Indexed OCR Text
Pages 281-300
٢٨١ ٢٨ - باب فضل استقبال القبلة كتاب الصلاة ٢٨(١)-بابُ فَضْلِ اسْتِقْبالِ القِبْلَةِ يَسْتَقِلُ بأطرافٍ رِجْلَيْهِ الْقِبْلَةَ -: قَالَهُ أَبُو حُمَيْدٍ، عن النَّبِّ ◌َه . حديث أبي حُميد هذا ، خَرَّجة البخاريُّ بإسناده بتمامه في ((أبواب صِفة الصلاة))(٢)، وفيه: أن النبي ◌َ لّ كان إذا سجد استقبل بأطراف رجليه القبلة. وخرَّج ابنُ حبان في «صحيحه)) (٣) من حديث عائشة ، قالت : فقدتُ النبي وَلِّل ليلةً مِن الفِراشِ، فالْتَمَسْتُهُ، فوقعتْ يَدِي على بطن قدميه وهو في السجود ، ناصبًا قدميه ، مستقبلاً بأطراف أصابعه القبلة . وخَرَّجه مسلم(٤)، ولفظه: ((وهو في المسجد ، وهما منصوبتان)). وقال ابنُ جُريج : عن إبراهيم بن ميسرة ، عن طاوس : ما رأيت مصلّيًا كهيئة عبد اللّه بن عمر ، أشد استقبالاً للكعبة بوجهه وكفيه وقدميه . وروى نافع ، عن ابن عمر ، قال : إذا سَجَدَ [أحدُكم ] فليستقبل بيديه القبلة ؛ فإنهما يسجدان مع الوجه (٥). ورُوَي عنه ، قال : كان ابن عُمر إذا صلى استقبل القبلة بكل شيءٍ ، حتى (٦) بنعلیه ـيـ ورَوَى سالمٌ ، عن ابن عُمر ، أنه كَرِهَ أن يَعْدِلَ كفيه عن القبلة(٧). (١) انظر آخر الباب السابق والتعليق عليه . (٢) برقم (٨٢٨) . (٣) (١٩٣٣) . (٤) (٢ / ٥١) . (٥) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٣٦/١) . والزيادة منه . (٦) ((الأوسط)) لابن المنذر (٣/ ١٧٠) بمعناه. (٧) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٣٧/١). ٢٨٢ حديث : ٣٩١ - ٣٩٣ كتاب الصلاة ورَوَى المسعودي ، عن عثمان الثقفي ، أن عائشة رأت رجلاً مائلاً كَفَيه عن القِبلة ، فقالتْ : اعدِلْهُمَا إلى القبلة(١). وروى حارثة بن محمد - وفيه ضعف - ، عن عَمْرةَ ، عن عائشة ، أن النبي وٍَّ كان إذا سَجَدَ وضع يديه وِجَاه القبلة . خرَّجه ابن ماجه (٢) . واستحب ذلك كثير من السلف ، منهم : سالم والقاسم بن محمد والحسن وابن سيرين . وقال حفص بن عاصم : هو من السُّنة . قال الأثرم : تفقدتُ أبا عبد اللّه - يعني : أحمد بن حنبل - في صلاته ، فرأيته يَفْتَخ أصابع رِجْلِه اليُمنى ، فيستقبل بها القبلة ، ويَجْعل بطونَ أصابع رجله اليمنى مما يلي الأرض . قال : والفَتْخ - يعني : بالخاء المعجمة - هو أن يكسر أصابعه فيثنيها حتى تكون أطرافها مواجهةً للقبلة ، ولو لم يفعل ذلك كانت أَطْرافها إلى غير القبلة . وفي حديث أبي حُميد ، أن النبي ◌َّ كان إذا سجد فَتَخَ أصابع رجليه . خَرَّجه أبو داود والترمذي(٣). قال البخاري - رحمه الله - : ٢٥٣٩١ - حدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ : ثنا ابنُ مَهْدِيٌّ: ثنا مَنْصُورُ بْنُ سَعْد، عَنْ (١) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٣٦/١). (٢) ليس هو في ابن ماجه بهذا اللفظ، بل هو بلفظ (٨٧٤)؛ ((كان رسول اللّه وَلقر يركع فيضع يديه على ركبتيه ، ويجافي بعضديه)). وإنما هذا اللفظ عند ابن أبى شيبة (٢٣٦/١ - الثقافية) بهذا الإسناد . والله أعلم. (٣) أبو داود (٧٣٠) (٩٦٣) والترمذي (٣٠٤) والنسائي (٢١١/٢) وابن ماجه (١٠٦١). (٤) انظر آخر الباب السابق والتعليق عليه . ٢٨٣ ٢٨ - باب فضل استقبال القبلة كتاب الصلاة مَيْمُونِ بْنِ سِياهٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّه ◌ِ: ((مَنْ صَلَّى صَلاَتَنَا ، وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا، وأَكَلَ فَبِيحَتَنَا فَذَلِكَ المُسْلِمُ الَّذِي لَهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِ اللَّهِوَهِ، فلا تُخْفِرُوا اللَّهَ فِي ذِمَّتِهِ». ٣٩٢ - وحدَّثَنَا (١) نُعَيْمٌ، قال: حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ حُمَيْدِ الطَّويل، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِوَِّ: ((أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا (٢) لا إلهَ إلاَّ اللَّهُ، فإذا قَالُوها وصَلَّوْا صَلَاتَنَا واسْتَقْبَلُوا قَبْلَتَنَا وَذَبَحُوا ذَبِيحَتَنَا فَقَدْ حُرَِّتْ عَلَيْنَ دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ، إِلا بِحَقِّها، وَحِسابُهُمْ عَلَى اللَّهِ عَزَّوَجَلَّ) . ٣٩٣(٣) - وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: ثنا خَالِدُ بْنُ الحَارِثِ: ثنا حُمَيْدٌ، قال: سَأَلَ مَّمونُ بنُ سِياه أَنَسَ بْنَ مالِكِ، فَقَالَ: يَا أَبَا حَمْزَةَ، مَا يُحِّرِمُ دَمَ العَبْدِ وَمَالَهُ؟ فَقَالَ: مَنْ شَهِدَ أَنْ لاَ إِلَهَ إلا اللَّهُ وَاسْتَقْبَلَ قَبْلَتَنَا وَصَلَّى صَلاَتَنَا وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا فَهْوَ المُسْلِمُ، لَهُ مَا لِلْمُسْلِمِ وَعَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُسْلِمِ . وَقَالَ ابْنُ أَنِي مَرْيَمَ : أبنا يَحْيِى بْنُ أُوبٍ: ثنا حُمَّدٌ: ثنا أَنَسٌ، عَنِ النَِّّ ◌َ. هذا الحديث قد خَرَّجه البخاريُّ من طريقين : أحدهما: من رواية منصور بن سعد، عن ميمون بن سياهِ، عن أنس مرفوعًا . وميمون بن سياه ، بصري اختلف فيه ، فضعَّفْه ابنُ معين ، ووثَّقه أبوحاتم الرازي . (١) في نسخة عند ((ق)): ((وقال ابن المبارك)) يعني: بغير ذكر ((نعيم)). وانظر ما قاله ابن حجر (١/ ٤٩٧) . (٢) في الأصل: ((يقول)). (٣) في بعض نسخ البخاري تقدم حديث ابن أبي مريم على حديث علي بن عبد اللّه المديني ، ولم يرقم الإسناد عن الباقي لحديث علي وإنما رقم فقط لحديث ابن أبي مريم ، فوضعنا الرقم على الأول منهما في نسختنا . فتنبه . ٢٨٤ حديث : ٣٩١ - ٣٩٣ كتاب الصلاة والثاني : من رواية حُمَيْد ، عن أنس - تعليقًا - من ثلاثة أَوْجه ، عنه . وفي بعض النسخ أسندهُ . من أحدها : عن نُعيم بن حَمَّد ، عن ابن المبارك ، عن حُميد ، عن أنس، ورفعه . والثاني : علَّقه عن ابن المديني ، عن خالد بن الحارث ، عن حُميد ، أن مَيْمون بن سِياه سَأَلَ أنسًا - فذكره ، ولم يرفعه ، جعله من قول أنس . والثالث : علَّقه ، عن ابن أبي مريم ، عن يحيى بن أيوب : ثنا حميد : ثنا أنس، عن النبي وَّ، وصَرَّحَ فيه بسماع حُميد له من أنس، ورفعه إلى النبي . 醬 ومقصودُ البخاري بهذا : تصحيحُ رواية حُميد ، عن أنس المرفوعة . وقد نازعه في ذلك الإسماعيليُّ ، وقال : إنما سَمِعَهُ حُميدٌ من مَيْمون بن سياهٍ ، عن أنس . قال : ولا يُحتج بيحيى بن أيوب في قوله: ((ثنا حميد : ثنا أنس))؛ فإن عادة الشاميين والمصريين جرتْ على ذِكْرِ الخبر فيما يَروُونه ؛ لا يطوونه طيَّ أهل العراق . يشير إلى أن الشاميين والمصريين يصرحون بالتحديث في رواياتهم ، ولا يكون الإسناد متصلاً بالسماع . وقد ذَكَرَ أبو حاتم الرازي عن أصحاب بَقِيَّة بن الوليد أنهم يصنعون ذلك كثيرًا . ثم استدل الإسماعيليُّ على ما قاله بما خَرَّجه من طريق عُبيد اللهِ بنِ مُعَاذ : ثنا أبي : ثنا حُميد، عن مَيْمون بن سياه ، قال: سَأَلْتُ أَنَسًا: ما يُحَرِّمُ دَمَ المُسْلِمِ وَمَالَهُ ؟ قَالَ : مَنْ شَهِدَ أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله - الحديث . ٢٨٥ ٢٨ - باب فضل استقبال القبلة كتاب الصلاة قال : وما ذكره عن علي بن المديني ، عن خالد بن الحارث فهو يُثبت ما جاء به معاذ بن معاذ ؛ لأن ميمون هو الذي سأل ، وحميد منه سمع . واللّه أعلم . انتهى ما ذكره . ورواية معاذ بن معاذ ، عن حميد ، عن ميمون ، عن أنس موقوفة . وقد ذكر الدارقطني في ((العلل)) أنها هي الصواب ، بعد أن ذَكَرَ أن ابن المبارك ويحيى بن أيوب ومحمد بن عيسى بن سُمَيع رووه عن حميد ، عن أنس مرفوعًا . قال : وذُكر هذا الحديث لعلي بن المديني ، عن ابن المبارك . فقال : أخاف أن يكون هذا وهمًا ، لعله : حميد ، عن الحسن - مُرسلاً . قال الدارقطني : وليس كذلك ؛ لأن معاذ بن معاذ من الأثبات . وقد رواه كما ذكرنا - يعني : عن حميد ، عن ميمون ، عن أنس موقوفًا . وقد خرَّجه أبو داود في ((سننه))(١) من طريق يحيى بن أيوب كما أشار إليه البخاري . وخرجه أبو داود - أيضًا - والترمذي والنسائي (٢) من طريق ابن المبارك وحسَّنْه الترمذي وصححه وغَرَّبه ، وذكر متابعة يحيى بن أيوب له . وخَرَّجه النَّسائيُّ - أيضًا (٣) - من طريق محمد بن عيسى بن سميع : ثنا حميد ، عن أنس