Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
١٢ - باب إذا جامع ثم عاود
كتاب الغسل
ونقل الترمذيُّ في ((كتابِ العللِ)) (١) ، عن البخاريِّ، أنهَ ضعَّفَهِ من أجلِ
فيض منالهيلة»: على بن
صالحٍ .
. .. وخرّجِه أبو داود والنسائيُّ (٣) ، من روايةِ إسماعيلَ بنِ عُلِيَةَ: نا حِمِيدٌ،
عن أنسٍ، أن النبيَّ ◌َ﴿ طافَ على نسائه في ليلة بغسلٍ واحدٍ أ .: ٤٩
نأٌ ، وَخرَّجُهِ مِسْلَمٌ في «صحيحهِ))(٣) ، من روايةٍ مسكينَ ينِ بُكِيرٍ، عن شِعبةَ،
عن هشامٍ بِنِ زيد، عن أنسٍ، أن النبيِّ وَ ﴿ كانَ يطوف على نسِائِهِ يغيسلٍ
واحد .
الستفي
وتابعه بقيةُ بنُ الوليد، فرواه ، عن شعبةَ - أيضًالما يشبه معلنة باء
خرَّجه من طريقه الإمامُ أحمدُ (4) .. . شينه ميا بون : رجالشاء بالفع
د "ولم يرضَ البخاريُّ هذا الحديثَمه من أجلِ مسكنٍ بن بكيرِ ؛ فإنه ليس
بذاك . . ماهي الغارا زية رليلة مبرين ، زهرة٧ اته بعاج ريا)
رياء قال الأثرمُ: قلتِ لأحمدَ: نظرتُ في حديثٍ مسكينٍ، عن شعبةَ، فإذا فيها
خطأ. قال أحمدُ: من أينَ كان يضبط هو عن شعبة؟! تخا لهم فيعن
قال البرديجيّ: لا يلتفتُ إلى رواية الفرد عن شعبةً، ممن ليس له حفظٌ
ولا تقدمٌ في الحديث من أهلِ الإتقان من كلمما تت بيله تاريخ ١٧
وقد رُوي الأمرُ بالوضوءِ للمعاودة من روايةِ عاصم الأخول ، عن
أبي المتوكلِ، عن أبي سعيد الخدريِّ، أن النبيَّ وَّم قال: «إذا أتى أحدكم
أهله، ثم أراد أن يعود، فليتوضاللـ هعندما نسيمماثلة ريات
١٠٠٠
(١) (( العلل)) (ص ٦٠).
(٢) أبو داود (٢١٨) والنسائي (١٤٣/١).
(٣) ((الصحيح)) (١٧١/١).
(٤) ((المسند)) (٢٢٥/٣).
٠٠ ..

٣٠٢
حديث : ٢٦٨
کتاب الغسل
خرَّجه مسلمٌ (١).
وفي رواية: ((فليتوضأُ بينَهما وضوءاً)) (٢).
وخرَّجه ابنُ خزيمةَ والحاكمُ في «صحيحيهما)»(٣) ، بزيادة في آخره ،
وهي: ((فإنه أنشطُ للعَوْدِ)).
وخرَّجه ابنُ خزيمة (٤) - أيضًا - بلفظ آخرَ، وهوَ: ((إذا أرادَ أحدُكم أن
يعودَ فليتوضأ وضوءَهَ الصَّلاةِ)) - يعني : الذي يجامعُ، ثم يعودُ قبلَ أن
يغتسلَ .
وفي إسنادِهِ بعضُ اختلافٍ .
وقال الشافعيُّ: رُويَ فيه حديثٌ ، وإن كان مما لا يثبتُ مثلُه .
واستحبَّ أكثرُ العلماءِ الوضوءَ للمعاودةِ ، وهو مرويٌّ عن عُمر وغيرِه ،
وليس بواجب عند الأكثرينَ ، وأوْجبه قليلٌ من أهلِ الظاهرِ ونحوِهم .
ومن العلماءِ مَنْ أنكرَ الوضوءَ ، وحمل الوضوءَ في هذا الحديثِ على
التنظيف وغسلِ الفرجِ .
وقد قال إسحاقُ : غسلُ الفرجِ لابدَّ منه .
والأكثرونَ على أن المعاودةَ من غيرِ وضوءٍ لا تكرَه ، وهو قولُ الحسنِ
ومالك وأحمدَ وإسحاقَ .
وقد رُوي الاغتسالُ للمعاودةِ من حديث أبي رافعٍ ، أن النبيَّ وَلِّ طافَ
على نسائِه جميعًا في يومٍ واحدٍ ، واغتسلَ عند كلِّ واحدة منهنَّ غسلاً . فقلتُ:
(١) ((الصحيح)) (١٧١/١).
(٢) المصدر السابق بتمامه .
(٣) ابن خزيمة (٢٢١) والحاكم (١٥٢/١).
(٤) برقم (٢٢٠) .

٣٠٣
١٢ - باب إذا جامع ثم عاود
کتاب الغسل
يا رسولَ الله، ألا تجعلُهُ غسلاً واحدًا؟ قال: «إن هذا أزكى وأطهر
وأطيبُ )) .
خرَّجْه الإمامُ أحمدُ وأبو داود والنسائيُّ وابنُ ماجه (١).
وفي إسنادِهِ بعضُ من لا يعرفُ حالُه .
قال أبو داودَ : حديثُ أنسٍ أصحُّ من هذا .
يعني : حديثَه في الغسلِ الواحدِ .
وفي الباب أحاديثُ أخرُ ، أسانيدُها ضعيفةٌ .
(١) أحمد (٨/٦، ٩، ٣٩١) وأبو داود (٢١٩) والنسائي في ((عشرة النساء)) من الكبرى (١٤٩)
وابن ماجه (٥٩٠).

