Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤١
كتاب العلل
كَانَ يَقُولُ: أشْيَاخُنَا: أَبُو سَلَمَةَ وَيَحْبَى بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن حَاطِبٍ.
قَالَ يَحْيَى: سَأَلتُ مَالِكَ بن أَنَسٍ عَن مُحَمَّدٍ بن عَمْرٍو فَقَالَ فِيهِ نَحْوَ مَا قُلتُ.
قَالَ عَلِيٍّ: قَالَ يَحْيَى: وَمُحَمَّدُ بن عَمْرٍو أعْلَى مِن سُهَيْلٍ بن أبِي صَالِحٍ، وَهُوَ عِنْدِي
فَوْقَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن حَرْمَلَةَ، قَالَ عَلِيٍّ: فَقُلتُ لِيَحْيَى: مَا رأيْتَ مِن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن
حَرْمَلَةَ؟ قَالَ: لَوْ شِئْتُ أنْ أُلَقِّنَهُ لَفَعَلتُ، قُلتُ: كَانَ يُلَقَّنُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ عَلِيٍّ:
وَلَمْ يَرْوِ يَحْيَى عَن شَرِيكٍ، وَلا عَن أَبِي بَكْرٍ بن عَيَّشٍ، وَلا عَنِ الرَّبِيعِ بن صُبيحٍ،
وَلا عَنِ المُبَارَكِ بن فَضَالَةَ.
المدني، صدوق، له أوهام، من السادسة (كان يقول) أي: محمد بن عمرو بن علقمة:
(أشياخنا أبو سلمة، ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب). وفي ((تهذيب التهذيب)): كان
يقول: حدثنا أشياخنا أبو سلمة ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب (فقال فيه) أي: قال
مالك بن أنس في شأن محمد بن عمرو (نحو ما قلت) بصيغة المتكلم؛ أي: مثل ما قلت في
شأنه (وهو عندي فوق عبد الرحمن بن حرملة) وفي ((تهذيب التهذيب)): قال يحيى بن سعيد:
محمد بن عمرو أحب إليّ من ابن حرملة (ما رأيت من عبد الرحمن بن حرملة؟) أي: أي
شيءٍ وجدتَ في عبد الرحمن بن حرملة، حيث قلت: وهو عندي فوق عبد الرحمن بن
حرملة؟ (قال: لو شئت أن ألقنه لفعلت) أي: للقَّنته. قال الحافظ في ((تهذيب التهذيب)):
قال يحيى بن سعيد عنه - أي: عن عبد الرحمن بن حرملة -: كنت سيء الحفظ؛ فرخص لي
سعيد في الكتابة. قال يحيى بن سعيد: محمد بن عمرو أحب إلي من ابن حرملة؛ وكان ابن
حرملة يلقن. وقال ابن خلاد الباهلي: سألت القطان عنه؛ فضعفه، ولم يدفعه. وقال
إسحاق؛ عن ابن معين: صالح. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، ولا يحتج به. وقال
النسائي: ليس به بأس. وذكره ابن حبان في ((الثقات)) وقال: يخطئ. انتهى. (قال) أي:
علي (كان يلقن؟) بصيغة المجهول؛ أي: هل كان عبد الرحمن بن حرملة يلقن؟ (قال) أي:
يحيى (ولم يرو يحيى عن شريك، ولا عن أبي بكر بن عياش، ولا عن الربيع بن صبيح، ولا
عن المبارك بن فضالة) شريك هذا هو: ابن عبد الله القاضي، الكوفي. قال الحافظ في
((التقريب)): صدوق، يخطئ كثيرًا، تغير حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة. وقال في ((تهذيب
التهذيب)): قال ابن معين: ولم يكن شريك عند يحيى - يعني: القطان - بشيء، وهو ثقة ثقة.
وقال عمرو بن علي: کان یحیی لا یحدث عنه، وكان عبد الرحمن يحدث عنه. انتهى. وقال

٤٤٢
کتاب العلل
قَالَ أَبُو عِيْسَى: وَإِنْ كَانَ يَحْيَى بِنِ سَعِيدِ القَطَّانُ قَدْ تَرَكَ الرِّوَايَةَ عَنِ هَؤُلاءِ، فَلَمْ
يَتْرُكِ الرِّوَايَةَ عَنْهُمْ أنَّهُ اتَّهَمَهُمْ بِالكَذِبِ، وَلَكِنَّهُ تَرَكَهُمْ لِحَالِ حِفْظِهِمْ، وذُكِرَ عَن يَحَْى
ابن سَعِيدٍ أَنَّهُ كَانَ إذَا رأى الرَّجُلَ يُحَدِّثُ عَن حِفْظِهِ مَرَّةٌ هَكَذَا وَمَرَّةٌ هَكَذَا، لا يَثْبُتُ
عَلَى رِوَايَةٍ وَاحِدَةٍ، تَرَكَهُ، وَقَدْ حَدَّثَ عَنِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ تَرَكَهُمْ يَحْيَى بن سَعِيدِ القَطَّانُ
وعَبْدُ اللهِ بن المُبَارَكِ وَوَكِيعُ بن الجَرَّاحِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بن مَهْدِيٍّ وَغَيْرُهُمْ مِن الأَئِمَّةِ.
قَالَ أَبُو عِيْسَى: وَهَكَذَا تَكَلَّمَ بَعْضُ أهْلِ الحَدِيثِ فِي سُهَيْلٍ بن أبِي صَالِحِ
وَمُحَمَّدٍ بن إسْحَقَ، وَحَمَّادٍ بن سَلَمَةَ، وَمُحَمَّدٍ بن عَجْلانَ، وَأَشْبَاهِ هَؤُلاءِ مِن الأَئِمَّةِ
إِنَّمَا تَكَلَّمُوا فِيهِمْ مِن قِبَلِ حِفْظِهِمْ فِي بَعْضٍ مَا رَوَوْا، وَقَدْ حَدَّثَ عَنْهُمُ الأَئِمَّةُ.
حَدَّثَنَا الحَسَنُ بن عَلِيٍّ ، الحُلوَانِيُّ أخْبَرَنَا عَلِيُّ بن المَدِينِيِّ قَالَ: قَالَ سُفْيَانُ بن
عُيَيْنَةَ: كُنَّا نَعُدُّ سُهَيْلَ بن أبِي صَالِحِ ثَبْتاً فِي الحَدِيثِ.
في (تهذيب التهذيب)) في ترجمة أبي بكر بن عياش: كان يحيى القطان، وعلي بن المديني
يسيئان الرأي فيه؛ وذلك أنه لما كبر ساء حفظه؛ فكان يهم إذا روى؛ والخطأ والوهم شيئان
لا ينفك عنهما البشر؛ فمن كان لا يكثر ذلك منه؛ فلا يستحق ترك حديثه بعد تقدم عدالته.
وقال عليّ بن المديني عن يحيى بن سعيد: لو كان أبو بكر بن عياش حاضرًا ما سألته عن
شيء، وكان يحيى بن سعيد إذا ذكر عنده كلح وجهه. انتهى. وقال في ((التقريب)): ثقة عابد،
إلا أنه لما كبر ساء حفظه، وكتابه صحيح.
وقال في ((تهذيب التهذيب)) في ترجمة الربيع بن صبيح: قال ابن عمار: كان يحيى بن
سعيد لا يرضاه. وقال ابن المديني: قلت ليحيى بن سعيد: ما أراك حدثت عن الربيع بن
صبيح بشيء؟ قال: لا؛ ومبارك بن فضالة أحب إلي منه. انتهى.
وقال في ((التقريب)): صدوق، سيء الحفظ، وكان عابدًا مجاهدًا وقال في ((تهذيب
التهذيب)) في ترجمة مبارك بن فضالة: قال عمرو بن علي: وكان يحيى بن سعيد،
وعبد الرحمن لا یحدثان عنه.
وقال حنبل بن إسحاق وغيره عن ابن المديني: سمعت يحيى بن سعيد يقول: كنا كتبنا
عن مبارك في ذلك الزمان. قال يحيى: ولم أقبل منه شيئًا إلا شيئًا يقول فيه: حدثنا. وقال
نعيم بن حماد عن ابن مهدي نحوه. انتهى. وقال في ((التقریب)): صدوق، يدلس، ويسوي

