Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله وَلِّ / باب ((ومن سورة ﴿وَّلِ إِذَا يَفْتَنِ﴾))
٨٠- باب ((ومن سورة ﴿وَأَلَِّلِ إِذَا يَغْشَى﴾)) [ت ٨٠، ١٢]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَةِ
[٣٣٤٤] (٣٣٤٤) حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ بَشّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا
زَائِدَةُ بْنُ قَدَامَةَ عَن مَنْصُورِ بْنِ المعتمر عَن سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَة عَن أبي عبْدِ الرَّحْمنِ
السُّلَمِيِّ عَن عَلِيٍّ ◌َُّهُ قَالَ: كُنَّا فِي جَنَازَةٍ فِي الْبَقِيعِ فَأَتَّى النَّبِيُّ ◌َِّهِ فَجَلَسَ وَجَلَسْنَا
مَعَهُ وَمَعَهُ عُودٌ يَنْكُتُ بِهِ فِي الأرْضِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ إلَى السَّمَاءِ فَقَالَ: ((مَا مِن نَفْسٍ
مَنْفُوسَةٍ إِلَّا قَدْ كُتِبَ مَدْخَلُهَا))، فَقَالَ القَوْمُ: يَا رَسُولَ الله أَفَلا نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا، فَمَنْ
كَانَ مِن أهْلِ السَّعَادَةِ فَإِنَّهُ يَعْمَلُ لِلسَّعَادَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أهْلِ الشَّقَاءِ فَإِنَّهُ يَعْمَلُ
للشَّقَاءِ؟ قَالَ: ((بَلِ اعَمُلوا فكلٌّ ميسَرٌ. أما من كَانَ مِن أهْلِ السَّعَادَةِ فَإِنَّهُ يُيَسَّرُ لِعَمَلِ
السَّعَادَةِ، وَأمَّا مَن كَانَ مِن أهْلِ الشَّقَاءِ فَإِنَّهُ يُيَسَّرُ لِعَمَلِ الشَّقَاءِ»، ثُمَّ قَرَأ: ﴿قَمَّا مَنْ
٧
فَسَنُيَسِرُ لِلْيُسْرَى
وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَ
أَعْطَى وَانَقَى ◌ِّجَّ
٨٠ - باب وَمِنْ سُؤْرَةٍ ﴿وَأَِّلِ إِذَا يَغْثَى﴾
مَكِّيَّةٌ(١) وَهِيَ إِحْدَى وَعِشْرُوْنَ آيَةً.
◌َ*(١)
[٣٣٤٤] قوله: (عن سعد بن عبيدة) السلمي (عن أبي عبد الرحمن السلمي) بضم
السین، وفتح اللام، اسمه عبد الله بن حبيب.
قوله: (كنا في جنازة في البقيع) بفتح الموحدة، وكسر القاف؛ وهو: مقبرة المدينة (ومعه
عود ينكت) بضم الكاف: من النكت (به في الأرض) أي: يضرب الأرض بطرفه؛ فعل
المتفكر في شيءٍ مهم (ما من نفس منفوسة) أي: مولودة يقال: نَفِسَتِ المرأة، وَنُفِسَتْ؛ فهي
مَنْفُوسَةٌ ونُفَسَاءُ: إذا ولدت (إلا قد كتب مدخلها) الذي تصير إليه من الجنة والنار (﴿فَأَمَّا مَنْ
أَعْطَى﴾) أي: حق الله، وبذل ماله في وجوه الخير (﴿وَاتَّقَى﴾) أي: الله؛ فاجتنب محارمه
(﴿وَصَدَّقَ بِالْحُتْفَ﴾) قال ابن عباس: بقول: لا إله إلا الله، وعنه صدق بالخلف به؛ أي: أيقن
أن الله سيخلف عليه ما أنفقه في طاعته. وقيل: صدق بالجنة. وقيل: صدق بموعد الله الذي
وعده أن يثيبه (﴿فَسَنُيَسِرُهُ﴾﴾ أي: نهيئه (﴿لِلْيُرَى﴾) أي: للخلة اليسرى؛ وهي: العمل بما
(١) قال الإمام الشوكاني (٥/ ٤٥١): وهي مكية عند الجمهور، وقيل مدنية. وأخرج ابن الضريس والنحاس
والبيهقي وابن عباسى: لزلت سورة (والليل إذا يغشى) بمكة.

٢٦٢
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهـ / باب ((ومن سُورَة ﴿وَالضُّحَى)))
فَسَنُيَسِرُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٥-١٠]. [خ بنحوه: ١٣٦٢،
٩
وَكَذَبَ بِالْمُنْفَى
وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَأَسْتَغْنَى
م بنحوه: ٢٦٤٧، د بنحوه: ٤٦٩٢].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
٨١ - باب ((ومن سُورَة ﴿وَالضُّحَى﴾)) [ت ٨١، ١٢]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَيَةِ
[٣٣٤٥] (٣٣٤٥) حَدَّثَنَا ابنُ أبي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ
عَن جُنْدَبِ البَجَلِيِّ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ بَّهُ فِي غَارٍ
يرضاه ربه (﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ﴾) أي: بحق الله (﴿وَّأَسْتَغْنَى﴾) أي: عن ثواب الله - تعالى - فلم
يرغب فيه (﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَ﴾﴾ أي: بلا إله إلا الله، وكذب بما وعده الله - عزَّ وجل - من الجنة
والثواب (﴿فَسَنُبِرُ لِلْمُسْرَى﴾﴾ أي: للخلة المؤدية إلى النار؛ فتكون الطاعة أعسر شيء عليه،
وأشد، أو: سمى طريقة الخير باليسرى؛ لأن عاقبتها اليسر، وطريقة الشر بالعسرى؛ لأن
عاقبتها العسر، أو: أراد بهما: طريقي الجنة والنار، وتقدم حديث علي هذا مختصرًا في
باب: ((الشقاء والسعادة)) من أبواب: ((القدر)).
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) أخرجه الجماعة.
٨١ - باب ومن سورة ﴿وَالضُّحَى﴾
مَكِّيَّةُ (١) ، وَهِي إِحْدَى عِشْرَةَ آيَةً.
[٣٣٤٥] قوله: (عن الأسود بن قيس) العبدي (عن جندب) بضم أوله والدال، وتفتح:
ابن عبد الله بن سفيان (البجلي) بموحدة، وجيم مفتوحتين.
قوله: (كنت مع النبي ◌َّ﴿ في غار) بالغين المعجمة، وبالراء، وكذا هو في ((صحيح
مسلم)). قال النووي: كذا هو في الأصول: ((في غار)). قال القاضي عياض: قال أبو الوليد
(١) قال الإمام الشوكاني (٤٥٦/٥): وهي مكية بلا خلاف.
وأخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس: نزلت ﴿وَالضُّحَى﴾ بمكة؛ وأخرج البخاري
(٤٩٥٠) ومسلم (١٧٩٧) وغيرهما عن جندب البجلي قال: اشْتَكَى رَسُولُ اللهِ وَِّ فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا،
فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا مُحَمَّدُ! إِنِّي لأَرْجُو أَنْ يَكُونَ شَيْطَانُكَ قَدْ تَرَكَكَ، لَمْ أَرَهُ قَرِبَكَ مُنْذُ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلاثٍ.
قَال: فَأَنْزَلَ الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَالضُّحَىِ ﴿ وَاَلَّيْلِ إِذَا سَجَى ﴿ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ .

٢٦٣
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَهِ / باب ((ومن سُورَة ﴿وَالضُّحَى﴾))
فَدَمِيَتْ أصْبُعُه فَقَالَ النبيُّ ◌َّ :
وَفِي سَبِيلِ اللهِ مَا لَقِيتٍ
هَلْ أنْتِ إلَّا إصْبَعٌ دَمِيتٍ
قَالَ: فَأَبْطَأَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ عَليهِ السَّلامُ، فَقَالَ المُشْرِكُونَ: قَدْ وُدِّعَ مُحَمَّدٌ، فَأَنْزَلَ الله
تعَالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: ٣]. [خ: ٢٨٠٢، م: ١٧٩٦، حم: ١٨٣٢٠].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
وَقَدْ رَوَاهُ شُعْبَةُ وَالثَّوْرِيُّ عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ.
الكناني: لعله غازيًا؛ فتصحف؛ كما قال في الرواية الأخرى: ((في بعض المشاهد)) وكما
جاء في رواية البخاري: ((بَيْنَمَا النَّبِيُّ وَلِهِ يَمْشِي إِذْ أَصَابَهُ حَجَرٌ)) قال القاضي: قد يراد بالغار
هنا: الجمع والجيش، لا الغار الذي هو الكهف؛ فيوافق رواية بعض المشاهد، ومنه قول
علي: ((ما ظنك بامرئ بين هذين الغارين)) أي: العسكرين، والجمعين. انتهى (فدميت
أصبعه) يقال: دَمِيَ الشَيءُ يَدْمَى دَمًا ودَمْيًا؛ فهو دَمِ مثل: فَرِقَ يَفْرَقُ فَرقًا؛ فهو فَرِق؛
والمعنى: أن أصبعه جرحت؛ فظهر منها الدّم (هل أنت) معناه: ما أنت (دميت) بفتح الدال:
صفة للأصبع، والمستثنى فيه أعم عام الصفة؛ أي: ما أنت يا أصبع موصوفة بشيء إلا : بأن
دميت، كأنها لما توجعت خاطبها على سبيل الاستعارة، أو الحقيقة معجزة تسليًا لها؛ أي:
تثبتي؛ فإنك ما ابتليت بشيء من الهلاك والقطع سوى أنك دميت. ولم يكن ذلك أيضًا
هدرًا، بل كان في سبيل الله ورضاه (وفي سبيل الله ما لقيت) لفظ ((ما)) هنا بمعنى: الذي؛
أي: الذي لقيته محسوب في سبيل الله (وأبطأ عليه جبريل) أي: تأخر واحتبس.
قال الحافظ: والحق أن الفترة المذكورة في سبب نزول ((والضحى)) غير الفترة المذكورة
في ابتداء الوحي؛ فإن تلك دامت أيامًا، وهذه لم تكن إلا ليلتين، أو ثلاثًا (قد ودع محمد)
بصيغة المجهول من التوديع؛ أي: ترك ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: ٣] أي: ما تركك، وما
أبغضك. قاله ابن عباس. والقلاء: البغض يقال: قَلَاه يَقْلِيه قلاء، وقال: ((وما قلى))، ولم
يقل: وما قلاك؛ لموافقة رؤوس الآي.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان، والنسائي، وابن أبي حاتم(١)،
وابن جرير.
(١) النسائي في ((الكبرى)) حديث (١٠٣٩٣، ١٠٤٥٦)، وابن أبي حاتم (٣٤٤٢/١٠) (١٩٣٧٠).

٢٦٤
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَهِ / باب ((ومِن سُورة ﴿أَمَّ نَشْرَحْ﴾))
٨٢- باب ((ومِن سُورة ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾)) [ت ٨٢، ١٢]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمَةِ
[٣٣٤٦] (٣٣٤٦) حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ بَشّارٍ، حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ وابن أبي عَدِيٌّ
عَن سَعِيدِ بْنِ أبي عروبة، عَن قَتَادَةَ عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكِ عَنِ مالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ - رَجُلٌ
مِن قَوْمِهِ - أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ قَالَ: ((بَيْنَمَا أَنَا عِنْدَ البَيْتِ بَيْنَ النَّائِمِ وَاليَقْطَانِ،
نَشْرَح!
٨٢ - باب وَمِنْ سُورةٍ
مَكِّيَّةٌ(١) وَهِيَ ثَمَانِ آيَاتٍ
[٣٣٤٦] قوله: (حدثنا محمد بن جعفر) المعروف بـ ((غندر)) (عن سعيد) هو: ابن
أبي عروبة (عن مالك بن صعصعة) الأنصاري، المازني، صحابي، روى عنه أنس حديث
المعراج، كأنه مات قديمًا؛ كذا في ((التقريب)). وقال الحافظ في ((الفتح)): ما له في
((البخاري))، ولا غيره سوى هذا الحديث، ولا يعرف من روى عنه إلا أنس بن مالك.
قوله: (بينما أنا عند البيت بين النائم، واليقظان) قال النووي: قد يحتج به من يجعلها
رؤيا نوم، ولا حجة فيه؛ إذ قد يكون ذلك حاله أول وصول الملك إليه، وليس في الحديث
ما يدل على كونه نائمًا في القصة كلها. انتهى.
وقال الحافظ: هو محمول على ابتداء الحال، ثم لما خرج به إلى باب المسجد؛ فأركبه
البراق استمر في يقظته، وأما ما وقع في رواية شريك الآتية في ((التوحيد)) في آخر الحديث
((فَلَمّا اسْتَيْقَظْتُ)) فإن قلنا بالتعدد، فلا إشكال، وإلا: حمل على أن المراد باستيقظت:
أفقت؛ أي: أنه أفاق مما كان فيه من شغل البال؛ بمشاهدة الملكوت، ورجع إلى العالم
الدنيوي. انتھی.
وقال القرطبي: يحتمل أن يكون استيقاظًا من نومةٍ نامها بعد الإسراء؛ لأن إسراءه لم
يكن طول ليلة، وإنما كان في بعضها. انتهى.
اعلم: أنه وقع في هذه الرواية: ((بينما أنا عند البيت))، ووقع في رواية «بَيْنَمَا أَنَا فِي
الْحَطِيْمِ)) وربما قال ((فِي الْحِجْرِ))، وفي رواية الزهري؛ عن أنس، عن أبي ذر ((فَرُجَّ سَقْفُ
(١) قال الشوكاني في ((الفتح)) (٥/ ٤٦٠) وأخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال:
نزلت ﴿أَمَّ نَشْرَحْ﴾ بمكة، وزاد: بعد الضحى.

٢٦٥
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ / باب ((ومِن سُورةٍ ﴿أَّ نَشْرَحْ﴾))
إِذْ سَمِعْتُ قائِلًا يَقُولُ: أحَدٌ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ، فَأُتِيتُ بِطَسْتٍ مِن ذَهَبٍ، فِيهَا مَاءُ زَمْزَمَ،
فَشَرَحَ صَدْرِي إلى كَذَا وَكَذَا))، قَالَ قَتَادَةُ: قُلْتُ؛ يعني قلت لأَنَسِ بْنِ مالكِ: ما
يَعْنِي؟ قَالَ: ((إلى أسْفَل بَطْنِي، فاسْتُخْرجَ قَلْبِي، فَغُسِلَ قَلْبِي بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ أُعِيدَ
مَكَانَهُ، ثُمَّ حُشِي إِيمَاناً وَحِكْمَةً))
بَيْتِي وَأَنَا بِمَكَّةَ»، وفي رواية الواقدي بأسانيده أنه: أسرى به من شعب أبي طالب. وفي
حديث أم هانئ، عند الطبراني؛ أنه بات في بيتها؛ قال: ففقدته من الليل؛ فَقَالَ: ((إنَّ جِبْرِيلَ
أُتَانِي)).
قال الحافظ: والجمع بين هذه الأقوال أنه نائم في بيت أم هانئ؛ وبيتها عند شعب
أبي طالب؛ ففرج سقف بيته، وأضاف البيت إليه؛ لكونه كان يسكنه؛ فنزل منه الملك،
فأخرجه من البيت إلى المسجد، فكان به مضطجعًا، وبه أثر النعاس. وقد وقع في مرسل
الحسن، عند ابن إسحاق: ((أنَّ جِبْرِيلَ أَتَاهُ فَأَخْرَجَهُ إِلَى المَسْجِدِ فَأَرْكَبَهُ البُرَاقَ» وهو يؤيد هذا
الجمع (إذ سمعت قائلًا يقول: أحد بين الثلاثة) وفي رواية مسلم: ((إِذْ سَمِعْتُ قَائلًا يَقُولُ
أَحَدُ الثّلاثَةِ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ)).
قال الحافظ: المراد ((بالرجلين)): حمزة، وجعفر، والنبي ◌َّلو كان نائمًا بينهما (فأتيت)
بصيغة المجهول (بطست) بفتح الطاء، وإسكان السين المهملتين: إناء معروف؛ وهي مؤنثة،
ويقال فيها: طس بتشديد السين وحذف التاء، وطست أيضًا (فيها) أي: في الطست (فشرح)
بالبناء للمفعول: من الشرح، أي: شق (صدري إلى كذا وكذا) وفي رواية للشيخين: ((فَشُقَّ
مِنَ النَّحْرِ إِلَى مَرَاقِ الْبَطْنِ)) (ثم حشي) أي: ملئ (إيمانًا، وحكمة) بالنصب على التمييز.
وهذا الملأ يحتمل أن يكون على حقيقته، وتجسيد المعاني جائز؛ كما جاء أن سورة ((البقرة)
تجيء يوم القيامة؛ كأنها ظلة، والموت في صورة كبش، وكذلك وزن الأعمال، وغير ذلك
من أحوال الغيب.
وقال البيضاوي: لعل ذلك من باب التمثيل؛ إذ تمثيل المعاني قد وقع كثيرًا؛ كما مثلت
له الجنة والنار في عرض الحائط، وفائدته: كشف المعنوي بالمحسوس.
وقال ابن أبي جمرة: فيه: أن الحكمة ليس بعد الإيمان أجل منها؛ ولذلك قرنت معه،
ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] وأصح ما قيل في
الحكمة: أنها وضع الشيء في محله، أو الفهم في كتاب الله؛ فعلى التفسير الثاني قد توجد