ورفعه . ومن طريق محمد بن عبد الله الأنصاري: ثنا حُميد، قال: سأل ميمونُ بن سياه أنسًا ، فقال : يا أبا حمزة ، ما يُحرم دم المسلم وماله - فذكره موقوفًا ، ولم يرفعه . (١) (٢٦٤٢) . (٢) أبو داود (٢٦٤١) والترمذي (٢٦٠٨) والنسائي (١٠٩/٨). (٣) (٧٥/٧) . ٢٨٦ حديث : ٣٩١ - ٣٩٣ كتاب الصلاة وهذه مثل رواية خالد بن الحارث التي ذكرها البخاري ، عن ابن المديني ، عنه ، وقد جَعَلا ميمون بن سياه سائلاً لأنس ، ولم يذكرا أن حميدًا رواه عن ميمون ، ولعل قولهما أشبه . وتابعهما معاذ بن معاذ على وقفه ، إلا أنه جعله : ((عن حميد ، عن ميمون ، عن أنس)) ، وهو الصحيح عند الإسماعيلي والدارقطني كما سبق . وأما رَفْعُهُ مع وَصْلِه ، فقد حَكَىَ الدارقطني عن ابن المديني أنه أنكره . وكذا نَقَلَ ابنُ أبي حاتم(١)، عن أبيه ، أنه قال : لا يسنده إلا ثلاثة أنفس : ابن المبارك ويحيى بن أيوب وابن سُمَيع . يشير إلى أن غيرهم يقفه ولا يرفعه ، كذا قال . وقد رواه أبو خالد الأحمر ، عن حميد ، عن أنس - مرفوعًا . خرَّج حديثه الطبراني(٢) وابن جرير الطبري . وروى ابنُ لَهِيعة، عن أبي الأسود، عن عُرْوةَ بنِ الزبير، أن النبيِّ وَّهـ كَتَبَ إلى المنذر بن ساوى: (( أمَّا بعد ؛ فإنَّ مَنْ صَلَّى صَلاَتَنَا واستقبل قبلتنا وأكل ذَبِيحَتَنَا فذلك المسلمُ الذي له ذمةُ الله والرسول)) . خَرَّجه أبو عُبيد . وهو مُرسل . وقد دلَّ هذا الحديث على أن الدم لا يُعصم بمجرد الشهادتين ، حتى يقوم بحقوقهما ، وآكدُ حقوقهما الصلاةُ ؛ فلذلك خَصَّها بالذكر ، وفي حديث آخر أضاف إلى الصلاة الزكاة . وذَكَرَ استقبال القبلة إشارةً إلى أنه لا بد من الإتيان بصلاة المسلمين (١) في ((العلل)) (١٩٦٤). (٢) في ((الأوسط)) (٣٢٢١) من حديث أبي خالد الأحمر به . ٢٨٧ ٢٨ - باب فضل استقبال القبلة كتاب الصلاة المشروعة في كتابهم المُنزل على نبيهم وهي الصلاة إلى الكعبة ، وإلا فمن صلَّى إلى بيتِ المقدس بعد نَسْخِهِ كاليهود أو إلى المَشْرِق كالنصارى فليس بمسلم ، ولو شَهِدَ بشهادة التوحيد . وفي هذا دليل على عِظَمٍ موقع استقبال القبلة من الصلاة ؛ فإنه لم يُذْكَرْ مِن شرائط الصلاة غيرها ، كالطهارة وغيرها . وذِكْره أكل ذَبِيحة المسلمين ، فيه إشارةٌ إلى أنه لا بد مِن التزامِ(١) جميع شرائع الإسلامِ الظاهرة ، ومن أعظمها أكلُ ذبيحةِ المسلمين ، وموافقتهُم في ذبيحتهم ، فمن امتنع من ذلك فليس بمسلم . وقد كان النبي ◌َّ يَمْتَحِنُ أحيانًا من يَدْخُل في الإسلام، وقد كان يَرَى في دينه الأول الامتناعَ من أكل بعض ذبيحة المسلمين ، بإطعامه مما كان يمتنع من أکله ؛ ليتحقق بذلك إسلامه . فِرُوي أنه عَرَض على قوم - كانوا يَمْتَنِعُون في جاهليتهم من أكل القَلْب، ثم دخلوا في الإسلام - أَكْلَ القَلْبِ، وقال لهم: ((إن إسلامكم لا يتم إلا بأكله))(٢). فلو أسلم يهودي ، وأقام ممتنعًا من أكل ذبائح المسلمين ، كان ذلك دليلاً على عدم دخول الإسلام في قلبه ، وهذا الحديث يدل على أنه لا يَصير بذلك مسلمًا . ويَشْهَدُ لذلك: قولُ عُمر فيمن أَسْلَم من أهل الأمصار وقَدَر على الحج ولم يحج ، أنه همّ بضرب الجزية عليهم ، وقال: ما هم بمسلمين(٣). (١) في الأصل: ((ق)): ((الزام)). (٢) لم أجده . (٣) ذكر المؤلف ذلك - أيضًا - في كتابه ((جامع العلوم والحكم)) (٨٤/١ - ٨٥ - بتحقيقي)، وقلت : روى أبو بكر الإسماعيلي في ((مسند عمر)) من حديث الأوزاعي: حدثني إسماعيل ابن عبيد الله بن أبي المهاجر : حدثني عبد الرحمن بن غنم : سمع عمر بن الخطاب = ٢٨٨ حديث : ٣٩١ - ٣٩٣ كتاب الصلاة وَحُكِيَ عن الحسن بن صالح ، أن المسلم إذا أسلم بدار الحرب ، وأقام بها مع قدرته على الخروج، فهو كالمشرك في دَمِهِ (١) ومَالِهِ ، وأنه إن لَحِقَ المسلم بدار الحرب وأقام بها صار مُرتدًا بذلك . وقوله : ((فذلك المسلم، له ذمَّةُ اللّه ورسوله)). الذِّمَّةُ: العَهْدُ ، وهو إشارة إلى ما عَهِدَه اللَّهُ ورسولُه إلى المسلمين بالكَفِّ عن دَمِ المسلم وماله . وقوله : ((فلا تُخْفرُوا اللَّهَ في ذمَّته))، أي : لا تغدروا بمن له عهد من اللّه ورسوله ، فلا