٤٤٣
کتاب العلل
حَدَّثَنَا ابْنُ أبِي عُمَرَ قَالَ: قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةَ: كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلانَ ثِقَةً مَأْمُوْنَاً
فِي الحَدِیْثِ.
قَالَ أبُو عِيْسَى: وَإِنَّمَا تَكَلَّمَ يَحْيَى بْنُ سَعِيْدِ القَطَّان عِنْدَنَا مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ
عَجْلانَ عَنْ سَعِيْدِ المَقْبُرِيّ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الله قَالَ: قَالَ يحْيَى بْنُ
سَعِيْدٍ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلانَ: أحَادِيثُ سَعِيدِ المَقْبُرِيِّ بَعْضُهَا سَعِيدٌ عَن أَبِي هُرَيْرَةَ،
وَبَعْضُهَا سَعِيدٌ عَن رَجُلٍ عَن أَبِي هُرَيْرَةَ، فَاخْتَلَطَتْ عَلَيَّ، فَصَيَّرْتُهَا عَن سَعِيدٍ عَن
أَبِي هُرَيْرَةَ، فَإِنَّمَا تَكَلَّمَ يَحْيَى بن سَعِيدٍ عِنْدَنَا فِي ابْنِ عَجْلانَ لِهَذَا، وقَدْ رَوَى يَحْيَى
عَنْ ابْنِ عَجْلانَ الگَثِيرَ.
قَالَ أَبُو عِيْسَى: وَهَكَذَا مَن تَكَلَّمَ فِي ابْنِ أبِي لَيْلَى، إِنَّمَا تَكَلَّمَ فِيهِ مِن قِبَلِ
حِفْظِهِ، قَالَ عَلِيٍّ: قَالَ يَحْيَى بن سَعِيدِ القَطّانُ: رَوَى شُعْبَةُ عَن ابْنِ أبِي لَيْلَى عَن
أخِيهِ عِيسَى عَن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن أبِي لَيْلَى عَن أَبِي أَيُّوبَ عَنِ النَّبِيِّ وَلِ فِي العُطَاسِ،
قَالَ يَحْيَى: ثُمَّ لَقِيتُ ابْنَ أبِي لَيْلَى فَحَدَّثَنَا عَن أخِيهِ عِيسَى عَن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن
أبِي لَيْلَى عَنْ عَلِيٍّ عَنِ النَّبِيِّ ◌َغِ.
(وقد روى يحيى عن ابن عجلان الكثير) أي: من الأحاديث (وهكذا من تكلم في ابن
أبي ليلى) هو: محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، الأنصاري، الكوفي، القاضي،
أبو عبد الرحمن، صدوق سيء الحفظ جدًّا، من السابعة.
واعلم: أن ابن أبي ليلى يطلق على: محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى هذا، وقد
عرفت. وعلى أبيه؛ وهو ثقة. وعلى أخيه عيسى، وعلى ابن أخيه عبد الله بن عيسى؛ وهما
أيضًا ثقتان (روى شعبة عن ابن أبي ليلى، عن أخيه عيسى، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى،
عن أبي أيوب، عن النبي 8# في العطاس) أخرج الترمذي هذا الحديث في ((باب كيف
يشمت العاطس)) (قال يحيى: ثم لقيت ابن أبي ليلى؛ فحدثنا عن أخيه عيسى، عن
عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي، عن النبي (18) قال الترمذي في الباب المذكور: وكان
ابن أبي ليلى يضطرب في هذا الحديث؛ يقول أحيانًا: ((عن أبي أيوب عن النبي ◌ِّي))، ويقول
أحيانًا: ((عن علي عن النبي ◌َّ).

٤٤٤
کتاب العلل
قَالَ أَبُو عِيْسَى: وَيُرْوَى عَنِ ابْنِ أبِي لَيْلَى نَحْو هَذَا غَيْرَ شَيْءٍ، كَانَ يَرْوِي الشَّيْءَ
مَرَّةٌ هَكَذَا وَمَرَّةٌ هَكَذَا يُغَيِّرِ الإسْنَادَ، وَإِنَّمَا جَاءَ هَذَا مِن قِبَلِ حِفْظِهِ، وَأكْثَرُ مَن مَضَى
مِن أهْلِ العِلمِ كَانُوا لا يَكْتُبُونَ، وَمَنْ كَتَبَ مِنْهُمْ إِنَّمَا كَانَ يَكْتُبُ لَهُمْ بَعْدَ السَّمَاعِ.
وسَمِعْت أحْمَدَ بن الحَسَنِ يَقُولُ: سَمِعْتُ أحْمَدَ بن حَنْبَلٍ يَقُولُ: ابْنُ أَبِي لَيْلَى لا
يُحْتَجُّ بِهِ، وَكَذَلِكَ مَن تَكَلَّمَ مِن أهْلِ العلم فِي مُجَالِدٍ بن سَعِيدٍ، وَعَبْدِ اللهِ بن لَهِيعَةً
وَغَيْرِهِمَا، إِنَّمَا تَكَلَّمُوا فِيهِمْ مِن قِبَلٍ حِفْظِهِمْ وَكَثْرَةٍ خَطَئِهِمْ، وَقَدْ رَوَى عَنْهُمْ غَيْرُ
وَاحِدٍ مِن الأَئِمَّةِ، فَإِذَا انفرد أحَدٌ مِن هَؤُلاءِ بِحَدِيثٍ وَلَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ لَمْ يُحْتَجَّ بِهِ، كَمَا
قَالَ أحْمَدُ بن حَنْبَلٍ: ابْنُ أبِي لَيْلَى لا يُحْتَجُّ بِهِ، إِنَّمَا عَنَى إِذَا تَفَرَّدَ بِالشَّيْءِ، وَأَشَدُّ مَا
يَكُونُ هَذَا إذَا لَمْ يَحْفَظ الإسْنَادَ، فَزَادَ فِي الإِسْنَادِ أوْ نَقَصَ أوْ غَيَّرَ الإِسْنَادَ أَوْ جَاءَ
بِمَا يَتَغَيَّرُ فِيهِ المَعْنَى، فَأَمَّا مَن أقَامَ الإسْنَادَ وَحَفِظَهُ وَغَيَّرَ اللَّفْظَ فَإِنَّ هَذَا وَاسِعٌ عِنْدَ
أهْلِ العِلمِ إذَا لَمْ يَتَغَيَّرِ المَعْنَى.
(ويروى عن ابن أبي ليلى نحو هذا) أي: نحو هذا الحديث بالاضطراب (غير شيء)
أي: غير حديث واحد؛ يعني: يروى عنه نحو هذا الحديث أحاديث كثيرة بالاضطراب (لأن
أكثر من مضى من أهل العلم كانوا لا يكتبون) أي: الحديث (إنما كان يكتب لهم) أي:
لأصحابهم (بعد السماع) أي: بعد سماعهم الحديث من شيوخهم (يقول: ابن أبي ليلى لا
يحتج به) ابن أبي ليلى هذا هو: محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى المذكور (إنما عنى إذا
تفرد بالشيء) أي: إنما أراد الإمام أحمد بن حنبل بقوله: ((ابن أبي ليلى لا يحتج به)) إذا تفرد
هو بالشيء، ولم يتابع عليه (وأشد ما يكون هذا) أي: ضعف حفظ الراوي. و((ما)) مصدرية؛
والمعنى: أشد كون ضعف الراوي حاصلًا؛ إذا لم يحفظ الإسناد (فأما من أقام الإسناد،
وحفظه، وغيَّر اللفظ؛ فإن هذا واسع عند أهل العلم إذا لم يتغير المعنى) قال جمهور السلف
والخلف من الطوائف، منهم الأئمة الأربعة: يجوز الرواية بالمعنى؛ إذا قطع بأداء المعنى؛
لأن ذلك هو الذي تشهد به أحوال الصحابة والسلف، ويدل عليه روايتهم للقصة الواحدة
بألفاظ مختلفة. وقد ورد في المسألة حديث مرفوع رواه ابن منده في ((معرفة الصحابة))،
والطبراني(١) في ((الكبير)) من حديث عبد الله بن سليمان بن أكيمة الليثي قال: قلت
(١) الطبراني في ((الكبير)). حديث (٦٤٩١)؛ وأخرجه أبو نعيم في ((معرفة الصحابة)) (٣٧٤٠).

٤٤٥
كتاب العلل
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن بَشَارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنِ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بن صَالِح
عَنِ العَلاءِ بنِ الحَارِثِ عَن مَكْحُولٍ عَن وَائِلَةَ بن الأَسْقَعِ قَالَ: إِذَا حَدَّثَنَاكُمْ عَلَىّ
المَعْنَى فَحَسْبُكُمْ.
يا رسول الله، إني أسمع منك الحديث لا أستطيع أن أُؤديه كما أسمع منك يزيد حرفًا أو
ينقص حرفًا، فقال: ((إِذَا لَمْ تُحِلُّوا حَرَامًا وَلَمْ تُحَرِّمُوا حَلالًا وَأَصَبْتُمُ الْمَعْنَى فَلا بَأْسَ)). فذكر
ذلك للحسن؛ فقال: لولا هذا الحدیث ما حدثنا.
واستدل لذلك الشافعي بحديث: (أَنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةٍ أَحْرُفٍ فَاقْرَؤُوا مَا تَسَّرَ مِنْهُ))(١)
قال: وإذا كان الله برأفته بخلقه أنزل كتابه على سبعة أحرف علمًا منه بأن الحفظ قد يزل
لتحل لهم قراءته؛ وإن اختلف لفظهم فيه ما لم يكن في اختلافهم إحالة معنى؛ كان ما سوى
كتاب الله - سبحانه - أولى أن يجوز فيه اختلاف اللفظ؛ ما لم يخل معناه. كذا في
((التدريب))، وقال الحافظ في ((شرح النخبة)): وأما الرواية بالمعنى؛ فالخلاف فيه شهير؛
والأكثر على الجواز؛ ومن أقوى حججهم: الإجماع على جواز شرح الشريعة للعجم بلسانهم
للعارف به؛ فإذا جاز الإبدال بلغة أخرى؛ فجوازه باللغة العربية أولى. وقيل: إنما يجوز في
المفردات دون المركبات، وقيل: إنما يجوز لمن يستحضر اللفظ، ليتمكن من التصرف فيه.
وقيل: إنما يجوز لمن كان يحفظ الحديث؛ فنسي لفظه، وبقي معناه مرتسمًا في ذهنه؛ فله أن
يرويه بالمعنى؛ لمصلحة تحصيل الحكم منه؛ بخلاف من كان مستحضرًا للفظه. وجميع ما
تقدم يتعلق بالجواز وعدمه، ولا شك أن الأولى إيراد الحديث بألفاظه دون التصرف فيه.
قال القاضي عياض: ينبغي سد باب الرواية بالمعنى؛ لئلا يتسلط من لا يحسن؛ ممن
يظن أنه يحسن؛ كما وقع لكثير من الرواة قديمًا وحديثًا. انتهى.
(عن العلاء بن الحارث) بن عبد الوارث، الحضرمي، أبي وهب الدمشقي، صدوق،
فقيه، لكن رُمي بالقدر، وقد اختلط، من الخامسة (إذا حدثناكم على المعنى فحسبكم) أخرج
الترمذي كلام واثلة هذا هكذا مختصرًا، وأخرجه البيهقي مطولًا. قال السيوطي في
((التدريب)): روى البيهقي عن مكحول: قَالَ: ((دَخَلْتُ أَنَا وَأَبُو الأَزْهَرِ عَلَى وَائِلَةَ بْنِ الأَسْفَع؛
فَقُلْنا لَهُ: يَا أَبَا الأَسْفَعِ، حَدِّثْنَا بِحَدِيثٍ سَمِعْتُهُ منِ رَسُولِ الله لَيْسَ فِيهِ وَهْمٌ، وَلا مَزِيدٌ، وَلا
نِسْيَانٌ، فَقَالَ: هَلَ قَرَأَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِن الْقِرْآنِ شيئًا؟ قُلْنَا: نَعَمْ، وَمَا نَحْنُ لَهُ بِحَافِظِينَ جِدًّا. إِنَّا
(١) البخاري، كتاب الخصومات، حديث (٢٤١٩)، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، حديث (٨١٨).

