Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨١ الباب الثاني في فوائد خاصة متعلقة بالإمام الترمذي وجامعه على ما هو عليه تركْتَ أقوالهم بقولهم عند صحة الحديث: إنه يجبُ ترك قولهم، وخلافُ الأئمة الأربعة ليس مما عُدَّ دليلًا على علة خفية في الحديث، بل ولا خلاف الحديث أكثر منهم من العلماء، ولا عدم أخذهم للحديث إذا ثبت من حذّاق الفن الحكم عليه بالصحة أو بالحسن، وليس أحد من المحدثين يلتفتُ في صحة الحديث وحسنه إلى اشتراط أخذ أهل العلم له. انتهى. ومنها: أنه قد يقولُ بعد رواية الحديث: ((هذا حديث حسن))، وقد يقول: ((هذا حديث صحيح))، وقد يجمع بين هذين اللفظين ويقول: ((هذا حديث حسن صحيح))، فتَبَّعْتُ فوجدتُ أنه إذا كان الحديثُ مرويًا في ((الصحيحين)) أو أحدِهِما - فيقول بعد روايته ((هذا حديث حسن صحيح)) بجمع اللفظين، هذا هو الغالب من عادته، وقد يخالفه. ومنها: أن الحديث إذا يكونُ عنده حسنًا مع الغرابة، فيقول: «هذا حديث حسن غريب))، فيقدِّم وصف ((الحسن)) على ((الغرابة))، وقد عكس هذا في بعض المواضع، كما قال في ((باب ما جاء في الأربع قبل العصر)) بعد رواية حديث ابن عمر مرفوعًا: ((رَحِمَ اللهُ امْرَأَ صَلَّى قَبْلَ العَصْرِ أَرْبَعًا))(١): هذا حديث غريب حسن، كذا وقع في بعض النسخ، قال العراقي: جَرَتْ عادة المصنّفِ أن يقدِّم الوصف بـ ((الحسن)) على ((الغرابة))، وقدم - ههنا - الغريب على الحسن، والظاهر: أنه يقدم الوصف الغالب على الحديث، فإن غلب عليه الحسن قدَّمه، وإن غلبت عليه الغرابة قدَّمها، وهذا الحديث بهذا اللفظ لا يعرف إلا من هذا الوجه، وانتفَتْ فيه وجوهُ المتابعات والشواهد، فغلب عليه وصف الغرابة. انتهى كلامه. قلت ... . ومنها: أنه يقول: ((حدیث حسن صحیح))، (حدیث غریب حسن))، ((حديث حسن غريب صحيح))، وسيأتي الكلام مفضَّلًا في الفصل الذي يليه في بحث اجتماع الحسن والغرابة والصحة. (١) الترمذي، كتاب الصلاة، حديث (٤٣٠). تقدم. ٣٨٢ مقدمة تحفة الأحوذي الفَصْلُ الحَادِيَ عَشَرَ: في شَرْحِ بَعْض الأَلْفَاظِ الَّتِي اسْتَعْمَلَهَا التِّرْ مِذِيُّ في هَذَا الكِتَابِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِتَصْحِيحِ الأَحَادِيثِ وَتَضْعِيفِهَا، وَالجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ، وَفي بَيَانِ الْمَذَاهِبِ، وَغَيْرٍ ذلِكَ فمنها قوله: ((فيه مقال))، أو: ((في إسناده مقال))، معناه: أن فيه موضعَ قولٍ للمحدِّثین، أي: تكلموا فيه وطعنوا في صحته. ومنها قوله: ((ذاهب الحديث))، قال الطَّيِّيّ: أي ذاهبٌ حديثُهُ، غيرُ حافظٍ للحديث. ومنها قوله: ((هو مُقَارِبُ الحديثِ))، قال القاضي أبو بكر بن العربي في ((شرح الترمذي)): يُرْوَى بفتح الراء وكسرها، وبفتحها قرأته، فمن فتح أراد: غَيْرُهُ يقارِبُهُ في الحفظ، ومن كسر أراد أنه يقاربُ غيرَهُ، فهو - في الأول - : مفعول، وفي الثاني: فاعل، والمعنى واحد. انتهى. وقال الحافظ السُّيوطي في ((تدريب الراوي))(١): قوله: ((مُقَارِبُ الحديث))، قال العراقي: ضبط في الأصول الصحيحة بكسر الراء، وقيل: إن ابن السَّيد حكى فيه الفتح والكسر، وأن الكسر من ألفاظ التعديل، والفتح من ألفاظ التجريح، قال: وليس ذلك بصحيح، بل الفتح والكسر معروفان، حكاهما ابن العربي في ((شرح الترمذيّ))، وهما - على كل حال - من ألفاظ التعديل، وممن ذكر ذلك الذهبيُّ، قال: وكأن قائل ذلك فَهِمَ من فتح الراء أن الشيءَ المقارَبَ هو الرديء، وهذا من كلام العوامٌ وليس معروفًا في اللغة، وإنما هو على الوجهين من قوله بََّ: ((سَدِّدُوا وَقَارِبُوا))(٢) فمن كسر قال: إن معناه: حديثه مقارِبٌ لحديث غيره، ومن فتح قال: معناه: أن حديثه يقارِبُهُ حديثُ غيره، ومادة ((فاعَلَ)) تقتضي المشاركة. انتهى، وممن جزم بأن الفتح تجريحٌ: البلقيني في ((محاسن الاصطلاح))، قال: حكى ثعلَبُ: ((هو مُقَارَبٌ)) أي: رديء. انتهى. ومنها قوله في الحارث بن وجِيهٍ: هو شيخٌ ليس بذاك، قال الطَّيِّبِيّ: أي شيخٌ كبيرٌ، غلب عليه النسيان، ليس بذاك المقام الذي يوثق به، أي: روايته ليست بقوية. انتهى. وقال القاري في ((المرقَاة شرح المشكاة)): وظاهره يقتضي أن قوله: ((هو شيخ)) للجرح، وهو (١) السيوطي في ((تدريب الراوي)) (٣٤٩/١). (٢) أخرجه البخاري، كتاب الرقاق، حديث (٦٤٦٣)، ومسلم، كتاب صفة القيامة، حديث (٢٨١٦). ٣٨٣ الباب الثاني في فوائد خاصة متعلقة بالإمام الترمذي وجامعه مخالف لما عليه عامَّة أصحاب الجرح والتعديل من أن قولهم: ((هو شيخ)) من ألفاظ مراتب التعديل، فعلى هذا يجيء إشكال آخر في قول الترمذي؛ لأن قولهم: ((ليس بذاك)) من ألفاظ الجرح اتفاقًا، فالجمع بينهما في شخص واحد جَمْعٌ بين المتنافيَين فالصواب: أن يحمل قوله: ((وهو شيخ)) على الجرح؛ بقرينة مقارنته بقوله: ((ليس بذاك))، وإن كان من ألفاظ التعديل، ولإشعاره بالجرح؛ لأنهم - وإن عدوه في ألفاظ التعديل - صرحوا أيضًا بإشعاره بالقرب من التجريح، أو نقول: لا بُدَّ في كون الشخص ثقةً من شيئين: العدالة والضبط، كما بُيِّن في موضعه، فإذا وجد في الشخص العدالة دون الضبط - يجوز أن يعدل باعتبار الصفة الأولى، ويجوز أن يجرح باعتبار الصفة الثانية، فإذا كان كذلك - لا يكون الجمع بينهما جمعًا بين المتنافيين. كذا في السيد جمال الدين رحمه الله تعالى. انتهى كلام القاري. قلت: الظاهرُ أن مراد الترمذي بقوله: ((هو شيخ)): معناه اللغويُّ، لا معناه المصطلحُ عند المحدِّثين، وإليه أشار الطَّيِّيّ بقوله: أي: شيخٌ كبيرٌ غلَب عليه النسيان، فلا إشكال، وأما قول السيّد جمال الدين: ((فإذا وجد في