Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨١ ١٣ - بابُ: قول النبي ◌ِّله: «أنا أعلمكم باللَّه)) كتاب الإيمان أَمَرَهُمْ أَمَرَهُمْ مِنَ الأَعْمَالِ بِمَا يُطيقُونَ ، قالُوا: إِنَّا لَسْنَا كَهَيْئَتَكَ يَا رَسُولَ اللّه، إِنَّ اللّهَ قَدْ غَفَرَلَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، فَيَغْضَبُ حَتَّى يُعْرَفَ الْغَضَبُ فِي وَجْهِهِ، ثُمَّيَقُولُ: ((إِنَّ أَنْقَاكُمْ وَأَعْلَمَكُمْ بِاللّهِ أَنَا)). كان النبيُّ وَّهِ يأمرُ أصحابَه بما يطيقونَ من الأعمالِ ، وكانوا لشدةِ حرصِهم على الطاعاتِ يريدونَ الاجتهادَ في العملِ، فربما اعتذرُوا عن أمرِ النبيِّ ◌َِل بالرفقِ ، واستعمالِهِ له في نفسِهِ ، أنه غيرُ محتاجٍ إلى العملِ بضمانِ المغفرةِ له ، وهم غيرُ مضمونٍ لهم المغفرةُ ، فهم محتاجونَ إلى الاجتهادِ ، ما لا يحتاجُ هوَ إلى ذلك، فكانَ بِّهِ يغضبُ من ذلك، ويخبرُهم أنه أتقاهم للهِ وأعلمُهم به. فكونُه أتقاهم للهِ يتضمنُ شدةَ اجتهادِهِ في خصالِ التقوى ، وهو العملُ ، وكونُه أعلمهُم به يتضمنُ أن علمَه باللهِ أفضلُ من علمِهِم باللهِ . وإنما أراد علمَه باللهِ ؛ لمعنيين : أحدُهما : زيادةُ معرفتِهِ بتفاصيلِ أسمائه وصفاتِه وأفعاله وأحكامِه وعظمتِه وكبريائه ، وما يستحقُّه من الجلالِ والإكرامِ والإجلالِ والإعظامِ . والثاني : أن علمَه باللهِ مستندٌ إلى عينِ اليقينِ ؛ فإنه رآه ، إما بعينٍ بصرِهِ ، أو بعينٍ بصيرتِه . كما قال ابنُ مسعودٍ وابنُ عباسٍ وغيرُهما : رآه بفؤادِهِ مرتينٍ . وعلمُهم به مستندٌ إلى علمٍ يقينٍ ، وبينَ المرتبتين تباينٌ . ولهذا سألَ إبراهيمُ - عليه السلامُ - ربَّ أن يرقيه من مرتبةِ علم اليقينِ إلى مرتبةٍ عينِ اليقينِ ، بالنسبة إلى رؤيةِ إحياءِ الموتَى ، وقد سبقَ التنبيهُ على ذلكَ والكلامِ في تفاصيل المعرفةِ القائمةِ بالقلبِ . فلما زادت معرفةُ الرسول بربِّه ، زادت خشيتُه له وتقواه ؛ فإن العلمَ التامّ ١ ٨٢ حديث : ٢٠ كتاب الإيمان يستلزمُ الخشيةَ، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعَلَمَاءَ﴾ [فاطر: ٢٨]، فمن كان باللّهِ وبأسمائه وصفاتِه وأفعاله وأحكامِه أعلمَ ، كان له أخشَى وأتقى ، وإنما تنقص الخشيةُ والتقوى بحسبِ نقصِ المعرفةِ باللهِ . وقد خرج البخاريُّ في آخر ((صحيحه))(١) عن مسروقٍ ، قال: قالت عائشةُ: صنعَ النبيُّ وَِّ شيئًا، ترخَّص فيه، وتنزَّ عنه قومٌ، فبلغ ذلك النبيَّ وَلِهِ، فحَمِدَ اللهَ ، ثمَّ قال: (( ما بالُ أقوامٍ بتنزَّهون عن الشيءٍ أصنَعُهُ، فواللهِ ؛ إِنِّي لأعلمُهم بالله وأشدَّهم له خشيةً )) . وفي ((صحيح مسلم))(٢) عن عائشة، أن رجلاً قال لرسول الله وَله : يا رسولَ اللهِ، إني أصبحُ جنبًا، وأنا أريدُ الصيامَ. فقال رسولُ اللهِ وَ له: (( وأَنَا أصبحُ جنبًا ، وأنا أريدُ الصيامَ ، فأغتسلُ وأصومُ )). فقال الرجلُ: يا رسولَ الله ، إنك لستَ مثلَنا ، قد غُفرَ لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخرَ ، فغضبَ رسولُ الله وَّر، وقال: ((إني لأرجو أن أكونَ أخشاكم للهِ وأعلمكم بما أتقي)). وفي حديث أنسٍ، أن ثلاثةَ رهطٍ جاءُوا إلى بيوتٍ أزواجِ النبيِّ وَّر ، يسألونَ عن عبادةِ رسولِ اللهِ وَّر، فلما أُخبِروا بها كأنهم تقالُّوها ، فقالُوا: وأينَ نحنُ منَ النبيِّ نَّهِ، قد غَفَر اللهُ له ما تقدَّمَ من ذنبه وما تأخَّر، فقالَ أحدُهم : أمَّا أنا ، فإني أصلِّي الليلَ أبدًا. وقال آخرُ : أصومُ الدهرَ ولا أفطرُ . وقال الآخرُ : أَنَا أعتزلُ النساءَ ولا أتزوجُ أبدًا. فجاءَ النبيِّ وَِّ إليهم ، فقال : (( أنتم الذينَ قلتم كذا وكذا؟ أما واللهِ ، إني لأخشاكم لله ، وأتقاكم له ، لكن أصومُ وأفطرُ ، وأصلِّي وأرقدُ ، وأتزوجُ النساءَ ، فمن رغبَ عن سنتي فليسَ مني)) . (١) ((كتاب الاعتصام)) (٧٣٠١). (٢) (١٣٨/٣). : ١ ١ ٨٣ ١٣ - بابُ: قول النبي ◌َّرِ: «أنا أعلمكم باللَّه» کتاب الإيمان وقد خرجاه في ((الصحيحينِ)) (١) - بمعناه . ففي هذه الأحاديثِ كلِّها : الإنكارُ على مَن نسب إليه التقصيرَ في العملِ للاتكال على المغفرة ؛ فإنه كان يجتهدُ في الشكرِ أعظمَ الاجتهادِ ، فإذا عُوتبَ على ذلكَ ، وذُكرت له المغفرةُ ، أخبَر أنه يفعلُ ذلك شكرًاً . كما في ((الصحيحينِ))(٢) عن المغيرةَ، أنَ النبيَّ ◌َِّ كانَ يقومُ حتى تتفطّر قدماه ، فيقالُ له : تفعلُ هذَا ، وقد غُفَر لك ما تَقَدَّم من ذنبكَ وما تأخرَ ؟ فيقولُ: ((أَفَلا أكونُ عبداً شكوراً )). وقد كان يواصلُ في الصيامِ وينهاهم ، ويقول: (( إني لستُ كهيئتكم ؛ إني أظلُّ عند ربي يطعمني ويسقيني))(٣). فنسبةُ التقصيرِ إليه في العملِ لاتكاله على المغفرة خطأ فاحشٌ ؛ لأنه يقتضي أن هديَه ليسَ هو أكملَ الهدىِ وأفضلَه، وهذا خطأٌ عظيمٌ؛ ولهذا كانَ وَ لِّ يقولُ في خطبته: « خيرُ الهدي هديُ محمدٍ » ويقتضي - أيضًا - هذا الخطأُ أن الاقتداءَ بهديه في العملِ ليس هو أفضلَ ، بلِ الأفضلُ الزيادةُ على هديه في ذلك ، وهذا خطأٌ عظيمٌ جدًا ؛ فإنَّ اللهَ تعالى قد أمرَ بمتابعته ، وحثَّ عليها، قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبُبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١]. فلهذا كانَ وَّهِ يغضبُ من ذلك غضبًا شديدًا، لما في هذا الظنِّ من القدحِ في هديه ومتابعته والاقتداء به . وفي روايةٍ للإِمامِ أحمَدَ (٤): ((واللهِ، إني لأعلمُكم باللهِ، وأَتْقَاكم له قلبًا)). (١) البخاري (٥٠٦٣) ومسلم (١٦٢/٣). (٢) البخاري (١١٣٠) ومسلم (١٤١/٨). (٣) البخاري (١٩٦١) (١٩٦٢) (١٩٦٣) (١٩٦٤) ومسلم (١٣٣/٣). (٤) ((المسند)) (٦/ ٦١). ٨٤ حديث : ٢٠ کتاب الإيمان وقوله في الروايةِ التي خرَّجها البخاريُّ في هذا البابِ: ((إن أتقاكمْ وأعلمكم بالله أنا))، فيه : الإتيانُ بالضميرِ المنفصلِ مع تَأْتِّي الإتيانِ بالضميرِ المتصلِ ، وهو ممنوعٌ عند أكثرِ النحاةِ ، إلا للضرورةِ ، كقولِ الشَّاعرِ : ضَمِنَتْ لِيَّاهُمُ الأَرْضُ فِي دَهْرِ الدَّهَارِيرِ (١) وإنما يجوزُ اختيارًاً ، إذا لم يتأتَّ الإتيانُ بالمتصلِ ، مثلُ أن تبتدأ بالضميرِ قبلَ عامله ، نحوُ ﴿إِيَّاكَ نَعْبَدَ﴾ [الفاتحة: ٥]؛ فإنه لا يُبتدأ بضميرٍ متصلٍ ، أو يقعُ بعدَ نحوٍ : ((إلا إياهُ )). فأما قولُ الشاعرِ : أَنْ لاَ يُجَاوِرْنَا إِلاكِ دَيَّرُ (٢). فَشَاءٌ . وأمَّا قولُه . وَإِنَّمَا يُدَافِعُ عَنْ أَحْسَابِهِمْ أَنَا أَوْ مِثْلِي(٣) فهو - عندهم - متأوَّلٌ على أن فيه مَعْنى الاستثناء ، كأنَّه قال : ما يدافعُ عن أحْسَابِهِمْ إلا أنا . (١) البيت من قصيدة للفرزدق . وصدره : ( بالباعثِ الوارثِ الأمواتَ قَد ضمنتْ)) (٢) هذا البيت من الشواهد التي لا يعرف قائلها . وصدره : ((وما علينا إذا ما كنت جارتنا)). (٣) البيت من قول الفرزدق . وصدره : ((أَنَا الزَّائِرُ الحَامِي الزَّمَارِ، وَإِنَّما)). ٨٥ ١٣ - بابُ: قول النبي ◌َ﴾: «أنا أعلمكم باللَّه» کتاب الإيمان ولكن ؛ هذا الذي وقعَ في هذا الحديثِ يشهدُ لجوازه من غيرِ ضرورةٍ ، ويكون حينئذ قولُه: ((إنما يدافعُ عن أحسابهم أنا )» شاهدًا له ، غيرَ محتاجٍ إلى تأويلٍ . واللهُ أعلمُ . ٨٦ ١٤ - بابُ: من كره أن يعود في الكفر کتاب الإيمان