Indexed OCR Text
Pages 101-120
١٠١ ١ - باب كيف فرضت الصلاة في الإسراء كتاب الصلاة ٨ كِتَابُ الصَّلاَةَ ١ - بَابُ كَيْفَ فُرِضَتِ الصَّلاةُ(١) فِي الإِسْرَاءِ وقال ابنُ عَّاسٍ ؛ حدَّثْني أبو سُفْيَانَ فِي حَدِيثِ هِرَقْلَ، فقالَ : يَأمُرُنَا - يَعْنِي: النَّبِيّ ◌َةُ - بِالصَّلاةِ والصِّدْقِ والعَفافِ . حديث أبي سفيانَ هذا قد خرجه البخاري بتمامه في أول ((كتابه))(٢)، وهو يَدُلُّ على أن النبيِ نَّهِ كان أهمُّ ما يأمر به أُمته الصلاةَ، كما يأمرهم بالصدق والعفافِ ، واشتهر ذلك حتى شاع بين المِلَلِ المخالفين له في دينه ، فإن أبا سفيان كان حين قال ذلك مُشْركًا، وكان هِرَقْلُ نَصْرانِيًا، ولم يَزَلْ بَلِ مَنْذ بُعث يأمر بالصدق والعفاف، ولم يزل يصلي - أيضًا - قبل أنْ تُفْرَض الصَّلاةُ. وأول ما أُنزل عليه سورةُ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] وفي آخرها : أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾ إلى قوله: ﴿كَلَّ لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ٩ - ١٩]. وقد نَزَلَتْ هذه الآياتُ بسبب قول أبي جَهْلِ: لئن رأيتُ محمدًا ساجدًا عند البيت لأَطَأَنَّ على عُنُقه . (١) في نسخة: ((الصلوات)). (٢) (كتاب: بدء الوحي)) (٧) . ١٠٢ ١ - باب كيف فرضت الصلاة في الإسراء كتاب الصلاة وقد خرَّج هذا الحديثَ مسلم في ((صحيحه))(١). وقد ذَكَرْنا في أول ((كتاب: الوضوء)) حديثَ أسامةَ، أن جبريلَ نَزَل على النبيِ وَّ في أول الأمر، فعَلَّمه الوضوءَ والصلاةَ(٢). وذكر ابنُ إسحاقَ : أن الصلاة افتُرِضَتْ عليه حينئذ، وكان هو زَّ و خديجةُ يُصَلِّيان . والمراد : جنْسُ الصلاة ، لا الصلوات الخمس . والأحاديث الدالة على أن النبي ◌َّ كان يصلي بمكةَ قَبل الإسراءِ كثيرةٌ . لكن قد قيل : إنه كان قد فُرض عليه ركعتان في أول النهار وركعتان في آخره فقط ، ثم افتُرضت عليه الصلواتُ الخمس ليلةَ الإسراء - : قاله مُقَاتِلٌ وغيره . وقال قَتَادَةُ : كان بدءُ الصلاة ركعتين بالغَداة ، وركعتين بالعَشِيِّ. وإنما أراد هؤلاء : أن ذلك كان فَرضًا قبل افتراض الصلوات الخمس ليلةً الإسراء . وقد زَعَم بعضُهم : أنَّ هذا هو مُرادُ عائشةَ بقولها : فُرضت الصلاةُ ركعتين ركعتين(٣)، وقالوا : إنَّ الصلوات الخمسَ فُرضت أوَّلَ ما فُرضت أربعًا وثلاثًا وركعتين على وجهها ، وسيأتي ذِكْرُ ذلك في الكلام على حديث عائشةَ - إن شاء اللَّهُ . وضَعَّفَ الأكثرون ذلك، وقالوا : إنما أرادت عائشةُ فَرْضَ الصلواتِ الخمس ركعتين ركعتين سوى المَغْرِبِ ، كما سيأتي ذِكْرُه إن شاء اللَّه تعالى . (١) (كتاب: صفة القيامة)) باب قوله: ﴿إِن الإنسان ليطغى﴾ (١٣٠/٨) من حديث أبي هريرة. (٢) أخرجه أحمد في مسنده)) (٢٠٣/٥) من حديث عروة ، عن أسامة، وفيه: ((أن جبريل لما نزل على النبي (َّ فعلمه الوضوء ... )) وليس فيه ذكر تعليم الصلاة. (٣) أخرجه البخاري (٣٥٠) - يأتي قريبًا - ومسلم (١٤٢/٢). ١٠٣ ١ - باب كيف فرضت الصلاة في الإسراء كتاب الصلاة وقد وَرَدَ من حديث عَفيفِ الكِنْدِيِّ، أنه رأى النبيَّ وَّ يصلي بمكةَ حين زالت الشمسُ ومعه عليٌّ وخديجةُ ، وأنَّ العباسَ قال له : ليس على هذا الدِّين أحدٌ غيرهم . وقد خرَّجه الإمام أحمدُ والنسائي في ((خصائص عليّ)(١). وقد طَعَن في إسناده البخاريُّ في ((تاريخه)) والعُقَيْلِيُّ وغيرُ واحدٍ . وقد خرَّج الترمذي(٢) من حديث أَنَسِ، قال: بُعث النبي ◌ِلّهِ يومَ الإثنينِ، وصلى عليٌّ يومَ الثُلاثاءِ . وإسناده ضعيف . وقد خرَّجه الحاكم (٣) من حديث بُرَيْدَةً، وصَحَّحَه . وفيه دليل على أن الصلاة شُرعتْ من ابتداء النبوة ، لكن الصلوات الخمس لم تُفْرض قبلَ الإسراء بغير خلاف . وروى الرَّبِيعُ ، عن الشافعي ، قال(٤): سمعتُ ممن أثق بخَبَرَه وعِلْمه يَذْكر أنَّ اللّه تعالى أَنزل فَرْضًا في الصلاة، ثم نَسَخَه بفَرْض غيرِهِ ، ثم نَسَخ الثاني بالفرض في الصلوات الخمس . قال الشافعي: كأنه يَعْني قَوْلَ اللّهِ عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُؤَّمِّلُ (١) قُمِ الَّيْلَ إِلَّ قَلِيلاً (٣) نَصْفَهُ أَو انقُصْ مِنْهُ قَليلاً (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [المزمل: ١ - ٤] ثم نَسَخَه في السورة معهُ بقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾ الآية إلى (١) أخرجه النسائي في ((الخصائص)) (٥) وأحمد في ((المسند)) (٢٠٩/١ - ٢١٠) والبخاري في (التاريخ الكبير)) (٤/ ١ / ٧٤ - ٧٥) وقال: ((لا يتابع في هذا)). وقال في موضع آخر (٣٤٥/١/١ / ١٠٨٧): ((في حديثه نظر)) .. (٢) (٣٧٢٨)، والحاكم - أيضاً - (١١٢/٣) بلفظ: (( .. وأسلم عليٌّ ... )). وضعفه البخاري كما في ((علل الترمذي الكبير)) (ص ٣٧٥). (٣) (١١٢/٣). (٤) (الأم)) (٥٩/١) ((باب أصل فرض الصلاة)). ١٠٤ ١ - باب كيف فرضت الصلاة في الإسراء كتاب الصلاة قوله: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]، فنُسخ قيامُ الليل ، أو نصفِه، أو أقلَّ ، أو أكثر بما تَيَسَّر. قال الشافعي: ويقال نُسخ ما وُصف في المزمل بقول الله عز وجل: ﴿أَقِم الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ ودلوك الشمس: زَوَالُها ﴿إِلَىْ غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ العَتَمَة ﴿ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ الصبحِ ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةَ لَّكَ﴾ [الإسراء: ٧٨ - ٧٩] فَأَعْلَمَه أن صلاة الليل نافلةٌ لا فريضةٌ ، وأن الفرائض فيما ذُكِر من ليلٍ أو نهارٍ . قال: ويقال في قول اللّه عز وجل: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ المغرب والعشاء ﴿وَحِينَ تَصْبِحُونَ﴾ الصبحِ ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا م م العصر ﴿وَحِينَ تَظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٧ - ١٨] الظهر. انتهى . وقد روي عن طائفة من السَّلَف تفسيرُ هاتين الآيتين بنحو ما قاله الشافعي، فكل آية منهما متضمّنّةٌ لذكْر الصلوات الخمس ، ولكنهما نَزَلَتا بمكةَ بعد الإسراء. والله أعلم . وقد أجمع العلماء على أن الصلوات الخمس إنما فُرضت ليلةَ الإسراء ، واختلفوا في وقت الإسراء : فقيل : كان بعد البعثة بخمسةَ عشرَ شهرًا ، وهذا القول بعيد جداً . وقيل : [إنه] كان قبل الهجرة بثلاث سنين ، وهو أشهر . وقيل : قَبل الهجرة بسنة واحدة(١). وقيل : قبلها بستة أشهر . وقيل : كان بعد البعثة بخمس سنين ، ورجّحه بعضهم ، قال : لأنه لا (١) حكاه النووي في ((شرح مسلم)) (٢٠٩/٢) عن أبي إسحاق الحربي، وحكاه ابن كثير في ((التفسير)) (٢٢/٣) عن الزهري وعروة، وادعى ابن حزم الإجماع عليه كما في ((فتح الباري)) (٤٨٥/١٣) ودعوى الاتفاق هنا دعوى عريضة ، ومن ادعاه في مثل هذا فقد أبعد وأغرب ، وهرب إلى غير مهرب ، ولم يتحصل على مطلب . ١٠٥ ١ - باب كيف فرضت الصلاة في الإسراء كتاب الصلاة خلافَ أن خديجة صلَّت معه بعد فرض الصلاة ، ولا خلاف أنها تُوفِّيَتْ قبل الهجرة بمدة ، قيل : بثلاث سنين ، وقيل : بخمس ، وقد أجمع العلماءُ على أن فَرْضَ الصلاة كان ليلةَ الإسراء . قلتُ : حكايته الإجماعَ على صلاة خديجةَ معه بعد فَرْض الصلاة غَلَطٌ مَحْضٌ، ولم يَقُل هذا أَحَدٌ ممن يُعْتَدُّ بقوله(١). وقد خرَّج أبو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ والطََّرانِيُّ (٢) من حديث إسماعيلَ بن مُجالد ، عن أبيه، عن الشَّعْبِي، عن جابرٍ، أن رسولَ اللَّهِ بَّهِ سُئل عن خديجةَ؛ فإنها ماتت قبل أن تَنزل الفرائضُ والأحكام ؟ فقال: ((أَبْصرتُها على نَهَر من أنهار الجنة ، في بيت من قَصَب ، لا لَغْوٌ فيه ولا نَصَبِ» . وروى الزَّبَيْرُ بنُ بِكَّارِ ، بإسنادٍ ضعيفِ ، عن يُونُسَ عن ابنِ شِهابٍ ، عن عُرْوَةَ ، عن عائشةُ، قالت : تُوُقِّيَتْ خديجةُ قبل أن تُفرض الصلاةُ . وقد فَرَّق بعضهم بين الإسراء والمعراج ، فجَعَل المعراج إلى السموات كما ذَكَره اللَّهُ في سورة النَّجْم، وجعل الإسراء إلى بيت الْمَقْدِسِ خاصةً ، كما ذَكَرِه اللّه في سورة ﴿سبحانَ﴾ وزَعَم أنهما كانا في ليليتين مختلفتين ، وأن الصلواتِ فُرضت ليلةَ المعراج لا ليلة الإسراء . ١ وهذا هو الذي ذكره محمدُ بنُ سَعْدٍ في ((طبقاته))(٣) عن الواقديِّ بأسانيدَ له متعددة ، وذَكَر أن المعراج إلى السماء كان ليلةَ السبت لسبعَ عشرةَ خَلَتْ من شهر رمضانَ قبل الهجرة بثمانيةَ عشرَ شهرًا من المسجد الحرام ، وتلك الليلةَ فُرضت الصلواتُ الخمس ، ونزل جبريلُ فصلى برسول اللّه وَّالر الصلوات في مواقيتها ، (١) قلت : وهناك أقوال أخرى ذكرتها في مقدمتي على كتاب ((تبيين العجب بما ورد في فضل رجب)) لابن حجر . (٢) أخرجه أبو يعلى في («مسنده)) (٤١/٤) والطبراني في «الأوسط» (٨١٥٣). (٣) (١/ ١ / ١٤٣). ........... ١٠٦ حديث : ٣٤٩ كتاب الصلاة وأن الإسراء إلى بيت المقدس كان ليلةَ سبعَ عشرةَ من شهر ربيعِ الأولِ قبل الهجرة بسنةٍ ، من شِعْبِ أبي طالبٍ . وما بوَّب عليه البخاري أن