Indexed OCR Text
Pages 101-120
١٠١
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله ◌ِّهِر باب ((وَمِنّ سُورَةٍ (صَ﴾))
عِزَّةِ وَشِقَاقٍ﴾ [ص: ١، ٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِىِ الْمِلَّةِ الْآَخِرَةِ إِنْ هَذَآ إِلَا اخْتِلَقُ﴾
[ص: ٧] [حم: ٢٠٠٩].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحُ.
مشتمل على التذكير والإعذار والإنذار انتهى، وجواب هذا القسم محذوفٌ، أي: ليس الأمر
كما قال كفار مكة من تعدد الآلهة، ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِ عِزَّوَ﴾ أي: حمية وتكبر عن الإيمان،
﴿وَشِقَاقٍ﴾ أي: خلاف وعداوة للنبي بَّه ﴿كم﴾ أي: كثيرًا، ﴿أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّنْ قَرٍّ﴾
أي: أمة من الأمم الماضية، ﴿فَادَوَا﴾ أي: بالتوحيد حين تولّت الدنيا عنهم، وقيل: استغاثوا
عند نزول العذاب وحلول النقمة، ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ أي: ليس الحينُ - حِين فرارٍ، و((لات))
هي: ((لا)) المشبَّهَةُ بـ ((ليس)) زيدت عليها تاء التأنيث، كما زيدت على ((رُبِّ وثُمَّ))؛ للتوكيد
وتغيَّر بذلك حكمها؛ حيث لم تدخل إلا على الأحيان، ولم يبرز إلا أحدُ مقتضييها: إما
الاسم أو الخبر، وامتنع بروزُهُما جميعًا، وهذا مذهبُ الخليل وسيبويه، وعند الأخفش: أنها
((لا)) النافية للجنس زيدت عليها التاء، وخصت بنفي الأحيان، والجملة حالٌ من فاعل
(نادوا)) أي: استغاثوا والحَالُ أن لا مَهْرَبَ لهم ولا منجى، ﴿وَمُواْ أَنْ جَمَهُمْ مُنذِرٌ مِّنْهُمْ﴾ أي:
رسولٌ من أنفسهم ينذرهم ويخوفهم بالنار بعد البعث وهو: النبي ◌َّه ﴿وَقَالَ الْكَفِرُونَ﴾ فيه
أَجَعَلَ الْآَلِمَةَ إِلَهَا وَحِدًّا﴾ أي: أزعم أن
وضع الظاهر موضع المضمر ﴿هَذَا سَحِرٌ كَذَابٌ
المعبود واحدٌ لا إله إلا هو، حيث قال لهم: (قولوا: لا إله إلا الله) ﴿إِنَّ هَذَا لَشَىْء ◌ُجَابٌ﴾
أي: عجيب، ﴿وَأَنْطَلَقَ الْعَلَأُ مِنْهُمْ﴾ أي: من مجلس اجتماعهم عند أبي طالب وسماعِهِمْ من
النبي ◌َّ («قولوا: لا إِله إلا الله))، ﴿أَنْ آَمْشُوا﴾ أي: يقول بعضُهم لبعض: امشوا وامضوا علَى
ما كنتم عليه ولا تدخلوا في دينه، ﴿وَأَصْبِرُواْ عَلَى ءَالِهَتِكُمْ﴾ أي: اثبتوا على عبادتها، ﴿إِنَّ هَذَا
لَشَىْءٌ يُرَادُ﴾ أي: إن هذا الذي يدعونا إليه محمد بّطلهمن التوحيد - لشيء يريد به الشَّرَفَ
عليكم والاستعلاء، وأن يكون له مِنْكُمْ أتباع ولسنا نجيبه إليه؛ ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِىِ الْعِلَّةِ الْآَخِرَةِ إِنْ
هَذَآ إِلَّا أَخِلَقُ﴾ تقدم تفسيره.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه أحمد والنسائي والحاكم، والبيهقي في
((الدلائل)) وابن جرير (١) وابن المنذر.
(١) الحاكم، حديث (٣٦١٧) وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، والبيهقي ((دلائل النبوة))، وابن جرير في
((التفسير)) (١٢٥/٢٣)، وابن أبي حاتم (٣٢٣٥/١٠) (١٨٣٢٦).