الشخص العدالة دون الضبط يجوز أن يعدَّل ... )) إلخ - صحيح، وقال الترمذي(١) في كتاب ((العلل الصغير)): قد تكلّم بعضُ أهل الحديث في قوم من أجلّة أهل العلم وضعفوهم من قِبَل حفظهم، ووثّقهم آخرون بجلالتهم وصدقهم. انتھی. ومنها قوله: ((إسناده ليس بذاك)) أي: بذاك القويِّ؛ قال الطَّيِّبيّ: المشار إليه بـ ((ذاك)) ما في ذهن من يعتني بعلم الحديث ويعتدُّ بالإسناد القوي. انتهى. ومنها قوله: ((هذا حديث غريب إسنادًا)) أي: لا متنا، والمراد به: حديثٌ يعرف متنه عن جماعة من الصحابة، وانفرد واحد بروايته عن صحابي آخر. قال في ((تدريب الراوي)»(٢): وينقسم - أي: الغريب - أيضًا إلى: غريب متنًا وإسنادًا، كما لو انفرد بمتنه راو واحد، وإلى: غريب إسنادًا لا متنا، كحديث معروف، رَوَى متنه جماعة من الصحابة انفرد واحدٌ بروايته عن صحابي آخر، وفيه يقول الترمذي: ((غريب من هذا الوجه)). انتهى. (١) الترمذي في ((العلل الصغير)) (ص/ ٧٤٤). (٢) السيوطي في ((تدريب الراوي)) (٢/ ١٨٢). ٣٨٤ مقدمة تحفة الأحوذي ومنها قوله: ((هذا حديث غريب من هذا الوجه)) أي: من هذا الإسناد، وأراد به ما أراد بقوله: ((هذا حديث غريب إسنادًا)). قال ابن الصلاح(١): الحديث الذي يتفرَّد به بعض الرواةِ يوصف بـ ((الغريب))، وكذلك الحديث الذي يتفرَّد به بعضهم بأَمْرٍ لا يذكره فيه غيره، إما في متنه، وإما في إسناده، ثم إن الغريب ينقسم إلى: صحيح، كالأفراد المخرَّجة في الصحيح، وإلى: غير صحيح، وذلك هو الغالب على الغرائب، وينقسم الغريب أيضًا من وجه آخر فمنه: ما هو غريبٌ متنا وإسنادًا، وهو الحديث الصحيح الذي تفرد برواية متنه راوٍ واحدٌ، ومنه: ما هو غريبٌ إسنادًا لا متنا، كالحديث الذي متنُهُ معروفٌ مرويٌّ عن جماعة من الصحابة، إذا انفرد بعضُهم بروايته عن صحابي آخر كان غريبًا من ذلك الوجه، مع أن متنه غير غريب، ومن ذلك: غرائب الشيوخ في أسانيد المتون الصحيحة، وهذا الذي يقول فيه الترمذي: ((غريب من هذا الوجه)»، ولا أرى هذا النوع ينعكس، فلا يوجد إذن ما هو غريب متنًا لا إسنادًا، إلا إذا اشتهر الحديثُ الفرد عمن تفرد به، فرواه عدد كثيرون، فإنه يكون غريبًا مشهورًا، وغريبًا متنًا، وغير غريب إسنادًا، لكن بالنظر إلى أحد طرفي الإسناد فإن إسناده متصف بالغرابة في طرفه الأول، متصف بالشهرة في طرفه الآخر، كحديث ((إِنَّما الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ)) (٢)، وكسائر الغرائب التي اشتملَتْ عليها التصانيف المشتهرة. انتهى. ومنها قوله: ((هذا حديث مرسل))، الحديث المرسل هو: الحديث الذي رَوَاهُ التابعي عن رسول الله وَّ، ولم يذكر الصحابيَّ، واستعمل الترمذيُّ لفظ ((المرسل)) بمعنى ((المنقطع)) في كثير من المواضع، وكذلك غيره من المحدِّثين قد استعملوا ((المرسل)) بمعنى ((المنقطع)). ومنها قوله: ((هذا حديث جيد))، قال الحافظ السيوطيُّ في ((التدريب)) (٣) قال شيخ الإسلام في الكلام على أصحِّ الأسانيد - لما حكى ابن الصلاح (٤) عن أحمد بن حنبل أن أصحّها: الزهريُّ، عن سالم، عن أبيه - : عبارة أحمد: ((أجودُ الأسانيد))؛ كذا أخرجه (١) أبو عمرو ابن الصلاح في ((المقدمة)) (ص/ ٢٧٠). (٢) البخاري، كتاب بدء الوحي، حديث (١)، ومسلم، كتاب الإمارة، حديث (١٩٠٧). (٣) السيوطي في ((تدريب الراوي)) (١٧٨/١). (٤) ابن الصلاح في ((المقدمة)) (ص/ ١٥). ٣٨٥ الباب الثاني في فوائد خاصة متعلقة بالإمام الترمذي وجامعه عنه الحاكم(١)، قال: وهذا يدلُّ على أن ابن الصلاح يرى التسوية بين الجَيِّدِ والصحيح؛ ولذا قال البلقيني بعد أن نقل ذلك: مِنْ ذلك يُعْلَمُ أن الجودة يعبّر بها عن الصحة، وفي ((جامع الترمذي)) في الطَّبِّ: ((هذا حديث جيد حسن))، وكذا قال غيره: لا مغايرة بين ((جيِّد)) و((صحيح)) عندهم، إلا أن الجِهْبِذَ منهم لا يَعْدِلُ عن ((صحيح)) إلى ((جيد)) إلا النكتة، كأن يرتقي الحديثُ عنده عن الحسن لذاته، ويتردد في بلوغه الصحيح، فالوصف به أنْزَلُ رتبة من الوصف بـ ((صحيح))، وکذا «القوي). انتهى. ومنها قوله - بعد ذكر الحديثين أو القولين -: ((هذا أصح من ذلك))، ظاهر معناه: أن الحديثَيْن أو القولَيْن - كليهما - صحيحانِ، لكنَّ هذا أقوَى وأثبتُ من ذاك، لكن الترمذي قد يستعملُ ((أصح)) في قوله: ((هذا أصحُّ من ذاك)) في هذا المعنى، وهو معناه الأصلي، أعني: التفضيل، وقد يستعمل هذا اللفظ في معنى ((الضَّحِيح))، فمعنى قوله: ((هذا أصَخُّ من ذاك)) أي: هذا صحيحٌ بالنسبة إلى ذاك، فهو غير صحيح، كما قال البخاري(٢) في (صحيحه)): وكره ابن سِيرِينَ أن يقول: ((فَاتَتْنَا الصَّلَاةُ)) (٣) وليقل: ((لَمْ نُدْرِْ))، وقولُ النبي ◌ِِّ أُصحُّ. قال الحافظ ابن حجر في ((فتح الباري)): قوله: ((أَصَخُ)) معناه: صحيح، أي: بالنسبة إلى قول ابن سيرين، فإنه غير صحيح؛ لثبوت النص بخلافه. انتهى. قال العَيْنِيُّ في ((عمدة القاري)) (٤): ليس المراد منه أفعلَ التفضيل؛ لأنه إذا أريد به التفضيلُ يلزم أن يكون قولُ ابن سيرين صحيحًا، وقول النبي وَّ﴿ أصحَّ منه، وليس كذلك، وإنما المراد بالأَصَحِّ الصحيحُ؛ لأنه قد يذكر ((أفعل)) ويراد به التوضيح لا التفضيل. انتهى. وقد يستعمله في معنى: ((أرجح))، وذلك فيما إذا كان الحديثان أو القولان ضعيفين، لكن هذا أرجحُ وأقلُّ ضعفًا من ذاك، فمعنى قوله: ((هذا أصح من ذاك))، أي: هذا أقل ضعفًا من ذاك، كما قال أبو داود في ((سننه)) في ((كتاب الطلاق)) في ((باب البتة))، بعد رواية حديث رُكَانَةَ: أنه طَلَّقَ امْرَأَتَهُ أَلْبَتّة ... إلخ ما لفظه: ((قال أبو داود: وهذا أصحُّ من حديث ابن جُرَيْجِ أن رُكانة طلق امرأته