تفوا له بالضمان ، بل أَوْفُوا له بالعهد . وهو مأخوذ من قولهم : أَخْفَرْت فلانًا ، إذا غَدَرْت به ، ويقولون : خَفَرَتْه، إذا حَميته . = يقول : مَنْ أطاق الحج ، فلم يحج ، فسواء عليه يهوديًا مات أو نصرانياً. ذكره ابن كثير في ((مسند الفاروق)» (٢٩٢/١ - ٢٩٣). وقال : ((هو إسناد صحيح عنه، وقد روي من وجوه أخر مرفوعًا. والله أعلم)). قلت: راجع ((العلل)) للدارقطني (١٧٤/٢ - ١٧٥). ثم ذكر ابن كثير من طريق سعيد ، عن قتادة ، قال : ذُكر لنا أن عمر بن الخطاب قال : ((لقد هممت أن أبعث إلى الأمصار، فلا يوجد رجل قد بلغ سنًا، وله سعة، ولم يحج ، إلا ضربت عليه الجزية ، واللّه ما أولئك بمسلمين، واللّه ما أولئك بمسلمين)). قال ابن كثير: ((رواه سعيد [بن منصور ] في (سننه))، وهذا منقطع بين قتادة وعمر رضي اللّه عنه)) . وراجع ((التفسير)) لابن كثير - أيضاً - (٢ / ٧٠). (١) في الأصل: ((ق)): ((ذمته)). ٠٠ ٢٨٩ ٢٩ - بابُ قبلة أهل المدينة وأهل الشام والمشرق كتاب الصلاة و ٢٩ -باب قِبْلَةِ أَهْلِ المَدِينَةِ وَأَهْلِ الشَّامِ وَالْمَشْرِقِ وَلَيْسَ فِي الْمَشْرِقِ وَلَ فِي الْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ؛ لِقَوْلِ النَِّّ ◌َ: ((لاَ تَسْتَقْبِلُوا الْقَبْلَةَ بِغَائِط أَوْ بَوْل ، وَلَكنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا)) . ء مقصوده بهذا الباب : أن أهل المدينة ومن كان قريبًا من مسامّتهم كأهل الشام والعراق ، فإن قبلتهم ما بين المشرق والمغرب من جهة الكعبة ، وأن المشرق والمغرب ليس قبلة لهم ، وما بينهما فهو لهم قبلة، بدليل أن النبي بَّ نهاهم عن استقبال القبلة بغائط أو بول ، وأمرهم أن يشرقوا أو يغربوا ، فدل على أن الشرق والغرب ليس لهم قبلة ، وما بينهما فهو لهم قبلة . وقد رُوي عن ابن عُمر وسعيد بن جُبير ، أنهما قالا : ما بين المشرق والمغرب قبلة لأهل المشرق . وكذا قال الإمام أحمد : ما بين المشرق والمغرب قبلةٌ لنا نحن أهل المشرق ، ليس هي لأهل الشام ولا أهل اليمن . ومُرَادُهُ : بعضُ أطراف الشام . وهذا هو مراد عُمر بقوله : ما بين المشرق والمغرب قبلةٌ . وقد رُوي مرفوعًا ، إلا أنه ليس على شرط البخاري . وقد قال أحمد(١): ليس له إسناد . يعني : أن في أسانيده ضعفًا . (١) حكاه عنه أبو داود في ((مسائله)) (ص ٣٠٠ - ٣٠١) ، ثم قال أبو داود : ((يعني حديث عبد الله بن جعفر المخرمي - من ولد مسور بن مخرمة - ، عن عثمان الأخنسي ، عن المقبري ، عن أبي هريرة، عن النبي وَط هو - يريد بقوله: ليس له إسناد ، لحال عثمان الأخنسي؛ لأن في حديثه نكارة)). ٢٩٠ ٢٩ - بابُ قبلة أهل المدينة وأهل الشام والمشرق كتاب الصلاة وقال مرة : ليس بالقوي . قال : وهو عن عُمر صحيح . وأقوى ما وَرَدَ فيه مسنداً: حديث عبد الله بن جعفر المَخْرَميِّ ، عن عثمان ابن محمد الأَخْنَسِيِّ، عن ابن المسيب(١)، عن أبي هريرة، عن النبي ◌َّ، ◌َى اللّه قال : ((ما بَيْنَ الْمَشْرِقِ والمغْرِبِ قَبْلَةٌ)) . خَرّجه التِّرمذي . وقال : حديث حسن صحيح . والأَخْنَسِيُّ، وَثَّقَه ابنُ معين وغيرُه . والمخَرْمي ، خَرَّج له مسلم ، وقال ابن المديني : رَوَی مناکیر . وخَرَّجه ابنُ ماجه والترمذي - أيضًا (٢) - من طريق أبي مَعْشَرِ نَجِيحِ السُّنْدي، عن محمد بن عَمرو ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي وَلّ. وأبو مَعْشَرِ ، ضعيف الحديث . وتابعه عليه : علي بن ظَبْيان ، فرواه عن محمد بن عمرو ، كما رواه . خرّجه ابن عدي(٣). وعلي بن ظَبيان ، ضعيف - أيضًا . وفيه حديث مرسل : رواه الإمام أحمد - في رواية ابنه صالح - ، عن أبي سعيد مولى بني هاشم: حدثني سليمان بن بلال ، قال : قال عمرو بن أبي عمرو : عن المُطلب بن (١) كذا بالأصل ((عن ابن المسيب))، وإنما الحديث حديث سعيد المقبري، وكذا هو في الترمذي (٣٤٤) وليس في الكتب الستة رواية لعثمان عن ابن المسيب . (٢) ابن ماجه (١٠١١) والترمذي (٣٤٢) (٣٤٣). (٣) (١٨٣٤/٥). وقال : ((وهذا لا أعلم يرويه عن محمد بن عمرو غير علي بن ظبيان وأبي معشر ، وهو بأبي معشر أشهر منه بعلي بن