١٠٢
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله ◌َّ/ باب ((وَمِن سُورَةٍ ﴿صَ﴾))
وَرَوَى يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَن سُفيَانَ عَنِ الأعْمَشِ: نَحوَ هذَا الحَديثِ، وَقَال
يَحيَى بْنُ عِمَارَةَ: حَدَّثَنَا بُنْدَارٌ، حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ سَعِيدٍ عَن سُفْيَانَ، نَحوَهِ، عَن
الأعْمَشِ.
[ت ٣٩، م٢]
[٣٢٣٣] (٣٢٣٣) حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيْبٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ،
عَن مَعْمَرٍ، عَن أيُّوبَ، عَن أبي قِلَابَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَله :
(أَتَانِي اللَّيْلَةَ رَبِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى في أحْسَنِ صُورَةٍ، قَالَ: أحْسبُهُ في المَنَامِ، فَقَالَ:
يَا مُحَمَّدُ، هَلْ تَدْرِيَ
قوله: (وقال) أي: الأعمش، (يحيى بن عمارة) يحيى بن عمارة هذا هو يحيى بن عَبَّاد
المذكور في الإسناد المتقدِّم؟
[٣٢٣٣] قوله: (أتاني الليلة ربي تبارك وتعالى في أحسن صورة) الظاهر: أن إتيانه تعالى
كان في المنَامِ؛ يدلُّ على ذلك قولُ الراوي: أَحْسِبُهُ فِي المنَامِ، ويدل على ذلك - أيضًا -
حديث معاذ بن جبل الآتي؛ ففيه: ((فَتَعَسْتُ فِي صَلَاتِي، فَاسْتَثْقَلْتُ فَإِذَا أَنَا بِرَبِّي تَبَارَكَ وَتَعَالَى
فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ))(١) قال القاري في ((المرقاة)): إذا كان هذا في المنام - فلا إشكال فيه؛ إذ
الرائي قد يرى غَيْرَ المتشكِّل متشكلًا، والمتشكلَ بغير شَكْلِهِ، ثم لم يُعَدَّ ذلك بخلل في الرؤيا
ولا في خلد الرائي؛ بل له أسباب أخر تذكر في علم المنام، أي: التعبير، ولولا تلك
الأسباب لما افتقرت رؤيا الأنبياء - عليهم السلام - إلى تعبير، وإن كان في اليقظة؛ وعليه
ظاهر ما روى أحمد بن حنبل(٢)؛ فإن فيه: ((فَنَعَسْتُ فِي صَلَاتِي حَتَّى اسْتَيْقَظْتُ فَإِذَا أَنَا بِرَبِّي
عَزَّ وَجَلَّ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ .. )) الحديث، فذهب السلف في أمثال هذا الحديث - إِذَا صَحَّ - أَن
يؤمن بظاهره ولا يفسر بما يفسر به صفاتُ الخلق، بل ينفي عنه الكيفية، ويوكّل علم باطنه
إلى الله تعالى؛ فإنه يُرِي رسوله ما يشاء من وراء أستار الغيب بما لا سبيل لعقولنا إلى
إدراكه، لكن ترك التأويل في هذا الزمان مَظِنَّةُ الفتنة في عقائد الناس، لِفُشُوِّ اعتقادات
الضلال، وإن تأول بما يوافق الشرع على وجه الاحتمال لا القطع، حتى لا يحمل على ما لا
(١) الترمذي، كتاب تفسير القرآن، حديث (٣٢٣٥).
(٢) أحمد، حديث (٢١٦٤).
١٠٣
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَهِ / باب ((وَمِن سُورَةٍ ﴿صَ﴾))
فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلأُ الأَعْلَى؟ قَالَ: قُلْتُ: لا، قَالَ: فَوَضَعَ يَدَهُ بَيْنُّ كَتِفِيَّ حَتَّى وَجَدْتُ
يجوز شرعًا؛ فله وجه، فقوله: ((فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ)) يحتمل أن يكون معناه: رَأَيْتُ رَبِّي حالَ
كوني في أحسن صورة وصفة من غاية إنعامه ولطفه علي، أو: حال كون الرب في أحسن
صورة وصورة الشيء ما يتميز به عن غيره، سواء كان عين ذاته، أو جزأه المميز له عن غيره،
أو صفته المميزة، وكما يطلق ذلك في الجثة يطلق في المعاني، يقال صورةُ المسألة كذا،
وصورةُ الحالِ كذا، فصورته تعالى - والله أعلم - ذاته المخصوصة المنزهة عن مماثلة ما
عداه من الأشياء البالغة إلى أقصى مراتب الكمال، أو: صفته المخصوصة به، أَيْ: كان ربي
أَحْسَنَ إكرامًا ولطفًا من وقت آخر، كذا نقله الطّيبيُّ والتوربشتي. انتهى ما في ((المرقاة)).