٢٦٦
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله وَّر / باب ((ومن سُورة ﴿وَآلِنِ﴾))
وَفِي الحَدِيثِ قِصَّةٌ طَوِيلَةٌ. [خ مطولاً: ٣٢٠٧، م مطولاً: ١٦٤، ن مطولاً: ٤٤٧].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ، وَقَد رَوَاهُ هِشَامُ الدُّستوائي وَهمام
عن قتادة وفيه عن أبي ذرٍّ.
٨٣- باب ((ومن سُورة ﴿وَالِّينِ﴾)) [ت ٨٣، ١٢]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَةِ
[٣٣٤٧] (٣٣٤٧) حَدَّثَنَا ابنُ أبي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَن إسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ:
الحكمة دون الإيمان، وقد لا توجد، وعلى الأول؛ فقد يتلازمان؛ لأن الإيمان يدل على
الحكمة، وأورد الترمذي هذا الحديث في تفسير قوله تعالى: ﴿أَلَّمَّ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١].
قال الحافظ ابن كثير: يعني: إنا شرحنا لك صدرك؛ أي: نورناه، وجعلناه فسيحًا
رحيبًا؛ كقوله: ﴿فَمَن يُرِدِ اَللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] وكما شرح الله
صدره؛ كذلك جعل شرعه فسيحًا، واسعا، سمحًا، سهلًا، لا حرج فيه، ولا إصر، ولا
ضيق، وقيل: المراد بقوله: ﴿أَلَّمَّ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ شرح صدره ليلة الإسراء؛ كما تقدم من
رواية مالك بن صعصعة، وقد أورده الترمذي هاهنا، وهذا وإن كان واقعًا ليلة الإسراء؛ كما
رواه مالك بن صعصعة؛ ولكن لا منافاة؛ فإن من جملة شرح صدره الذي فعل بصدره ليلة
الإسراء، وما نشأ عنه من الشرح المعنوي أيضًا. انتهى.
قوله: (وفي الحديث قصة طويلة) أخرج الشيخان هذا الحديث بالقصة الطويلة.
قوله: (وفيه عن أبي ذر) أخرج حديثه الشيخان(١).
٨٣ - باب وَمِنْ سُوْرَةِ التِّينِ
مَكِيَّةٌ(٢) وَهِيَ ثَمَانِ آيَاتٍ.
[٣٣٤٧] قوله: (عن إسماعيل بن أمية) بن عمرو بن سعيد بن العاص بن أمية، الأموي،
ثقة، ثبت، من السادسة.
(١) البخاري، كتاب الصلاة، حديث (٣٤٩)، ومسلم، كتاب الإيمان، حديث (١٦٣).
(٢) قال الشوكاني في ((تفسيره)) (٤٦٣/٥): هي مكية في قول الجمهور، وروى القرطبي عن ابن عباس أنها مدنية،
ويخالف هذه الرواية ما أخرجه ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال: أنزلت سورة
التین بمكة.

٢٦٧
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله ◌َِاهتز / باب ((ومن سُورة ﴿وَالِينِ﴾))
سَمِعْتُ رَجُلًا بَدَوِيَّاً أعْرَابِيَّاً يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَرْوِيهِ يَقُولُ: مَن قَرأ سُورَة:
﴿وَلِّيْنِ وَالزَّْتُونِ﴾ [التين: ١] فَقَرأْ ﴿أَلَيْسَ اَللَّهُ بِأَعْكَّمِ الْحَكِمِينَ﴾ [التين: ٨] فَلْيَقُلْ: بَلَى وَأنَا
عَلَى ذَلِكَ مِنَ الشَّاهِدِينَ. [ضعيف، في إسناده مجهول: د: ٨٨٧].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ إِنّمَا يُرْوَى بِهَذَا الإِسْنَادِ عَن هَذَا الأعْرَابِيِّ عَن
أبي هُرَيْرَةَ وَلَا يُسَمَّى.
قوله: (﴿أَلَيْسَ اَللَّهُ بِأَعَكَمِ الْحَكِمِينَ﴾) أي: أقضى القاضين، يحكم بينك وبين أهل التكذيب
بك يا محمد (فليقل: بلى) أي: نعم (وأنا على ذلك) أي: كونك أحكم الحاكمين (من
الشاهدين) أي: انتظم في سلك من له مشافهة في الشهادتين من أنبياء الله وأوليائه.
قال ابن حجر: وهذا أبلغ من: أنا شاهد، ومن ثم قالوا في ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَئِنِينَ﴾ [التحريم:
١٢]، وفي ﴿وَإِنَّهُ فِ اَلْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّلِحِينَ﴾ [البقرة: ١٣٠] أبلغ من: وكانت قانتة، ومن إنه في
الآخرة صالح؛ لأن من دخل في عداد الكامل، وساهم معهم الفضائل ليس كمن انفرد
عنهم. انتھی.
وهذا الحديث أخرجه الترمذي هكذا مختصرًا، وزاد أبو داود في روايته: وَمَنْ قَرَأَ ﴿لَآ
أُقِمُ بِيَوْمِ الْقِيَمَةِ﴾ [القيامة: ١] فَانْتَهَى إِلَى ﴿أَسَ ذَلِكَ بِقَدِرٍ عَلَى أَنْ يُخِْىَ الْمََّ﴾ [القيامة: ٤٠] فَلْيَقُلْ
بَلَى، ومَنْ قَرَأَ ﴿وَالْمُرْسَتِ﴾ فَبَلَغَ ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [المرسلات: ١- ٥٠] فلْيَقُلْ: آمَنَّا
بالله. والحديث يدل على أن من يقرأ هذه الآيات - يستحب له أن يقول تلك الكلمات، سواء
كان في الصلاة، أو خارجها، وأما قولها للمقتدي خلف الإمام؛ فلم أقف على حديث يدل
عليه .
قوله: (هذا حديث إنما يروى بهذا الإسناد ... إلخ) وأخرجه أحمد، وأبو داود؛ وهو
حديث ضعيف؛ لجهالة الأعرابي.

٢٦٨
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَّهِ / باب ((ومن سُورة ﴿أَقْرَأْ بِأَسْمِ رَيِّكَ﴾))
٨٤- باب ((ومن سُورة ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ﴾)) [ت ٨٤، ١٢]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ
[٣٣٤٨] (٣٣٤٨) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عِبْدُ الرَّزَّاقِ عَن مَعْمَرٍ عَن
عبْدِ الكَرِيمِ الجَزرِيِّ عَن عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ بَهَا ﴿سَنَّدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ [العلق: ١٨] قَالَ:
قَالَ أَبُو جَهْلِ: لَئِنْ رَأيْتُ مُحَمِداً يُصَلِّي لأَطَأَنَّ عَلَى عُنقِهِ، فَقَالَ النبيُّ وَِّ: ((لَوْ فَعَلَ
لِأَخَذَتْهُ المَلَائِكَةُ عِيَانَاً)). [خ: ٤٩٥٨، حم: ٢٢٢٦].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ غريبٌ.
٨٤ - بَاب وَمِنْ سُورَةٍ ﴿اقْرَأْ بِسِ رَیِكَ﴾
وتُسَمَّى سُورَةَ العَلَقِ، مَكِيَّةً، وَهِيَ تِسْعَ عَشْرَةَ آيَةً (١)
[٣٣٤٨] قوله: (عن معمر) بن راشد الأزدي (عن عبد الكريم الجزري) هو: ابن مالك.
قوله: (قال أبو جهل) هذه من مرسلات ابن عباس؛ لأنه لم يدرك زمن قول أبي جهل
ذلك، لأن مولده قبل الهجرة نحو ثلاث سنين، ويحمل على أنه سمعه من النبي وَّر، أو من
صحابي آخر (لئن رأيت محمدًا يصلّي) زاد البخاري ((عِنْدَ الْكَعْبَةِ)) (لأطأن) بصيغة المضارع
المتكلم مؤكدة باللام، والنون الثقيلة: من الوطء؛ وهو: الدوس. من باب: سمع يسمع (لو
فعل) أي أبو جهل (لأخذته الملائكة) المراد بالملائكة: الزبانية؛ وهم ملائكة العذاب (عيانًا)
يقال: لقيه، أو رآه عيانًا؛ أي: مشاهدة لم يشك في رؤيته، وإنما شدد الأمر في حقّ
أبي جهل، ولم يقع مثل ذلك لعقبة بن أبي معيط؛ حيث طرح سلي الجزور على ظهره وَلقوله
وهو يصلي؛ لأنهما وإن اشتركا في مطلق الأذية حالة صلاته؛ لكن زاد أبو جهل بالتهديد،
وبدعوى أهل طاعته، وبإرادة وطء العنق الشريف، وفي ذلك من المبالغة ما اقتضى تعجيل
العقوبة له لو فعل ذلك؛ ولأن سلي الجزور لم يتحقق نجاستها، وقد عوقب عقبة بدعائه وَّيه
عليه وعلى من شاركه في فعله؛ فقتلوا يوم بدر؛ كذا في الفتح .
قوله: (هذا حديث حسن صحيح غريب) وأخرجه أحمد، والبخاري، والنسائي، وابن
(٢)
جریر(٢) .
(١) قال الشوكاني في ((تفسيره)) (٤٦٧/٥): وهي تسع عشر آية، وقيل عشرون آية. وهي مكية بلا خلاف، وهي أول
ما نزل من القرآن.
وأخرج ابن مردويه من طرق عن ابن عباس قال: أول ما نزل من القرآن: ﴿اقْرَأْ بِأَسْمٍ رَبِّكَ الَّذِىِ خَلَقَ
(٢) النسائي في ((الكبرى)) حديث (١١٦٨٤، ١١٦٨٥)، وابن جرير في التفسير (٢٥٦/٣٠).