٤٤٦
کتاب العلل
حَدَّثَنَا يَحْيَى بن مُوسَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَن أيُّوبَ عَن مُحَمَّدٍ بن
سِيرِينَ قَالَ: كُنْتُ أسْمَعُ الحَدِيثَ مِن عَشَرَةٍ، اللَّفْظُ مُخْتَلِفٌ وَالمَعْنَى وَاحِدٌ.
حَدَّثَنَا أحْمَدُ بن مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيُّ عَن ابْنِ عَوْنٍ قَالَ:
كَانَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَالحَسَنُ وَالشَّعْبِيُّ يَأْتُونَ بِالحَدِيثِ عَلَى المَعَانِي، وَكَانَ
القَاسِمُ بن مُحَمَّدٍ وَمُحَمَّدُ بن سِيرِينَ وَرَجَاءُ بن حَيْوَةَ يُعِيدُونَ الحَدِيثَ عَلَى حُرُوفِهِ.
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بن خَشْرَمِ، أَخْبَرَنَا حَفْصُ بن غِيَاتٍ عَنِ عَاصِمِ الأَحْولِ قَالَ: قُلتُ
لأَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ: إِنَّكَ تُحَدِّثْنَا بِالحَدِيثِ ثُمَّ تُحَدِّثْنَا بِهِ عَلَى غَيْرِ مَا حَدَّثْتَنَا، قَالَ:
عَلَيْكَ بِالسَّمَاعِ الأَوَّلِ.
لَنْزِيدُ الْوَاوَ والْأَلِفَ، ونَنْقُصُ؛ فَقَالَ: هَذَا الْقُرْآنُ مَكْتُوبٌ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ، لا تَأْلُونَهُ حِفْظًا، وَأَنْتَمْ
تَزْعُمُونَ أَنَّكُمْ تَزِيدُونَ وَتُنْقِصُونَ؛ فَكَيْفَ بِأَحَادِيثَ سَمِعْنَاهَا من رَسُولِ اللهِهِ عَسَى أَلَّا نَكُونَ
سَمِعْنَاهَا مِنْهُ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدةً. حَسْبُكُمْ إِذَا حَدَّثْنَاكُمْ بِالْحَدِيثِ عَلَى الْمَعْنَى))(١). انتهى.
قلت: وروى أبو داود، والنسائي(٢)؛ عن الغريف بن الديلمي قال: ((أَتَيْنَا وَاثِلَةَ بْنَ
الأَسْقَعِ؛ فَقُلْنَا: حَدِّثْنَا حَديثًا لَيْسَ فِيهِ زِيَادَةٌ ولا نُقْصَانٌ. فَغَضِبَ؛ وَقَالَ: إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَقْرَأُ
وَمُصْحَفُهُ مُعَلَّقٌ فِي بَيْتِهِ؛ فَيَزِيدُ وَيَنْقُصُ. فَقُلْنَا: إِنَّمَا أَرَدْنَا حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنَ النَّبِيِّ وَِّ، فَقَالَ:
أَتََّا رَسُولَ اللهِوَّهِ فِي صَاحِبٍ لَنَا ... الحديث)).
(كنت أسمع الحديث من عشرة) أي: من عشرة شيوخ (اللفظ مختلف، والمعنى واحد)
أي: ألفاظ رواياتهم مختلفة، ومعناها واحد.
(وكان القاسم بن محمد، ومحمد بن سيرين، ورجاء بن حيوة يعيدون الحديث على
حروفه) أي: كان هؤلاء إذا حدثوا الحديث أول مرة، ثم يحدثونه مرة أخرى؛ فيحدثونه على
لفظه الأول، ولا يغيرونه بزيادة، أو نقص، أو إبدال لفظ مكان لفظ؛ يعني: كان هؤلاء لا
يروون الحديث على المعنى (على غير ما حدثتنا) أي: على غير اللفظ الذي حدثتنا به أولًا
(عليك بالسماع الأول) أي: عليك باللفظ الذي سمعته مني أولًا، وأما الذي سمعته مني
ثانيًا؛ فهو على المعنى.
(١) الطبراني في «الكبير» (٥٤/٢٢) (١٢٨).
(٢) أبو داود، كتاب العتق، حديث (٣٩٦٤)، والنسائي في ((الكبرى)) (٤٨٩٠).

٤٤٧
کتاب العلل
حَدَّثَنَا الجَارُودُ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنِ الرَّبِيعِ بن صُبيحٍ عَنِ الحَسَنِ قَالَ: إِذَا أُصَبْتَ
المَعْنَى أجْزَأَكَ.
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بن حُجْرٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بنِ المُبَارَكِ عَن سَيْفٍ - هُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ -
قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِداً يَقُولُ: أَنْقِصْ مِن الحَدِيثِ إِنْ شِئْتَ وَلا تَزِدْ فِيهِ.
حَدَّثَنَا أبُو عَمَّارِ الحُسَيْنُ بن حُرَيْثٍ، أَخْبَرَنَا زَيْدُ بن حُبَابٍ عَن رَجُلٍ قَالَ: خَرَجَ
إِلَيْنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ فَقَالَ: إنْ قُلتُ لَكُمْ: إِنِّي أُحَدِّئُكُمْ كَمَا سَمِعْتُ فَلاَ تُصَدِّقُونِي،
إِنَّمَا هُوَ المَعْنَى.
أُخْبَرَنَا الحُسَيْنُ بن حُرَيْثٍ قَالَ: سَمِعْتُ وَكِيعاً يَقُولُ: إِنْ لَمْ يَكُنِ المَعْنَى وَاسِعاً
فَقَدْ هَلَكَ النَّاسُ.
قَالَ أبُو عِيْسَى: وَإِنَّمَا تَفَاضَلَ أهْلُ العِلم بِالحِفْظِ وَالإِثْقَانِ وَالتَّثَبُّتِ عِنْدَ السَّمَاعِ
مَعَ أنَّهُ لَمْ يَسْلَمْ مِن الخَطَإِ وَالغَلَطِ كَبِيرُ أحَدٍ مِن الأَئِمَّةِ مَعَ حِفْظِهِمْ.
(حدثنا الجارود) هو: ابن معاذ السلمي (عن الحسن) البصري (إذا أصبت المعنى) أي:
معنى الحديث (أجزاك) أي: يكفيك. والمقصود: أنك إذا حدثت الحديث على المعنى، لا
على اللفظ؛ فهو: جائز كاف؛ فالتحديث على اللفظ ليس بمتحتم (عن سيف هو ابن سليمان)
قال في ((التقريب)): سيف بن سليمان، أو ابن أبي سليمان المخزومي، المكي، ثقة، ثبت،
رمي بالقدر، سكن البصرة أخيرًا، من السادسة (أنقص من الحديث إن شئت) قال الحافظ في
(شرح النخبة)) أما اختصار الحديث؛ فالأكثرون على جوازه؛ بشرط أن يكون الذي يختصره
عالمًا؛ لأن العالم لا ينقص من الحديث إلا ما لا تعلق بما يبقيه منه؛ بحيث لا تختلف
الدلالة، ولا يختل البيان؛ حتى يكون المذكور والمحذوف بمنزلة خبرين، أو يدل ما ذكره
على ما حذفه. بخلاف الجاهل؛ فإنه قد ينقص ما له تعلق؛ كترك الاستثناء. انتهى (إنما هو
المعنى) أي: الحديث الذي أحدثكم به هو على المعنى، لا على اللفظ الذي سمعته من
شيوخي (إن لم يكن المعنى واسعًا) أي: إن لم يكن الرواية بالمعنى جائزًا (فقد هلك
الناس)؛ لأنه تضيق طريق العلم، ويضيع حينئذٍ كثير من الأحاديث النبوية (وإنما تفاضل أهل
العلم) أي: فضيلة بعض أهل العلم على بعضهم؛ وهو مبتدأ وخبره: قوله: (بالحفظ والإتقان
والتثبت عند السماع) وقوله: ((عند السماع)) ظرف للتثبت.