ثلاثًا)). انتهى. (١) الحاكم في ((معرفة علوم الحديث)) (ص/ ٥٤). (٢) البخاري، كتاب الأذان، باب قول الرجل: فاتتنا الصلاة. (٣) أخرجه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٢٦٥/٢) (٨٨٢٦). (٤) بدر الدين العيني في ((عمدة القاري)) (١٤٩/٥ - ١٥٠). ٣٨٦ مقدمة تحفة الأحوذي قال الحافظ ابن القَيِّم في ((حاشية السنن))(١): إن أبا داود لم يحكم بصحته، وإنما قال بعد روايته: ((هذا أصح من حديث ابن جُرَيْج أنه طلق امرأته ثلاثًا))، وهذا لا يدل على أن الحديث عنده صحيحٌ، فإن حديث ابن جُرَيْج ضعيفٌ، وهذا ضعيفٌ أيضًا، فهو أصحُ الضعيفين عنده، وكثيرًا ما يطلق أهلُ الحديث هذه العبارة على أرجَحِ الحديثَيْن الضعيفَيْنِ، وهو كثير من كلام المتقدِّمين، ولو لم يكن اصطلاحًا لهم لم تدلَّ اللغة على إطلاق الصحّة عليه، فإنك تقولُ لأحد المريضَيْنِ: ((هذا أصحُّ من هذا))، ولا يدلُّ أنه صحیح مطلقًا. انتهى كلام ابن القيم. وإذا عرفت هذا كلَّه ظهر لك أن قول الترمذي: ((هذا أَصَحُّ من ذاك)) لا يستلزم أن یکون هذا صحيحًا عنده. ومنها قوله: ((هذا الحديث أصحُّ شيء في هذا الباب))، و((أحسن)) ليس معناه: أن كلَّ ما ورد في هذا الباب فهو صحيح، وهذا الحديث أصحُّ من الكل، بل معناه: أن هذا الحديث أرجح من كل ما ورد في هذا الباب، سواء كان كل ما ورد فيه صحيحًا أو ضعيفًا، فإن كان كُلُّ ما ورد في الباب صحيحًا فهذا الحديث أرجحُ في الصحة من الكل، وإن كان كله ضعيفًا - فهذا الحديث أرجحُ من الكل، أي: أقل ضعفًا من الكل، قال السيوطي في ((التدريب)) (٢) في بيان أصح الأسانيد مما يناسب هذه المسألة: أصح الأحاديث المقيدة، كقولهم: ((أَصَحُّ شيء في الباب كذا))، وهذا يوجد في ((جامع الترمذي)) كثيرًا، وفي ((تاريخ البخاري))، وقال المصنِّف - يعني: النووي - في ((الأذكار))(٣): لا يلزم من هذه العبارة صحة الحديث، فإنهم يقولون: ((هذا أصح ما جاء في الباب)) وإن كان ضعيفًا، ومرادهم: أرجحه أو أقله ضعفًا، ذكر ذلك عقب قول الدار قطني: أَصَحُّ شيء في فضائل السور فَضْلُ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾ [الإخلاص: ١]، وأَصَحُ شيء في فضائل الصلوات - فضل صلاة التسابيح. انتهى. ومنها قوله: ((هذا حديث فيه اضطراب))، و: ((هذا - ديث مضطرب))، الحديث (١) ابن قيم الجوزية في ((الحاشية على سنن أبي داود)) (٢٠٩/٦). (٢) السيوطي في ((تدريب الراوي)) (١/ ٨٧). (٣) أبو زكريا النووي في ((الأذكار)) (ص/ ١٤٨). ٣٨٧ الباب الثانى فى فوائد خاصة متعلقة بالإمام الترمذي وجامعه المضطرب هو: الذي يروى على أوجه مختلفةٍ من راو واحد مرتين أو أكثر، أو من راو ثانٍ، أو رواةٍ متقاربةٍ، فإن رَجَحَتْ إحدى الروايتين أو الروايات بحفظ راويها مثلًا، أو كثرةٍ صحبةِ المرويِّ عنه، أو غيرِ ذلك من وجوه الترجيحات، فالحكمُ للراجحةِ، ولا يكون الحديث مضطربًا، لا الرواية الراجحة - كما هو ظاهر - ولا المرجوحة، بل هي شاذَّة أو منكرة، والاضطراب موجب ضعف الحديث؛ لإشعاره بعدم الضبط من رواته الذي هو شرط في الصحة والحسن، ويقع الاضطراب في الإسناد تارة، وفي المتن أخرى، ويقع فيهما معًا من راو واحد أو راويين أو جماعة. كذا في ((تدريب الراوي)) (١). ومنها قوله: ((هذا حديث غير محفوظ))، قال الحافظ في ((شرح النخبة)): فإن خولف - أي: راوي الحسن أو الصحيح - بأرجح منه لمزيد ضبطٍ أو كثرةٍ عددٍ أو غيرِ ذلك من وجوه الترجيحات، فالراجح يقال له: ((المحفوظ))، ومقابله - وهو المرجوح - يقال له: ((الشاذٌ)) . مثال ذلك: ما رواه الترمذيُّ والنسائيُّ(٢) وابن ماجه، من طريق ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عوسجة، عن ابن عباس ◌َُّهُ: ((أَنَّ رَجُلًا تُوُنِّيَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ وَّهِ، وَلَمْ يَدَعْ وَارِثًا إِلَّ مَوْلَى، هُوَ أَعْتَقَهُ ... )) الحديث، وتابع ابْنَ عيينة على وصله ابنُ جريج وغيره، وخالفه حماد بن زيد، فرواه عن عمرو بن دينار، عن عوسجة، ولم يذكر ابن عباس، قال أبو حاتم: المحفوظُ حديث ابن عيينة. انتهى كلامه. فحماد بن زيد من أهل العدالة والضبط، ومع ذلك رجَّح أبو حاتم رواية من هُمْ أكثر عددًا منه، وعرف من هذا التقرير أن ((الشاذ)): ما رواه المقبول مخالفًا لمن هو أولی منه، وهذا هو المعتمد في تعريف ((الشَّاذ)) بحسب الاصطلاح. انتهى كلام الحافظ. قلت: فالمراد بقول الترمذي: ((هذا الحديث غير محفوظ))، أي: شَادٌّ، ثم قال الحافظ: وإن وقعت المخالفة مع الضعف فالراجح يقال له: ((المعروف))، ومقابله يقال له: ((المنکر)). (١) السيوطي في ((تدريب الراوي)) (١/ ٢٦٢). (٢) الترمذي، كتاب الفرائض، حديث (٢١٠٦)، والنسائي ((الكبرى)) (٦٤٠٩)، وابن ماجه، كتاب الفرائض، حدیث (٣٧٤١). ٣٨٨ مقدمة تحفة الأحوذي مثاله: ما رواه ابن أبي حاتم من طريق حبيب بن حبيب، وهو أخو حمزة بن حبيب الزيات المقرئ، عن أبي إسحاق، عن العيْزَار بن حُرَيْث، عن ابن عباس، عن النبيِّ وَّ قال: ((مَنْ أَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَحَجَّ البَيْتَ وَصَامَ وقَرَى الضَّيْفَ دَخَلَ الجَنَّة))(١)، قال أبو حاتم: هو منكر؛ لأن غيره من الثقات رواه عن أبي إسحاق موقوفًا(٢)، وهو ((المعروف))، وعرف بهذا أن بين الشاذ والمنكرِ عمومًا وخصوصًا من وجه؛ لأن بينهما اجتماعًا في اشتراط المخالفة، وافتراقًا في أن الشاذ روايةُ ثقةٍ أو صدوقٍ، والمنكر رواية ضعيف، وقد غفَلَ من سَوَّى بينهما. انتهى كلامه. تنبيه: اعلم أن ((الشاذ)) يطلق على معنيين: الأول: ما عرفْتَ في كلام الحافظ المذكور. والثاني: ما