قلت: الظاهرُ الراجحُ: أنه كان في المنام، فإن رواية الترمذي الآتية أرجَحُ من رواية
أحمد، قال ابن حجر المكي: والظاهر أن رواية: حَتَّى اسْتَيْقَظْتُ، تَصْحيف، فإن المحفوظ
من رواية أحمد والترمذي: ((حَتَّى اسْتَثْقَلْتُ)) انتهى. وقال الحافظ ابن كثير - بعد نقل هذا
الحديث عن مسند الإمام أحمد -: وهو حديث المنام المشهور: ((وَمَنْ جَعَلَهُ يَقَظَةٌ فَقَدْ غَلِطَ»
انتھی .
وعلى تقدير كون ذلك في اليقظة: فمذهب السلف - في مثل هذا من أحاديث الصفات -
إمراره كما جاء من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل، والإيمان به من غير تأويل له،
والسكوتُ عنه وعن أمثاله؛ مع الاعتقاد بأن الله تعالى ليس كمثله شيء وهو السميع البصير؛
ومذهب السلف هذا هو المتعيِّن، ولا حاجة إلى التأويل.
وأما القول بأن ترك التأويل في هذا الزمان مظنةُ الفتنة في عقائد الناس؛ لِفُشُوِّ اعتقادات
الضلال، فَمِمَّا لا التفات إليه، (فيم) أي: في أي شيء (يختصم) أي: يبحث (المـ
الأعلى؟) أي: الملائكة المقربون، والملأ هم: الأشراف الذين يملؤون المجالس والصدور
عظمة وإجلالاً، ووصفوا بالأعلى: إما لعلو مكانهم، وإما لعلو مكانتهم عند الله تعالى،
واختصامهم:
إما عبارة عن تبادرهم إلى إثبات تلك الأعمال، والصعود بها إلى السماء، وإما عن
تقاولهم في فضلها وشرفها، وإما عن اغتباطهم الناس بتلك الفضائل؛ لاختصاصهم بها
وتفضُّلهم على الملائكة بسببها، مع تهافتهم في الشهوات، وإنما سماه مخاصمةً؛ لأنه ورد
مورد سؤال وجواب، وذلك يشبه المخاصمة والمناظرة؛ فلهذا السبب: حسن إطلاق لفظ
((المخاصمة)) عليه (قال) أي: النبي اَلر، (فوضع) أي: ربي (يده) أي: كفه، (بين كتفيَّ)
١٠٤
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهَِّهِ / باب ((وَمِن سُورَةٍ ﴿صَ﴾))
بَرْدَهَا بَيْنَ ثَدْيَيَّ، أوْ قَالَ: في نَحْرِي، فَعَلِمْتُ مَا فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ،
قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، هَلْ تَدْرِي فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلأُ الأَعْلَى؟ قُلْتُ: نَعَم، قال: في
الكَفَّارَاتِ، والكَفَّارَاتُ: المُكْثُ فِي المَسَاجِدِ بَعْدَ الصَّلاة، والمَشْيُ عَلَى الأَقْدَام
إلى الجَمَاعَاتِ، وإِسْبَاغُ الوُضُوءِ فِي المَكارِهِ، ومَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، عَاشَ بِخَيْرٍ، وَمَاتَ
بِخَيْرِ، وَكَانَ مِن خَطِيئَتِهِ كَيَوْمٍ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ، وقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إذَا صَلَّيْتَ فَقُل: اللَّهِمَّ،
إنِّي أسْأَلُكَ فِعْلَ الخَيْراتِ، وتَرْكَ المُنْكَرَاتِ، وحُبَّ المَسَاكِين، وإذَا أُرَدْتَ بِعِبَادِكَ
فِتْتَةً فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مَفْتُونٍ، قَالَ: والدَّرَجَاتُ: إِفْشَاءُ السَّلَامِ، وَإِطْعَامُ الطَّعَامِ،
بتشديد الياء، وهو: كناية عن تخصيصه إياه بمزيد الفضل عليه، وإيصال الفيض إليه، فإن من
شأن المتلطف بمن يحنو عليه: أن يضع كفه بين كتفيه؛ تنبيهًا علَى أنه يريد بذلك تكريمَهُ
وتأييدَهُ؛ قاله القاري. قلت: قد عرفْتَ مذهب السلف في مثل هذا، وهو المعتمد (بين ثدييَّ)