٤٤٨
كتاب العلل
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن حُمَيْدِ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ عُمَارَةَ بن القَعْقَاعِ قَالَ: قَالَ لِي
إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: إذَا حَدَّثْتَنِي فَحَدِّثْنِي عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بن عَمْرٍو بن جَرِيرٍ، فَإِنَّهُ حَدَّثَنِي
مَرَّةً بِحَدِيثٍ ثُمَّ سَأَلْتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِنِينَ فَمَا أُخْرَمَ مِنْهُ حَرْفاً .
حَدَّثَنَا أبُو حَقْصٍ عَنِ عَمْرٍو بن عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بن سَعِيدِ القَطَّانُ عَن موسى
عَن مَنْصُورٍ قَالَ: قُلتُ لإبْرَاهِيمَ: مَا لِسَالِمِ بن أبِي الجَعْدِ أتَمّ حَدِيثاً مِنْكَ؟ قَالَ: لأَنَّهُ
کَانَ یْتُبُ.
حَدَّثَنَا عَبْدُ الجَبَّارِ بنِ العَلاءِ بنِ عَبْدِ الجَبَّارِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: قَالَ عَبْدُ المَلِكِ
ابن عُمَيْرٍ: إِنِّي لأُحَدِّثُ بِالحَدِيثِ فَمَا أَدَعُ مِنْهُ حَرْفاً .
حَدَّثَنَا الحُسَيْنُ بِنِ مَهْدِيِّ البَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، قَالَ: قَالَ
قَتَادَةُ: مَا سَمِعَتْ أُذُنَايَ شَيْئاً قَظُ إلَّا وَعَاهُ قَلبِي.
(فما أخرم منه حرفًا) أي: ما نقص من الحديث حرفًا. والظاهر أن يقول: فما خرم، من
المجرد لا من المزید.
قال الجزري في ((النهاية)): ((فِي حَديث سَعْدٍ؛ لَمَّا شَكَاهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ إِلَى عُمَرَ فِي صَلاتِهِ
قَالَ: مَا خَرَمْتُ مِن صَلاتِهِ نَّهِ شَيْئًا)) أي: ما تركت. ومنه الحديث: (لَمْ أَخْرِمْ مِنْهُ حَرْفًا))،
أي: لم أدع. انتهى. وقال في ((الصراح)): خرم: کم کردن وبریدن؛ من ضرب يضرب (قلت
لإبراهيم) هو: النخعي (ما لسالم بن أبي الجعد أتم حديثًا منك) ((ما)) استفهامية؛ والمعنى:
لأي شيء هو أتم حديثًا منك، ولِمَ يكونُ حديثُه أتم وأكمل من حديثك؟ (لأنه كان يكتب)
أي: فيبقى حديثه محفوظًا عن النقص والتغيير، وأما أنا؛ فلا أكتب، وأروي على المعنى؛
فيقع فيه شيء من النقصان والانخرام (فما أدع) بفتح الهمزة، والدال المهملة؛ أي: لا أترك
(إلا وعاه قلبي) أي: فهمه وحفظه؛ وثبت من هذا أنه كان حافظًا بالغًا في الحفظ غايته؛ ففي
(تهذيب التهذيب)): قال عبد الرزاق؛ عن معمر، عن قتادة: ما قلت لمحدث قط: أَعِدْ عَلَيَّ،
وما سمعت أذناي شيئًا قط إلا وعاه قلبي. وفيه: قال سلام بن مسكين: حدثني عمرو بن
عبد الله؛ قال: لما قدم قتادة على سعيد بن المسيب؛ فجعل يسأله [أيامًا] (١) وأكثر؛ فقال له
سعيد: أكل ما سألتني عنه تحفظه؟ قال: نعم. سألتك عن كذا؛ فقلت فيه: كذا، وسألتك
(١) في المطبوع ((وأيامه))، وهو خطأ، والتصحيح من (تهذيب التهذيب)) (٣١٦/٨).

٤٤٩
کتاب العلل
حَدَّثَنَا سَعِيدُ بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ المَخْزُومِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بن عُيَيْنَةَ عَن عَمْرٍو بن
دِينَارٍ قَالَ: مَا رأيْتُ أحَداً أنَصَّ لِلحَدِيثِ مِن الزُّهْرِيِّ.
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بن سَعِيدِ الجَوْهَرِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بن ◌ُيَيْنَةَ قَالَ: قَالَ أيُّوبُ
السِّخْتِيَانِيُّ: مَا عَلِمْتُ أحَدَاً كَانَ أَعْلَمَ بِحَدِيثِ أهْلِ المَدِينَةِ بَعْدَ الزُّهْرِيِّ مِن يَحْیَی بن
آپي کثیرٍ.
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بن حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بن زَيْدٍ قَالَ:
كَانَ ابْنُ عَوْنٍ يُحَدِّثُ، فَإِذَا حَدَّثْتُهُ عَن أيُّوبَ بِخِلافِهِ تَرَكَهُ فَأَقُولُ قَدْ سَمِعْتُهُ، فَيَقُولُ:
عن كذا؛ فقلت فيه: كذا، وقال فيه: الحسن كذا؛ حتى رد عليه حديثًا كثيرًا، قال: فقال
سعيد: ما كنت أظن أن الله خلق مثلك.
وقال معمر: قال قتادة لسعيد بن أبي عروبة: خذ المصحف. قال: فعرض عليه سورة
البقرة فلم يخطئ فيها حرفًا واحدًا. قال: يا أبا النضر [أحكمت](١) قال: نعم. قال: لأنا
لصحيفة جابر أحفظ مني لسورة البقرة، وكانت قرئت عليه.
(ما رأيت أحدًا أنص للحديث من الزهري) أي: أرفع له، وأسند. كذا في ((النهاية)»
للجزري. وقال في ((القاموس)): نص الحديث إليه: رفعه. انتهى، وقال في ((الصراح)): نص
برداشتن حديث، وخبر به کسی صلته بالي يقال: نصصت الحديث إلى فلان؛ أي: رفعته إليه
(ما علمت أحدًا كان أعلم بحديث أهل المدينة بعد الزهري من يحيى بن أبي كثير)، وقال
القطان: سمعت شعبة يقول: يحيى أحسن حديثًا من الزهري. وقال عبد الله بن أحمد عن
أبيه: يحيى من أثبت الناس؛ إنما يعد مع الزهري، ويحيى بن سعيد؛ وإذا خالفه الزهري؛
فالقول قول يحيى. كذا في ((تهذيب التهذيب)).
(حدثنا محمد بن إسماعيل) هو: الإمام البخاري (كان ابن عون) اسمه: عبد الله بن
عون بن أرطبان؛ البصري (يحدث) أي: عن محمد بن سيرين (فإذا حدثته عن أيوب) أي:
عن محمد بن سيرين (بخلافه) أي: بخلاف حديث ابن عون (تركه) أي: ترك ابن عون حديثه
الذي رواه عن محمد بن سيرين (فأقول: قد سمعته) أي: قد سمعت أنت الحديث من
محمد بن سیرین؛ فلم تترك حدیثك الذي سمعته منه؟
(١) في المطبوع ((حكمت))، والتصويب من ((تهذيب التهذيب)) (٣١٦/٨).

٤٥٠
کتاب العلل
إِنَّ أَيُّوبَ أعْلَمِنَا بِحَدِيثٍ مُحَمَّدٍ بن سِيرِينَ.
حَدَّثَنَا أبُو بَكْرِ عَن عَلِيٍّ بن عَبْدِ اللهِ قَالَ: قُلتُ لِيَحْيَى بن سَعِيدٍ: أيُّهُمَا أَثْبَتُ؟
هِشَامُ الدُّسْتُوَائِيُّ أمْ مِسْعَرٌ؟ قَالَ: مَا رَأيْتُ مِثْلَ مِسْعَرٍ، كَانَ مِسْعَرٌ مِن أثْبَتِ النَّاسِ.
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ القُدُّوسِ بن مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الوَلِيدِ قَالَ: سَمِعْتُ
حَمَّادَ بن زَيْدٍ يَقُولُ: مَا خَالَفَنِي شُعْبَةُ فِي شَيْءٍ إلاَّ تَرَكْتُهُ. قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ:
وَحَدَّثَنِي أَبُو الوَلِيدِ قَالَ: قَالَ لِي حَمَّادُ بن سَلَمَةَ: إنْ أَرَدْتَ الحَدِيثَ فَعَلَيْكَ بِشُعْبَةً.
حَدَّثَنَا عَبْدُ بن حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ: قَالَ شُعْبَةُ: مَا رَوَيْتُ عَن رَجُلٍ حَدِيثاً
وَاحِداً إِلَّا أتَيْتُهُ أكْثَرَ مِن مَرَّةٍ، وَالَّذِي رَوَيْتُ عَنْهُ عَشَرَةَ أَحَادِيثَ أتَيْتُهُ أكْثَرَ مِن عَشْر
مِرَارٍ، وَالَّذِي رَوَيْتُ عَنْهُ خَمْسِينَ حَدِيثاً أتَيَّتُهُ أكْثَرَ مِن خَمْسِينَ مَرَّةً، وَالَّذِي رَوَيْتُ عَنْهُ
(إن أيوب كان أعلمنا) أي: أحفظنا وأثبتنا .
قال ابن معين: أيوب ثقة؛ وهو أثبت من ابن عون. كذا في ((تهذيب التهذيب)).
(حدثنا أبو بكر) هو: عبد القدوس بن محمد العطار؛ البصري (حدثنا أبو بكر
عبد القدوس بن محمد، وحدثني أبو الوليد قال: سمعت حماد بن زيد) كذا في بعض النسخ
الحاضرة، ووقع في بعضها: ((حدثنا أبو بكر؛ عبد القدوس بن محمد، وأبو الوليد قالا:
حدثنا حماد بن زيد)). والظاهر: أن هاتين النسختين غلط؛ والصحيح: ((حدثنا أبو بكر
عبد القدوس بن محمد: حدثني أبو الوليد))؛ بدون الواو؛ لأن الترمذي ليس من أصحاب
أبي الوليد الطيالسي. وأما أبو بكر عبد القدوس؛ فهو من أصحاب أبي الوليد، كما يدل عليه
السند الآتي (إلا تركته) أي: تركت الشيء الذي خالفني فيه شعبة؛ وذلك لأن حماد بن زيد
يظن شعبة أحفظ وأتقن من نفسه (إن أردت الحديث) أي: رواية الحديث عن أحد (فعليك
بشعبة) أي: فالزمه، وارو عنه، فإنه ثقة حافظ متقن.
قال الحافظ في ((تهذيب التهذيب)): قال أبو الوليد الطيالسي: قال لي حماد بن سلمة:
إذا أردت الحديث فالزم شعبة. وقال حماد بن زيد: ما أبالي من خالفني إذا وافقني شعبة؛
فإذا خالفني شعبة في شيء تركته. انتهى.
(ما رويت عن رجل حديثًا واحدًا إلا أتيته أكثر من مرة) أي: لسماع ذلك الحديث،

