Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١ ٣ - بَابُ التيمم في الحضر إذا لم يجد الماء کتاب التيمم سكَّةٍ من سِكَكِ المدينة ، فسلّم عليه رجل ، فمسح وجهه وذراعيه ، ثم ردَّ عليه السلام . خرجه أبو داود وغيره(١). ورفعُهُ منكرٌ عند أئمة الحُفاظ ، وإنما هو موقوف عندهم - : كذا قاله الإمام أحمد ويحيى بن معين وأبو زرعة وأبو حاتم وأبو داود والبخاري والعُقيلي والأثرم . وتفرد برفعه محمد بن ثابت العبدي ، عن نافع . والعبدي ضعيف . وذكر الأثرم عن أبي الوليد ، أنه سأل محمد بن ثابت هذا : من الذي يقول النبي وابن عمر ؟ فقال : لا أدري . [ففي هذا الحديث: أن تيمم النبي ◌َّ كان في بعض سكك المدينة. وسيأتي في ((باب: الشعر في المسجد)) أن النبي بَّل تيمم على جدار المسجد ، ثم دخل المسجد](٢). وقال بعض أصحابنا : يجوز التيمم لردِّ السلام في الحضرِ ، إذا خشي فَوْتَه؛ لأنَّ الطهارة لردِّه مشروعة ندبًا لا وجوبًا ؛ فإنَّه يجوز الرد مع الحدث لكن يفوت فعله بالطهارة ؛ لأنه على الفَوْرِ . واستدل بعضهم بهذا الحديث : على جواز التيمم في الحضر إذا خاف فوتَ صلاة الجنازة ، كما هو قول كثير من العلماء ، ومذهب أبي حنيفة ، وأحمد في رواية عنه ، وذكر أحمد أنه قول أكثر العلماء : ابن عباس ومَنْ بَعْده ـ وذَكَر الحسنَ والنخعيَّ وجماعةً . ومن منع من ذلك كمالك والشافعي وأحمد - في الرواية الأخري - ، فإنّهم (١) أبو داود (٣٣٠) والدار قطني (١٧٧/١) والبيهقي (٢٠٦/١ - ٢١٥) والطحاوي (٨٥/١). (٢) سقط من (ك)). ٤٢ حديث : ٣٣٧ كتاب التيمم [قد] (١) يفرقون بأن الطهارة بالماء لصلاة الجنازة شرط ، فلا يسقط مع القدرة عليه خشية الفوات ، بخلاف الطهارة لرد السلام ونحوه من الذكر(٢)، فإنَّها ليست بشرط فخف أمرها . وقد أجاب بهذا طائفة من الفقهاء من الشافعية ، منهم : الماوردي وأبو الطيب الطبري ونصر المقدسي وغيرهم . وهذا موافق لما تقدم حكايته عن أبي المعالي والغزالي . والعجب أن صاحب ((شرح المهذب)) حكى ذلك كله في موضعين من ((كتابه))، وقال فيما حكاه عن أبي المعالي والغزالي : لانعرف أحدًا وافقهما، وهذا الذي حكاه عن الماوردي وغيره يدل على الموافقة . (١) سقط من ((ك)). (٢) إلى هنا انتهى شرح هذا الباب في ((ك)) وما يأتي إلى آخره من ((ق)) فقط. ٤٣ ٤ - بَابُ هل ينفخ فيهما ؟ کتاب التيمم ٤ - بَابٌ هَلْ يَنْفُخُ فِيهِمَا؟ ٣٣٨ - حدَّثْنَا آدَمُ: ثنا شُعْبَةُ: ثنا الحَكَمُ ، عن ذَرٍّ، عن سَعِيدِ بنِ عَبْدِ الرَّحمن بنِ أَبْزَى، عن أَبيِهِ ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عُمرَ بنِ الخَطَّابِ، فَقَالَ : إِّي أَجْنَبْتُ، فَلَمْ أَجِدِ(١) المَاءَ ؟ فَقَالَ عَمَّارُ بنُ يَاسِرِ لِعُمَرَ بنِ الخَطَّابِ: أَمَا تَذْكُرُ أَنَّا كُنَّا فِي سَفَرٍ أَنَا وَأَنْتَ، فَمَّ أَنْتَ فَلَمْ تُصِلِّ، وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ فَصَلَّيْتُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِّ ◌َِّ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ: (إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا(٢))، فَضَرَبَ بِكَفَّيْهِ الأَرْضَ، وَنَفَخَ فِيهِمَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَيْهِ. وقد خرجه فيما بعد (٣) من وجه آخر، وفيه: ((ثم نَفَضَها)) بدل: (نَفَخَ فيهِمَا)). وفي رواية لمسلم في (صحيحه))(٤) أنه وَ لّ قال لعمَّار: ((إنما كان يكفيكَ أن تضرب بيديك الأرضَ، ثم تنفخ ، ثم تمسح بهما وجهكَ وكفيكَ)) . واستدل بهذا بعض من ذهب إلى أنه لا يشترط في المتيمَّم به(٥) أن يكون له غبار يَعْلَق باليد ، كما هو قول مالك وأبي حنيفة والثوري وغيرهم ؛ لأنَّ نفخ التراب من اليدين ونفضهما منه قد يزيل ما علق باليد منه أو يخففه حتى لا يبقى منه(٦) ما يَعُمُّ الوجه والكفين غبارُهُ ، فلو كان المسح بالغبارِ شرطًا لكان ترك النفخ أولى . (١) في ((اليونينية)): ((أصب)). (٢) في نسخة عند ((ق)): ((هذا)). (٣) (٣٤٧) . (٤) (١ / ١٩٣) . (٥) في ((الأصلين)): ((في التيمم به)) وما ذكرته أشبه. (٦) من ((ك)). ٤٤ حديث : ٣٣٨ کتاب التيمم وأجاب عن ذلك بعض من يرى اشتراط الغبار الممسوح به ، كأصحاب الشافعي وأحمد : بأن النفخ يدل على أنه علق باليد من التراب ما يخفف منه بالنفخ ، وقد قال لعمار : ((إنما يكفيك هكذا))، فدلَّ على أنه لا بدَّ في التيمم من تراب يعلق باليد . وأجاب بعضهم : بأنه ◌َل* إنما ذكر النفخ لعمار لا لكون النفخ سُنة، بل ليبين له أن المبالغة في التيمم بالتمعُّكِ الذي فعله بالتراب ليس بسَّنةٍ ، وأنه يكفي من ذلك أدنى ما يمكن أن يُمسح به الوجهُ والكفان من غباره . وقد اختلف العلماء في نفخ اليدين من الغبار في التيمم : فمنهم من استحبه ، ومنهم من كرهه . وروى عبد الرزاق(١)، عن معمرٍ ، عن الزُّهري ، عن سالم ، عن ابن عُمر ، أنه كان إذا تيمم ضرب بيديه ضربة ، فمسح بهما وجهه ، ثم ضرب بيديه ضربة أخرى ، ثم مسح بهما يديه إلى المرفقين ، ولا ينفض يديه من التراب . وكره النَفْضَ حماد وغيره ، واستحبه الحسن ويحيى بن أبي كثير . واختلفت الرواية عن أحمد في ذلك : فروي عنه أنه لم يذهب إلى النفخ. وروي عنه أنه قال : إن شاء فعل ، وإن شاء لم يفعلْ . ونقل عنه الميموني قال : لا ينفخهما . ثم قال : ومن الناس من ينفضهما، ولست أنفضهما ، وكأنيَّ للنفخ أكره . ونقل عنه حنبل أنه ذكر حديث عمار هذا ، وقال : أذهب إليه . قيل له: ينفخ فيهما ؟ قال : ينفخ فيهما ويمسحهما . قال الخلاَّل : العمل من مذهبه : على أنه يجوز فعل ذلك كله : النفخ والنفض ، ويجوز تركه . (١) في ((مصنفه)) (٢١١/١) . ٤٥ ٤ - بَابُ هل ينفخ فيهما ؟ كتاب التيمم وقال غيره من أصحابنا : إن كان التراب خفيفًا كره النفخ ؛ لأنه ينقص به كمال التعميم بالطهور ، وإن كان كثيرًا ففي كراهته روايتان ، والصحيح : لا يكره ؛ لأنه تخفيف لا يكره ابتداءً ، فكذلك دوامًا . وللشافعي في تخفيف التراب بالنفخ ونحوه قولان : أحدهما : يستحب. والثاني : لا . وقيل : إن القديم استحبابه والجديد عدم استحبابه . واختلف أصحابه في ذلك على طريقين : فمنهم من قال : له قولان مُطلقًا . ومنهم من قال : هما مُتَزَّلانٍ على حالين ، فإن كان التراب كثيرًا نفخ ، وإلا لم ينفخ . ونقل حرب ، عن إسحاق ، قال : إن لزق بالكفين تراب كثير نفخهما ، وإن لم يلزق بهما تراب كثير أجزأهُ أن لا ينفخ . قال حرب : ووصفَ لنا إسحاق التيممَ ، فضرب بيديه ، ثم نفخهما فمسح بهما وجهه ، ثم ضرب بيديه الثانيةَ ولم ينفخهما ، ثم مسح ظهور الكفين : الیمنی باليسرى واليسرى باليمنى . وروى بإسناده ، عن عمار ، أنه غمس باطن كفيه بالتراب ثم نفخ يده ، ثم مسح وجهه ويديه إلى المَفْصِل . وقال عمار : هذا التيمم . وبإسناده : عن عبد العزيز بن أبي رَوَّاد ، عن نافعٍ ، عن ابن عُمر ، أنه وصف التيمم فمسح ظهر يديه وذراعيهَ من لَدُن أصابعهِ إلى مرفقَّيْه ، ثم من بطن اليدين من لدن مرفقه إلى أصابعه مرتين ينفضهما . ورواية الزهري ، عن سالم ، عن ابن عُمر المتقدمة أصحٌّ من هذه . وذكر بعض المالكية : أن جواز نفضِ اليدين من التراب في التيمم قولُ مالك والشافعي دون استقصاء لما فيهما ، لكن لخشية ما يَضُرَّ به من ذلك من تلويث وجهه ، أو شيءٍ يؤذيه . ٤٦ حديث : ٣٣٨ کتاب التيمم وقال ابن المنذر : ثَبَتَ أن رسول اللّه وَّ جله لما ضرب بيديه الأرض للتيمم نفخ فيهما . واختلفوا في ذلك ، فكان الشعبي يقول : ينفضهما . وقال مالك : نفضًا خفيفًا . وقال الشافعي : لا بأس أن ينفض إذا بقي في يده غبار . وقال إسحاق نحوًا من قول الشافعي . وقال أحمد : لا يضره فَعَل أو لم يفعل . وقال أصحابُ الرأي : ينفضهما . وكان ابن عمر لا ينفض يديه . قال