٢٦٩
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلِ / باب ((ومن سُورة ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَيِّكَ﴾))
[ت ٨٤، م٢]
[٣٣٤٩] (٣٣٤٩) حَدَّثَنَا أبو سَعِيدٍ الأشَجُّ، حَدَّثَنَا أبُو خَالِدِ الأحْمَرِ عَن دَاوُدَ بْنِ
أبي هِنْدٍ عَن عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َلِ يُصَلِّي، فَجَاءَ أَبُو جَهْلٍ
فَقَالَ: أَلَمْ أَنْهَكَ عَن هَذَا؟ أَلَمْ أَنْهَكَ عَنْ هَذَا؟ فَانْصَرَفَ النبيُّ نَّهِ فَزَبَرَهُ، فَقَالَ أَبُو
جَهْلِ: إِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما بِهَا نادٍ أكْثَرَ مِنِّي، فَأَنْزَلَ الله [تبارَكَ وتعالى]: ﴿فَلَدْعُ نَادِيَهُ.
١٧
سَنَدْعُ الزََّنِيَةَ﴾ [العلق: ١٧-١٨] فَقَالَ ابنُ عبَّاسِ: فوالله لَوْ دَعَا نَادِيَهُ لأَخَذَتْهُ زَبانِيَةُ الله.
[حم: ٢٣١٧].
[٣٣٤٩] قوله: (أبو سعيد) الكندي، أبو سعيد، الأشج، الكوفي (حدثنا أبو خالد
الأحمر) اسمه: سلیمان بن حيان الأزدي.
قوله: (كان النبي وَ ﴿ يصلي) أي: عند المقام؛ كما في رواية ابن جرير (فانصرف النبي
( *) أي: عن صلاته (فزبره) بزاي موحدة، كنصر وضرب؛ أي: نهر النبي وَلّ أبا جهل،
وأغلظ له في القول. وفي رواية ابن جرير: ((فَأَغْلَظَ لَهُ رَسُولُ اللهِ وَانْتَهَرَهُ)) (ما بها) أي:
بمكة (ناد أكثر مني) وفي رواية ابن جرير: ((وَالله إِنِّي لأَكثَرُ هذَا الْوَادِي نَاديًا))(١). قال في
((النهاية)): النادي: مجتمع القوم، وأهل المجلس، فيقع على المجلس وأهله (﴿فَلَدْعُ نَادِيَهُ﴾
[العلق: ١٧]) أي: أهل ناديه؛ لأن النادي من المجلس: الذي يجلس، وينتدِي فيه القوم،
ويجتمعون فيه من الأهل والعشيرة، ولا يسمى المكان ناديًا؛ حتى يكون فيه أهله؛ والمعنى:
ليدع عشيرته وأهله؛ ليعينوه، وينصروه (﴿سَنَدْعُ الزََّنَةَ﴾ [العلق: ١٨]) أي: الملائكة الغلاظ
الشداد؛ وهم: خزنة جهنم؛ سموا بذلك؛ لأنهم يدفعون أهل النار إليها بشدة، مأخوذ من
الزبن؛ وهو الدفع. قيل: واحدها: زَابِن، وقيل: زبنية، وقيل: زبنى على النسب، وقيل: هو
اسم للجمع، لا واحد له من لفظه؛ كعباديد، وأبابيل. وقال قتادة: هم الشرط في كلام
العرب.
وأصل الزبن: الدفع، والعرب تطلق هذا الاسم على من اشتد بطشه (لو دعا) أي:
أبو جهل (لأخذته زبانية الله) أي: ملائكته الغلاظ الشداد.
(١) أحمد، حديث (٣٠٣٦)، والنسائي في ((الكبرى)) حديث (١١٦٨٤، ١١٦٨٥)، وابن جرير في ((التفسير))
(٢٥٦/٣٠).

٢٧٠
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله ◌ِوَّ / باب ((ومن سُورَة القَدْرِ))
قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غريبٌ صحيحٌ.
وَفِيهِ عَن أبي هُرَيْرَةَ رَُّه .
٨٥- باب ((ومن سُورَة القَدْرِ)) [ت ٨٥، م١]
بِسْمِ اللهِ الرَّغَنِ الرَّحَمَةِ
[٣٣٥٠] (٣٣٥٠) حَدَّثَنَا مَحمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاود الطَّيَالِسِيُّ، حَدَّثَنَا
القاسِمُ بْنُ الفَضْلِ الحُدَّانِيُّ. عَن يُوسُفَ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: قامَ رَجُلٌ إلى الحَسَنِ بْنِ
عَلِيٍّ بَعْدَمَا بَايَعَ مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ: سَوَّدْتَ وُجُوهَ المُؤْمِنِينَ، أوْ يا مُسَوِّدَ وُجُوهِ
المُؤْمِنِينَ، فَقَالَ: لا تُؤَنِّبْنِي رَحِمَكَ الله، فإنَّ النبيَّ وَ أُرِيَ
قوله: (هذا حديث حسن غريب صحيح) وأخرجه أحمد، والنسائي، وابن جرير.
قوله: (وفيه عن أبي هريرة) أخرج حديثه النسائي(١)، وفي آخره: ((فَلَمْ يفاجئهم مِنْهُ إلَّا
وَهُوَ أَي: أَبُو جَهْلٍ يَنْكُصُ عَلَى عِقِبَيْهِ وَيَتَّقِي بِيَدَيْهِ، فَقيل لَّهُ: مَا لَكَ؟ فَقَالَ: إِنَّ بَيْنِي وَبَينَهُ
لَخَنْدَقًّا مِنْ نَارٍ وَهَوْلًا وَأَجْنِحَةً. فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: (لَوْ دَنَا اخْتَطَفَتْهُ الْملائكةُ عُضْوًا عُضْوًا)).
٨٥ - بَاب ((ومن سورة القدر))
قِيلَ: هِيَ مَكِّيَّةٌ، وَقِيلَ مَدَنِيَّةٌ، وَهِيَ خَمْسُ آيَاتٍ(٢)
[٣٣٥٠] قوله: (عن يوسف بن سعد) الجمحي، مولاهم البصري، ويقال: هو يوسف بن
مازن، ثقة، من الثالثة (قال: قام رجل) وفي رواية ابن جرير، من طريق القاسم بن الفضل،
عن عيسى بن مازن: قَالَ: ((قُلْتُ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ رَظُّه ... إلخ)) (إلى الحسن بن علي) بن
أبي طالب (بعد ما بايع) أي: الحسن بن علي (معاوية) أي: ابن أبي سفيان صخر بن
حرب بن أمية، الأموي أبا عبد الرحمن، الخليفة، صحابي، أسلم قبل الفتح، وكتب
الوحي، ومات في رجب سنة ستين، وقد قارب الثمانين (أو يا مسود وجوه المؤمنين) كلمة
((أو)) لشك (لا تؤنبني) بصيغة النهي: من التأنيب؛ وهو المبالغة في التوبيخ والتعنيف (أري)
(١) النسائي في ((الكبرى)) حديث (١١٦٨٣).
(٢) قال الشوكاني في («تفسيره)) (٥/ ٤٧٠): وهي مكية كذا قال الماوردي، وقال الثعلبي: هي مدنية في قول أكثر
المفسرين، وذكر الواقدي أنها أول سورة نزلت بالمدينة. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس وابن الزبير
وعائشة؛ أنها نزلت بمكة.

