Indexed OCR Text
Pages 421-440
٤٢١ الباب الثاني في فوائد خاصة متعلقة بالإمام الترمذي وجامعه وثمانين، وأُمُّهُ: أم فروة بنْتُ القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق - ﴿ّ أجمعين - وحَكَى كشاجم في كتاب ((المصايد والمطارد)): أن جعفرًا المذكور سأل أبا حنيفة ـ فقال: ما تقولُ في مُحْرِمٍ كَسَرَ رَبَاعِيَةَ ظَبْي؟ فقال: يا ابن رسول الله، ما أعلَمُ ما فيه، فقال له: أنت تَتَدَاهَى، ولا تعلم أَنَّ الظبْيَ لا يكون له رباعيةٌ، وهو ثَنِيِّ أبدًا . ومنهم: الحسنُ البصريُّ. قال الذهبي(١): الحسن بن أبي الحسن يسار الإمام شيخ الإسلام أبو سعيد البصري، يقال: مولى زيد بن ثابت، ويقال: مولى جميل بن قطنة، وأمه خَيْرَةُ مولاة أم سلمة، نشأ بالمدينة، وحفظ كتاب الله في خلافة عثمان، وسمعه يخطب مرات، وكان يَوْمَ الدارِ ابن أربع عشرة سنة، ثم كَبِرَ ولازم الجهاد، ولازم العلم والعمل، وكان أَحَدَ الشجعان الموصوفين، يذكر مع قَطَرِيِّ بْنِ الفُجَاءَة، وصار كاتبًا في دولة معاوية لوالي خُرَاسان الربيع بن زياد، حدَّث عن عثمان، وعمران بن حُصَيْن، والمغيرة بن شعبة، وعبد الرحمن بن سَمُرة، وسَمُرَةَ بن جُنْدَب البَجَلِيِّ، وابن عباس، وابن عمر، وأبي بَكْرة، وعمر بن تَغْلِبَ، وجابر، وطائفة كبيرة، حدث عنه: قتادة، وأيوب، وابن عَوْن، ويونس، وخالد الحَذَّاء، وهشام بن حسان، وحُمَيْد الطويل، وجرير بن حازم، وشيبان النحوي، ويزيد بن إبراهيم التستريُّ، ومبارك بن فَضَالة، والربيع بن صُبَيْح، وأبان العطار، وقُرَّة بن خالد، وأمم سواهم، قال ابن سَعْدٍ: كان عالمًا رفيعًا ثقةً حجةً مأمونًا عابدًا ناسكًا كبير العلم، فصيحًا جميلًا وسيمًا ... إلى أن قال: وما أرسله فليس هو بحُجَّة، قال: وهو مدلِّس، فلا يحتجُّ بقوله عَمَّنْ لم يدركه، وقد يدلِّس عمن لقيه، ويسقط مَنْ بينه وبينه، والله أعلم، ولكنه حافظ علَّامة من بحور العلم، فقيه النَّفْسِ، كبير الشأن، عديم النظير، مليح التذكير، بليغ الموعظة، رأس في أنواع الخير، وقال: وقد كنتُ أفردتُ ترجمته في جزءٍ، سميته: ((الزخرف القَصْرِيّ))، مات سنة عشرة ومائة، وله ثمان وثمانون سنة - رحمة الله علیه - انتهى. قال الخزرجي في ((الخلاصة)) (٢): الحسن بن أبي الحسن البصري أبو سعيد الإمام، أحد أئمة الهدى والسنة، رُمِيَ بالقَدَرِ، ولا يصحُّ، عن جندب بن عبد الله، وأنس (١) الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) (٧١/١). (٢) الخزرجي في ((خلاصة تذهيب تهذيب الكمال)) (ص/ ٧٧). ٤٢٢ مقدمة تحفة الأحوذي وعبد الرحمن بن سَمُرة، ومعقل بن يسار، وأبي بكرة، وسمرة. قال سعيد: لم يسمع منه، وأرسل عن خَلْقٍ من الصحابة، وروى عنه: أيوب، وحُمَيْد، ويونس، وقتادة، ومطر الوراق، وخلائق، قال ابن عُلَيَّة: مات سنة عشر ومائة، قيل: ولد سنة إحدى وعشرين لسنتين بقيتا من خلافة عمر، قال أبو زُرْعَةَ: كل شيء قال الحسن: ((قال رسول الله وعَاتِ)) وجدتُ له أصلًا مليًا خلا أربعة أحاديث. انتهى. وقال الذهبي في ((الميزان))(١): كان الحسنُ كَثِيرَ التدليس، فإذا قال في حديث: (عَنْ فلانٍ)) ضَعف احتجاجه، ولا سيما عمن قيل: إنه لم يسمع منهم، كأبي هريرة ونحوه، فعدُّوا ما كان له عن أبي هريرة في جملة المنقطع، والله أعلم. انتهى. وفي هامش ((الخلاصة)): قال محمد بن أحمد بن محمد بن أبي بكر المُقَدَّمِيُّ: سمعت علي بن المديني يقول: مرسلَاتُ يحيى بن أبي كَثِير شبه الريح، ومرسلات الحسن البصري التي رواها عنه الثقاتُ صحاحٌ ما أَقَلَّ ما يسقط منها، وقال يونس بن عُبَيْدٍ : سألتُ الحسن، قلت: يا أبا سعيد: إنك تقول: قال رسولُ اللهِ وَّةِ، وإنك لم تدركُهُ؟ قال: يا ابن أخي: لقد سألتَنِي عن شيء ما سألني عنه أحدٌ قبلك، ولولا منزلتُكَ مني ما أخبرتك، إني في زمان كما تَرَى - وكان في عمل الحَجَّاجِ - كل شيء سمعتني أقولُ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِِّ، فهو عن علي بن أبي طالب، غَيْرَ أني في زمان لا أستطيع أن أذكر عليًّا. انتھی . قال الحافظ في ((طبقات المدلِّسين))(٢): الحسن بن أبي الحسن البصريُّ الإمام المشهور، من سادات التابعين، رأى عثمان، وسمع خطبته، ورأى عليًّا، ولم يثبُتْ سماعه منه، كان مکثرًا من الحديث، ويرسل كثيرًا عن كل أحد، وصفه بتدليس الإسنادِ النسائيُّ وغيره. انتهى. وقال ابن أبي حاتم في كتاب ((المراسيل))(٣): سئل أبو زُرْعَة عن الحسن لقي أحدًا من البَدْرِيِّينَ؟ قال: رآهم رؤيةً، رأى عثمان بن عفَّن وعليًّا، قلت: سَمِعَ منهما حديثًا؟ قال: (١) الذهبي في ((ميزان الاعتدال)) (١/ ٥٢٧) (١٩٦٨). (٢) ابن حجر في ((طبقات المدلسين)) (٤٠). (٣) ابن أبي حاتم في ((المراسيل)) (٩٢). ٤٢٣ الباب الثاني في فوائد خاصة متعلقة بالإمام الترمذى وجامعه لا ، وكان الحسن البصري يوم بُويعَ لعليٍّ ◌َّ ◌ُه ابن أربع عشرة، ورأى عليًا بالمدينة، ثم خرج عليٌّ إلى الكوفة والبصرة، ولم يلقه الحسن بعد ذلك، وقال الحسن: رأيتُ الزبير یبایع علیًا رغبته انتھی. وقال فيه: سمعتُ أبي وأبا زرعة يقولان: لا يحتجُّ بالمراسيل، ولا يقومُ الحَجَّةُ إلا بالأسانيد الصحاح. ومنهم: سالم بن عبد الله بن عمر، قال الذهبي (١): سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، أبو عمر، ويقال: أبو عبد الله، العَدَوِيُّ العُمَرِيُّ المدني الفقيه الحجة، أحدُ مَنْ جمع بين العلم والعمل، والزهد والشرف، سمع: أباه، وعائشة، وأبا هريرة، ورافع بن خَدِيج، وسَفِينَة، وسعيد بن المسيَّب، وعنه: عمرو بن دينار، والزهريُّ، وعبيد الله بن عمر، وصالح بن کَیْسانٍ، وموسى بن عقبة، وحنظلة بن أبي سفيان، وخلق كثير، وكان شديد الأدمة، عِلْجَ الخَلْقِ، خَشِنَ العَيْشِ، يلبس الصوف تواضعًا، ويَهْنَأُ بَعِيرَهُ، ومحاسنه كثيرة، قال مالك: لم يكن أحدٌ في زمانه أشبَهَ منه بمن مضى من الصالحين في الزهد والفضل، وقال أحمد وإسحاق: أصحُّ الطرق: الزهريُّ، عن سالم، عن أبيه، وقيل: كان سالم يشتري الثوبَ بدرهمين، وقال له سليمان بن عبد الملك: أيَّ شيء تأكل؟ قال: الخبز والزيت، فإذا وجدت اللحم أكلته، وعن ميمون بن مهْرَانَ قال: كان سالم على سَمْتٍ أبيه، وعدم رفاهيته، وقيل: كان يشتري في السوق ويتجر، وقيل: إنه دخل في ثياب رَّة غليظة على سليمان، فأجلسه معه على سرير الخلافة، مات سنة ست ومائة، وقد شاخ. انتھی. وقال ابن خَلِّكَانَ (٢): هو أحدُ فقهاء المدينة من سادات التابعين وعلمائهم وثقاتهم، رَوَى عن أبيه وغيره، ورَوَى عنه الزهريّ ونافع، قال سالم: دخلْتُ على الوليد بن عبد الملك، فقال: ما أَحْسَنَ جسْمَكَ، فما طعامك؟ قلت: الكَعْكُ والزيت، قال: وتشتهيه؟ قلتُ: أدعه حتى أشتهيه، فإذا اشتهيته أكلته، قال: ودخل سليمان بن عبد الملك الكعبة، فرأى سالمًا، فقال له: سلني حوائجك؟ فقال: والله، لا سَأَلْتُ في بيت الله (١) الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) (٨٨/١). (٢) ابن خلكان في ((وفيات الأعيان)) (٣٤٩/٢). ٤٢٤ مقدمة تحفة الأحوذي غَيْرَ الله. انتهى، وقال الحافظ: قال الأصمعي عن ابن أبي الزناد: كان أهلُ المدينة يكرهون اتخاذ أمَّهَاتِ الأولاد، حتَّى نشأ فيهم القُرَّاءُ السادة: علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله، ففاقوا أهل المدينة علمًا وتقى وعبادةً، وورعًا، فَرَغِبَ الناس حينئذ في السَّرَارِي، وقال علي بن الحسن، عن ابن المبارك: كان فقهاء أهل المدينة سبعةً، فذكره فيهم، قال: وكانوا إذا جاءتهم المسألة دخلوا فيها جميعًا، فنظروا فيها، ولا يقضي القاضي حتى يرفع إليهم، فينظرون فيها، فيصدرون، وقال مالك: كان ابن عمر يخرج إلى السوق فيشتري، وكان سالم - دَهْرَهُ - يشتري في الأسواق، وكان من أفضل أهل زمانه. وقال البخاري في ((التاريخ الصغير))(١): لا أدري: سالم، عن أبي رافع صحيح أم لا؟ وقال غيره: لما قدم سَبْيُ فارس على عمر كان فيه بناتُ يزدجرد، فَقُوِّمْنَ، فأخذهنَّ عليٌّ، فأعطى واحدةً لابن عمر، فولدت له سالمًا، وأعطَى أختها لولده الحُسَيْن، فولدت له عليًا، وأعطى أختها لمحمد بن أبي بكر، فولدت له القَاسِم. ومنهم (٢): سعيد بن جُبَيْر بن هشام الأسديُّ الوالبيُّ، مولاهم أبو محمد، ويقال: أبو عبد الله الكوفيُّ أحد أعلام التابعين، أخذ العِلْمَ عن عبد الله بن عباس، وعبدِ اللهِ بْنِ عمر ـيّ قال له ابن عباس: حدِّث، فقال: أحدِّث وأنت هاهنا؟ فقال: أليس من نعمة الله عليك أن تحدِّث وأنا أشاهد، فإن أصبت فذاك، وإن أخطأت علمتك، وكان لا يستطيع أن يكتب مع ابن العباس في الفتيا، فلما عمي ابن عباس - كتب، فبلغه ذلك، فغضب، وعن ابن عباس ظه أخذ القراءة عرضًا، وسمع منه التفسير وأكثر روايته عنه، وروى عن سعيد القراءة عَرَضًا: المنهالُ بن عمرو، وأبو عمر بن العلاء. قال وفاء بن إياس: قال لي سعيدٌ في رمضان: أمسك عَلَيَّ القرآن، فما قام من مجلسه حتى ختمه، وقال سعيد: قرأت القرآن في ركعة في البيت الحرام. وقال إسماعيل بن عبد الملك: كان سعيد بن جُبَيْرٍ يؤمُّنا في شهر رمضان، فيقرأ ليلة بقراءة عبد الله بن مسعود، وليلة بقراءة زيد بن ثابت، وليلة بقراءة غيره، هكذا أبدًا، (١) انظر ((تهذيب التهذيب)) (٣٧٨/٣). (٢) انظر ((وفيات الأعيان)) لابن خلكان (٣٧١/٢). ٤٢٥ الباب الثاني في فوائد خاصة متعلقة بالإمام الترمذي وجامعه وسأله رجل أن يكتب له تفسير القرآن، فغضب، وقال: لأَنْ يسقط شقي أحبُّ إليَّ من ذلك، وقال خصيف: كان من أعلم التابعين بالطلاق: سعيد بن المسيَّب، وبالحَجِّ: عطاء، وبالحلال والحرام: طاوس، وبالتفسير: أبو الحجاج مجاهد بن جبر، وأجمعهم لذلك كله: سعيدُ بن ◌ُجُبَيْر، وكان سعيدٌ في أول أمره كاتبًا لعبد الله بن عتبة بن مسعود، ثم كتب لأبي بردة بن أبي موسى الأشعري. وذكره أبو نُعَيْم الأصبهاني في ((تاريخ أصبهان)) فقال: دخل أصبهان، وأقام بها مدة، ثم ارتحل منها إلى العراق، وسكن قرية سُنْبُلَان، وروى محمد بن حبيب: أن سعيد بن جبير كان بأصبهان يسألونه عن الحديث، فلا يحدِّث، فلما رجع إلى الكوفة حدَّث، فقيل له: يا أبا محمد، كنت بأصبهان لا تحدِّث، وأنت بالكوفة تحدث؟! فقال: انْشُرْ بَّك حَيْثُ يُعْرَفُ، وكان سعيد بن جبير مع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس، لما خرج على عبد الملك بن مروان، فلما قتل عبد الرحمن، وانهزم أصحابه من دَيْر الجماجم، هرب فلحق بمكة، وكان واليها يومئذ خالد بن عبد الله القَسْرِيَّ، فأخذه، وبعث به إلى الحجاج بن يوسف الثقفي، مع إسماعيل بن أوسط البَجَلِيّ، فقال له الحجاج: ما اسْمُكَ؟ قال: سعيد بن جُبَيْر، قال: بل أنت شَقِيُّ بن كُسَيْرٍ، قال: بل كانت أمي أعلم باسمي منك، قال: شقيتْ أمك وشقيتَ أنت، قال: الغَيْبُ يعلمه غيرك، قال: لأبدلنَّكَ بالدنيا نارًا تلّى، قال: لو علمتُ أن ذلك بيدك لَاتخذْتُكَ إلهًا، قال: فما قولك في محمَّد؟ قال: نبيُّ الرحمة وإمام الهدى، قال: فما قولك في عَلِيٍّ، أهو في الجنة، أو هو في النار؟ قال: لو دخلتُهَا وعَرَفْتُ من فيها عرفْتُ أهلها، قال: فما قولك في الخلفاء؟ قال: لستُ عليهم بوكيل، قال: فأيهم أعجبُ إليك؟ قال: أرضاهم لخالقي. قال: فأيهم أرضَى للخالق؟ قال: عِلْمُ ذلك عند الذي يعلم سرهم ونجواهم، قال: أحب أن تصدُقَني، قال: إن لم أحبَّك، لن أكذبك، قال: فما بالُكَ لَمْ تضحَكْ، قال: وكيف يضحَكُ؟ مخلوقٌ خُلِقَ من طين، والطين تأكله النار، قال: فما بالنا نَضْحَك؟ قال: لم تستو القلوب، ثم أمر الحجاج باللؤلؤ والزبرجد والياقوت، فجمعه بین یدیه، فقال سعيد: إن كنت جمعت هذا لتتقي به فزع يوم القيامة فصالح، وإلا ففزعة واحدة تذهل كل مرضعة عما أرضعت، ولا خير في شيء جمع للدنيا إلا ما طاب وزكا، ثم دعا الحَجَّاج بالعود ٤٢٦ مقدمة تحفة الأحوذي والناي، فلما ضرب بالعود ونفخ في الناي بكى سعيد، فقال: ما يبكيك، هو اللعب؟ قال سعيد: هو الحزن، أما النفخ فذكرني يومًا عظيمًا يوم النفخ في الصُّور، وأما العُود فشجرة قطعت في غير حق، وأما الأوتار فمن الشاء تبعث معها يوم القيامة، قال الحَجَّاج: ويلك يا سعيد! قال: لا وَيْلَ لمن زحزح عن النار وأدخل الجنة، قال الحَجَّاج: اختر يا سعيد أيَّ قتلة أقتلك؟ قال: اختر لنفسك يا حَجَّاج، والله، لا تقتلني قتلة إلا قتلك الله مثلها في الآخرة، قال: أفتريد أن أعفو عنك؟ قال: إن كان العفو فمن الله، وأما أنت فلا براءة لك ولا عذر، قال الحجاج: اذهبوا به فاقتلوه، فلما خرج، ضحك، فأخبر الحجاج بذلك، فردَّهُ وقال: ما أضحكك؟ قال: عجبْتُ من جرأتك على الله، وحِلْم الله عليك، فأمر بالنِّطْع فبسط، وقال: اقتلوه، فقال سعيد: ﴿إِى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى نَطَرَ الشَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَآ أَنْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٧٩]، قال: وَجِّهوا به لغير القبلة، قال سعيد: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُواْ فَثَمَّ وَجْهُ اَللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]، قال: كُبُّوه لوجهه، قال سعيد: ﴿﴿ مِنْهَا خَقْنَكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٥٥]، قال الحَجَّاج: اذبحوه، قال سعيد: أما إني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، خُذْهَا مني حتى تلقاني بها يوم القيامة، ثم دعا سعيد فقال: ((اللهم، لا تُسَلِّظْهُ على أحدٍ يقتله بعدي)»، وكان قتله في شعبان سنة خمس وتسعين للهجرة بواسط، ومات الحجاج بعده في شهر رمضان من السنة المذكورة، ولم يسلّطه الله عز وجل بعده على قتل أحدٍ إلى أن مات. وكان سعيد يقول يوم أخذ: وشَى بي واشٍ في بلد الله الحرام أَكِلُهُ إلى الله تعالَى - يعني: خالد بن عبد الله القسريَّ - وقيل: إن الحجاج قال له لما أحضر إليه: أما قدمْتَ الكوفة وليس بها إلا عربي، فجعلتكَ إمامًا؟ فقال: بلى، قال: أما وليتك القضاء فضجَّ أهل الكوفة، وقالوا: لا يصلح للقضاء إلا عربي، فاستقضيت أبا بردة بن أبي موسى الأشعري، وأمرته ألا يقطع أمرًا دونك؟ قال: بلى، قال: أما جعلتك في سُمَّاري، وكُلُّهم رؤوس العرب؟ قال: بلى، قال: أما أعطيتك مائة ألف درهم تفرِّقها في أهل الحاجة في أول ما رأيتك، ثم لم أسألك عن شيء منها؟ قال: بلى، قال: فما أخرجك عَلَيَّ؟ قال: بيعة كانت في عنقي لابن الأشعث، فغضِبَ الحَجَّاج، ثم قال: أفما كانت بيعة أمير المؤمنين عبد الملك في عنقك من قبلُ، والله، لأقتلنك، يا حَرَسِيُّ، اضْرِبْ عنقه، ٤٢٧ الباب الثاني في فوائد خاصة متعلقة بالإمام الترمذي وجامعه فضرب عنقه وذلك في شعبان سنة خمس وتسعين، وقيل: سنة أربع وتسعين للهجرة بواسط، ودفن في ظاهرها، وقبره يزار بها رابه وله تسع وأربعون سنة. وقال أحمد بن حنبل: قَتَلَ الحَجَّاجُ سعيدَ بْنَ جُبَيْر، وما على وجه الأرض أحدٌ إلا وهو مفتقر إلى علمه، ثم مات الحجاج بعده في شهر رمضان من السنة، وقيل: بل مات بعده بستة أشهر، ولم يسلّطه الله تعالى بعده على قتل أحد حتى مات، ولما قتله سال منه دم كثير، فاستدعى الحجاج الأطباء، وسألهم عنه، وعمن كان قتله قبله، فإنه كان يسيلُ منهم دمٌّ قليلٌ، فقالوا له: هذا قتلته ونفسه معه، والدم تَبَعٌّ للنفس، ومن كنت تقتله قبله كانت نفسه تذهب من الخوف، فلذلك قل دمهم. كذا في ((وفيات الأعيان))(١). ومنهم(٢): سعيد بن المسيَّب بن حَزن بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم، أبو محمد، القرشي المخزومي، فقيه المدينة، وأجل التابعين، ولد لسنتين مضتا من خلافة عمر، وسمع من عمر شيئًا وهو يخطب، وسمع من: عثمان، وزيد بن ثابت، وعائشة، وسعد، وأبي هريرة، وخلق، وكان واسع العلم، وافر الحرمة، متين الديانة، قَوَّالًا بالحق، فقيه النفس، رَوَى أسامة بن يزيد، عن نافع، عن ابن عمر، قال: سعيدُ بْنُ المسيَّب أحد المفتين، وقال أحمد بن حنبل وغيره: مرسلات سعيد صحاحٌ، وقال قتادة: ما رأيتُ أحدًا أعلَمَ من سعيد بن المسيِّب، وكذا قال الزهري ومكحول وغير واحد، وقال علي بن المديني: لا أعلم في التابعين أوسعَ علمًا من سعيد، هو - عندي - أجل التابعين، وقال العِجْلي وغيره: كان لا يقبل جوائز السلطان، وله أربعمائة دينار يَتَّجر فيها بالزيت وغيره. قال سعيد بن إبراهيم: سمعْتُ سعيد بن المسيِّب يقول: ما أحد أعلم بقضاءٍ قَضَاه رسول الله وَّ﴿ ولا أبو بكر وعمر مِنِّي، ورَوَى معمر عن الزهري: كان سعيد أعلم الناس بقضاء عمر وعثمان، وعن قتادة قال: كان الحسن إذا أشكل عليه شيء كتب إلى سعيد بن المسيِّب يسأله، قال حماد بن زيد عن يزيد بن حازم: إن ابن المسيِّب كان يَسْرُدُ الصوم، وقال عبد الرحمن بن حرملة: سمعتُ سعيدًا يقول: حججْتُ أربعين حجة، قال مالك: (١) ((وفيات الأعيان)) (٢/ ٣٧٣). (٢) الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) (٥٤/١). ٤٢٨ مقدمة تحفة الأحوذي بلغني أن سعيد بن المسيِّب قال: إن كُنْتُ لأسير الأيام والليالي في طلب الحديث الواحد. قال مصعب بن عبد الله: حدّثني مصعب بن عثمان أن الذي شهد لسعيد بن المسيِّب حين أراد مسلم بن عقبة قتله: عَمْرُو بن عثمان، ومروانُ بن الحكم، شهدا أنه مجنونٌ، فخلَّى سبيله، قال أبو يونس القوي: دخلت المسجد فإذا سعيد بن المسيِّب جالسٌ وحده، قلت: ما شأنه؟ قالوا: نهى أن يجالسه أحد. قاله الذهبي، وقال: أفردت سيرة سعيد في مؤلّف. انتھی . وقال الحافظ ابن شهاب: قال لي عبد الله بن ثعلبة بن أبي صُغَيْر: إن كنتَ تريد هذا - يعني: الفقه - فعليك بهذا الشيخ سعيد بن المسيِّب(١). وقال قتادة: ما رأيت أحداً قط أعلَمَ بالحلال والحرام منه، وقال محمد بن إسحاق، عن مكحول: طُفْتُ الأرض كلَّها في طلب العلم، فما لقيت أعلم منه، وقال سليمان بن موسى: كان أفقه التابعين، وقال عثمان الحارثي، عن أحمد: أفضلُ التابعين سعيد بن المسيِّب، وقال الليث: عن يحيى بن سعيد: كان ابن المسيِّب يسمَّى راوية عمر، كان أحفَظَ الناس لأحكامه وأقضيته. وقال إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن سعيد: ما بَقِيَ أحدٌ أعلَمُ بكلِّ قضاءٍ قَضَاهُ رسول الله وَ﴾، وكُلِّ قضاء قضاه أبو بكر، وكلِّ قضاءٍ قضاه عمر، قال إبراهيم: وأحسبه قال: وكلِّ قضاء قضاه عثمانُ مني، وقال ابن حِبَّان في ((الثقات))(٢): كان من سادات التابعين فِقْهَا ودِينًا ووَرَعًا وعبادة وفضلًا، وكان أفْقَهَ أهل الحجاز وأعبر الناس للرؤيا، ما نودي بالصلاة من أربعين سنة إلا وسعيدٌ في المسجد، فلما بايع عبدُ الملك للوليدِ وسليمانَ، وأَبَى سَعِيدٌ ذلك، فضربه هشام بن إسماعيل المخزوميُّ ثلاثين سوطًا، وألبسه ثيابًا من شعر، وأمر به فطيف به، ثم سجن. قال الواقدي: مات سنة أربع وتسعين في خلافة الوليد، وهو ابن خمس وسبعين سنة، وقال أبو نُعَيْم: مات سنة ثلاث وتسعين، قال: على تقدير ما ذكروا عنه أن مولده لسنتين مضتا من خلافة عمر، والإسناد إليه صحيح يكون مبلغُ عمره ثمانين سنة إلا سنة، لا كما قال الواقدي. ومما يؤيده ما ذكره ابن أبي شَيْبة عنه، أنه قال: بلغتُ ثمانين سنة، وإنَّ أَحْوَفَ ما (١) أخرجه أبو نعيم في «حلية الأولياء)) (٣٦٦/٣). (٢) ابن حبان في ((الثقات)) (٢٧٤/٤) (٢٨٨٢). ٤٢٩ الباب الثاني في فوائد خاصة متعلقة بالإمام الترمذي وجامعه أخافُ علي النساء، وحكى أبو بكر بن أبي خيثمة، عن ابن معين: أنه مات سنة (١٠٠). انتهى. وقال ابن خَلِّكَان(١): ((المسيَّب)) بفتح الياء المثناة من تحتها المشددة، ورُوِيَ عنه أنه كان يقول: بكسر الياء، ويقولُ: سَيَّبَ اللهُ مَنْ يُسَيِّبُ أَبِي. انتهى. ومنهم (٢): سفيان الثوري، وهو سفيان بن سعيد بن مسروق، الإمام شيخ الإسلام، سيد الحفاظ، أبو عبد الله الثوري، ثَوْرُ مُضَرَ، لا تَوْرُ هَمْدَانَ، الكوفي الفقيه، حدَّث عن: أبيه، وزبيد بن الحارث، وحبيب بن أبي ثابت، والأسود بن قيس، وزياد بن عَلَاقة، ومحارب بن دِثَار، وطبقتهم، وعنه: ابن المبارك، ويحيى القطان، وابن وهب، ووكيع، والفريابي، وقبيصة، وأبو نُعَيْم، ومحمد بن كَثِير، وأحمد بن يونس اليربوعي، وخلائق، وقال شعبة ويحيى بن معين وجماعة: سفيان أمير المؤمنين في الحديث، وقال ابن المبارك: كتبتُ عن ألف ومائة شيخ، ما فيهم أفضل من سفيان، وكان شعبة يقول: سفيان أحفظ مني. وقال ورقاء: لم ير الثوري مثل نفسه، وقال أحمد: لم يتقدَّمه في قلبي أحد، وقال القطان: ما رأيت أحفظ منه؛ كنت إذا سألته عن حديث ليس عنده اشتد عليه، وقال عبد الرزاق: قال سفيان: ما استودعت قلبي شيئًا قطّ فخانني، وقال الأوزاعي: لم يبق من تجتمع عليه الأمة بالرضى والصحة إلا سفيان، وقال ابن المبارك: لا أعلم على وجه الأرض أعلَمَ من سفيان، وقال وكيع: كان سفيان بحرًا، وقال القطان: سفيان فوق مالك في كل شيء. قال الثوري: وَدِدتُ أني نَجَوْتُ من العلم لا عَلَيَّ ولا لِي، وما مِنْ عَمَلٍ أنا أخوفُ عَلَيَّ منه - يعني: الحديث -. قال يحيى بن يمان: سمعت سفيان يقول: العالم طبيبُ الدِّين، والدرهم داء الدِّينِ، فإذا اجتر الطبيب الداء إليه متى يداوي غيره؟! قال الخريبي: سمعتُ الثوري يقول: ليس شيء أنفع للناس من الحديث. وقال أبو أسامة: سمعت سفيان يقول: ليس طلبُ الحديث من عُدَّةِ الموت، لكنه علة يتشاغل بها الرجل، قال الذهبي: صدق والله؛ إن طلب الحديث شيءٌ غَيْرُ الحديث، فطلبُ الحديث: اسم عرفي لأمور زائدة على ما يحصل ماهية الحديث، وكثير منها مَرَاقٍ إلى العلم، وأكثرها أمورٌ يشغف بها المحدِّث من تحصيل النسخ المليحة، وتطلُّب (١) ابن خلكان في ((وفيات الأعيان)) (٣٧٨/٢). (٢) الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) (٢٠٣/١). ٤٣٠ مقدمة تحفة الأحوذي المعالي، وتكثير الشيوخ، والفرح بالألقاب والثناء، وتمنِّي العمر الطويل ليروي، وحُبِّ التفرد إلى أمور عديدة لازمةٍ للأغراض النفسانية، لا الأعمال الربانية، فإذا كان طلبك لعلم الحديث النبوي محفوفًا بهذه الآفات، فمتى خلاصك إلى الإخلاص، وإذا كان علم الآثار مدخولًا - فما ظنك بعلم المنطق والجدل، وحكمةِ الأوائلِ التي تَسْلُبُ الإيمان، وتورِثُ الشكوك، والحَيْرَةَ التي لم تكنْ - والله - من علم الصحابة ولا التابعين، ولا علم الأوزاعيِّ والثوريِّ ومالكٍ وأبي حنيفة وابنٍ أبي ذِئْب وشعبة، ولا - والله - عَرَفَهَا ابنُ المبارك ولا أبو يوسف القائل: ((من طلب الدِّينَ بالكلام تزندق))، ولا وكيعٌ ولا ابن مهديٍّ ولا ابن وهب ولا الشافعيُّ ولا عَفَّان ولا أبو عُبَيْد ولا ابن المدينيِّ وأحمد وأبو ثور والمُزَنِيُّ والبخاري والأثرم ومسلم والنَّسَائي وابن خُزَيْمة وابن شُرَيْح وابن المنذر وأمثالهم، بل كانت علومُهُمُ القرآنَ والحديثَ والفقهَ والنَّحْوَ وشبه ذلك، نعم، وقال سفيان - أيضًا - فيما سمعه منه الفريابي: ما من عمل أفضلَ من طَلَبِ الحديث إذا صَحَّتِ النية فيه . وقال الفريابي: سمعتُ سفيان يقول: دخلْتُ على المهدي، فقلْتُ: بلغني أن عمر أنفق في حجته اثني عشر دينارًا، وأنت فيما أنت فيه، فغضب وقال: تريدُ أن أكون في مثل الذي أنت فيه؟ قلت: فإن لم تكُنْ في مثل ما أنا فيه ففي دون ما أنت فيه، قال ضَمْرة: سمعتُ مالكًا يقول: إنما كانت العراقُ تجيش علينا بالدراهم والثياب، ثم صارت تجيش علينا بسفيان الثوري. قال صالح جزرة: سفيان أحفظ وأكثر من مالك، لكنْ مالك ينتقي الرجال، وسفيان أحفظ من شعبة، يبلغ حديثه ثلاثين ألفًا، وحديثُ شعبة نحو عشرة آلاف، وقد صح عن معدان عن الثوري في قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد: ٤] قال: عِلمُهُ، وهكذا جاء عن جماعة من المفسرين: اللالكائي في ((السنة))(١): حدَّثنا المخلص، حدّثنا أبو الفضل شعيب بن محمد، حدَّثنا علي بن حرب بن بسام، سمعت شعيب بن جرير يقول: قلت لسفيان الثوري: حَدِّث بحديث السنة ينفعني الله به، فإذا وقفْتُ بين يديه قُلْتُ، يا رب، حدّثني بهذا سفيان، فأنجو أنا وتُؤْخَذُ، قال: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم، القرآن كلام الله غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، من قال غير هذا فهو كافر، (١) اللالكائي في ((شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة)) (١٥١/١) (٣١٤). ٤٣١ الباب الثاني في فوائد خاصة متعلقة بالإمام الترمذي وجامعه والإيمان قول وعمل ونية، يزيد وينقص، وتقدمة الشيخين ... إلى أن قال: يا شُعَيْب، لا ينفعك ما كتبتَ، حتى ترى المَسْحَ على الخفين، وحتى ترى أن إخفاء ((بسم الله الرحمن الرحيم)) أفضلُ من الجهر به، وحتى تؤمن بالقَدَرِ، وحتى ترى الصلاة خلف كل بَرِّ وفاجر، والجهادُ ماض إلى يوم القيامة، والصبر تحت لواء السلطان جَارَ أو عَدَلَ، فقلت: يا أَبا عبد الله، الصلاة كلَّها؟ قال: لا، ولكنْ صلاة الجمعة والعيدين، صَلِّ خلف من أدركت، وأما سائر ذلك فأنت مخير، لا تُصَلِّ إلا خَلْفَ من تَثِقُ به، وتعلَمُ أنه من أهل السنة، إذا وقفْتَ بين يدي الله، فسألك عن هذا، فقل: يا رب، حدَّثني بهذا سفيان الثوري، ثم خَلِّ بيني وبين الله عز وجل. قال الذهبي(١): هذا ثابتٌ عن سفيان، وشيخُ المخلص ثقة، مولد سفيان في سنة سبع وتسعين، وطلب العلم وهو حَدَثٌ، فإن أباه كان من علماء الكوفة، مات في البصرة في الاختفاء من المهديِّ، فإنه كان قَوَّالًا بالحق شديدَ الإنكار، مات في شعبان سنة إحدى وستین ومائة رضپئه قال: مناقب هذا الإمام في مجلّد لابن الجوزي، وقد اختصرته وسُفْتُ جملةً حسنةً من ذلك في ((تاريخه)). انتهى. وقال ابن خلكان(٢): كان سفيان إمامًا في علم الحديث وغيره من العلوم، وأجمع الناس على دينه وورعه وزهده وثقته، وهو أحد الأئمة المجتهدين، ويقال: إن الشيخ أبا القاسم الجنيد كان على مذهبه، قال سفيان بن عيينة: ما رأيتُ رجلًا أعلم بالحلال والحرام من سفيان الثوري، ويقال: كان عمر بن الخطاب في زمانه رَأْسَ الناس، وبعده: عبد الله بن عباس ﴿ها. وبعده: الشعبيُّ، وبعده: سفيان الثوريُّ، سمع سفيانُ الثوريُّ الحديثَ من: أبي إسحاق السبيعي، والأعمش، ومن في طبقتهما، وسمع منه: الأوزاعي، وابن جرير، ومحمد بن إسحاق، ومالك، وتلك الطبقة، وحُكِيَ عن أبي صالح شعيب بن حرب المدائني - وكان أَحَدَ السادة الأئمة الأكابر في الحفظ والدين - أنه قال: إنني لأَحْسِبُ يجاء بسفيان الثوري يوم القيامة حُجَّةً من الله على الخلق، يقال لهم: لم تدركوا نبيكم - عليه أفضل الصلاة والسلام - فلقد رأيتم سفيان الثوري، ألا اقتدیتم به. انتهى. (١) الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) (١/ ٢٠٧). (٢) ابن خلكان في ((وفيات الأعيان)) (٣٨٦/٢). ٤٣٢ مقدمة تحفة الأحوذي ومنهم(١): سفيان بن عُيَيْنَةَ بن ميمون، العلامة الحافظ، شيخ الإسلام، أبو محمد الهلاليُّ الكوفي، محدِّث الحرم، مولى محمد بن مزاحم، ولد سنة ١٠٧ سبع ومائة، وطلب العلم في صغره، سمع: عمرو بن دينار، والزهري، وزياد بن علاقة، وأبا إسحاق، والأسود بن قيس، وزيد بن أسلم، وعبد الله بن دينار، ومنصور بن المعتمر، وعبد الرحمن بن القاسم، وأمما سواهم، حدث عنه: الأعمش، وابن جُرَيْج، وشعبة، وغيرهم، ومن شيوخه: ابن المبارك، وابن المهدي، والشافعي، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وإسحاق بن راهويه، وأحمد بن صالح، وابن نمير، وأبو خيثمة، والفَلَّاس، والزعفراني، وابن موسى، وابن عبد الأعلى، وخَلْقٌ لا يحصرون، فقد كان خلق يحجون والباعث لهم لقاء ابن عيينة، فيزدحمون عليه في أيام الحج، وكان إمامًا حجة حافظًا واسع العلم كبير القدر، قال الشافعي: لولا مالكٌ وسفيانُ لذهب علم الحجاز. وعن الشافعي قال: وجدتُ أحاديث الأحكام کلّها عند مالك سوَی ثلاثین حديثًا، ووجدتها كلَّها عند ابن عيينة، سوى ستة أحاديث، قال عبد الرحمن بن مهدي: كان ابن عيينة أحفظ من حماد بن زيد، قال حرملة: سمعت الشافعي يقول: ما رأيتُ أحدًا أعلم بالتفسير منه، وقال أحمد: ما رأيت أعلم بالسنن منه، وقال ابن المديني: ما في أصحاب الزهري أتقن من ابن عيينة، قال أحمد: دخل ابن عيينة اليمنَ علَى مَعْنٍ بن زائدة ووعظه، ولم يكن سفيان تَلَّخ بَعْدُ بجوائزهم، قال العِجْلي: كان ابن عيينة ثَبتًا في الحديث، وحديثه نحوٌّ من سبعة آلاف، ولم يكن له كتب، وقال بَهْزُ بن أسد: ما رأيتُ مثله ولا شعبة، قال يحيى بن معين: هو أثبتُ الناس في عمرو بن دينار، وقال ابن مهدي: عند سفيان بن عيينة من المعرفة بالقرآن وتفسير الحديث ما لم يكن عند الثوري، اتفقتٍ الأئمة على الاحتجاج بابن عيينة؛ لحفظه وأمانته، وحج سبعين سنة، وكان مدلِّسًا لكن عن الثقات، مات في جمادى الآخرة سنة ١٩٨ هـ ثمان وتسعين ومائة؛ كذا في ((التذكرة))(٢). (١) الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) (١/ ٢٦٢). (٢) الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) (٢٦٤/١). ٤٣٣ الباب الثاني في فوائد خاصة متعلقة بالإمام الترمذي وجامعه ومنهم(١): شُرَيْحٌ القاضي، وهو: شُرَيْح بن الحارث بن قيس، أبو أمية الكندي الكوفي الفقيه، ويقال: شُرَيح بن شُرَحْبِيلَ من المُخَضْرَمين، استقضاه عمر على الكوفة، ثم عَلِيٌّ فمن بعده، وحدَّث عن عمر، وعن علي، وابن مسعود، وعنه: الشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، وعبد العزيز بن رفيع، ومحمد بن سيرين، وطائفة، استعفى من القضاء قبل موته بسنة من الحَجَّاج، وعاش مائة وعشرين سنة، وثقه يحيى بن معين، وكان فقيهًا شاعرًا فائقًا فيه دعابة، مات سنة ثمان وسبعين، وقيل: في سنة ثمانين؛ كذا في ((التذكرة)) . وقال ابن خلكان(٢): كان من كبار التابعين، وأدرك الجاهلية، واستقضاه عمر بن الخطاب ﴿ه على الكوفة، فأقام قاضيًا خمسًا وسبعين سنة، لم يتعطل فيها إلا ثلاثَ سنين، امتنع فيها من القضاء في فتنة ابن الزُّبَيْر، واستعفَى الحجّاج بن يوسف من القضاء، فأعفاه ولم يقض بين اثنين حتى مات، وكان أعلمَ الناس بالقضاء، ذا فطنة وذكاء، ومعرفة وعقل وإصابة، قال ابن عبد البر: وكان شاعرًا محسنًا، وهو أحد السادات الظُّلْسِ، وهم أربعة: عبد الله بن الزبير، وقيس بن سعد بن عبادة، والأحنف بن قيس الذي يضرب به المثل في الحِلْم، والقاضي شُرَيْح المذكور، والأَظْلَسُ: الذي لا شعر في وجهه، وكان مَزَّاحًا، دخَل عليه عدي بن أرطاة فقال له: أين أنت أصلحك الله؟! قال: بينك وبين الحائط، قال: استمع مني، قال: قل أسمع، قال: إني رجُلٌ من أهل الشام، قال: مِنْ مكانٍ سحيقٍ، قال: تزوَّجْتُ عندكم، قال: بالرَّفاءِ والبنين، قال: وأردت أن أَرْحُلَهَا، قال: الرجلُ أحقُّ بأهله، قال: وشرطَتْ لها دَارَها، قال: الشرْطُ أَمْلَكُ، قال: فاحكم الآن بيننا، قال: قد فعلْتُ، قال: فعلَى مَنْ حكمْتَ؟ قال: عَلَى ابْنِ أُمِّكَ، قال: بشهادةِ مَنْ؟ قال: بشهادة ابن أخت خالتك، ورُوِيَ أن عليَّ بن أبي طالب ◌َُهُ دخل مع خَصْم له ذِّيٍّ إلى القاضي شُريْح، فقام له، فقال: هذا أولُ جَوْرك، فأسند ظهره إلى الجدار، وقال: أما إنَّ خَصْمِي لو كان مسلمًا لجلَسْتُ بجنبه، وروي أن عليًّا تَ ◌ُته قال: اجمعوا إليَّ القراء، فاجتمعوا في رحبة المسجد، فقال: إني أوشك أن أفارقكم، فجعل يسألهم ما (١) المصدر السابق (٥٩/١). (٢) ابن خلكان في ((وفيات الأعيان)) (٤٦٠/٢). ٤٣٤ مقدمة تحفة الأحوذي تقولون في كذا؟ ما تقولون في كذا؟ وشُرَيْحُ ساكتٌ، ثم سأله، فلما فرغ منهم قال: اذهَبْ فأنت مِنْ أفضَلِ الناس، أو من أفضل العربِ، وتزوَّج شُرَيْحٌ امرأة من بني تميم، تسمَّى: (زينب)) فنقم عليها شيئًا، فضربها، ثم ندم، وقال: [من الطويل] فَشَلَّتْ يَمِينِي يَوْمَ أَضْرِبُ زَيْنَبَا رَأَيْتُ رِجَالًا يَضْرِبُونَ نِسَاءَهُمْ فَمَا العَدْلُ مِنِّي ضَرْبَ مَنْ لَيْسَ مُذْنِبًا أَأَضْرِبُهَا مِنْ غَيْرِ ذَنْبٍ أَتَتْ بِهِ إِذَا طَلَعَتْ لَمْ تُبِقِ مِنْهُنَّ كَوْكَبَا فَزَيْنَبُ شَمْسٌ وَالنِّسَاءُ كَوَاكِبٌ هكذا ذكر هذه الحكايةَ صاحبُ ((العِقْدِ))(١)، ويروَى(٢) أن زياد بن أبيه كتب إلى معاوية: يا أمير المؤمنين، قد ضبطْتُ لك العراقَ بشمالي، وفرغَتْ يميني لطاعتك، فولِّني الحجاز، فبلغ ذلك عبد الله بن عمر رضيها وكان مقيمًا بمكة، فقال: اللهم، اشغل عنا يمين زياد، فأصابه الطاعون في يمينه، فجمع الأطباء واستشارهم، فأشاروا عليه بقطعها، فاستدعى القاضي شُرَيْحًا وعرض عليه ما أشار به الأطباء، فقال: لتلك رزقٌ معلومٌ، وأجَلٌ محتوم، وإني أكره - إن كانت لك مدة - أن تعيش في الدنيا بلا يمين، وإن كان قد دنا أجلك أن تلقَى ربَّكَ مقطوعَ اليد، فإذا سألك: لِمَ قَطَعْتَها؟ قَلْتَ: بغضًا في لقائك، وفرارًا من قضائك، فماتَ زياد من يومه، فلام الناسُ شُرَيْحًا على منعه من القطع؛ لبغضهم له، فقال: إنه استشارني، والمستشار مؤتَمَنٌ، ولولا الأمانة في المشورة لوددتُ أنه قطع يده يومًا ورجله يومًا، وسائر جسده يومًا يومًا، وكانت وفاة القاضي شُرَيْحٍ سنة سبع وثمانين للهجرة، وهو ابن مائة سنة، وقيل: سنة اثنتين وثمانين، وقيل: سنة ثمان وسبعين، وقيل: سنة ثمانين، أو: سنة تسع وسبعين، وقيل: سنة ست وسبعين، وهو ابن مائة وعشرين، وقيل: مائة وثمان سنين. انتهى. ومنهم(٣): شُعْبَة بن الحَجَّاج بن الوَرْد، الحافظ، شيخُ الإسلام، أبو بِسْطام الأزديُّ العتكِيُّ مولاهم، الواسطي، نزيلُ البصرة ومحدِّثها، سمع من الحسن مسائلَ، وسمع من معاوية بن قُرَّة، وعمرو بن مرة، والحكم، وسلمة بن كُهَيْل، وأنس بن سيرين، ويحيى بن (١) ابن عبد ربه في ((العقد الفريد)) (٢٥٥/٥). (٢) انظر ((وفيات الأعيان)) (٤٦٢/٢). (٣) الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) (١/ ١٩٣). ٤٣٥ الباب الثاني في فوائد خاصة متعلقة بالإمام الترمذي وجامعه أبي كثير، وخلق كثير، وعنه: أيوب السختياني، وسفيان الثوري، وابن المبارك، وغُنْدَر، وآدم، وعفان، وأبو داود، وسليمان بن حرب، وعلي بن الجعد، وأمم لا يحصون، قال ابن المديني: له نحو ألفَيْ حديث، وكان الثوري يقول: شعبة أمير المؤمنين في الحديث، وقال الشافعي: لولا شعبةٌ لما عُرِفَ الحديثُ بالعراق، قال أبو بكر البكراوي: ما رأَيْتُ أَحَدًا أعبد الله من شعبة؛ لقد عبد الله حَتَّى جَفَّ جلده على عظمه واسوَدَّ، وقال عمر بن هارون: كان شعبة يصُومُ الدهر، وقال أبو قطن: ما رأيتُ شعبة قد ركع إلا ظننتُ أنه نسي، ولا سجد إلا قلت: نسي، قال يحيى القَطَّانُ: كان رقيقًا يعطي السائل ما أمكنه، قال أبو قطن: كانت ثيابه لونها كالتراب، وكان كثير الصلاة. قال الحاكم في ترجمته: شعبة رَأَى أنس بن مالك، وعمر بن سلمة، وسمع من أربعمائة من التابعين، وحدَّث عنه من التابعين: سعيد بن إبراهيم، ومنصور بن المعتمر، والأعمش، وأيوب، وداود بن أبي هند، قال أبو زيد الهاروني: ولد شعبة سنة ثنتين وثمانين، قال أبو قتيبة: قدمت الكوفة، فقال لي سفيان: ما فعل أستاذنا شعبة؟ قال أبو قلابة: أنبأنا أبي أنبأنا حماد بن زيد: أنه كان إذا حدَّث عن شعبة، قال: حدَّثنا الضَّخْم عن الضخام، شعبةُ الخيرِ أبو بِسْطام، قال أبو الوليد: قال لي حماد بن زيد: إذا خالفني شعبة تبعته؛ لأنه كان لا يرضَى أن يسمع الحديث عشرين مرة، وأنا أرضَى أن أسمعه مرة، قال أبو زيد الهرويُّ: سمعتُ شعبة يقول: لأَنْ أَقَعَ من السماء، فأتقطَّعَ أحبُّ إليَّ من أن أدلِّس، وعبد الرحمن بن يونس المستملي: سمعت ابن عيينة يقول: سمعتُ شعبة يقول: مَنْ طَلَبَ الحديث أَفْلَسَ، بِعْتُ طَسْتَ أمي بسبعة دنانير. قال أحمد بن حنبل: كان شعبةُ أُمَّةً وحده في هذا الشأن، يعني: في الرجال وبصره بالحديث. قال أبو الوليد الطيالسي: قلت ليحيى بن سعيد: رأيت أحدًا أحسن حديثًا من شعبة؟ قال: لا، قلت: كم صحبته؟ قال: عشرين سنة. سلم بن قتيبة: قال شعبة: يا قوم كلَّما تقدَّمتم في الحديث تأخرتم في القرآن، قال ابن المديني: شعبة أحفظُ للمشايخ، وسفيان أحفظ للأبواب، روى عَبْدَانُ بن عثمان عن أبيه قال: قَوَّمْنَا حمار شعبة وسَرْجَه ولجامه بِضْعة عشر درهمًا، قال أبو داود الطيالسي: جاء سليمان بن المغيرة يبكي، وقال الشعبة: مات حماري، وذهبَتْ مني الجمعة، وذهبَتْ حوائجي، قال: بكم أخذتَهُ؟ قال: بثلاثة دنانير، فقال: عندي ثلاثة دنانير، ما أملك غيرها، ثم قام ودفعها إلى سليمان، ٤٣٦ مقدمة تحفة الأحوذي وروى سليمانُ بن أبي شيخ، عن صالح بن سليمان قال: منشأ شعبة واسط، وعِلْمُهُ كوفي، وله ابْنٌّ اسمه: سعد، وله أخوان: بَشَّار، وحمَّاد، يعالجان الصَّرْف، وكان شعبة يقول لأصحابه: ويلكم، الزموا السوق، فإنما أنا عيال على أخويَّ، قال: وما أكل شعبة من كسبه درهمًا قُ. قال أبو العباس السَّرَّاج: أنبأنا محمد بن عمرو، سمعتُ أصحابنا يقولون: وهب المهدي شعبةً ثلاثين ألف درهم، فقسَّمها، وأقطعه ألفَ جَرِيبٍ بالبصرة، فَقَدِمَ البَصرة، فلم يجد شيئًا يطيب له، فتركها، قال الأصمعي: لم يُرَ أَحَدٌ قَظُ أَعْلَمَ بالشعر من شعبة، قال لي: كنت ألزم الطّرمَاح أسأله عن الشعر؛ كذا في ((التذكرة))(١). وقال الحافظ(٢): قال حماد بن زيد: قال لنا أيوب: الآن يَقْدُمُ عليكم رجلٌ من أهل واسط، هو فارس في الحديث، فخذوا عنه. وقال أبو الوليد الطيالسي: قال لي حماد بن سلمة: إذا أردتَ الحديث فالزم شعبة، وقال حماد بن زيد: ما أبالي من خالفني إذا وافقني شعبة، فإذا خالفني شعبة في شيء تركته، وقال يزيد بن زريع: كان شعبة من أصدق الناس في الحديث، وقال مسلم بن إبراهيم: ما دخلْتُ على شعبة في وقت صلاة قظُ إلا رأيته قائمًا يصلِّي، وقال النَّضْر بن شُمَيْل: ما رأيتُ أَرْحَمَ بِمِسْكِين منه، وقال قُرَادُ أبو نوح: رَأَى عَليَّ شعبةُ قميصًا، فقال: بكَمْ أَخذْتَ هذا؟ قلْتُ: بثمانية دراهم، قال لي: ويحك! أما تتقي الله؛ تلبس قميصًا بثمانية! ألا اشتريتَ قميصًا بأربعة، وتصدقْتَ بأربعة، قلت: إنا مع قوم نتجمَّل لهم، قال: أَيْش تتجمّل لهم؟! وقال وكيع: إني لأَرجو أن يرفع الله لشعبة في الجنة درجاتٍ؛ لذبه عن رسول الله وَّه. وقال يحيى القطان: ما رأيت أحدًا قطُ أحسَنَ حديثًا من شعبة. وقال ابن المديني: سألت يحيى بن سعيد: أيهما كان أحفَظَ للأحاديث الطَّوَالِ؛ سفيان أو شعبة؟ فقال: كان شعبة أَمَرَّ فيها، قال: وسمعتُ يحيى يقول: كان شعبةُ أعلَمَ بالرجال: فلانٌ عن فلان، وكان سفيان صاحبَ أبواب، وقال أبو داود: لمَّا مات شعبة قال سفيان: مات الحديث، وقال ابن سعد: كان ثقةً مأمونًا ثَبْتًا حجةً، صاحبَ حدیث، (١) الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) (١٩٦/١). (٢) ابن حجر في ((تهذيب التهذيب)) (٣٠١/٤). ٤٣٧ الباب الثاني في فوائد خاصة متعلقة بالإمام الترمذي وجامعه وقال العِجْلي: ثقة ثبتٌ في الحديث، وكان يخطئ في أسماء الرجال قليلًا، وقال صالح جزرة: أول من تكلّم في الرجال شعبة، ثم تبعه القَطّان، ثم أحمد، ويحيى، وقال ابن سعد: توفي أول سنة ١٧٠ بالبصرة، وقال أبو بكر بن منجويه: ولد سنة ٨٢، ومات سنة ١٦٠، وله ٦٨ سنة، وكان من سادات أهل زمانه حفظًا وإتقانًا وورعًا وفضلًا، وهو أول من فتَّش بالعراق عن أمر المحدِّثين، وجانَبَ الضعفاء والمتروكين، وصار علمًا يقتدى به، وتبعه بعده أهلُ العراق، قال: أمَّا ما تقدَّم من أنه كان يخطئُ في الأسماء فقد قال الدارقطنيُّ في ((العلل)): كان شعبة يخطئُ في أسماء الرجال كثيرًا؛ لتشاغله بحفظ المتون(١)، وفي ((تاريخ ابن أبي خيثمة)): قال شعبة: ما رويْتُ عن رجل حديثًا إلا أتيته أكثر من مَرَّةٍ، والذي رويْتُ عنه عشرةً أتيته أكثر من عَشْرِ مِرَارٍ، وقيل لابن عوف: ما لك لا تحدِّثُ عن فلان؟ قال: لأَنَّ أبا بسطام تركه، وقال الحاكم: شعبة إمام الأئمة في معرفة الحديث بالبصرة، رأى أنس بن مالك، وعمر بن سَلَمة الصحابيّين، وسمع من أربعمائة من التابعين . ومنهم (٢): طاوس بن كَيْسَان الخَوْلَانِيُّ، أبو عبد الرحمن الهَمْدَانِيُّ اليماني، من أبناء الفرس، أحد الأعلام التابعين، سمع ابن عباس وأبا هريرة ﴿ وروى عنه: مجاهد، وعمرو بن دينار، وكان فقيهًا جليل القدر، نبيه الذكر، قال ابن عيينة: قلتُ لعبد الله بن يزيد: مع من تدخل على ابن عباس؟ قال: مع عطاء وأصحابه، قلت: وطاوس؟ قال: أَيْهَاتَ! ذلك يدخلُ مع الخواصِّ، وقال عمرو بن دينار: ما رأيتُ أحدًا قَظُ مثل طاوس، ولما ولي عُمَرُ بن عبد العزيز الخلافَة كتب إليه طاوسُ المذكور: إن أردتَ أن يكونَ عَمَلُكَ خيرًا كلُّه فاستعمل أهل الخير، فقال عمر: كَفَى بها موعظةً، وتوفي حاجًا بمكة قبل يوم التروية بيوم، وصلى عليه هشام بن عبد الملك، وذلك في سنة ست ومائة، وقيل: سنة أربع ومائة وقال بعض العلماء: مات طاؤُس بمكة، فلم يتهيأ إخراجُ جنازته؛ لكثرة الناس، حتى وجه إبراهيم بن هشام المخزوميُّ أميرُ مكة بالحارث، فلقد رأيتُ عبد الله بن الحسن بن (١) الدارقطني في ((العلل)) (١١/ ٣١٤). (٢) ابن خلكان في ((وفيات الأعيان)) (٥٠٩/٢). ٤٣٨ مقدمة تحفة الأحوذي علي بن أبي طالب ﴿ّه يحملُ السرير على كاهله، وقد سقطَتْ قَلنسُوتُهُ، كانت على رأسه، ومُزِّقَ رداؤه من خلفه، ورأيت بمدينة بعلبك داخل البلد قبرًا يزار، وأهلُ البلد يزعمون أنه لطاوس المذكور، وهو غلط، قال أبو الفرج بن الجوزي في كتاب ((الألقاب)): إن اسمه ذكوان، وطاوس لقبه، وإنما لقب به لأنه كان طاوسَ القراءِ، والمشهورُ أنه اسمه، وروي أن أمير المؤمنين أبا جعفر المنصور استدعَى عبد الله بن طاوس، ومالك بن أنس ﴿ّ فلما دخلا عليه أطرق ساعة، ثم التفت إلى ابن طاوس، وقال له: لتحدثني عن أبيك، فقال: حدَّثني أبي أَنَّ أَشَدَّ الناسِ عذابًا يَوْمَ القيامةِ رَجُلٌ أَشْرَكَهُ الله تَعَالَى في سلطانه، فأَدخَلَ عليه الجَوْرَ في حكمه، فأمسَكَ أبو جعفر ساعة، قال مالك: فَضَمَمْتُ ثيابي خوفًا أن يصيبني دَمُهُ، ثم قال له المنصورُ: نَاوِلْنِي تلك الدواة، ثلاث مرات، فلم يفعَلْ، فقال له: لِمَ لَا تناوِلُني؟ فقال: أخافُ أن تَكْتُبَ بها معصيةً، فأكون قد شاركتك فيها، فلما سَمِعَ ذلك قال: قوما عَنِّي، قال: ذلك ما كنا نَبْغِي، قال مالك: فما زِلْتُ أعرِفُ لابن طاوسٍ فَضْلَهُ من ذلك اليوم؛ كذا في ((وفيات الأعيان)). وقال الحافظ (١): قال عبد الملك بن ميسرة عنه: أدركْتُ خمسين من الصحابة، وقال ابن جُرَيْج، عن عطاء، عن ابن عباس: إني لأَظُنُّ طاوسًا من أهل الجنة، وقال ليث بن أبي سُلَيْم: كان طاوسٌ يعد الحديث حرفًا حرفًا، وقال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقة، وكذا قال أبو زرعة، وقال ابن حِبَّان: كان من عُبَّاد أهل اليمن، ومن سادات التابعين، وكان قد حج أربعين حجة، وكان مستجاب الدعوة، وقال ضمرة عن ابن شوذب: شَهِدتُ جنازة طاوسٍ بمكة سنة مائة، فجعلوا يقولون: رَحِمَ الله أبا عبد الرحمن، حجَّ أربعين حجة، وقال عمرو بن دينار: ما رأيت أحدًا أَعَفَّ عما في أيدي الناس من طاوس، وقال ابن عيينة: متجنبو السلطانِ ثلاثةٌ: أبو ذر في زمانه، وطاوُسٌ في زمانه، والثوريُّ في زمانه. انتھی. ومنهم: الشعْبِيُّ وهو: عامر بن شَرَاحِيلَ بن عَبْد، وقيل: عامر بن عبد الله بن شَرَاحِیل الحميري، أبو عمرو الكوفي، من شعب هَمْذانَ، قال ابن خلكان (٢): هو تابعي جليلُ القَدْر، وافر العلم. (١) ابن حجر في ((تهذيب التهذيب)) (٩/٥). (٢) ابن خلكان في ((وفيات الأعيان)) (١٢/٣). ٤٣٩ الباب الثاني في فوائد خاصة متعلقة بالإمام الترمذي وجامعه روي أن ابن عمر نظّه مَرَّ به يومًا، وهو يحدث بالمغازي، فقال: شهدت القوم وإنه لأعلم بها مني، وقال الزهري: العلماء أربعة: ابن المسيِّب بالمدينة، والشَّعْبِيُّ بالكوفة، والحسن البصري بالبصرة، ومكحولٌ بالشام، ويقال: إنه أدرك خمسمائة من أصحاب رسول الله وَّله، وحكى الشعبي قال: أنفذني عبد الملك بن مروان إلى مَلكِ الروم، فلما وصلت إليه جعل لا يسألني عن شيء إلا أجبتُهُ، وكانَتِ الرُّسُلُ لا تطيلُ الإقامةَ عنده، فحبسني أيامًا كثيرةً حتى استحثَنْتُ خروجي، فلما أردتُ الانصراف قال لي: أمِنْ أهل بيت المملكة أنت؟ فقلت: لا، ولكني رَجُلٌ من العرب في الجملة، فَهَمَسَ بشيء، فَدُفِعَتْ إليَّ رقعةٌ، وقال لي: إذا أدَّيْتَ الرسائل إلى صاحبك فأوصل إليه هذه الرقعة، قال: فأديْتُ الرسائل عند وصولي إلى عبد الملك، وأنْسِيتُ الرقعة، فلما صِرْتُ في بعض الدار أريدُ الخروج تذكَّرتها، فرجعْتُ فأوصلتها إليه، فلما قرأها قال لي: أقال لك شيئًا قبل أن يدفعها إليك؟ قلتُ: نعم، قال لي: أَمِنْ أَهْلِ بَيْتِ المملكة أنت؟ قلتُ: لا، ولكني من العرب في الجملة، ثم خرجْتُ من عنده، فلما بلغْتُ الباب رددت، فلما مَثَلْتُ بين يديه قال لي: أتدري ما في الرقعة؟! قلت: لا، قال: اقرأها، فقرأْتُها فإذا فيها: عجبْتُ من قوم فيهم مِثْلُ هذا، كَيْفَ مَلَّكُوا غيره؟! فقلت له: والله، لو علمْتُ ما فيها ما حملتها، وإنما قال هذا لأنه لم يَرَكَ، قال: فَتدري لِمَ كَتبها؟ قلت: لا، قال: حَسَدَنِي عليك، وأراد أن يغريني بقتلك، قال: فتأدى ذلك إلى ملك الروم، فقال: ما أردت إلا ما قال. وكلَّم الشعبيُّ عمرو بْنَ هُبَيْرَة أمير العراق في قوم حَبَسَهم ليطلقهم، فأبى، فقال له: أيها الأمير، إن حبستهم بالباطل فالحق يخرجهم، وإن حبستهم بالحق فالعفو يسعهم، فأطلقهم. وقال قتادة: ولد الشعبي لأربع سنين بقين من خلافة عمر مظ لته . وقال خليفة بن خَيَّاط: ولد الشعبي والحسن البصري في سنة إحدى وعشرين، وقال الأصمعي: في سنة سبع عشرة بالكوفة، وكان ضئيلاً نحيفًا، قيل له يومًا: ما لنا نراك ضئيلاً؟ فقال: زُوحِمْتُ في الرَّحِمِ، وكان قد ولد هو وأخ آخر في بطن واحدٍ، وأقام في البطن سنتين. ذكره في كتاب ((المعارف))(١)، ويقَال: إن الحَجَّاج بن يوسف الثقفيَّ قال له يومًا: كم عطاؤك في السنة؟ فقال: أَلْفَيْن، فقال: ويحك! كم عطاؤك؟ فقال: أَلفَانٍ، (١) لابن قتيبة الدينوري. وانظر ((المعارف)) له (ص/ ٤٥٠). ٤٤٠ مقدمة تحفة الأحوذي قال: كيف حتى لَحَنْتَ أولًا؟ قال: لَحَنَ الأميرُ، فلحنت، فلما أعرب أعربت، وما أمكن أن يلحن الأمير وأُعْرِبَ أنا، فاستحسن ذلك منه وأجازه، وكان مزَّاحًا، يحكى أن رجلاً دخل عليه - وهو مع امرأته في البيت - فقال: أيكما الشعبي؟ فقال: هذه. وكانت ولادته لست سنين خلون من خلافة عثمان ربه وقيل: سنة عشرين للهجرة، وقيل: إحدى وثلاثين، ورُوِيَ عنه أنه قال: ولدت سنة جلولاء، وهي: سنة تسع عشرة، وتوفي بالكوفة سنة أربع، وقيل: ثلاث، وقيل: ست، وقيل: سبع، وقيل: خمس ومائة، وكانت وفاته فجأة، وكانت أمه من سَبْىٍ جَلُولَاءَ. والشَّعْبِيُّ، بفتح الشين المعجمة، وسكون العين المهملة، وبعدها باء موحدة، هذه النسبة إلى شَعْبٍ، وهو: بطن من هَمْدَانَ، وقال الجوهري: هذه النسبة إلى جبل باليمن نزله حسان بن عمرو الحميري هو وولده، ودفن به، وهو: ذو شعبين، فمن كان بالكوفة منهم قيل لهم: ((شَعْبِيُّونَ))، ومن كان منهم بمصر والمغرب قيل لهم ((الأشعوب))، ومن كان منهم بالشام قيل لهم: ((شعبانيون))، ومن كان باليمن قيل لهم: ((آل ذِي شَعْبَيْنِ»، وجَلُولاء، بفتح الجيم، وضم اللام، ومد آخره: قرية بناحية فارس، كانت بها الوقعة المشهورة من الصحابة ﴿ه، وكان كثيرًا ما يتمثل بقول مسكين الدَّارِمِيِّ: [من الرمل] إِنَّمَا الأَحْلَامُ في حَالِ الغَضَبْ لَيْسَتِ الأَحْلَامُ فِي حَالِ الرِّضَا (١) انتھی . وقال الحافظ(٢): قال أشعث بن سوار: لقي الحسنُ الشعبيَّ فقال: كان والله كثيرَ العلم، عظيم الحلم، قديم السلم، من الإسلام بمكان، وقال عبد الله بن عُمَير: مَرَّ ابن عمر على الشعبي وهو يحدث بالمغازي، فقال: لقد شهدت القوم، فَلهو أحفظُ لها وأعلَمُ بها، وقال مكحول: ما رأيت أفقه منه، وقال ابن عيينة: كانت الناس تقول بعد الصحابة: ابن عباس في زمانه، والشعبي في زمانه، والثوري في زمانه، وقال ابن شُبْرُمَةَ: سمعت الشعبيَّ يقول: ما كتبت سوداء في بيضاء، ولا حدَّثني رجلٌ بحديث إلا حفظته، ولا حدَّثني رجل بحديث فأحببت أن يعيده عليَّ، وقال ابن معين: إذا حدَّث عن رجل فسماه، فهو ثقة یحتج بحديثه. انتهى. (١) من ((وفيات الأعيان)) لابن خلكان (١٦/٣). (٢) ابن حجر في ((تهذيب التهذيب)) (٥٩/٥).