Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
١٧ - بابُ الصلاة في الثوب الأحمر
كتاب الصلاة
ومنهم من رخص فيما حُمرته خفيفة ، وكره الشديدَ الحمرة ، وروي ذلك
عن مالك وأحمدَ ، ورجَّحه كثير من أصحابنا .
وفي ((صحيح مسلم))(١)، عن عليٍّ، أنَّ النبي وَلِّ نهى عن لُبس المعصفر.
وخرجه النسائي(٢)، وزاد فيه : المُغَدَّم .
والمفدَّم : المشبَّع بالعُصفر .
وفي ((صحيح مسلم))(٣) - أيضًا - عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، قال:
رأى رسول اللّه وَّه عليَّ ثوبين مُعَصْفرين(٤)، فقال: ((إن هذه من ثيابِ الكفارِ،
فلا تلبسها» .
وقد اختلف في ◌ُبس المعصفر :
فكرهه طائفة ، روي عن عمر وعثمان وابن عمر وأنس ، وهو قول الزهري
وسعيد بن جبير ومالك وأحمد .
ورخصوا فيه للنساء .
وحكى ابن عبد البر الاجماعَ على جوازه لهنَّ .
٢٠
وفي الرخصة لهنَّ فيه حديثٌ مرفوع .
خرجه أبو داود .
وهذا قد يخالف رواية المرُّوذيِّ عن أحمد بكراهة الأحمر للنساءِ ، كما
تقدم ، لكن تلك مقيدةٌ بإرادة الزينة به ، فقد تكون الرخصة محمولةً على من
لم يُرِدْ به الزينة .
(١) (٦ / ١٤٤) .
(٢) (٨/ ١٦٧) .
(٣) (٦/ ١٤٤) .
(٤) في الأصل: ((مصفرين))، والمثبت من ((الصحيح)).
٢٠

٢٢٢
حديث : ٣٧٦
كتاب الصلاة
وهذا القول روي عن ابن عباسٍ ، أنه يكره المعصفر للتزين به ، ويرخص
فيما امتهنَ منه .
ورخصت طائفة في المعصفر مطلقًا للرجال والنساء ، روي عن أنس ، وعن
أبي وائلٍ ، وعُروة ، وموسى بن طلحة ، والشعبي ، وأبي قلابة ، وابن
سيرينَ ، والنَّخَعي وغيرهم ، وهو قول الشافعي .
وكرهت طائفة المشبّع منه - وهو المُقدَّم - دون الخفيف ، روي عن عطاء
وطاوس ومجاهد .
وحكي عن مالك وأحمدَ - أيضًا - ؛ فإنَّه قال في المصبوغ بالدم : إن كانت
حمرتُه تشبه المعصفرَ أكرهه ، وقال : لا بأس بالمورَّد ، وما كان خفيفًا .
وحكى الترمذي في ((كتابه)) هذا القولَ عن أهلِ الحديث : أنَّهم كرهوا لُبس
المعصفر ، ورأوا : أن ما صُبغ بالمدَر أو غير ذلك فلا بأس به ، إذا لم يكن
معصفراً .
وقد روي عن علي وابن عمر الرخصةُ في المصبوغ بالمِشْقِ - وهو
المَغَرة - ، وقالا : إنما هو مَدَر أو تراب .
وفي كراهة المصبوغ بالمَغَرَة : حديث خرجه أبو داود(١)، في إسناده مقال.
ومن الناس من قَال : يُكْرِه المعصفرُ خاصةً ، دون سائرِ أَلوانِ الحمرةِ .
وقال : لم يصح في غيره نهيٌ .
ومنهم من حَمَل أحاديثَ الرخصةِ على الجوازِ ، وأحاديثَ النهي على كراهةٍ
التنزيهِ ، وهذه هي طريقة ابن جرير الطبري .
وزعم الخطابي (٢) أن المكروهَ من الأحمرِ ما صُبغ من الثياب بعد نَسْجه، فأمَّا
(١) (٠٧١ ٤ ) .
(٢) في ((المعالم)) (٣٣٨/٤ - هامش أبي داود).
١

٢٢٣
١٧ - بابُ الصلاة في الثوب الأحمر
كتاب الصلاة
ما صُبغ غزله ثم نسج - كعصب اليمن - فغير داخلٍ في النهي .
وكذلك الشافعي فرق في المصبوغات بين ما صُبغ قبل نسجه وبعدَه ،
واستحسن لُبس ما صبغ غزله ، دون ما صبغ بعد نسجه للزينة .
واختلف القائلون بكراهة الأحمر ، فيما إذا كان في الثوب شيءٌ من حمرة :
هل يكره ، أم لا ؟
فروي عن ابن عمر ، أنه اشترى عِمَامةً واعتمَّ بها ، فَرأَى فيها خيطًا أحمر ،
فردَّها .
وكذلك روى المرُّوذيُّ عن أحمدَ ، أنه أمره أن يشتري له تكَّةً (١) لا تكون
فيها حمرة .
وخرج أبو داود (٢) من حديث رافع بن خديج، قال: خَرَجْنا مع
رسول اللّهِ وَ﴿ل في سفرٍ، فرأى رسولُ اللّهِ وَ ◌ّهِ على رَوَاحِلِنَا وعلى إِبِنَا أكسيةً
فيها خيوط عِهْنِ حمر(٣)، فقال رسول اللّه وَلَهُ: ((ألا أرى الحمرةَ قد علتكم؟))
فقمنا سراعًا ، فأخذنا الأكسيةَ ، فنزعناهَا عنها .
وفي إسناده رجل لا يعرف .
وخرج الطبراني(٤) وغيره من حديث إسحاق بن راهويه ، قال : قلت
لأبي قُرة : أذكر ابن جريجٍ ، عن مسلم بن أبي مريم ، عن عبد اللّه بن
سَرْجِس، أن النبيَّ وَِّ صلَّى يومًا وعليه نَمِرة ، فقال لرجل من أصحابه :
((أعطني نَمِرتك، وخذ نَمرتي))، فقال: يا رسول اللّه، نمرتُك أجودُ من
(١) هي : رباط السراويل.
(٢) (٤٠٧٠) .
(٣) في الأصل: ((أحمر)) والتصريب من أبي داود.
و((العِهْن)): الصوف مطلقًا. وقيل: الملون منه خاصة . وقيل : الأحمر خاصة .
(٤) في ((الأوسط)) (١٦٩٠).

