عندهم منها في طريق المدينة فسفكوها . وهذا نصٌّ في تحريمٍ بيعها مع تحريم شرِبِها . والثاني : أنَّ آيات الربا ليس فيها ذكر الخمر ، فكيف ذَكَرَ تحريم التجارة في الخمر مع تحريم الربا ؟ ويجابُ عن ذلك: بأنّ مرادَ عائشةَ: أنَّ النبيَّ وَلّ أخبر بتحريم التجارة في الخمر مع الربا ، وإنْ كان قد سَبَقَ ذكر تحريم بيع الخمر . وقد رَوَى حجَّاجُ بنُ أرطاة - حديثَ عائشة - ، عن الأعمش بإسناد البخاري، ولفظُهُ: لما نزلتْ الآيات التي في سورة البقرة نَهَى رسولُ اللّه ◌َله عن الخمر والربا . وإنما أَرَادَ النبيِّ وَّهِ - والله أعلم - بتحريم التجارة في الخمر مع الربا لِيُعْلم بذلك أن الربا الذي حرَّمه اللهُ يشملُ جمیعَ أكلِ المال مما حرَّمه اللّه من المعاوضات، كما قال: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، فما كان بَيْعًا فهو حلال ، وما لم يكن بَيْعًا فهو ربا حرام - أي : هو زيادة على البيع الذي أحله اللّه . فدَخَلَ في تحريم الربا جميعُ أكلِ المال بالمعاوضاتِ الباطلةِ المحرمة ، مثل ربا الفضل فيما حرَّم فيه التفاضل ، وربا النَّسَاء فيما حرَّم فيه النَّسأ ، ومثل أثمان (١) (٣٩/٥) . ٥٣٣ ٧٣ - بَابُ تحريم تجارة الخمر في المسجد كتاب الصلاة الأعيان المحرمة ، كالخمرِ والميتة والخِنْزيرِ والأصنامِ ، ومثل قَبولِ الهدية على الشَّفَاعةِ ، ومثل العقودِ الباطلة ، كبيعِ الملامسةِ والمنابذة ، وبيع حَبَل الحبلة ، وبيع الغَرر ، وبيع الثمرة قبل بدوِّ صلاحها ، والمُخَابرة ، والسَّلَف فيما لا يجوز السَّلَفُ فيه . وكلام الصحابة في تسمية ذلك ربا كثيرٌ ، وقد قالوا : القَبَالاتُ(١) ربا ، وفي النَّجشِ أنه ربا ، وفي الصفقتين في الصفقة أنه رِبا ، وفي بيع الثمرة قبل صلاحها أنه رِبا . ورُوي : أن غَبْنَ المُسْتَرسلِ رِبَا ، وأنَّ كلَّ قَرْضِ جَرَّ نفعًا فهو ربا . وقال ابنُ مسعود : الرِّبَا ثَلاثَةٌ وَسَبْعُونَ بَابًا . وخَرَّجه ابنُ ماجه والحاكم عنه مَرْفوعًا(٢) . وخَرَّج الإمامُ أحمد وابنُ ماجه (٣)، أنّ عُمَرَ قال: من آخر ما نزل آيَةُ الرِّبَا ، وإنَّ رسولَ اللّهِ وَّهِ قُبضَ قَبْلَ أنْ يُفَسِّرِها لَنَا، فَدَعُوا الرِّبًا والرِّبَةَ. يشيرُ عُمَرُ إلى أنَّ أنواعَ الربا كثيرةٌ ، وأنَّ من المُشْتَبَهَات ما لا يتحقق دخوله في الربا الذي حرَّمه اللّه ، فما رابكم منه فدَعُوه . صَلَى اللّه وسام وفي ((صحيح مسلم))(٤) عن عمر ، أنه قال : ثلاث وددت أن رسول اللّه ◌َـ كان عَهِدَ إلينا عَهْدًا ننتهي إليه : الجَدُّ ، والْكَلالَة ، وأبواب من أبواب الربا . وبعضُ البيوع المنهي عنها نُهي عنها سدًا لذريعة الربا ، كالمُحاَقَلة ، والمُزَابنةِ ، وكذلك قيل في النهي عن بيع الطعام قبل قبضه ، وعن بيعتين في (١) هو أن يَتَقبَّل بخراج أو حِبَاية أكثر مما أعطى. نهاية. (٢) ابن ماجه (٢٢٧٥) والحاكم (٣٧/٢). ولا يصح دفعه . (٣) أحمد (٣٦/١ - ٥٠) وابن ماجه (٢٢٧٦). (٤) (٢٤٥/٨) وهو في البخاري (٥٥٨٨). ٥٣٤ حديث : ٤٥٩ كتاب الصلاة بيعة، وعن ربح ما لم يضمن ، وبسطُ هذا موضعه ((البيوع)). وإنما أشرنا هنا إلى ما يبِّنْ كَثْرةَ أنواع أبواب الربا ، وأنها تشمل