الصلواتِ فرضت في الإسراء يدل على أن الإسراء عنده والمعراج واحد . والله أعلم . وخرّج في هذا الباب حدیثین : الحديث الأول : حديث المعراج بطُوله : فقال : ٣٤٩ - ثنا يحيى بنُ بُكَيْر: ثنا اللَّيْثُ، عن يُونُسَ ، عن ابنِ شِهابٍ ، عن أَنَسِ ابنِ مالك، قال: كان أبو ذَرِّ يُحَدِّثُ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ قال: ((فُرِجَ عنْ سَقْفِ بَيْتِي وأنا بمَكَّةَ، فَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فِفَرَجَ صَدْرِيٍ، ثم غَسَلَه بماءٍ زَهْزَمَ، ثُمَّ جاء بطَسْتٍ مِن ذَهَبٍ مُمْتَلِئْ حِكْمَةً وإِيمانًا، فَأَفْرَغَه في صَدْرِي، ثُم أَطَقَه، ثم أَخَذْ بَيَدِي فِعَرَجَ بي إلى السَّماء ، فلما جِئْتُ إلى السماء الدُّنْيَا قال جِبْرِيلُ لخازِنِ السماءِ : اقْتَحْ، قال : مَنَ هذا؟ قال : جبريلُ ، قال: هل معكَ أَحَدٌ؟ قال : نَعَمْ، معي مُحَمَّدٌ . فقال: أُرْسِلَ إليه؟ قال: نعم ، فلما فَتَح عَلَوْنا السماءَ الدنيا ، فإذا رَجَلٌ قاعدٌ على يمينه أَسْوِدَةٌ ، وعلى يساره أَسْوِدَةٌ ، إذا نظر قبَل يمينه ضَحكَ، وإذا نظر قبل شماله بكى ، فقال: مَرْحَبًا بالنبي الصَّالِحِ والابْنِ الصالحِ . قلتُ لجبريلَ : من هذا؟ قال : هذا آدَمُ ، وهذه الأسودة عن يمينه وشماله نَسَمُ يَنِيهِ ، فَأَهْلُ اليمينِ منهم أهلُ الجَنَّةِ وَالأسودة التي عن شماله أَهْلُ النَّارِ ، فإذا نظر عن يمينه ضحك ، وإذا نظر قبَل شماله بكى . حتى عَرَج بي إلى السماء الثانية ، فقال لخازنها : افْتَحْ، فقال له خازنُها مثْلَ ما قال الأولُ ، ففَتَح)) . قال أَنَسُ: فَذَكَر أنه وَجَد في السَّمَوَاتِ آدَمَ وإِدْرِيسَ وموسى وعيسى وإبراهيمَ، ولم يُثْبِتْ كَيْفَ منازلُهم، غَيْرَ أَنّهُ ذَكَرِ أنّهُ وجد آدَمَ في السماء الدنيا ، ١٠٧ ١ - باب كيف فرضت الصلاة في الإسراء كتاب الصلاة وإبراهيم في السماء السادسة . قال أنس: ((فلما مَرَّ جبريلُ بالنبيِ وَّهِ بإدريسَ قال: مَرْحَبًا بالنبي الصالح والأخِ الصالح ، فقلتُ : من هذا؟ قال : هذا إدريسُ ، ثم مَرَرْتُ بموسى عليه السلام، فقال : مرحبًا بالنبي الصالح والأخ الصالح ، قلتُ: من هذا ؟ قال : هذا موسى ، ثم مررتُ بعيسى عليه السلام ، فقال : مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح، قلتُ : من هذا ؟ قال : عيسى ، ثُمَّ مررتُ بإبراهيم عليه السلام ، فقال : مرحبًا بالنبي الصالح والابن الصالح، قلتُ: من هذا؟ قال : هذا إبراهيم)). قال ابنُ شِهابٍ : فَأَخْبَرَنَي ابنُ حَزْمٍ ، أن ابنَ عباسٍ وأبا حبَّةَ الأَنْصاريَّ كانا يقولان: قال النبي ◌َّهَ: ((ثم عُرِج بي حتى ظَهَرْتُ لِمُسْتَوَى أَسْمَعَ فِيهِ صَرِيفَ الأَقْلام)» . قال ابنُ حَزْمِ وأَنَسُ بنُ مالِكِ: قال النبي ◌َّهُ: ((فَفَرَضَ اللَّهُ على أُمَّتِي خَمْسينَ صلاةً، فرَجَعْتُ بذلك حتى مررت على موسى ، فقال : ما فَرَض اللَّهُ لك على أُمتك؟ قلت(١): فَرَض خمسين صلاةً، قال: فارْجِعْ إلى رَبِّكَ، فإنَّ أُمتَكَ لا تُطِيقُ، فراجَعَنِي فَوَضَعَ شَطْرَها، فرَجَعْتُ إلى موسى، قلتُ: وَضَعَ شَطَرَها ، قال: راجعْ (٢) رَبَّك، فإن أُمتك لا تُطيق، فراجَعْتُ فوَضَع شَطَرَها ، فرجعتُ إليه ، فقال : ارجع إلى ربك ؛ فإن أُمتك لا تُطيق ذلك ، فراجعتُهُ ، فقال: هي خَمْسٌ ، وهي خمسونَ ، لا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ ، فرجعتُ إلى موسى ، فقال : ارجع إلى ربك ، فقلتُ : اسْتَحْبَيْتُ من ربي ، ثم انْطَلَقَ بي حتى انْتَهَى [بي) إلى سِدْرَةَ الْمُنْتَّهَى، وغَشِيها أَلْوانٌ لا أَدْرِي ما هي ، ثُم أُدْخِلْتُ الجَنَّةُ، (١) في الأصلين: ((قال)) والمثبت من اليونينية. (٢) في نسخة: ((ارجع إلى)). ١٠٨ حديث : ٣٤٩ كتاب الصلاة فإذا فيها جَنَابِذُ(١) اللُّؤْلُقِ، وإذا تُرابُها المِسْكُ) . ٠ هذا الحديث رواه جماعة عن يونسَ ، عن الزهري ، عن أبي ذر وأنس . وخالفهم أبو ضَمْرة أنس بن عياض ، فرواه عن يونس ، عن الزهري ، عن أنس ، عن أبي بن كعب ، وهو وَهْم منه - : قاله الدارقطني ، وأشار إليه أبو زرعة و وأبو حاتم (٢). وقد اختلف في إسناد هذا الحديث على أنس ، فالزهري رواه عنه ، عن أبي ذر، وجعل ذكر فرض الصلوات منه عن أنس، عن النبي وَ لَه. ورواه قتادة ، عن أنس ، عن مالك بن صَعْصَعة ، وقد خرج حديثه البخاري في موضع آخر (٣). ورواه شريك بن عبد اللّه بن أبي نَمِر، عن أنس، عن النبي بَخُلّ بسياق مطوَّلِ جدًا . وقد خرَّج حديثه البخاري في آخر ((كتابه)) (٤)، وفيه ألفاظ استنكرت على شَرِيكِ ، وتفرد بها . وقد رواه ثابت، عن أنس، عن النبي بَخلو - أيضًا - بدون سياق شريك. وقد خرَّج حديثهَ مسلم في ((صحيحه))(٥) . وقال الدارقطني : يشبه أن تكون الأقاويل كلها صحاحًا ؛ لأن رواتها ثقاتٌ. (١) كذا في الأصلين، وفي نسخة عند ((ق)): ((حبائل)) بالحاء المهملة واللام، وهو الثابت في جميع نسخ البخاري كما قال ابن حجر ، إلا أن ابن رجب أثبت خلافًا ، وسيأتي ، وشرح الحديث على ((جنابذ)) فالله أعلم. (٢) ((العلل)) لابن أبي حاتم (٣١٥). (٣) (٣٢٠٧) (٣٣٩٣) (٣٤٣٠) (٣٨٨٧). (٤) (٧٥١٧). وانظر: (شرح البخاري)) للخطابي (٢٣٤٩/٤). وكذا كتابي: ((ردع الجاني)) (ص ٨٨) . (٥) (١ / ١٠١ - ١٠٢). ١٠٩ ١ - باب كيف فرضت الصلاة في الإسراء كتاب الصلاة قال: ويشبه أن يكون أنس سمعه من النبي وَلَه ، واستثبته من أبي ذر ومالكِ ابنِ صَعْصَعَةَ . وقال أبو حاتم الرازي(١): أرجو أن يكون قولُ الزهري وقتادةً عن أَنَسٍ صحيحين . وقال - مَرَّةً -: قول الزهري أصح، قال: ولا أَعْدِل به أَحَدًا . وشَقُّ صدرِهِ وَّهِ ليلةَ المعراج وغَسْلُه من طَسْتٍ من ذَهَب من ماءٍ زَمْزَمَ ومَلْؤُهُ إيمانًا وحكمةً مما تطابقت عليه أحاديثُ المعراج . وروى ثابتٌ ، عن أَنَسٍ ، أن النبي بَّر أتاه جبريلُ وهو يلعب مع الغلمان ، فَأَخَذَه فَصَرَعَهُ ، فشَقَّ عن قلبه ، فاستَخرج القلبَ ، فاستَخرج منه عَلَقَةً ، فقال هذا حظُّ الشيطان منك، ثم غَسَلَه في طَسْتِ من ذهب بماء زمزمَ، ثم لأَمَهُ ، ثم أعاده في مكانه ، وجاء الغلمان يسعَون إلى أُمه - يعني: ظِثْرَه - ، فقالوا : إن محمدًا قد قُتِل، فاسْتَقْبَلُوه وهو منْتَقِعُ اللونِ . قال أنسٌ : وقد كنتُ أَرَى أثرَ ذلك الْمِخْيَطِ فِي صَدْرِهِ وَهِ. خرجه مسلم (٣). وليس في هذا الحديث أنه حُشِي إيمانًا وحكمة ، وقد روي هذا الحديث من رواية أبي ذَرٍّ وعُتْبَةَ بنِ عبدِ السُلَمِيِّ، وفي روايتهما: أنه مُلِئْ سَكِينَةً ، ورُوي - أيضًا - من حديث أبي ذَرٍّ ، وفيه أنه أدخل قلبه الرأفة والرحمة (٣) . فهذا الشَّرْح كان في حال صِغَرِهِ ، وهو غير الشرح المذكور في ليلة المعراج ، ومن تأمل ألفاظَ الأحاديث الواردة في شرح صدرِهِ ومَلْئِه إيمانًا وحكمة أو سكينة أو رأفة ورحمة ظَهَر له من ذلك أنه وُضع في قلبه جسمٌ (١) «العلل)) (٣١٥). (٢) (١/ ١٠١) . (٣) روى هذا الجزء من حديث أبي بن كعب ، عن أبي هريرة ، وفيه: ((فقال له : أدخل الرأفة والرحمة)) . أخرجها الإمام أحمد في «مسنده» (١٣٩/٥). ١١٠ حديث : ٣٤٩ كتاب الصلاة محسوسٌ مشاهَد، نشأ عنه ما كان في قلبه من هذه المعاني ، واللّه سبحانه قادرٌ على أن يخلق من المعاني أجسامًا محسوسة مشاهدة ، كما يَجعل الموتَ في صورة كَبْش أَمْلَحَ يُذْبَحُ. وفي حديث الزهري ، عن أنسٍ، عن أبي ذَرٍّ، أن النبي ◌َّ قال: ((ثم أخذ بيدي ، فعَرَج بي إلى السماء)) . وفي حديث قتادةَ وغيرِهِ ، عن أنسٍ ، أنه أَركبه البُراقَ ، وهي زيادة صحيحة لم يَذكرها الزهري في حديثه . وقول خازن السماء : ((أُرسل إليه؟)) الأظهر - والله أعلم - أنه استفهم: هل أرسل اللَّهُ إليه يَستدعيه إلى السماء، ولم يُرِدْ إرسالَه إلى أهل الأرض ، فإن ذلك كان قبلَ هذه الليلة بمدة طويلة ، والظاهر أنه لا يَخفى مثلُ ذلك على أهل السماء وخَزَنَتها ، لا سيما مع حراستها بالشَّهُب ومَنْعِ الشياطينِ منَ اسْتِراقِ السَّمْعِ منها . وقيل: إنَّ أهلَ السماءَ لم يعلموا بإرساله إلى أهل الأرض حتى صَعَد إليهم ، ويَشهد لهذا : أن في حديث شَرِيكِ بنِ أبي نَمِرٍ ، عن أنسٍ في صفة الإسراء ، قال : ((ثم عَرَج به إلى السماء الدنيا ، فضرب بابًا من أبوابها ، فنادى أهلُ السماء : من هذا؟ فقال : جبريلُ . قال : ومن معك ؟ قال : معي محمدٌ . قال : وقد بُعث ؟ قال : نعم، فقالوا : مرحباً به وأهلاً، فيستبشر به أهلُ السماء ، لا يَعلم أهلُ السماء بما يريد اللَّهُ به في الأرض حتى يُعْلمهم)) - وذَكَر الحديثَ بطوله . وقد خرَّجه البخاري في آخر ((كتابه)) هذا(١). و ((الأسودة)): جَمْعُ سَواد، وهو الشَّخْصُ، يقال: سَوَاد وأَسْوِدَةَ ، مثل قَراح وأَفْرِحَة ، وتجمع : أسودة على أَساود ، فهو جمع الجمع . و(النَّسَم)» : جمع نَسَمَةَ ، وهي النفس . (١) (٧٥١٧) . ١١١ ١ - باب كيف فرضت الصلاة في الإسراء كتاب الصلاة والمراد بذلك : أرواح بني أدَمَ ، وأن أهل الجنة على يمين آدمَ وأهل النار على يساره . قال بعضهم : ولا يناقض هذا ما وَرَد : أن أرواحَ المؤمنين في الجنة ، أو في