بالتثنية والإضافة إلى ياء المتكلِّم، أي: قلبي أو صدري، (أو قال: في نحري) شَكٍّ من
الراوي (نعم في الكفارات) أي: يختصمون في الكفارات، (والكفارات) مبتدأ، وخبره
((المكث في المسجد ... )) إلخ، وسميت هذه الخصالُ ((الكفارات))، لأنها تكفر الذنوب عن
فاعلها؛ فهي من باب تسمية الشيء باسم لازمه، (المكث) في ((القاموس)) المَكْثُ - مثلَّثًا،
ويحرك - أي: اللَّبْث، (في المسجد)، وفي بعض النسخ: ((فِي المسَاجِدِ))، (وإسباغ الوضوء)
أي: إكماله (في المكاره) أي: في شدة البرد، (ومن فعل ذلك عاش بخير ومات بخير) ؛
قال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَتُحْبِيَنَّهُ، حَيَوَةً طَيِّبَةٌ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ
أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]، (وكان من خطيئته كيوم ولدته أمه) أي: فيه
بفتح ((يَوْم))؛ قال الطيبي: مبنيٌّ على الفتح؛ لإضافته إلى الماضي، وإذا أضيف إلى المضارع
- اختلف في بنائه؛ أي: كان مبرأ كما كان مبرأ يوم ولدته أمه، (إذا صليت) أي: فرغت من
الصلاة، (فعل الخيرات) بكسر الفاء، وقيل: بفتحها، وقيل: الأول: اسم، والثاني مصدر،
والخيرات: ما عرف من الشرع من الأقوال الحميدة؛ والأفعال السعيدة، (وترك المنكرات)
هي: التي لم تعرف من الشرع من الأقوال القبيحة، والأفعال السيئة، (وإذا أردت بعبادك
فتنة) أي: ضلالة أو عقوبة دنيوية، (فاقبضني) بكسر الموحدة، أي: توفني، (غير مفتون)
أي: غير ضال أو غير معاقب، (قال) أي: النبي وَلِّ (والدرجات) مبتدأ، أي: ما ترفع به
الدرجات، (إفشاء السلام) أي: بذله على من عرفه ومن لم يعرفه، وإنما عدت هذه الأشياء
١٠٥
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَهُوَ/ باب ((وَمِن سُورَةٍ ﴿صَ﴾))
والصَّلَاةُ باللّيْلِ، والنَّاسِ نِيَامٌ)).
قَالَ أبُو عِيْسَى: وقَدْ ذَكَرُوا بَيْنَ أبي قِلابَةَ، وبَيْنَ ابنِ عَبَّاسٍ في هذا الحَدِيثِ
رَجُلًا؛ وقَدْ رَوَاهُ: قَتَادَةُ، عَن أبي قِلَابَةَ، عَن خَالِدِ بْنِ اللّجْلَاجٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
[ت ٣٩، م٣]
٣٢٢] (٣٢٣٤) حَدَّثَنَا محمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي،
عَن قَتَادَةَ، عَن أبي قِلَابَةَ، عَن خَالِدِ بْنِ اللّجْلَاجِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َّـ
قَالَ: ((أَتَانِي رَبِّي فِي أحْسَنِ صُورَةٍ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، قُلْتُ: لَبّيْكَ رَبِّي وَسَعْدَيْكَ،
قَالَ: فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلأُ الأَعْلَى؟ قُلْتُ: رَبِّي لا أدْرِي، فَوَضَعَ يَدَهُ بَيْنَ كَتِفَيَّ،
فَوَجَدْتُ بَرْدَهَا بَيْنَ ثَدْيَيَّ، فَعَلِمْتُ مَا بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، قَالَ: يَا مُحَمَّدُ،
فَقُلْتُ: لَبَيْكَ رَبِّ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلأُّ الأَعْلَى؟ قُلْتُ: في الدَّرَجَاتِ
والكَفَّارَاتِ، وفي نَقْلِ الأَقْدَامِ إلى الجماعَاتِ، وإِسْبَاغِ الوُضُوءِ فِي المَكْرُوهَاتِ،
وانْتِظَارِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلاة، ومَنْ يُحَافِظْ عَلَيْهِنَّ، عَاشَ بِخَيْرٍ وَمَاتَ بِخَيْرٍ، وكَانَ مِن
ذُنُوبِهِ كَيَوْم ولَدَتْهُ أُمُّهُ».
من الدرجات؛ لأنَّها فضل منه على ما وجب عليه؛ فلا جرم: استحق بها فضلًا وهو علو
الدرجات، (والناس نيام) جمع ((نائم))، والجملة حالية.
[٣٢٣٤] قوله: (حدثني أبي) هو: هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، (عن خالد بن
اللجلاج) العامري، ويقال: مولى بني زهرة، كنيته: أبو إبراهيم الحمصي، ويقال:
الدمشقي، صدوق، فقيه، من الثانية.
قوله: (فقلت لبيك) من التلبية، وهي: إجابة المنادي، أي: إجابتي لك يا ربِّ، وهو
مأخوذ من لَبَّ بالمكان وَأَلَبَّ به إذا أقام به وَأَلَبَّ على كَذا، إذا لم يفارقه، ولم يستعملْ إلا
على لفظ التثنية في معنى التكرير، أي: إجابةً بعد إجابة، وهو منصوبٌ على المصدر بعاملٍ
لا يظهر؛ كأنك قلت: أُلِبُّ إِلْبابًا، والتلبية من ((لَبَّيْكَ)) كالتهليل من ((لا إله إلا الله))، (ربي)
بحذف حرف النداء، (وسعديك) أي: ساعدت طاعتك مساعدةً بعد مساعدةٍ، وإسعادًا بعد
إسعادٍ، ولهذا ثُنِّي، وهو من المصادر المنصوبة بفعل لا يظهر في الاستعمال، قال الجرمي:
لم يسمع سَعْدَيْكَ مفردًا، (رب) بحذف حرف النداء وياء الإضافة.
١٠٦
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وََّ / باب ((وَمِن سُورَةٍ ﴿صَ﴾))
قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِن هَذَا الوَجْهِ.
قَالَ: وفي البَابِ: عَن مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وعَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عَائِشٍ، عَن النبيِّ ◌ََّ،
وقد رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ، عَن مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، عَن النبيِّ بَّهُ بِطُولِهِ، وقَالَ: ((إنِّي
نَعَسْتُ فاسْتَثْقَلْتُ نَوماً، فَرَأيْتُ رَبِّي في أحْسَنِ صُورَةٍ، فَقَالَ: فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلأُ
الأَعْلَى)).
[ت ٣٩، م٤]
[٣٢٣٥] (٣٢٣٥) حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هَانِى، أبُو هانِئ
السُّكَّرِيُّ، حَدَّثَنَا جَهْضَمُ بْنُ عَبْدِ الله، عَن يَحْيَى بْنِ أبي كثِيرٍ، عَن زَيْدِ بْنِ سَلامِ،
عَن أبي سَلامِ، عَن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عَائِشِ الحَضْرَمِيِّ؛ أنَّهُ حَدَّثَّهُ عَن مَالِكِ بْنِ يُخَامِرَ
رَضَُّبُهُ قَالَ:
السَّكْسَكِيِّ، عَن مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ
قوله: (هذا حديث حسن غريب)، وأخرجه عبد الرزاق وعبد بن حميد (١) ومحمد بن
نصر في ((كتاب الصلاة)).
قوله: (وفي الباب: عن معاذ بن جبل وعبد الرحمن بن عائش) أما حديث معاذ -
فأخرجه الترمذي بعد هذا، وأما حديث عبد الرحمن بن عائش ـ فأخرجه الدارمي والبغوي
في ((شرح السنة)).
[٣٢٣٥] قوله: (حدثنا محمد بن بشار ... إلخ) لم يقع هذا الحديث في بعض نسخ
الترمذي، (حدثنا معاذ بن هانئ أبو هانئ السكري) القيسي، ويقال: العيشي، ويقال:
اليشكري، ويقال: البهراني، البصري، ثقة، من كبار العاشرة، (حدثنا جهضم بن عبد الله) بن
أبي الطفيل القيسي، مولاهم اليماني، وأصله: من خراسان، صدوق، يكثر من المجاهيل،
من الثامنة، (عن زيد بن سلام) بن أبي سلام ممطور الحبشي، (عن أبي سلّام) بتشديد اللام،
اسمه: ممطور الأسود الحبشي، (عن عبد الرحمن بن عَائِش) بتحتانية ومعجمة، (الحضرمي)
أو السَّكْسَكِيّ، يقال: له صحبة، وقال أبو حاتم من قال في روايته: ((سمعتُ النبي ◌َِّّ)) فقد
أخطأ .