٣٠٤
ماء .تحديث: ٢٩٩ ٠ /٦
كتاب الغسل
تعمل وقة فلعين ١٧ , مطا تام
١٣ - باب
غَسْلِ الْمَذِي، وَالْوُضُوءِ مِنْهُ .
٢٦٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلَيد: ثَنَا زَائِدَةُ، عَنْ أَبِى حَصِيْنِ، عَنْ أَبِيٍ عَبْدِ الرَّحْمَنِ،
عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: كُنْتُ رَجُلاً مَذَّاءً، فَأَمَرْتُ رَجُلاً أَنْ يَسْأَلَ النَّبِّ :﴿ - لِمَكَانِ
ابْتَتَه - ، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: ((تَوَضَّأْ، وَأَغْسلْ ذَكَرَكَ)). لسغالية مثبته ديده
وقد خرَّجه البخاريُّ(١) - فيما سبقَ - في آخر ((العلم) - مختصرًا ج، من
حديثِ محمدِ ابنِ الحنفيةَ ، عن أبيه عليّ بنِ أبي طالبٍ - رضي الله عنه - في
باب : من استحي ، فأمَرَ غيرَه أن يسألَ ».
وقد استنبط البخاريُّ منه - هاهنا - حكمينِ :
أحدُهما :
غسلُ المذيِ؛ لقولِهِ وَّرِ: ((اغسلْ ذكرَك)).
وقد اختلفَ العلماءُ في معنى الأمرِ بغسلِ الذكرِ من المذي : هل المرادُ غسلُ
ما أصابَ الذكرَ منه كالبولِ ، أو غسلُ جميعِ الذكرِ ؟
وفيه : قولانِ ، وهما روايتان عن مالكِ والإمامِ أحمدَ .
وحُكي عنه روايةٌ ثالثةٌ ، بوجوب غسلِ الذكرِ كلِّه مع الأُنثِيْن.
وقد رُوي في حديث عليٍّ، أنَّ النبيَّ ◌َ ◌ّ قال: ((يغسلُ ذكرَه وأُنْثبيه
ويتوضأ)»(٢) ، من وجوه قد تُكلِّم فيها.
واختار هذه الرواية أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ بنُ جعفرٍ من أصحابِنا ، وذكر أن
الحديثَ صحَّ بذلك .
....
(١) برقم (١٣٢) * * مناقشة : ٤ بالنظام (١٨/٢ م)_بأ) (٣٦) ٥٠ ٣١٨٠) مما(١)
٠٥٥) مجانه زبيل)
(٢) أخرجه أحمد (١٢٤/١، ١٢٦) وأبو داود (٢٠٨) (٢٠٩) والنسائي (٩٩/١).
٠

٣٠٥
١٣ - باب غسل المذي ، والوضوء منه
کتاب الغسل
ولو استجمرَ منه بحجرِ أجزأَّه كالبولِ - : ذكرَه أصحابنا .
وهذا - على قولنا : يجبُ غسلُ ما أصابَ الذكرَ منه - ظاهرٌ .
فأما إن قلنا : يجب غسلُ الذكرِ جميعِه ، أو الذكرِ مع الأنثيين ، فلا ينبغي
أن يجزئ منه الاستجمارُ .
وعند الشافعيّة : أن المذي : هل يجزئ فيه الاستجمارُ ؟ فيه قولان :
بناءً على أنَّ الخارجَ النادرَ : هل يجزئُ فيه الاستجمارُ كالمعتاد ؟ ، على
قولينٍ للشافعيِّ ، أصحُّهما : الجواز .
لكنهم لا يوجبون زيادةً على غسلِ ما أصاب الذكرَ منه ، وهو قولُ أبي حنيفةٍ
وغيرِه .
وقال سعيدُ بنُ جبيرٍ - في المذي - : يغسلُ الحشفةَ منه ثلاثًا(١) .
فأمَّا إن أصاب المذيُ غيرَ الفرجِ من البدنِ أو الثوبِ ، فالجمهورُ على أنه
نجسٌ يجب غسلُهُ كالبولِ .
وعن أحمدَ روايةٌ : أنه يُعفَى عن يسيره كالدم .
وعنه روايةٌ ثالثةٌ : أن نجاسته مخففةٌ ، يجزئ نضحه بالماءِ ، كبولِ الغلامِ
الذي لم يأكلِ الطعامَ ؛ لعمومِ البلوى به ، ومشقةِ الاحترازِ منه .
وفيه حديثٌ ، من رواية سهلٍ بنِ حنيفٍ، عن النبيِّ ◌َّهِ، أنه سُئُلَ عما
أصابَ الثوبَ من المذي ؟ قال: (( تأخذُ كفّا من ماء فتنضَحُ به حيث ترى أنه
أصابك » .
خرَّجِه الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ وابنُ ماجه والترمذيُ (٢).
(١) أخرجه عبد الرزاق (١٥٨/١) بمعناه وابن أبي شيبة (٨٨/١).
(٢) أحمد (٤٨٥/٣) وأبو داود (٢١٠) وابن ماجه (٥٠٦) والترمذي (١١٥).