فصلٌ ٢١ - تقدم: عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَِّيِّنَ﴿: ((ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاَوَةَ الإيمان » . وقد تقدمَ من روايةِ أبي قلابةَ ، عن أنسٍ . وزاد في روايةٍ قتادةَ : ((ومن كرِه أن يعودَ في الكفر بعدَ إذْ أنقذَه اللهُ منه ». وقولُهُ: ((بعدَ إذ أنقذَه اللهُ منه))، لا يستلزمُ أنه كان واقعًا فيه ، فإن كلَّ من أدخلَ اللهُ الإسلامَ في قلبِه فقد أنقذَه اللهُ من الكفرِ ، وإن لم يكنْ قد وقعَ في الكفرِ قبل ذلكَ . وهذا كما قالَ شعيبٌ - عليه السلام -: ﴿قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا﴾ [الأعراف: ٨٩]. وقال تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُم مِّنْهَا﴾ [آل عمران: ١٠٣]. وقال تعالى: ﴿اللّهُ وَلِيُّالَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] . والمرادُ : أنه ينجيهم من الشركِ ، ويدخلُهم في الإيمانِ ، وكثيرٌ منهم لم يكن داخلاً في الشرك قطُّ (١). (١) ومن ذلك : قولُ الله عز وجل : ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِ جَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتَِا﴾ [إبراهيم: ١٣]. ٨٧ ١٥ - بابُ: تفاضل أهل الإيمان في الأعمال کتاب الإيمان فصل خرَّج البخاري ومسلم : ٢٢ - من حديث: عَمْرو بْنِ يَحْيِى الْمَازِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ الَِّّ﴿، قالَ: ((يَدْخُلُ أَهْلُ الجَنَّةِ الْجَنَّةَ، وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ، ثُمَّيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَخْرِجُوا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَةٍ مِنْ خَرَدَلِ مِنْ إِيمَانِ، فَيُخْرَجُونَ مِنْهَا قَدِ اسْوَدُّوا، فَيُلْقَوْنَ فِي نَهَرِ الْحَيَا - أَوِ الْحَيَاةِ: شَكَّ مَالِكٌ - ، فَيَبُونَ كَمَا تَبْتُ الْحِيَّةُ فِي حَمِيلٍ (١) السَّلِ، أَمْ تَرَأَنَها تَخْرُجُ صَفْرَاءَ مُتَوِيَةً)). قال البخاريُّ : وقَالَ وُهَيْبٌ: حَدَّثْنَا عَمْرُوٌ: ((الحَياة)). وَقَالَ: ((خَرْدَل مِنْ خَيْرِ)) . قد قيل : إن الروايةَ الصحيحةَ ((الحيا)) بالقصرِ . و ((الحيا))، هو: المطرُ - : قاله الخطابيُّ (٢) وغيرُه . هذا الحديثُ : نصٌّ في أن الإيمانَ الذي في القلوبِ يتفاضلُ . فإنْ أريدَ به مجردُ التصديقِ ، ففي تفاضلِهِ خلافٌ سبقَ ذكره . وإنْ أريد به ما في القلوبِ من أعمالِ الإيمانِ ، كالخشيةِ والرجاءِ والحبِّ والتوكلٍ ونحوِ ذلك ، فهو متفاضلٌ بغيرِ نزاعٍ . وقد بوَّبَ البخاريُّ على هذا الحديثِ : ((بابُ: تفاوتٍ(٣) أهلِ الإيمانِ في الأعمالِ » . فقد يكونُ مرادُه: الأعمالَ القائمةَ بالقلب، كما بوَّب على ((أن المعرفةَ (١) في ((اليونينية)): ((جانب)) مكان ((حميل)). (٢) ((أعلام الحديث)) (١٥٦/١). (٣) في ((اليونينية)): ((تفاضل)). ٨٨ حديث : ٢٢ کتاب الإیمان فعلُ القلب )) ، وقد يكونُ مرادُه : أنَّ أعمالَ الجوارحِ تتفاوتُ بحسبِ تفاوتٍ إيمانِ القلوبِ ؛ فإنهما متلازمانٍ . وقد ذكرَ البخاريُّ: أن وُهيبًا خالفَ مالكًا في هذا الحديث، وقال: (( مثقال حبة من خيرٍ )) . وفي البابِ - أيضًا - : من حديث أنسٍ بمعنى حديث أبي سعيدٍ ، وفي لفظِه اختلافُ ، کالاختلافِ في حديث أبي سعيدٍ . وقد خرجه البخاريَّ في موضع آخرَ (١)، وفيه زيادةُ: ((من قالَ: لا إِلَه إلا اللهُ». وهذا يستدلُّ به على أن الإيمانَ القوليُّ - أعني : كلمةَ التوحيدِ - والإيمانَ القلبيَّ - وهوَ التصديقُ - لا يقتسمُهُ الغرماءُ بمظالمهم ، بل يبقى على