يتفرَّد به ثقة حافظ من غير مخالفة، فالشاذّ - بالمعنى الأول - غير مقبول، والشاذُّ - بالمعنى الثاني - مقبول. قال الحافظ ابن الصلاح (٣) في ((علوم الحديث)) بعد ذكر معاني ((الشاذِ)) ما لفظه: إذا انفرد الراوي بشيء نُظِرَ فيه، فإن كان ما انفرد به مخالفًا لما رواه من هو أولَى منه بالحفظ لذلك وأضبَطُ، كان ما انفرد به شاذًّا مردودًا، وإن لم يكن فيه مخالفةٌ لما رواه غيره، وإنما هو أمرٌ رواه هو ولم يروه غيره، فينظر في هذا الراوي المنفرد، فإن كان عدلًا حافظًا موثوقًا بإتقانه وضبطه قبل ما انفرد به، ولم يقدح الانفراد فيه، وإن لم يكن ممن يوثَقُ بحفظه وإتقانه لذلك الذي انفرد به كان انفراده به خارمًا له مزحزحًا له عن حیز الصحیح. انتھی کلامه. ومنها قوله: ((هذا حديث حسن))، وقوله: ((هذا حديث صحيح))، وقوله: «هذا حديث ضعيف))، أما ((الحديث الحسن))، و((الحديث الصحيح)) فقال الحافظ في تعريفهما في ((شرح النخبة)) ما لفظه: وخَبَرُ الآحاد بنقل عدل تامِّ الضبط متَّصِلِ السندِ غَيْرُ مُعَلَّل ولا شاذٌ (١) ابن أبي حاتم في ((العلل)) (٢٠٤٣)، وإبراهيم الحربي في ((إكرام الضيف)) (٥٠)، والطبراني في ((الكبير)) (١٢٦٩٢)، قال الهيثمي (٤٦/١): وفي إسناده حبيب بن حبيب أخو حمزة بن حبيب الزيات وهو ضعيف. (٢) يريد: عبد الرزاق كما في ((المصنف)) (٢٠٥٢٩)، وإبراهيم الحربي في ((إكرام الضيف)) (٥١)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٩٥٩٣). (٣) ابن الصلاح في ((المقدمة)) (ص/ ٧٨). ٣٨٩ الباب الثاني في فوائد خاصة متعلقة بالإمام الترمذي وجامعه هو الصحيح لذاته، وهذا أول تقسيم المقبول إلى أربعة أنواع؛ لأنه: إما أن يشتمل من صفات المقبول على أعلاها أو لا: الأول: الصحيح لذاته، والثاني: إن وجد ما يجبر ذلك القصور - ككثرة الطرق - فهو الصحيح أيضًا، لكن لا لذاته، وحيث لا جُبْرَان، فهو الحسن لذاته، وإن قامتْ قرينة ترجّح جانب قبول ما يتوقَّف فيه، فهو الحسن أيضًا، لكن لا لذاته، وقدم الكلام على الصحيح لذاته؛ لعلُوِّ رتبته، والمراد بـ ((العدل)): من له ملكة تحمله على التقوى والمروءة، والمراد بـ ((التقوى)): اجتنابُ الأعمال السيئة: من شرك، أو فسق، أو بدعة، والضبط ضبطان: ضبْطُ صَدْرٍ، وهو: أن يثبت ما سمعه بحيثُ يتمكَّن من استحضاره متى شاء، وضَبْطُ كتابٍ، وهو: صيانته لديه منذ سمع فيه وصحَّحه، إلى أن يؤديه منه، وقيده بـ ((التامِ)): إشارة إلى الرتبة العليا في ذلك، والمتصل: ما سلم إسناده من سقوط فيه؛ بحيثُ يكونُ كلٌّ من رجاله سمع ذلك المرويَّ من شيخه، والمعلّل لغة: ما فيه علة، واصطلاحًا: ما فيه علة خفية قادحة، والشاذّ لغة: الفرد، واصطلاحًا: ما يخالف فيه الراوي مَنْ هو أرجَحُ منه. قال: فإن خَفَّ الضبط - أي: قَلَّ، يقال: خَفَّ القوم خُفُوفًا: قَلُّوا، والمراد: مع بقية الشروط المتقدمة في حد الصحيح - فهو الحسن لذاته، لا لشيء خارج، وهو: الذي يكون حسنه بسبب الاعتضاد، نحو: حديث المستور إذا تعدّدت طرقه، وخرج باشتراط باقي الأوصاف الضعيفُ. انتهى. وأما الحديث الضعيف، فهو: ما لم يَجْمَعْ صفة الحَسَنِ. تنبيه: تعريفُ ((الحسن)) المذكور هو عند غير الترمذي، وأما تعريفه عند الترمذي فهو: ما ذكره في كتابه ((العلل الصغير)) بقوله(١): وما ذكرنا في هذا الكتاب: ((حديث حسن))، فإنما أردنا حُسْنَ إسنادِهِ عندنا، كل حديث يُرْوَى لا يكونُ في إسناده من يُتَّهَمُ بالكذب، ولا یکون الحدیثُ شاذًا، ویروی من غير وجه نحو ذاك، فھو ۔ عندنا - حديث حسن. تنبيه آخر: قال ابن الصلاح في ((علوم الحديث)): كتاب أبي عيسى الترمذي أصل في معرفة الحديث الحسن، وهو الذي نَوَّهَ باسمه، وأكثر من ذكره في «جامعه»، ويوجد في متفرِّقاتٍ من كلام بعض مشايخه، والطبقةِ التي قبله، كأحمد بن حنبل والبخاري (١) الترمذي في ((العلل الصغير)) (ص/ ٦٥٨). ٣٩٠ مقدمة تحفة الأحوذي وغيرهما، وتختلف النَّسَخُ من كتاب الترمذي في قوله: ((هذا حديث حسن))، و: ((هذا حديث حسن صحيح))، ونحو ذلك، فينبغي أن تصحِّح أصلك بجماعة أصول، وتعتمدَ على ما اتفقَت عليه. وقال الحافظ ابن حجر في ((نكته على ابن الصلاح)) (١): قد أكثر علي بن المدينيٍّ من وصف الأحاديث بالصحة وبالحسن في ((مسنده))، وفي ((عِلَلِهِ))، وكأنه الإمام السابق لهذا الاصطلاح، وعنه أخذ البخاري، ويعقوب بن شيبة، وغير واحد، وعن البخاري أخذ الترمذيُّ، فاستمداد الترمذي لذلك إنما هو من البخاري، ولكن الترمذي أَكْثَرَ منه، وأثار بذكره وأظهر الاصطلاح فيه، وصار أشهر به من غيره. ومنها قوله: ((هذا حديث حسن صحيح))، وقوله: ((هذا حديث حسن غريب))، وقوله: «هذا حديث حسن غريب صحیح)). قال الشيخ عبد الحق الدهلوي في مقدمة شرحه لـ ((المشكاة)): مِنْ عادة الترمذيِّ أن يقول في ((جامعه)): (حديث حسن صحيح))، (حدیث غریب حسن))، (حديث حسن غريب صحيح))، ولا شبهة في جواز اجتماع الحسن والصحة بأن يكون حسنًا لذاته صحيحًا لغيره، وكذلك في اجتماع الغرابة والصحة، كما أسلفنا، وأما اجتماع الغرابة والحسن، فيستشكلونه بأن الترمذيَّ اعتبر في الحَسَنِ تَعَدُّدَ الطرق، فكيف يكون غَرِيبًا؟! ويجيبون بأن اعتبار تعدد الطرق في الحَسن ليس على الإطلاق، بل في قسم منه، وحيث حكم باجتماع الحسن والغرابة المراد قسم آخر، وقال بعضهم: أشار بذلك إلى اختلاف الطرق، بأن جاء في بعض الطرق غريبًا وفي بعضها حسنًا، وقيل: ((الواو)) بمعنى ((أو))، بأنه يشك ويتردَّد في أنه غريب أو حسن؛ لعدم معرفته جزمًا، وقيل: المراد بـ ((الحسن)) - هاهنا - ليس معناه الاصطلاحي، بل اللغوي، بمعنى: ما يميل إليه الطبع، وهذا القول