٤٥١
کتاب العلل
مِائَةً أَتَيْتُهُ أكْثَرَ مِن مِائَةٍ مَرَّةٍ، إلاَّ حَيَّنَ البَارِقِيَّ، فَإِنِّي سَمِعْتُ مِنْهُ هَذِهِ الأَحَادِيثَ ثُمَّ
عُدْتُ إِلَيْهِ فَوَجَدْتُهُ قَدْ مَاتَ.
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بن أبِي الأَسْوَدِ، حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ
قَالَ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ يَقُولُ: شُعْبَةُ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ فِي الحَدِيثِ.
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ عَن عَلِيٍّ بن عَبْدِ اللهِ قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بن سَعِيدٍ يَقُولُ: لَيْسَ
أحَدٌ أحَبَّ إِلَيَّ مِن شُعْبَةَ، وَلا يَعْدِلُهُ أحَدٌ عِنْدِي، وَإِذَا خَالَفَهُ سُفْيَانُ أَخَذْتُ بِقَوْلٍ
سُفْيَانَ، قَالَ عَلِيٍّ قُلتُ لِيَحْيَى:
والتثبت فيه (إلا حبان الكوفي، البارقي) كذا في بعض النسخ بالموحدة. وفي بعضها ((حيان))
بالتحتية؛ وهو الصواب. ففي ((تعجيل المنفعة)) للحافظ: حيان بن إياس البارقي، عن ابن
عمرو، عن شعبة، وثقه ابن حبان. انتهى. ولم أجد في كتب الرجال رجلًا اسمه: حبان
الكوفي البارقي (أخبرنا عبد الله بن أبي الأسود) هو: عبد الله بن محمد بن أبي الأسود
البصري أبو بكر، وقد ينسب إلى جده، ثقة، حافظ، من العاشرة. روى عن جده
أبي الأسود، وخاله عبد الرحمن بن مهدي، وغيرهما؛ وعنه البخاري، وأبو داود، وروى
الترمذي عن البخاري عنه (سمعت سفيان) هو: الثوري (ولا يعدله أحد عندي) بكسر الدال
المهملة؛ أي: لا يوازيه، ولا يماثله (وإذا خالفه سفيان) أي: في شيء من إسناد الحديث،
أو متنه (أخذت بقول سفيان) لكونه أحفظ من شعبة. وقد أقر بذلك شعبة نفسه، واعترف به
حيث قال هو: سفيان أحفظ مني؛ ولذا تقرر أنه إذا خالف شعبة سفيان فالقول قول سفيان.
قال الحافظ الزيلعي في ((نصب الراية)) نقلًا عن البيهقي: قال يحيى القطان، ويحيى بن
معين: إذا خالف شعبة سفيان فالقول قول سفيان. انتهى.
وقال الحافظ في ((تهذيب التهذيب)) في ترجمة سفيان: قال أبو حاتم، وأبو زرعة، وابن
معين: هو أحفط من شعبة. انتهى. ولذلك رجح أبو داود حديث سفيان على حديث شعبة؛
لما اختلفا في حديث ((اشتراء سراويل)) حيث قال سفيان فيه: ((وَمَّ رجلٌ يَزِنُ بالأَجْرِ))، ولم
يقل شعبة: ((يزن بالأجر)). قال أبو داود في ((سننه)): رواه قيس كما قال سفيان؛ والقول قول
سفيان.
حدثنا ابن أبي رزمة، سمعت أبي يقول: قال رجل لشعبة: خالفك سفيان؛ فقال:
دمغتني. وبلغني عن يحيى بن معين قال: كل من خالف سفيان؛ فالقول قول سفيان.

٤٥٢
کتاب العلل
أيُّهُمَا كَانَ أحْفَظ لِلأَحَادِيثِ الطَّوَالِ: سُفْيَانُ أوْ شُعْبَةُ؟ قَالَ: كَانَ شُعْبَةُ أُمَرَّ فِيهَا،
قَالَ يَحْيَى: وَكَانَ شُعْبَةُ أعْلَمَ بِالرِّجَالِ، فُلانٌ عَنِ فُلانٍ، وَكَانَ سُفْيَانُ صَاحِبَ
أبْوَابٍ.
حَدَّثَنَا عَمْرُو بن عَلِيٍّ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بن مَهْدِيٍّ يَقُولُ: الأَئِمَّةُ فِي
الأَحَادِيثِ أرْبَعَةٌ: سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَمَالِكُ بن أنَسٍ، وَالأَوْزَاعِيُّ، وَحَمَّادُ بن زَيْدٍ.
حَدَّثَنَا أَبُو عَمَّارِ الحُسَيْنُ بن حُرَيْثٍ قَالَ: سَمِعْتُ وَكِيعاً يَقُولُ: قَالَ شُعْبَةُ: سُفْيَانُ
أَحْفَظُ مِنِّي، مَا حَدَّثَنِي سُفْيَانُ عَنْ شَيْخِ بِشَيْءٍ فَسَأَلْتُهُ إلَّ وَجَدْتُهُ كَمَا حَدَّثَنِي
سَمِعْت إسْحَقَ بن مُوسَى الأَنْصَارِيَّ قَالَ: سَمِعْتُ مَعْنَ بن عِيسَى القَزَّازَ يَقُولُ:
كَانَ مَالِكُ بن أَنَسٍ يُشَدِّدُ فِي حَدِيثٍ رَسُولِ اللهِ نَّهِ فِي الْيَاءِ وَالتَّاءِ وَنَحْوِهِمَا.
حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا وكيع، عن شعبة قال: كان سفيان أحفظ مني. انتهى كلام
أبي داود.
(أيهما كان أحفظ للأحاديث الطوال) بكسر الطاء؛ جمع: الطويل؛ يعني: أيهما كان
أكثر حفظًا للأحاديث الطوال؟ وليس المقصود بالسؤال: أن أيهما أقوى حفظًا من الآخر؟
فإنه حينئذٍ يكون قوله: ((للأحاديث الطوال)) لغوًا. (كان شعبة أمر فيها) أي: أسرع مرورًا في
قراءتها ؛ لكثرة تشاغله بحفظها .
قال الدارقطني في ((العلل)): كان شعبة يخطئ في أسماء الرجال كثيرًا؛ لتشاغله بحفظ
المتون. انتهى. (وكان شعبة أعلم بالرجال) أي: بأحوالهم التي تتعلق برواية الحديث؛ وهو
أول من فتش بالعراق عن الرجال (وكان سفيان صاحب أبواب) أي: صاحب الأبواب
الفقهية، والمقصود أن شعبة كان أعلم بالرجال من سفيان، وسفيان كان أفقه من شعبة (قال
شعبة: سفيان أحفظ مني) قال بعضهم: إنما قال ذلك شعبة هضمًا لنفسه.
قلت: هذا باطل، مردود؛ يبطله قوله: (ما حدثني سفيان عن شيخ بشيء؛ فسألته) أي:
فسألت ذلك الشيخ عن ذلك الشيء (إلا وجدته كما حدثني) أي: إلا وجدت ذاك الشيء عند
ذلك الشيخ مثل: ما حدثني سفيان، بغير زيادة ونقصان، ولا بشيء من التغيير والتبديل
(سمعت إسحاق بن موسى الأنصاري) هذا قول الترمذي (حدثنا أبو موسى) اسمه: إسحاق بن
موسى؛ الأنصاري.