صاحبِه ؛ لأن الغرماءَ لو اقتسَموا ذلك لخُلِّدَ بعضُ أهلِ التوحيدِ ، وصارَ مسلوبًا ما في قلبِه من التصديقِ ، وما قالَه بلسانِه من الشهادةِ . وإنما يخرجُ عصاةُ الموحدينَ منَ النارِ بهذينِ الشيئينٍ، فدلَّ على بقائهما على جميعٍ مَن دخلَ النّارَ منهم ، وأن الغرماءَ إنما يقتسمونَ الإيمانَ العمليّ بالجوارحِ. وقد قال ابنُ عيينةَ وغيرُهُ : إن الصوم خاصةً من أعمالِ الجوارحِ لا يقتسمُهُ الغرماءُ - أيضًا . وأما «الحبّةُ)) - بكسرِ الحاءِ - ، فهي أصولُ النباتِ والعشبِ . وقد قيل : إنها تنزلُ مع المطرِ منَ السماءِ - : كذا قالَه كعبٌ وغيرُه . وقد ذكره ابنُ أبي الدنيا في (( كتابِ المطرِ))، وذكر فيه آثارًا عن الأعرابِ. و ((حميل السيل)»: محمولُه؛ فإن السيلَ يحمِلُ من الغثاءِ ونحوِهِ ما ينبتُ منه العشبُ . (١) (٤٤) . ٨٩ ١٥ - بابُ: تفاضل أهل الإيمان في الأعمال كتاب الإيمان وشبّه نباتَ الخارجينَ من النارِ إذا أُلْقوا في نهرِ الحيا - أو الحياة - بنباتِ هذه الحبّة ؛ لمعنيين : أحدُهما : سرعةُ نباتِها . والثاني : أنها تنبتُ صفراءَ ملتويةً ، ثمَّ تستوي وتحسنُ ، فكذلك ينبتُ من يخرجُ من النارِ بهذا الماءِ نباتًا ضعيفًا ، ثم يقوى ويكملُ نباتُه، ويحسنُ خَلَقُه . وقد جعل اللهُ نباتَ أجسادِ بني آدمَ كنباتِ الأرضِ، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْتَكُم مِّنَ الأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح: ١٧]. وحياتَهم منَ الماءِ ، فنشأتهم الأولَى في بطون أمهاتِهم ﴿مِن مَّاءٍ دَافِقٍ (٦) يُخْرَجَ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق: ٧،٦]. ونشأتَهمُ الثانيةُ من قبورِهم منَ الماءِ الذي ينزلُ من تحتِ العرشِ ، فينبتونَ فيه كنباتِ البقلِ ، حتى تتكاملَ أجسادُهم . ونباتَ من يدخلُ النارَ ، ثمَّ يخرجُ منها من ماءِ نهرِ الحياةِ - أو الحَيًا . وفي «صحيحِ مسلمٍ))(١)، عن أبي سعيدٍ، عنِ النبيِّ وَِّ، قال: ((أَمَّا أهلُ النار الذينَ همْ أهلُها ، فلا يموتونَ فيها ولا يحَيّون ، ولكن أناسٌ أصابتهُم النارُ بذنوبهم - أو قالَ: بخطاياهم - فأماتهمُ اللهُ إماتةً ، حتى إذا كانوا فَحْمًا أُذِنَ في الشفاعة ، فجيءَ بهم ضبائرُ ضبائرُ، فبئوا على أنهارِ الجنة ، ثم قيل : يأَهلَ الجنةِ، أَفيضُوا عليهم ، فينبتونَ نباتَ الحِبَّةِ في حمِيلِ السيلِ )) . وظاهرُ هذا : أنهم يموتونَ بمفارقةِ أرواحهم لأجسادِهم ، [ و ](٢) يحيون بإعادتها ، ويكون ذلك قبلَ ذبحِ الموتِ . (١) (١١٨/١). (٢) زيادة للسياق . ٩٠ حديث : ٢٣ کتاب الإيمان ويشهدُ له : ما خرَّجه البزارُ في ((مسنده »(١) من حديث أبي هريرةَ ، عن النبيِّنَّهِ، قال: ((إنَّ أدنى أهل الجنة منزلةً - أو نصيبًا - قومٌ يخرجهم اللهُ من النارِ ، فيرتاحُ لهم الربُّعز وجلَّ، أنهم كانوا لا يشركونَ بالله شيئًا ، فيُنْبِذُونَ بالعراء ، فيُثْبَتَونَ كما يَنْبت البقلُ ، حتى إذا دخلتِ الأرواحُ في أجسادهم، قالوا: ربَّنا ، فالذي أخرجْتُنا من النار، ورجعت الأرواحَ إلی أجسادنا ، فاصرفْ وجُوهَنا عنِ النارِ ، فيصرفُ وجوهَهم عن النار)) . ثم خرَّج البخاريُّ : ٢٣ - حديثَ: أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِّ ◌َ﴿، قَالَ: (( بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ، وَأَيْتُ النَّاسَ يُعْرَضُونَ عَلَيَّ، وَعَلَيْهِمْ قُمُصَّ، فَمِنْهَا(٢) مَا يَبْلُغُ النُّدِيَّ، وَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ دُونَ ذِلِكَ، وَعُرِضَ عَلَيَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجُرُهُ)). قالُوا: فَمَا أَوََّتَ ذلكَ يَا رَسُولَ اللّهِ؟ قَالَ : ((الدِّينَ )) . وهذا الحديثُ : نصٌّ في أنَّ الدينَ يتفاضلُ . وقد استدلّ عليه بقوله تعالى : ﴿ الْیَوْمَ أَكْمَلْتَ لَگم دینکم﴾ ٥ وأشارَ البخاريُّ إلى ذلك في موضعٍ آخرَ . [المائدة: ٣] . ويدلُّ عليه - أيضًا - : قولُ النبيِّ وَلّ للنساءِ: (( ما رأيتُ من ناقصاتِ عقلٍ ودين أذهبَ للبُّ الرجلِ الحازمِ من إحداكنَّ)» (٣) . وفسَّرَ نقصانَ دينِها : بتركِها الصومَ والصلاةَ أيامَ حيضها ، فدلَّ على دخول الصومِ والصلاةِ في اسم الدينِ : (١) (٣٥٥٤ - كشف) . (٢) في ((اليونينية)): ((منها)). (٣) البخاري (٣٠٤) (١٤٦٢) ومسلم (٦١/١). ٩١ ١٥ - بابُ: تفاضل أهل الإيمان في الأعمال کتاب الإيمان وقد صرح بدخولِ الأعمالِ في الدينِ طوائفُ من العلماءِ والمتكلمينَ ، منْ أصحابنا وغيرِهم . فمن قال: الإسلامُ والإيمانُ واحدٌ ، فالدين عنده مرادفٌ لهما - أيضًا - ، وهَوَ اختيارُ البخاريِّ ومحمدِ بنِ نصرِ المروزيِّ وغيرِهما من أهلِ الحديثِ . ومَن فَرَّقَ بينهما ، فاختلَفُوا في ذلك : فمنهم مَن قال : إن الدينَ أعمُّ منهما ، فإنه يشملُ الإيمانَ ، والإسلامَ ، والإحسانَ ، كما دل عليه حديثُ جبريلَ (١). وقد أشارَ البخاريُّ إلى هذا فيما بعدُ ، لكنه ممَّن لا يفرقُ بين الإسلامِ والإيمان . ومن قالَ : الإيمانُ : التصديقُ ، والإسلامُ : الأعمالُ ، فأكثرُهم جعلَ الدينَ هو الإسلامُ ، وأدخلَ فيه الأعمالَ . وإنما أخرجَ الأعمالَ من مسمَّى الدينِ بعضُ المُرْجِئةِ . ومن قال : الإسلامُ : الشهادتان ، والإيمانُ : العملُ ، كالزهريِّ وأحمدَ - في رواية ، وهي التي نصرَها القاضي أبو يعلَى - ، جعلَ الدينَ هو الإيمانَ بعينه . وأجاب عن قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلامَ﴾ [آل عمران: ١٩] : أن بعضَ الدينِ الإسلامُ . وهذا بعيدٌ . وأما مَن قال : إن كلاً من الإسلامِ والإيمانِ إذا أُطلقَ مجردًا دخلَ الآخرُ فيه ، وإنما يفرَّق بينهما عند الجمعِ بينهما - وهوَ الأظهرُ - ، فالدينُ هو مسمَّى (١) سيأتي برقم (٥٠) . ٩٢ حدیث : ٢٣ کتاب الإيمان كلِّ واحد منهما عندَ إطلاقه ، وأما عندَ اقترانه بالآخرِ فالدينُ أخصُّ باسمٍ الإسلامِ . لأن الإسلامَ هو الاستسلامُ والخضوعُ والانقيادُ ، وكذلك الدينُ يقال : دانه يدينُهُ إذا قهرَهَ ، ودان له إذا استسلَم له وخضعَ وانقادَ . ولهذا سمَّى اللَّهُ الإسلامَ دينًا، فقال: ﴿إِنَّ الدّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩] وقال: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]، وقال: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينَا﴾ [المائدة: ٣]. وإنما فَسَّرِ القُمُصَ في المنامِ بالدِّينِ ؛ لأنَّ الدينَ والإسلامَ والتقوى ، كلَّ هذه توصف بأنها لباسٌ. قال تعالى ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦]. وقال أبو الدرداء : الإيمانُ كالقميصِ ، يلبسُهُ الإنسانُ تارةً ، وينزعُهُ أخرى. وفي الحديث : ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمنٌ ، يُنزعُ منه سربالُ الإيمان)). وقال النَّابغة : حَتَّى اكْتَسَيْتُ مِنَ الإِسْلاَمِ سِرَبَالا الحَمْدُ للهِ الَّذِي لَمْ يَأْتِي أَجَلي وقال أبو العَتَاهية : إِذَا المَرْءُ لَمْ يَلْبَسْ ثِيَابًا مِنَ الثُّقَى تَقَلَّبَ عُرْيَانًا ، وَإِنْ كَانَ كَاسِيا فهذه كلُّها كسوةُ الباطنِ ، وهو الروحُ وهو زِينَةٌ لها ، كما في حديثِ عمارٍ : ((( اللهمَّ، زينا بزينة الإيمان))(١)، كما أنَّ الرياشَ زينةٌ للجسد