Indexed OCR Text
Pages 341-360
٣٤١ ٣٦ - باب لیبصق عن يساره أو تحت قدمه الیسری كتاب الصلاة ٣٦ -باب لِيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى فيه حديثان : أحدهما : ٤١٣ - ثَنَا آدَمُ: ثَنَا شُعْبَةُ: ثَنَا قَتَادَةُ، قَالَ : سَمِعْتُ أَنَسَ بِنَ مَالك، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللّهِوَهِ: ((إِنَّ المُؤْمِنَ إِذَا كَانَ فِي الصَّلاَةِ فَإِنَّمَا يُنَاجِي رَبَّه، فَلاَ يَبْزُقَنَّ بَيْنَ يَدَّهِ وَاَ عَنْ يَمِيْنِهِ ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ» . هذا مما صُرِّح فيه بالسماع في جميع إسناده في هذه الرواية والتي قبلها ، وهو من صحيح حديث قتادة عن أنس . والثاني : قال : ٤١٤ - ثَنَا عَلِيٍّ: ثَنَا سُفْيَانُ: فَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، أَنَّالنََِّّ أَبْصَرَ نُخَامَةً فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ، فَحَكَّهَا بِحَصَةٍ، ثُمَّنَهَى أَنْ يَبْزُقَ الرَّجُلُ بَيْنَ يَدَيْهِ، أَوْ عَنْ يَمِينِه، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِه الْيَسْرَى. وَعَنِ الزُّهْرِيِّ: سَمِعَ حُمَيّدًا، عَنْ أبي سَعِيدٍ - نَحْوَهُ. ليس في هذه الرواية ذكر: ((أبي هريرة)) ، كما في الروايتين المتقدمتين عن الزهري . وفي هذه الرواية : أن سفيان بن عيينة تارة ذكر سماع الزهري له من حميد ، وتارة عنعنه . وعليّ شيخ البخاري ، هو : ابن المديني ، وكانت له عناية بذلك . ٣٤٢ حديث : ٤١٣ - ٤١٤ كتاب الصلاة وأما سماع حميد له من أبي هريرة وأبي سعيد ، فقد صرح به إبراهيم بن سعد في روايته عن الزهري ، وقد خرجه البخاري فيما تقدم . ودلَّ هذا الحديث - مع غيره من الأحاديث المتقدمة - : على أن المصلي یبزق عن شماله أو تحت قدمه اليسرى . وقد خرج مسلم في ((صحيحه))(١) من حديث يزيد بن عبد الله بن الشِّخِّير، عن أبيه، أنه صلى مع النبي وََّ، فَتَنَخَّعَ فدلكها بنعله اليسرى . وخرجه أبو داود(٢)، وعنده : عن يزيد ، عن أخيه مطرف ، عن أبيه ، قال: أتيت رسول اللّه وهو يصلي ، فبزق تحت قدمه اليسرى . ورواه ابن المبارك عن الجُرَيري، عن أبي العلاء يزيد بن عبد الله، عن أبيه، قال: رأيت رسول اللّه وَ له وهو يتنخم في المسجد، ثم دلكه بنعله اليسرى(٣). وخرجه الطبراني(٤) بإسناد ضعيف ، وفيه : أنه كان يصلي على البلاط . والبلاط : خارج المسجد . وروى إبراهيم بن طَهْمان ، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن ، عن محمد بن أبي عاصم ، عمَّن رأى رسول اللّه وَل يصلي وفي رجليه نعلان، فبزق فمسح بُسَاقَه(٥) بنعله في التراب ، والمسجد يومئذٍ فيه التراب(٦). وخرج أبو داود (٧) من حديث الفَرَج بن فَضَالة ، عن أبي سعيد ، قال : (١) (٢/ ٧٧) . (٢) (٤٨٢) . (٣) أخرجه النسائي (٢/ ٥٢). (٤) في ((الأوسط)) (٧٠٩١) . (٥) (بسق) بالسين، لغة في ((بصق)). (٦) ذكره البخاري في ((التاريخ الكبير)) (١/ ١/ ٢٠٥) . (٧) (٤٨٤) . ٣٤٣ ٣٦ - باب لیبصق عن يساره أو تحت قدمه الیسری كتاب الصلاة رأيت واثلة بن الأسقع في مسجد دمشق بصق على البوري (١)، ثم مسحه برجله ، فقيل له: لِمَ فعلتَ هذا؟ قال: لأني رأيت رسول اللّه وَ لَه يفعله. وهذا يدل على جوازه في المسجد إذا غَيَِّهُ ، وهو قول بعض أصحابنا ، ونص عليه أحمد في رواية أبي طالب ، قال : لا يبصقِ الرجلُ في المسجد تحت الباريَّة ؛ فإنه يبقى تحت الباريّة ، وإذا كان حصى فلا بأس به ؛ لأنه يواري البصاق . وروى عبد الرزاق(٢)، عن ابن جريج ، عن عطاء ، قال : لا بأس بالتنخم في الحِجْر إذا غيبه . يعني : حجر البيت . وفي ((تهذيب المدونة)) : ولا يبصق في المسجد فوق الحصير ويدلكه ولكن تحته ، ولا يبصق في حائط القبلة ، ولا في مسجد غير محصَّب إذا لم يقدر على دفن البصاق فيه ، وإن كان المسجد محصبًا فلا بأس أن يبصق بین یدیه وعن يمينه وعن يساره وتحت قدمه ويدفنه . انتهى . ولعل هذ في غير الصلاة . وروى أبو عبيد بإسناده عن عمر ، أنه حصَّب المسجد ، وقال : هو أغفر للنخامة . وقال : معناه : أستر لها وأشد تغطيةً . قال أبو عبيد : فيه من الفقه الرخصة في البزاق في المسجد إذا دفن . وقالت طائفة : لا يفعل ذلك في المسجد ، بل خارج المسجد ، ولا يبزق في المسجد إلا في ثوبه ، أو يبزق في المسجد ويحذف بصاقه إلى خارج المسجد حتى يقع خارجًا منه . (١) هو : الحصير المنسوج . (٢) ((المصنف)) (١٢٣/٥). ٣٤٤ حديث : ٤١٣ - ٤١٤ كتاب الصلاة وهذا هو أكثر النصوص عن أحمد . وكان أحمد يبزق في المسجد في الصلاة ، ويَعْطِفُ بوجهه حتى يلقيه خارج المسجد عن يساره ـ : نقله عنه أبو داود . وقال بكر بن محمد : قلت لأبي عبد اللّه - يعني : أحمد بن حنبل - : ما ترى في الرجل يبزق في المسجد ثم يدلكه برجله ؟ قال : هذا ليس هو في كل الحديث . قال : والمساجد قد طرح فيها بواري ليس كما كانت . قال : فأعجب إليَّ إذا أراد أن يبزق وهو يصلي أن يبزق عن يساره إذا كان البزاق يقع في غير المسجد ، يقع خارجًا ، وإذا كان في مسجد ولا يمكنه أن يقع بزاقه خارجًا أن يجعله في ثوبه . وقد ذكرنا فيما تقدم عن حذيفة ، أن المصلي له أن يبصق خلفه ، وهذا إنما يكون بالتفات شديد بوجهه عن القبلة . وقد روي هذا مرفوعًا من حديث يحيى بن سعيد ، عن سفيان، عن منصور، عن ربعي بن حِرَاش، عن طارق بن عبد اللّه المحاربي، عن النبي ◌َّ، قال: ((إذا كنتَ في الصلاة ، فلا تبزقْ عن يمينك ولا بين يديك ، ولكن خلفكَ أو تلقاءَ شمالك أو تحت قدمكَ الیسری)) . خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي(١). وصححه، وقال : العمل عليه عند أهل العلم . وبوب عليه النسائي: ((الرخصة للمصلي أن يبزق خلفه أو تلقاء شماله)). وقد أنكر الإمام أحمد هذه اللفظة في هذا الحديث ، وهي قوله : ((خلفك))، وقال : لم يقل ذلك وكيع ولا عبد الرزاق . قال الدارقطني : هي وهم من يحيى بن سعيد ، ولم يذكرها جماعة من (١) أحمد (٣٩٦/٦) وأبو داود (٤٧٨) والنسائي (٥٢/٢) وابن ماجه (١٠٢١) والترمذي (٥٧١). ٣٤٥ ٣٦ - باب لیبصق عن يساره أو تحت قدمه اليسرى كتاب الصلاة الحفاظ من أصحاب سفيان ، وكذلك رواه أصحاب منصور عنه ، لم يقل أحد منهم: ((ابزق خلفك)). وروى سليمان بن حرب عن شعبة، عن القاسم بن مهران، عن أبي رافع ، عن أبي هريرة، عن النبي وَّر، قال: ((إذا كان أحدكم في صلاته فلا يبزقن عن یمینه ، ولا عن يساره ، ولا بین یدیه ، ولكن تحتَ قدمه اليسرى ، فإن لم يستطعْ ففي ثوبه)» . وأخطأ سليمان في قوله : ((ولا عن يساره)) ؛ فقد رواه أصحاب شعبة ، عنه، وقالوا : ((ولكن عن يساره تحت قدمه)) ـ : ذكره ابن أبي حاتم(١). وقد خرجه مسلم في ((صحيحه))(٢) كذلك . واستدل ابن عبد البر بحديث تَنَخُّمِ النبيِ وَّرَ في صلاته على أن النَّحْتَحَةَ ونحوها لا تبطل الصلاة إذا كانت لعذر . قال : لأن للتنخم صوتًا كالتنحنح ، وربما كان معه ضرب من النفخ عند القذف بالبصاق . وقد أشار البخاري إلى ذلك في أواخر ((كتاب : الصلاة)) - أيضًا - ، ويأتي في موضعه - إن شاء اللّه تعالى. (١) في ((العلل)) (٥٤٩). (٢) (٧٦/٢) . ٣٤٦ حديث : ٤١٥ كتاب الصلاة ٣٧ -باب كَفَّارَةِ البُزَاقِ فِي المَسْجِدِ ٤١٥ - حَدَّثَنَا آدَمُ: ثَنَا شُعْبَةُ: ثَنَا قَتَادَةُ: قَالَ : سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالك، قَالَ : ء قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِّهِ : ((الْبُزَاقُ فِي المَسْجِد خَطِيئَةٌ، وَكَفَّارَتُهَا دَفْتُهَا)) . قوله : ((خطيئة)) ظاهره يقتضي أنه معصية ، وجَعَل كفارةَ هذه المعصية دفنَها . وهذا يَستدلُّ به من يقول : إن البزاق لا يجوز في المسجد مع دفنه ، كما لا يجوز لأحد أن يعمل ذنبًا ويتبعه بما يكفره من الحسنات الماحية . وفي ((صحيح مسلم))(١) عن أبي ذر، عن النبي رَّ، قال: ((عُرضَتْ عليّ أعمالُ أمتي ، حسنُها وسيتُها ، فوجدتُ في محاسن أعمالها الأذى يُماط عن الطريق، ووجدت في مساوئ أعمالها النُّخامة تكون في المسجد لا تُدْفَنُ)). وخرج الإمام أحمد وأبو داود وابن حبان في ((صحيحه)) (٢) من حديث السائب ابن خَلاَّد، أنَّ رجلاً أمَّ قومًا فبزق في القبلة ورسول اللّه بَّله ينظر، فقال رسول اللّه ◌ُّخلال حين فرغ: ((لا يصلي لكم))، فأراد بعد ذلك أن يصلي لهم فمنعوه، وأخبروه بقول رسول اللّه وَله، فذكر ذلك لرسول اللّه وَظله، فقال: ((نعم)). وحسبت أنه قال: ((إِنَّك آذيتَ اللهَ ورسولَه)). وخرج أبو داود وابن خزيمة وابن حبان في ((صحيحيهما)) (٣) من حديث حذيفة، عن النبي ◌ََّ، قال: ((من تَفَل تُجَاهَ القبلة جاءَ يوم القيامة وتَفْلُه بين عينيه)) . (١) (٢ / ٧٧) . (٢) أحمد (٥٦/٤) وأبو داود (٤٨١) وابن حبان (١٦٣٦). (٣) أبو داود (٣٨٢٤) وابن خزيمة (٩٢٥) (١٣١٤) (١٦٦٣) وابن حبان (١٦٣٩). ٣٤٧ ٣٧ - باب دفن النخامة في المسجد كتاب الصلاة وخرج ابن خزيمة وابن حبان (١) من حديث ابن عمر، عن النبي وَجَلّ، قال: ((يُبعث صاحبُ النخامة في القبلة يوم القيامة وهي في وجهه)) . وقال أبو هريرة : إن المسجد لَيَنْزَوي من النخامة كما تنزوي الجلدة من النار . خرجه وكيع وابن أبي شيبة وغيرهما (٢). : (١) ابن خزيمة (١٣١٣) وابن حبان (١٦٣٨). (٢) ابن أبي شيبة (١٤٤/٢) وعبد الرزاق (٤٣٣/١). ٣٤٨ حديث : ٤١٦ كتاب الصلاة ٣٨ -باب دَفْنِ النُّغَامَةِ فِي المَسْجِدِ ٤١٦ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ: أَبْنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ هَمَّامٍ بْنِ مُنَبِّهِ: سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، عَنِ النَِّّ ◌ِ﴿ِ، قال: (إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَلاَ بَبْصُقْ أَمَهُ؛ فَإِنَّمَا يُنَاجِي اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مَا دَمَ في مُصَلَّهُ، وَلاَ عَنْ يَمِهِ؛ فَإِنَّ عَنْ يَمِهِ مَلَكًا، وَلَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمَه، فَيَدْفْتُهَا)) . دفن النخامة في المسجد مأمور به ، وهو كفارة لها كما في الحديث قبله ، وقد ورد الأمر بالحفر لها والإِبْعَادِ فيه، كما في ((مسند الإمام أحمد)»(١) من حديث عبد الرحمن بن أبي حَدْرَد ، عن أبي هريرة، عن النبي ◌َّ، قال: ((إذا بزق أحدكم في المسجد فليحفر فليبعد ، فإن لم يفعل فليزقْ في ثوبه)) . وقد ورد تعليل ذلك بخشية إصابتها للمصلين ، ففي ((المسند)) (٢) عن سعد ابن أبي وقاص، أن رسول اللّه رَله قال: ((إذا تنخم أحدكم في المسجد فلُغَيِّها ، لا تصیبُ جلدَ مؤمن أو ثوبه فتؤذیه)) . وقال علي بن المديني : هو حسن الإسناد . وهذا مما يدل على أن قرار المسجد وباطنه يجوز أن يجعل مدفنًا للأقذار الطاهرة . وقد كان بعض الصحابة والتابعين يتفلَّى في المسجد ويقتل القَمْل ويدفنه في المسجد ، روي ذلك عن معاذ وأبي هريرة وأبي أمامة وأبي العالية (٣). (١) (٢ / ٠ ٢٦ - ٣٢٤ - ٤٧١ - ٥٣٢) . (٢) (١/ ١٧٩) . (٣) راجع: ((المصنف)) لعبد الرزاق (٤٤٦/١ - ٤٤٧ - ٤٤٨) وكذا لابن أبي شيبة (١٢٤/٢ - ١٤٥). ٣٤٩ ٣٨ - بابُ دفن النخامة في المسجد كتاب الصلاة وهو مما يستدل به على طهارة (١) دم القمل والبراغيث ونحوها . وحكى بعض أصحابنا في جواز دفنها في المسجد وجهين ، ولعلهما مبنيان على الخلاف في طهارة دمها ونجاسته . ومذهب مالك : يكره قتلها في المسجد وإلقاؤها فيه . وفي ((المسند))(٢) بإسناد فيه بعض من لا يعرف ، أن رجلا [ وجد ] في ثوبه قملة، فأخذها ليطرحها في المسجد، فقال رسول اللّه وَّلهُ: ((لا تفعلْ، رُدَّهَا في ثوبك حتى تخرج من المسجد)) . وبإسناد آخر (٣) عن رجل من الأنصار، أن رسول اللّه وَّل قال: ((إذا وجد أحدكم القملة فَلْيَصُرَّهَا ، ولا يلقها في المسجد)) . وقد قيل : إنه مرسل . وكذلك خرجه أبو داود في ((مراسيله))(٤). والذي قبله - أيضًا - مرسل - : نص عليه الإمام أحمد ، وذكر أن بعضهم وصله ، وأخطأ في وصله. [ والله أعلم ] . (١) في ((ق)): ((طاهرة)) خطأ. (٢) (٤١٩/٥). (٣) (٥/ ٤١٠). (٤) (١٦) . ٠ ٣٥٠ حديث : ٤١٧ كتاب الصلاة ٣٩ - بابٌ إِذَا بَدَرَهُ الْبُصَاقُ(١) فَلْيَأْخُذْ بِطَرِفِ قَوْهِ ٤١٧ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ: ثَنَا زُهَيْرٌ: ثَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَِّيَّ ﴿ رَأَى نُخَامَةً في القِبْلَةِ فَحَكَّهَا بِيَدِهِ، وَرِّي مِنْهُ كَرَاهِيَةٌ - أَوْ رَتِي كَرَاهِيَتُهُ - لِذَلَكَ وَشِدَّتْهُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: ((إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ فِي صَلاَتِهِ فَإِنَّمَا يُنَاجِ رَبُّ - أَوَ إِنَّ رَبََّهُ وَبَيْنَ القِبْلَةِ -، فَلاَ بَيْزُقَنَّ فِي قِبْلَتِهِ ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ»، ثُمَّ أَخَذَ طَرَفَ رِدَائِهِ فَزَقَ فِيهِ ، وَرَدَّ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ. قَالَ: ((أَوْ يَفْعَلُ هَكَذَا)) . ومقصوده بتخريج هذا الحديث في هذا الباب : ذكرُ حكم البصاق في الثوب خاصة، وقد بينه وَله بقوله وفعله ، كما سبق التنبيه على ذلك، وأن فيه إشارة إلى أن تلويث الثوب للحاجة إليه ليس مما ينبغي التنزه عنه ، كما قد يأنف منه بعض أهل الكبر والأنفة . والمصلي إن كان في المسجد فالأولى أن يبصق في ثوبه ويدلكه بعضه ببعض، كما فعل النبي وَّ؛ ليذهب أثره ، وهو أولى من البصاق في المسجد مع تغييبه ؛ للاختلاف في جوازه . وإن كان خارج المسجد ، فقالت طائفة من أصحابنا : الأولى أن يبصق عن يساره ؛ لما فيه من صيانة الثوب عن تلويثه بالمستقذرات . وخرج مسلم(٢) من حديث القاسم بن مهران ، عن أبي رافع ، عن أبي هريرة، أن رسول اللّه وَّو رأى نخامة في قبلة المسجد ، فأقبلَ على الناس، فقال : ((ما بالُ أحدكمْ يقومُ مستقبلَ ربِّه فيتنخعُ أمامه ؟ أيحب أن يُسْتَقبلَ فَيُتنخعَ (١) في نسخة عند ((ق)): ((البزاق))، وهي التي في ((اليونينية))، ليس فيها غيرها. (٢) (٢/ ٧٧) . ٣٥١ ٣٩ - باب إذا بدره البصاق فليأخذ بطرف ثوبه كتاب الصلاة في وجهه ، فإذا تنخع أحدكم فليتنخع عن يساره تحت قدمه ، فإن لم يجد فيتفل هكذا)) . ووصف القاسم : فتفل في ثوبه ، ثم مسح بعضه على بعض . وفي رواية له : قال أبو هريرة: كأني أنظر إلى رسول اللّه وَخلاله يردُّ ثوبه بعضه على بعض . وهذا يستدل به على أن البصاق على الأرض حيث أمكن فهو أولى من البصاق في الثوب ؛ لأنه لم يأمر به إلا عند تعذر البصاق عن يساره ، وليس المراد أنه لا يجوز فعله إلا عند تعذر البصاق على الأرض ، بل المراد أنه لا حاجة إلى تلويث ثوبه بالبصاق مع القدرة على الاستغناء عنه . فهو كقوله تعالى: ﴿وَإِن كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ . [البقرة: ٢٨٣]، وقوله: ﴿فَإِنِ لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنٍ فَرَجُلٌ وَامْرَ أَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقوله: ﴿فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]. وقد قال النبي بَُّ و لزيد بن حارثة: ((أنتَ أخونا ومولانا))(١)، مع أنه كان يعلم أباه . (١) أخرجه أحمد (٢٩٨/٤) والبخاري (٢٦٩٩) وغيرهما من حديث البراء بن عازب رضي اللّه عنه . ٣٥٢ حديث : ٤١٨ - ٤١٩ كتاب الصلاة ٤٠ -بابُ عِظَةِ الإِمَامِ النَّاسَ في إِنْمَامِ الصَّلاَةِ ، وَذِكْرِ القِبْلَةِ ٤١٨ - حَكَّثَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ يُوسُفَ: أَبْنَا مَالكِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ: ((هَلْ تَرَوْنَ قِبْلَتِي هَاهُنَا؟ فَوَاللَّهِ مَا يَخْفَى عَلَيَّ رُُوعُكُمْ وَلَآَ خُشُوعُكُمْ ؛ إِنِّي لأَرَاكُمْ مِنْ وَرَءِ ظَهْرِي)) . ٤١٩ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحِ: ثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ هِلَاَلِ بْنِ عَلِيٌّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ وَ صَلَاةَ، ثُمَّ رَقِيَ الِمِنْبَرَ ، فَقَالَ فِي الصَّلَةِ وفي الرُّجُوعِ - (إِنِّي لأَرَاكُمْ مِنْ وَرَئِي ◌َمَا أَرَاكُمْ). وروى قتادة، عن أنس، أن النبي وَلَو قال: ((أقيموا الركوع والسجودَ، فوالله إني لأراكم من بَعْدي)) - وربما قال: ((من بعْد ظهري - إذا ركعتم وسجدتم)) . خرجه البخاري في ((باب: الخشوع في الصلاة)) (١) كما سيأتي من حديث شعبة . وخرجه مسلم(٢) من رواية شعبة وسعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة . وأظن أنَّ البخاري عدل عنه هاهنا إلى حديث فليح عن هلال ؛ لأن قتادة لم يصرِّح فيه بالسماع ، وقد أكثر البخاري في ((كتابه)) هذا من تخريج حديث فليح بن سليمان عن هلال بن علي . وهو هلال بن أبي ميمونة . روى عنه مالك وغيره ، وقد ذكر البخاري في ((تاريخه)) أنه سمع أنسًا، ولم يذكر ابن أبي حاتم في ((كتابه)) أنه يروي عن أنس ، (١) برقم (٧٤٢) . (٢) (٢٨/٢). ٣٥٣ كتاب الصلاة ٤٠ - باب عظة الإمام الناس في إتمام الصلاة وذكر القبلة وذكر أنه سأل أباه عنه ، فقال : شيخ يكتب حديثه . وأما فُلَيْحُ بن سليمان ، فقال فيه ابن معين وأبو حاتم والنسائي : ليس بالقوي ، وضعفه ابن معين - أيضاً - ، وقال : لا يُحتج به . وحُكي عن أبي كامل المظفر بن مدرك أنه كان يتقي حديثه ، وضعفه أبو زرعة الرازي ، وقال : هو واهي الحديث - : نقله عنه البرذعي ، وضعفه علي بن المديني - أيضًا - نقله عنه أبو جعفر بن أبي شيبة في ((سؤالاته له)). وبكل حالٍ ؛ فرواية شعبة عن قتادة عن أنس ، وإن لم يصرح بالسماع أقوى من رواية فليح عن هلال عن أنس . والله أعلم . وخرج مسلم - أيضًا(١) - من حديث المختار بن فُلْفُل ، عن أنس ، قال : صلى بنا رسول اللّه وَل﴿ه ذاتَ يومٍ، فلما قضى أقبل علينا بوجهه، فقال: ((أيُّهَا الناسُ، إني إمامكم ، فلا تسبقوني بالركوعِ ، ولا بالسجودِ ، ولا بالقيامِ ، ولا بالانصرافِ ؛ فإني أراكمْ أمامي ومن خلفي)). ثم قال: ((والذي نفس محمد بیده، لو رأیتم ما رأیت لضحكتم قليلاً ولبکیتم کثیرًا)) . قالوا : وما رأيت يا رسول اللّه؟ قال: ((رأيتُ الجنةَ والنارَ)). وخرج - أيضًا (٢) - من طريق الوليد بن كثير : حدثني سعيد المَقْبُري ، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: صلى رسول اللّه وَلهثم انصرف، فقال: ((يا فلانُ ، ألا تحسن صلاتك ؟ ألا ينظر المصلي إذا صلى كيف يصلي ، فإنما يصلي لنفسه ، إني واللّه لأبصر من ورائي كما أبصر من بين يدي)). دَلَّت هذه الأحاديث على أن من رأى من يسيء صلاته فإنه يأمره بإحسان صلاته ويعظه ويبالغ في الوعظ ؛ فإن القلوب تستجيب إلى الحق بالموعظة الحسنة ما لا تستجيبُ بالعنف ، لا سيَّما إذا عمَّ بالموعظة ولم يخصَّ أحدًا ، وإن (١) (٢٨/٢). (٢) (٢٧/٢) . ٣٥٤ حديث : ٤١٨ - ٤١٩ كتاب الصلاة خصه فإنه يلين له القول . وقد قال اللّه تعالى لنبيه عليه السلام: ﴿وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بليغًا﴾ [النساء: ٦٣] وقال: ﴿ادْعَ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَة [النحل: ١٢٥] . وفي بعض هذه الروايات أنه خطب الناس على المنبر ، واتفقت الأحاديث كلها على أنه أمر بإقامة الركوع ، وفي بعضها : والسجود ، وفي بعضها : والخشوع ، وفي بعضها : أنه نهاهم عن مسابقته بالركوع والسجود والانصراف من المسجد بعد إتمام صلاته ، وهذا كما أمر المصلي الذي أساء في صلاته أن يعود إلى الصلاة ، وقال له : ((إِنَّك لم تصلِّ) . قال ميمون بن مهران : مثل الذي يرى الرجل يسيء صلاته فلا ينهاه كمثل الذي يرى النائم تنهشُه الحيّة ثم لا يوقظه . وعن يحيى بن أبي كثير نحوه . ورأى ابن عمر رجلاً لا يتمُّ ركوعه وسجوده ، فقال له لما فرغ : يا بن أخي ، تحسب أنك صلَّيت ؟! إنك لم تصلٌّ ، فَعُد لصلاتك . وكان المِسْور بن مَخْرمة وغيره من الصحابة إذا رأوا من لا يتمّ صلاته أمروه بالإعادة ، ويقولون :- لا يُعْصَى اللّه ونحن ننظر، ما استطعنا. قال النخعي : كانوا إذا رأوا الرجل لا يحسن الصلاة علَّموه . قال سفيان : أخشى أن لا يسعهم إلا ذلك . قال أبو خلاد : ما من قوم فيهم من يتهاون بالصلاة ولا يأخذون على يديه إلا كان أوَّلَ عقوبتهم أن يُنقص من أرزاقهم ورأى الإمام أحمد رجلاً لا يتم ركوعه ولا سجوده ، فقال : يا هذا ، أقم صُلْبَك في الركوع والسجود ، وأحسنْ صلاتك . ٣٥٥ كتاب الصلاة ٤٠ - باب عظة الإمام الناس في إتمام الصلاة وذكر القبلة وقيل له : الرجل يرى أهل المسجد يسيئون الصلاة ؟ قال : يأمرهم . قيل له : إنهم يَكثرون ، وربما كان عامة أهل المسجد ؟ قال : يقول لهم . قيل له : يقول لهم مرتين أو ثلاثًا فلا ينتهون ، يتركهم بعد ذلك ؟ قال : أرجو أن يسلم - أو كلمة نحوها . وقال حنبل : قيل لأبي عبد اللّه : ترى الرجل إذا رأي الرجل لا يتم ركوعه ولا سجوده ، ولا يقيم صلبه ، ترى أن يأمره بالإعادة أو يمسك عنه ؟ قال : إن كان يظن أنه يَقْبل منه أَمَره وقال له ووعظه حتى يحسن صلاته ؛ فإن الصلاة من تمام الدين . وقوله : ((إن كان يَظُنُّ أنه يقبل منه))، يُخَرَّج على قوله : إنه لا يجب الأمر بالمعروف إلا لمن ظُنَّ أنه يقبل . والمشهور عنه خلافه ، وأنه يجب مطلقًا مع القدرة . ويجب الأمر بإتمام الركوع والسجود وإقامة الصُّلْب في الصلاة ، وإن كان قد قال بعض الفقهاء : إن الصَّلاة صحيحة بدونه ؛ لأن الخلاف إذا كان مخالفًا للسنن الصحيحة فلا يكون عذرًا مسقطًا للأمر بالمعروف . وأيضًا ؛ فالخلاف إنما هو في براءة الذِّمَّة منها ، وقد أجمعوا على أنها صلاة ناقصة ، ومصليها مسيء غير محسن ، وجميع النصوص المذكورة في هذا الباب تدل على الأمر لمن لا يتم الركوع والسجود بإتمامها . وفي ((المسند)) و((سنن ابن ماجه)) (١)، عن علي بن شيبان الحنفي - وكان أحد الوفد -، قال: قدمنا على نبي اللّه وَه، فلمح بمُؤَخَّرِ عينه إلى رجل لا يقيم صلبه في الركوع ولا في السجود ، فلما قضى النبي ◌َّ صلاته قال: ((يا معشر المسلمين ، لا صلاةَ لامرئ لا يقيم صلبه في الركوع ولا في السجود)). ومتى كان المسيء في صلاته جاهلاً بما أساء فيه تعيّن الرفق في تعليمه ، كما (١) ((المسند)) (٢٣/٤) وابن ماجه (٨٧١) . ٣٥٦ حديث : ٤١٨ - ٤١٩ كتاب الصلاة. رفق النبي ◌َ لوبالذي قال له : والذي بعثك بالحق ، لا أحسن غير هذه الصلاة، فعلِّمني ، فعلمه . وفي ((صحيح مسلم)) (١) عن معاوية بن الحكم السُّمي ، قال: بينا أنا أصلي مع النبي وَّ إذا عطس رجل من القوم، فقلت: رحمك الله. فرماني القوم بأبصارهم . فقلت : وَتُكْلَ أُمِّيَاهُ ! ما شأنكم تنظرون إليَّ ؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم ، فلما رأيتهم