جميعَ المعاوضات المحرمة، فلذلك لمَّا نزل تحريم الربا نَهَى النبيُّ وَِّ عن الربا، وعن بيعِ الخمر ؛ ليبينَ أنَّ جميعَ ما نهى عن بيعه داخل في الربا المنهي عنه . واللّه أعلمُ . ٥٣٥ ٧٤ - بابُ الخدم للمسجد كتاب الصلاة ٧٤ - بابُ الخَدَمِ لِلْمَسْجِدِ وَقَالَ ابْنُ عَّاسٍ ﴿نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ [آل عمران: ٣٥]. للمَسْجد يَخْدُمُها . هذا من رواية عطاء بن السائب ، عن سعيدِ بنِ جُبير ، عن ابنِ عبَّاس . وقاله - أيضًا - : مُجاهد، وعِكْرمة، وقَتَادة، والربيعُ بنُ أنس وغيرهم . وقال قتادة والربيع وغيرهما : كانوا يُحَرِّرُونَ الذكورَ من أولادهم للكنيسة يَخْدُمُهَا ، فكانت تظن أنَّ ما في بطنها ذكرًا ، فلما وضعتْ أنثى اعتذرتْ من ذلك إلى اللّه، وقالت: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى﴾ [آل عمران: ٣٦]؛ لأن الأنثى لا تقوى على ما يقوى عليه الذكر من الخدمة ، ولا تستطيع أن تلازم المسجد في حيضها [ومع اللّه](١)، فقال اللّه عز وجل: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ [آل عمران: ٣٧] - يعني: أَنَّ اللّهَ قَبِلَ نَذْرَها، وإنْ كان أنثى؛ فإنه أعلمُ بما وضعتْ ، وهذا كان في دين بني إسرائيل . وقد ذَكَرَ طائفةٌ من المفسرين : أن هذا كان شرعًا لهم ، وأنَّ شرعنا غير موافق له . وخالفهم آخرون : قال القاضي أبو يعلى في ((كتاب أحكام القرآن)»: هذا النذرُ صحيحٌ في شريعتنا ، فإنه إذا نَذَرَ الإنسان أن ينشئ ولَدَه الصغير على عبادة اللّه وطاعته ، وأنْ يعلمه القرآن والفقه وعلوم الدين صَحَّ النذر . وهذا الذي قاله حق؛ فقد قال النبيَّ وَّ: ((من نَذَرَ أن يطيعَ اللّه فليطعه))(٢)، (١) من ((ق))، وأظنها مقحمة، ومكانها في ((ك)) و((هـ)) بياض. (٢) أخرجه البخاري (٦٦٩٦) (٦٧٠٠) وأبو داود (٣٢٨٩) والترمذي (١٥٢٦) وأحمد (٣٦/٦ -= ٥٣٦ حديث : ٤٦٠ كتاب الصلاة فلو نَذَرَ أحدٌ أن يخدُمَ مسجدًا للّه عز وجل لَزِمَه الوفاء بذلك مع القدرة ، وأما إنْ نَذَرَ أن يجعلَ ولده لله ملازمًا لمسجد یخدمه ويتعبد فيه ، فلا يبعد أن يلزمه الوفاء بذلك، فإنه نذرُ طاعة فيلزمه أن يجرِّدُ(١) ولَدَه لما نذره له ، ويجبُ على الولد طاعةُ أبيه إذا أمره بطاعة اللّه عَزَّ وجَلَّ . وقد نص الإمام أحمد على أن الكافِرَيْنِ إذا جَعَلا ولدهُمَا الصغير مسلمًا صار مسلمًا بذلك . ولو وَقَفَ عَبْدَه على خدمةِ الكعبة صحَّ - : نَصَّ عليه أحمد - أيضًا . ونَصَّ في عبدٍ موقوفِ على خدمة الكعبة أنه إذا أبى أن يخدُمَ بِيع واشتُرى بثمنه عبدٌ يخدم مكانه . ورَوَى سعيد بن سالم القداح ، عن ابن أبي نَجيح ، عن أبيه ، أن معاوية أخْدَمَ الكعبة عبيدًا بعَثَ [بهم إليها](٢)، ثم اتَّبعتْ ذلك الولاة بعده . خَرَّجه الأَزْرقي . قال البخاري : ٤٦٠ - حدثنا أَحْمَدُ بْنُ وَقد : ثنا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ امْرَأَةً - أَوْ رَجُلاً - كانَتْ تَقُمُّ المَسْجِدَ - وَلاَ أُرَاهُ إِلا امْرَأَةٌ - فَذَكَرَ حَدِيثَ النَّبِّوَِّ أَنَّهُ صَلَّى عَلَى قَبْرِها . وقد سبق الحديث قريبًا بتمامه مع الكلام عليه . وإنما خَرَّج هَاهُنا