Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠٥
الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث وكتبه وأهله عموماً
و ((رجال أبي داود)) لأبي علي الغَسَّاني، وكذا ((رجال النسائي)) ثم جمع الحافظ
عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي رجال البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي
وابن ماجه في كتابه ((الكمال))، وكان سبب ذلك: أن ابن طاهر أهمل أطراف هذه الكتب
الستة، فأراد عبد الغني أن يفرد رجالها بالذكر وهو الذي هذبه المِزِّيُّ وسماه: ((تهذيب
الكمال))، ثم اختصره الذهبي في ((تذهيب التهذيب))، ثم اختصره في ((الكاشف))،
واشتهرت هذه الکتب قديمًا وحديثًا. انتهى.
وقال صاحب ((الكشف))(١) في باب الثاء: عِلْمُ الثقات والضعفاء من رواة الحديث،
وهو: من أجل نوع وأفخمه من أنواع علم أسماء الرجال، فإنه المرقاة إلى معرفة صحة
الحديث وسقمه، وإلى الاحتياط في أمور الدين، وتمييز مواقع الغلط والخطأ في هذا
الأصل الأعظم الذي عليه مبنى الإسلام وأساس الشريعة، وللحُفاظ فيه تصانيف كثيرة.
منها: ما أفرد في الثقات، ككتاب ((الثقات)) للإمام الحافظ أبي حاتم محمد بن حِبَّان
البُسْتِيّ، المتوفى سنة أربع وخمسين وثلاثمائة، وكتاب ((الثقات ممن لم يقع في الكتب
الستة)) للشيخ زين الدين قاسم بن قُطْلُوبُغَا الحنفي، المتوفى سنة تسع وسبعين وثمانمائة،
وهو كبير في أربع مجلدات، وكتاب ((الثقات)) لخليل بن شاهين، وكتاب ((الثقات))
للعجلي .
ومنها: ما أفرد في الضعفاء، ككتاب ((الضعفاء» للبخاري، وكتاب ((الضعفاء))
للنسائي، و((الضعفاء)) لمحمد بن عمرو العُقَيْلي، المتوفى سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة.
ومنها: ما جمع بينهما كـ ((تاريخ البخاري))، و((تاريخ ابن أبي خيثمة))، قال ابن
الصلاح: وما أغزَرَ فوائده، وكتاب ((الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم. انتهى.
وقال(٢) في باب الجيم: عِلْمُ الجرح والتعديل، هو: علم يبحث فيه عن جرح الرواة
وتعديلهم بألفاظ مخصوصة، وعن مراتب تلك الألفاظ، وهذا العلم من فروع علم رجال
الأحاديث، ولم يذكره أحد من أصحاب الموضوعات، مع أنه فرع عظيم، والكلام في
الرجال جرحًا وتعديلًا ثابتٌ عن رسول الله وَّته، ثم عن كثير من الصحابة والتابعين فمن
(١) حاجي خليفة في ((كشف الظنون)) (١/ ٥٢١).
(٢) المصدر السابق (١/ ٥٨٢)

٢٠٦
مقدمة تحفة الأحوذي
بعدهم، وجُوِّز ذلك تورُّعًا وصونًا للشريعة، لا طعنًا في الناس، وكما جاز الجرح في
الشهود جاز في الرواة، والتثبتُ في أمر الدين أولى من التثبت في الحقوق والأموال؛
فلهذا افترضوا على أنفسهم الكلام في ذلك، وأول من عُنِيَ بذلك من الأئمة الحفاظ:
شُعْبَة بن الحَجَّاج، ثم تبعه يحيى بن سعيد، قال الذهبي في ((ميزان الاعتدال))(١): أول من
جمع كلامه في ذلك: الإمام الذي قال فيه أحمد بن حنبل: ما رأيت بعيني مثل يحيى بن
سعيد القَظَّان، وتكلَّم في ذلك بعده تلامذته: يحيى بن معين، وعلي بن المديني،
وأحمد بن حنبل، وعمرو بن علي الفلاس، وأبو خيثمة، وتلامذتهم، كأبي زُرْعة،
وأبي حاتم، والبخاري، ومسلم، وأبي إسحاق الجوزجاني السعدي، وخلقٍ من بعدهم؛
مثلُ: النسائي، وابن خزيمة، والترمذي، والدولابي، والعُقَيْلي - وله مصنف مفيد في
معرفة الضعفاء - ولأبي حاتم بن حِبَّان كتاب كبير عندي في ذلك، ولأبي أحمد بن عدي
كتاب ((الكامل))، هو أكمل الكتب وأجلها في ذلك، وكتاب أبي الفتح الأزدي، وكتاب
أبي محمد بن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل))، و((الضعفاء)) للدارقطني، و((الضعفاء))
للحاكم، وغير ذلك، وقد ذيل ابن طاهر المقدسي على ((الكامل)) لابن عدي بكتاب لم
أره، وصنف أبو الفرج بن الجوزي كتابًا كبيرًا في ذلك كنت اختصرته أولًا، ثم ذيلت عليه
ذيلًا بعد ذيل. انتهى كلام الذهبي.
ومن الكتب المصنفة فيه: كتاب ((الجرح والتعديل)) لأبي الحسن أحمد بن عبد الله
العجْلِيِّ الكوفي، نزيل طَرابُلْسِ المغربِ، المتوفى سنة إحدى وستين ومائتين، وكتاب
((الجرح والتعديل)) للإمام الحافظ أبي محمد عَبْدِ الرَّحْمن بن أبي حاتم محمد الرازي،
المُتَوَفَّى سنة سبع وعشرين وثلاثمائة، وهو كتاب كبير، أوله: ((الحمدُ لله رب العالمين
بجميع محامده كلُّها ... ))(٢) إلخ، ذكر فيه أنه لما لم يجد سبيلًا إلى معرفة شيء من معاني
كتاب الله سبحانه وتعالى، ولا من سنن رسول الله وَلقول، إلا من جهة النقل والرواية،
وجب أن يميز بين العدول الناقلة والرواة وثقاتهم، وأهل الحفظ والتثبت والإتقان منهم،
وبين أهل الغفلة والوهم وسوء الحفظ والكذب واختراع الحديث الكاذب والكذب. انتهى.
(١) الذهبي في ((ميزان الاعتدال في نقد الرجال)) (١/١-٢ - بجاوي).
(٢) أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم محمد بن إدريس الحنظلي التميمي في ((الجرح والتعديل)) (١/١).

٢٠١
الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث وكتبه وأهله عموماً
الفَصْلُ الخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ: في عِلْمٍ أَسْمَاءِ الرِّجَالِ
اعلم: أن علم أسماء رجال الأحاديث نِصْفُ علم الحديث، كما صرَّح به العراقي في
((شرح الألفية)) عن علي بن المديني، فإنه: سند، ومتن، والسند: عبارة عن الرواة،
فمعرفة أحوالها نصف العلم، على ما لا يخفى.
والكتب المصنفة فيه على أنواع:
منها: ((المؤتلف والمختلف)) لِجَمَاعةٍ، كالدارقطني، والخطيب البغدادي، وابن
مَاكُولا، وابن نُقْطة، ومن المتأخرين: الذهبيُّ، والمزنِيُّ، وابن حَجَر، وغيرُهُمْ.
ومنها: ((الأسماء المجردَّة عن الألقاب والكُتَى معًا))، صنَّف فيه الإمام مسلم وعلي بن
المديني، والنَّسائي، وأبو بشر الدولابي، وابن عبد البر، لكن أحسنها ترتيبًا كتاب الإمام
أبي عبد الله الحاكم، وللذهبي: ((المقتنى في سرد الكنى)).
ومنها: ((الألقاب))، صنف فيه أبو بكر الشيرازيُّ(١)، وأبو الفضل الفلكي سمَّاه:
«منتھی الکمال)، وابن الجوزي.
ومنها: ((المتشابه)) صنّف فیه الخطیب کتابًا سماه «تلخيص المتشابه))، ثم ذيله بما فاته.
ومنها: ((الأسماء المجرَّدة عن الألقاب والكنى)) صنَّف فيه أيضًا غير واحد، فمنهم:
من جمع التراجم مطلقًا، كابن سعد في ((الطبقات))، وابن أبي خيثمة أحمد بن زهير،
والإمام أبي عبد الله البخاري في تاريخهما، ومنهم: من جمع الثقاتِ، كابن حِبَّان، وابن
شاهين، ومنهم: من جمع الضعفاء؛ كابن عدي، ومنهم: من جمع كليهما جرحًا
وتعديلًا، ومنهم: من جمع رجال البخاري وغيره من أصحاب الكتب الستة والسنن، على
ما بُيِّن في هذا المحلِّ :
((أسماء رجال صحيح البخاري))، مجلد للشيخ أبي نصر أحمد بن محمد الكلاباذي
البخاري، المتوفى سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة.
((أسماء رجال صحيح مسلم))، للشيخ الإمام أبي بكر أحمد بن علي بن محمد
المعروف بابن منجويه الأصفهاني، المتوفى سنة ثمان وعشرين وأربعمائة.
(١) واختصره ابن طاهر في ((معرفة الألقاب)) وحققه عدنان بن حمود أبو زيد، وطبع في مصر.