يُصَمِّتُونَني ، لكنِّي سكت ، فلما صلى رسول اللّه وَّهو - فبأبي هو وأمي -، ما رأيت معلمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه، فواللّه ما كَهَرني ولا ضربني ولا شتمني، ثم قال: ((إنَّ هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس ، إنما هو التسبيحُ والتكبيرُ وقراءةُ القرآن)) - أو كما قال رسول اللّه ◌َ له- قلت: يا رسول اللّه، إني حديث عهدٍ بجاهلية، وقد جاء اللّه بالإسلام - وذكر بقية حديث. فإن رأى من يفعل في صلاته مكروهًا لا يبطل الصلاة فأمره بتركه برفق كان حسناً . قال الأثرم : قلت لأبي عبد اللّه: رجلٌ رأى رجلاً مشمرًا كُمَّه في الصلاة، أترى عليه أن يأمره ؟ قال : يستحب له أن يصلي غير كافِّ شعرًاً ولا ثوبًا ، وليس هذا من المنكر الذي يغلظ ترك النهي عنه . وصلى أحمد يومًا خلف رجل ، فكان إذا سجد جمع ثوبه بيديه ، فلما فرغ قال أحمد لرجل إلى جانبه - وخفض صوته -: قال النبي ◌َّ: ((إذا قامَ أحدكم إلى الصلاة، فلا يكف شعرًاً ولا ثوبًا))(٢)، ففطن الإمام بذلك، وعلم أنه أراده (١). ورأى الفضيل بن عياض رجلاً يفقع أصابعه في صلاته ، فَزَبَرَهُ وانتهره ، (١) (٢ / ٧٠) . (٢) سيأتي برقم (٨٠٩). (٣) هذه القصة في كتاب ((الأمر بالمعروف)) للخلال (٣٦). ٣٥٧ ٤٠ - باب عظة الإمام الناس في إتمام الصلاة وذكر القبلة كتاب الصلاة فقال له الرجل : يا هذا ، ينبغي لمن يقوم للّه عز وجل أن يكون ذليلاً، فبكى الفضيل ، وقال له : صدقت . وفي ((صحيح مسلم))(١) عن جابر بن سمرة ، قال : كان رسول اللّه وسـ يسوي صفوفنا ، حتى كأنما يسوي بها القداح ، حتى رأى أن قد عَقِلنا عنه ، ثم خرج علينا يومًا ، فقام حتى كاد أن يُكَبَِّ فرأى رجلاً باديًا صدرُه من الصف ، فقال: ((عبادَ اللّه، لَتُسَوَّنَّ صفوفكم أو ليخالفنَّ اللهُ بين وجوهكم)) . وقوله وَالر: ((إني لأراكم من وراء ظهري))، وفي رواية: ((من خلفي)) ، وفي رواية : ((من بعدي)) - والمراد به : من خلفي - : فيه تحذير لهم من التقصير في الصلاة وراءه ، فإنهم لو كانوا بين يديه لم يقصروا في الصلاة ، فكذا ينبغي أن يصلوا من خلفه ؛ فإنه يراهم . وفيه تنبيه على أن من كان يحسن صلاته لعلمه بنظر مخلوق إليه فإنه ينبغي أن يحسنها لعلمه بنظر اللّه إليه؛ فإن المصلي يناجي ربه ، وهو قريب منه ومطّلع على سره وعلانيته . وقد روي حديث أبي هريرة بلفظ آخر ، فيه : الإشارة إلى هذا المعنى [من رواية ابن إسحاق: حدثني سعيد المقبري ، عن أبيه ، عن أبي هريرة](٢)، قال : صلى بنا رسول اللّه وَله، فلما انصرف من صلاته رأى رجلاً كان في آخر الصفوف ، فقال: ((أي فلان ، ألا تتقي اللّه عز وجل في صلاتك ، فلا تتم ركوعك وسجودك ، ألا ينظر المصلي منكم كيف يصلي ؟ وإنما يصلي لنفسه ، وإنما يناجي ربه عز وجل ، لا تظنون أني لا أراكم ، والله إني لأرى مَنْ خلفي منكم كما أرى مَنْ بين يدي)»(٣). (١) (٣١/٢)، لكن من حديث النعمان بن بشير. (٢) من ((هـ)) وساقط من (( ق)). (٣) أخرجه مسلم (٢/ ٢٧) من طريق الوليد بن كثير ، عن المقبري . ٣٥٨ حديث : ٤١٨ - ٤١٩ كتاب الصلاة فقوله : ((ألا ينظر المصلي منكم كيف يصلي ، وإنما يصلي لنفسه)) ، يشير إلى أن نفع صلاته يعود إلى نفسه ، كما قال تعالى: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت: ٤٦]، فمن علم أنه يعمل لنفسه وأنه ملاقٍ عمله ، ثم قصَّر في عمله وأساءَه كان مسيئًا في حق نفسه ، غير ناظرٍ لها ولا ناصحٍ . وقوله: ((وإنما يناجي ربه))، إشارة إلى أنه ينبغي له أن يستحي من نظر اللّه إليه ، واطلاعه عليه ، وقربه منه ، وهو قائم بين يديه يناجيه ، فلو استشعر هذا لأحسن صلاته غاية الإحسان، وأتقنها غاية الإتقان، كما قال وَلّر: ((اعبد الله كأنَّك تراه)) . وفي