٣٠٦
حديث : ٢٦٩
کتاب الغسل
وقال : حسنٌ صحيحٌ ، ولا نعرفُه إلا من حديثِ ابنِ إسحاقَ .
وقال الإمامُ أحمدُ - في رواية الأثرمِ - : لا أعلمُ شيئًا يخالفُه .
ونقل عنه غيرُهُ ، أنه قال : لم يروِهِ إلا ابنُ إسحاقَ ، وأنا أتهيَبه .
وقال - مرةً - : إن كان ثابتًا أجزأه النضحُ .
وعن أحمدَ روايةٌ : أن المذيَ طاهرٌ كالمنيٌّ .
وهي اختيارُ أبي حفصٍ البرمكيِّ من أصحابِنا ، أوجبَ مع ذلك نضَحهُ
تعبدًا .
ومن الأصحابِ مَن قال : إذا قُلْنا بطهارته ، لم يجب غسلُ ما أصابَ الثوبَ
منه .
وهلْ يجبُ الاستنجاءُ منه؟ على وجهين ، كالمنيُّ .
وهذا بعيدٌ ، وهو مخالفٌ للأمرِ بغسلِهِ .
والحكم الثاني :
وجوبُ الوضوءِ منه .
وقد أجمعَ العُلماءُ على أن المذيَ يوجبُ الوضوءَ ، ما لم يكن سلسًا دائمًا ؛
فإنه يصيرُ حينئذٍ كسلس البولِ ، ودمِ الاستحاضةِ .
ومالكٌ لا يوجبُ الوضوءَ منه حينئذ .
وخالفَه جمهورُ العلماءِ .
وأما إذا خرجَ على الوجه المعتاد ، فإنه يوجبُ الوضوءَ باتفاقهم ، لا يوجبُ
الغسلَ - أيضًا - بالاتفاق .
وقد حُكي عن ابنِ عُمرَ فيه اختلافٌ (١).
(١) ((المصنف)) لابن أبي شيبة (٨٨/١) من حديث ابن سيرين قال: ذكروا عند ابن عمر البلة =

٣٠٧
١٣ - باب غسل المذي ، والوضوء منه
کتاب الغسل
والصحيحُ عنه ، كقولِ جمهورِ العُلماءِ ، أنه يكفي منه الوضوءُ .
وقد رُوي عن النبيِّ وَّ﴿، أنه قالَ - في المذي -: (( توضأُ ، وانضحَ
فرجَك )).
خرَّجه مسلمٌ وغيرُه(١) .
فمنَ العلماءِ مَن حمل نضحَ الفرجِ على غسلِهِ ، بما في اللفظِ الآخرِ :
(« توضأ ، واغسلْ ذکرَك » .
ومنهم من حملَه على نضحِ الفرجِ بعدَ الوضوءِ منه ؛ لتفتيرِ الشهوةِ ، ودفعِ
الوسواسِ .
وقد ورد في رواية التصريحُ بهذا المعنى ، لكن في إسنادها ضعفٌ .
وعلى هذا ؛ فالأمرُ بالنضحِ محمولٌ على الاستحباب .
= والمذي فقال : إنكم لتذكرون شيئًا ما أجده ، ولو وجدته لاغتسلت منه .
وروي عنه الوضوء منه في ((الموطأ)) (ص: ٥١) وابن المنذر في ((الأوسط)) (١٣٦/١) من
حديث زيد بن أسلم ، عن جندب مولى عبد الله بن عياش ، عن ابن عمر به .
(١) مسلم (١٧٠/١) وعبد الله بن أحمد (١٠٤/١) وابن خزيمة (٢٢).
والنسائي (٢١٤/١) جميعهم من حديث مخرمة ب بكير ، عن أبيه ، عن سليمان بن يسار ،
عن ابن عباس ، عن علي ، به .
قال النسائي: (( مخرمة لم يسمع من أبيه شيئًا » .

٣٠٨
حديث : ٢٧٠ - ٢٧١
کتاب الغسل
١٤ - بَابُ
مَنْ تَطَّبَ ثُمَ اغْتَسَلَ وَبَقِي أَثَرُ الطِّيبِ
خرَّج فيه حديثينِ :
أحدُهما :
٢٧٠ - حديثُ: إَِرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ، عَنْ أَبِهِ، قَالَ : سَأَلْتُ
عَائِشَةَ - وَذَكَرْتُ لَهَا قَوْلَ ابْنٍ عُمَرَ: مَا أُحِبُّ أنْ أُصْبِحَ مُحْرِمَا أَنْضَخُ طِيبًا - ،
فَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَنَا طَّْتُ رَسُولَ اللََِّ، ثُمَّ طَافَ فِي نِسَائِهِ، ثُمَّ أَصْمَحَ مُحْرِمًا .
الثاني :
٢٧١ - حديثُ: إِبْراهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى
وَبَيْصِ الطِّيبِ، فِي مَفْرِقِ النَِّيَِّ﴿، وَهُوَ مُخْرِمٌ.
قال الإسماعيليُّ: في الحديثِ الأولِ : عامةُ مَن حدَّثْنا قالَه بالحاءِ غيرِ
معجمةٍ - يَعني: ((ينضحُ طِيبًا)) -، قالَ: والقولُ في ((يطوف )) ما قدمنا .
قلتُ : الصوابُ : أن معنَى طوافِه للنساءِ جماعُهنَّ ، كما سبق .
فالحديثُ حينئذ : يدلُّ على أنَّ من اغتسلَ من الجنابةِ ، وبقي على جسدِهِ أثرٌ
طيبٍ ونحوِهِ ، مما لا يمنعُ وصولَ الماءِ إلى ما تحتّه ، أنه لا يضرُّه، وأن غسلَه
صحيحٌ .
و ((وبيصُ الطيب)): بريقُ لُونِه ولمعانُه .
قال الخطابيُّ (١) : يقال : وبصَ وبيصًا وبصَّ بمعنى واحدٍ .
وهذا يدلُّ على بقاء أجزاء من الطيبِ ، فيستدلَّ بذلك على أنه لا يمنع صحةَ
(١) ((أعلام الحديث)) (٣٠٥/١).