٢٧١
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّـ / باب ((ومن سُورَةِ القَدْرِ))
بَنِي أُمَيَّةَ عَلَى مِنْبَرِهِ فَسَاءهُ ذَلِكَ، فَتَزَلَتْ ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١] يا مُحمّدُ،
يَعْنِي: نَهْراً في الجَنَّةِ، ونَزَلَتْ ﴿إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِ لَيْلَةِ اٌلْقَدْرِ ﴿ وَمَآ أَدْرَئِكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ
لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ١-٣] يَمْلِكُهَا بَنُو أُمَيَّةَ يا مُحمّدُ. قَالَ القاسِمُ:
فَعَدَدْنَاهَا فَإِذَا هِيَ ألْفُ شهر لا يَزِيدُ يَوْمٌ وَلا يَنْقُصُ. [ضعيف الإسناد مضطرب، ومتنه منكر].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لا نَعْرِفُهُ إلَّا مِن هَذَا الوَجْهِ مِن حَدِيثٍ
القاسِمِ بْنِ الفَضْلِ .
بصيغة المجهول: من الإراءة؛ أي: في المنام (بني أمية على منبره) وفي رواية ابن جرير:
(أُرِيَ فِي مَنَامِهِ بَنِي أُميَّةَ يَعْلُونَ مِنْبَرِهِ خَلِيفةً خَلِيْفَةً [فشقّ ذلك عليه، فأنزل الله: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَكَ
اَلْكَوْثَرَ﴾ و﴿إِنَّا أَنَزَلْنَهُ فِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾](١) (﴿إِنََّ أَنَزَلْنَهُ﴾ [القدر: ١]) أي: القرآن جملة واحدة
من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا (﴿فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١]) أي؛ الشرف والعظم (﴿وَمَا
أَذَرَئِكَ﴾ [القدر: ٢]) أي: أعلمك يا محمد (﴿مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ٢]) تعظيم لشأنها وتعجيب منه
(﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ٣]) أي: ليس فيها ليلة القدر؛ فالعمل الصالح فيها
خير منه في ألف شهر ليست فيها (يملكها) الضمير المنصوب راجع إلى ((ألف شهر))؛
والمعنى: أن ليلة القدر خير من مدة ألف شهر يملك فيها بنو أمية الولاية والخلافة (قال
القاسم) أي: ابن الفضل الحداني، المذكور في الإسناد (فعددناها) أي: ؛ مدة خلافة بني
أمية، وفي رواية ابن جرير: ((فَحَسَبْنَا مُلْكَ بَنِي أُميَّةَ)) (فإذا هي ألف شهر) هي ثلاث وثمانون
سنة وأربعون أشهر، وكان استقلال إمارة بني أمية منذ بيعة الحسن بن عليّ لمعاوية، وذلك
على رأس أربعين من الهجرة، وكان انفصال دولتهم على يدِ أبي مُسلم الخُراساني سنة اثنتين
وثلاثين ومائة، وذلك اثنان وتسعون سنة يسقط منها مدة خلافة ابن الزبير ثمان سنين وثمانية
أشهر؛ يبقى ثلاث وثمانون سنة وأربعة أشهر؛ كذا في ((المجمع)).
قوله: (هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، من حديث القاسم بن الفضل،
وقد قيل: عن القاسم بن الفضل، عن يوسف بن مازن ... إلخ).
قال الحافظ ابن كثير بعد نقل كلام الترمذي هذا: وقد روى هذا الحديث الحاكم في
(١) ما بين معقوفين ليس موجودًا في الأصل، وأثبته من تفسير الطبري (٢٦١/٣٠) ثم قال: وأشبه الأقوال في ذلك
بظاهر التنزيل قول من قال: عملٌ في ليلة القَدْر خيرٌ من عمل ألف شهر، ليس فيها ليلة القَدْر. وأما الأقوال الأخر،
فدعاوَى باطلة، لا دلالة عليها من خبر ولا عقل، ولا هي موجودة في التنزيل. [تفسير الطبري: ٢٦١/٣٠].

٢٧٢
كِتَابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِِّ ر باب ((ومن سُورَةِ القَدْرِ))
((مستدركه)) من طريق القاسم بن الفضل، عن يوسف بن مازن به، وقول الترمذي: إن يوسف
هذا مجهول فيه نظر؛ فإنه قد روى عنه جماعة منهم: حماد بن سلمة، وخالد الحذّاء،
ويونس بن عبيد، وقال فيه يحيى بن معين: هو مشهور. وفي رواية عن ابن معين؛ قال: هو
ثقة. ورواه ابن جرير، من طريق القاسم بن الفضل، عن يوسف بن مازن؛ كذا قال، وهذا
يقتضي اضطرابًا في هذا الحديث - والله أعلم - ثم هذا الحديث - على كل تقدير - منكر جدًّا.
قال شيخنا الإمام الحافظ الحجة: أبو الحجاج المزي: هو حديث منكر. قال: وقول
القاسم بن الفضل الحداني: أنه حسب مدة بني أمية؛ فوجدها ألف شهر، لا تزيد يومًا، ولا
تنقص - ليس بصحيح؛ فإن معاوية بن أبي سفيان - رَّ ◌ُبه - استقل بالملك حين سلم إليه
الحسن بن علي الإمرة سنة أربعين، واجتمعت البيعة لمعاوية، وسمي ذلك: عام الجماعة،
ثم استمروا فيها متتابعين بالشام، وغيرها، لم تخرج عنهم إلا: مدة دولة عبد الله بن الزبير
في الحرمين والأهواز، وبعض البلاد قريبًا من تسع سنين؛ لكن لم تزل يدهم عن الإمرة
بالكلية، بل عن بعض البلاد إلى أن استلبهم بنو العباس الخلافة في سنة اثنتين وثلاثين
ومائة؛ فيكون مجموع مدتهم: اثنتين وتسعين سنة، وذلك أزيد من ألف شهر؛ فإن الألف
شهر عبارة عن ثلاث وثمانين سنة وأربعة أشهر؛ وكأن القاسم بن الفضل أسقط من مدتهم
أيام ابن الزبير، وعلى هذا فيقارب ما قاله الصحة في الحساب.
ومما يدل على ضعف هذا الحديث: أنه سيق لذم دولة بني أمية، ولو أريد ذلك، لم يكن
بهذا السياق؛ فإن تفضيل ليلة القدر على أيامهم؛ لا يدل على ذم أيامهم، فإن ليلة القدر شريفة
جدًّا، والسورة الكريمة إنما جاءت؛ لمدح ليلة القدر؛ فكيف تمدح بتفضيلها على أيام بني
أمية؛ التي هي مذمومة بمقتضى هذا الحديث؟! وهل هذا إلا كما قال القائل: [من الطويل].
إِذا قِيْلَ: إنَّ السَّيْفَ أمضَى مِنَ العَصَا
أَلَمْ تَرَ أَنَّ السَّيْفَ ينقُصُ قَدْرُهُ
وقال آخر: [من الطويل]
عَلَى نَاقِص كَانَ المَدِيْجُ مِنَ النَّقْصِ
إِذَا أَنْتَ فَضَّلْتَ امْرَأَ ذَا بَرَاعَةٍ
ثم الذي يفهم من الآية: أن الألف شهر المذكورة في الآية هي: أيام بني أمية، والسورة
مكية؛ فكيف يحال على ألف شهر هي دولة بني أمية، ولا يدل عليها لفظ الآية، ولا
معناها؟! والمنبر إنما صنع بالمدينة، بعد مدة من الهجرة؛ فهذا كله مما يدل على ضعف
الحدیث، ونکارته. انتهى كلام الحافظ ابن كثير.