٤٥٣
کتاب العلل
حَدَّثَنَا أبُو عِيسَى، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بن عَبْدِ اللهِ بن قُرَيْمِ الأَنْصَارِيُّ قَاضِي المَدِينَةِ
قَالَ: مَرَّ مَالِكُ بن أنَسٍٍ عَلَى أَبِي حَازِمٍ وَهُوَ جَالِسٌ فَجَازَهُ، فَقِيلَ لَهُ: لِمَ لَمْ تَجْلِسْ،
فَقَالَ: إِنِّي لَمْ أجِدْ مَوْضِعاً أجْلِسُ فِيهِ، وَكَرِهْتُ أنْ آخُذَ حَدِيثَ رَسُولِ اللهِنَّهِ وَ أْنَا
قَائِمٌ
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ عَنِ عَلِيِّ بن عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ يَحْيَى بن سَعِيدٍ: مَالِكٌ عَن سَعِيدٍ
ابن المُسَيَّبِ أحَبُّ إِلَيَّ مِن سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَن إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ. قَالَ يَحْيَى: مَا فِي
القَوْم أحَدٌ أصَحُّ حَدِيثاً مِن مَالِكِ بن أنَسٍ، كَانَ مَالِكٌ إِمَاماً فِي الحَدِيثِ، سَمِعْت
أحْمَدَ بن الحَسَنِ يَقُولُ: سَمِعْتُ أحْمَدَ بن حَتْبَلِ يَقُولُ: مَا رأيْتُ بِعَيْنِي مِثْلَ يَحْيَى بن
سَعِيدِ القَطَّانِ. قَالَ أحْمَدُ: وَسُئِلَ أحْمَدُ بن حَتْبَلٍ عَن وَكِيعٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بن مَهْدِيٍّ
فَقَالَ أحْمَدُ: وَكِيعُ أكْبَرُ فِي القَلبِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ إِمَامٌ، سَمِعْت مُحَمَّدَ بن عَمْرٍو بن
نَبْهَانَ بن صَفْوَانَ الثَّقَفِيَّ البَصْرِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بن المَدِينِيِّ يَقُولُ: لَوْ حَلَفْتُ
(حدثني إبراهيم بن عبد الله بن قريم) بالقاف، والراء؛ وزن: حُسَين (الأنصاري، قاضي
المدينة) قال في ((التقريب)): مستور، من العاشرة. وقال في ((تهذيب التهذيب)): روى عن
مالك حكاية، وعنه إسحاق أبو موسى الأنصاري. قال صاحب ((الميزان)): لا أعرفه. وقال
أيضًا: ليس بالمشهور؛ وهو في ((العلل)) التي في آخر كتاب الترمذي. انتهى. (فجازه) أي:
جاوزه، ولم يقف (فكرهت أن آخذ حديث رسول الله ( * وأنا قائم) وجه الكراهة: أن في
سماع الحديث قائمًا؛ والمحدث يحدث جالسًا نوعًا من إساءة الأدب به. وكان مالك -
رحمه الله - أشد تعظيمًا لحديث رسول الله وَلهر، فكان إذا جلس للفقه جلس كيف كان؛ وإذا
أراد الجلوس للحديث اغتسل، وتطيب، ولبس ثيابًا جددًا، وتعمم، وقعد على منصته بخشوع
وخضوع ووقار، ويبخر المجلس بالعود من أوله إلى فراغه؛ تعظيمًا للحديث.
قال عبد الله بن المبارك: كنت عند مالك وهو يحدثنا؛ فلدغته عقرب ست عشرة مرة؛
ومالك يتغير لونه، ولا يقطع الحديث؛ فلما تفرق الناس قال: إنما صبرت إجلالًا للحديث
(فقال أحمد: وكيع أكبر في القلب) وقال أحمد أيضًا: ما رأيت أوعى للعلم من وكيع، ولا
أحفظ منه. كما في ((تهذيب التهذيب)). فالظاهر أن أحمد أراد بقوله: ((وكيع أكبر في القلب))
أنه أوعى للعلم، وأحفظ، والله تعالى أعلم (لو حلفت) بصيغة المتكلم المجهول، من.

٤٥٤
كتاب العلل
بَيْنَ الرُّكْنِ وَالمَقَامِ لَحَلَفْتُ أَنِّي لَمْ أَرَ أحَداً أعْلَمَ مِن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن مَهْدِيٍّ.
قَالَ أَبُو عِيْسَى: وَالكَلامُ فِي هَذَا وَالرِّوَايَةُ عَن أهْلِ العِلمِ تَكْثُرُ، وَإِنَّمَا بَيَّنَا شَيْئاً
مِنْهُ عَلَى الاخْتِصَارِ، لِيُسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى مَنَازِلِ أهْلِ العِلمِ وَتَفَاضُلٍ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ
فِي الِحِفْظِ وَالإِنْقَانِ، وَمَنْ تُكُلِّمَ فِيهِ مِن أهْلِ العِلمِ لأَيَّ شَيْءٍ تُكُلِّمَ فِيهِ.
قَالَ أَبُو عِيْسَى: وَالقِرَاءَةُ عَلَى العَالِمِ إذَا كَانَ يَحْفَظُ مَا يُقْرَأُ عَلَيْهِ أَوْ يُمْسِكُ أصْلَهُ
فِيمَا يُقْرَأُ عَلَيْهِ إِذَا لَمْ يَحْفَظْ، هُوَ صَحِيحُ عِنْدَ أهْلِ الحَدِيثِ مِثْلِ السَّمَاعِ.
التحليف (بين الركن والمقام) المراد بالركن: الركن اليماني؛ الذي فيه الحجر الأسود؛
وبالمقام: مقام إبراهيم.
(والكلام في هذا) أي: في تفاضل أهل العلم بالحفظ والإتقان (والرواية عن أهل العلم)
أي: في هذا الباب (فمن تكلم فيه من أهل العلم، لأي شيء تكلم فيه) (والقراءة على
العالم) مبتدأ وخبره قوله: ((هو صحيح)) (إذا كان يحفظ) أي: العالم (ما يقرأ عليه) أي: من
الحديث؛ وهو مفعول ((يحفظ)) (أو يمسك أصله) أي: يأخذ العالم كتابه (فيما يقرأ عليه)
صفة لقوله: ((أصله)) أي: أصله الذي فيما يقرأ عليه (إذا لم يحفظ) ظرف لقوله: ((يمسك))
(هو صحيح عند أهل الحديث مثل السماع) يعني: أن القراءة على العالم والعرض عليه
صحيح؛ كصحة السماع من العالم، لا فرق بينهما؛ أو هما متساويان في أصل الصحة، مع
قطع النظر عن أن يكون أحدهما أعلى من الآخر أو لا. والأول هو الظاهر. قال الحافظ
السيوطي في ((التدريب)): اختلفوا في مساواة القراءة على الشيخ للسماع من لفظه في المرتبة،
ورجحانه عليها، ورجحانها عليه، على ثلاثة مذاهب: فحكي الأول - وهو: المساواة - عن
مالك، وأصحابه، وأشياخه من علماء المدينة، ومعظم علماء الحجاز والكوفة، والبخاري
وغيرهم؛ وحكاه الرامهرمزي عن علي بن أبي طالب، وابن عباس؛ ثم روى عن علي قال:
(الْقِرَاءَةُ عَلَى الْعَالِمِ بِمَنْزِلَةِ السَّمَاعِ مِنْهُ))، وعن ابن عباس قال: ((اقْرَأُوا عَلَيَّ، فَإِنَّ قِرَاءَتَكُمْ
عَلَيَّ كَقِرَاءَتِي عَلَيْكُمْ)). رواه البيهقي في ((المدخل))، وحكاه أبو بكر الصيرفي عن الشافعي.
قلت: وعندي أن هؤلاء إنما ذكروا المساواة في صحة الأخذ بها ردًّا على من كان
أنكرها لا في اتحاد المرتبة. أسند الخطيب في ((الكفاية)) من طريق ابن وهب. قال: سمعت
مالكًا، وسئل عن الكتب التي تعرض عليه: أيقول الرجل: حدثني؟ قال: نعم. كذلك القرآن
أليس الرجل يقرأ على الرجل فيقول: أقرأني فلان؟ وأسند الحاكم في ((علوم الحديث)) عن

٤٥٥
کتاب العلل
حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بِنِ مَهْدِيِّ البَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجَ قَالَ:
قَرَأْتُ عَلَى عَطَاءِ بن أبِي رَبَاحِ فَقُلتُ لَهُ: كَيْفَ أقُولُ؟ فَقَالَ: قُل حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بن
نَصْرٍ، أخْبَرَنَا عَلِيُّ بن الحُسَيْنِ بن وَاقِدٍ
مطرف قال: ((سَمِعْتُ مَالِكًا يَأَبَى أَشَدَّ الإِبَاءِ عَلَى مَنْ يَقُولُ لا يُجْزِيهِ إِلَّ السَّمَاعُ من لَفْظِ
الشَّيْخِ. وَيَقُولُ: كَيْفَ لا يُجْزِيكَ هَذَا فِي الْحَدِيثِ وَيُجْزِيكَ فِي الْقَرْآنِ، وَالْقَرْآنُ أَعْظَمُ؟!))
وحكي الثاني - وهو ترجيح السماع عليها - عن جمهور أهل المشرق؛ وهو الصحيح، وحكي
الثالث - وهو ترجيحها عليه - عن أبي حنيفة، وابن أبي ذئب، وغيرهما، ورواية عن مالك
حكاها عنه الدارقطني، وابن فارس، والخطيب؛ وحكاه الدارقطني أيضًا عن الليث بن سعد،
وشعبة، وابن لهيعة، ويحيى بن سعيد، ويحيى بن عبد الله بن بكير، والعباس بن الوليد بن
مزيد، وأبي الوليد، وموسى بن داود الضبي، وأبي عبيد، وأبي حاتم. وحكاه ابن فارس عن
ابن جريج، والحسن بن عمارة. وروى البيهقي في ((المدخل)) عن مكي بن إبراهيم قال: كان
ابن جريج، وعثمان بن أبي الأسود، وحنظلة بن أبي سفيان، وطلحة بن عمرو، ومالك،
ومحمد بن إسحاق، وسفيان الثوري، وأبو حنيفة، وهشام، وابن أبي ذئب، وسعيد بن
أبي عروبة، والمثنى بن الصباح يقولون: ((قِراءَتُكَ عَلَى الْعَالِمِ خَيْرٌ من قِراءَةِ الْعَالِمِ عَلَيْكَ)»،
واعتلوا بأن الشيخ لو غلط؛ لم يتهيأ للطالب الرد عليه. وعن أبي عبيد: ((الْقِرَاءَةُ عَلَيَّ أَثْبَتُ
من أَن أَتَوَلَّى الْقِرَاءَةَ أَنَا)). وقال صاحب ((البديع)) بعد اختياره التسوية: محل الخلاف ما إذا
قرأ الشيخ في كتابه؛ لأنه قد يسهو؛ فلا فرق بينه وبين القراءة عليه، أما إذا قرأ الشيخ من
حفظه؛ فهو أعلى بالاتفاق. واختار شيخ الإسلام - يعني: الحافظ ابن حجر - أن محل
ترجيح السماع؛ ما إذا استوى الشيخ والطالب، أو كان الطالب أعلم؛ لأنه أوعى لما يسمع؛
فإن كان مفضولًا؛ فقراءته أولى؛ لأنها أضبط له. قال: ولهذا كان السماع من لفظه في
الإملاء أرفع الدرجات؛ لما يلزم منه من تحرز الشيخ والطالب. وصرح كثيرون بأن
القراءة بنفسه أعلى مرتبة من السماع بقراءة غيره. وقال الزركشي: القارئ والمستمع سواء.
انتھی.
قلت: الأمر كما قال الحافظ؛ وظهر من كلامه هذا: أن قراءة المتعلمين على الشيخ
أولى، وأرجح من قراءته عليهم (قال: قرأت) أي: الحديث (فقلت له) أي لعطاء: كيف
أقول؟ أي: عند التحديث (فقال: قل: حدثنا).