٢٢٤
١٧ - بابُ الصلاة في الثوب الأحمر
كتاب الصلاة
نمرتي. قال: ((أجل؛ ولكن فيها خيطٌ أحمرُ ، فخشيت أن أنظر ، إليه فيفتنني)) - ؟
فأقرَّ به أبو قرة ، وقال نعم .
وهذا غريب .
ورخَّص فيه آخرون ، روي عن الحسن ، وقد سبق .
ونصَّ عليه أحمد في رواية أخرى عنه في كساء أسودَ عليه عَلَم أحمرُ ، قال:
لا بأس به .
ويستدل لهذا : بحديث لُبس النبي ◌َِّ حلة حمراء وبردًا أحمرَ ؛ فإن المرادَ
بالحُلَّة البرْد المخطط بحمرة ، كما قاله سفيان الثوري وغيره .

٢٢٥
١٨ - بابُ الصلاة في المنبر والسطوح والخشب
كتاب الصلاة
١٨ - بابُ
الصَّلاةِ فِي المِنْرِ والسُّطُوحِ وَالخَصَبِ
ولم يَرَ الحَسَنُ بأسًا أَنْ يُصَلَّى عَلَى الجَمْدِ والقَنَاطر، وإنْ جَرَى تَحْتَها بَوْلٌ،
أَوْ فَوْقَهَا أَوْ أَمَامَهَا، إِذَا كَانَ بَيْنَهُمَا سُتْرَةٌ .
وَصَلَّى أَبُو هُرِيْرَةَ عَلَى ظَهْرِ المَسْجِدِ بِصَلاةِ الإِمَامِ .
وَصَلَّى ابْنُ عُمَرَ عَلَى الفَّلْجِ .
مقصودُ البخاري بهذا البابِ : أنَّه تجوز الصلاةُ على ما علا على وَجْهُ
الأرضِ ، سواء كان موضوعًا عليها وَضْعًا ، كمِنْرِ وسَرِيرٍ منَ خشبٍ أو غيره ،
أو كان مبنيًّا عليها ، كسطحِ المسجدِ وغرفةٍ مبنيةٍ عليه أو على غيره ، وكذلك مَا
عَلا على وجهِ الأرضِ مما يذوب ، كالثلجِ والجليدِ .
فهذه ثلاثة مسائل :
الأولى :
الصلاةُ على ما وُضع على الأرضِ مما يَتَأَبَّد فيها ، أو ينقلُ عنها كمنبرٍ وسريرٍ
ونحوه ، فيجوز ذلك عند أكثر العلماء .
قال أبو طالب : سألتُ أحمدَ عن الصلاة على السرير الفريضة والتطوع ؟
قال : نعم ، إذا كان يمكنه مثل السطح .
وقال حرب : سألت إسحاقَ عن الصلاة على السرير من الخشب ؟ قال:
لا بأس به .
وروى حرب بإسناده ، عن الأوزاعي ، أنه لم ير بأسًا بالصلاة على الأسرَّة
وأشباهها .
وليس في هذا اختلاف بين العلماء ، إلا خلاف شاذٌّ قديم .

٢٢٦
١٨ - بابُ الصلاة في المنبر والسطوح والخشب كتاب الصلاة
روى أبو نعيم الفضل بن دكين : ثنا أبو بكر بن عياش ، عن إسماعيل بن
سُميع، عن علي بن كثير (١)، قال: رأى عمار رجلاً يصلي على رابية ، فمدَّه من
خلفه ، فقال : هاهنا صلِّ في القَرارِ .
ولعلَّ هذا المصلِي كان إمامًا لقومٍ يصلون تحته ، وسيأتي الكلام على
ذلك - إن شاء اللّه تعالى(٢).
المَسْألة الثَّانية :
الصلاة فيما بُني على وجهِ الأرضِ كغرفةٍ في المسجدِ ، أو فوق سطح
المسجد ، وكلُّه جائز لا كراهة فيه بغير خلاف ، إلا في مواضع يسيرة اختلف
فيها ؛ وقد أشار البخاري إلى بعضها :
فمنها : صلاة المأموم فوق سَطْحِ المسجد بصلاة الإمام في أسفل المسجد ،
وقد حكى عن أبي هريرة أنه فَعَلَه .
وحكى ابن المنذر فِعْلَ ذلك عن أبي هريرة وسالم بن عبد اللّه . قال : وبه
قال الشافعي وأصحاب الرأي ، وحكي عن مالك : أنه إن صلَّى الجمعة على
سطح المسجد أعادها ظهرًا .
ومذهب مالك : أن الجمعةَ لا تصلَّى فوق ظَهْر المسجد بصلاة الإمام . وفي
سائر الصلوات عنه روايتان : الجواز ، والكراهة ، وهي آخر الروايتين عنه .
وممن يرى جواز ذلك : الثوري وأحمد وإسحاق .
وروي سفيان ، عن يونسَ بن عبيدٍ ، عن عبد ربِّه ، قال : رأيتُ أنسَ بن
مالكِ صلى يوم الجمعة في غرفة بالبصرة بصلاة الإمام .
واحتج أحمد بهذا .
(١) ويقال: ((ابن أبي كثير))، ترجمته في ((الجرح والتعديل)) (٣/ ١/ ٢٠٢).
(٢) في شرح الحديث الآتي .