بعيد جدًّا. انتھی . وقال ابن الصلاح(١) : قول الترمذيِّ وغيره: (هذا حديث حسن صحيح)) فيه إشكال؛ لأن الحسن قاصر عن الصحيح، ففي الجمع بينهما في حديث واحد جمع بين نفي ذلك (١) ابن حجر في ((النكت على ابن الصلاح)) (٤٢٦/١). (٢) ابن الصلاح في ((المقدمة)) (ص/٣٨). ٣٩١ الباب الثاني في فوائد خاصة متعلقة بالإمام الترمذي وجامعه القصور وإثباته، قال: وجوابه: أن ذلك راجعٌ إلى الإسناد، فإذا روي الحديث الواحد بإسنادين - أحدهما: إسناد حسن، والآخر: إسناد صحيح - استقام أن يقال فيه: ((إنه حديث حسن صحيح))، أي: أنه حسن بالنسبة إلى إسناد، صحيح بالنسبة إلى إسناد آخر، على أنه غير مستنكر أن يكون بعضُ مَنْ قال ذلك أراد بالحَسَنِ معناه اللغويّ، وهو: ما تميل إليه النفس ولا يأباه القلب، دون المعنى الاصطلاحيِّ الذي نحن بصدده. انتهى. وقال ابن دقيق العيد في ((الاقتراح)) (١): يَرِدُ على الجواب الأول الأحاديثُ التي قيل فيها: ((حسن صحيح)) مع أنه ليس لها إلا مَخْرَجٌ واحد. قال: وفي كلام الترمذي في مواضعَ يقول: ((هذا حديث حسن صحيح، لا نعرفُهُ إلا من هذا الوجه)). قال(٢): والذي أقولُ في جواب هذا السؤال: أنه لا يشترطُ في ((الحَسَن)) قيدُ القصورِ عن الصحيح، وإنما يجيئه القصورُ ويفهم ذلك فيه إذا اقتصر على قوله: ((حسن))، فالقصور يأتيه من قيد الاقتصار لا من حيث حقيقته وذاته، وشَرْحُ ذلك وبيانه: أن ههنا صفاتٍ للرواة تقتضي قبول الرواية، ولتلك الصفاتِ درجاتٌ، بعضُها فوق بعض: كالتيقظ، والحفظ، والإتقان مثلًا. فوجود الدرجة الدنيا كالصدق، وعدم التهمة بالكذبٍ لا ينافيه وجودُ ما هو أعلَى منه، كالحفظ، والإتقان، فإذا وجدتِ الدرجة العليا لم يناف ذلك وجودُ الدنيا كالحفظ مع الصدق، فيصحُّ أن يقال في هذا: إنه حسن باعتبار وجود الصفة الدنيا - وهي الصدق مثلًا - صحيح باعتبار الصفة العليا، وهي الحفظ والإتقان، ويلزم على هذا أن يكون كلُّ صحيح حسنًا، ويؤيِّده ورود قولهم: ((هذا حديث حسن)) في الأحاديث الصحيحة، وهذا موجود في کلام المتقدِّمین. انتهى. وقال الحافظ عماد الدين بن كثير(٣): أصل هذا السؤال غير مُتَّجِهٍ؛ لأن الجمع بين ((الحسن)) و((الصحة)) في حديث واحد رتبة متوسطة بين ((الصحيح)) و((الحسن)). قال: فالمقبولُ ثلاثُ مراتب: الصحيحُ: أعلاها، والحسن: أدناها، والثالثة: ما (١) ابن دقيق العيد في ((الاقتراح في بيان الاصطلاح)) (ص/ ١٠). (٢) أي: ابن دقيق العيد كما في المصدر السابق. (٣) انظر ((النكت على مقدمة ابن الصلاح)) لبدر الدين بن أبي بهادر الزركشي (٣٧٣/١)، (٣٧٣/١)، و«توجيه النظر)) لطاهر الجزائري (٣٨٣/١)، و((توجيه الأفكار)) للأمير الصنعاني (٣٢٦/١). ٣٩٢ مقدمة تحفة الأحوذي یتسرَّب من کل منهما، فإن كل ما كان فيه شبه من شيئين، ولم يتمحّض لأحدهما اختص برتبة مفردة، كقولهم لِـ ((المُزِّ))، وهو: ما فيه حلاوة وحموضة: ((هذا حلو حامض))، أي: مُؤْ قال: فعلى هذا يكون ما يقولُ فيه: ((حسن صحيح)) أعلى رتبة عنده من الحسن، ويكون حكمه بالصحة المحضة أقوَى من حكمه عليه بالصحة مع الحسن. قال الحافظ أبو الفضل العراقيُّ في ((نكته على ابن الصلاح)): وهذا الذي قاله ابن كثير تَحَكُّمٌ لا دليل عليه، وهو بعيدٌ من فهمهم معنى كلام الترمذيِّ. وقال الإمام بدر الدين الزركشيُّ، والحافظ أبو الفضل بن حجر، كلاهما في ((النكت على ابن الصلاح)): ((هذا يقتضي إثبات قسم ثالث، ولا قائلَ به))، وعبارة الزركشيّ(١): ((وهو خرق لإجماعهم))، ثم إنه يلزم عليه ألّا يكون في كتاب الترمذيِّ حديث صحيح إلا قليلًا؛ لقلَّة اقتصاره على قوله: ((هذا حديث صحيح))، مع أن الذي يعبر فيه بالصحة والحسن أكثره موجودٌ في ((الصحيحين)). وقال الشيخ سراج الدين البلقينيُّ في ((محاسن الاصطلاح)) أيضًا: في هذا الجواب نَظَرٌ، لكن جزم به الإمام شمس الدين بن الجزريِّ في ((الهداية)) فقال: والذي قال فيه الترمذي: ((حسن صحيح)) أراد به: ما شابه الصحة والحسن، فهو - إذن - دون الصحيح معنى. وقال الزركشي(٢): فإن قلت: فما عندك في رفع هذا الإشكال؟ قلت: يحتملُ أن يريد بقوله: ((حسن صحيح)) في هذه الصورة الخاصَّة الترادُفَ، واستعمال هذا قليلًا دليلٌ على جوازه، كما استعمله بعضهم، حيث وصف الحسن بالصحة، على قول من أدرج الحسن في قسم الصحيح، ويجوز أن يريد حقيقتهما في إسناد واحد باعتبار حالين وزمانين، فيجوزُ أن يكون سمع هذا الحديث من رجل مرة في حال كونه مستورًا، أو مشهورًا بالصدق والأمانة، ثم ارتقى وارتفع حاله إلى درجة العدالة، فسمعه منه مرة أخرى، فأخبر بالوصفين، وقد روي عن غير واحد أنه سمع الحديث الواحد على شيخ واحد غير مَرَّة. (١) الزركشي في ((النكت على مقدمة ابن الصلاح)) (٣٧٤/١). (٢) المصدر السابق. ٣٩٣ الباب الثاني في فوائد خاصة متعلقة بالإمام الترمذي وجامعه قال: وهذا الاحتمال - وإن كان بعيدًا - فهو أشبه ما يقال. قال: ويحتمل أن يكون الترمذي أدى اجتهاده إلى حسنه، وأدى اجتهاده إلى صحته، أو بالعكس، وأن الحديث في أعلى درجات الحسن، وأول درجات الصحيح، فجمعهما باعتبار مذهبين، وأنت إذا تأملْتَ تصرُّف الترمذي لعلك تسكن إلى أن هذا قصده. انتهى كلام الزركشي (١) . وقال الحافظ ابن حجر(٢) في ((النكت)): قد أجاب بعض المتأخرين عن أصل الإشكال بأنه باعتبار صدق الوصْفَيْن على الحديث بالنسبة إلى أحوال رواته عند أئمة الحديث، فإذا كان فيهم من يكون حديثه صحيحًا عند قوم وحسنًا عند قوم، يقال فيه ذلك. قال: ويتعقب هذا بأنه: لو أراد ذلك لأتى بـ ((الواو)) التي للجمع، فيقول: ((حسن وصحیح)). قال: ثم إن الذي يتبادر إليه الفهم: أن الترمذي