٣٠٩
١٤ - باب من تطيَّبَ ثم اغتسل وبقي أثر الطيب
کتاب الغسل
الغسلِ ، إذا وصلَ الماءُ معَه إلى البشرةِ ، وهو مقصودُ البخاريُّ بهذا البابِ .
وعلى أنه لا يمنع المحرمَ من استدامتِهِ في الإحرامِ ، ويأتي ذِكرُ ذلك في
موضعِه من ((الحجِّ )) - إن شاءَ اللهُ تعالى .
ويحتملُ أن يكون هذا الطيبُ الذي يبصُّ على شعرِ النبيِّ وٍَّ، كما جاءَ في
رواية: ((أنه كان في مفارقه))، وفي روايةٍ: ((في رأسِه ولحيته))(١).
فيستدلُّ بذلك على أن الشعرَ لا يجبُ غسلُه في جنابةٍ ولا غيرِها ، كما ذهبَ
إليه طوائفُ من العُلماءِ ، كما سبقَ ذِكرُه .
(١) تقدم تخريجه قريبًا .

٣١٠
حديث : ٢٧٢ - ٢٧٣
کتاب الغسل
١٥ - بَابُ
تَخْلِيلِ الشَّعَرِ حَتَّى إِذَا ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ أَرْوَى بَشَرَتَهُ أَفَاضَ عَلَيْهِ
٢٧٢ - ثَنَا عَبْدَانُ: ثَنَا عَبْدُ اللَّه - هُوْ ابْنُ الْمُبَارَك - : ثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِل ◌ِهِ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ، غَسَلَ يَدَيّهِ،
وَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلاَةِ، ثُمَّ اغْتَسَلَ، ثُمَّ يُخَلَّلُ بِيَدِهِ شَعَرَهُ، حَتَّى إِذَا ظَنَّ أَنْهُ قَدْ
أَرْوَى بَشَرَتَهُ أَفَاضَ عَلَيْهِ الْمَاءَ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ يَغْسِلُ(١) سَائِرَ جَسَدِهِ.
٢٧٣ - وَقَالَتْ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِوَهُ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، نَغْتَرِفُ(٢)،
مِنْهُ جَميعًا .
ما ذُكرَ في هذه الروايةِ ، أنه توضأً ، ثم اغتسلَ ، ثم يخللُ بيده شَعَره ، إلى
آخرِهِ ، هو من باب عطفِ التفصيلِ على الإجمالِ ؛ فإن ما ذكره من التخليلِ وما
بعدَه هو تفصيلٌ للاغتسالِ الذي ذُكرَ مجملاً .
والحديثُ يدلُّ على أن النبيَّ وَّ كان قبلَ أن يفيضَ الماءَ على رأسه ثلاثًا
يخللُ شعرَه بيده بالماءِ ، حتى يظنَّ أنه قد أروى بشَرته ، وهذا مما ذكرَ في
حديثٍ عائشةَ دونَ حديث ميمونةً .
وقد خرَّجه البخاريُّ في أولِ (( كتابِ: الغسلِ))(٣) ، من حديثِ مالكٍ ، عن
هشامٍ ، وفي حديثه : (( توضأ كما يتوضأُ للصلاة ، ثم يدخلُ أصابِعَه في الماءِ ،
فيخللُ بها أصولَ الشعَرِ ، ثم يصبُّ على رأسِه ثلاثَ غرفٍ بيديه )).
(١) في ((اليونينية)): ((غَسَلَ)).
(٢) في ((اليونينية)): ((نَغْرِفُ)).
(٣) برقم (٢٤٨) .
:

٣١١
١٥ - باب تخلیل الشعر حتى إذا ظنَّ أنه قد أروی
کتاب الغسل
وهذا يصرِّح بالمعنى الذي ذكرناه .
وخرَّجه مسلمٌ (١) ، من طريق أبي معاويةَ ، عن هشامٍ ، وفي حديثه :
((توضأ وضوءه للصلاة، ثم يأخذُ الماءَ، فيدخلُ أصابعَه في أصولِ الشعَرِ ،
حتى إذا رأى أن قد استبرأَ حفنَ على رأسِه ثلاثَ حفئاتٍ )) .
وكذلك روی حمادُ بنُ زید ، عن هشام هذا الحدیثَ ، وقال فيه - بعد ذکرِ
الوضوءِ -: (( ثم يدخلُ يدَه في الإناءِ ، فيخلِّل شعرهُ، حتَّى إذا رأى أنه قد
أصابَ البشرة ، أو أنقى البشَرة ، أفرغَ على رأسِه ثلاثًا ».
خرَّجه أبو دوادَ (٢) .
وخرَّجه الإمامُ أحمدُ (٣) ، عن يحيى بنِ سعيد القطانِ ، عن هشامٍ ، به
بنحوه ، وفي حديثه: (( ثم يخللُ أصولَ شعَر رأسِه ، حتى إذا ظنَّ أنه قد
استبرأَ البشرة ، اغترفَ ثلاثَ غرفاتٍ ، فصبهنَّ على رأسِهِ )).
وخرَّجه النسائيُّ (٤)، من حديث سفيانَ، عن هشامٍ، ولفظُ حديثه: ((أن
النبيَّ ◌َ﴿ِ كان يُشرِّب رأسَه، ثم يَحْثي عليه ثلاثًا ثلاثًا)).
وروى أيوبُ وعبيدُ اللهِ بنُ عمرَ هذا الحديثَ ، عن هشامٍ ، وذكر أن تخليلَ
شعرِه كان مرتين(٥) .
ورُوي عن أيوبَ ، قال : مرتين أو ثلاثًا .
ورواه حمادُ بنُ سلمةَ، عن هشامٍ ، ولفظُ حديثِهِ: ((أن النبيَّ وَّ كان
يتوضأُ من الجنابةِ ، ثم يدخلُ يدَه اليمنَى في الماءِ ، ثم يخللُ به شقَّ رأسه
(١) ((الصحيح)) (١/ ١٧٤).
(٢) ((السنن)) (٢٤٢).
(٣) ((المسند)) (٥٢/٦).
(٤) ((السنن)) (١٣٥/١).
(٥) رواية أيوب، عن هشام ذكرها ابن عبد البرَّ في «التمهيد)) (٩٣/٢٢).

٣١٢
حديث : ٢٧٢ - ٢٧٣
کتاب الغسل
الأيمنِ ، فيتبع بها أصولَ الشعرِ ، ثم يفعلُ بشقِّ رأسه الأيسر كذلك ، وبيده
اليسرَى كذلك، حتى تستبرئ البشرةَ ، ثم يصبُّ على رأسِه ثلاثًا ))(١) .
ورواه شريكٌ ، عن هشامٍ ، وذكر أن تخليلَ شعرِه كان بعد الإفراغِ عليه
ثلاثًا .
وشريكٌ ، سيءُ الحفظِ ، لا يُقْبَل تفردُه بما يخالفُ الحفاظَ .
وتابعه سفيانُ بنُ وكيعٍ ، عن أبيه ، عن هشامٍ .
وسفيان هذا ، ليس ممن يُلْتفتُ إلى قولِه .
وكذلك رواه ابنُ لهيعة ، عن أبي الأسودِ ، عن عروةَ ، عن عائشةَ .
وابنُ لهيعة ، لا يُقبلُ تفردُه فيما يخالفُ الحفاظَ .
وفي الجملة؛ فهذا ثابتٌ عن النبيِّ وَِّ، أنه خلَّل شعرَه بالماءِ ، حتى إذا
ظنَّ أنه قد أروى بشرَتَه أفاضَ الماءَ على شعَرِ رأسه .
فكان التخليلُ أولاً لغسل بشرَة الرأسِ ، وصبُّ الماءِ ثلاثًا بعده لغسلِ
الشعرِ ، هذا هو الذي يدلُّ عليه مجموعُ ألفاظ هذا الحديث .
وقال القرطبيُّ : إنّما فعلَ ذلك ليسهلَ دخولَ الماءِ إلى أصولِ الشعرِ.
وقيل [ليتأسَّى](٢) بذلك [ حتى ](٣) لا يجد بعده من صب الماء الكثير
. ()[ ... ]
قلت : قولُ عائشةَ: ((حتى إذا ظنَّ أنه قد أروى بشرَتَه أفاض عليه الماءَ
ثلاثَ مراتٍ))، يرد هذا [ كُلَّه ](٥) ، ويبيِّن أن التخليلَ كان لغسلٍ بشرَةَ الرأسِ ،
(١) أخرجه أحمد (١٠١/٦) والبيهقي (١/ ١٧٥).
(٢) في الأصل مشتبهة .
(٣) قد تقرأ: ((مَنْ))، وهي أشبه .
(٤) كلمة لم أتبينها، ولعلها: ((بعده)).
(٥) غير واضحة .

٣١٣
١۵ - باب تخلیل الشعر حتی إذا ظنَّ أنه قد أروى
کتاب الغسل
وتبويبُ البخاريِّ يشهدُ لذلك - أيضًا .
وهذه سنةٌ عظيمةٌ من سنن غسل الجنابةِ، ثابتةٌ عن النبيِّ وَِّ، لم يتنبَّه لها
أكثرُ الفقهاءِ ، ، مع توسعِهِم للقولِ في سننِ الغسلِ وأدائه .
ولم أر مَنْ صرَّح به منهم ، إلا صاحبَ ((المغني)) من أصحابِنا ، وأخذَه من
عمومٍ قولِ أحمدَ : الغسلُ على حديثِ عائشةَ .
وكذلك ذكرَهَ صاحبُ ((المهذبِ )) من الشافعيةِ ، قال - بعدَ ذكرِ الوضوءِ -:
ثم يدخلُ أصابَعه العشرَ في الماءِ ، فيغترف غرفةً يخلِّل بها أصولَ شعرِهِ من رأسِهِ
ولحيته ، ثم يحثي على رأسه ثلاثَ حثياتٍ .
وفي هذا زيادةٌ على ما في حديث عائشةَ ، وهو تخليلُ اللحيةِ .
ومذهبُ الشافعيِّ: وجوبُ إيصالِ الماءِ إلى باطنِ اللحيةِ ، وإن كانت كثيفةً ،
في الجنابةِ دونَ الوضوءِ .
وعن مالكِ في وجوبِ ذلك في الغسلِ روايتانِ .
وأما أصحابنا فيجب ذلك عندَهم - في المشهورِ .
ولهم وجهٌ ضعيفٌ ، أنه لا يجبُ .
وحكي مثلُه عن المُزَنَيِّ .
وكلامُ أكثرِهم ، يدلُّ على أن المغتسلَ يتوضأُ ، ثم يصبُّ على رأسِهِ الماءَ
ثلاثًا ، ويخللُ أصولَ شعَرِه مع ذلك .
وقد وُجُدَ في كلامِ الأئمةِ ، كسفيانَ وأحمدَ وإسحاقَ ، ما يدلُّ على ذلك .
واتّباعُ السنَّةِ الصحيحةِ التي ليسَ لها معارضٌ أولى .
وقد رَوى قتادةُ، عن عروةَ، عن عائشةَ، أن رسولَ الله وَِّ كان إذا أرادَ
أن يغتسلَ من جنابةِ توضأ وضوءه للصلاةِ ، ثم صبَّ على رأسِهِ ثلاثَ مرارٍ ،