٢٢٧
١٨ - بابُ الصلاة في المنبر والسطوح والخشب
كتاب الصلاة
وروى ابن أبي ذئبٍ ، عن صالحٍ مولى التوأمة ، قال : رأيت أبا هريرة
يصلي على سَطْح المسجد بصلاة الإمامِ .
واشترط الإمام أحمدُ أن يكون ذلك بقربِ الإمامِ ، أو يسمَعَ قراءَته - : نقله
عنه حنبل ، ولم يشترط غير ذلك .
واشترط أكثر أصحابنا - كالخرقي وأبي بكر عبد العزيز وابن أبي موسى
والقاضي - : إيصالَ الصفوفِ دون قرب الإمام .
وقد أشار إليه أحمد في رواية أبي طالب ، في الرجل يصلي فوق السطح
بصلاة الإمام : إن كان بينهما طريق أو نهر فلا . قيل له : فأنس صلَّى يوم
الجمعة في سطح ؟ فقال : يوم جمعة لا يكون طريق الناس .
يشير إلى أن يوم الجمعة تمتلئُ الطرقات بالمصلين ، فتتَّصل الصفوف .
قال أبو طالب : فإن الناس يصلون خلفي في رمضانَ فوقَ سَطْح بيتهم ؟
فقال أحمد : ذاك تطوُّع .
ففرق أحمد بين الفريضة والنافلة في إيصال الصفوف .
ونقل حرب ، عن أحمد خلافَ ذلك ، في امرأة تصلي فوق بيتٍ ، وبينها
وبين الإمام طريق ، فقال : أرجو أن لا يكون به بأس . وذكر أن أنس ابن مالك
کان يفعل ذلك .
ونقل صالح بن أحمد ، عن أبيه ، أن ذلك يجوز يوم الجمعة ، إذا ضاق
المكان ، كما فعل آنس
٠
وظاهر هذه الرواية : أنه لا يجوز لغير ضرورة .
والمذهب المشهور عنه : جوازه مطلقًا ، كما تقدم .
وذكر أبو بكر الرازي : أن المشهور عند أصحابهم - يعني : أصحاب
أبي حنيفة - أنه يكره ارتفاع المأموم على الإمام ، والإمام على المأموم ، خلافًا
=.

٢٢٨
١٨ - بابُ الصلاة في المنبر والسطوح والخشب
كتاب الصلاة
لما قاله الطحاوي من التفريق بينهما .
ومنها : إذا بني على قنطرة مسجدٌ أو غيره ، فإنه تجوز الصلاة إليه ، حكاه
عن الحسن ، وخالفه غيره في ذلك .
روى حرب بإسناده ، عن همام : سُئل قتادة عن المسجد يكون عَلى
القنطرة ؟ فكرهه . قال همام : فذكرتُ ذلك لمَطَرِ ، فقال : كان الحسن لا
یری به بأساً .
قال حرب : وقلت لأحمدَ : المسجد يُبْنَى على القنطرة ؟ فكرهه ، وذكر:
أُرَاهُ عن ابن مسعود كراهته .
ونقل المرُّوذيُّ عن أحمد ، قال : كره ابن مسعود أن يصلى في المسجد
الذي بنى على القنطرةِ .
قال : وقلت لأبي عبد الله - يعني: أحمد - : ترى أن أصلي في مسجد بُني
على ساباط ؟ قال : لا ؛ هذا طريق المسلمين .
وأصل هذه المسألة : أن طريق المسلمين لا يبنى فيه مسجد ولا غيره عند
الإمام أحمد . وهواء الطريق حكمه عنده حكم أسفله ، فلا يجوز عنده إحداث
ساباط على الطريق ، ولا البناء عليه . والنهر الذي تجري فيه السَّفْن حكمه عنده
كحكم الطريق ، لا يجوز البناء عليه .
ورخص آخرون في بناء المساجد في الطريقِ الواسعِ ، إذا لم يضرَّ بالمارَّةِ .
ومنهم من اشترط لذلك إذن الإمام ، وحكي رواية عن أحمد - أيضًا .
قال الشالنجي : سألت أحمدَ : هل يُبنى على خندق مدينة المسلمين مسجد
للمسلمين عامَّة ؟ قال : لا بأس بذلك ، إذا لم يضيِّقُ الطريق .
قال : وقال أبو أيوب - يعني : سليمان بن داود الهاشمي - : لا بأس بذلك،
إلا أن يكون في الثَّغْرِ مخافةَ العدوِّ . وبه قال أبو خيثمة .