إنما يحكم على الحديث بالنسبة إلى ما عنده، لا بالنسبة إلى غيره، فهذا يقدح في الجواب، ويتوقف أيضًا على اعتبار الأحاديث التي جمع الترمذي فيها بين الوصفين، فإن كان في بعضها ما لا اختلافَ فيه عند جميعهم في صحته قَدَحَ في الجواب أيضًا، لكن لو سلِّم هذا الجوابُ لكان أقربَ إذن من غيره. قال: وإني لأميل وأرتضيه، والجوابُ عما يَرِدُ عليه ممكنٌ قال: وقيل: يجوز أن يكون مراده: أن ذلك باعتبار وصفين مختلفين، وهما: الإسناد والحكم، فيجوز أن يكون قوله: ((حسن)) أي: باعتبار إسناده، ((صحيح)) أي: باعتبار حكمه؛ لأنه من قبل المقبول، وكل مقبولٍ يجوز أن يطلق عليه اسم الصحة، وهذا يمشي على قولٍ مَنْ لا يفرد الحسن من الصحيح، بل يسمي الكل صحيحًا، لكن يَرِدُ علیه ما أوردناه أولًا من أن الترمذي أَكْثَرَ من الحكم بذلك على الأحاديث الصحيحة الإسناد. ٣٩٤ مقدمة تحفة الأحوذي قال(١): وأجابَ بعضُ المتأخرين بأنه أراد ((حَسَن)) على طريقة من يفرِّق بين النوعين؛ لقصور رتبة راويه عن درجة الصحة المصطلحة، ((صحيح)) على طريقة من لا يفرِّق. قال: ويَرِدُ عليه ما أوردناه فيما سبق. قال(٢): واختار بعضُ من أدركناه أن اللفظين عنده مترادفان، ويكون إتيانه باللفظ الثاني بعد الأول على سبيل التأكيد له، كما يقال: صحيحٌ ثابتٌ، أو: جيِّد قويٌّ، أو غير ذلك. قال: وهذا قد يقدح فيه القاعدةُ، فإن الحمل على التأسيس خَيْرٌ من الحمل على التأكيد؛ لأن الأصل عدم التأكيد؛ لكن قد يندفع القدح بوجود القرينة الدالّة على ذلك، وقد وجَدْنا في عبارةٍ غيرِ واحدٍ، كالدار قطنيٍّ: ((هذا حديث صحيح ثابت)). قال: وفي الجملة: أقوى الأجوبة ما أجاب به ابن دقيق العيد. انتهى كلام الحافظ ابن حجر في ((النكت)). وقال في ((شرح النخبة)): إذا اجتمع الصحيحُ والحسنُ في وصفٍ واحدٍ، فلتردُّد الحاصل من المجتهد في الناقل، هل اجتمعَتْ فيه شروط الصحة أو قصر عنها؟ وهذا حيث يحصلُ منه التفرد بتلك الرواية، قال: ومحصَّل الجواب: أن تردّد أئمة الحديث في ناقلیه اقتضی للمجتهد ألَّا یصفه بأحد الوصفین، فيقال فيه: (حسن)) باعتبار وصفه عند قوم، ((صحيح)) باعتبار وصفه عند قوم. وغاية ما فيه: أنه حذف منه حرف التردُّد؛ لأن حقه أن يقول: ((حسن أو صحيح))، وهذا كما حذف حرف العطف من الذي بعده، وعلى هذا: فما قيل فيه: ((حسن صحيح)) دون ما قيل فيه: ((صحيح))؛ لأن الجزم أقوى من التردد، وهذا حيث التفرُّد، وإلا إذا لم يحصل التفرُّدُ، فإطلاق الوصفين معًا على الحديث يكون باعتبار إسنادين، أحدهما: صحيح، والآخر: حسن، وعلى هذا فما قيل فيه: ((حسن صحيح)) فوق ما قيل فيه: ((صحيح)) فقط إذا كان فردًا؛ لأن كثرة الطرق تقوِّي، فإن قيل: قد صرح الترمذي بأن شرط ((الحسن)) أن يروى من غير وجه، فكيف يقول في بعض الأحاديث: ((حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه))؟! فالجواب: أن الترمذي لم يعرِّف ((الحسن)) مطلقًا، وإنما عرف بنوع خاصّ منه وقع في كتابه، وهو ما يقول فيه: (١) ابن حجر في ((النكت على ابن الصلاح)) (١/ ٤٨٠). (٢) المصدر السابق (٤٧٨/١). ٣٩٥ الباب الثاني في فوائد خاصة متعلقة بالإمام الترمذي وجامعه ((حسن)) من غير صفة أخرى، وذلك أنه يقول في بعض الأحاديث: ((حسن صحيح غريب))، وتعريفه إنما وقع على الأول فقط، وعبارته ترشد إلى ذلك؛ حيث قال في أواخر كتابه: وما قلنا في كتابنا: ((حديثٌ حسنٌ)) فإنما أردنا به حُسْنَ إسناده عندنا، كلُّ حديث یروَى لا يكون راويه متهمًا بكذب، ويروى من غير وجه نحو ذلك، ولا يكون شاذًا فهو - عندنا - ((حديث حسن))؛ يعرَف بهذا أنه إنما عرف الذي يقول فيه: ((حسن)) فقط، أما ما يقول فيه: ((حسن صحيح)) أو ((حسن غريب))، أو ((حسن صحيح غريب))، فلم يعرج على تعريف ما يقول فيه: ((حسن صحيح)) أو ((حسن غريب))، أو ((حسن صحيح غريب))، فلم يعرج على تعريف ما يقول فيه ((صحيح)) فقط، أو ((غريب)) فقط، وكأنه تركه استغناء بشهرته عند أهل الفن، واقتصر على تعريف ما يقول فيه في كتابه: ((حسن)) فقط، إما لغموضه، وإما لأنه اصطلاح جديد، ولذلك قيد بقوله: ((عندنا))، ولم ينسبه إلى أهل الحديث، كما فعل الخَطَّابي، وبهذا التقرير يندفع كثير من الإيرادات التي طال البحث فيها، ولم يستقرَّ وجه توجيهها، فلله الحمد على ما ألهم وعلَّم. قلتُ: وظهر لي توجيهانِ آخَرَانِ: أحدهما: أن المراد: حَسَنٌّ لذاته، صحيح لغيره، والآخر: أن المراد: حسن باعتبار إسناده، صحيح، أي: أنه أصح شيء ورد في الباب، فإنه يقال: ((أصحُّ ما ورد كذا)) وإن كان حسنًا أو ضعيفًا، فالمراد: أرجحه أو أقله ضعفًا، ثم إن الترمذي لم ينفرد بهذا المصطلح، بل سبقه إليه شيخه البخاري، كما نقله ابن الصلاح في غير مختصره، والزركشيُّ وابن حجر في ((نكتهما)). قال الزركشي(١): واعلم أن هذا السؤال يَرِدُ بعينه في قول الترمذي: ((هذا حديث حسن غريب))؛ لأن من شرط (الحسن)) أن يكون معروفًا من غير وجه، و((الغريب)): ما انفرد به أحد رواته، وبينهما تناف، قال: وجوابه: أن الغريبَ يطلق على أقسام: غريب من جهة المتن، وغريب من جهة الإسناد، والمراد هنا الثاني دون الأول؛ لأن هذا الغريب معروف عن جماعة من الصحابة لكن تفرد بعضهم بروايته عن صحابي، فبحسب المتن حسن، وبحسب الإسناد غريب؛ لأنه لم يروه من تلك الجماعة إلا واحد، ولا منافاة بين الغريب بهذا المعنى وبين الحسن، بخلاف سائر الغرائب، فإنها تنافي الحسن. (١) الزركشي في ((النكت على مقدمة ابن الصلاح)) (١/ ٣٧٧). ٣٩٦ مقدمة تحفة الأحوذي وقال الحافظ أبو العباس أحمد بن عبد المحسن القَرَافِيُّ في كتابه ((معتمد النبيه)): قول أبي عيسى: ((هذا