٣١٤
حديث : ٢٧٢ - ٢٧٣
کتاب الغسل
يخللُ بأصابعه أصولَ الشعَر .
خرَّجه الإمامُ أحمدُ (١) .
وهذه الروايةُ تشهدُ لما قالَه أكثرُ الفقهاء : إنه يصبُّ الماءَ على رأسِه ، ثم
يخلِّله بأصابعه .
ولكنَّ روايةَ هشامٍ ، عن أبيه ، المتفقِ على صحَّتِها ، مقدمةٌ على رواية
قتادةَ .
وليس في تركِ ذكرِ هذا في حديث ميمونةَ ما يوجبُ تركّه ؛ لأن ميمونةَ
حكت غسلَ النبيِّ وَّهِ في قضية معينةٍ، وعائشةُ حكتْ ما كانَ النبيُّ وَِّ يفعلُه إذا
اغتسلَ من الجنابة ، فالأخذُ بروايتها متعيَّنٌ ، واللهُ أعلمُ .
(١) ((المسند)) (٢٥٢/٦).

٣١٥
١٦ - باب من توضأ في الجنابة
کتاب الغسل
١٦ - بَابٌ
مَنْ تَوَضَّأَ فِي الْجَنَابَةِ ، ثُمَّ غَسَلَ سَائِرَ جَسَدَه
وَلَمْ يُعِدْ غَسْلَ مَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهُ مَّرَّةً أُخْرَى
خرَّج فيه :
٢٧٤ - حديثَ ميمونةَ: قَالَتْ: وَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ وَضُوءًا لِلْجَنَابَة، فَكَفَأَ
بَيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ مَرَّيْنٍ أَوْ ثَلاَئًا، ثُمَّ غَسَلَ فَرْجَهُ، ثُمَّ ضَرَبَ يَدَهُ بِالأَرْضِ - أَوْ
الْحَائِطِ - مَرْتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَذَرَاعَيْهِ ، ثُمَّ
أَفَاضَ عَلَى رَأْسِهِ الْمَاءَ ، ثُمَّ غَسَلَ جَسَدَهُ، ثُمَّتَتَخَّى فَفَسَلَ رِجْلَيْهِ، قَالَتْ: فَتَُّ
بِخِرْقَةٍ ، فَلَمْ يُرِدِهَا، فَجَعَلَ يَنْفُضُ الْمَاءَ بِيَدِهِ .
خرَّجهِ من طريقِ الفضلِ بنِ موسَى ، عنِ الأعمشِ ، بإسنادِهِ المتقدمِ .
ووجهُ دلالةِ الحديثِ على ما بوَّبَ عليه: أنه ◌َ ﴿ غسلَ وجهَه وذراعَيَه ، ثم
أفاضَ على رأسِهِ الماءَ ، ثم غسلَ جسدَه ، ولم يُعِدْ غسلَ وجهِه وذراعَيه ، وإنما
غسلَ رِجِلَيْه أخيراً ؛ لأنه لم يكنْ غَسَلَهُما أولاً .
وقد خرَّج مسلمٌ (١) هذا الحديثَ ، من روايةِ عيسى بنِ يونُسَ ، عن
الأعمشِ، وفي حديثه : (( ثم توضأ وضوءَه للصلاةِ، ثم أفرغَ على رأسِه ثلاثَ
حفناتٍ مِلءَ كفِّه، ثم غسلَ سائرَ جسدِهِ ».
وقولُه : ((غسل سائرَ جسدِهِ)) يدلُّ على أنه لم يُعدْ غسلَ ما كان غسلَه
منه قبلَ ذلكَ؛ لأن: ((سائرَ )) إنما تستعملُ بمعنَى: ((الباقي))، لا بمعنى :
((الكلِّ))، على الأصحِّ الأشهرِ عند أهلِ اللغةِ .
(١) ((الصحيح)) (١/ ١٧٤ - ١٧٥) .