الصُّور الذي يُنْفَخ فيه ، أو في القبور ، وأوراح الكافرين في سِجِيْنِ ؛ لأن هذا في أحوال مختلفة وأوقات متغايرة وفي هذا الجواب نَظَرٌ . ومنهم من قال : إنما رأى في السماء الدنيا عن يمين آدمَ وشماله نسم بنيه الذين لم يولدوا بعدُ ولم تُخْلَق أجسادُهم ، فأما أرواح الموتى التي فارقت أجسادَها بالموت فليست في السماء الدنيا ، بل أرواح المؤمنين في الجنة وأرواح الكفار في سِجِّينِ، وقد قال اللّه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ ﴾ [الأعراف: ٤٠]. وقد جاء في حديث البراءِ بن عازبٍ (١) وأبي هريرةَ (٢)، عن النبي ◌َّ -: ((إن رُحَ الكافر إذا خَرَجَتْ لم تُفتح لها أبوابُ السماء، فتُطْرَح طَرْحًا)) ، وقرأ: ﴿ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١]. والأظهر - والله أعلم - : أنَّ آدم عليه السلامُ في السماء الدنيا يَنظر إلى نَسَم بنيه عن يمينه وشماله ، ونسم بنيه مستقرة في مستقرها ، فنسم المؤمنين في الجنة ونسم الكافرين في النار ، وليست عند آدمَ في السماء الدنيا . (١) حديث البراء ، أخرجه أحمد (٢٨٧/٤ - ٢٨٨ - ٢٩٥ - ٢٩٦) وأبو داود (٣٢١٢) (٤٧٥٣) (٤٧٥٤) والنسائي (٧٨/٤) وابن ماجه (١٥٤٨) (١٥٤٩) من حديث المنهال بن عمرو، عن زاذان ، عن البراء به . (٢) حديث أبي هريرة، أخرجه أحمد (٣٦٤/٢ - ٣٦٥) والنسائي في ((الكبرى)) كما في «تحفة الأشراف» (٧٨/١٠) وابن ماجه (٤٢٦٢) (٤٢٦٨) من حديث سعيد بن يسار ، عن أبي هريرة . ١١٢ حديث : ٣٤٩ كتاب الصلاة ويدل على هذا : ما خرَّجِه البَزَّارُ (١) وابنُ جَرِيرِ والخلاَّلُ وغيرهم من رواية أبي جعفرٍ الرازي، عن الربيعِ بنِ أَنَسٍ ، عن أبي العاليةِ أو غيره، عن أبي هريرة، فذَكَر حديثَ الإسراء بطُولِه ، وفيه : أنه لما دَخَل إلى سماء الدنيا فإذا هو برَجُل تامٌّ الخَلق ، لم يَنْقُص من خَلقه شيءٌ كما يَنْتقص من خَلْق الناس ، عن يمينه بابٌ يَخرج منه ربحٌ طيبة، وعن شماله باب يَخرج منه ربح خبيثةٌ ، إذا نَظَر إلى الباب الذي عن يمينه ضَحك واستبشر ، وإذا نظر إلى الباب الذي عن شماله بكى وحَزن ، فقال جبريلُ : هذا أبوك آدمُ ، وهذا الباب الذي عن يمينه الجنة ، فإذا نَظَر من يدخل من ذريته الجنة ضحك واستبشر ، والباب الذي عن شماله باب جهنمَ، إذا نظر مَن يدخل من ذريته جهنم بكى وحزن - وذَكَر الحديثَ بطُوله . ومما يوضح هذا المعنى: أن النبي ◌َّو رأى في صلاة الكُسُوفِ الجنةَ والنار وهو في الأرض ، وليست الجنة في الأرض ، ورُوي : أنه رأى ليلةَ أُسْرِي به الجنة والنار - أيضًا - ، وليست النار في السماء ، وإنما رآهُما وهو في السماء تارة ، ورآهُما وهو في الأرض أخرى . وكذلك رؤية آدمَ وهو في السماء الدنيا نَسَمَ بنيه المستقِرةَ في الجنة وفي النار ، وليست الجنةُ والنار عند آدمَ في سماء الدنيا . وقد بَسَطْنا الكلامَ على هذه المسألة وهي مستقَر أرواح الموتى في ((كتاب أهوال القبور وأحوالِ أهلِها إلى النُّشُور)». ولله الحمد (٢). وفي حديث الزهري، عن أنسٍ، عن أبي ذرِّ، أن النبيِ وَ * رأى في السموات آدمَ وإدريسَ وموسى وعيسى ، ولم يُثْبِت كيف منازلهم ، إلا أنه وَجَد آدمَ في السماء الدنيا ، وإبراهيمَ في السماء السادسة ، وهذا - والله أعلم - ممَّا لم يَحفظه الزهريُّ جيدًاً . (١) (٥٥ - كشف الأستار) . وسيأتي قريبًا. (٢) في ((ك)): ((والله أعلم)). ١١٣ ١ - باب كيف فرضت الصلاة في الإسراء كتاب الصلاة وفي رواية قتادةَ (١)، عن أنسٍ، عن مالكِ بنِ صَعْصَعَةَ، عن النبي ◌َّ، أنه رأى. في السماء الدنيا آدمَ ، وفي السماء الثانية يحيى وعيسى ، وهما ابنا الخالة ، وفي السماء الثالثة يوسفَ ، وفي الرابعة إدريسَ ، وفي الخامسة هارونَ ، وفي السادسة موسى ، وفي السابعة إبراهيمَ عليهم السلامُ . وفي حديث شَرِيكِ بنِ أبي نَمِرٍ ، عن أَنَسٍ ، وقد خرَّجه البخاري في آخر ((صحيحه)(٢) هذا : أنه رأى آدمَ في السماء الدنيا ، وإدريسَ في الثانية ، وهارونَ في الرابعة ، وآخرَ في الخامسة - قال الراوي : لم أحفظ اسمه - ، وإبراهيمَ في السادسة ، وموسى في السابعة بتفضيلِ كلامِ اللّه عز وجل . وهذا يوافق ما في حديث الزهري ، عن أنسٍ ، أن إبراهيم عليه السلامُ في السماء السادسة ، وفيه - أيضًا - : أنه مرَّ بموسى ، ثم بعيسى ، ثم بإبراهيمَ ، وهذا يُشْعِر برَفْع عيسى على موسى ، وهذا كلَّه إنما جاء من عدم ضبط منازلهم کما صُرِّح به في الحدیث نفسه . وفي حديث حَمَّادِ بنِ سَلَمَةَ عن ثابتٍ ، عن أَنَسٍ، عن النبيِ نَّر في صِفَة الإسراء ، أنه رأى آدمَ في الأولى ، ويحيى وعيسى في الثانية ، ويوسفَ في الثالثة ، وإدريسَ في الرابعة ، وهارونَ في الخامسة ، وموسى في السادسة ، وإبراهيمَ في السابعة مُسْنِدًا ظهرَه إلى البيت الْمَعْمُور . وقد خرّجه مسلمٌ(٣) بطُوله . والذي رآه في السماء من الأنبياء عليهم السلامُ إنما هو أرواحهم ، إلا عيسى عليه السلامُ ، فإنه رُفع بجسده إلى السماء . وقد قال طائفة من السَّلَف: إن جميع الرَّسُلِ(٤) لا يُتركون بعد موتهم في (١) البخاري (٣٢٠٧). (٢) (٧٥١٧) . (٣) (٩٩/١)، وقد تقدم. (٤) في ((ك)): ((الأنبياء)). ١١٤ حدیث : ٣٤٩ كتاب الصلاة الأرض أكثرَ من أربعين يومًا ، ثم تُرفع جُثَثُهم إلى السماء ، روي ذلك عن ابنِ المُسَيَّبِ ، وعن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ ، وأنه قال : وأخبَرَني بذلك غيرُ واحدٍ ممن أدركتُه ، فعلى هذا يكون المرئي في السماء أشخاصَهم كما كانوا في الأرض . وقول ابن شهاب: ((أخبرني ابنُ حزمٍ )) ، الظاهر : أنه أبو بَكْرِ بنُ عمرِو ابنِ حَزْمٍ . ((أن ابنَ عباسٍ وأبا حَبَّةَ الأَنصاريَّ) أبو حَبة بالباء الموحدة عند قوم ، وعند آخرين هو بالنون ، وقيل: هما أخوان ، أحدهما أبو حبة بالباء ، والثاني أبو حنة بالنون . والله أعلم . وقوله : ((حتى ظَهَرْتُ لمستوَى)) أي: صَعِدتُ لمَصْعَدٍ وارتقيتُ لمُرْتَقِىَّ . و((صريف الأقلام)): صوتُ ما تكتبه الملائكةُ بأقلامها من أَقضية اللّه تعالى ووحيه ، أو ما ينسخونه من اللَّوْح المحفوظ ، أو ما شاء اللّه من ذلك. ويقال : إن صريف القلم : هو تصويته في رجوعه إلى ورائه ، مثل كتابته لحرف ((كـ)) ، وصريره : هو تصويته في مجيئه إلى بَيْن يديه ، مثل كتابته لحرف ((ن)) وما أَشْبَه ذلك . وقوله : ((ففرض اللّه على أمتي خمسين صلاة)) ، وفي رواية شَرِيكِ بن أبي نَمِرٍ ، عن أَنَسِ : ((ثُم عَلا به فوقَ ذلك بما لا يعلمه إلا اللّه حتى جاء سدرةَ المنتھی ، ودنا الجبارُ ربُّ العزّة فتدلى ، فكان قاب قوسين أو أدنى ، فأوحى فيما یوهي خمسین صلاة علی أُمتك كلَّ يوم وليلة)) . وقد تَفَرَّد شَرِيكُ بهذه الألفاظ في هذا الحديث ، وهي مما أُنكرتْ عليه فيه . وقوله : ((فرجعت بذلك حتى مررت بموسى))، وذَكَر مراجعَتَه له وأَمْرَه بالرجوع إلى ربه ليُخَفِّفَ عن أُمته - استَدل بهذا من رَجَّحَ رواية من روى أن موسى كان في السماء السابعة ، كما في رواية الزهري وشريكٍ ، عن أنسٍ ؛ ١١٥ ١ - باب كيف فرضت الصلاة في الإسراء كتاب الصلاة قال : لأنه لو كان إبراهيمُ في السابعة لكانت المراجعةُ بينه وبين إبراهيم . ومن رَجَّح أن موسى في السماء السادسة ، كما في رواية قتادة عن أنسٍ ، قال : إنما وقعت المراجعةُ من موسى عليه السلام ؛ لأنه كان له أمة عظيمةٌ ، عالَجهم أشدَّ المعالجةِ ، وكان عليهم في دينهم آصارٌ وأثقالُ ، فلهذا تَفَرَّد بمخاطبة النبي وَّ في ذلك دون إبراهيم عليه السلامُ. وفي رواية شَرِيكِ بنِ أبي نَمِرٍ ، عن أَنَسِ التي خرَّجها البخاري في آخر ((صحيحه)(١) هذا: ((أن موسى عليه السلامُ قال له: «إن أُمتك لا تستطيع ذلك؛ فارجع فليُخَفِّفْ عنك ربِّك وعنهم ، فالتفتَ النبيّ ◌َلۇ إلى جبريل كأنه يستشيره في ذلك ، فأشار إليه جبريلُ أَنْ نَعَمْ إن شئْتَ ، فَعَلَى به إلى الجبار سبحانه وتعالى ، فقال وهو في مكانه : ياربِّ، خَفِّفْ عنا؟ فإن أُمتي لا تستطيع هذا ، فوضع عنه عشر صلوات ، ثم رجع إلى موسی فاحْتَبَسَه فلم یزل موسی یُرَدِّده إلى ربه حتى صارت إلى خمس صلوات ، ثم احتبسه موسى عند الخمس ، فقال : يا محمد ، واللّه لقد راودتُ بني إسرائيل قومي على أدنى من هذه فضَعُفُوا وتركوه ، وأُمتك أَضعف أجسادًا وقلوبًا وأبدانًا وأبصارًاً وأسماعًا، فارجعْ فليخففْ عنك ربِّك ، كل ذلك يَلْتفت النبي ◌َّهَ إلى جبريلَ لُيُشير عليه، ولا يَكره ذلك جبريلُ، فرفعه عند الخامسة، فقال: ياربِّ، إن أُمتي ضعفاءٌ أجسادُهم وقلوبُهم وأسماعهم وأبصارهم وأبدانهم فخَفِّفْ عَنّا، فقال الجَبَّارُ عز وجل: يا محمدُ، قال: لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ، قال: إنه لا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ ، كما فرضتُهُ عليك في أمِّ الكتاب ، فكل حسنة بعشر أمثالها ، وهي خمسون في أم الكتاب وهي خمس عليك، فرَجَع إلى موسى، فقال : كيف فعلتَ ؟ فقال: خَفَّفَ عنا ، أعطانا بكل حسنة عشرَ أمثالها ، قال موسى : قد - والله - راودت بني إسرائيلَ على أدنى من ذلك فتركوه ، فارجع إلى ربك فلْيُخَفِّفْ عنك - أيضًا - (١) (٧٥١٧) . ١١٦ حديث : ٣٤٩ كتاب الصلاة قال رسولُ اللّهِّ: ياموسى، قد - والله - استَحْييتُ من ربي، مما أَخْتَلِفُ إليه. قال : فاهبطْ بسم اللّه، قال: فاستيقظَ وهو في المسجد الحرام)). وهذه اللَّفظة مما تَفَرَّدَ بها شَرِيكٌ، وقد تَعَلَّق بها مَن قال : إن الإسراء كان مَنَامًا ، وأجاب عنها قومٌ - على تَقدير أن تكون محفوظةً - : بأن المراد باستيقاظه رجوعُه إلى حال بشريته المعهودة منه في الأرض ، فإنه لما كان في السماء كان في طَوْرٍ آخرَ غير طَوْرِ أهلِ الدنيا ، فلم يَستفق من تلك الحال التي كان عليها ، ولم يرجع إلى حاله المعهودة إلا وهو في المسجد الحرام . وفي حديث شريكٍ عن أَنَسِ : أنه لم يَزَلَ يَحُطُّ عنه عشرَ صلواتٍ إلى أن صارت خمسًا ، وكذا في حديث قتادة عن أنسٍ : أنه حَطَّ عنه عشرًا عشراً ، ثم حَطَّ عنه خمسًا ، فصارت خمسَ صلواتٍ . وفي حديث ثابتٍ ، عن أنس : أنه حَطَّ عنه خمسَ صلوات ، ولم يَزَلَ يَرُدُّه موسی ، قال : «فلم أُزَل بین ربي تعالی وبین موسی حتی قال : یا محمد إنهن خمسُ صلوات كلَّ يوم وليلة ، لكل صلاة عشرٌ، فتلك خمسون صلاةً، ومَن هَمَّ بحسنة فلم يَعملها كُتبتْ له حسنة ، فإن عَملَها كُتبتْ له عَشْرًا ، ومَن هَمَّ بسيئة فلم يَعملها لم تكتب شيئًا ، فإن عَملَها كُتبتْ سيئةً واحدة ، قال : فنزلتُ حتى انتهيت إلى موسى ، فأخبرتُه، فقال: ارجع إلى ربك فَسَلُهُ التخفيفَ))، فقال رسولُ اللّه وَّهِ: ((فقلتُ: قد رَجَعْتُ إلى ربي عز وجل حتى استحييتُ منه)). وفي حديث قتادةَ ، عن أنسٍ ، عن مالكِ بنِ صَعْصَعَةً، عن النبي ◌َّ: ((قلتُ: سَلَّمْتُ ، فنودي أني قد أَمْضَيْتُ فريضتي ، وخَفَفَّتُ عن عبادي ، وأَجْزِي الحسنةَ عشراً» . وفي رواية شَرِيكِ، عن أنسٍ المتقدمةِ: أن موسى قال لمحمد وَّه بعد أن صارت خمسًا : ((قد - والله - راودتُ بني إسرائيلَ على أدنى من ذلك فتركوه)). ١١٧ ١ - باب كيف فرضت الصلاة في الإسراء كتاب الصلاة وهو يَدُلُّ على أن الصلواتِ الخمسَ لم تُفْرض على بني إسرائيلَ ، وقد قيل: إن مَن قَبلنا كانت عليهم صلاتان كلَّ يومٍ وليلة . وقد روي عن ابن مسعودٍ ، أن الصلوات الخمس مما خَصَّ اللَّهُ به هذه الأُمة . ففي ((صحيح مسلم))(١) عن ابن مسعودٍ، قال: لما أُسْرِيَ برسول اللّه وَجيل انتهى به إلى سِدْرَة المنتهى وهي في السماء السادسة ، إليها ينتهي ما يُعْرَج به من الأرض فيُقْبَض منها ، وإليها ينتهي ما يُهبط به مِن فوقها فيُقُبض منها ، إذ يَغشى السدرة ما يَغشى، قال: فَراشٌ من ذَهَبٍ، قال: فأُعطي رسولُ اللّهِ وَلَه ثلاثًا: أُعطي الصلواتِ الخمسَ ، وأعطي خواتيمَ سورة البقرة ، وغُفُر لمن لم يُشرك باللّه شيئًا من ◌ُمته المُقْحمات . وخرَّجه الترمذي(٢) بمعناه، وعنده: ((فأعطاه ثلاثًا لم يُعْطَهَّن نبيًّا كان قَبَله)). وقد يعارض هذا ما أخرجه الإمام أحمدُ وأبو داودَ والترمذي(٣) من حديث ابن عباسٍ، أن النبي ◌َّ قال: ((أَمَّني جبريلُ عند البيت مرتين))، فذكر أنه صلى به الصلواتِ الخمسَ أولَ يومٍ في أول وقتٍ ، وفي اليوم الثاني في آخرِ وقت إلا المغرب، قال : ((ثم الْتَفَت إليَّ جبريلُ، فقال: يا محمدُ، هذا وقتُ الأنبياء من قبلك ، والوقت ما بین هذين)) . وإن صَحَّ هذا فيحمل على أن الأنبياء كانت تُصَلِّ هذه الصلوات دون أُمَمِهِمْ . ويدل عليه : ما خرَّجه الإمام أحمد وأبو داود(٤) من حديث معاذٍ ، أن النبي (١) (١٠٩/١) . (٢) (٣٢٧٦) . (٢) أحمد في ((المسند)) (٣٣٣/١)، وأبو داود (٣٩٣) والترمذي (١٤٩). (٤) ((المسند)) (٢٣٧/٥)، وأبو داود (٤٢١). ١١٨ حديث : ٣٤٩ کتاب الصلاة وَّه قال: ((أَعْتمُوا بهذه الصلاة - يعني: صلاةَ العشاء - ، فإنكم قد فُضِّلْتُم بها على سائر الأمم، ولم تُصَلِّها أُمَّةٌ قَبلكم)) . وقول ابنِ مسعودٍ : ((إن سِدْرَةَ المُنْتَهى في السماء السادسة)) يُعارضه حديثُ أَنَسِ المرفوعُ من طُرُقُه كلِّها ؛ فإنه يَدُلُّ على أنها في السماء السابعة أو فوقَ السماء السابعة ، والمرفوع أولى من الموقوف . وفي حديث الزهري ، عن أَنَسٍ ، في سدرة المنتهى : ((غَشيها ألوانٌ ، لا أدري ما هي)) . وفي حديث قتادةَ، عن أنسٍ، عن مالكِ بنِ صَعْصَعَةَ، عن النبيِ وَر ، قال : ((ثم رُفعتُ إلى سدرة المنتهى، فإذا نَبَقُها مثْلُ قلال هَجَر، وإذا ورقها مثل آذان الفيلة ، فقال : هذه سدرة المنتهى)) . وفي حديث ثابتِ، عن أنسٍ، عن النبيِ بَّهِ، قال: ((ثم ذَهَب بي إلى سدرة المنتهى ، وإذا ورقها كآذان الفيلة ، وإذا ثمرها كالقلال ، قال : فلما غَشيها من أَمْرِ اللّه ما غَشيها تَغَيَّرَتْ، فما أَحَدٌ من خَلْقِ اللَّه يستطيع أن يَنْعَتها من حُسْنِها)) . خرَّجه مسلم(١). وروى مُسَدَّدٌ: ثنا يحيى، عن حُمَيْدٍ، عن أَنَسٍ، أنَّ رسولَ اللَّهِ وَلِّ قال: ((انْتَهَيْتُ إلى سدرة المنتهى، فإذا نَبَقُها مثل الجرار ، وإذا وَرَقُها مثل آذان الفيَلَة ، فلما غَشيها من آمْر اللَّه ما غَشيها تَحَوَّلَتْ ياقوتةً أو نحوَ ذلك)) . وخرَّجه الإمام أحمدُ (٢)، [وعنده: ((تحولت ياقوتًا وزُمُرَّدًا))](٣). (١) (٩٩/١ - ١٠١) . وقد تقدم. (٢) (١٢٨/٣). (٣) ليس عند ((ك)). ١١٩ ١ - باب كيف فرضت الصلاة في الإسراء كتاب الصلاة وخرَّج الترمذي(١) من حديث أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ ، قالت: سمعتُ رسولَ اللّهِ وَّله وذَكَر سدرةَ المنتهى، قال: ((يَسير الراكبُ في ظل الفَنَن منها مائةَ سنة، أو يَستظل بظلها مائةُ راكب (٢)، فيها فَراشُ الذَّهَب، كأن ثمرَها القلالُ)). ٥ وخرَّجه الجوزجاني وغيرُه بزيادة في آخره، وهي: ((فقلنا: يا رسولَ اللّه، فماذا رأيتَ عندها ؟ قال : ((فماءٌ مُفَضَّضُ» . وفي حديث أبي جعفرٍ الرازيِّ ، عن الرَّبِيعِ بنِ أَنَسٍ ، عن أبي العاليةَ أو غيره، عن أبي هريرةَ عن النبي ◌َِّ(٣)- فذَكَر حديثَ الإسراء بطُوله ، وفيه: (ثم انتهى النبي ونَ ﴾ إلى السدرة، فقيل له: هذه السدرة ينتهي إليها كلُّ أَحَد خلا من أُمَّتَك على سِتَتَك ، فإذا هي شجرةٌ يخرج من أَصلها أنهارٌ من ماء غيرِ آسِنٍ ، وأنهارٌ من لَبَنٍ لم يَتَغَيَّر طعمُهُ ، وأنهار من خَمْرٍ لَذَّةٍ للشاربين ، وأنهار من عسل مُصَفَّى ، وهي شجرة يَسير الراكبُ في ظلها سبعين عامًا لا يَقطعها ، والورقة منها مُغَطَّةٌ للأُمَّة كلّها . قال : فغَشِيها نورُ الخَلَّق عز وجل، وغشيها الملائكةُ أمثالُ الغِرْبان حين تَقَعُ على الشجر من حُبِّ اللَّهِ عز وجل)) - وذَكَر بقيةَ الحديث. خرَّجه البزارُ في («مسنده» وابنُ جَرِيرٍ في «تفسيره» والبَيْهَقِيُّ في ((البَعْثِ والنُّشُورِ)) وغيرُهم(٤)، وفي إسناده بعضُ اختلافٍ ، وروي موقوفًا غيرَ مرفوعٍ . (١) (٢٥٤١). وهو عند الحاكم (٤٦٩/٢) والطبراني (٢٤ / ٨٧ - ٨٨) وأبي نعيم في ((صفة الجنة)) (٤٣٥) (٢) شكّ من يحيى بن عباد أحد رواته عند الترمذي . (٣) في الأصلين: ((عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية، عن أبي هريرة أو غيره : ثنا أبو جعفر، عن النبي (وَّر)) كذا وهو تخليط ظاهر، والتصويب من ((كشف الأستار))، وقد تقدم هذا الحديث قريبًا بإسناده على الصواب . واللّه الموفق . (٤) البزار (٥٥ - كشف الأستار) وابن جرير في «تفسيره)) (٦/١٥ - ١٠)، ولم أقف عليه في ((البعث والنشور)) للبيهقي وهو مخرج في ((دلائله)) (٣٩٧/٢)، وابن كثير في ((تفسيره» (٣١/٥) وعزاه لابن أبي حاتم . ١٢٠ حدیث : ٣٤٩ كتاب الصلاة وفي هذا تفسيرٌ لما تقدم من أنه غَشِيها فراشٌ من ذَهَب ، فإن الفراش مثل الجراد ونحوه ، مما يَطِير ويَقَع على الشجر . وقوله : ((ثم أُدْخلتُ الجنةَ، فإذا فيها جنابُ اللؤلؤ))، اختلفت النسخُ في هذه اللَّفظة : ففي بعضها : ((جنابذ))(١)، والمراد بها : القباب، وكأنها شُبِّهَتْ - واللّه أعلم - بجنابذ الورد قَبْلَ تَفَتُّحها . وقد ثَبَتَ في حديث أبي موسى، عن النبيِ بَّ، قال: ((إن للمؤمن في الجنة خيمةً من لؤلؤةٍ مُجَوَّفَةٍ ، طولها في السماء ستون ميلاً) (٢) . وفي بعض النَّسخِ: ((حَبائل)) بالحاء المُهْمَلَة واللام، وفي بعضها: ((جَبايل)) بالجيم وباللام . وقد قال الأكثرون : إن ذلك كلَّه تَصْحِيف وغَلَطُ . وزَعَم بعضُهم : أن حبائل - بالحاء المهملة واللام - جمع حبال ، وأن حِبالاً جمع حَبْل ، والحَبْل : ما استطال من الرَّمْل المرتفع كهيئة الجبال ، فيكون المراد بذلك : أن في الجنة تلالاً من لؤلؤ(٣). والصحيح : ((جنابذ)). والله أعلم. وقوله : ((وإذا ترابُها المسكُ))، والمراد - والله أعلم - : أن رائحةَ ترابِها رائحةُ المسك ، وأما لونه فمُشْرِق مُبْهِج كالزَّعْفَرانِ ، يدل عليه : ما في حديث أبي هريرة، عن النبي وَّله، قال: ((الجنة ملاطها المسكُ، وتربتها الزعفران)). (١) ذكر ابن حجر (٤٦٣/٢) أنه وجد ذلك في نسخة معتمدة من رواية أبي ذر في هذا الموضع: ((جنابذ)) على الصواب، قال: ((وأظنه من إصلاح بعض الرواة)). (٢) أخرجه البخاري (٣٢٤٣) (٤٨٧٩) ومسلم (١٤٨/٨ - ١٤٩). (٣) مثله في ((النهاية)) (٣٣٣/١)، وقال: ((وهو جمع على غير قياس)). وانظر: ((الفتح)) لابن حجر (٤٦٣/١ - ٤٦٤).