القرآن الإشارة إلى هذا بقوله عز وجل : ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْأَنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ. [يونس: ٦١] الآية. وقوله ◌َّ: ((لا تظنون أني لا أراكم، واللّه إني لأرى مَنْ خلفي منكم))، توبيخ لمن قصر في صلاته حيث يظن أن مخلوقًا لا يراه ، ثم يحسنها إذا ظن أنه يراه . ومن هنا قال بعض العارفين : اتَّقِ اللّه أن يكون أهون الناظرين إليك . وروى [إبراهيم] (١) الهجري ، عن أبي الأحوص ، عن عبد اللّه بن مسعود ، عن النبيِ وَجُلّ، قال: ((من أحسن الصلاةَ حيثُ يراه الناسُ، وأساءها حيث يخلو فذلك استهانةٌ استهان بها ربه عز وجل))(٢). وروي موقوفًا . وروى بقية ، عن ورقاء بن عمر ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة - مرفوعًا -: ((إذا صلَّى العبد في العلانية فأحسن ، وصلى في السّرّ (١) من (( هـ)). (٢) أخرجه عبد الرزاق (٣٦٩/٢ - ٣٧٠)، والرواية الموقوفة عند ابن أبي شيبة . ٣٥٩ كتاب الصلاة ٤٠ - باب عظة الإمام الناس في إتمام الصلاة وذكر القبلة فأحسنَ قال اللّه : هذا عبدي حقًا)) . لعل بقيه دلسه عن ضعيفٍ . وقوله : ((إني لأرى مَنْ خلفي كما أرى مَنْ بين يدي))، هو فضيلة للنبي رَّ خصه الله بها ، فكان ينظر ببصيرته كما ينظر ببصره ، فيرى من خلفه كما يرى من بين يديه . وقد فسَّرَّهُ الإمام أحمد بذلك في رواية ابن هانئ(١)، وتأول عليه قوله تعالى : ﴿ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٩]. كما روى ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلَُّكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٨، ٢١٩]، أنّ النبي ◌َّ كان يرى (٢١٨) أصحابه في صلاته من خلفه ، کما یری من بين يديه . وتأويل الآية على هذا القول: أن اللّه تعالى يَرَى نبيّه وَّ حين يقوم إلى صلاته ، ويَرَى تقلب نظره إلى الساجدين معه في صلاته . وقال الأثرم: قلت لأحمد: قول النبي ◌َّ: ((إني لأراكم من وراء ظَهْرِي))؟ قال : كان يرى من خلفه كما يرى من بين يديه . قلت : إن إنسانًا قال لي : هو في ذلك مثل غيره ، وإنما كان يراهم كما ينظر الإمام عن يمينه وشماله ، فأنكر ذلك إنكارًاً شديداً . (١) (٢ / ١٩٣) . ٣٦٠ ٤١ - باب هل يقال : مسجد بني فلان كتاب الصلاة ٤١ - بابٌ هَلْ يُقَالُ: مَسْجِدُ بَنِي فُلاَنٍ ابتدأ البخاري - رحمه الله - من هنا في ذكر المساجد وأحكامها ، فأول ما ذكره من ذلك : أنه يجوز نسبة المساجد إلى القبائل ؛ لعمارتهم إياها ، أو مجاورتهم لها . وقد كره ذلك بعض المتقدمين ، وتعلق بقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ للَّه فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدَا﴾ [الجن: ١٨]. والصحيح : أن الآية لم يرد بها ذلك ، وأنها نزلت في النهي عن أن يشرك باللّه في المساجد في عبادته غيره ، كما يفعل أهل الكتاب في كنائسهم وبيعهم . وقيل : إن المراد بالمساجد الأرض كلها ؛ فإنها لهذه الأمة مساجد ، وهي كلها لله، فنهى اللّه أن يُسجد عليها لغيره. وقيل : إن المراد بالمساجد أعضاء السجود نفسها ، وهي للّه ؛ فإنه هو خلقها وجمعها وألفها ، فَمِن شُكْرِهِ على هذه النعمة أن لا يسجدَ بها لغيره . وقد قيل : إن قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًّا ﴾ [الجن: ١٨] يدلُّ - أيضًا - على أنه لا يجوز إضافة المساجد إلى مخلوق إضافة ملك واختصاص . وأخذ بعض أصحابنا من ذلك كالوزير ابن هبيرة : أنه لا يجوز نسبة شيء من المساجد إلى بعض طوائف المسلمين للاختصاص بها ، فيقال : هذه المساجد للطائفة الفلانية ، وهذه للطائفة الأخرى ، فإنها مشتركة بين المسلمين عمومًا . وذكر بعض المتأخرين من أصحابنا في صحة اشتراط ذلك في وقفها وجهين . /