٢٢٩
١٨ - بابُ الصلاة في المنبر والسطوح والخشب
كتاب الصلاة
والبخاري يميل إلى الجواز ، وقد ذكره في ((أبواب : المساجد))، وفي
((البيوع))، واستدل بحديث الهجرة، وأن أبا بكر ابتنى بفناء بيته بمكةَ مسجدًا
يقرأ فيه القرآن . وسيأتي في موضعه - إن شاء اللّه تعالى.
وأما ما حكاه أحمد ، عن ابن مسعود ، فروى وكيعٌ وحربٌ بإسنادهما ، عن
ابن سيرين ، أنه رأى مسجدًا فوق قنطرة تحتها قَذَر ، فقال : كان ابن مسعود
يكره الصلاةَ في مثل هذا .
وهذه الكراهة: يحتمل أن تكون لكونِ القنطرةِ طريقًا للناسِ ، فلا يُبنى
عليها ، كما قاله الإمام أحمد ، ويحتمل أن تكون لكون القَذَر تحت هذا
المسجد ؛ فإن في جواز الصلاة في عُلُوِّ الأماكن المنهي عن الصلاة فيها كالحَشِّ
ونحوه لأصحابنا وجهين .
ولو صلَّى على سريرِ قوائمه على نجاسةٍ صَحَّت صلاته ، وإن تحرك
بحركته ، عند أصحابنا وأصحاب الشافعي .
وحكي عن الحنفية ، أنه إن تحرك بحركته لم تصح ، وإلاَّ صحَّت .
وقد حكى البخاري عن الحَسَن ، أنه يصلي على القناطر وإن جرى تحتها
بول ، أو فوقها أو أمامها ، إذا كان بينهما سترةٌ .
فأما إن كان البول يجري تحتها فقد ذكرنا حكمه آنفًا ، وأما إن كان أمامها أو
فوقها ، وبينهما سترة ، فقد رخص فيه الحسن ، كما حكاه عنه .
وعن أحمد في الصلاة إلى الحَشِّ من غير حائل روايتان: إحداهما : تصح
مع الكراهة . والثانية : لا تصح ، وهي اختيار ابن حامد وغيره .
ولا يكفي حائط المسجد ، ولا يكون حائلاً - : نَصَّ عليه أحمد .
ومن الأصحاب من تأوَّل قولَه على أن النجاسة كانت تصل إلى ما تحت مقام
المصلى ، فإن لم يكن كذلك كفى حائطُ المسجد .

٢٣٠
١٨ - بابُ الصلاة في المنبر والسطوح والخشب كتاب الصلاة
ونقل حربٌ ، عن إسحاق ، أنه كره الصلاة في مسجد في قبلته كَنِيفٌ ، إلا
أن يكون للكنيفِ حائط من قَصَبٍ أو خَشَبٍ غير حائط المسجد ، وإن صلى فيه
أعاد ، وإن كان للكنيف سترة من لُبُود ، فلا يصلي في المسجد من ورائه ، وإن
كان الكنيف عن يمين القبلة أو يسارها فلا بأس .
ونقل أبو طالب ، عن أحمد : إذا كان الكنيف أسفلَ من المسجدِ بذراعٍ
ونصف فلا بأس .
ورخَّصت طائفة في الصلاة إلى الحَشِّ إذا كان بينهما سترة .
وقال الأوزاعي ، في رجل يصلي وبين يديه حَشَّ ، ودونه جدار من قصب،
وهو يصلي نحوه : لا أعلم به بأسًا .
وقال الليث بن سعد : كتب إليَّ عبد اللّه بن نافع مولى ابن عمر : أمَّا ما
ذكرت من مصلّى قبلته إلى مرحاضٍ ، فإنما جعلت السترة لتستر من المرحاض
وغيره ، وقد حدثني نافع ، أن دار ابن عمرَ التي هي وراء جدار قبلة النبي
ـلالله
وَسام
كانت مِرْبَدًا لأزواج النبي ◌َّو يذهبن فيه ، ثم ابتاعته حفصه زوج النبيِّ
صلى الله
ـة
وسيلة
منهنَّ ، فاتخذته دارًاً .
ولكن ؛ عبد اللّه بن نافع منكر الحديث - : قاله البخاري وغيره .
والعجب أن البخاري اعتمد على ما ذكره في رسالته إلى الليث في إنكار النهي
عن الصلاة في أعطان الإبل ، واستدل بما استدل به ، ولا دلالة فيه ، كما سيأتي
في موضعه - إن شاء اللّه تعالى .
وعند الشافعي وأصحابه : تُكره الصلاة على مدفن النجاسة ، وتصح .
ءِ
ومن أصحابه من كره الصلاة إلى النجاسة - أيضًا .
وحكي عن ابن حبيب المالكي ، أن من تعمد الصلاة إلى نجاسة بَطُلَتْ
صلاته ، إلا أن تكون بعيدة جداً .

٢٣١
١٨ - بابُ الصلاة في المنبر والسطوح والخشب
كتاب الصلاة
المَسْأَلة الثَّالثة :
إذا كان المستعلي على وجه الأرض مما لا يبقى على حاله كالثلج والجليد ،
فقد حكَى عن الحسن جوازَ الصلاة على الجليد .
ومعناه : إذا جمد النهر جازت الصلاة فوقه .
وقد صرح بجوازه أصحابنا وغيرهم من الفقهاء ؛ فإنه يصير قرارًاً متمكنًا
كالأرضِ ، وليس بطريقٍ مسلوك في العادة حتى تلحق الصلاة عليه بقارعة الطريق
في الكراهة .
وحكى البخاري عن ابن عمرَ ، أنه صلى على الثَّلج .
ونصَّ أحمد على جواز الصلاة عليه والسجود عليه .
ونقل عنه حربٌ ، قال : يبسط عليه ثوبًا ويصلِّي . قلت : فإن لم يكن معه
إلا الثوب الذي على جسده ؟ قال : إن أمكنه السجود عليه سجد ، وإلا أَوْمَاً .
قال : وإذا كان الثلج باردًا فإنه عُذْرٌ ، وسهَّل فيه .
قال : وسمعت إسحاق - يعني : ابن راهويه - يقول: إذا صليت في الثلج
أو الرمضاء أو البَرَد أو الطين فآذاكَ فاسجد على ثوبك ، وإذا اشتد عليك وضع
اليدين على الأرض فضعهما على ثوبك ، أو أدخلهما كُمَّكَ ، ثم اسجد كذلك .
قال : وسمعته - مرةً أخرى - يقول : إن كنت في رَدْغَةٍ أو ماءٍ أو ثلجٍ ، لا
تستطيع أن تسجد ، فأومىء إيماءً ، كذلك فعل أنس بن مالك وجابر بن زيد
وغيرهما . انتهى .
وأنس إنما صلى على راحلته في الطين ، لا على الأرض .
وحاصل الأمر : أنه يلزمه السجود على الثلج ما لم يكن عليه فيه ضرر، فإن
كان عليه فيه ضرر لم يلزمه ، وأجزأه أن يومئَ .
ولأصحابنا وجهٌ آخر: أنه يلزمه السجود عليه بكل حال ، ولا يجزئه الإيماء.