٢٧٣
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ / باب ((ومن سُورَة القَدْرِ))
وَقَدْ قِيلَ عَنِ القَاسِمِ بْنِ الفَضْلِ عَن يُوسُفَ بْنِ مَازِن، والقاسِمُ بْنُ الفَضْلِ
الحُدَّانِيُّ هُوَ ثِقَةٌ، وَثَّقَهُ يَحْيى بْنُ سعِيدٍ وعَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، وَيُوسُفُ بْنُ سَعْدٍ
رَجُلٌ مَجْهُولٌ، وَلا نَعْرِفُ هَذَا الحَدِيثَ عَلَى هَذَا اللَّفْظِ إلَّا مِن هَذَا الوَجْهِ.
[ت ٨٥، م٢]
[٣٣٥١] (٣٣٥١) حَدَّثَنَا ابنُ أبي عُمَر، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَن عَبْدَةَ بْنِ أبي لُبَابَةَ
وعاصِم هُوَ ابْنُ بَهْدَلَةَ، سَمِعَا زِرَّ بْنَ حُبَيْشٍ، وَزِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ يُكَتَّى أبَا مَرْيَمَ، يَقُولُ:
قُلْتُ: لَأَبِيِّ بْنِ كَعْبٍ: إنَّ أخَاكَ عَبْدَ الله بْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: مَن يَقُم الحَوْلَ يُصِبْ لَيْلَةً
القَدْرِ، فَقَالَ: يَغْفِرُ الله لأبي عَبْدِ الرَّحْمنِ، لَقَدْ عَلِمَ أنّهَا في العَشَرَةِ الأَوَاخِرِ مِن
رَمَضَانَ، وَأَنّها لَيْلَةُ سَبْعٍ وعِشْرِينَ، ولَكِنَّهُ أَرَادَ أنْ لا يَتَّكِلَ النَّاسُ، ثُمَّ حَلَفَ لا
يَسْتَقْنِي
قلت: وفي قوله: (ورواه ابن جرير، من طريق القاسم بن الفضل، عن يوسف بن مازن؛
كذا قال) نظر؛ فإن ابن جرير لم يروه هكذا، بل رواه (١) من طريق القاسم بن الفضل، عن
عيسى بن مازن؛ كما في النسخة المصرية، وعليه يصح قول الحافظ ابن كثير، وهذا يقتضي
اضطرابًا في هذا الحديث؛ فتفكر.
[٣٣٥١] قوله: (عن عبدة بن أبي لبابة) الأسدي، مولاهم، ويقال: مولى قريش، كنيته:
أبو القاسم البزاز، الكوفي، نزيل دمشق، ثقة، من الرابعة (وعاصم) بن بهدلة.
قوله: (إن أخاك) أي: في الدين والصحبة (عبد الله بن مسعود) بدل، أو بيان (من يقم
الحول) أي: من يقم الطاعة في بعض ساعات كل الليالي السنة (يصب ليلة القدر) أي:
يدركها؛ يقينًا للإبهام في تبيينها، وللاختلاف في تعيينها (قال) أي: أبي (يغفر الله
لأبي عبد الرحمن) كنية لابن مسعود (لقد علم) أي: أبو عبد الرحمن (أنها) أي: ليلة القدر
(ولكنه أراد ألا يتكل الناس) أي: لا يعتمدوا على قول واحد، وإن كان هو الصحيح الغالب
على الظن الذي مبنى الفتوى عليه؛ فلا يقوموا إلا في تلك الليلة، ويتركوا قيام سائر الليالي؛
فيفوت حكمة الإبهام الذي نسي بسببها عليه الصلاة والسلام (ثم حلف) أي: أبي بن كعب
(لا يستثني) حال؛ أي: حلف حلفًا جازمًا من غير أن يقول عقيبه: إن شاء الله - تعالى -. قال
(١) ابن جرير في ((التفسير)) (٢٦٠/٣٠ - فكر).

٢٧٤
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وََّ/ باب ((ومن سُورَةٍ ﴿لَمْ يَكُن﴾)»
أنّهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: بِأَيِّ شَيْءٍ تَقُولُ ذَلِكَ يا أبَا المُنْذِرِ؟ قَالَ:
بالآيةِ الّتِي أَخْبَرَنَا رَسُولُ اللهِ وَّه أو بالعَلَامَةِ: ((أنَّ الشَّمْسَ تَطْلَعُ يَوْمَئِذٍ لا شُعَاعَ
لَهَا)). [م: ٧٦٢، د: ١٣٧٨، حم: ٢٠٦٨٥].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
٨٦- باب ((ومن سُورَة ﴿لَمْ يَكُن﴾)) [ت ٨٦، ١٣]
بِسْمِ اللهِ الرََّنِ الرَّحِيمِ
[٣٣٥٢] (٣٣٥٢) حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ بَشّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا
سُفْيَانُ عَن المُخْتَارِ بْنِ فُلْفلٍ قَالَ: سَمِعْتُ أنَسَ بْنَ مالِكٍ يَقُولُ: قَالَ رَجُلٌ للنبيِّ
وَلٌ: يَا خَيْرَ البَرِيَّةِ،
الطيبي: هو قول الرجل: إن شاء الله. يقال: حلف فلان يمينًا ليس فيها ثنى، ولا ثنو، ولا
ثنية، ولا استثناء، كلها واحد، وأصلها: من الثني؛ وهو: الكف والرد؛ وذلك أن الحالف
إذا قال: والله لأفعلن كذا إلا أن يشاء الله غَيْرَهُ؛ فقد رد انعقاد ذلك اليمين انتهى. (أنها)
مفعول ((حلف))؛ أي: أن ليلة القدر (ليلة سبع وعشرين قال) أي: زِرّ بن حُبَيش (قلت له)
أي: لأُبيّ بن كعب (بأي شيء) أي: من الأدلة (تقول ذلك) أي: القول (يا أبا المنذر) كنية
أبي بن كعب (أو بالعلامة) كلمة ((أو)) للشك (أن الشمس تطلع يومئذ لا شعاع لها) سبق
شرحه في باب: ((ليلة القدر)) من أبواب: ((الصيام)).
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد، ومسلم(١).
٨٦ - بَاب ومِنْ سُورةٍ (لَم يكنْ)
وَتُسمَّى سُورَةَ البَيِّنَةَ، وهيَ مَدَنِيَّةٌ (٢)؛ قَالَه الجُمْهُوْرُ
وفِي رِوايَةٍ عَن ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّها مَكِيَّةٍ وَهِيَ ثَمَانِ آيَاتٍ، وَقِيْلَ: تِسْعُ آيَات.
[٣٣٥٢] قوله: (يا خير البرية) بتشديد الياء، ويجوز تسكينها، وهمز بعدها؛ ومعناها :
الخليفة.
(١) أحمد، حديث (٢٠٦٨٨)، ومسلم، كتاب الصيام، حديث (٧٦٢).
(٢) قال الشوكاني في فتح القدير (٤٧٣/٥): وهي مدنية في قول الجمهور، وقيل: مكية؛ وأخرج ابن مردويه عن ابن
عباس قال: نزلت سورة ﴿لَمْ يَكُنِ﴾ بالمدينة. وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت: نزلت سورة ﴿لَمْ يَكُنْ﴾ بمكة.

٢٧٥
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِِّ ر باب ((ومن سُورَةٍ ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ﴾))
قَالَ: ((ذَلِكَ إِبْرَاهِيمُ)). [م: ٢٣٦٩، د: ٤٦٧٢، حم: ١٢٤١٥].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
٨٧- باب ((ومن سُورَة ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ﴾)) [ت ٨٧، ١٢]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَمَةِ
[٣٣٥٣] (٣٣٥٣) حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، أْبَرَنَا عِبْدُ الله بْنُ المُبَارَكِ، أُخْبَرَنَا
سَعِيدُ بْنُ أبي أيُّوبَ عَن يَحْيَى بْنِ أبِي سُلَيْمَانَ عَن سَعِيدِ المَقْبُرِيِّ عَن أبي هُرَيْرَةَ رَُّه
قَالَ: قَرأ رَسُولُ اللهِ وَه هَذِهِ الآيةَ ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة: ٤] قَالَ: ((أَتَدْرُونَ
قال في ((النهاية)): البرية: الخلق. تقول: بَرَاهُ الله يبرّه بروًا؛ أي؛ خلقه. ويجمع على:
البرايا، والبريّات: من البري: التراب؛ هذا إذا لم يهمز، ومن ذهب إلى أن أصله الهمز؛
أخذه من: برأَ الله الخلق يَبْرَأهم؛ أي: خلقهم، ثم ترك فيها الهمز؛ تخفيفًا، ولم تستعمل
مهموزة. انتهى (قال) أي: رسول الله وَّ رِ (ذاك) أي: المشار إليه الموصوف بخير البرية هو
(إبراهيم) الخليل - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.
قال النووي في ((شرح مسلم)): قال العلماء: إنما قال ◌َل ◌ِّ هذا؛ تواضعًا، واحترامًا
لإبراهيم ◌َّ؛ لخلته وأبوته، وإلا فنبينا وَّ أفضل؛ كما قال ◌َِّ: (أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدمَ)) ولم
يقصد به الافتخار، ولا التطاول على من تقدمه، بل قاله؛ بيانًا لما أمر ببيانه وتبليغه؛ ولهذا
قال ◌َله: ((وَلَا فَخْر)). لينفي ما قد يتطرق إلى بعض الأفهام السخيفة. وقيل: يحتمل أنه وال
قال: ((إِبْرَاهِيمُ خَيْرُ البَرِيَّةِ)) قبل أن يعلم أنه سيد ولد آدم. انتهى.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم.
٨٧ - بَاب وَمِنْ سُؤْرَةٍ ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾
مَكِّيَّةٌ، وَقِيْلَ: مَدَنِيَّةٌ، وَهِيَ ثَمَانِ آيَاتٍ، وَقِيْلَ: تَسْعُ آيَاتٍ(١)
[٣٣٥٣] قوله: (قرأ رسول الله وَله هذه الآية ﴿يَوْمَبِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة: ٤] إلخ). قد
تقدم هذا الحديث مع شرحه قبل باب: (الصور)) من أبواب؛ ((صفة القيامة)).
(١) قال الشوكاني في تفسيره (٤٧٨/٥): وهي مدنية في قول ابن عباس وقتادة؛ ومكية في قول ابن مسعود وعطاء
وجابر، وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس: نزلت ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ بالمدينة. وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة:
سمعت رسول الله ◌َله يقول: ((من قرأ في ليلة إذا زلزلت، كان له عدل نصف القرآن)).