٢٠٢
مقدمة تحفة الأحوذي
أسماء ((رجال الصحيحين)) - للإمام الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر بن علي بن
أحمد المقدسي، المتوفى سنة سبع وخمسمائة، جمع فيه بين كتاب أبي نصر وابن
منجويه، وأحسنَ في ترتيبه على الحروف، واستدرك عليهما، وجمع بينهما أيضًا الشيخُ
أبو القاسم هبة الله بن الحسن الطبري، المعروف باللَّالِكَائِيِّ، المتوفى سنة ثمان عشرة
وأربعمائة .
((أسماء رجال سنن أبي داود))، لأبي علي حسين بن محمد الجَيَّاني الغَسَّاني الحافظ،
المتوفى سنة ثمان وتسعين وأربعمائة.
((أسماء رجال الكتب الستة))، للحافظ ابن النَّجَّار محمد بن محمود بن الحسن بن
هبة الله، صاحب ((ذيل تاريخ بغداد)) للخطيب، المتوفى سنة ثلاث وأربعين وستمائة،
سماه: ((الكمال))، وللشيخ سراج الدين عمر بن علي، المعروف بابن الملقِّن، المتوفى
سنة أربع وثمانمائة. قاله صاحب ((كشف الظنون))(١) في باب الألف، وقال في باب
الكاف(٢): ((الكمال في معرفة الرجال)»، للشيخ الإمام محب الدين بن النجار محمد بن
محمود البغدادي، المتوفّى سنة اثنتين وأربعين وستمائة، وللحافظ عبد الغني بن
عبد الواحد المقدسيِّ الجمَّاعيليِّ الحنبليّ، المتوقَّى سنة ستمائة.
و((تهذيب الكمال في أسماء الرجال)) للحافظ جمال الدين يوسف بن الزكي المزِّيِّ،
المتوفى سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة، وهو كتاب كبير لم يؤلّف مثله، ولا يظن أن
يستطاع، قيل: إنه لم يكمله، وكمَّله علاء الدين مُغَلْطَاي بن قَلِيج(٣)، المتوفى سنة اثنتين
وستين وسبعمائة، في ثلاثة عشَرَ مجلدًا، ثم لخصه، واختصره الحافظ شمس الدين
محمد بن أحمد الذهبي، المتوفى سنة ثمان وأربعين وسبعمائة، وأبو بكر بن أبي المجد
الحنبلي، المتوفى سنة أربع وثمانمائة، وشمسُ الدين محمد بن علي الدمشقيُّ الحافظ،
المتوفى سنة خمس وستين وسبعمائة، وأضاف إليه ما في ((الموطأ))، وأبو العباس أحمد بن
سعد العسكريُّ، المتوفى سنة خمسين وسبعمائة، وعليه زوائد للسيوطي، و((إكمال
(١) حاجي خليفة في ((كشف الظنون)) (٨٨/١).
(٢) المصدر السابق (١٥٠٩/٢).
(٣) وسماه: ((إكمال تهذيب الكمال)) طبع بمصر بتحقيق: عادل بن محمد وأسامة بن إبراهيم جزاهما الله خيرًا.

٢٠٣
الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث وكتبه وأهله عموماً
التهذيب)) للسراج عمر بن علي بن الملقِّن، و((مختصر التهذيب)) للحافظ الأندرشي
صاحب ((العمدة في مختصر الأطراف))، ومختصره أيضًا للقاضي تقي الدين أبي بكر
أحمد بن شهبة الدمشقيّ، المتوفى سنة إحدى وخمسين وثمانمائة، و ((مختصر تهذيب
الكمال)» للحافظ شهاب الدين أحمد بن علي، المعروف بابن حجر العسقلاني، المتوفى
سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة، وهو كبير في ستة مجلدات. انتهى.
قلت: قال الحافظ في خطبة ((تهذيب التهذيب)): أما بعد، فإن كتاب ((الكمال في
أسماء الرجال)) الذي ألفه الحافظ الكبير أبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد بن سرور
المقدسي، وهذَّبه الحافظ الشهير أبو الحَجَّاج يوسف بن الزكي المِزِّيُّ من أجلّ المصنفات
في معرفة حملة الآثار وضعًا، وأعظم المؤلفات في بصائر ذوي الألباب وقعًا، ولا سيما
((التهذيب))، فهو الذي وفق بين اسم الكتاب ومسماه، وألف بين لفظه ومعناه، بيد أنه
أطال وأطاب، ووجد مكان القول ذا سعة فقال وأصاب، ولكن قصرت الهمم عن
تحصيله لطوله، فاقتصر بعض الناس على ((الكشف)) من ((الكاشف)» الذي اختصره منه
الحافظ أبو عبد الله الذهبيُّ، ولما نظرت في هذه الكتب وجدت تراجم ((الكاشف)» إنما
هي كالعنوان تتشوَّق النفوس إلى الاطلاع على ما وراءه، ثم رأيت للذهبي كتابًا سماه:
((تذهيب التهذيب)) أطال فيه العبارة، ولم يَعْدُ ما في ((التهذيب)) غالبًا وإن زاد، ففي بعض
الأحايين وفيات بالظن والتخمين، أو مناقبُ لبعض المترجمين، مع إهمال كثير من
التوثيق والتجريح، اللذين عليهما مدار التضعيف والتصحيح، هذا وفي ((التهذيب)) عدد من
الأسماء لم يعرِّف الشيخ بشيء من أحوالهم، بل لا يزيد على قوله: ((روى عن فلان،
روى عنه فلان، أخرج له فلان))، وهذا لا يروي الغُلَّة، ولا يشفي العلة، فاستخرت الله
تعالى في اختصار ((التهذيب))، على طريقة أرجو الله أن تكون مستقيمة، وهو: أنني اقتصر
على ما يفيد الجرح والتعديل خاصَّة، وأحذف منها ما أطال به الكتاب من الأحاديث التي
يخرِّجها من مروياته العالية؛ من الموافقات، والأبدال، وغير ذلك من أنواع العلو، فإن
ذلك بالمعاجم والمشيخات أشبه منه بموضوع الكتاب، وإن كان لا يلحق المؤلِّف من
ذلك عاب، حاشا وكلا، بل هو - والله - العديم النظير، المطلع النحرير، لكن العمر