٢٣٢
١٨ - بابُ الصلاة في المنبر والسطوح والخشب كتاب الصلاة
والثلج نوعان : تارةً يكون متجددًا صلبًا ، فهذا حكمه حكم الجليد كما
تقدم ، وتارة يكون رخوًّا لا تستقر الأعضاء عليه ، فيصير كالقطن والحشيش
ونحوهما .
ومن سجد على ذلك لم يجزئه إلا من عذرٍ ، صرح بذلك طائفة من
أصحابنا ، وجعلوا استقرارَ الجبهةِ بالأرضِ شرطًا ، واستدلوا بأنه لو عَلَّق بساطًا
في الهواء وصلَّى عليه لم يجزئه ، وكذا لو سجد على الهواءِ أو الماءِ .
والشافعية في ذلك وجهان :
أصحهما عندهم : أنه يلزمه أن يتحامل على ما يسجد عليه بثقل رأسه وعنقه
حتى يستر جبهته ، ولا تصح صلاة بدون ذلك .
والثاني : لا يجب ذلك .
ولهم - أيضًا - في الصلاة على الأُرْجُوحة ، وعلى سرير تحمله الرجال
وجهان ، أصحهما : الصحة .
وروى عبد الرحمن بن أبي الزناد ، عن موسى بن عقبة ، عن صالح مولى
التوأمة، قال: سمعت ابن عباس يقول: سأل رجلٌ النبيِّ وَّ عن شيءٍ من أمر
الصلاة، فقال له رسول اللّه وَ له: ((إذا سجدتَ فَأَمْكن جبهتك من الأرض،
حتى تجد حَجْمَ الأرض)) .
خرجه الإمام أحمد(١).
وفي إسناده لين .
وروى حرب الكرماني : ثنا إسحاق - هو : ابن راهويه - : ثنا سويد بن
عبد العزيز ، عن أبي خبيرة زيد بن جبيرة ، عن داود بن حصين ، عن نافع ،
عن ابن عمر ، قال : أصاب الناسَ الثلجُ على عهد عمر بن الخطاب ، فبسط
(١) (١/ ٢٨٧) .

٢٣٣
١٨ - بابُ الصلاة في المنبر والسطوح والخشب
كتاب الصلاة
بساطًا ثم صلَّى عليه ، وقال : إن الثلج لا يتيمم به ، ولا يصلى عليه .
واحتج إسحاق بهذا الحديث .
وإسناده ضعيف ؛ فإن زيد بن جبيرة وسويد بن عبد العزيز ضعيفان .
وقد روى أبو عبيدٍ في ((كتاب الطهور)) بإسنادٍ آخر ، وفيه ضعف - أيضًا - :
أن عمر أصابه الثلج بالجابيةِ لما قدم الشامَ ، فقال : إن الثّلج لا يتيمم به .
ولم يذكر الصلاة .
واختلف الرواة عن أحمد في الغريق في الماء : هَلْ يوميءُ بالسجودِ ، أم
يلزمه أن يسجد بجبهته على الماء ؟ على روايتين عنه .
وقال القاضي أبو يَعْلَى في بعض كُتُبه : لم يوجب أحمد السجود على الماء؛
لأنه ليس بقرار ، وإنما أراد أنه يجب عليه أن يومئ في الماء إلى قُرْب الأرض ،
وإن غاصَ وجهه في الماء .
وهذا الذي قاله بعيد جدًّاً .
وحمل أبو بكر عبد العزيز الروايتين عن أحمد على حالين : فإن أمكنه
السجود على متن الماء سجد ، وإلا أوماً .
وقال أبو بكر الخلاَّل : قولُ أحمدَ : يومئ ، يريد بالركوع . وقولُه : يسجد
على متن الماء ، في السجود .
فلم يُثبت عن أحمدَ في الإيماء بالسجود خلافًا .
ولو كان في وَحَلٍ وطينٍ لم يلزمه السجود عليه ، وإنما عليه أن يومئ ، ولم
يَحْك أكثرُ الأصحاب فيه خلافًا ، بل قال ابن أبي موسى : لا يلزمه ذلك - قولاً
واحدًاً .
ومنهم من خَرَّج فيه وجهًا آخر : بوجوب السجود على الطين ، إذَا قُلْنَا : لا
تجوز له الصلاة في الطين على راحلته ، بل تلزمه الصلاةُ بالأرضِ ، وهو رواية