٢٧٦
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله ◌ِ / باب ((ومن سُورةٍ ﴿أَلَهَنْكُمُ التَّكَاثُرُ﴾)»
ما أخْبَارُها؟)) قالُوا: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَم. قَالَ: ((فإنَّ أْبَارَها أن تَشْهَدَ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ
أو أمَةٍ بِمَا عَمِلَ عَلَى ظَهْرِهَا، تَقُولُ: عَمِلَ يَوْمَ كَذَا كَذَا وَكَذَا، فَهَذِهِ أَخْبَارُهَا)).
[ضعيف الإسناد، يحيى بن أبي سليمان، لين الحديث، وقال عنه البخاري: منكر الحديث حم: ٨٦٥٠].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ غريبٌ.
٨٨ - باب ((ومن سُورة ﴿أَلَهَنْكُمُ التَّكَاثُّرُ﴾)) [ت ٨٨، ١٢]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحَنِ الرَّحَمَةِ
[٣٣٥٤] (٣٣٥٤) حَدَّثَنَا مَحمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا وهْبُ بْنُ جريرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ،
عَن قَتَادَةَ عَن مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ الشّخِّيرِ عَن أبِيهِ، أنَّهُ انْتَهى إلى النَّبِيِّ وَهِ وَهُوَ يَقْرَأُ
﴿أَلْهَنْكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر: ١] قَالَ: ((يَقُولُ ابنُ آدَمَ: مَالِي مَالِي، وَهَلْ لَكَ مِن مَالِكَ إِلَّا
ما تَصَدَّقْتَ فأمْضَيْتَ، أوْ أكَلْتَ فأقْنَيْتَ، أو لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ؟)). [م: ٢٩٥٨، ن: ٣٦١٥،
حم: ١٥٨٧٠].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
[ت ٨٨، م٢]
[٣٣٥٥] (٣٣٥٥) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا حَكَّامُ بْنُ سَلْمِ الرَّازِيُّ عَن عَمْرِو بْنِ
أبي قَيْس ◌َن الحَجَّاجِ بن أرطأة،
٨٨ - باب وَمِنَّ سُؤْرَةِ: ﴿أَلَهَنُكُمُ التّكَاثُرُ﴾
مَكِّيَّةٌ وَهِيَ ثَمَانِ آيَاتٍ (١)
[٣٣٥٤] قوله: (أنه انتهى إلى النبي وَّ﴾ وهو يقرأ ﴿أَلَهَنْكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ إلخ) قد سبق هذا
الحديث مع شرحه في باب: ((الزهادة في الدنيا)) من أبواب ((الزهد)).
[٣٣٥٥] قوله: (حدثنا حكّام) بفتح الحاء، وتشديد الكاف (بن سلم) بفتح السين
المهملة، وسكون اللام (عن عمرو بن أبي قيس) الرازي (عن الحجاج بن أرطاة) بفتح الهمزة
(١) وهي مكية عند الجميع؛ وروى البخاري أنها مدنية، وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: نزل بمكة:
﴿أَلَهَنَكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ كذا في فتح القدير (٤٨٧/٥).

٢٧٧
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ / باب ((ومن سُورةٍ ﴿أَلَهَنْكُمُ التَّكَاثُرُ﴾))
عَنِ المِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ زِرِّ عَن عَلِيٍّ ◌َظ ◌َبهِ قَالَ: مَا زِلْنَا نَشُكُّ فِي عَذَابِ القَبْرِ حَتَّى
نَزَلَتْ: ﴿أَلْهَنْكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر: ١]. [فيه ضعف، الحجاج يدلِّس كثيراً، قال أحمد: ليس يكاد له
حديث إلَّا فيه زيادة] .
قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ مَرَّةً: عَن عَمْرِو بْنِ أبي قَيْسٍ: هُوَ رَازِيٌّ، وَعَمْرُو بْنُ قَیسٍ
المَلائِيّ ◌ُوفِيٌّ، عَن ابنِ أبِي لَيْلَى عَنِ المِنْهَالِ بْنِ عَمرِو.
(عن المنهال بن عمرو) الأسدي.
قوله: (ما زلنا نشكّ في عذاب القبر حتى نزلت ﴿أَلَهَنَكُمُ التَّكَاثُرُ﴾﴾ أي: هذه السورة،
والمراد بالتكاثر: التفاخر؛ أي: أشغلتكم المفاخرة، والمباهاة، والمكاثرة؛ بكثرة المال،
والعدد، والمناقب عن طاعة الله ربكم، وما ينجيكم عن سخطه حتى زرتم المقابر؛ أي:
حتى متم، ودفنتم في المقابر. يقال لمن مات: زار قبره، وزار رَمْسه(١)، فيكون معنى الآية:
" ألهاكم حرصكم على تكثير أموالكم عن طاعة ربكم؛ حتى أتاكم الموت وأنتم على ذلك.
قال ابن جرير في ((تفسيره)): وفي هذا دليل على صحة القول بعذاب القبر؛ لأن الله تعالى
ذكره أخبر عن هؤلاء القوم الذين ألهاهم التكاثر؛ أنهم سيعلمون ما يلقون - إذا هم زاروا
القبور - وعيدًا منه لهم، وتهدّدًا، وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل؛ فذكر حديث
علي هذا، ثم قال وقوله: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ يعني : - تعالى ذكره - بقوله: ((كلا)): ما هكذا
ينبغي أن تفعلوا؛ أن يلهيكم التكاثر.
وقوله: ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ يقول - جل ثناؤه - سوف تعلمون - إذا زرتم المقابر أيها الذين
ألهاكم التكاثر - غبَّ (٢) فعلكم، واشتغالكم بالتكاثر في الدنيا عن طاعة الله ربكم.
وقوله: ﴿ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ثم ما هكذا ينبغي أن تفعلوا؛ أن يلهيكم التكاثر بالأموال،
وكثرة العدد سوف تعلمون - إذا زرتم المقابر - ما تلقون؛ إذا أنتم زرتموها من مكروه
اشتغالكم، عن طاعة ربكم؛ بالتكاثر، وكرر قوله: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ مرتين؛ لأن العرب إذا
أرادت التغليظ في التخويف والتهديد يذكروا الكلمة مرتين. انتهى.
(١) الرَّمس، بوزن الفَلْس: تراب القبر، وهو في الأصل مصدر، والمَرْمس، بوزن المَذْهب موضع القبر، ورَمَسَ
الميِّتَ: دَفَتَه، ويابه نصر، كما في مختار الصحاح (رَمَسَ).
(٢) وغِبُّ كل شيء: عاقبته، كما في مختار الصحاح (غَبَبَ).