ابن المنذر : قولُ أحمد حسن . ٠ ٠ ٤٧ ٥ - باب التیمم للوجه والکفین کتاب التيمم ٥ - بَابٌ التََّمُمُ الْوَجْهِ والْكَفَيْنِ ٣٣٩ - حدَّثنا حَجَّاجٌ: ثنا شُعْبَةُ، عن الحَكَمِ ، عن ذَرٍّ ، عن سَعِيدِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ أَبْزَى ، عن أبيه : قال عَمَّارٌ - بهذا . وضَرَبَ شعبةُ بيديه الأَرْضَ ، ثم أدناهما مِنْ فِيهِ ، ثُمّ مسح بهما وجهه و كفيه . وقال النَّضْرُ : أبنا شُعْبَةُ، عن الْحَكَمِ: سمعتُ ذَرًا ، عن ابنِ عبدِ الرحمنِ بنِ أَبْزَى - قال الحَكَمُ : وقد سمعتُه من ابنِ عبدِ الرحمنِ -، عن أبيه : قال عَمَّارٌ. ٣٤٠ - حدَّثنا سليمانُ بن حَرْبٍ : ثنا شُعْبَةُ ، عن الحَكَمِ ، عن ذَرٍّ ، عن ابنِ عبدِ الرحمنِ بنِ أَبْزَى، عن أبيه، أنهُ شهد عُمَرَ ، وقال له عَمَّارٌ: كُنَّا فِي سَرِيَّةٍ فَأَجْنَبنا . وقال : تَفَلَ فيهما . ٣٤١ - حدّثنا محمدُ بنُ كَثِيرٍ: ثنا(١) شُعْيَةُ، عن الحَكَمِ ، عن ذَرٍّ ، عن ابن عبدِ الرحمنِ بنِ أَبْزَى ، عن أبيه، قال: قال عَمَّارٌ لِعُمَرَ : تَمَعَّكْتُ فأتيتُ النبيَّ ﴿، فقال: ((يَكْفِيكَ الْوَجْهَ والكَفَّيْنِ». ٣٤٢ - حدَّنَا مُسْلِمٌ: ثنا شُعْبَةُ، عن الحَكَمِ ، عن ذَرٍّ، عن ابنِ عبد الرحمنِ بنِ أَبْزَى، عن عبدِ الرحمنِ : شَهِدْتُ عُمَرَ ، فقال له عَمَّارٌ - وساقَ الحديثَ . (١) في ((اليونينية)): ((أخبرنا)). ٤٨ حديث : ٣٣٩ - ٣٤٣ كتاب التيمم ٣٤٣ - حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّار: ثنا غُنْدَرٌ: ثنا شُعْبَةُ، عن الحَكَم ، عن ذَرٍّ، عن ابنِ عبدِ الرحمنِ بنِ أَبْزَى، عن أبيه: قال عَمَّارٌ: فضَرَبَ النبيِّ ◌َِّ بيده الأرضَ ، فمَسَحَ وَجْهَهُ وكَفَّيْه . حديث عَمَّرِ في التيمم ، خرَّجه البخاري في ((كتابه)) من طريقين : أحدهما : من طريق أبي وائلٍ ، عن أبي موسى، عن عَمَّارٍ ، وسيأتي(١). والآخر : من رواية عبد الرحمنِ بنِ أَبْزَى ، عن عَمَّارٍ . ولم يخرِّجه من هذه الطريق إلا من رواية شُعْبَةَ، عن الحَكَمِ ، عن ذَرٍّ الهَمْدانيٌّ ، عن سعيدِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ أَبْزَى ، عن أبيه ، عن عَمَّارٍ . وقد ساق لَفْظَه بتمامه في الباب الماضي ، وأحال في هذا الباب على ما قبله ، بقوله : ((قال عَمَّارٌ بهذا)) - يعني: بما سَبَق من سياق الحديث في الباب الماضي. ووصف شُعْبَةُ التيمم المذكورَ في الحديث بفعله . وكرر البخاري في هذا الباب طُرُقَه إلى شُعْبَةَ ، وبعضها تعليق ؛ لما في ذلك من زيادة فائدة : ففي رواية سُلَيْمانَ بنِ حَرْبٍ ومُسْلِمٍ بنِ إبراهيمَ ، عن شُعْبَةَ : تصريحُ عبد الرحمنِ بنِ أَبْزَى بسماع هذا الحديثِ من عَمَّارِ ، ومخاطبته لعُمَرَ ، وهذه فائدة جليلة . وفي رواية سليمانَ بنِ حربٍ، عن شعبة: أن النبي ◌َّ تَفَل في يديه لما ضَرَب بهما الأرضَ ، والمراد بالنَّغْل هنا : النَّفْعُ ، كما في سائر الروايات . وفي رواية النَّضْرِ بنِ شُمَيْلٍ : أن الحَكَمَ سمع الحديث من ذَرٍّ ، عن سعيدٍ ابنِ عبد الرحمن بنِ أَبْزَى ، عن أبيه ، وسمعه - أيضًا - من ابنِ عبدِ الرحمنِ (١) برقم (٣٤٥) (٣٤٧) . ٤٩ ٥ - باب التيمم للوجه والکفین کتاب التيمم ابنِ أَبْزَى ، عن أبيه ، كما سمعه من ذَرٍّ ، عنه . وذكر البَيْهَقِيُّ وغيرُه : أن ابنَ أَبْزَى هو سعيد - أيضًا . وقد ذكر البخاري رواية النَّضْرِ تعليقًا، وأسندها مسلم(١) عن إسحاقَ بنِ منصورِ ، عنه . واتفقت رواياتُهم على أن النبي ◌ََّ مَسَح وجهه وكفّيْه . وفي رواية محمد ابنِ كَثِيرٍ ، عن شُعْبَةَ أن النبيِ وَهَ قال لعمَّارِ: ((يكفيك الوجه والكفين)) . وخرَّجه مسلم(١) من طريق يحيى القَطَّانِ ، عن شعبة ، ولفظه : أن النبي بَّه قال لعَمَّارِ: ((إنما كان يكفيك أن تَضْرِبَ بيديك الأرضَ، ثم تَنْفُخُ، ثم تَمْسَحُ بھما وجهَك وكفيك» . قال