ظبيان ، ولعلَّ علي بن ظبيان سرقه منه) . ٢٩١ ٢٩ - بابُ قبلة أهل المدينة وأهل الشام والمشرق كتاب الصلاة حَنْطَب، أن رسول اللّه وََّ قال: ((ما بَيْنَ المشرق والمغرب قبلةٌ، إذا وجهتَ وجهك نحو البيت الحرام)) . وَرَوَى عُبيد اللّه بن عمر ، عن نافع، عن ابن عُمر ، عن عُمر ، قال : إذا جعلتَ المغرب عن يمينك والمشرق عن يسارك فما بينهما قبلة . وهذا هو الذي قال فيه أحمد : إنه صحيح عن عُمر . وقد رواه يحيى القَطَّان وغيرُ واحد ، عن عُبيد اللّه . ورواه حماد بن مَسْعدة ، عن عبيد اللّه، وزاد فيه: ((إلا عند البيت)). وروي عن ابن نُمير وحماد بن سلمة ، عن عُبيد اللّه ، عن نافع ، عن ابن عمر، عن النبي وَله. ورَفْعُه غير صحيح عند الدارقطني(١) وغيره من الحفاظ . وأما الحاكم(٢) فصححه ، وقال: على شرطهما ، وليس كما قال . وكذلك رواه محمد بن عبد الرحمن بن مُجبِّر ، عن نافع ، عن ابن عُمر مرفوعًا(٣) . وابن المجبّر ، مختلف في أمره . وقال أبو زرعة(٤): هو وهم ، والحديث حديث ابن عُمر موقوف . وروي هذا المعنى - أيضًا - عن عثمان وعلي وابن عمر وابن عباس - رضي اللّه عنهم - ، ولا يُعرف عن صحابي خلاف ذلك . وكذلك قال إبراهيم وسعيد بن جُبير : ما بين المشرق والمغرب قبلة ، زاد سعيد بن جبير : لأهل المشرق . (١) ((العلل)) (٣١/٢ - ٣٣). (٢) (٢٠٥/١ - ٢٠٦) . (٣) أخرجه الحاكم (٢٠٦/١) والدار قطني (٢٧١/١) والبيهقي (٩/٢). (٤) ((العلل)) لابن أبي حاتم (٥٢٨). ٢٩٢ ٢٩ - بابُ قبلة أهل المدينة وأهل الشام والمشرق كتاب الصلاة وقال مجاهد فيمن مال عن القبلة: لا يضره ؛ ما بين المشرق والمغرب قبلة. · وقال الحسن فيمن التفت في صلاته : إن استدبر القبلةَ بطلت صلاته ، وإن التفتَ عن يمينه أو شماله مَضَتْ صلاتُه . وروي عن حُميد بن عبد الرحمن ، أنه أعاد صلاةً (١) صلاها في مسجد قِيل له : إن في قبلته تَيَاسُرًاً . ومذهب مالك : أنه إن عَلِمَ في الصلاة أنه استدبر القبلةَ أو شَرَّق أو غَرَّب قَطَعَ وابتدأَ الصلاة ، وإن عَلِمَ بذلك بعد الصلاة أعاد في الوقت ، وإن عَلِم أنه انحرف يسيرًا فلينحرف إلى القبلة ويَبْنِي - : ذكره في ((تهذيب المدونة)). ومذهب أحمد : أن ما بين المشرق والمغرب قبلة ، لم تَخْتلف نصوصُهُ في ذلك ، ولم يَذْكر المتقدمون من أصحابه فيه خلافًا ، وإنما ذكره القاضي أبو يعلى ومَنْ بعده وأخذوه من لفظ له مُحتمل ليس بنصٍ ولا ظاهر ، والمحتمل يُعْرَضُ على كلامه الصريح ، ويُحْمَل عليه ، ولا يُعد مخالفًا له بمجرد احتمالٍ بعيدٍ ، ولكن الشافعي له قولان في المسألة ، وأما أحمد فلم يختلف قوله في ذلك ، وقد صَرَّح بمخالفة الشافعي فيه . قال أحمد في رواية جعفر بن محمد : بين المشرق والمغرب قبلة ، ولا يبالي مغرب الصيف ولا مغرب الشتاء ، إذا صَلَّى بينهما فصلاتُه صحيحة جائزة ، إلا أَنَّا نَسْتحب أن يتوسطَ القبلةَ، ويجعلَ المغربَ عن يمينه والمشرقَ عن يَسَارِهِ، يكون وسطًا بين ذلك، وإن هو صلَّى فيما بينهما، وكان إلى أحد الشِّقين أميلَ يخرج بينهما . ، ولم فصلاته تامة ، إذا كان بين المشرق والمغرب ونَقَل عنه جماعة كثيرون هذا المعنى . وروي عنه أنه سُئِلَ عن قوله : ما بين المشرق والمغرب قبلة ، فأقام وجهه نحو القبلة، ونحا بيده اليُمنى إلى الشَّفَقِ ، واليسرى إلى الفجر ، وقال : القبلة (١) في ((ق)): ((صلاته)) كذا . ٢٩٣ ٢٩ - بابُ قبلة أهل المدينة وأهل الشام والمشرق كتاب الصلاة ما بين هذين . وقال في رواية الأَثْرَمِ : إذا طلعت الشمسُ من المشرق فقد ثبت أنه مشرق ، وإذا غربت فقد ثبت أنه مغرب ، فما بين ذلك قبلة لأهل المشرق ، إذا كان متوجهًا إلى الكعبة . وقد أَنْكَرَ أن يكون المراد مشرق الشتاء خاصة ، وقال : لا يبالي مغرب الشتاء ولا مغرب الصيف ، إذا صلى بينهما فصلاته جائزة . ومراده : أن ما بين أقصى المشارق إلى أقصى المغارب في الشتاء والصيف فهو قبلة ، والمستحب أن يصلي وسطًا من ذلك . ولم يرد أحمد أنه في كل فصل من فصول العام يصلي وسطًا بين مشرق الشمس ومغربها فيه حينئذ ؛ لأنه(١) يلزمُ من ذلك الإنحراف إلى المشرق أو المغرب في بعض الأزمان . وإنما