٢٠٤
مقدمة تحفة الأحوذي
يسير، والزمان قصير، فحذفت هذا جملة، وهو نحو ثلث الكتاب.(١) انتهى بقدر الحاجة.
قال صاحب ((الكشف))(٢) ص٣٣١ ج ٢: ولـ((التهذيب)) مختصراتٌ منها (الكاشف))
للذهبي، و((ذيله)) لأبي زُرْعة أحمد بن عبد الرحيم، المتوفى سنة ٧٢٦ ست وعشرين
وسبعمائة، ومختصرُ أبي بكر بن أبي المجد الحنبلي، المتوفى سنة أربع وثمانمائة،
و((مختصر ابن حجر العسقلاني))، وهو المذكور آنفًا المسمَّى بـ((تهذيب التهذيب))، ثم
اختصره ثانيًا وسماه ((تقريب التهذيب))، وله: ((فوائد الاحتفال في أفعال الرجال
المذكورين في البخاري))، زيادةً على ((تهذيب الكمال))، و((مختصر أبي العباس)) أحمد بن
سعد العسكري، المتوفى سنة خمس وخمسين وسبعمائة، واختصره شمس الدين محمد بن
علي الدمشقي، مع ضم رجال ((الموطأ)) وغيره إليه، وسماه ((التذكرة في رجال العشرة))،
وللسيوطي مختصر بزوائد الرجال على ((تهذيب الكمال))، ثم قال ابن حجر: وقد كتبْتُ
من هذا الكتابِ غَيْرَ نسخة، ثم إنني في زمن الاشتغال ألحقت فيه أشياء كثيرة، تظهر في
هوامش هذه النسخة، وهي نسخة الأصل، فمن له نسخة، فليلحقها بها، فإني ألحقتُ
منها تراجم كثيرة جدًّا في سنة ست وأربعين وثمانمائة، معظمها ممن جرى ذِكْره في
التأليف، وألحقت أيضًا من ذكره صاحب ((الكمال)) وحذفه المصنّف؛ لكونه لم يقع له
على رواية، مع احتمال وجودها فزدت تراجمهم، وألحقت من تراجم الترمذي، ومن
((السنن الكبرى)) للنسائي من أغفلهم المصنّف، وأرجو أن أجرد جميع ما زاد على
(التهذیب)). انتھی.
وقال الحافظ في ((تعجيل المنفعة))(٣): ورجال الكتب الستة قد جُمِعُوا في عدة
تصانيف، كـ ((رجال الصحيحين)) لأبي الفضل محمد بن طاهر، ومن قبله للحاكم،
و(رجال البخاري)) لأبي نصر الكلاباذي، ثم لأبي الوليد الباجي، و((رجال مسلم))
لأبي بكر بن منجويه، ورجالِ الصحيحينِ وأبي داود والترمذي، لبعض المغاربة سماه
((الزهرة)) وقد ذكر عدةً ما لكُلِّ منهم عند من أخرج له، وأظنه اقتصر فيه على شيوخهم،
(١) ابن حجر في ((تهذيب التهذيب)) (٣/١).
(٢) حاجي خليفة في ((كشف الظنون)) (١٥١٠/٢).
(٣) ابن حجر في ((تعجيل المنفعة)) (ص/ ٧).

٢٠٧
الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث وكتبه وأهله عموماً
و((الكامل)) لابن عدي، وهو أكمل الكتب فيه، و((ميزان الاعتدال في نقد الرجال))
للذهبي، وهو أجمع ما جُمِعَ، و((لسان الميزان)) لابن حجر. انتهى.
ومن الكتب المصنفة فيه «تعجيلُ المنفعة بزوائد رجال الأئمة الأربعة))، للحافظ ابن
حجر - رحمه الله - .
الفَصْلُ السَّادِسُ والعِشْرُونَ: في ذِكْرٍ أَئِمَّةِ الجَرْحِ والتَّعْدِيل،
وأسْمَاءِ الرِّجَالِ، وَذِكرِ مُصنِّفِي الكُتُّبِ الَّتِي ذَكَرَهَا صَاحِبُ ((كشف الظُّنُونِ»
فمنهم: شُعْبة بن الحَجَّاج، وهو أول من تكلّم في الرجال؛ قال الحافظ في ((تهذيب
التهذيب)»(١): وهو أول من فتَّش بالعراق عن أمر المحدِّثين، وجانَبَ الضعفاء
والمتروكين، وصار علمًا يُقتدى به، وتبعه بعده أهل العراق. انتهى. وقال فيه: قال صالح
جزرة: أول من تكلّم في الرجال شُعبة، ثم أحمد ويحيى. انتهى. وستأتي ترجمة شعبة في
الباب الثاني.
ومنهم يحيى بن سعيد القَطَّانُ؛ قال الذهبي في ((التذكرة)): قال ابن المديني: ما رأيتُ
أحدًا أعلم بالرجال منه. انتهى، وقال الحافظ في ((تهذيب التهذيب))(٢): قال ابن منجويه:
كان من سادات أهل زمانه: حفظًا، وورعًا، وفهمًا، وفضلًا، ودينًا، وعلمًا، وهو الذي
مهَّد لأهل العراق رَسْمَ الحديث، وأمعن في البحث عن الثقات، وتَرَكَ الضعفاء. انتهى.
وستأتي ترجمته أيضًا في الباب الثاني.
ومنهم: يحيى بن معين؛ قال أحمد بن حنبل: كُلُّ حديث لا يعرفه يحيى بن معين،
فليس هو بحديث، وكان يقول: هاهنا رجل خلقه الله لهذا الشأن، يُظْهِرُ كَذِبَ الكذَّابين،
يعني: يحيى بن معين، وقال حنبل، عن أحمد: كان ابن معين أعلمنا بالرجال، وله
(كتابُ التاريخ في أحوال الرجال))، وستأتي ترجمته - أيضًا - في الباب الثاني.
ومنهم: علي بن المَدِينِيِّ؛ قال أبو حاتم الرازي: كان عليٍّ عَلَمًا في الناس في معرفة
(١) ابن حجر في ((تهذيب التهذيب)) (٣٠٢/٤) تبعًا للحافظ المزي في ((تهذيب الكمال)) (٤٩٥/١٢).
(٢) ابن حجر في ((تهذيب التهذيب)) (١٩٢/١١) تبعًا لما نقله الحافظ في ((تهذيب الكمال)) (٣٤٠/٣١)؛ وكلام
أحمد بن علي بن منجويه الأصفهاني هذا، هو في كتابه ((رجال مسلم)) (٣٣٩/٢).

٢٠٨
مقدمة تحفة الأحوذي
الحديث والعلل، وقال عبد الرحمن بن مهدي: علي بن المديني أعلَمُ الناس بحديث
رسول الله ◌َ، وستأتي ترجمته - أيضًا - في الباب الثاني.
ومنهم: أحمد بن حنبل، ستأتي ترجمته - أيضًا - في الباب الثاني.
ومنهم: عمرو بن علي الفَلَّس؛ قال الذهبي في ((التذكرة)): عمرو بن علي بن بَحْر بن
كُنيز، الحافظ الإمام الثََّتُ، أبو حفص الباهلي البصري الصَّيْرفي الفلَّاس، أحد الأعلام،
مولده بُعَيْدَ الستين ومائة، سمع يزيد بن زُرَيْع، وعبد العزيز بن عبد الصمد العَمِّيَّ،
وسفيان بن عيينة، ومعتمر بن سليمان، وطبقتهم، فأكثر وأتقن، وجوَّد وأحسن، وحدث
عنه الستةُ والنسائيُّ أيضًا بواسطة وعَفَّان، وهو من شيوخه، وأبو زُرْعَة، ومحمد بن جَرِیر،
وابن صاعد، والمَحَامِلِيُّ، وأبو روق الهزاني(١)، وأمم سواهم، قال النسائي: ثقة حافظ
صاحب حديث، وقال أبو حاتم: كان أرشق من علي بن المديني، وقال عباس العنبري:
ما تعلّمت الحديث إلا منه، وقال حجاج بن الشاعر: عمرو بن علي لا يبالي أحدَّث من
حفظه أو من كتابه، وقال أبو زُرْعة: ذاك من فرسان الحديث، لم يُر بالبصرة أحفظُ منه،
ومن ابن المديني والشَّاذَكُونِيّ، وقال ابن أشْكَاب: ما رأيت مثل الفَلَّاس، وكان يحسن
كل شيء. مَات الفلَّاسُ بـ ((سامرًّا)) في ذي القعدة، سنة تسع وأربعين ومائتين، وقد تردد
إلى أصبهان مرات. انتهى (٢).
وفي ((تهذيب التهذيب))(٣): حكى ابن مكرم بالبصرة قال: ما قدم علينا بعد علي بن
المدينيّ مثلُ عمرو بن علي (٤)، وقال أبو زرعة: كان من فرسان الحديث، وفي الترمذي:
سمعت أبا زرعة يقول: روى عَقَّان عن عمرو بن علي حديثًا، وقال الدارقطني: كان من
الحفاظ، وبعضُ أصحاب الحديث يفضِّلونه على ابن المديني، ويتعصّبون له، وقد صنف
((المسند)) و((العلل))، و((التاريخ))، وهو إمام متقن، وذكره ابن حِبَّان في ((الثقات)) وقال
الحسين بن إسماعيل المَحَامِلِي: حدثنا أبو حفص الفَلَّاس، وكان من نبلاء المحدِّثين،
وقال عبد الله بن علي بن المديني: سألت أبي عنه، فقال: قَدْ كان يطلب، قلت: قد روى
(١) واسمه: أحمد بن محمد بن بكر الهِزَّاني، من شيوخ الدار قطني. انظر ((لسان الميزان)) (٢٥٦/١).
(٢) الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) (٢/ ٤٨٧).
(٣) ابن حجر في ((تهذيب التهذيب)) (٧١/٨).
(٤) انظر ((تاريخ أصبهان)) لأبي نعيم (٤٥٥/١).