الحكم (١): وحدَّثنيه ابنُ عبدِ الرحمنِ بنِ أَبْزَى ، عن أبيه بمثل حديث ذَرٍّ. قال: وحدثني سَلَمَةُ ، عن ذر في هذا الإسناد الذي ذكر الحكمُ . انتهى. وقد كان عند شعبةَ لهذا الحديث إسنادٌ آخرُ ، رواه عن سَلَمَةَ بنِ كُهَيْلٍ ، عن ذَرٍّ (١). كما خرَّجه مسلمٌ (١) من رواية القَطَّنِ ، عن شعبةَ، ولكن البخاري لم يخرِّجه عن شعبةَ من هذا الوجه لأمرين : أحدهما : أن سُفْيانَ الثَّوْرِيَّ والأَعْمَشَ روياه عن سَلَمَةَ بن كُهَيْلِ ؛ فخالفا شعبةَ في إسناده ، على اختلاف عليهما فيه . والثاني : أن سَلَمَةَ شكَّ: هل ذَكَر في الحديث مَسْحَ الكفين ، أو الذراعين؟ وكان - أحيانًا - يحدِّث سلمةُ به، ويقول: ((إلى المرفقين))، فأنكر ذلك عليه منصورُ بنُ المُعْتَمِرِ ، فقال سلمةُ : لا أَدري ، أذكر الذراعين ، أم لا؟ خرَّج ذلك أبو داودَ والنسائيُّ وغيرُهما(٢). (١) مسلم (١/ ١٩٣) . (٢) أبو داود (٣٢٤) (٣٢٥) والنسائي (١/ ١٧٠) والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (٢٠٩/١ - ٢١٠) . ٠٠٠ ٥٠ حديث : ٣٣٩ - ٣٤٣ كتاب التيمم ولهذا المعنى أَشار مسلمٌ إلى اتِّحاد الإسناد من رواية الحَكَم وسَلَمَةَ ، وسكت عن اللَّفظ ؛ فإنه مختلف . وقد خرَّجه القاضي إسماعيلُ بنُ إسحاقَ المالكيُّ في ((أحكام القرآن)) له عن حَفْصِ بنِ عمرَ ، عن شُعْبَةَ ، عن الحَكَم - بإسناده - ، وقال فيه : ((إنما كان يَكفيك هكذا)»، وضَرَب بيديه الأرضَ واحدةً، فمَسَح بهما كفيه ووجهَهَ(١). وكذا خرَّجه أبو بكرِ الأَثْرَمُ ، عن أبي الوليدِ الطيالسيِّ ، عن شعبةَ ، بهذا الإسناد، وعنده: أن النبي ◌َّ ضَرَب بكفيه الأرضَ ضربةً واحدةً، ثم نَفَخَهما ، ومَسَح بهما وجهه وكفيه . وقد خرَّجه النسائي(٢) من رواية خالد، عن شُعْبَةَ، وعنده : أن النبي قال له : ((إنما كان يَكفيك))، وضَرَب شعبةُ بكفَّه ضربةً نَفَخ فيهما ، ثم دَلَك إحداهما بالأخرى ، ثم مَسَح بهما وجهَه . وفي هذه الرواية تأخيرُ مَسْحِ الوجه ، لكنه من تفسير شعبةَ ، والظاهر أن شعبة كان أحيانًا يحدث بالحديث بلفظه ، وأحيانًا يفسره بفعله . وقد أجمع العلماءُ على أن مَسْحَ الوجه واليدين بالتراب في التيمم فرضٌ لا بدَّ منه في الجملة ؛ فإن اللّه تعالى يقول: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ﴾ [المائدة: ٦] . ولكن اختلفوا في قَدْر الفَرْضِ من ذلك : فأما الوجه : فمذهب مالك والشافعيِّ وأحمدَ وجمهورِ العلماءِ : أنه يجب استيعابُ بَشَرَتَه بالمسح بالتراب ، ومَسْح ظاهرِ الشعرِ الذي عليه ، وسواءٌ كان ذلك الشعر يجب (١) في ((ك)): (وجهه وكفيه)). (٢) (١٦٩/١). ٥١ ٥ - باب التیمم للوجه والکفین كتاب التيمم إيصالُ الماء إلى ما تحتَه كالشعر الخفيف الذي يَصف البشرة ، أم لا ، هذا هو الصحيح . وفي مذهبنا ومذهب الشافعي وجهٌ آخرُ : أنه يَجِب إيصالُ الترابِ إلى ما تحتَ الشعور التي يجب إيصال الماءِ إلى ما تحتها ، ولا يجب عند أصحابنا إيصالُ الماء (١) إلى باطن الفم والأنف ، وإن وَجَب عندهم المضمضةُ والاستنشاق في الوضوء . وعن أبي حنيفةَ رواياتٌ ، إحداها : كقول الشافعي وأحمدَ . والثانية : إن ترك قدر دِرْهَمٍ لم يُجْزِئْه ، وإن ترك دونه أَجْزَأَه . والثالثة : إن ترك دون ربعِ الوجه أجزأه ، وإلا فلا . والرابعة : إن مَسَح أكثرَه وترك الأقلَّ منه أو من الذراع أجزأه ، وإلا فلا . وحكاه الطَّحاوِيُّ عن أبي حنيفةَ وأبي يوسفَ وزُفَرَ . وحكى ابنُ المُنْذِرِ ، عن سُلَيْمانَ بنِ داودَ الهاشِمِيِّ: أن مَسْحَ التيمم حُكْمُهُ حُكْمُ مَسْحِ الرأسِ في الوضوء ، يجزئ فيه البعضُ . وكلام الإمامِ أحمدَ يَدُلُّ على حكاية الإجماع على خلافٍ ذلك . قال الجوزجانيُّ : ثنا إسماعيلُ بنُ سعيدِ الشالَنْجِيُّ ، قال : سألتُ أحمدَ بنَ حنبلٍ عمن تَرَكَ مَسْحَ بعضِ وجهِه في التيمم ؟ قال : يُعِيد الصلاةَ . فقلت له : فما بالُ الرأس يجرئ في المسح ولم يَجُزْ أن يترك ذلك من الوجه في التيمم ؟ فقال : لم يبلغنا أن أحدًا ترك ذلك من تيممه . قال الشَّلَنْجِيُّ: وقال أبو أُّوبَ - يعني: سليمانَ بنَ داودَ الهاشميَّ - : يُجزتُه في التيمم إن لم يُصب بعضَ وجهه أو بعض كفيه ؛ لأنه بمنزلة المسح على الرأس ؛ إذا ترك منه بعضًا أجزأه . قال الجوزجاني : فذكرتُ ذلك ليحيى بن يَحيى - يعني : النِّسابُورِيّ - ، (١) في هامش (ك)): ((التزاب)). قلت: وهو الصواب . ٥٢ حديث : ٣٣٩ - ٣٤٣ كتاب التيمم فقال : المسح في التيمم كما يَمسح الرأسَ ، لا يَتَعَمَّد لتَرْكَ شيْء من ذلك ، فإنْ بَقِيَ شيءٌ منه لم يُعِدْ ، وليس هو عندي بمنزلة الوضوء . قال الجوزجاني : لم نَسمع أحدًا يَتَبع ذلك من رأسه في المسح ولا بين أصابعه في التيمم كما يتَِّعُوا في الوضوء بالتخليل ، فأحسن الأقاويل منها ما ذَكَره يحيى بن يحيى : أن لا يَتَعَمَّدَ تَرْكَ شيْءٍ من ذلك، فإن بقي شيءٌ لم يُعِد . انتهى . وظاهر هذا : يدل على أن مذهب سليمانَ بنِ داودَ ويحيى بن يحيى والجوزجاني : أنه إذا تَرَك شيئًا من وجهه ويديه في التيمم لم يُعِد الصلاة . ونقل حَرْبٌ ، عن إسحاقَ ، أنه قال : تضربُ بكفّيْك على الأرض ، ثم تَمْسح بهما وجهَك ، وتَمُرُّ بيديك على جميع الوجه واللِّحْيَة ، أصاب ما أصاب وأخطأ ما أخطأ ، ثم تَضرب مرةً أخرى بكفَّك . ومُراد إسحاقَ : أنه لا يُشترط وُصُولُ التراب إلى جميع أجزاء الوجه ، كما يقوله من يقوله من الشافعيَّ وغيرِهم ، حتى نص الشافعي : أنه لو بَقِيَ من مَحِل الفرضِ شيْءٌ لا يُدْرُكُه الطَّرْف لم يصح التيمم . واستشكل أبو المعالي الجُوَيْنِيُّ تَحَقُّقَ وصولِ التراب إلى اليدين إلى المرفقين بضربة واحدة ، وقال : الذي يَجب اعتقاده أن الواجب استيعابُ الْمَحِلِ بالمسح باليد المغبرة(١) من غير ربطِ الفِكْرِ بانبساط(١) الغبار على جميع الْمَحِلِ . قال: وهذا شيء أظهر به ، ولم أَرَ منه بُدًا . وحكى ابنُ عَطِيَّةَ في ((تفسيره)) عن محمدِ بنِ مَسْلَمَةَ من المالكية : أنه لا يَجِبُ أن يُتْبَعَ الوجهُ بالتراب كما يُتْبِعِ بالماء ، وجَعَلَه كالخُفِّ وما بين الأصابع في اليدين - يعني : في التيمم . (١) في ((ق)): ((باشتراط)). ٥٣ ٥ - باب التيمم للوجه والکفین كتاب التيمم وحكى في وجوب تخليل الأصابع وتحريك(١) الخاتِمَ قولين لأصحابهم : بالوجوب ، والاستحباب . وحكى ابنُ حَزْمٍ في وجوب تخليل اللحية بالتراب اختلافًا . وأما اليدان : فأكثر العلماء على وجوب مسح الكفين : ظاهرِهما وباطنهما بالتراب إلى الكُوعَين ، وقد ذَكَرنا أن بعض العلماء لم يوجب استيعابَ ذلك بالمسح . وحكى ابن عَطِيَّةَ عن الشَّعْبِيِّ: أنه يَمسح الكفين فقط؛ لحديث عَمَّارٍ، وأنه لم يُوجب إيصالَ الترابِ إلى الكوعين ، وهذا لا يَصِحَّ . والله أعلم . وإنما المراد بحديث عمار ، وبما قاله الشعبي وغيره من مسح الكفين : مسحُهما إلى الكوعين ، وقد جاء ذلك مقيَّدا ، رواه أبو داود الطيالسيِّ، عن شعبةَ ، عن الحكَمِ : سمع ذَرَّ بنَ عبدِ اللهِ ، عن ابنِ عبدِ الرحمنِ بنِ أَبْزَى ، عن أبيه، عن عَمَّارِ، أن النبي ◌َّ قال له: ((إنما كان يُجْزِئكَ)) وضَرَب رسولُ اللّهِ وَله بيده الأرضَ إلى التراب، ثم قال: ((هكذا))، فَنَفَخ فيهما، ومَسَح وجهه ويديه إلى المَفْصِل ، وليس فيه الذراعان(٢). وروى إبراهيمُ بنُ طَهْمانَ ، عن حُصَيْنٍ ، عن أبي مالكِ ، عن عَمَّارِ بنِ ياسر ، أن النبي ◌َّ قال له: ((إنما كان يكفيك أنْ تَضْرِبَ بكفيك(٣) في التراب، ثم تَنَفُخ فيهما ، ثم تَمْسَحُ بهما وجهَك وكفيك إلى الرُّصْغَيْنِ)). خرَّجه الدار قطني(٤)، وقال: لم يَروه عن حُصَين مرفوعًا غيرُ إبراهيمَ بنِ طهمانَ ، ووقفه شعبةُ وزائدةٌ وغيرُهما . (١) في ((ك)): ((تحويل)). (٢) أخرجه البيهقي (٢١٤/١) . (٣) في ((ق)): ((بيديك))، والمثبت من ((ك)) ((والسنن)). (٤) (١ / ١٨٣) . ٥٤ حديث : ٣٣٩ - ٣٤٣ کتاب التيمم يعني : أنهم رَوَوَه عن حُصينٍ ، عن أبي مالك ، عن عمار موقوفًا ، والموقوف أصح - : قاله أبو حاتمِ الرَّارِيُّ (١). وأبو مالك ، قال الدارقطني (٢): في سماعه من عَمَّرِ نَظَرٌ؛ فإن سَلَمَةَ بنَ كُهَيْلِ رواه عن أبي مالكٍ ، عن ابنِ أَبْزَى (٣)، عن عمار. وقال أبو حاتم(٤): يُحتمل أنه سَمِع منه . وأبو مالك ، هو: الغفارِيُّ، سُئل أبو زُرْعَةَ : ما اسمه ؟ فقال : لا يُسمى. وقال البيهقي(٥): اسمه حبيبُ بنُ صُهْبَانَ . وفيما قاله نَظَرٌ ؛ فإن حبيب بن صهبان هو : أبو مالك الكاهِلِيُّ الأَسديُّ، وأما الغفاري فاسمه : غزوانُ - : قاله ابنُ مَعِينٍ. وقد فرَّق بينهما ابنُ أبي حاتمٍ، ووقع في بعض نُسَخِ البخاري ، غير أن البخاري متوقف غيرُ جازمٍ بأن حبيبَ بنَ صُهبانَ يُكنى : أبا حاتم ، ولا أن أبا مالكِ الغفاريَّ اسُمه: غزوانُ . ورُوي حديث عَمَّارٍ على وجه آخر : فروى الأَعْمَشُ ، عن سَلَمَةَ بنِ كُهَيْلٍ ، عن عبدِ الرحمنِ بن أَبْزَى، عن عَمَّرٍ، أن النبيِ نََّ قال له: ((إنما كان يَكفيك هكذا»، ثم ضَرَب بيديه الأرضَ ، ثم ضَرَب إحداهما على الأخرى ، ثم مَسَح وجهَه والذراعين إلى نصف الساعدين(٦) ولم يبلغ المرفقين ، ضربةً واحدةٌ . خرَّجِه أبو داودَ (٧) . (١) ((العلل)) لابنه (٨٥). (٢) ((سننه)) (١٨٣/١). (٣) في الأصلين : ((ابن أبي أبزى)) خطأ. (٤) ((العلل)) لابنه (٣٤). (٥) (١/ ٢١٠) . (٦) في الأصلين: ((الساعد)). (٧) (٣٢٣) . ٥٥ ٥ - باب التیمم للوجه والکفین کتاب التيمم وخرَّجه - أيضًا (١) - من طريق سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عن سَلَمَةَ بنِ كُهَيْلٍ ، عن أبي مالكٍ ، عن عبد الرحمن بن أَبْزَى، قال : كنتُ عند عُمَرَ ، فقال عَمَّارٌ : قال النبي وَّ: ((إنما كان يكفيك أن تقول هكذا))، وضَرَب بيديه(٢) إلى الأرض، ثم نفخهما ، ثم مَسَح بهما وجهَه ويديه إلى نصف الذراع . وخرّجه النسائي(٣) من طريق سفيانَ، عن سلمةَ، عن أبي مالك - [ و ] عن عبد اللّه بن عبد الرحمن بن أَبْزَى - ، عن عبد الرحمن بن أبزى ، قال : كنا عند عمرَ - فذَكَر الحديثَ ، وفيه : ثم مَسَح وجهه وبعض ذراعيه . وقد رواه عن سلمةَ بنِ كُهَيْلِ : شعبةُ ، وسفيانُ ، والأعمشُ ، واختُلف عنهم في إسناده . وقد تَقَدَّم : أن في رواية شعبةَ أن سلمةَ شكَّ : هل ذَكَر فيه الذراعين ، أو الكفين خاصةً ، وهذا يدل على أن ذِكْر الذراعين أو بعضهما لم يحفظه سلمةُ ، إنما شك فيه ، لكنه حفظ الكفين وتَقَّنَهُما ، كما حفظه غيرُه . وعلى تقدير أن يكون ذِكْرُ بعضِ الذراعين محفوظًا فقد يحمل على الاحتياط لدخول الكوعين ، أو يكون من باب المبالغة وإطالة التَّحجيل ، كما فعله أبو هريرةَ في الوضوء ، وقد صرَّح الشافعية باستحبابه في التيمم - أيضًا . وقد روي عن قَتَادَةَ، قال: حدثني محدِّثٌ عن الشعبي، عن عبد الرحمن ابن أبزى، عن عمَّار بن ياسر، أن رسول اللّه وَ له قال: ((إلى المرفقين)). خرَّجه أبو داودَ (٤) . وهذا الإسناد مجهول لا يَثْبُت . (١) (٣٢٢) . (٢) في الأصلين: ((بيده)). (٣) (١٦٨/١). والزيادة منه، وهي في ((تحفة الأشراف)) (٧/ ٤٨١). (٤) (٣٢٨) . ٥٦ حديث : ٣٣٩ - ٣٤٣ کتاب التيمم والصحيح : عن قتادةَ ، عن عَزْرَةَ ، عن سعيد بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن عَمَّار، أن النبي ◌َّ أَمَرَه بالتيمم للوجه والكفين. خرَّجه الترمذي(١) وصحَّحه . وخرَّجه أبو داودَ (٢)، ولَفْظُه أن النبيِ وَّ أَمَرَه في التيمم : ضربةً واحدة للوجه والكفين . وقد روي عن عَمَّرٍ، أنهم تَيَمَّمُوا مع النبي ◌ََّ إلى المناكب والآباط : من رواية الزُّهري، عن عُبيد اللَّهِ بنِ عبد اللّهِ بنِ عُتْبَةَ، عن ابنِ عباسٍ ، عن عَمَّارٍ، قال : نزلتْ رخصةُ التطهر