منه ما يدخل في هذا الباب ، وهو : أنَّ هذه المرأة كانت تَقُمُّ المسجد ، وتقومُ بِخِدْمَتِهِ وتنظيفه وإخراجِ القمامة منه . = ٤١) وابن ماجه (٢١٢٦) . (١) في ((ق)): ((فيلزمه تجرد)). (٣) في الأصول: ((بها إليهم)). ٥٣٧ كتاب الصلاة ٧٥، ٧٦ - بابُ الأسير والغريم يربط إلى سارية المسجد ٧٥ ، ٧٦ - بابُ الأَسِيرِ والغَرِيمِ يُرْبَطُ إِلَى سَارِيّة الْمَسْجِد فيه حديثان : أحدهما : قال : ٤٦١ - ثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: ثنا رَوْحٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَِّّ ◌ََّ، قَالَ: ((إِنَّ عِفْرِيتًا مِنَ الْجِنِّ تَفَلَّتَ عَلَيَّ الْبَارِحَةِ)) - أَوْ كَلِمَةً نَحْوَها - ((لِيَقْطَعَ عَلَيَّ الصَّلاَةِ، فَأَمْكَنَنِيَ اللَّهُ مِنْهُ ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْبِطَهُ إِلى سَارِيَةٍ مِنْ سَوارِي الْمَسْجِدِ حَتَّى تُصْبِحُوا وَتَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ ، فَذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي سُلَيْمَانَ: ﴿رَبِ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكَّا لَّ يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدي﴾ [ص: ٣٥])). قَالَ رَوْحٌ : ((فَرَدَّهُ خَاسًا)) . والثاني : قال(١): ٤٦٢ - ثنا عَبْدُ اللّه بْنُ يُوسُفَ: ثنا اللَّيْثُ: حدثني سَعِيدُ بْنُ أَبي سَعيدٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: بَعَثَ النَِّيُّ ◌َِّ خَيّلاً قِبَلَ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بِي حَنِقَةً، يُقَالُ لَهُ: ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالِ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَدِي الْمَسْجِدِ، فَخَرَجَ إليهِ النَّبِيُّ ◌َه، فَقَالَ: ((أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ))، فَانْطَلَقَ إِلَى نَخْلِ قَرِيب مِنَ الْمَسْجِد ، فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَسَجِدَ، فَقَالَ : أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَ اللَّهُ وَأَنَّ مُحِّمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. (١) في بعض نسخ البخاري قبل هذا الحديث ترجمة (٧٦: الاغتسال إذا أسلم ...... ) وانظر «فتح الباري)) لابن حجر (٥٥٥/١ - ٥٥٦) . ٥٣٨ حديث : ٤٦٢ كتاب الصلاة دَلَّ هذان الحديثان : على ربط الأسير إلى سارية من سواري المسجد ؛ فإنَّ النبيِ وَ لو لم يكن في زمانه سِجْنٌ يُسجنُ فيه الأُسَارَى، ولهذا لما نَدِمَ أبو لُبَابة على ما قال لبني قريظة رَبَطَ نفسه بساريةٍ مِن سَوَاري المسجد . وفي بعض نسخ ((كتاب البخاري)) في هذا الباب زيادة : وكان شُرَيْحٌ يَأْمُرُ بالغرِيمِ(١) أَنْ يُخْبَسَ إِلَى سَارِيَةِ الْمَسْجِدِ . ورُوي ذلك عن عليٌّ - أيضًا - : قال يعقوبُ بنُ شَيْبة : ثنا عبيد بن يَعيش : ثنا صَيّفي بن رِبْعي الأنصاري، عن أبيه : حدثني مشيخة الحيِّ ، أن عليًا استعمل رجلاً على عمل ، فأتاه ، فسأله عن المال ، فلم يرفع إليه ما أراد . قال : فشده على أُسطوانة من أساطين المسجد ، فقال : أدِّ مال الله . ورَبْطُ الأسير، إن كان من الكفار فربطه من مصالح الدين، وقد أَمَرَ اللهُ تعالى به بقوله: ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنَّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءِ﴾ [محمد: ٤]. وإن كان مِن المُسلمين على دَيْن له أو حق ليُخْرَج منه فهو مِنْ مصالح المسلمين المحتاج إليها ، لحفظِ أموالهم واستيفاءِ حقوقِهم ، وهو من جنسٍ القضاءِ في المسجد ، وأمرِ الخُصُومِ بإنصاف بعضِهِم لبعضٍ ، والخروج من الحقوقِ اللازمة لبعضهم بعضًا ، وقد سَبَقَ أن القضاءَ في المسجد جائز . وَهَمُّ النبيِّ ◌َِِّ بربطِ الشيطانِ هو من عقوبات العصاةِ المتمردينَ المتعرضينَ لإفساد الدِّين ، وليس من جِنْسِ إقامةِ الحدودِ بالضرب والقطع حتَّى تُصان عنه المساجد ، إنما هو حَبْسٌ مجرَّد ، فهو كحبس الأُسَارى من الكفار . وبقيةُ فوائد الحديثين تُذكر في مواضع أُخر - إن شاء اللّه تعالى . (١) في نسخة عند ((ق)): ((الغريم)). ٥٣٩ ٧٧ - بابُ الخيمة في المسجد للمرضى وغيرهم كتاب الصلاة ٧٧ - بابُ الْخَيْمَةِ فِي الْمَسْجِدِ لِلْمَرْضَى وَغَيْرِهِم ٤٦٣ - حدثنا زَكَرِيًّا بْنُ يَحْيِى: ثنا عَبْدُ اللَّه بْنُ نُمَيْر: ثنا هشامٌ، عَنْ أَبيه، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: أُصيبَ سَعْدٌ يَوْمَ الْخَنْدَقِ فِي الأَكْحَلِ، فَضَرَبَ النَّبِيُّ ◌َ خَيْمَةً فِي الْمَسْجِد لَيَعُودَهُ مِنْ قَرِيب ، فَلَمْ يَرُعْهُمْ - وَفِي الْمَسْجِدِ خَيْمَةٌ مِنْ بَنِي غفار - إلاَّ الدَّمُ يَسيلُ إِلَيْهِمْ، فَقالُوا: يَا أَهْلَ الْخَيْمَةِ، مَا هَذَا الَّذِي يَأْتِينَا مِنْ قِبَلِكُمْ؟ فَإِذَا سَعْدٌ يَغْذُوُ جُرْحُهُ دَمَا، فَمَاتَ فِيها (١). في الحديث : دليل على جواز ضرب الخيام في المسجد ؛ فإنه كان فيه خيمة لبني غِفار، وضَرَبَ النبيُّ نَّ خيمةً لسعد بن معاذ لما رُمي بسهم في أَكْحله يومَ الخندقِ ، وقَصَدَ بذلك أن يعوده من قرب ؛ فإنَّ منزلَه كان فيه بُعدٌ عن المسجد . وقد كان النبيِّ وَجُلّ يُضرب له قبة في اعتكافه في المسجد وأزواجه معه(٢)، وقد كان للأمَة السوداء حِفْشٌ أو خباء في المسجد كما سبق(٣)، ورُوي أن النبيّ وَُّ أنزل وفدَ ثَقيف في قُبَّةِ في المسجد . وقد اختلف العلماءُ في ذلك : فكَرِهَ أحمد للمعتكف أن يضرب خيمة ونحوها في المسجد ، إلا لشدة البرد ، ورَخَّص فيه إسحاق إذا كان قصده أن يصون المسجد عما يكون منه من حدث أو سقوط شيءٍ من طعامه في المسجد - : نقله عنهما إسحاق بن منصور في ((مسائله))(٤) . (١) في نسخة عند ((ق)): ((منها)). (٢) البخاري (٢٠٣٣) . (٣) (٤٣٩) . (٤) في ((ق)) بعد هذا بياض قدر سطر، والكلام في ((ك)) متصل. ٥٤٠ حديث : ٤٦٣ كتاب الصلاة ومَنْ رَخَّصَ في ضرب الأَخْبية ونحوها في المساجد - كما دلتْ عليه الأحاديث في هذا الباب - قال : هي لا تتأبد ، فلا تكون ممنوعة ، بخلاف ما يتأبد كالغِرَاس والبناء ؛ فإنه لا يجوز . وقد نَصَّ أحمد على منع الغِرَاس في المساجد ، وهو قولُ مَالك : وقال أصحابُ الشافعي : يُكره . وحُكي جوازه عن الأوزاعي(١). (١) في ((ك)): ((وحكى عن الأوزاعي جوازه)).