٢٠٩
الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث وكتبه وأهله عموماً
عن عبد الأعلى، عن هشام، عن الحسن: ((الشفعةُ لا تُوَرَّثُ)) (١)، فقال: ليس هذا في
كتاب عبد الأعلى، قال الحاكم: وقد كان عمرو بن علي أيضًا يقول في علي بن المدينيِّ،
وقد أجلَّ الله تعالى محلَّهما جميعًا عن ذلك، يعني: أن كلام الأقران غيرُ معتَبَرٍ في حَقِّ
بعضهم بعضًا إذا كان غیر مفسّر لا یقدح. انتھی.
ومنهم: أبو خيثمة زُهَيْر بن حَرْب بن شَدَّاد الحُرَشِيُّ النَّسائيُّ، نزيلُ بغداد، مولى ابن
الحريش بن كعب، رَوَى عن عبد الله بن إدريس، وابن عيينة، وحفص بن غِيَاث،
وحُمَيْد بن عبد الرحمن الرُّؤَاسي، والقَّان، وأبي النضر، وخلقٍ، وعنه: البخاري،
ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه، وروى له النَّسائيُّ بواسطة أحمد بن علي بن سعيد
المروزي، وابنُهُ أبو بكر بن أبي خيثمة، وأبو زُرْعَة، وأبو حاتم، وبَقِيُّ بن مَخْلَدٍ،
وإبراهيم الحربيُّ، وموسى بن هارون، وابن أبي الدنيا، ويعقوب بن شيبة، وأبو يعلى
الموصلي، وجماعة، قال معاوية بن صالح، عن ابن مَعِين: ثقة.
وقال علي بن الجنيد، عن ابن معين: يكفي قبيلة، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال
يعقوب بن شيبة: زهير أثبَتُ من عبد الله بن أبي شيبة، وكان في عبد الله تهاوُنٌ بالحديث،
لم يكن يفصل هذه الأشياء، يعني: الألفاظ. وقال جعفر الفريابي: قلت لابن نُمَير: أيهما
أحبُّ إليك؟ فقال: أبو خيثمة، وجعل يُظْريه، ويضع من أبي بكر. وقال الآجُرِّيُّ: قلت
لأبي داود: كان أبو خيثمة حجَّة في الرجال؟! قال: ما كان أحسن علمه. وقال النسائي:
ثقة مأمون. وقال الحسين بن فهم: ثقة ثَبتُ، وقال أبو بكر الخطيب: كان ثقة ثبتًا حافظًا
متقنًا، قال محمّد بن عبد الله الحضرميّ وغيره: مات سنة أربع وثلاثين ومائتين، وقال ابنه
أبو بكر: ولد أبي سنة ١٦٠ ستين ومائة، ومات ليلة الخميس لسبع خلون من شعبان،
وهو ابن أربع وسبعين سنة، وقال صاحب ((الزهرة)): روى عنه مسلم ألف حديث، ومائتَي
حديث، وإحدى وثمانين حديثًا؛ كذا في ((تهذيب التهذيب))(٢) (ص٣٤٣، ج٣).
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٤١٢/٥) (٦١٥)، ويعقوب بن سفيان في ((المعرفة والتاريخ)) (٣٥/٢)؛
ومن طريقه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (١٩٦/٥٣)؛ كلهم من طريق ابن عون عن عمرو بن سعيد عن ابن
سيرين من قوله. وإسناده صحيح، وعمرو بن سعيد هو البصري أبو سعيد القرشي ثقة. ولم أجده من قول
الحسن. فالله أعلم.
(٢) ابن حجر في ((تهذيب التهذيب)) (٢٩٦/٣).

٢١٠
مقدمة تحفة الأحوذي
ومنهم: أبو زُرعة الرازيُّ ؛ قال ابن وارة: سمعت إسحاق بن راهويه يقول: كل
حديث لا يعرفه أبو زرعة. ليس له أصل، وستأتي ترجمته في الباب الثاني.
ومنهم: أبو حاتم الرازي، واسمه محمد بن محمد بن إدريس بن المنذر الحَنظَلِيُّ،
الحافظ الكبير، أحد الأعلام، ولد سنة خمس وتسعين ومائةً، روى عن محمد بن عبد الله
الأنصاري، وعثمان بن الهيثم، وعفان بن مسلم، وأبي نُعَيم، وعبيد الله بن موسى
وعبد الله بن صالح كاتب الليث، وعبد الله بن صالح العجلي، والأصمعي، وعمر بن
حفص بن غياث، وطبقتِهِم، وخلق ممن بعدهم، روى عنه: أبو داود، والنسائي، وابن
ماجه في ((التفسير))، وروى البخاريُّ في ((الصحيح)) في ((باب المُحْصَر)) عن محمد، عن
يحيى بن صالح الوحاظي، فذكر الكلاباذيُّ في ترجمة يحيى بن صالح، أن ابن أبي سعيد
السرخسي أخبره أن محمدًا هو: ابن إدريس(١) أبو حاتم الرازيُّ، وذكر أنه رآه في أصل
عتيق، وقال الحاكم أبو أحمد في ((الكنى)): أبو حاتم محمد بن إدريس، روى عنه:
محمد بن إسماعيل الجعفيُّ وابنه عبد الرحمن، وعبدة بن سليمان المروزي، والربيع بن
سليمان المرادي، ويونس بن عبد الأعلى، ومحمد بن عوف الطائي؛ وهم من شيوخه،
ورفيقه أبو زُرْعة الرازي، وأبو زُرْعة الدمشقي، وآخرون.
قال أبو بكر الخلال: أبو حاتم إمامنا في الحديث؛ روى عن أحمد مسائلَ كثيرة
وقعت إلينا متفرقة، كلها غريب.
وقال ابن خراش: كان من أهل الأمانة والمعرفة، وقال النسائي: ثقة، وقال أبو نُعَيْم:
إمام في الحفظ، وقال اللالكَائِيُّ: كان إمامًا عالمًا بالحديث حافظًا له، متقنًا ثبتًا.
وقال ابن أبي حاتم: سمعت موسى بن إسحاق القاضي يقول: ما رأيت أحفظَ من
والدك، قلت له: فرأيتَ أبا زرعة؟! قال: لا، وسمعتُ يونس بن عبد الأعلى يقولُ:
أبو زرعة وأبو حاتم إماما خراسان، ودعا لهما، وقال: بقاؤهما صلاحٌ للمسلمين، وقال
الخطيب: كان أَحَدَ الأئمة الحُفَّاظ الأثبات، مشهورًا بالعلم، مذكورًا بالفضل وكان أوَّلُ
كُتْبِهِ الحديث سنة تسع ومائتين، قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: أول سنة خرجْتُ
في طلب الحديث أقمتُ سنين أحسب، ومشَيْتُ على قدمي زيادة على ألف فرسخٍ، فلما
(١) انظر ((فتح الباري)) (٧/٤) (١٧١٤).