٢٣٤
١٨ - بابُ الصلاة في المنبر والسطوح والخشب
كتاب الصلاة
عن أحمد ، اختارها ابن أبي موسى .
وفَرَّق ابن أبي موسى بين المسألتين ، ووَجْهُ الفرقِ : أن المانَع من الصلاة
على الراحلة امتناع القيام والاستقرار بالأرض دون امتناع السجود بالأرض ، ولأن
في السجود على الطين ضرراً ؛ فإنه ربما دخل في عينيه وأنفه وفَمِه ، وربما
غَاصَ فيه رأسه وشَقَّ عليه رفعه ، فلا يلزمه ، بخلاف السجود علي متن الماء .
وممن قال : يومئُ بالسجود ولا يسجد على الطين : أبو الشَّعثاء وعمارة بن
غَزِيَّةٍ .
وفيه حديث مرفوع :
خرجه الطبراني وابن عدي(١) من طريق محمد بن فَضَاء ، عن أبيه ، عن
علقمة بن عبد اللّه، عن أبيه، عن النبي وَّر، قال: ((إذا لم يَقْدِرْ أحدكم على
الأرضِ ، إذا كنتم في طينٍ أو قَصَب أومئوا إيماءً)) .
وفي روايةٍ لابن عدي: ((أو في ماء أو في ثلجٍ)) .
ومحمد بن فَصَاء ، ضعيف ؛ ضَعَّفْه يحيى والنسائي وغيرهما .
ومذهب مالك : أنه يصلي في الطين بالأرضِ ، ولا يصلي على الراحلة .
واختلفت الرواية عنه في السجود في الطين : فروي عنه : أنه يسجد عليه .
وروي عنه : أنه یومئُ .
وحَمَل ذلكَ طائفةٌ من أصحابه على اختلاف حالين : فالحال التي يسجدُ
عليه: إذا كان خَفيفًا، كما سجد النبيُّ وَّلَّ في اعتكافه في الماء والطين ،
وانصرف وعلى جبهته أثر الماء والطينِ (٢). والحال التي يومئُ: إذا كان كثيراً ،
يَغْرق فيه المصلِّي .
(١) أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (٢٤٠ - الجزء الذي حققته منه) وكذا في ((الأوسط)) (٧٩١٣)
وابن عدي (٢١٧٩/٦) .
(٢) أخرجه البخاري (٨١٣).

٢٣٥
١٨ - بابُ الصلاة في المنبر والسطوح والخشب
كتاب الصلاة
ونصَّ أحمدُ على أنه إذا خشي أن تفسد ثيابه بالسجودِ على الطين أَوْمَاً ، ولم
يسجد عليه .
وكذا قال أبو الشعثاء جابر بن زيد .
خرَّج البخاري في هذا الباب حديثين :
الحديث الأول :
قال :
٣٧٧ - ثَّا عليّ بن عبدِ اللّه: ثنا سُقْيَانُ: ثنا أَبُو حَازِمِ: سَأَلُوا سَهْلَ بِنَ سَعْدِ:
مِنْ أَيِّ شيءٍ المِنْبَرُ؟ فَقَالَ : مَا بَقِيَ في النَّاسِ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، هُوَ مِنْ أَثْلِ الغَابَةِ ،
عَمِلَهُ فُلانٌ مَوْلَى فُلاَنَةٍ لِرَسُولِ اللّه ◌َ، وَقَامَ عَلَيْهِ رَسُول اللّه ◌َّرِ حِينَ عُمِلَ
وَوُضِعَ ، فَاسْتَقْبَ الِبْلَةَ، كَبِّ وَقَامَ النَّاسُ خَلْفَهُ فَقَرأَ ، وَرَعَ وَرَكَعَ النَّاسُ خَلَهُ،
ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ ، ثُمَّ رَجَعَ القَهْقَرَى فَسَجَدَ عَلَى الأَرْضِ، ثُمَ عَادَ إلى المِنْرِ، ثُمَّ قَرَاً،
ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ رَجَعَ القَهْقَرَى حَتَّى سَجَدَ بِالأَرْضِ، فَهَذَا شَأْنُهُ .
قال أبو عبد اللّه : قال عليّ بن عبد اللّه المَدِيني: سَأَلَنِي أَحْمَدُ بنُ حَنْبَل عَنْ
هَذَا الحَدِيثِ ، قَالَ: فَإِنَّمَا أَرَدْتُ أَنَّالنَّبِّ:﴿ كَانَ أَعْلَى مِنَ النَّاسِ ، فَلا بَأْسَ بأن
يَكُونَ الإِمَامُ أَعْلَى مِنَ النَّاسِ بهذا [ الحديث](١). قَالَ: فَقُلْتُ: إنَّ سُفْيَانَ بِنَ عُبَينَةَ
كَانَ يُسألُ عَنْ هَذَا كَثِيرًا ، فَلَمْ تَسْمَعْهُ مِنْهُ؟ قَالَ : لاَ .
هذا الحديث بتمامه مشهور عن ابن عيينة بهذا الإسناد ، رواه عنه الشافعي
وغيره ، ولم يسمع منه الإمام أحمد إلا : ((كان من أَثْل الغابة)) - يعني: منبرَ
النبي و9َّ -، وقد خرج هذا القدرَ منه عن سفيان في («مسنده)»(٢). وكان سفيان
يختصر الحديثَ أحيانًا .
(١) زيادة من البخاري .
(٢) (٣٣٠/٥) .