بالصَّعِيد الطَّيِّب، فقام المسلمون مع النبي الَّ، فضربوا بأيديهم الأرضَ ، ثم رفعُوا أيديَهم ولم يَقبضوا من التراب شيئًا ، فمسحوا بها وجوهَهُم وأيديَهم إلى المناكب ، ومن بُطُون أيديهم إلى الآباط . خرَّجه الإمام أحمد وأبو داودَ والنسائيّ (٣). وقد اختلف في إسناده على الزهري : فقيل : عنه ، كما ذَكَرنا . وقيل : عنه ، عن عُبَيْدِ اللَّهِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عُثْبَةَ، عن أبيه، عِن عَمَّارِ ، كذا رواه عنه: مالكٌ وابنُ عُيَيْنَةَ، وصحَّح قولَهما أبو زُرَعَةَ وأبو حاتمٍ الرََّزِيَّانِ(٤). وقيل: عن الزُّهْرِيِّ، عن عُبَيْدِ اللَّهِ بنِ عبدِ اللَّهِ، عن عَمَّارٍ - مرسلاً (٥). وهذا حديث مُنْكر جدًا ، لم يزل العلماء يُنكرونه ، وقد أنكره الزهري (١) (١٤٤) . (٢) (٣٢٧) . (٣) أحمد (٢٦٤/٤) وأبو داود (٣٢٠) والنسائي (١٦٧/١). (٤) (العلل)) لابن أبي حاتم (٦١). (٥) ((العلل)) (٦١). وأخرجه أحمد (٤/ ٣٢٠). ٥٧ ٥ - باب التیمم للوجه والکفین کتاب التيمم راويه، وقال: هو لا يَعتبر به الناسُ - : ذَكَرَه الإمام أحمد وأبو داودَ (١) وغيرُهما . وروي عن الزهري ، أنه امتنع أن يُحَدِّث به ، وقال : لم أسمعه إلا من عُبَيْدِ اللَّهِ . وروي عنه ، أنه قال: لا أدري ما هو ؟ !. وروي عن مكْحُول ، أنه كان يَغضب إذا حدَّث الزهريُّ بهذا الحديث . وعن ابن عُيَيْنَةَ ، أنه امتَنَع أن يُحَدِّث به ، وقال : ليس العملُ عليه . وسئل الإمام أحمدُ عنه، فقال : ليس بشيء . وقال - أيضًا - : اختلفوا في إسناده ، وكان الزهري يَهابُه . وقال : ما أرى العملَ عليه . وعلى تقدير صحته ، ففي الجواب عنه وجهان : أحدهما: أن النبي وَّ لم يُعلم أصحابهَ التيممَ على هذه الصِّفَة، وإنما فعلوه عند نزول الآية ؛ لظَنَهِّم أن اليد المطلقةَ تشمل الكفين والذراعين والمَنْكِبَيْنِ والعَضُدَيْن، ففعلوا ذلك احتياطًا كما تَمَعَّكَ عَمَّارٌ بالأرض للجنابة، وظَنَّ أن تَيَمُّمَ الجُنْبِ يَعُمُّ البدنَ كلَّه كالغُسل، ثم بَيَّن النبي ◌َُّلِّ التيمم بفعله، وقوله: ((التيمم للوجه والكفين))، فرَجَع الصحابة كلُّهم إلى بيانه بَّ، ومنهم عَمَّارٌ راوي الحديثِ ؛ فإنه أَفتى أن التيمم ضربةٌ للوجه والكفين، كما رواه حُصَيْنٌ ، عن أبي مالكِ ، عنه ، كما سَبَقَ . وهذا الجواب ذَكَره إسحاقُ بنُ راهويه وغيرُهُ من الأئمة . والثاني: ما قاله الشافعي(٢)، وأنه إن كان ذلك بأَمْر رسولِ اللّهِ وَّ، فهو منسوخٌ؛ لأن عَمَّارًا أَخْبر أن هذا أولُ تَيَمُّمِ كان حين نزلت آيةُ التيمم ، فكل تيمم كان للنبي (٣) وَ ل بعده مخالف له، فهو له ناسخ. (١) (٣٢٠) عقب الحديث . (٢) وهو في ((السنن الكبرى)) . (٣) في الأصلين: ((النبي)) والتصويب من ((السنن الكبرى))، والسياق يقتضيه. ٥٨ حدیث : ٣٣٩ - ٣٤٣ كتاب التيمم وكذا ذَكَر أبو بكرِ الأَثْرَم وغيره من العلماء . وقد حكى غيرُ واحد من العلماء عن الزهري ، أنه كان يذهب إلى هذا الحديث الذي رواه . ورُوي [عن] عبد الوهَّابِ بن عَطاءٍ، عن سعيدٍ، عن قَتَادَةَ ، أن الزُّهْرِيَّ قال : التيمم إلى الآباط . قال سعيد : ولا يُعجبنا هذا . قلت : قد سَبَق عن الزهري أنه أَنكر هذا القولَ ، وأخبر أن الناس لا يَعتبرون به ، فالظاهر أنه رَجَع عنه لمَّا عَلِم إجماعَ العلماء على مخالفته . واللّه أعلم . وذَهَب كثير من العلماء إلى أنه ينتهى المسحُ لليدين بالتراب إلى المرفقين(١): هذا مرويٌّ عن ابن عمرَ وجابرٍ - رضي الله عنهما - ، وروي - أيضًا - عن سالمٍ بنِ عبدِ اللَّهِ، والشَّعْبِيِّ، والحَسَنِ ، والنَّخَعِيِّ، وقَتَادَةَ ، وسُفْيَانَ، وابنٍ المُبَارَكِ، واللَّيْثِ ، ومالك ، والشَّافِعِي، وأبي حَنِيفَةَ وأصحابه . واستدل بعضهم : بالأحاديث المرفوعة المروية في ذلك ، ولا يَثْبت منها شيءٌ، كما سَبَق الإشارةُ إلى ذلك . واستدلوا - أيضًا - : بأن اللّه تعالى أمر بغسل اليدين في الوضوء إلى المرفقين ، ثم ذَكَر في التيمم مسح الوجه واليدين ، فيَنصرف إطلاقُهما في التيمم إلى تقييدهما في الوضوء ، لا سيما وذلك في آية واحدة ، فهو أولى من حَمَلِ المُطْلَقِ على المُفَيَّد في آيتين . وأجاب مَن خالفهم : بأن المطلق إنما يحمل على المقيد في قضية واحدة، والوضوء والتيمم طهارتان مختلفتان ، فلا يَصِحّ حَمْلُ مُطْلَقِ أحدهما على مُقَيِّد الآخر . (١) انظر: ((السنن الكبرى)) للبيهقي (٢٠٧/١ - ٢١٠). ٥٩ ٥ - باب التيمم للوجه والکفین کتاب التیمم ويدل على ذلك: أن أصحاب النبي ◌َّ عند نزول آية التيمم لم يفهموا حَمل المطلق على المقيد فيها ، بل تَيَمَّمُوا إلى المناكب والآباط ، وهم أَعلم الناسِ بلُغَة العَرَبِ، ثم بيَّن النبي وَّ أن التيمم للوجه والكفين ، وهو - أيضًا - يُنافِي حَمْلَ المطلق على المقيد فيها . وذهب آخرون : إلى أن التيمم يُمْسَح فيه الكفان خاصةً . وقد حكى ابنُ المُنْذِرِ لأهل هذه المقالة قولين : أحدهما : يَمسح الكفين إلى الرُسْغَيْن، وحكاه عن عليٍّ. والثاني: يَمسحُ الكفين مُطلقًا. قال : وهو قول عَطاء ، ومَكْحُولٍ ، والشَّعْبِيِّ، والأَوْزاعِيِّ، وأحمدَ ، وإسحاقَ . قال: وبهذا نقول للثابت عن نبي اللّه وَل، أنه قال: ((التيمم ضربة للوجه والكفين)) . قلت : هذا يُوهم أن من قال بِمَسْح الوجه والكفين ، أنه لا ينتهي مسحُهما إلى الكوعين ، وهذا كما حكاه ابنُ عَطِيَّةَ عن الشَّعْبِيِّ ، كما سَبَق عنه ، وليس هذا قولُ الأئمة المشهورين . وقد روى داودُ بنُ الحُصَيْنِ ، عن عِكْرِمَةَ ، عن ابن عباسٍ ، أنه سُئل عن التيمم ، فقال: إن اللّه قال في كتابه حين ذَكَر الوضوءَ: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]، وقال في التيمم: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦]، وقال: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ﴾ [المائدة: ٣٨]، فكانت السَّنة في القطع الكفين، إنما هو : الوجه والكفين - يعني : التيمم . خرَّجه الترمذي(١)، وقال : حسن صحيح غريب . وروى الحَكَمُ بنُ أَبان ، عن عِكْرِمَةَ هذا المعنى - أيضًا . (١) (١٤٥) . ٦٠ حديث : ٣٣٩ - ٣٤٣ کتاب التيمم وكذلك استَدل بهذا الدليل مكْحُولٌ وأحمدُ وغيرهما من الأئمة ، وقالوا: إن القطع يكون من الرُّسْغِ ، فكذلك التيمم . والرسغ : هو مَفْصِل الكَفِّ ، وله طرفان، [هما](١) عظمان ، فالذي يَلِي الإبهامَ كوعٌ ، والذي يلي الخِنْصرَ كُرْسُوعٌ . ومضمون هذا الاستدلال : أن اليدَ إذا أُطلقت انصرفتْ إلى الرُّسْغ ، وإن قُيِّدت بمَوْضِع تَقََّتْ به ، فلما قيدت بالمرفقين في الوضوء وجب غَسْلُ الذراعين إلى المرفقين ، ولما أُطلقت في التيمم وجب إيصالُ التراب إلى الرسغ، كما تُقطع يدُ السارق ويد المحاربِ منه . وكذا قال الأوزاعي : التيمم ضربةٌ للوجه والكفين إلى الكُوعين . وكذلك نَصَّ إسحاقُ على أن التيمم يَبْلُغ إلى الرسغ ، وخَطًَّ من قال : لا يُجزئ ذلك. وقال: الصحيح عن النبي ◌َّ المعروف المشهور الذي يَرويه الثقة عن الثقة بالأخبار الصحيحة: أن النبي نَّ علَّم عَمَّارَ بنَ ياسرِ التيممَ للوجه والكفين . قال : وعلى ذلك كان عليّ بن أبي طالبٍ ، وعبدُ اللّه بنُ عباسٍ(٣)، والشعبيُّ، وعَطاءٌ، ومجاهدٌ ، ومكْحُولٌ وغيرُهم ، فلا يجوز لأحد أن يَدَّعِيَ على هؤلاء أنهم لم يعرفوا التيمم . قال : ولو قالوا : الذراعين أحبُّ إلينا اختيارًا لكان أَشْبَهَ . وروى حَرْبٌ بإسناده ، عن زائدةَ ، عن حُصَّيْنِ بنِ عبدِ الرحمنِ ، عن أبي مالك، عن عَمَّارِ ، أنه غَمَس باطن كَفَّه بالتراب ، ثم نَفَخ يده، ثم مَسَح وجهه ويديه إلى المَفْصِل . وبإسناده : عن عبد العزيز بنِ أبي رَوَّادٍ ، عن نافع ، عن ابن عمرَ ، قال: (١) في ((ك)): ((لهما)). (٢) ((السنن الكبرى)) للبيهقي (٢١١/١).