٣١٦
حديث : ٢٧٤
کتاب الغسل
وكذلك خرَّج مسلمٌ (١) حديثَ عائشةَ ، من حديث أبي معاويةَ ، عن هشامٍ
ابنِ عروةَ، عن أبيه ، عن عائشةَ - فذكرت الحديثَ، وفي آخرِه -: (( ثم
أفاضَ علی سائِر جسدِهِ )) .
وهو - أيضًا - : دليلٌ على أنه لم يُعد عسلَ ما مضَى غسلُه منه .
والعجبُ من البخاريِّ - رحمه الله - ، كيف ذكرَ في تبويبه (( مَن توضأ
للجنابة ثم غسلَ سائرَ جسدِهِ )) ، ولم يسقِ الحديثَ بهذا اللفظ ، وإنما تتمّ
الدلالةُ به(٢).
ومقصودُه بهذا البابِ : أن الجنبَ إذا توضأً ، فإنه يجبُ عليه غسلُ بقية
منه ، ولا يلزمه إعادةُ غسلِ ما غسلَه من أعضاءِ الوضوءِ .
والجنبُ له حالتان :
إحداهما : أنه لا يلزمه سوى الغسلِ ، وهو مَن أجنبَ من غير أن يوجدَ منه
حدثٌ أصغرُ - على قولِ مَن يقولُ : إن الجنابةَ المجردَةَ لا تُوجِبُ سوى الغسلِ ،
ما هو قولُ الشافعيِّ وابنِ حامدٍ من أصحابِنا - ، فهذا لا يلزمُهُ أكثرُ من الغسلِ .
فإن بدأ بأعضاء الوضوءِ ، فغسلَها ، لم يلزمه سوى غسلٍ بقيةٍ بدنه ، بغير
مردد .
وينوي بوضوئه الغسلَ ، لا رفعَ الحدثِ الأصغرِ - : صرحَ به الشافعيةُ ،
وهو ظاهرٌ .
(١) ((الصحيح)) (١/ ١٧٤).
(٢) ساق ابن حجر في ((الفتح)) (٣٨٣/١) بعض الأجوبة على ذلك، ثم قال:
(( والذي يظهر لي أن البخاري حمل قوله: ((ثم غسل جسده » على المجاز ، أي : ما بقي
بعدما تقدم ذكره، ودليل ذلك: قوله بعدُ: ((فغسل رجليه))؛ إذ لو كان قوله: (( غسل
جسده)) محمولاً على عمومه لم يحتج لغسل رجليه ثانيًا ؛ لأن غسلهما كان يدخل في
العموم ، وهذا أشبه بتصرفات البخاري ؛ إذ من شأنه الاعتناء بالأخفى أكثر من الأجلى)).

٣١٧
١٦ - باب من توضأ في الجنابة
کتاب الغسل
الحالةُ الثانيةُ : أن يجتمعَ عليه حدثُ أصغرُ وجنابةٌ ، إما بأن يُحدثَ ، ثم
يُجنبَ، أو على قول من يقولُ : إن الجنابةَ بمجردِها تنقضُ الوضوءَ وتوجبُ
الغسلَ ، كما هو ظاهرُ مذهبِ أحمدَ وغيرِهِ .
فهذه المسألةُ قد سبقتِ الإشارةُ إليها والاختلافُ فيها .
وأكثرُ العلماءِ على تداخلِ الوضوءِ والغسلِ في الجملةِ .
قال الحسنُ : إذا اغتمسَ في النهَر ، وهو جنبٌ ، أجزأَه عن الجنابة
والحدث(١) .
فعلى هذا ؛ إذا غسلَ أعضاءَ الوضوءِ مرةً ، لم يحتجّ إلى إعادة غسلِها .
قال أحمدُ : العملُ عندي في غسلِ الجنابةِ ، أن يبدأُ الرجلُ بمواضع
الوضوءِ ، ثم يغسلُ بعد ذلكَ سائرَ جسدِه .
ولكن على هذا التقدير ، ينوي بوضوئه رفعَ الحدثينِ عن أعضاءِ الوضوءِ .
فإن نوى رفعَ الحدثِ الأصغرَ وحدَه ، احتاجَ إلى إعادةِ غسلِ أعضاءِ الوضوءِ
في الغسلِ .
ثم إنَّ المشهورَ عن أحمدَ - عند أصحابِه كالخرقيِّ ومَن تابعه - : أن الغسلَ
والوضوءَ لا يتداخلان ، إلا بأن ينويهما ، كالحجّ والعمرةِ في القران ، وهو وجهٌ
للشافعية .
وعلى هذا ؛ فینوي بالوضوءِ رفعَ الحدثِ الأصغرِ ، صرح به ابنُ أبي موسى
من أصحابنا .
ويلزمُ من ذلك وجوبُ إعادةِ غسلِ أعضاءِ الوضوءِ في الغسلِ مرةً أخرى .
فإن نوى بالوضوءِ رفعَ الحدثين معاً ، لم يلزمْهُ إعادةُ غسلِهما مرةً أخرى.
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٧٤) بمعناه .