٢١١
الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث وكتبه وأهله عموماً
زاد على ألف فرسخ تركته، قال: وسمعت أبي يقول: أقمْتُ سنة أربع عشرة ومائتين
بالبصرة ثمانية أشهر قد كنت عَزَمْتُ على أن أقيم سنة، فانقطعت نفقتي، فجعلت أبيع
ثيابي شيئًا بعد شيء، حتى بقيت بلا شيء، وقال - أيضًا - سمعتُ أبي يقول: قلتُ على
باب أبي الوليد الطيالسي: من أغرب عليَّ حديثًا غريبًا مسندًا صحيحًا، لم أسمع به، فله
عليّ درهم يَتصدَّقُ به، وهناك حِلقٌ من الخلق: أبو زرعة فمن دونه، وإنما كان مرادي أن
أستخرج منهم ما ليس عندي، فما تهيأ لأحد منهم أن يغرب عليَّ حديثًا، وقال أحمد بن
سلمة النيسابوريُّ: ما رأيتُ بعد إسحاق ومحمَّد بن يحيى أحفظ للحديث ولا أعلمَ
بمعانيه من أبي حاتم، قال ابن المنادي وغيرُ واحد: مات في شعبان سنة سبع وسبعين
ومائتين، وقد ذكر ابن أبي حاتم في مقدمة ((الجرح والتعديل)) (١) لوالده ترجمةً مليحةً، فيها
أشياء تدلُّ على عظم قدره وجلالته وسعة حفظه - رحمه الله:
منها: ما قال أبو حاتم: قدم محمد بن يحيى النيسابوريُّ الريَّ، فألقيت عليه ثلاثة
عشر حديثًا من حديث الزهري، فلم يعرف منها إلا ثلاثة، وهذا يدل على حفظ عظيم،
فإن الذُّهْلِيَّ شهد له مشايخه وأهل عصره بالتبخّر في معرفة حديث الزهري، ومع ذلك
فأغرب عليه أبو حاتم؛ كذا في ((تهذيب التهذيب))(٢) .
وقال الذهبي في ((التذكرة)) (٣): قال - أي: أبو حاتم - : بقيت بالبصرة سنة أربع
عشرة، فبعتُ ثيابي، حتى نفدت، وجُعْتُ يومين فأعلمتُ رفيقي، فقال: معي دينار،
فأعطاني نصفه، وطلعنا مرة من البحر وقد فرغ زادنا، فمشينا ثلاثة أيام لا نأكل شيئًا،
فألقينا بأنفسنا وفينا شيخ، فسقط مغشيًّا عليه، فجئنا نحركه وهو لا يعقل، فتركناه ومشينا
فرسخًا، فسقطتُ مغشيًا عليَّ، ومضى صاحبي، فرأى بعدُ سفينةً، فنزلوا الساحل فلوَّح
بثوبه، فجاءوه فَسَقَوهُ، فقال: أدركوا رفيقَيْنِ لي، فما شعرتُ إلا برجُلٍ يرشُّ على وجهي،
ثم سقاني، ثم أتوا بالشيخ، فبقينا أيامًا حتى رجعت إلينا أنفسنا. انتهى.
ومنهم: الإمام البخاري، والإمام مسلم، وقد تقدمت ترجمتهما .
(١) ابن أبي حاتم في مقدمة ((الجرح والتعديل)) (٣٣٤/١- ٣٧٥).
(٢) ابن حجر في ((تهذيب التهذيب)) (٢٩/٩).
(٣) الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) (٥٦٨/٢).

٢١٢
مقدمة تحفة الأحوذي
ومنهم: الجُوزَجَانيُّ، وهو: الحافظ الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب السعديُّ،
نزيل دمشق ومحدِّثها، سمع الحسين بن علي الجعفي، ويزيد بن هارون، وجعفر بن
عون، وشبابة وطبقتهم فأكثر، وتفقَّه بأحمد بن حنبل، حدَّث عنه: أبو داود، والترمذي،
والنسائي، وأبو زرعة، ومحمد بن جرير، وابن جوصا، وأبو بشر الدولابي، وآخرون،
وثقه النسائي، قال ابن عدي: سكن دمشق، فكان يحدِّث على المنبر، ويكاتبه أحمد بن
حنبل، فيتقوى بذلك، ويقرأ كتابه على المنبر، قال: وكان يتحامل على عليٍّ ◌َظُبه وقال
الدار قطنيُّ: كان من الحفاظ الثقات المصنفين، وفيه انحراف عن عليٍّ، قال أبو الدحداح:
مات في ذي القَعْدة سنة تسع، وقال غيره: سنة ست وخمسين ومائتين، وله كتاب في
الضعفاء. كذا في ((التذكرة))(١).
ومنهم: النَّسَائي، وابن خُزَيْمة، وقد تقدمت تراجمهما .
ومنهم: أبو عيسى الترمذي، وتأتي ترجمته مبسوطة في الباب الثاني.
ومنهم: الدولابي، وهو: الحافظ المتقن أبو جعفر محمد بن الصباح البزار، مولى
مزينة، مصنف السنن، سمع إسماعيل بن زكريا، وشَرِيك بن عبد الله، وابن أبي الزناد،
وإسماعيل بن جعفر، وهُشَيْمًا وغيرهم، وعنه: أحمد، وابنه، وإبراهيم الحربي،
والبخاري، ومسلم، وأبو داود، وحديثه في الكتب الستة، وآخر مَنْ بقي من أصحابه:
أبو العلاء محمد بن محمد بن جعفر الوكيعيُّ، وقد مرَّت ترجمته في ذكر السنن.
ومنهم: العُقَيْلي، وهو: الحافظ الإمام أبو جعفر محمد بن عمرو بن موسى بن حماد
العُقَيْلِيُّ، صاحب كتاب ((الضعفاء الكبير))، سمع: جده لأمه يزيد بن محمد العقيلي،
ومحمد بن إسماعيل الصائغ، وأبا يحيى بن أبي ميسرة، ومحمد بن أحمد بن الوليد بن
برد الأنطاكي، ويحيى بن أيوب العلَّاف، ومحمد بن إسماعيل الترمذي، وإسحاق بن
إبراهيم الدبري، وعلي بن عبد العزيز بن البغوي، ومحمد بن خزيمة، ومحمد بن موسى
البَلْخِيَّ صاحب عبيد الله بن موسى، وخلقًا كثيرًا، وكان مقيمًا بالحَرَمَيْن، حدّث عنه:
أبو الحسن محمد بن نافع الخزاعي، ويوسف بن البرجيل المصري، وأبو بكر بن المقري
وآخرون، قال مسلمة بن القاسم: كان العقيلي جليل القدر، عظيم الخطر، ما رأيت مثله،
(١) الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) (٥٤٩/٢).

٢١٣
الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث وكتبه وأهله عموماً
وكان كثير التصانيف، فكان يقول لمن أتاه من المحدثين: اقرأ من كتابك ولا تُخرِج
أصله، فتكلمنا في ذلك، وقلنا: إما أن يكون أحفظ الناس، وإما أن يكون من أكذب
الناس، فاجتمعنا عليه، فلما أتيتُ بالزيادة والنقص فَطِن لذلك، فأخذ مني الكتابَ وأخذ
القلم فأصلحها من حفظه، فانصرفنا من عنده وقد طابت أنفسنا وعلمنا أنه من أحفظ
الناس، وقال الحافظ أبو الحسن بن سهل القطّان: أبو جعفر ثقة، جليل القدر، عالم
بالحديث، مقدَّم في الحفظ، توفي سنة ٣٢٢ اثنتين وعشرين وثلاثمائة. كذا في
((التذكرة))(١) .
ومنهم: ابن حِبَّان، وهو: أبو حاتم محمَّد بن أحمد التميمي البُسْتِيُّ، صاحب
التصانيف، وقد تقدمت ترجمته.
ومنهم: ابن عَدِيٍّ، وهو: الإمام الحافظ الكبير، أبو أحمد عبد الله بن عدي بن
عبد الله بن محمد بن مبارك الجُرْجَاني، ويعرف أيضًا بابن القطّان، صاحب كتاب
((الكامل)) في الجرح والتعديل، كان أحد الأعلام، ولد سنة سبع وسبعين ومائتين، وسمع
سنة تسعين، وارتحل أولًا سنة سبع وتسعين، وسمع بُهْلُول بن إسحاق الأنباريَّ،
ومحمد بن عثمان بن أبي سويد، ومحمد بن يحيى المروزي، وخلائق، وعنه:
أبو العباس بن عُقدة شيخه، وأبو سعيد الماليني، والحسن بن رامين، ومحمد بن
عبد الله بن عبدكويه، وحمزة بن يوسف السهمي، وأبو الحسين أحمد بن العالي،
وآخرون، وهو المصنِّف في الكلام على الرجال، عارفٌ بالعلل، قال أبو القاسم بن
عساكر: كان ثقة على لَحْنٍ فيه، قال السهمي: سألت الدارقطنيَّ أن يصنّف كتابًا في
الضعفاء، فقال: أليس عندك كتاب ابن عديٌّ؟ فقلت: بلى، قال: فيه كفاية لا يزاد عليه،
قال حمزة السهمي: كان حافظًا متقنًا، لم يكن في زمانه أحد مثله، تفرَّد برواية أحاديث
وهب، منها لابنيه: عدي، وأبي زرعة، وتفرَّد بها عنه.
قال الخليلي(٢): كان عديم النظير حفظًا وجلالةً، سألت عبد الله بن محمد الحافظَ :
أيهما أحفظُ، ابن عدي أو ابن قانع؟ فقال: زِرُّ قميص ابن عدي أحفظُ من عبد الباقي بن قانع.
(١) الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) (٨٣٣/٣).
(٢) الخليلي في ((الإرشاد)) (٧٩٤/٢).