حديث حسن صحيح غريب))، و((هذا حديث حسن غريب)): إنما يريد به ضيق المخرج، أنه لم يخرج إلا من جهة واحدة، ولم تتعدّد طرق خروجه، إلا أن راويه ثقةٌ، فلا يضرُّ ذلك، فيستغربه هو لقلة المتابعة، وهؤلاء الأئمةُ شروطهم عجيبة، وقد يخرج الشيخان أحاديثَ يقول أبو عيسَى فيها: ((هذا حديث حسن))، وتارة: ((حسن غريب))، كما قال في حديث أبي بكر: ((قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي ... ))(١) الحديث، فهذا حديث حسنٌّ، مع أنه مُتَّفَقٌ عليه. انتهى؛ كذا في ((قوت المغتذي)). ومن الألفاظ التي استعملها الترمذيُّ في هذا الكتاب لفظ: الكراهة، والكراهية، فقال: ((بَابُ كراهية الاستنجاء باليمين))، وقال: ((باب ما جاء في كراهية البول في المغتَسَلِ))، وقال: ((باب ما جاء في كراهية النوم قبل العشاء))، وقال: ((باب في كراهية الصلاة بعد العصر وبعد الفجر))، وقال: ((باب ما جاء في كراهية الأذان بغير وضوء))، وقال: ((باب ما جاء في كراهية أن يبادِرَ الإمامَ في الركوع والسجود))، وهكذا قد أكثر استعمال هذا اللفظ في تراجم الأبواب. فاعلم: أن الإمام الترمذي لم يُرِدْ بهذا اللفظ ما هو المشهور، أعني: التنزيه وترك الأولى، بل أراد بهذا اللفظ معنى عامًّا شاملًا للتنزيه والحرمة، وقد جاء هذا اللفظ في كلام السلف بمعنى ((الحرمة)) كثيرًا : قال العيني في ((عمدة القاري)) (ص ٣٨٧/ج٣)(٢): المتقدمون يطلقون ((الكراهة)) ويريدون: كراهة التحريم. انتهى. وقال صاحب ((الدين الخالص)) في شرح حديث ابن مسعود: ((الطَّيَرَةُ شِرْكٌ))(٣): هذا صريح في تحريم الطيرة، وأنها من الشرك؛ لما فيها من (١) الترمذي، كتاب الدعوات، حديث (٣٥٣١). وهو في صحيح البخاري، كتاب الأذان، حديث (٨٣٤)، ومسلم، كتاب الذكر والدعاء، حديث (٢٧٠٥). (٢) العيني في ((عمدة القاري)) (٢٠٨/٦). (٣) أحمد (٣٥٣٨)، وأبو داود، كتاب الطب، حديث (٣٩١٠)، والترمذي، كتاب السير، حديث (١٦١٤)، وابن ماجه، كتاب الطب، حديث (٣٥٣٨)، وابن حبان (٦١٢٢)، والبزار (١٨٤٠)، والبيهقي ((الكبرى)) (١٦٢٩٤). ٣٩٧ الباب الثاني في فوائد خاصة متعلقة بالإمام الترمذي وجامعه تعلق القلب على غير الله، ومن قال: إنها تكره، فالكراهة - في اصطلاح السلف - بمعنى الحرام. انتھی. ولنا: أن نذكر كلام الحافظ ابن القيم في هذا الباب، فإنه نافع جدًّا. قال في ((إعلام الموقعين)) (١): وقد حرَّم الله سبحانه وتعالى القولَ عليه بغير علم في الفتيا والقضاء، فقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِيَ الْفَوَحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَآلْإِثْمَ وَلْبَغْىَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُواْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزَلْ بِهِ، سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لَا نَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣]، وهذا يعم القول عليه سبحانه بلا علم في أسمائه وصفاته وأفعاله، وفي دينه وشرعه، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُواْ عَلَى اللَّهِ اَلْكَذِبُّ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١٦) مَتَحُ قَلِلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النحل: ١١٦، ١١٧]. فتقدَّم إليهم - سبحانه - بالوعيد على الكذب عليه في أحكامه وقولهم لما لم يحرِّمْهُ: ((هذا حرام))، ولما لم يحلّه: ((هذا حلال))، وهذا بيان منه سبحانه أنه لا يجوز للعبد أن يقول: ((هذا حلال))، و: ((هذا حرام)) إلا بما علم أن الله سبحانه أحلّه وحرَّمه، فلا ينبغي أن يقول لما لا يعلَم ورودَ الوحي المبين بتحليله وتحريمه: ((أحله الله)) و: ((حرَّمه الله))، لمجرَّد التقليد أو بالتأويل، وقد نهى النبي ◌َّ في الحديث الصحيح أميره بُرَيْدَةً أَنْ يُنْزِلَ عَدُوَّهُ إذَا حَاصَرَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللهِ، وقال: ((فَإِنَّك لَا تَدْرِي أَتُصِيبُ حُكْمَ اللهِ فِيهِمْ أمْ لَا، ولَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِكَ وَحُكْم أَصْحَابِكَ))(٢)، فتأمَّل: كيف فرَّق بين حكم الله وحكم الأمير المجتهد، ونهى أن يسمّى حكم المجتهدين: حكم الله، ومِنْ هذا: لما كتب الكاتبُ بين يدَيْ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رَؤُه حكمًا حَكَمَ به، فقال: هذا ما أَرَى اللهُ أميرَ المؤمنين عمر، فقال: لا تقل هكذا، ولكن قل: هذا ما رأى أميرُ المؤمنين عُمَرُ بْنُ الخطاب(٣). وقال ابن وَهْبٍ: سمعتُ مالكًا يقول: لم يكنْ من أَمْرِ الناس، ولا مَنْ مضَى من (١) ابن قيم الجوزية في ((إعلام الموقعين)) (٣٨/١). (٢) مسلم، كتاب الجهاد والسير، حديث (١٧٣١)، وأبو داود، كتاب الجهاد، حديث (٢٦١٢)، والترمذي، كتاب السير، حديث (١٦١٧)، وابن ماجه، كتاب الجهاد، حديث (٢٨٥٨). (٣) أخرجه البيهقي في ((الكبرى)) (٢٠١٣٥) قال الحافظ في ((تلخيص الحبير)) (١٩٥/٤): إسناده صحيح. ٣٩٨ مقدمة تحفة الأحوذي سلفنا، ولا أدركْتُ أحدًا أقتدى به يقول في شيء: ((هذا حلال))، و: ((هذا حرام))؛ ما كانوا يجترئون على ذلك، وإنما كانوا يقولون: ((نكره كذا، ونرى هذا حسنًا فينبغي هذا، ولا نرى هذا)). ورواه عنه عَتِيقُ بن يعقوب(١)، وزاد: ولا يقولون: ((حلال)) و: ((لا حرام))؛ أما سمعتَ قول الله تعالى: ﴿قُلْ أَرَءَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِّنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلَلَا قُلْ ءَاللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اَللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩]. الحلال: ما أحله الله ورسوله، والحرام: ما حرَّم الله ورسوله. قال الحافظ ابن القيّم(٢): وقد غَلِطَ كثيرٌ من المتأخّرين من أتباع الأئمة على أئمتهم بسبب ذلك؛ حيث تورّع الأئمة عن إطلاق لفظ التحريم، وأطلقوا لفظ الكراهة، فنفى المتأخّرون التحريم عما أطلق عليه الأئمة الكراهة، ثم سَهُلَ عليهم لفظ ((الكراهة)) وخفَّت مؤنته عليهم، فحمله بعضهم على التنزيه، وتجاوز به آخرُونَ إلى كراهة ترك الأولى، وهذا كثير جدًّا في تصرُّفاتهم، فحَصَلَ - بسببه - غلط عظيم على الشريعة وعلى الأئمة. وقد قال الإمام أحمد في الجمع بين الأختين بِمِلكِ اليمين: ((أكرهه، ولا أقول: هو حرام))، ومذهبه تحريمه، وإنما تورَّع عن إطلاق لفظ ((التحريم)) لأجل قول عثمان. وقال في رواية أبي داود: ((يستحبُّ ألا يدخل الحمام إلا بِمِثْزَرٍ له))، وهذا استحبابُ وجوپٍ. وقال في رواية إسحاق بن منصور: ((إذا كان أكثر مال الرجل حرامًا فلا يعجبني أن يؤكل ماله))، وهذا على سبيل التحريم. وقال في رواية ابنه عبد الله: ((لا يعجبني أَكْلُ ما ذبح للزُّهْرَةِ والكواكب ولا الكنيسة، وكل شيء ذبح لغير الله؛ قال الله عز وجل: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةُ وَالَّمُ وَخُمُ الْخِزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣]، فتأمل كيف قال: ((لا يعجبني فيما نصَّ الله سبحانه على تحريمه، واحتج ـ هو أيضًا - بتحريم الله له في كتابه. وقال في رواية الأثرم: ((أكره لحوم الجلالة وألبانها))، وقد صرَّح بالتحريم في رواية حنبل وغيره. (١) انظر ((جامع بيان العلم وفضله)) لابن عبد البر (١٤٦/٢). (٢) ابن القيم في ((إعلام الموقعين)) (٣٩/١). ٣٩٩ الباب الثاني في فوائد خاصة متعلقة بالإمام الترمذى وجامعه وقال في رواية ابنه عبد الله: ((أكره أكل لَحْم الحَيَّة والعقرب؛ لأن الحية لها نابٌ والعقرَبَ له حُمَة))، ولا يختلف مذهبه في تحريمه. وقال في رواية حرب: ((إذا صاد الكلْبُ من غير أن يرسل - فلا يعجبني؛ لأن النبيَّ وَلِ﴿ قال: ((إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ وَسَمَّيْتَ ... ))(١)، فقد أطلق لفظ: ((لا يعجبني)) على ما هو حرام عنده. وقال في رواية جعفر بن محمد النسائي: ((لا يعجبني المُكْخُلَةُ والمِرْوَدُ))، يعني: من الفضة، وقد صرح بالتحريم في عدة مواضع، وهو مذهبه بلا خلاف. وقال جعفر بن محمد أيضًا: سمعتُ أبا عبد الله سُئِلَ عن رجلٍ قال لامرأته: ((كل امرأة أتزوَّجها أو جاريةٍ أشتريها للوطء - وأنت حية - فالجاريةُ حرة، والمرأة طالق))، قال: إن تزوَّج لم آمره أن يفارقها، والعتق أخشى أن يلزمه؛ لأنه مخالف للطلاق، قيل: يهب رجل جارية، قال: هذا على طريق الحيلة، وكرهه، مع أن مذهبه تحريم الحِيَلِ، وأنها لا تخلّص من الأَيْمَانِ. ونص على كراهة البَطّة من جلود الحُمُرِ، وقال: ((تكون ذَكِيَّة»، ولا يختلف مذهبه في التحریم. وسئل عن شعر الخنزير، فقال: ((لا يعجبني))، وهذا على التحريم. وقال: ((يكره القِدْرُ من جلود الحمير ذَكِيًّا وغير ذَكِيِّ؛ لأنه لا يكون ذكيًّا، وأكرهه لمن يعمل وللمستعمل. وسئل عن رَجُلٍ حَلَف لا ينتفع بكذا، فباعه واشترى به غيره، فكره ذلك، وهذا عنده لا يجوز. وسئل عن ألبان الأُتُّنِ، فكره، وهو حرام عنده. وسئل عن الخمر يتخذ خَلَّا، فقال: ((لا يعجبني))، وهذا على التحريم عنده. وسئل عن بيع الماء، فكرهه، وهذا في أجوبته أكثرُ مِنْ أن يستقصَى، وكذلك غيره من الأئمة. (١) أحمد (١٧٧٩٥)، والبخاري، كتاب الذبائح، حديث (٥٤٧٦)، ومسلم، كتاب الصيد والذبائح، حديث (١٩٢٩). ٤٠٠ مقدمة تحفة الأحوذي وقد نَصَّ محمد بن الحسن أن كُلَّ مكروهٍ فهو حرام، إلا أنه لما لم يجدْ فيه نَصَّا قاطعًا لم يطلق عليه لفظ الحرام، وروى محمد أيضًا عن أبي حنيفة وأبي يوسف أنه إلى الحرام أقربُ، وقد قال في ((الجامع الكبير)): ((يكره الشربُ في آنية الذهب والفضة للرجال والنساء))، ومراده التحريم. وكذلك قال أبو يُوسُف ومحمَّد: ((يكره النوم على فُرش الحرير، والتوسُّدُ على وسائده))، ومرادهما التحريم، وقال أبو حنيفة وصاحباه: ((يكره أن يلبس الذكورُ من الصبيان الذهبَ والحرير))، وقد صرح الأصحاب أنه حرام، وقالوا: إن التحريم لَمَّا ثَبَتَ في حق الذكور، وتحريم اللبس يحرِّم الإلباس، كالخمر لما حَرُم شربها حرم سقيها . وكذلك قالوا: ((يكره مِنْدِيلُ الحرير الذي يتمخَّط فيه ويتمسَّح من الوضوء)»، ومرادهم التحريم . وقالوا: ((يكره بيع العَذِرَة))، ومرادهم التحریم. وقالوا: ((يكره الاحتكار في أقوات الآدميين والبهائم، إذا أضرَّ بهم وضيَّق عليهم))، ومرادهم التحريم. وقالوا: ((يكره بيع السلاح في أيام الفتنة))، ومرادهم التحريم. وقال أبو حنيفة: ((يكره بيع أرض مَكَّة))، ومراده التحريم عندهم. وقالوا: ((ويكره اللعب بالشِّطْرَنْجِ))، وهو حرام عندهم. قالوا: ((ويكره أن يجعل الرجلُ في عنق عبده أو غيره طَوْقَ الحديد الذي يمنعه من التحرُّك))، وهو: الغل، وهو حرام، وهذا كثير في كلامهم جدًّا. وأما أصحاب مالك: فالمكروه عندهم مرتبةٌ بين الحرام والمباح، ولا يطلقون عليه اسم الجواز، ويقولون: إن أكل كل ذي ناب من السبع مكروه غير مباح. وقد قال مالك في كثير من أجوبته: ((أكره كذا))، وهو حرام. فمنها: أن مالكًا نَصَ على كراهة الشِّطرنج، وهذا - عند أكثر أصحابه - على التحريم، وحمله بعضهم على الكراهة التي هي دون التحريم. قال الشافعيُّ في اللعب بالشطرنج: إنه لهو شبه الباطل، أكرهه، ولا يتبيَّن لي تحريمه، فقد نص على كراهته، وتوقف في تحريمه، فلا يجوز أن ينسب إليه وإلى مذهبه