٣١٨
حديث : ٢٧٤
کتاب الغسل
والمنصوصُ عن الشافعيِّ ، أنهما يتداخلانِ بدون نية ، نصّ على ذلك في
(((الأمّ))، وحكاه أبو حفصِ البرمكيُّ روايةً عن أحمدَ ، كما لو كانا من جنسٍ
واحدٍ عند أكثرِ العلماءِ .
فعلى هذا ، يجزئُ الوضوءُ بنيَّةَ رفعِ الحدثِ الأكبرِ خاصةً .
وإن نوى بالوضوءِ رفعَ الحدثِ الأصغرِ ، كان أفضلَ - : قاله بعضُ
الشافعية .
ولكن ينبغي أن يقولُوا بوجوبِ إعادةِ غسلِ أعضاءِ الوضوءِ مرةً أخرى في
الغسلِ .
وعلى هذا التقديرِ ، فإن رفعَ الحدثِ الأصغرِ لا یندرجُ فيه الأکبرُ ، بخلاف
عكسه(١) .
وعن أحمدَ روايةٌ ، أنه لا يرتفعُ الحدثُ الأصغرُ بدونِ الإتيانِ بالوضوءِ ،
وحُكي مثلُه عن مالكٍ وأبي ثورٍ وداودَ ، وهو وجهٌ للشافعية ؛ لأن سببَهما
مختلفٌ ، فلم يتداخلا كحدِّ الزنَا وحدِّ السرِقة .
وعلى هذا ، فيجبُ غسلُ أعضاء الوضوءِ مرتين [ ... ] (٣) : مرةً للوضوءِ ،
ومرةً في الغسلِ ، وينوي بالوضوءِ رفعَ الحدثِ الأصغرِ ، وبالغسلِ رفعَ الحدثِ
الأكبرِ .
وقالت طائفةٌ : إن غسلَ أعضاءَ الوضوءِ مرتبةً متواليةً ارتفعَ عنهما الحدثان ،
وإذا نوَى رفعَهما ، فلا يجبُ عليه إلا غسلُ باقي بدنِه للجنابةِ ، وإن لم يغسل
أعضاءَ الوضوءِ مرتبةً متواليةً لم يرتفعْ عنها سوى حدث الجنابةِ ، وعليه أن يأتيَ
بالوضوءِ على وجهِه ؛ ليرفعَ الحدثَ الأصغرَ .
(١) في الأصل: ((عسکه))!
(٢) كلمة غير واضحة ، ولعلها مضروب عليها .

٣١٩
١٦ - باب من توضأ في الجنابة
کتاب الغسل
وحُكي هذا عن إسحاقَ بنِ راهويه ، وهو قولُ أبي بكرِ ابنِ جعفرٍ ، ومن
اتبعه من أصحابنا .
واعتبروا - أيضًا - : أن يمسحَ رأسَه .
وقد سبقَ نصُّ أحمدَ ، على أنه لا يحتاجُ إلى مسحٍ رأسِهِ ، بل يكفيه صبُّ
الماء عليه .
وهو يدلُّ على أن خصائصَ الوضوءِ عنده كلَّها غيرُ معتبرةٍ في وضوءٍ غسلٍ
الجنابة .
وهو - أيضًا - وجهٌ لأصحابِ الشافعيِّ ، لكنهم لا يعتبرون الموالاةَ ،
ولا نيةَ الحدثِ الأصغرِ ، على الصحيح عندهم .
وعندنا ؛ هما معتبرانِ ، على الصحيحِ .
وزعم أبو بكرِ الخلالُ : أن هذا القولَ هو مذهبُ أحمدَ ، ووهَّمَ مَن حكى
عنه خلافه ؛ فإن حنبلاً نقلَ عن أحمدَ ، في جنبٍ اغتسلَ وعليه خاتمٌ ضيقٌ ، لم
يحركه(١) ، فصلَّى، ثم ذكرَ ؟ قال: يغسلُ موضعَه ، ويعيدُ الصلاةَ .
قال الخلالُ : هذا وهْمٌ من حنبلٍ لا شكَّ فيه ، لأن أحمدَ عنده أنَّ من لم
يحركْ خاتمَه الضيقَ في الوضوءِ وصلَّى ، أنه يعيدُ الوضوءَ والصلاةَ .
قال أبو بكرِ ابنُ جعفرٍ في كتاب (( الشافي)»: هذا يدلُّ على أنه لا بدَّ فی
غسل الجنابةِ منَ الوضوءِ .
قلتُ: إنما قالَ أحمدُ : ((يعيدُ الوضوءَ والصلاةَ)» في المحدثِ حدثًا أصغرَ ،
فأما الجنبُ فإنَّ المنصوصَ عن أحمدَ ، أنه إذا انغمسَ في ماءِ وتمضمضَ ،
واستنشقَ ، أنه يجزئه ، بخلافٍ من يريد الوضوءَ ، فإنه يلزمُهُ الترتيبُ والمسحُ .
ولكن الخلالَ تأولَ كلامَه ، على أن الجنبَ يجزئه انغماسُه في الماءِ من
(١) في الأصل: (( يخرجه))، والمثبت أشبه ، وسيأتي نظيره.
٠

٣٢٠
حديث : ٢٧٤
کتاب الغسل
غسل الجنابةِ ، وأما عن الوضوء فلا يجزئه حتى يرتب ، كالمحدث الحدثَ
الأصغرِ بانفرادِه .
ونقولُ: إن قولَ أحمدَ : ((إذا انغمسَ وأرادَ الوضوءَ لا يجزئهُ)) عامٌّ فيمن
أرادَ الوضوءَ وهو جنبٌ أو محدثٌ .
والذي عليه عامةُ الأصحابِ ، كالخرقيِّ وابنِ أبي موسى والقاضي أبي يعْلَى
وأصحابه خلافُ [ ذلك](١)، وأن أحمدَ إنما أرادَ المحدث حدثًا أصغرَ .
وروايةُ حنبلٍ هذه صريحةٌ في هذا المعنَى، وقولُ الخلالِ: ((إنها وهْمٌ بغير
شكٍّ))، غيرُ مقبول . واللهُ سبحانه وتعالى أعلمُ .
(١) استدركت في هامش الأصل على سبيل الترجي، فقال: ((لعله: ذلك)).