٢١٤
مقدمة تحفة الأحوذي
قال الخليلي: وسمعت أحمد بن أبي مسلم الحافظ يقول: لم أر أحدًا مثل
أبي أحمد بن عدي، فكيف فوقه في الحفظ، وكان أحمد قد لقي الطبراني وأبا أحمد
الحاكم، وقد قال لي: كان حفظ هؤلاء تكلُّفًا، وحفْظُ ابن عديّ طبعًا ... زاد في
((معجمه)) على ألف شيخ(١) [انتهى](٢)، قال أبو الوليد الباجي: ابن عدي حافظٌ لا بأس
به(٣)، قال حمزة بن يوسف: توفي أبو أحمد في جمادى الآخرة، سنة خمس وستين
وثلاثمائة، وصلَّى عليه الإمام أبو بكر الإسماعيلي.
ومنهم: أبو الفَتْحِ الأزدي، وهو: محمد بن الحسين بن أحمد بن عبد الله بن بريدة
الموصليُّ، حدَّث عن أبي يعلى، ومحمد بن جرير، والباغندي، وأحمد بن الحسين بن
عبد الجبار الصوفي، وأبي عروبة الحراني، وطبقتهم، وعنه: إبراهيم بن عمر البرمكي،
وأبو نعيم الحافظ، وأحمد بن الفتح بن فرغان، وآخرون، قال الخطيب: كان حافظًا
صنف في علوم الحديث، وسألت البَرْقَاني عنه فضعفه، وحدثني النجيب عبد الغفار
الأرموي قال: رأيتُ أهل الموصل يوهِّنونه ولا يعدُّونه شيئًا، قال الذهبي: له مصنَّف كبير
في الضعفاء، وهو قَوِيُّ النَّفسِ في الجرح، وهَّاه جماعة بلا مستند طائلٍ(٤)، مات في
سنة أربع وسبعين وثلاثمائة.
ومنهم: ابن أبي حاتم، وهو: الإمام الحافظ الناقد أبو محمد عبد الرحمن ابن
الحافظ الكبير أبي حاتم محمَّد بن إدريس بن المنذر التميميُّ الحنظليُّ الرازيُّ، وقيل: إن
((الحنظلي)) نسبة إلى درب حنظلة بالرَّيِّ، قال الذهبي: ولد سنة أربعين، وارتحل به أبوه
وأدرك الأسانيد العالية، سمع أبا سعيد الأَشَجَّ، وعلي بن المنذر الطريقي، والحسن بن
(١) الخليلي في ((الإرشاد)) (٧٩٤/٢/٢ - ٧٩٥).
(٢) ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٨/١٣-٩).
(٣) المصدر السابق (٩/٣١).
(٤) الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) (٩٦٧/٣). وقوله: وهاه جماعة بلا مستند طائل، مردود لأمور منها:
أ- أنه لم يوثقه أحدٌ.
ب- مطعون فيه عند الكل، حتى قال ابن عبد الهادي في ((الصارم المنكي)) (ص/ ٢٢٢): متهم بالوضع.
ج- قال الخطيب البغدادي في ((تاريخ بغداد)) (٢٤٤/٢): وحدثني محمد بن صدقة الموصلي أن أبا الفتح قدم
بغداد على الأمير، يعني: ابن بويه، فوضع له حديثًا: أن جبريل كان ينزل على النبي ◌َّ في صورته. قال:
فأجازه وأعطاه دراهم كثيرة. والله أعلم.

٢١٥
الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث وكتبه وأهله عموماً
عرفة، وأحمد بن سنان القطّان، ويونس بن عبد الأعلى، ومحمد بن إسماعيل الأحمسِيّ،
وحجاج بن الشاعر، ومحمد بن حَسَّان الأزرق، ومحمد بن عبد الملك بن زنجويه، وابن
وارة، وأبا زرعة، وخلائق بالأقاليم، لكنه لم يرحل إلى خراسان، روى عنه: حسينك
التميمي، ويوسف الميانجي، وأبو الشيخ بن حِبّان، وعلي بن مدرك، وأبو أحمد
الحاكم، وأحمد بن محمد البصير، وعبد الله بن محمد بن أسد، وآخرون، قال أبو يعلى
الخليلي: أخذ علم أبيه وأبي زرعة، وكان بحرًا في العلوم ومعرفة الرجال، صنف في
الفقه واختلاف الصحابة والتابعين، وكان زاهدًا يعدُّ من الأبدال، قال الذهبي: كتابه في
الجرح والتعديل يقضي له بالرتبة المنيفة في الحفظ، وكتابه في التفسير عدة مجلدات، وله
مصنَّف كبير في الرد على الجهمية يدلُّ على إمامته، قال علي بن أحمد الفَرَضيُّ: ما رأيت
أحدًا ممن عرف عبد الرحمن ذكر عنه جهالةً قط، ويروى أن أباه كان يتعجّب من تعبُّد
عبد الرحمن ويقول: من يقوى على عبادة عبد الرحمن؟! لا أعرف له ذنبًا، قال ابن
أبي حاتم: لم يدعني أبي أطلب الحديث حتى قرأت القرآن على الفَضْل بن شَاذَان.
قال أبو الحسن علي بن إبراهيم الرازيُّ الخطيب في ترجمة عملها لعبد الرحمن: كان
- رحمه الله - قد كساه الله بهاءً ونورًا يسر به من نظر إليه، سمعته يقول: رحل بي أبي سنة
خمس وخمسين، وما احتلمتُ بعدُ، فلما بلغنا ذا الحُلَيْفة احتلَمْتُ، فَسُرَّ أبي حيثُ
أدركتُ حَجَّة الإسلام، قال: وسمعت في هذه السنة من محمد بن أبي عبد الرحمن
المقرىء، وسمعت علي بن أحمد الخوارزمي يحكي عن ابن أبي حاتم قال: كنا بمصر
سبعة أشهر، لم نأكل فيها مَرَقَةً، نهارنا ندورُ على الشيوخ، وبالليل ننسخ ونقابل، فأتينا
يومًا أنا ورفيقٌ لي شيخًا، فقالوا: هو عليل، فرأيتُ سمكةً أعجبتنا، فاشتريناها، فلما
صرنا إلى البيت حضر وقت مجلس بعض الشيوخ، فمضينا، فلم تزل السمكة ثلاثة أيام،
وكادت أن تنضي، وأكلناها نيئة لم نتفرغ نشويها، ثم قال: لا يستطاع العلم براحة
الجسد، ثم قال أبو الحسن: رحَلَ مع أبيه، وحج مع محمد بن حماد الطهراني، ورحل
بنفسه إلى الشام ومصر، سنة اثنتين وستين، ثم رحل إلى أصبهان سنة أربع وستين، وقال
لي أبو عبد الله القزويني: إذا صليت مع ابن أبي حاتم، فسلّم نفسك إليه يعمل بها ما
يشاء.