٢٣٦
حديث : ٣٧٧
كتاب الصلاة
وإنما خرَّج أحمد بتمامه في «مسنده)) (١) من طريق عبد العزيز بن أبي حازمٍ ،
عن أبيه ، عن سَهْل بن سَعْدٍ ، وقال في آخر الحديث : فلما انصرف قال :
((يا أيُّها الناس، إنما فعلتُ هذَا لَأَمُّوا بي، وتَعْلَموا صلاتي)) .
وقد خرَّجه البخاري في موضع آخر من ((كتابه))، ومسلمٌ - أيضًا (٢)- من
حديث يَعْقوب بن عبد الرحمن ، عن أبي حازم ، بهذه الزيادة .
ومقصود البخاري بتخريج هذا الحديث هنا : الاستدلال على جواز الصلاة
على ما يُوضع على الأرض من منبرٍ وما أشبهه كالسّرير وغيره .
وما ذكره البخاري عن علي بن المديني ، أن أحمد بن حنبلٍ سأله عن هذا
الحديث، وقال: إنما أردت أن النَّبِيَّ وَلّ كان أعلى من الناس ، فلا بأس بأن
يكون الإمام أعلى من الناس بهذا الحديث .
فهذا غريبٌ عن الإمام أحمد ، لا يُعرف عنه إلا من هذا الوجه ، وقد اعتمد
عليه ابن حزمٍ وغيره ، فنقلوا عن أحمدَ : الرَّخصةَ في علوِّ الإمام على المأموم .
وهذا خلاف مذهبه المعروف عنه ، الذي نقله عنه أصحابه في كتبهم ،
وذكره الخِرَقي ومَنْ بعده ، ونقله حنبل ويعقوب بن بختان ، عن أحمدَ ، أنَّه
قال : لا يكون الإمام موضعُهُ أرفعَ من موضعٍ مَنْ خَلْفه ، ولكن لا بأس أن
يكون من خلفه أرفع .
وممَّن كره أن يكون موقفُ الإمامِ أعلى من المأموم : النخعي والثوري
ومالك وأبو حنيفة والأوزاعي .
وقد روي ذلك عن ابن مسعودٍ من غير وجه أنه كرهه ، ونهى عنه .
وخرج أبو داود (٣) من رواية الأعمش ، عن إبراهيم ، عن همام ، أن حذيفة
(١) (٣٣٩/٥).
(٢) البخاري (٩١٧) ومسلم (٢/ ٧٤).
(٣) (٥٩٧) .

٢٣٧
١٨ - بابُ الصلاة في المنبر والسطوح والخشب
كتاب الصلاة
أمَّ الناس بالمدائنِ على دُكَّانِ ، فأخذ أبو مسعود بقميصه فجذبه ، فلما فرغ من
صلاته قال : ألم تعلم أنهم كانوا ينهون عن ذلك - أو يُنهى عن ذلك - ؟ قال :
قد ذكرتُ حين مَدَدْتَني(١).
ومن رواية(٢) ابن جُريج : أخبرني أبو خالد ، عن عدي بن ثابت ، قال :
حدثني رجلٌ ، أنَّه كان مع عمار بن ياسر بالمدائنِ ، فأقيمت الصلاة ، فتقدَّم
عمَّار بن ياسر ، وقام على دُكَّانِ يصلِّي، والناس أسفلَ ، فتقدم حذيفةُ ، فأخذ
على يَدَيْهِ ، فاتبعه عمَّر حتى أنزله حذيفة ، فلما فرغ عمَّارٌ من صلاته قال له
حذيفة: ألم تسمع رسولَ اللّه ◌ِ وَلَه يقول: ((إذا أمَّ الرجل القوم فلا يَقُمْ في مقامٍ(٣)
أرفع من مقامهم)) - أو نحو هذا؟ قال عمَّار: لذلك اتبعتكَ حين أخذت على
= (٤)
يدي
٠
ورخَّص طائفةٌ في ارتفاع الإمامِ على المأمومين .
وروي عن عمر بن عبد العزيز أنَّه أمَّ الناسَ فوقَ كنيسةٍ وَهُمْ تحتها .
وروي نحوه عن سُحنُون .
وأما مذهب الشافعي ، فإنَّه قال : أَخْتَار للإمامِ الذي يُعلِّم من خَلْفَه أن
يصلّي على الشيءِ المرتفع ، ليراهُ مَنْ وراءه ، فيقتدوا بركوعه وسجوده . قال :
وإذا كان الإمامُ عَلَّم الناسَ مرَّةً أحببت أن يصلِّي مستويًا مع المأمومين ؛ لأنَّه لم
يَرِدْ عن النبيِ وَِّ أنه صلَّى على المنبرِ إلا مرةً .
(١) في هامش الأصل ((ق)): ((رواه زياد البكائي، عن الأعمش فصرح برفعه - : قاله أبو حاتم.
قال: ورواه زيد بن أبي أنيسة ، عن عدي بن ثابت ، عن رجلٍ من بني تميم ، عن
أبي مسعود - مرفوعًا - ، وهو صالح - : كذا نقله عنه ابنه في ((علله)) (٢٠٠) ، وهذا
حديث حذيفة لا حديث أبي مسعود)) انتهى .
(٢) (٥٩٨) .
(٣) في ((السنن)): ((في مكان)).
(٤) راجع : ما تقدم في أول هذا الباب في آخر الكلام على المسألة الأولى .

٢٣٨
حديث : ٣٧٧
كتاب الصلاة
وكذا حكى ابن المنذر عن الشافعي جوازَه إذا أرادَ تعليمهم ، واختاره ابن
المنذر ، وقال : إذا لم يُرد التعليمَ فهو مكروه ؛ لحديث ابن مسعودٍ .
ومن أصحابنا من حكى روايةً عن أحمدَ كذلك .
والذين كرهوا ذلك مطلقًا اختلفوا في الجواب عن حديث سهل بن سعد في
صلاة النبيّ ◌َّ على المنبرِ:
فمنهم من قال: قد يفعل النبيّ وَّل38 ما هو مكروه لغيره لبيان جوازه ، ولا
يكون ذلك مكروهًا في حقِّه في تلك الحال ، ويكره لغيره بكلِّ حال .
وهذا ذكره طائفة من أصحابنا كالقاضي أبي يَعْلى وغيره ، ووقع في كلام
الخطابي ما يشبهه .
ومنهم من قال : المكروه أن يقوم الإمامُ على مكان مرتفعٍ على المأمومين
ارتفاعًا كذراعٍ ونحوه ، فإنّه يُحوج المأمومين في صلاتهم إلى رفع أبصارهم إليه
للاقتداء به ، وهو مكروه ، فأمَّا الارتفاع اليسير فغير مكروه ، ويحتمل أن النبي
﴿ كانَ وقُوفُه على درجة المنبر الأولى ، فلا يكون ذلك ارتفاعًا كثيرًاً .
وتقدير الكثير بالذراع قول القاضي أبي يعلى من أصحابنا .
وقياس المذهب : أنه يُرْجَعُ فيه إلى العرف .
وذكر الطحاوي - من الحنفية - أنه مقدَّر بما زاد على قامة الإنسان .
واستغرب ذلك أبو بكر الرازي .
واختلف القائلون بكراهة ذلك : هل تبطلُ به الصلاة ، أم لا ؟
فقال أكثرهم : تكره الصلاةُ ، ولا تبطلُ .
وقد تقدم أن الصحابة بَنَوْا على الصلاة خلف من أمَّهم مرتفعًا عليهم ، ولم
يستأنفوا الصلاةَ .
وقالت طائفة : تبطل الصلاة بذلك ، وهو قول مالك وابن حامد من