قال أحمد هذا لأن من الناس من فسَّر ((ما بين المشرق والمغرب قبلة)) بمشرق الشتاء ومغربه خاصة ، منهم : أبو خيثمة وسليمان بن داود الهاشمي ؛ فإن الشتاء له مشرق ومغرب ، والصيف كذلك ، ولهذا ثَنَّاهما (٢) اللّه تعالى في قوله : ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبَّ الْمَغْرِبِيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧]، وجمعهما في قوله : ﴿رَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ [المعارج: ٤٠] باعتبار مشارق الشتاء والصيف والخريف والربيع ؛ فإن لكل يوم من السنة مطلعًا مشرقًا خاصًا ومغربًا خاصًا ، وأفردهما في قوله : ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [الشعراء: ٢٨] باعتبار الجنس . ونقل الأَثْرَمُ ، عن أحمد ، أنه قيل له : قبلة أهل بغداد على الجَدْي ؟ فجعل ينكر أمر الجَدْي ، فقال : أَيشِ الجَدْي ؟ ولكن على حديث عمر : ((ما بَيْن المشرقِ والمغربِ قِبْلَةٌ» . (١) في ((ق)): ((كأنه)). (٢) في ((ق)): ((سماهما)). ٢٩٤ ٢٩ - بابُ قبلة أهل المدينة وأهل الشام والمشرق كتاب الصلاة ومراده : أن الاستدلال بالجَدْي وغيره من النجوم ، كالقطب ونحوه لم يُنْقل عن السلف ، وأنه لا يجب الاستدلال بذلك ولا مراعاتُه ، وإنما المنقول عنهم الاستدلالُ بالمشرق والمغرب . ولم يُرد أن الجَدْي لا دلالة له على القبلة ؛ فإنه قال في رواية أخرى عنه : الجدي يكون على قفاه - يعني : للمصلي - ، وكلامه يدل على أن الاستدلال على العين بما يَستدل به مَنْ يَستدل على العين غير مستحب . وقد تقدم نصه على أنَّ مَنْ مال في صلاته إلى أحد الشقين ، ولم يخرج عما بين المشرق والمغرب فصلاتُه تامة ، وإن كان الأفضل أن يتوخَّى الوسطَ بينهما . ويدل على ذلك : أن الصحابة - رضي الله عنهم - لما فتحوا الأمصار وضعوا قِبَلَ كثيرٍ منها على الجهة ، بحيث لا يطابق ذلك سمت العَيْن على الوجه الذي يعرفه أهل الحساب ، وصلَّوا إليها ، وأجمع المسلمون بعدهم على الصلاة إليها ، وهذا يدل على أن تحرير حساب مسامتة العَيْن ليس هو الأفضل ، فضلاً عن أن يكون واجبًا . ولهذا ؛ لما خالف في ذلك كثيرٌ من الفقهاء المتأخرين ، واستحبوا مراعاة العين أو أوجبوه ، واستدلوا على ذلك بالنجوم ونحوها رأوا أن كثيرًا من قِبَل البلدان منحرفة عن القبلة ، فأوجب لهم ذلك الحيرة والشك في حال سلف الأمة من الصحابة ومن بعدهم . وقد أوجب بعضُهم مراعاةَ ذلك وأَمَرَ بهدم كلٍ قِبلة موضوعة على خلافه ، كما ذكره حربٌ الكرماني ، وهذا يُفْضي إلى تضليل سلف الأمة ، والطعنِ في صلاتهم . واستحبَّ بعضُهم الاستدلالَ بعروض البلدان وأطوالها ومراعاة ذلك في الاستقبال ، وإن لم يُوجبوه ، كما قاله يحيى بن آدم وغيرُه . والصحيح : ما قاله الإمام أحمد : أن ذلك كلَّه غيرُ مستحبٍّ مراعاتُه . ٢٩٥ ٢٩ - بابُ قبلة أهل المدينة وأهل الشام والمشرق كتاب الصلاة وبذلك يُعْلِم أنّ مَنْ أوجبَ تعلُّمَ (١) هذه الأدلة ، وقال : إنه فرض عين أو كفاية - ممن يَنْسب(٢) إلى الإمام أحمد - فلا أصل لقوله ، وإنما تلقاه من قواعد قوم آخرين تقليدًا لهم . ويدل على ذلك من الأدلة الشرعية: قولُ النبيِ وَهِ: ((إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّة ، لا نكتب ولا نحسب ، الشهر هكذا وهكذا وهكذا))، وخَنَسَ (٣) إِبْهَامَه في الثالثة ، ثم قال : ((صُوموا لرؤيته، وأَفْطروا لرؤيته، فإنْ غُمَّ عليكم فأكملوا العدة)) (1). فتبيَّنَ أنَّ ديننا لا يحتاج إلى حساب ولا كتابٍ ، كما يفعله أهلُ الكتاب من ضبط عباداتهم بمسير الشمس وحُسباناتها ، وأن ديننا في ميقات الصيام مُعَلَّق بما يُرَى بالبصر وهو رؤية الهلال ، فإنْ غُمَّ أكملنا عدةَ الشهر ولم نحتج إلى حساب . وإنما عُلِّق بالشمس مقدارُ النهار الذي يجب الصيام فيه ، وهو متعلق بأمرٍ مُشاهد بالبصر - أيضاً - ، فأولُهُ طلوعُ الفجر الثاني ، وهو مبدأ ظهور الشمس على وجه الأرض ، وآخرُهُ غروبُ الشمس . كما عُلِّق بمسير الشمس أوقاتُ الصلاة ، فصلاة الفجر أولُ وقتها طلوعُ هذا الفجر ، وآخرهُ طلوع الشمس ، وأولُ وقت الظهر زوال