٢١٦
مقدمة تحفة الأحوذي
قال أبو الوليد البَاجِيُّ: ابن أبي حاتم ثقة حافظ، قال عمر بن إبراهيم الهروي
الزاهد: أخبرنا الحسين بن أحمد الصَّفَّار، سمعت ابن أبي حاتم يقول: وقع عندنا
الغَلاء، فأنفذ بعض أصدقائي حبوبًا من أصبهان، فبعته بعشرين ألفًا، وقال: اشتر لي بها
دارًا، فأنفقتها على الفقراء، وكتبت إليه: اشتريتُ لك بها قصرًا في الجنة، فقال: رضيتُ
إن ضِمِنْتَ. فكتبتُ على نفسي صَكّا بالضمان، فأريت في المنام: ((قد قبلنا ضمانَكَ،
ولا تَعُدْ))، قال الذهبي: الحسين ضعيف(١)، قال محمد بن مهرويه، سمعت ابن الجنيد،
سمعت يحيى بن معين يقول: إنا لنطعن على أقوام لعلّهم قد حطوا رحالهم في الجنة من
مائَتَيْ سنة، قال محمد: فدخلت على ابن أبي حاتم وهو يحدِّث بكتاب الجرح والتعديل،
فحدثته بهذا فبكى، وارتعدت يداه، وسقط الكتاب، وجعل يبكي ويستعيدني الحكاية(٢)،
قال الذهبي: مات في المحرَّم سنة سبع وعشرين وثلاثمائة. انتهى.
ومنها: الإمام الدَّارقطْنِيُّ، وهو: أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد بن مهدي
البغدادي، الحافظ الشهير، صاحب السنن، مولده سنة ست وثلاثمائة، سمع: البغويَّ،
وابن أبي داود، وابن صاعد، والحضرمي، وابن دُرَيد، وابن نيروز، وعلي بن عبد الله بن
مبشر، وخلائق ببغداد، والبصرة، والكوفة، وواسط، وارتحل في كهولته إلى مصر
والشام، وصنف التصانيف، حدّث عنه: الحاكم، وأبو حامد الأسفراييني، وتمام
الرازي، والحافظ عبد الغني الأزدي، وأبو بكر البَرقَاني، وأبو ذَرِّ الهروي، وأبو نُعَيْم
الأصبهاني، وأبو محمد الخلَّال، والقاضي أبو الطيب الطبري، وأمم سواهم، قال
الحاكم: صار الدارقطني أوحد عصره في الحفظ والفهم والورع، وإمامًا في القراء
والنحويين، وأقمْتُ في سنة سبع وستين ببغداد أربعة أشهر، وكثر اجتماعنا، فصادفته فوق
ما وصف لي، وسألته عن العلل والشيوخ، وله مصنفات يطول ذكرها، فأشهد أنه لم
يُخَلفْ على أَدِيمِ الأرض مثله، وقال الخطيب: كان فريدَ عصره، وإمام وقته، وانتهى إليه
علم الأثر، والمعرفة بالعمل وأسماء الرجال، مع الصدق والثقة وصحة الاعتقاد، والأخذ
من علوم، كالقراءات، فإن له فيها مصنّفًا سبق فيه إلى عقد الأبواب قبل فِهْرِسِ الحروف،
(١) الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) (٨٣١/٣).
(٢) ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٣٦٥/٣٥)، وابن نقطة في ((التقييد)) (ص/ ٣٣٣).

٢١٧
الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث وكتبه وأهله عموماً
وتأسى القُرَّاء به بعده، ومن ذلك المعرفة بمذاهب الفقهاء، بلغني أنه دَرَسَ الفقه على
أبي سعيد الإصطخريِّ، ومنها المعرفة بالآداب والشعر، فقيل: كان يحفظ دواوين
جماعة، وحدَّثني حمزة بن محمد بن طاهر أنه كان يحفظ ديوان السيد الحِمْيَرِيِّ، ولهذا
نسب إلى التشيع، قال الذهبي: ما أبْعَدَهُ من التشيع.
قال الخطيب: وحدثني الأزهري قال: بلغني أن الدارقطني حَضَرَ في حداثته مجلس
إسماعيل الصَّفَّار، فعقد ينسخ جزءًا والصَّفَّار يملي، فقال رجل: لا يصحُّ سماعك وأنت
تنسخ، فقال: فهمي للإملاء خلافُ فهمك؛ أتحفظ كم أملى الشيخ؟ قال: لا أدري،
قال: أملى ثمانية عشر حديثًا؛ الحديث الأول عن فلان عن فلان، ومتنه كذا وكذا،
والثاني: عن فلان عن فلان، ومتنه كذا وكذا، ومرَّ في ذلك حتى أتى على الأحاديث،
فتعجَّب الناس منه، أو كما قال(١)، قال رجاء بن محمد المعدَّل: قلت للدار قطني: هل
رأيت مثْلَ نفسك؟ فقال: قال الله تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُواْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [النجم: ٣٢] قال: فألححت
عليه، فقال: لم أر أحدًا جمع ما جمعْتُ، وقال أبو ذَرِّ الحافظ: قلت للحاكم: هل رأيت
مثل الدارقطني؟ فقال: هو لم يَرَ مِثْلَ نفسه، فكيف أنا(٢)؟! رواها الخطيب في ((تاريخه))
عن أبي الوليد الباجي، عن أبي ذَرِّ، وكان عبد الغني إذا ذكر الدارقطني قال: أستاذي،
قال القاضي أبو الطيب الطبري: الدارقطني أمير المؤمنين في الحديث، وقال الخطيب:
قال لي أبو القاسم الأزهري: كان الدارقطني ذكيًّا؛ إذا ذكر شيئًا من العلم أيَّ نوع كان
وُجِدَ عنده منه نصيب وافر، لقد حدثني محمد بن طلحة البغالي أنه حضر مع الدارقطني
دعوة، فجرى ذكر الأكَلَةِ فاندفع الدار قطنيُّ يورد نوادر الأكَلَةِ حتى قطع أكثر ليلته بذلك.
قال الأزهري: رأيت الدارقطني أجاب ابن أبي الفوارس عن علَّة حديث أو اسم،
فقال: يا أبا الفتح، ليس بين الشرق والغرب من يعرف هذا غيري، قال الخطيب في
ترجمة الدارقطني: سألت البَرقَانِي، هل كان أبو الحسن يملي عليك العِلَلَ من حفظه؟
قال: نعم، وأنا الذي جمعتها، وقرأها الناس في نسختي، وحدثنا العقيقي: حضرت
مجلس الدارقطني، وجاءه أبو الحسن البيضاوي برجُلٍ غريبٍ، وسأله أن يملي عليه
(١) الخطيب البغدادي في ((تاريخ بغداد)) (٣٦/١٢ - ٣٧).
(٢) الخطيب البغدادي في ((تاريخ بغداد)) (٣٥/١٢).