٢٧٨
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ / باب ((ومن سُورةٍ ﴿أَلَهَنَّكُمُ التَّكَاثُرُ﴾))
تنبيه: اعلم: أن في القرآن المجيد آيات تدل على ثبوت عذاب القبر؛ إحداها: هذه الآية
أعني: قوله تعالى: ﴿أَلَهَنَكُمُ التَّكَاثُرُّ ◌َ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ ... إلخ. وأصرحها وأوضحها
الآية التي في سورة المؤمن وهي قوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ
السَّاعَةُ أَدْخِلُواْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦] قال العلامة نظام الدين؛ الحسن بن محمد
النيسابوري في تفسير هذه الآية ص٣٨ ج٢٤ ما لفظه: وفي الآية دلالة ظاهرة على إثبات
عذاب القبر؛ لأن تعذيب يوم القيامة يجيء في قوله: ﴿وَيَوْمَ تَّقُومُ السَّاعَةُ﴾ [غافر: ٤٦]. انتهى.
وقال الحافظ ابن كثير: وهذه الآية أصل كبير في استدلال أهل السنة على عذاب البَرْزَخ
في القبور، وهي قوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾. انتهى.
وقال الرازي: احتج أصحابنا بهذه الآية على إثبات عذاب القبر؛ قالوا: الآية تقضي
عرض النار عليهم غدوًّا وعشيًّا، وليس المراد منه: يوم القيامة؛ لأنه قال: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ
أَدْخِلُواْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ وليس المراد منه أيضًا: الدنيا؛ لأن عرض النار عليهم
غدوًّا وعشيًّا ما كان حاصلًا في الدنيا؛ فثبت أن هذا العرض إنما حصل بعد الموت، وقبل
يوم القيامة، وذلك يدل على إثبات عذاب القبر في حق هؤلاء، وإذا ثبت في حقِّهم ثبت في
حق غيرهم؛ لأنه لا قائل بالفرق.
فإن قيل: لِمَ لا يجوز أن يكون المراد من عرض النار عليهم غدوًّا وعشيًّا: عرض
النصائح عليهم في الدنيا؛ لأن أهل الدين إذا ذكروا لهم الترغيب والترهيب، وخوفوهم
بعذاب الله - فقد عرضوا عليهم النار؟ ثم نقلوا: في الآية ما يمنع من حملها على عذاب
القبر، وبیانه من وجھین:
الأول: أن ذلك العذاب يجب أن يكون دائمًا غير منقطع، وقوله: ﴿يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا
وَعَشِيٍّْ﴾ يقتضي ألَّ يحصل ذلك العذاب إلا: في هذين الوقتين؛ فثبت أن هذا لا يمكن
حمله على عذاب القبر.
الثاني: أن الغدوّة والعشيّة إنما يحصلان في الدنيا، أما في القبر؛ فلا وجود لهما؛ فثبت
بهذين الوجهين أنه لا يمكن حمل هذه الآية على عذاب القبر.
والجواب عن السؤال الأول: أن في الدنيا عرض عليهم كلمات تذكرهم أمر النار، لا
أنه يعرض عليهم نفس النار، فعلى قولهم يصير معنى الآية: الكلمات المذكرة لأمر النار
كانت تعرض عليهم، وذلك بمقتضى يفضي إلى ترك ظاهر اللفظ، والعدول إلى المجاز.

٢٧٩
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَِّ / باب ((ومن سُورةٍ ﴿أَلَهَنَّكُمُ التَّكَاثُرُ﴾))
قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
[ت ٨٨، م٣]
[٣٣٥٦] (٣٣٥٦) حَدَّثَنَا ابنُ أبي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَن مُحمَّدٍ بْنِ
عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ عَن يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ حَاطِبٍ عَن عبدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ بْنِ
العَوَّامِ عَن أبِيهِ، قَالَ: لمّا نَزَلَتْ ﴿ثُمَّ لَتُشْئَلُنَّ يَؤْمَئِذٍ عَنِ الَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨] قَالَ
الزُّبَيْرُ: يَا رَسُولَ الله فَأَيُّ النَّعِيمِ نُسْأل عَنْهُ، وإنّمَا هُمَا الأسْوَدَانِ: التَّمْرُ والمَاءُ؟
قَالَ: ((أما إنّهُ سَيَكُونُ)). [جه: ٤١٥٨، حم: ١٤٠٨].
أما قوله: الآية تدل على حصول هذا العذاب في هذين الوقتين، وذلك لا يجوز. قلنا :
لِمَ لا يَجوزُ أن يكتفي في القبر بإيصال العذاب إليه في هذين الوقتين، ثم عند قيام القيامة
يلقى في النار؛ فيدوم عذابه بعد ذلك؟ وأيضًا لا يمتنع أن يكون ذكر الغدوة والعشية كناية
على الدوام، كقوله: ﴿وَلَّمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بَكْرَةُ وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢] أما قوله: إنه ليس في القبر
والقيامة غدوة وعشية. قلنا: لِمَ لا يجوز أن يقال عند حصول هذين الوقتين لأهل الدنيا،
يعرض عليهم العذاب؟ انتھی.
قوله: (هذا حديث غريب) وأخرجه ابن جرير، وابن أبي حاتم(١).
[٣٣٥٦] قوله: ((ثُمَّ لَتُسْتَلُنَّ يَوْمَيِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾) أي: عن شكر ما أنعم الله به عليكم
من الصحة، والأمن، والرزق، وغير ذلك (إنما هما الأسودان) أي: إنما عندنا نعمتان ليستا
مما نسأل عنه لدناءتهما؛ ((هما)) الأسودان (التمر والماء) بيان لـ((الأسودان)) أما التمر:
فأسود؛ وهو الغالب على تمر المدينة؛ فأضيف الماء إليه، ونعت بنعته؛ إتباعًا والعرب تفعل
ذلك في الشيئين يصطحبان؛ فيسميان معًا باسم الأشهر منها؛ كالقمرين والعمرين؛ كذا في
((النهاية)) (أَمَا) بالتخفيف. حرف تنبيه (إنه سيكون) هذا يحتمل وجهين: أحدهما: أن النعيم
الذي تسألون عنه سيكون. والثاني: أن السؤال سيكون عن الأسودين؛ فإنهما نعمتان
عظيمتان من نعم الله (٢) تعالی.
(١) ابن أبي حاتم (٣٤٥٩/١٠) (١٩٤٥٤).
(٢) قال الشوكاني: أي: عن نعيم الدنيا الذي ألهاكم عن العمل للآخرة. قال قتادة: يعني: كفار مكة كانوا في الدنيا
في الخير والنعمة، فيسألون يوم القيامة عن شكر ما كانوا فيه، ولم يشكروا ربّ النعم حيث عبدوا غيره، وأشركوا =

٢٨٠
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَِّ / باب ((ومن سُورة ﴿أَلَهَنْكُمُ التَّكَاثُرُ)))
قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ.
[ت ٨٨، م٤]
[٣٣٥٧] (٣٣٥٧) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ عَن أبي بَكْرِ بْنِ
عَيَّاشِ عَن مُحمَّدٍ بْنِ عَمْرٍو عَن أبي سَلَمَةَ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: لمّا نَزَلَتْ هَذِهِ
الآيَةُ: ﴿ثُمَّ لَتُشْعَلُنَّ يَؤْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨] قَالَ النَّاسُ: يَا رَسُولَ الله عَن أيِّ
النَّعِيمِ نُسْئلُ: فَإِنَّمَا هُمَا الأسْوَدَانِ والعَدُوُّ حاضِرٌ وَسُيُوفُنَا عَلَى عَوَاتِقِنَا. قَالَ: ((إنَّ
ذَلِكَ سَيَكُونُ)) .
قَالَ أَبُو عِيْسَى: وَحدِيثُ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَن مُحمَّدٍ بْنِ عَمْرٍو عِنْدِي أَصَحُّ مِن هَذَا،
سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةَ أَحْفَظُ وَأَصَحُّ حَدِيثاً مِن أبي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ.
[ت ٨٨، م٥]
[٣٣٥٨] (٣٣٥٨) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ عَن عَبْدِ الله بْنِ العَلاءِ
٠٠
قوله: (هذا حديث حسن) وأخرجه أحمد، وابن ماجه، وابن أبي حاتم(١).
[٣٣٥٧] قوله: (حدثنا أحمد بن يونس) هو: أحمد بن عبد الله بن يونس (عن محمد بن
عمرو) بن علقمة (والعدو حاضر) أي: ويريد أن يستأصلنا (وسيوفنا على عواتقنا) أي: لقتال
العدو، والعواتق: جمع عاتق؛ وهو: ما بين المنكب والعنق(٢).
[٣٣٥٨] قوله: (حدثنا شبابة) بن سوار، المدائني (عن عبد الله بن العلاء) بن زَبْر بفتح
= به. قال الحسن: لا يُسْألُ عن النعيم إلّا أهل النار. وقال قتادة: إن الله سبحانه سائل كل ذي نعمة عما أنعم
عليه، وهذا هو الظاهر، ولا وجه لتخصيص النعيم بفرد من الأفراد، أو نوع من الأنواع؛ لأن تعريفه للجنس، أو
الاستغراق، ومجرّد السؤال لا يستلزم تعذيب المسؤول على النعمة التي يُسئل عنها، فقد يسأل الله المؤمن عن
النّعم التي أنعمَ بها عليه فيمَ صرفها، وبم عمل فيها؟ ليعرف تقصيره، وعدم قيامه بما يجب عليه من الشكر،
وقيل: السؤال عن الأمن والصحة، وقيل: عن الصحة والفراغ، وقيل: عن الإدراك بالحواسّ، وقيل: عن ملاذ
المأكول والمشروب، وقيل: عن الغداء والعشاء، وقيل: عن بارد الشراب وظلال المساكن، وقيل: عن اعتدال
الخلق، وقيل: عن لذة النوم، والأولى العموم، كما ذكرنا. والله تعالى أعلم. [تفسير الشوكاني: ٤٨٩/٥].
(١) ابن أبي حاتم (٣٤٦١/١٠) (١٩٤٦٥).
(٢) وهو موضع الرداء من المنكب، ويذكر ويؤنث، كما قال صاحب مختار الصحاح (عتق).