٢٣٩
١٨ - بابُ الصلاة في المنبر والسطوح والخشب
كتاب الصلاة
أصحابنا ، وحكي عن الأوزاعي نحوه .
واختلف أصحابنا : هل النهي مُتُوجِّه إلى الإمامِ ، أن يَعْلُوَ على من خَلْفَه ،
أم النهي مُتُوجِّهٌ إلى المأمومِ ، أن يقومَ أسفلَ من إمامه ؟ على وجهين :
أحدهما : أن النهي للإمام .
فإن قلنا : إن هذا النهي يُبطلُ الصلاة، بطلتْ صلاة الإمام.
وهل تبطل صلاة من خلفه أم لا ؟ فيه روايتان عن أحمد في صلاة من اقتدى
بإمامٍ ، صلاتُهُ فاسدة .
والثاني : أن النهي متوجِّه إلى المأمومين خاصَّةً .
فعلى هذا ؛ إن كان الإمامُ في العلوِّ وَحْدَه ، وقلنا : هذا النهي يُبطل
الصلاةَ ، بطلتْ صلاةُ المأمومين وصلاةُ الإمامِ ؛ لأنَّه صار منفردًا ، وقد نوى
الإمامةَ ، وهذا مُبطلٌ عند أصحابنا .
وإن كان معه في العلوِّ أحدٌ صحت صلاته وصلاة مَنْ مَعَه ، وفي صلاة من
أسفل منهم الخلاف السابق .
واعلم ؛ أنه لم يقع في ((صحيح البخاري)) حكايةُ قولٍ لأحمدَ في غير هذه
المسألة ، وهو خلاف مذهبه المعروف في كتب أصحابه ، ولم أعلم أحدًا منهم
حكى ذلك عن أحمد ، إلا أن القاضي أبا يعلى حكاه في ((كتاب الجامع الصغير))
له وجهًا . والله أعلم .
وفي قول سَهْل بن سَعْدِ: ((لم يبقَ أعلمُ بالمنبرِ مِنِّي)): دليل على أن من
اختصّ بعلم ، فإنه لا يكره له أن يُنَبِّه على اختصاصه به ؛ ليُؤخَذ عنه ، وتتوفر
الهِمَم على حفظهِ وضبطهِ عنه ، وقد سبق في ((كتاب: العلم)) شيءٌ من ذلك .
وبقية فوائد الحديث تُذكر في مواضع أخر - إن شاء اللّه تعالى.
٨٨

٢٤٠
حديث : ٣٧٨
كتاب الصلاة
الحديث الثاني :
قال :
٣٧٨ - ثنا محمَّد بن عَبْد الرَّحيم: ثنا يَزِيدُ بنُ هَارُونَ : أبنا حُميدٌ الطَّويلُ ، عن
أَنَسِ بِنِ مَالِكِ، أَنَّ رَسُول اللّهِوَ سَقَطَ عن فَرَس فَجُحْشَتْ(١) سَاقُهُ - أَوْ كَتِفُهُ -
وَآلَى مِنْ نِسَائِهِ شَهْرًاً، فَجَلَسَ فِي مَشِرَبَةٍ له دَرَجُّهَا(٢) مِنْ جُدُوعِ النَّخْلِ، فَأَتَاهُ
أَصْحَابُهُ يَعُودُونَهُ، فَصَلَّى بِهِمْ جَالِسًا وَهُمْ قِيَامٌ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ: (إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ
لِيُؤْثَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبِّرَ فَكَبِرُوا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِنْ صَلَّى
قَائِمًا فَصَلُوا قِيَامًا)). وَنَزَلَ لِتِسْعِ وَعِشْرِين، فَقَالُوا: يَا رَسُول اللّه، إِنَّكَ آَلَيْتَ
شَهْرًا؟ فَقَالَ: «إِنَّ الشَّهْرَ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ).
قال الخطابي(٣): ((الجحش)): الخدش، أو أكبر منه(٤). و((المَشْربة)): شبه
الغرفة المرتفعة عَنْ وجهِ الأرضِ .
وضبط غيره: ((رَاءَهَا))(٥) بالفتح والضم .
ومقصود البخاري بتخريج الحديث هَاهُنا : أنَّه تَجوزُ الصلاةُ في الغُرَف
والعَلالي .
وقد كان النبي وَّ اعتزل في هذه المشربة شهرًا لِهَجْرِهِ لِنسائه ، ولم يَدْخل
إلى نسائه حتى فرغ الشَّهر ، ولم يُنْقل : هل كان قد بَرِئَ مما أصابه قبل الشَّهرِ ،
(١) في الأصل ((ق)): ((فجحش))، وما أثبته هو الصواب ، ليس فيه اختلاف بين روايات
البخاري .
(٢) في نسخة : ((درجتها)).
(٣) في ((شرح البخاري)) (١/ ٣٦٢) .
(٤) عنده : ((إذا كَثُرُ منه)).
(٥) أي راء : ((مشرَبِة)).