الشمس ، وآخره مصيرُ ظلِّ كل شيء مثلَه ، وهو أول وقت العصر ، وآخره اصفرار الشمس أو غروبها ، وهو أول وقت المغرب ، وآخره غروب الشفق ، وهو أول وقت العشاء ، وآخره نصف الليل أو ثلثه ، ويَمْتَدُّ وقتُ أهل الأعذار إلى طلوع الفجر ، فهذا كلُّه غير محتاج إلى حساب ولا كتاب . وكذلك القبلة ، لا تحتاج إلى حساب ولا كتاب ، وإنما تُعْرف في المدينة (١) في ((ق)): بعلم)) كذا . (٢) في ((ق)): ((ينسب)). (٣) أي قَبَضَها . (٤) البخاري (١٩١٣) ومسلم (١٢٣/٣ - ١٢٤) وأحمد (٤٣/٢ - ٥٢ - ١٢٩) وأبو داود (٢٣١٩) والنسائي (١٣٩/٤). ٢٩٦ ٢٩ - بابُ قبلة أهل المدينة وأهل الشام والمشرق كتاب الصلاة وما سامتها من الشام والعراق وخُراسان بما بين المشرق والمغرب . ولهذا رُوي عن عثمان بن عفان ، أنه قال : كيف يُخْطِيء الرجلُ الصلاةَ - وما بين المشرق والمغرب قبلةٌ - ما لم يتحيز المشرق عمدًا . وقد أجمعت الأمة على صحة الصف المستطيل مع البعد عن الكعبة ، مع العلم بأنه لا يمكن أن يكون كلُّ واحد منهم مُسْتقبلاً لعينها بحيث إنه لو خرج من وسط وجهه خطّ مستقيم لَوَصَل إلى الكعبة على الاستقامة ، فإن هذا لا يمكن إلا مع التقَوَّسِ ولو شيئًا يسيرًا، وكلما كَثُرَ الْبُعْدُ قَلَّ هذا التقوُّسُ ، لكنْ لا بُدَّ منه . ومَنْ حكى عن الإمام أحمد روايةً بوجوب التقوَّسِ لِطَرَفَي الصفِّ الطويل فقد أخطأ ، وقال عليه ما لم يَقُلْه ، بل لو سمعه لَبَادَرَ إلى إنكاره والتبرِّي مِنْ قائله ، وهو خلافُ عَمَلِ المسلمين في جميع الأمصار والأعصار . وأما قول اللّه عز وجل: ﴿وَبِالنَّجْمِ هَمْ يهتدون﴾ [النحل: ١٦]. وقولُ عُمر (١): تعلَّموا من النجوم ما تعرفون به القبلةَ والطريقَ . ورُوي عنه ، أنه قال : تعلَّموا من النجوم ما تهتدون به في بَرِّكم وبَحْرِكم ، ثم أمسكوا . فمرادُه - والله أعلم - : أنه يُتَعَلَّم من النجوم الشرقية والغربية والمتوسطة ما يُهْتدى به إلى جهة القبلة بعد غروب الشمس ، وفي حالة غيبوبة القمر ، فَيُسْتدل بذلك على الشرق والغرب ، كما يُسْتدل بالشمس والقمر عليهما ، ولم يُرِدْ - واللّه أعلم - تَعَلُّمَ ما زاد على ذلك ، ولهذا أمر بالإمساك ؛ لِمَا يُؤدي التوغلُ في ذلك إلى ما وقع فيه المتأخرون من إساءة الظن بالسلف الصالح . وقد اختُلِف في تعلُّمِ منازل القمر وأسماءِ النجوم المهتدى بها ، فَرخَّص فيه ءِ النخعيّ ومجاهد وأحمد ، وكرِهَ قتادةُ وابن عيينة تعلُّمَ منازل القمر . (١) في ((ق)): ((ابن عمر)). ٢٩٧ ٢٩ - بابُ قبلة أهل المدينة وأهل الشام والمشرق كتاب الصلاة وقال طاوس : رُبِّ ناظرٍ في النجوم ، ومتعلِّمٍ حروفَ أبي جاد ليس له عند اللّه خَلاَقٌ . ورُوي ذلك عنه ، عن ابن عباس . قال البخاري - رحمه الله - : ٣٩٤ - حدثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قال: ثنا سُقْيَانُ: ثنا الزُّهْرِيُّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَِّيِّ، عَنْ أَبِي أُوبَ الأَنْصَارِيِّ، أَنَّ النَِّّفَ قَالَ: «إِذَا أَيُ الغَائِطَ فَلاَ تَسْتَقْبِلُوا القبْلَةَ وَلاَ تَسْتَدْبِرُها، وَلَكنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا)) . قَالَ أَبُو أُّوبَ: فَقَدِمْنَا الشَّامَ، فَوَجَدْنا مَرَاحيضَ بُنِيَتْ قِبَلَ القِبْلَةِ، فَتْحَرِفُ، ونَسْتَغْفِرُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ . وَعَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءِ: سَمِعْتُ أَبَا أُوبَ، عَنِ النَِّّ ◌َ -ِ مِثْلَهُ. قد تقدم هذا الحديثُ في ((كتاب : الوضوء)) (١) من وجه آخر عن الزهري ، ولم يُذكر فيه قولُ أبي أيوب ، والرواية التي ذكرها آخرًا مُصرِّحَةٌ بسماع عطاء بن يزيد له من أبي أيوب . وقد سبق الكلامُ على الاختلاف في إسناده في ((أبواب : الوضوء)) . وإنما ذَكر هَاهُنا قولَ أبي أيوب ليدلَّ على أن أبا أيوب - وهو راوي الحديث عن النبي ◌َّ -، قد فَهِمَ مما رواه أن القبلةَ المنهيَّ عن استقبالها هي جهةُ ما بين المشرق والمغرب ، وأنَّ الانحراف لا يخرج به عن استقبالها المنهيَّ عنه ، فلذلك احتاج مع ذلك