٢١٨
مقدمة تحفة الأحوذي
أحاديثَ، فأملى عليه مِن حفظه مجلسًا يزيد أحاديثه على العشرين، متون جميعها: ((نعم
الشيء الهدية أمام الحاجة)) (١)، فانصرف الرجل، ثم جاءه من الغد، وأهدى له شيئًا،
فقرَّبه إليه، فأملى عليه من حفظه سبعة عشر حديثًا، متونها: ((إذا جاءكم كريمُ قومٍ
فأكرموه)) (٢)، قال الذهبي: هنا يُخْضَعُ للدارقطني ولسعة حفظه الجامع لقوة الحافظة،
ولقوة الفهم والمعرفة، وإذا شئت تَبَيُّنَ براعةِ هذا الإمام، فطالع العلل له، فإنك تندهش
ويطول تعجبك، قال السلمي: سمعت الدارقطني، يقول: ما شيء أبغض إليَّ من الكلام،
قال ابن طاهر: اختلفوا ببغداد، فقال قوم: عليٍّ أفضل من عثمان ﴿ّ فتحاكموا إلى
الدارقطني، قال: فأمسكْتُ، وقلت: الإمساك خير، ثم لم أر لديني السكوت، وقلت:
عثمان أفضل؛ لاتفاق جماعة أصحاب رسول الله بَّر على هذا، وهو قول أهل السنة،
وهو أول عقد من الرفض، قال عبد الغني: أحسَنُ الناس كلامًا على الحديث ابن المديني
في زمانه، وموسى بن هارون في وقته والدارقطني في وقته.
توفي في ثامن ذي القعدة سنة خمس وثمانين وثلاثمائة رحمه الله. انتهى.
قلت ... ومنهم: الحاكم، وهو: أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد الضبي
النيسابوريُّ، صاحب ((المستدرك))، وقد تقدم ترجمته.
ومنهم: ابن القطّان، وهو: الحافظ الناقد أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الملك بن
يحيى بن إبراهيم الحميري الكتامي الفاسي الشهير بابن القَطَّان، قال ابن الأبار في
ترجمته: كان من أبصر الناس بصناعة الحديث، وأحفظهم لأسماء رجاله، وأشدِّهم عناية
بالرواية، رَأس طلبة مراكش، ونال بخدمة السلطان دنيا عظيمة، وله تواليف، حدَّث
ودرَّس ... إلى أن قال: ومات وهو على قضاء سِجلماسة، في ربيع الأول سنة ثمان
(١) (لا يصح) أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (٢٩٠٣) قال الهيثمي (٤/ ١٤٧): وفيه يحيى بن سعيد العطار وهو
ضعيف. قلت: والحديث موضوع. انظر ((الموضوعات)) (٢٨٣/٢ - ٢٨٤)، و((تنزيه الشريعة)) (٢٩٧/٢)،
و((الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة)) (ص/ ٨٤)، والله أعلم.
(٢) ابن ماجه، كتاب الأدب، حديث (٣٧١٢)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٢٢٤/٥١) وفيه سعيد بن مسلمة
وهو ضعيف؛ لكن للحديث طرق يتقوى بها، والحديث حسنه بعضهم وصحَّحه آخرون؛ قال ابن عراق في
(تنزيه الشريعة)) (٢٩٧/٢): ورد من رواية أكثر من عشرة من الصحابة فهو متواتر على رأي من يكتفي في التواتر
بعشرة. والله تعالى أعلم.

٢١٩
الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث وكتبه وأهله عموماً
وعشرين وستمائة، قال ابن مسدي: كان معروفًا بالحفظ والإتقان، ومن أئمة هذا الشأن،
مصري الأصل، مراكشي الدار، كان شيخ شيوخ أهل العلم في الدولة المُؤْمِنَّةِ، فتمكَّن
من الكتب، وبلغ غاية الأمنية، ولي قضاء الجماعة، قال الذهبي(١): طالعت كتابه
المسمى بـ ((الوهم والإيهام)) الذي وضعه على ((الأحكام الكبرى)) لعبد الحق، يدلُّ على
حفظه وقوة فهمه، لكنه تعنَّت في أحوال رجال، فما أنصف؛ بحيث أنه أخذ يليِّنُ هشام بن
عروة ونحوه. انتهى.
وقال في ((ميزان الاعتدال)) (٢) (ص٢٢٩، ج١) في ترجمة حفص بن [بغيل)](٣): قال
ابن القطّان: لا يعرف له حالٌ، ولا يعرف، قلت: لم أذكر هذا النوع في كتابي، هذا ابن
القطان يتكلم في كل من لم يقل فيه إمام عاصَرَ ذاك الرجل أو أخَذ عمّن عاصره ما يدلُّ
على عدالته، وهذا شيء كثير، ففي ((الصحيحين)) من هذا النمط خلق كثير مستوون ما
ضعفهم أحد ولا مُم بمجاهيل. انتهى.
وقال أيضًا - في ترجمة مالك بن الحسين الزيادي المصري -: قال ابن القطان: هو
ممن لم يثبت عدالته، يريد: أنه ما نص أحد على أنه ثقة، وفي رواة ((الصحيحين)) عدد
کثیر ما علمنا أن أحدًا نصَّ علی توثیقهم، والجمهور على أنه کان من المشايخ، قد روی
عنه جماعةٌ، ولم يأت بما ينكر عليه أن حديثه صحيح. انتهى.
ومنهم: الحافظ الذهبي، وهو: محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز، ولد سنة ثلاث
وسبعين وستمائة، قال في ((البدر الطالع)) (٤): وأجاز له في سنة مولده جماعةٌ بعناية أخيه
من الرضاع، أخذ عن الدِّمْيَاطي، وابن الصَّوَّاف، ومَهَرَ في فن الحديث، وجمع فيه
المجاميع المفيدة الكثيرة، قال ابن حجر: حتى كان أكْثَرَ أهْل عصره تصنيفًا، وجمع
((تاريخ الإسلام)) فأربى فيه على ما تقدمه بتحرير أخبار المحدثين خصوصًا. انتهى. ولعل
(تاريخ الإسلام)) في زيادة على عشرين مجلدًا، وقفت منه على أجزاء، وله («الميزان في
(١) الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) (٤/ ١٤٠٧).
(٢) الذهبي في ((ميزان الاعتدال)» (٥٥٦/١- بجاوي).
(٣) في المطبوع: بعيل؛ وهو تصحيف، والصواب ما أثبتُّ كما ورد في المصدر السابق.
(٤) الشوكاني في ((البدر الطالع)) (١١٠/٢).

٢٢٠
مقدمة تحفة الأحوذي
نقد الرجال))، جعله مختصًا بالضعفاء الذين قد تكلّم فيهم متكلّم، وإن كانوا غير ضعفاء
في الواقع، ولهذا ذكر فيه مثل ابن مَعِين، وعلي بن المدينيِّ، باعتبار أنه قد تكلم فيهما
متكلِّم، وهو كتاب مفيد، وجميع مصنّفاته مقبولة مرغوب فيها، رحل إليه الناس لأجلها،
وأخذوها عنه، وتداولوها وقرأوها وكتبوها في حياته، وطارت في جميع بقاع الأرض،
وله فيها تعبيراتٌ رائقة، وألفاظ رشيقة غالبًا، لم يسلك فيها مسلك أهل عصره، ولا مَنْ
قبلهم ولا من بعدهم، وقد أكثر التشنيع عليه تلميذُهُ السبكيُّ، وذكره في مواضعَ مِنْ
طبقاته، ولم يأتِ بطائِلٍ، بل غايةٌ ما قال: إنه كان إذا ترجم الظاهرية والحنابلة أطال في
تقريظهم، وإذا ترجم غيرهم من شافعي أو حنفي لم يستوف ما يستحقه، وعندي: أن هذا
مثل ما قال الأول: [من الطويل]
وتلك شكاةٌ ظاهِرٌ عنْكَ عَارُهَا
فإن الرجل قد ملئ حبًّا للحديث، وغلب عليه، فصار الناس عنده هم أهله، وأكْثَرُ
محققيهم وأكابِرِهِم هم من كان يطيل الثناء عليه، لا من غلب عليه التقليد وقطع عمره في
الاشتغال بما لا يفيد.
ومن جملة ما قاله السُّبْكيّ: إنَّه كان إذا أخذ القَلَمَ غضِب حتى لا يدري ما يقول.
وهذا باطل، فإن مصنفاته تشهد بخلاف هذه المقالة، وغالبها الإنصاف والذبُّ عن
الأفاضل، وإذا جرى قلمه بالوقيعة في أحد، فإن لم يكن من معاصريه، فهو إنما روى
ذلك عن غيره، وإن كان من معاصريه، فالغالب أنه لا يفعل ذلك إلا مع من يستحقه، وإن
وقع ما يخالف ذلك نادرًا فهذا شأن البشر، وكُلُّ أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا المعصوم،
والأهوية تختلف، والمقاصد تتباين، وربك يحكم بينهم فيما كانوا فيه يختلفون.
قال الصَّفَدِيُّ(١): لم يكن عنده جمود المحدِّثين، بل كان فقيه النَّفْس، له دراية بأقوال
الناس، مات - رحمه الله تعالى - في سنة ٧٤٨ ثمان وأربعين وسبعمائة. انتهى.
قلت: قال الحافظ ابن حجر في ((شرح النخبة)) في شأن الذهبي: هو من أهل
الاستقراء التّام في نقد الرجال. انتهى.
(١) الصفدي في ((الوافي بالوفيات)) (١١٥/٢).