٤٥٦
كتاب العلل
عَن أبِي عِصْمَةَ عَن يَزِيدَ النَّحْوِيِّ عَنِ عِكْرِمَةَ أنَّ نَفَراً قَدِمُوا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ مِن أهْلِ
الطَّائِفِ بِكِتَابٍ مِن كُتُبِهِ، فَجَعَلَ يَقْرَأُ عَلَيْهِمْ فَيُقَدِّمُ وَيُؤَخِّرُ، فَقَالَ: إِنِّي بَلِهْتُ لِهَذِهِ
المُصِيبَةِ فَاقْرَؤُوا عَلَيَّ، فَإِنَّ إِقْرَارِي بِهِ كَقِرَاءَتِي عَلَيْكُمْ.
حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بن نَصْرٍ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بن الحُسَيْنِ بن وَاقِدٍ عَن أَبِيهِ عَن مَنْصُورٍ بن
المُعْتَمِرِ قَالَ: إِذَا نَاوَلَ الرَّجُلُ كِتَابَهُ آخَرَ فَقَالَ: ارْوِ هَذَا عَنِّي، فَلَهُ أنْ يَرْوِيَهُ.
وفي (صحيح البخاري)) (١): ((حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله بْنُ مُوسَى عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: إِذَا قَرأَ عَلَى
الْمُحَدِّثِ فَلا بَأْسَ أَنْ يَقُولَ: حَدَّثَنِي)). قال العيني: أي: لا بأس على القارئ أن يقول:
حدثني؛ كما جاز أن يقول: أخبرني؛ فهو مشعر بأن لا تفاوت عنده بين حدثني وأخبرني،
وبين أن يقرأ على الشيخ، أو يقرأ الشيخ عليه.
(عن أبي عصمة) اسمه: نوح بن أبي مريم، المروزي، القرشي، مولاهم، مشهور
بكنيته، ويعرف بـ ((نوح الجامع))؛ لجمعه العلوم؛ لكن كذبوه في الحديث.
وقال ابن المبارك: كان يضع، من السابعة (عن يزيد النحوي) هو: يزيد بن أبي سعيد؛
النحوي، أبو الحسن القرشي، مولاهم المروزي، ثقة، عابد، من السادسة (فجعل يقرأ) أي:
ابن عباس الكتاب (عليهم) أي: الذين قدموا عليه (فيقدم ويؤخر) أي: في القراءة (فقال: إني
بلهت) أي: عجزت عن القراءة. قال في ((القاموس)) بَلِهَ - كَفَرِحَ -: عَيِيَ عن حجته (لهذه
المصيبة) لعله أشار إلى ضعف بصره، وقد اشتد ضعفه حتى كف بصره في آخر عمره (فإن
إقراري به كقراءتي عليكم) يعني: إذا قرأتم عليّ وأنا أسمع، ثم أقر به؛ بأن أقول بعد
قراءتكم: نعم، أو أسكت، ولا أنكر عليكم؛ فإقراري به صحيح؛ كما يصح قراءتي عليكم.
قال في ((التدريب)): إذا قرأ على الشيخ قائلًا: أخبرك فلان، أو نحوه؛ كقلت: أخبرنا
فلان؛ والشيخ مصغ إليه، فاهم له، غير منكر، ولا مقر لفظًا، صح السماع، وجازت الرواية
به؛ اكتفاء بالقرائن الظاهرة، ولا يشترط نطق الشيخ بالإقرار؛ كقوله: نعم، على الصحيح
الذي قطع به جماهير أصحاب الفنون. وشرط بعض أصحاب الشافعي، والظاهريين نطقه به.
انتھی ملخصًا .
(إذا ناول الرجل كتابه آخر) أي: إذا أعطى الرجل كتابه رجلًا آخر (فقال: ارو هذا عني)
أي: فقال الرجل المعطي: ارو هذا الكتاب عني (فله أن يرويه) أي: فجاز للرجل الآخر أن
(١) البخاري، كتاب العلم، باب ما جاء في العلم وقوله: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِ عِلْمَا﴾.

٤٥٧
کتاب العلل
وسَمِعْت مُحَمَّدَ بن إسْمَاعِيلَ يَقُولُ: سَأَلتُ أبَا عَاصِمِ النَّبِيلَ عَن حَدِيثٍ فَقَالَ:
اقْرَأْ عَلَيَّ، فَأَحْبَيْتُ أنْ يَقْرأ هُوَ، فَقَالَ: أَأَنْتَ لا تُجِيزُ القِرَاءَةَ وَقَدْ كَانَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ
وَمَالِكُ بن أَنَسٍ يُجِيزَانِ القِرَاءَةَ.
يروي هذا الكتاب عن الرجل المعطي؛ ويقال لهذه الرواية: الرواية بالمناولة، المقرونة
بالإجازة؛ وهي جائزة معتبرة بالاتفاق.
قال الحافظ في ((شرح النخبة)): واشترطوا في صحة الرواية بالمناولة اقترانها بالإذن
بالرواية؛ وهي إذا حصل هذا الشرط أرفع أنواع الإجازة؛ لما فيها من التعيين والتشخيص.
وصورتها: أن يدفع الشيخ أصله، أو ما قام مقامه للطالب، أو يحضر الطالب أصل الشيخ،
ويقول له في الصورتين: هذه روايتي عن فلان؛ فاروه عني. وشرطه: أن يمكّنه أيضًا منه؛
إما بالتمليك، أو بالعارية، لينقل منه، ويقابل عليه؛ وإلا إن ناوله، واسترد في الحال؛ فلا
يتبين أرفعيته؛ لكن لها زيادة مزية على الإجازة المعينة؛ وهي: أن يجيزه الشيخ برواية كتاب
معين، ويعين له كيفية روايته له. وإذا خلت المناولة عن الإذن، لم يعتبر بها عند الجمهور،
وجنح من اعتبرها إلى أن مناولته إياه يقوم مقام إرساله إليه بالكتاب من بلد إلى بلد. وقد
ذهب إلى صحة الرواية بالكتابة المجردة جماعة من الأئمة؛ ولو لم يقترن ذلك بالإذن
بالرواية؛ كأنهم اكتفوا في ذلك بالقرينة، ولم يظهر لي فرق قوي بين مناولة الشيخ الكتاب
للطالب، وبين إرساله إليه بالكتاب من موضع إلى آخر؛ إذا خلا كل منهما عن الإذن. انتهى.
قلت: قد أعطاني شيخنا - العلامة الأجل - محمد بن عبد العزيز؛ المدعو بـ: شيخ
محمد المجهلي شهري نسخة صحيحة من ((بلوغ المرام)) على سبيل المناولة المقرونة
بالإجازة، وكتب على أول ورقة منها بخطه الشريف هكذا: ((الحمد لله - وحده - قد وهبت
هذه النسخة للعلامة المولوي عبد الرحمن بن الحافظ عبد الرحيم المباركفوري؛ على سبيل
المناولة المقرونة بالإجازة، وأجزته أن يروي هذا الكتاب بسندي المتصل إلى المصنف؛
المرقوم على الورقة الملحقة بالآخر، وكتبه محمد بن عبد العزيز الجعفري - المدعو بـ: شيخ
محمد - بخطه في سنة ١٣١٤هـ). انتهى (وسمعت محمد بن إسماعيل) هو: الإمام البخاري
(فقال: أأنت لا تجيز القراءة) هذا الاستفهام استفهام إنكار؛ والمعنى: أن القراءة على الشيخ
جائزة، ولا وجه لعدم جوازها، فلك أن تجيزها. قال البخاري في (صحيحه)) في ((باب
القراءة والعرض على المحدث)): وسمعت أبا عاصم يقول: عن مالك وسفيان: القراءة على
العالم، وقراءته سواء.