إلى الاستغفار . وإذا ثبت أن القبلة المنهيّ عن استقبالها واستدبارِها عند التخلّي هي ما بين المشرق والمغرب ، فهي القبلة المأمور باستقبالها في الصلاة - أيضًا . (١) برقم (١٤٤). ٢٩٨ حديث : ٣٩٤ كتاب الصلاة و ((الْمَرَاحيض))، قال الخَطَّابي(١): هو جمع : مِرْحَاض، وهو المُغْتَسل، مأخوذ من رَحَضْتُ الشيءَ إذا غسلتُه . قُلْتُ : لما كانتْ بيوتُ التخلِّي بالشام يُسْتعمل فيها الماءُ عادةً سُميت : مُغْتسلاً ، ولم يكن ذلك معتادًا في الحجاز ، فإنهم كانوا يَسْتَنْجُون بالأحجار ، فكانت المواضع المعدة للتخلي بين البيوت تُسَمَّى عندهم : كُنْفًا . والكَنيف(٢): السُّرة، وكل ما يَسْتَر فهو كنيف، ويُسَمِى التّرسُ كنيفًا لِسَتْرِه. (١) في ((شرح البخاري)) (٣٧٨/١). (٢) كذا بالأصلين، ولعل الأشبه: ((الكَنَف)). ٢٩٩ : ٣٠ - بابُ قول الله عز وجل : ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم) كتاب الصلاة و ٣٠ ۔باب قولِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى﴾ [البقرة: ١٢٥] حديثُ عمر في سبب نزول هذه الآية ، قد خَرَّجه البخاريّ فيما بعد ، وسيأتي في موضعه قريبًا - إن شاء اللّه تعالى. وخرَّج البخاري في هذا الباب ثلاثةَ أحاديث : الحديث الأول : ٣٩٥ - حدَّنَا الْحُمَيْدِيُّ: ثنا سُفْيَانُ: ثنا عَمْرُوُ بنُ دِينَارِ، قَالَ: سَأَلْنَا ابْنَ عُمَرَ عن رَجُل طافَ بالَبَيْتِ العُمْرَةَ (١) ، وَلَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ، أَيَأْتِي امْرَأَتَهُ ؟ فَقَالَ : قَدِمَ النِيُِّ﴿ فَطَافَ بالبَيْتِ سَبْعًا، وَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، وَطَافَ بَيْنَ الصََّا وَالْمَرْوَةِ ، وَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ وَ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ . ٣٩٦ - وَسَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ: لَا يَقْرَبَنَّهَا حَتَّى يَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَة . مقصودُه من هذا الحديث هاهنا: أنَّ النبي وَجُلّ لما اعتمر طاف بالبيت وصلَّى خلف المقام ركعتين ، وكذلك فَعَل في حجته - أيضًا . وقد رَوى جابر، أنَّ النبي ◌َّ تلا هذه الآية عند صلاته خلف المقام : و ( وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامٍ إِبْرَاهِيمَ مَصَلَى﴾ [البقرة: ١٢٥]. خرَّجه مسلم(٢). وهذا كله يدل على أنَّ المراد بمقام إبراهيم في الآية : مقامُه المُسَمَّى بذلك (١) في نسخة: ((للعمرة)). (٢) (٣٩/٤) . ٣٠٠ حديث : ٣٩٥ - ٣٩٦ كتاب الصلاة عند البيت ، وهو الحَجَر الذي كان فيه أَثَرُ قدمه عليه السلام ، وهذا قول كثيرٍ من المفسرين . وقال كثيرٌ منهم : المرادُ بمقامٍ إبراهيم : الحجُ كلُّه . وبعضُهم قال : الحرمُ كلُّه . وبعضُهم قال : الوقوفُ بعرفة ، ورَمْيُ الجمار والطوافُ ، وفَسَّروا المصلَّى: بالدعاء ، وهو موضع الدعاء . ورُوي هذا المَعْنى عن ابن عباس ومجاهدٍ وغيرهِما . وقد يُجْمع بين القولين ، بأنْ يُقال : الصلاة خلف المقام المعروف داخلٌ فيما أمر به من الاقتداء بإبراهيم عليه السلام مما في أفعاله في مناسك الحج كلها واتخاذِها مواضعَ للدعاءِ وذكرِ اللّه . كما قالت عائشة - ورُويَ مرفوعًا - : ((إنما جُعل الطوافُ بالبيت والسعي بين الصفا والمروة ورَمْيُ الجمار لإقامة ذكْر اللّه)). خرَّجه أبو داود والترمذي(١) . فدلالةُ الآية على الصلاة خلفَ مقام إبراهيم عليه السلام لا تُنافي دلالتها على الوقوف في جميع مواقفه في الحج لذكر اللّه ودعائه والابتهال إليه . والله أعلم. وبكل حالٍ ؛ فالأمر باتخاذِ مقام إبراهيم مُصَلَى لا يَدْخل فيه الصلاةُ إلى البيت إلا أن تكون الآية نزلت بعد الأمر باستقباله ، وحديثُ عمر قد يُشْعر بذلك. فيكون حينئذ مما أُمر به من اتخاذ مقام إبراهيم مُصلَّى : استقبالُ البيت الذي بناه في الصلاة إليه ، كما كان إبراهيمُ يستقبله ، وخصوصًا إذا كانت الصلاة عنده . وعلى هذا التقدير يَظْهر وجْهُ تبويب البخاري على هذه الآية في ((أبواب (١) أبو داود (١٨٨٨)، والترمذي (٩٠٢).