وكسوةٌ له، قال تعالى ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَاَ عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيِشًا وَلِبَاسُ النَّقْوَى ذَلِكَ خَيْر﴾ [الأعراف: ٢٦]. (١) النسائي (٥٤/٣). ٤٠ ٩٣ ١٥ - بابُ: تفاضل أهل الإيمان في الأعمال کتاب الإيمان ومِنْ هنا ؛ قالَ مجاهدٌ والشَّعْبِيُّ وقتادةُ والضحاكُ والنَخعيُّ والزُّهريُّ وغيرُهم - في قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرُ﴾ [المدثر: ٤] - : إن المعنى: طهِّرْ نفسَك من الذنوبِ . وقال سعيدُ بنُ جبيرٍ : وقلبَك ونيَتك فطهِّرْ . وقريبٌ منه : قولُ مَن قال : وعملَك فأصلِحْ ، رُوي عن مجاهدٍ وأبي رَوْقٍ والضحاكِ . وعن الحسنِ والقرظيِّ ، قالا : خُلُقَك حسِّنْه . فكنَّى بالثيابِ عنِ الأعمالِ ، وهي الدينُ والتقوى والإيمانُ والإسلامُ ، وتطهيرُهُ : إصلاحُهُ وتخليصُهُ منَ المفسدات له ، وبذلك تحصلُ طهارةُ النفسِ والقلب والنيةِ . وبه يحصلُ حسنُ الخلقِ ؛ لأنَّ الدينَ هو الطاعاتُ التي تصيرُ عادة ودَيْدَنَا وخُلُقًا، قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]. وفسَّه ابنُ عباسٍ بالدينِ . حديث : ٢٤ کتاب الإیمان فصلٌ خرَّج البخاري ومسلم : ٢٤ - من حديث: ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَ﴿ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ ، وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ، فَقَالَ: ((وَعْهُ؛ فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنَ الإِيمَانِ » . هذا المعنى مرويٌّ عن النبيِّ نَ﴿ من وجوه كثيرة، وقد سبقَ حديثُ أبي هريرةَ: ((الحياءُ شعبةٌ منَ الإيمان )). والحياءُ نوعانِ : أحدُهما : غريزيُّ ، وهو خلقٌ يمنحه اللهُ العبدَ ، ويجبلُه عليه ، فيكفَّه عن ارتكاب القبائحِ والرذائل ، ويحثَّه على فعلِ الجميلِ ، وهو من أعلى مواهبِ اللهِ للعبدِ ، فهذا من الإيمانِ باعتبار أنه يؤثرُ ما يؤثره الإيمانُ من فعلِ الجميل ، والكفِّ عن القبيح ، وربما ارتقى صاحبه بعدَه إلى درجةِ الإيمان ، فهو وسيلَةٌ إليه . كما قال عمرُ : من استحيى اختفى ، ومنِ اختفَى اتَّقی ، ومن اتقى وُقُي . وقال بعضُ التابعينَ : تركتُ الذنوبَ حياءً أربعينَ سنةً ، ثم أدركني الورعُ . وقال ابنُ سَمْعُون : رأيتُ المعاصي نذالةً، فتركتُها مروءةً ، فاستحالتْ ديانةٌ . والنوعُ الثاني : أن يكون مكتسبًا ، إما من مقامِ الإيمانِ ، كحياءِ العبدِ من مقامِهِ بينَ يدي اللـهِ يوم القيامةِ ، فيوجبُ له ذلك الاستعدادَ للقائه ، أو من مقامٍ الإحسانِ ، كحياءِ العبدِ مِن اطلاعِ اللهِ عليه وقربِه منه ، فهذا من أعلى خصال الإيمانِ . وفي حديثٍ مرسلٍ : ((استحي منَ اللهِ، كما تستحيي من رجلينٍ من صَالحِي ٩٥ ١٦ - بابُ: الحياء من الإيمان کتاب الإيمان عشيرتك لا يفارقانك )) . ورُوي موصولاً (١). وسئلَ النبيُّ وَّر عن كشفِ العورةِ خاليًا، فقال: ((الله أحقُّ أن يستحيَى منه))(٢) . . وفي حديثِ ابنِ مسعودٍ المرفوعِ: ((الاستحياءُ من الله أن تحفظَ الرأسَ وما وعَى، والبطنَ وما حوى، وأن تذكرَ الموتَ والبلى، ومن أراد الآخرةَ تركَ زينةَ الدنيا ، فمن فعلَ ذلك فقد استحيى من الله حقَّ الحياءِ))(٣). خرَّجه الترمذيُّ وغيرُه . وخرج البخاريُّ في ((تفسيرِهِ »(٤) عن ابنِ عباسٍ ، في قولِه تعالى : إِنَّهُمْ يَثْتُونَ صُدُورَهَمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ﴾ [هود: ٥]: إنها نزلت في قومٍ كانوا يجامعونَ نساءَهم، ويتخلون ، فيستحيونَ منَ اللهِ ، فنزلتِ الآيةُ . وكان الصديقُ يقولُ: استحيُوا منَ اللهِ ؛ فإني أذهبُ إلى الغائطِ فأظلُّ متقنعًا بثوبي حياءً من ربيِّ عزَّ وجلَّ . (١) أخرجه الطبراني (٢٢٨/٨) وابن عدي (٢/ ٥٦٠). وهو ضعيف. (٢) سيأتي في (( كتاب: الغسل)) باب (٢٠) - معلَّقًا - ، وتخريجه هناك. (٣) أخرجه أحمد (٣٨٧/١) والترمذي (٢٤٥٨) والبزار (٢٠٢٥) والحاكم (٣٢٣/٤) من طريق الصباح بن محمد ، عن مرة الهمداني ، عن ابن مسعود . والصباح هذا : ضعيف . وقد أنكره عليه جماعة من أهل العلم، منهم: الترمذي، وابن حبان في (( المجروحين )) (٣٧٣/١)، والذهبي في («الميزان» (٣٠٦/٢) وغيرهم. والصواب : أنه موقوف على ابن مسعود . وراجع: ((الترغيب والترهيب)) للمنذري (٤٠٠/٣)، و (الشعب)) للبيهقي (٧٧٣٠). (٤) (٤٦٨٢) . ٩٦ حديث : ٢٤ كتاب الإيمان وكان أبو موسى إذا اغتسل في بيتِ مظلمٍ ، لا يقيمُ صُلَبَه ، حياءً منَ الله عزَّ وجلَّ . قال بعضُ السلفِ : خَفِ اللهَ على قدرِ قدرتِه عليكَ ، واسْتَحي منه على قدرِ قربِهِ منكَ . وقد يتولدُ الحياءُ من اللهِ من مطالعةِ النُّعَمِ ، فيستحيي العبدُ من الله أن يستعينَ بنعمته على معاصيه ، فهذا كلُّه من أعلى خصالِ الإيمانِ . 1 ٩٧ ١٢ - باب من الدين الفرار من الفتن کتاب الإيمان فَصْلٌ قال البخاري : ١٢ - بَابٌ(١) مِنَ الدِّينِ الْفِرَارُ مِنَ الْفِتَنِ ١٩ - حَدَّثَنَا عَبّدُاللَّه بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَّدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: (( يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ المُسْلِمِ غَمُ بَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ، وَمَوَفِعَ الْقَطْرِ، يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ)) . بوَّب البخاريُّ على أن الفرارَ منَ الفتنِ من الدينِ ، وليس في الحديثِ إلا الإشعارُ بفضلٍ من يفرُّ بدينِهِ منَ الفتنِ ، لكن لمَّا جعلَ الغنمَ خيرَ مالِ المسلمِ و في هذه الحالِ ، دلَّ على أن هذا الفعلَ من خصالِ الإسلامِ ، والإسلامَ هو الدینُ. وأصرحُ من دلالةِ هذا الحديثِ الذي خرَّجه هنا : الحديثُ الذي خرَّجه في أولِ ((الجهادِ »(٢)، من روايةِ الزهريِّ، عن عطاءِ بنِ يزيدَ ، عن أبي سعيدٍ ، قال: قيل: يا رسول الله، أيُّ الناسِ أفضلُ؟ فقالَ رسولُ اللهِ وَلِّ: ((مؤمنٌ يجاهدُ في سبيل الله بنفسه وماله)). قالوا: ثم مَن؟ قال: ((مؤمنٌ في شِعبِ من الشعابِ ، يتقي اللهَ، ويدعُ الناسَ من شرِّه )). وليس في هذا الحديثِ ذكرُ الفتنِ . (١) هذا الباب تأخر هكذا إلى هنا في الأصل . (٢) (٢٧٨٦). ٩٨ حديث : ١٩ کتاب الإيمان وخرجه أبو داودَ (١)، وعندَه: سئلَ النبيُّ وَّ: أيُّ المؤمنينَ أكملُ إيمانًا ؟ - فذكرَهَ . وهذا فيه دلالةٌ على أن الاعتزالَ عن الشرِّ من الإيمانِ . وفي ((المسندِ)) و((جامع الترمذيٌ))(٣) عن طاوسٍ ، عن أمِّ مالكِ البَهْزيةِ ، قالتْ: قالَ رسولُ اللهِ وَّهِ: ((خيرُ الناسِ في الفتنةِ رجلٌ معتزلٌ في ماله ، يعبدُ ربَّه ، ويؤدِّي حقَّه، ورجلٌ آخذٌ بعنانِ فرسِه في سبيلِ اللهِ)) . ورُوي عن طاوسٍ ، عن ابنِ عباسٍ، عنِ النبيِّ ◌َّ ٠ ء (٣) خرجه الحاكمُ (٣). ورُوي عن طاوسٍ - مرسلاً . وخرجَ الحاكمُ - أيضًا (٤) - من حديث أبي هريرةَ - مرفوعًا -: ((أظلَّتكم فتنٌ كقطعِ الليلِ المظلمِ ، أَنْجَى الناسِ منها صاحبُ شاهقةٍ ، يأكلُ من رِسْلٍ (٥) غنمها، ورجلٌ من وراء الدروب ، آخذَ بعنانِ فرسه ، يأكلُ من فيءِ سيفه » . وقد وقفَه بعضُهم فهذه الرواياتُ المقيَّدةُ بالفتنِ ، تقضي على الرواياتِ المطلقةِ . وحديثُ أبي سعيدِ الذي خرَّجه البخاريُّ هنا ، لم يخرجه مسلمٌ . وقد رُوي عن مالكِ ، عن زيدِ بنِ أسلمَ ، عن عبدِ الرحمنِ ، عن أبي سعيدٍ. (١) (٢٤٨٥). (٢) ((المسند)) (٤١٩/٦) والترمذي (٢١٧٧). (٣) (٤٤٦/٤ - ٤٦٤) . (٤) (٢/ ٩٣) . (٥) الرِّسل : اللَّبن . ٩٩ ١٢ - باب من الدين الفرار من الفتن كتاب الإيمان وهو وهمٌ . ورُوي عن يحيى بنِ سعيدٍ ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي صعصعةً ، عن نهارِ العبديِّ ، عن أبي سعيدٍ . وذكرُ : ((نهارٍ )) في إسنادِهِ وهمٌ - : قالَه الدار قطنيُّ . فقولُهُ وَلِّ: ((يوشكُ)) تقريبٌ منه للفتنةِ ، وقد وقعَ ذلك في زمنٍ عثمانَ ، كما أخبرَ بِهِ وَّ، وهذا من جملةِ أعلامٍ نبوتِهِ وَّر. وإنما كانتِ الغنمُ خيرَ مالِ المسلمِ حينئذٍ ؛ لأن المعتزلَ عن الناسِ بالغنمِ يأكلُ من لحومِها ونتاجِها ، ويشربُ من ألبانِها ، ويستمتع بأصوافِها باللُّبْسِ وغيرِهِ ، وهي ترعى الكلا في الجبال ، وتَرِدُ المياه ، وهذه المنافع والمرافقُ لا توجدُ في غيرِ الغنمِ . ولهذا قال: ((يتبعُ بها شعفَ الجبالِ )) ، وهي رءوسُها وأعاليها ؛ فإنها تعصمُ مَنْ لجأ إليها من عدوٍّ، (( ومواقعَ القطر)) ؛ لأنه يجدُ فيها الكلأ والماءَ ، فيشربُ منها ، ويسقي غنمه ، ويرعى عَنَمه من الكلاٍ . وفي ((مسند البزارِ))(١)، عن مخوَّلَ البهزيِّ: سمعَ النبيَّ وَلو يقول: ((سيأتي على الناسِ زمانٌ ، خيرُ المالِ فيه غنمٌ بين المَسْجِدِينِ (٢) ، تأكلُ من الشجرِ ، وتردُ الماءَ ، يأكلُ صاحبها من رسْلها، ويشربُ من ألبانها ، ويلبسُ من أشعارها - (١) لم أجده في (( كشف الأستار)) - وهو على شرطه -، وعزاه الهيثمي في ((مجمع الزوائد )) (٣٠٥/٧) لأبي يعلى والطبراني في ((الأوسط))، ولم يعزه للبزار . وهو عند أبي يعلى (١٣٧/٣ - ١٣٨) والطبراني في «الأوسط)) (٧٥٤٢) وكذا في ((الكبير)) (٣٢٣/٢٠) والبخاري في ((تاريخه)) (٣٠/٢/٤) وابن حجر في ((الإصابة)) (٥٦/٦) وابن حبان (٥٨٨٢). (٢) في الأصل: ((السجدتين)) تصحيف ، والتصويب من مصادر التخريج ، وفي رواية الطبراني زاد: (( يعني : مسجد المدينة ومسجد مكة )) . ١٠٠ حديث : ١٩ کتاب الإيمان أو قال - : من أصوافها ، والفتنُ تَرْتكسُ بينَ جراثيمِ العربِ)). وروي هذا المعنى عن عبادةَ بنِ الصامتِ ، من قوله . وواحدُ الجرائيمِ : جُرْتُومَةٌ ، وهي أصلُ الشيءٍ . وفي هذا دلالةٌ على أنَّ من خرج من الأمصارِ ، فإنه يخرجُ معه بِزادٍ ؛ وما يقتاتُ منه. وقوله : ((يفرِّ بدينه من الفتن)) ، يعني : يهربُ خشيةً على دينِهِ منَ الوقوعِ في الفتنِ ؛ فإن من خالطَ الفتنَ وأهلَ القتال على الملك ، لم يسلمْ دينُه من الإثمِ ، إما بقتلِ معصومٍ ، أو أخذِ مالِ معصومٍ ، أو المساعدة على ذلك بقول ونحوِه . وكذلك لو غلبَ على الناس من يدعوهم إلى الدخولِ في كفرٍ أو معصيةٍ ، حسنَ الفرارُ منه . وقد مدح اللهُ من فرَّ بدينه خشيةَ الفتنة عليه ، فقال - حكايةً عن أصحاب الكهف - : ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ فَأُوُوا إِلَى الْكَهْفِ﴾ [الكهف: ١٦] الآية . وروى عروةُ، عن كرزِ الخزاعيِّ، قالَ: سألَ رسولَ اللهِ وَّهِ أعرابيّ: هل لهذا الإسلامِ من مُنْتَهى؟ قال: ((من يرد الله به خيراً - من عربٍ أو عجم - أَدْخَلَه عليه )) قال: ثم ماذا؟ قال: ((تقع فتنٌّ كالظُّلَلِ)). قال : كلا، يا نبيَّ اللهِ. قال: ((بلى، والذي نفسي بيده، لتَعُودُونَ فيها أَسَاودَ صُبًا، يضربُ بعضكم رقابَ بعضٍ ، وخيرُ الناسِ يومئذٍ رجلٌ بَّي رَبَّه، ويدعُ الناسَ من شرّه))(١). الأساودُ: جمعُ أَسْودَ، وهو أخبثُ الحيَّاتِ وأعظَمُها . (١) أحمد (٤٧٧/٣).