٤٥٨
کتاب العلل
حَدَّثَنَا أحْمَدُ بْنُ الحَسَنِ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ الجُعْفِيِ البصْرِي قَالَ: قَالَ
عَبْدُ الله بْنُ وَهبٍ مَا قُلْتُ: حَدَّثَنَا فَهُوَ مَا سَمِعْتُ مَعَ النَّاسِ وَمَا قُلْتُ: حَدَّثَنِي فَهُوَ مَا
سَمِعْتُ وَحْدِي، وَمَا قُلْتُ أخْبَرَنَا فَهُوَ مَا قُرِئَ عَلَى العَالمِ وَأنَا شَاهِدٌ، وَمَا قُلْتُ :
أُخْبَرَنِي فَهُوَ مَا قَرَأْتُ عَلَى العَالِمِ - يَعْنِي - وَأْنَا وَحْدِي.
سَمِعْت أبَا مُوسَى مُحَمَّدَ بن المُثَنَّى يَقُولُ: سَمِعْتُ يَحْيَى بن سَعِيدِ القَطَّانَ يَقُولُ:
حَدَّثَنَا وَأَخْبَرَنَا وَاحِد.
(أخبرنا يحيى بن سليمان) بن يحيى بن سعيد الجعفي، أو سعيد، الكوفي؛ نزيل مصر،
صدوق، يخطئ، من العاشرة (قال عبد الله بن وهب) بن مسلم القرشي (ما قلت: حدثنا فهو
ما سمعت مع الناس) ((ما)) موصولة؛ أي: الحديث الذي قلت في إسناده: حدثنا؛ فهو
الحديث الذي من شيخي من الناس (وما قلت: حدثني؛ فهو ما سمعت وحدي) أي: منفردًا
لا مع الناس (وما قلت: أخبرنا، فهو ما قرئ) بصيغة المجهول (على العالم، وأنا شاهد)
أي: حاضر (يعني: وأنا وحدي) هذا تفسير وبيان من يحيى بن سليمان لقوله: ((فهو ما
قرأت)) (يقول: حدثنا وأخبرنا واحد) قال الحافظ في ((الفتح)): لاخلاف عند أهل العلم في
أن التحديث، والإخبار، والإنباء سواء بالنسبة إلى اللغة، ومن أصرح الأدلة فيه قوله -
تعالى -: ﴿يَوْمَيِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة: ٤]، وقوله - تعالى -: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر:
١٤]. وأما بالنسبة إلى الاصطلاح؛ ففيه الخلاف؛ فمنهم: من استمر على أصل اللغة، وهذا
رأي الزهري، ومالك، وابن عيينة، ويحيى القطان، وأكثر الحجازيين والكوفيين؛ وعليه
استمر عمل المغاربة، ورجحه ابن الحاجب في ((مختصره)»، ونقل عن الحاكم أنه مذهب
الأئمة الأربعة، ومنهم: من رأى إطلاق ذلك؛ حيث يقرأ الشيخ من لفظه وتقييده؛ حيث يقرأ
عليه؛ وهو مذهب إسحاق بن راهويه، والنسائي، وابن حبان، وابن منده، وغيرهم. ومنهم:
من رأى التفرقة بين الصيغ بحسب افتراق التحمل؛ فيخصون التحديث بما يلفظ به الشيخ؛
والإخبار بما يقرأ عليه؛ وهذا مذهب ابن جريج، والأوزاعي، والشافعي، وابن وهب،
وجمهور أهل المشرق. ثم أحدث أتباعهم تفصيلًا آخر؛ فمن سمع وحده من لفظ الشيخ
أفرد؛ فقال: حدثني. ومن سمع مع غيره جمع. ومن قرأ بنفسه على الشيخ أفرد؛ فقال:
أخبرني. ومن سمع بقراءة غيره جمع. وكذا خصصوا الإنباء بالإجازة التي يشافه بها الشيخ
من يجيزه؛ وكل هذا مستحسن، وليس بواجب عندهم، وإنما أرادوا التمييز بين أحوال

٤٥٩
کتاب العلل
قَالَ أَبُو عِيْسَى: كُنَّا عِنْدَ أَبِي مُصْعَبِ المَدينِيِّ فَقُرِئَ عَلَيْهِ بَعْضُ حَدِيثِهِ، فَقُلتُ
لَهُ: كَيْفَ نَقُولُ: فَقَالَ: قُل حَدَّثَنَا أَبُو مُصْعَبٍ.
قَالَ أبُو عِيْسَى: وَقَدْ أَجَازَ بَعْضُ أهْلِ العِلمِ الإِجَازَةَ: إِذَا أُجَازَ العَالِمُ لأَحَدٍ أنْ
يَرْوِيَ عَنْهُ شَيْئاً مِن حَدِيثِهِ، فَلَهُ أنْ يَرْوِيَ عَنْهُ.
حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بن غَيْلانَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنِ عِمْرَانَ بن حُدَيْرٍ عَن أبِي مِجْلَزٍ عَن
بَشِيرٍ بن نَهِيكٍ قَالَ: كَتَبْتُ كِتَاباً عَنِ أبِي هُرَيْرَةَ فَقُلتُ: أَرْوِيِهِ عَنْكَ فَقَالَ: نَعَمْ.
التحمل. وظن بعضهم أن ذلك على سبيل الوجوب؛ فتكلفوا في الاحتجاج له وعليه بما لا
طائل تحته. نعم يحتاج المتأخرون إلى مراعاة الاصطلاح المذكور؛ لئلا يختلط؛ لأنه صار
حقيقة عرفية عندهم؛ فمن تجوز عنها احتاج إلى الإتيان بقرينة تدل على مراده؛ وإلا فلا يؤمن
اختلاط المسموع بالمجاز بعد تقرير الاصطلاح؛ فيحمل ما يرد من ألفاظ المتقدمين على
محملٍ؛ لأنه بخلاف المتأخرين. انتهى.
(وقد أجاز بعض أهل العلم الإجازة إذا أجاز العالم أن يروي عنه لأحد شيئًا من حديثه
أن يروي عنه). كذا وقعت هذه العبارة في النسخ الحاضرة، بزيادة لفظ ((أن يروي عنه)) في
آخرها؛ وهو زائد لا حاجة إليه؛ أي: إذا أجاز العالم لأحد أن يروي عنه شيئًا من حديثه،
فهذه الإجازة جائزة قد أجازها بعض أهل العلم، ثم أسند الترمذي عن أبي هريرة، والحسن
البصري، والزهري، وهشام بن عروة ما يدل على صحة الرواية بالإجازة والاعتبار بها .
قال الحافظ في ((شرح النخبة)): واشترطوا في صحة الرواية بالمناولة اقترانها بالإذن
بالرواية؛ وهي إذا حصل هذا الشرط أرفع أنواع الإجازة؛ لما فيها من التعيين، والتشخيص؛
وصورتها: أن يدفع الشيخ أصله، أو ما قام مقامه للطالب، أو يحضر الطالب أصل الشيخ؛
ويقول له في الصورتين: هذه روايتي عن فلان؛ فاروه عني. وشرطه: أن يمكنه أيضًا منه؛
إما بالتمليك، أو بالعارية؛ لينقل منه ويقابل عليه؛ وإلا إن ناوله، واسترد في الحال؛ فلا
يتبين أرفعيته؛ لكن لها زيادة مزية على الإجازة المعينة؛ وهي: أن يجيزه الشيخ برواية كتاب
معين؛ ويعين له كيفية روايته له. وإذا خلت المناولة عن الإذن؛ لم يعتبر بها عند الجمهور.
وجنح من اعتبرها إلی أن مناولته إياه یقوم مقام إرساله إليه بالکتاب من بلد إلى بلد.
وقد ذهب إلى صحة الرواية بالكتابة المجردة جماعة من الأئمة؛ ولو لم يقترن ذلك
بالإذن بالرواية؛ كأنهم اكتفوا في ذلك بالقرينة، ولم يظهر لي فرق قوي بين مناولة الشيخ

٤٦٠
کتاب العلل
الكتاب للطالب، وبين إرساله إليه بكتاب من موضع إلى آخر؛ إذا خلا كل منهما عن الإذن.
وكذا اشترطوا الإذن في الوِجَادة؛ وهي: أن يجد بخط يعرف كاتبه؛ فيقول: وجدت
بخط فلان، ولا يسوغ فيه إطلاق: ((أخبرني)) بمجرد ذلك؛ إلا إن كان له منه إذن بالرواية
عنه. وأطلق قوم ذلك؛ فغلطوا. وكذا الوصية بالكتاب؛ وهي: أن يوصي عند موته، أو سفره
لشخص معين بأصله، أو بأصوله، فقد قال قوم من الأئمة المتقدمين: يجوز له أن يروي تلك
الأصول عنه بمجرد هذه الوصية، وأبى ذلك الجمهور؛ إلا إن كان له منه إجازة.
وكذا اشترطوا الإذن بالرواية في الإِعْلام؛ وهو: أن يعلم الشيخ أحد الطلبة بأنني أروي
الكتاب الفلاني عن فلان؛ فإن كان له إجازة اعتبر؛ وإلا فلا عبرة بذلك؛ كالإجازة العامة في
المجاز له، لا في المجاز به؛ كأن يقول: أجزت لجميع المسلمين، أو لمن أدرك حياتي، أو
لأهل الإقليم الفلاني، أو لأهل البلدة الفلانية؛ وهو أقرب إلى الصحة؛ لقرب الانحصار.
وكذا الإجازة للمجهول؛ كأن يقول: مبهمًا، أو مهملًا.
وكذا الإجازة للمعدوم؛ كأن يقول: أجزت لمن سيولد لفلان؛ وقد قيل: إن عطفه على
موجود صح؛ كأن يقول: أجزت لك، ولمن سيولد لك؛ والأقرب عدم الصحة، وكذلك
الإجازة لموجود، أو لمعدوم علقت بمشيئة الغير؛ كأن يقول: أجزت لك إن شاء فلان، أو
أجزت لمن شاء فلان، لا أن يقول: أجزت لك إن شئت؛ وهذا على الأصح في جميع
ذلك.
وقد جوز الرواية في جميع ذلك - سوى المجهول ما لم يتبين المراد منه - الخطيبُ.
وحكاه عن جماعة من مشائخه.
واستعمل الإجازة للمعدوم من القدماء: أبو بكر بن أبي داود، وأبو عبد الله بن منده.
واستعمل المعلقة منهم أيضًا: أبو بكر بن أبي خيثمة. وروى بالإجازة العامة جمع كثير؛
جمعهم بعض الحفاظ في كتاب، ورتبهم على حروف المعجم لكثرتهم. وكل ذلك كما قال
ابن الصلاح: توسع غير مرضي؛ لأن الإجازة الخاصة معينة مختلف في صحتها اختلافًا قويًّا
عند القدماء؛ وإن كان العمل استقر على اعتبارها عند المتأخرين؛ فهي دون السماع
بالاتفاق؛ فكيف إذا حصل فيها الاسترسال المذكور؟ ! فإنها تزداد ضعفًا؛ لكنها في الجملة
خير من إيراد الحديث معضلًا. انتهى ما في ((شرح النخبة)).