(١) عبد الرزاق في تفسيره (١٦٩/٣)، وعبد بن حميد في مسنده (٦٨٢)، وأبو يعلى (٢٦٠٨).
١٠٧
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَهِ / باب ((وَمِن سُورَةٍ ﴿صَ﴾))
احْتُبِسَ عَنَّا رَسُولُ الله ◌َّهِ ذَات غَدَاةٍ، عن صَلَاة الصُّبْحِ، حَتَّى كِدْنَا نَتَراءِى عَيْنَ
الشَّمْسِ، فخَرَجَ سريعاً فَثَوَّبَ بِالصَّلَاةِ، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِهِ وَتَجَوَّزَ في صَلَاتِهِ،
فَلَمَّا سَلَّمَ، دَعا بِسَوْطِهِ، فَقَالَ لَنَا: ((عَلَى مَصَافِّكُمْ كَمَا أَنْتُمْ)) ثُمَّ انْفَتَلَ إِلَيْنَا، ثُمَّ قَالَ:
((أمَّا إِنِّي سَأُحَدِّثُكُمْ مَا حَبَسَنِي عَنْكُم الغَدَاةَ: إِنِّي قُمْتُ مِنَ اللَّيْلِ، فَتَوَضَّأْتُ وَصَلَّيْتُ
مَا قُدِّرَ لِي، فَنَعَسْتُ فِي صَلَاتِي فَاسْتَثْقَلْتُ، فَإِذَا أنَا بِرَبِّي تَبَارَكَ وَتَعَالى في أحْسَنِ
صُورَةٍ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَبِّ، قَالَ: فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلأُ الأَعْلَى؟ قُلْتُ:
لا أدْرِي ربِّ)) قَالَهَا ثَلَاثاً، قَالَ: ((فَرأيْتُهُ وَضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ كَتِفَيَّ، حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ
أَنَامِلِهِ بَيْنَ ثَدْيَيَّ، فتجَلَّى لِي كُلُّ شَيْءٍ وَعَرَفْتُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَبِّ،
قَالَ: فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلأُ الأعْلَى؟ قُلْتُ: في الكَفّارَاتِ، قَالَ: مَا هُنَّ؟ قُلْتُ: مَشْيُ
الأقْدَامِ إلَى الجَمَاعَاتِ، وَالجُلُوسُ فِي المَسَاجِدِ بَعْدَ الصَّلاة، وإِسْبَاغُ الوُضُوءِ فِي
المَكْرُوهَاتِ، قَالَ: ثم فِيمَ؟ قُلْتُ: إظْعَامُ الطَّعَامِ، وَلِينُ الكَلَامِ، والصَّلَاةُ بِاللَّيْلِ
والنَّاسُ نِيَامٌ، قَالَ: سَلْ، قُل اللَّهمَّ، إنِّي أسْأَلُكَ فَعْلَ الخَيْرَاتِ، وَتَرْكَ المُنْكَرَاتِ،
وَحُبَّ المَسَاكِينِ، وأنْ تَغْفِرَ لِي وتَرْحَمَنِي، وَإِذَا أَرَدْتَ فِتْتَةً قَوْمٍ فَتَوَفّنِي غَيْرَ مَفْتُونٍ،
قوله: (احتبس) بصيغة المعلوم، وروي مجهولًا، (ذات غداة) لفظ ((ذات)) مقحمة، أي:
غداةً، (من صلاة الصبح) كذا في النسخ الموجودة وفي رواية أحمد، وفي ((المشكاة)) عَنْ
صَلَاةِ الصُّبْحِ، بلفظ ((عن))، قال القاري بدل اشتمال بإعادة الجارِّ، (حتى كدنا) أي: قاربنا،
(نتراءى) أي: نرى، وعدل عنه إلى ذلك، لما فيه من كثرة الاعتناء بالفعل، وسَبَبُ تلك
الكثرة خَوْفُ طلوعها المفوِّت لأداء الصبح، (فخرج سريعًا) أي: مسرعًا أو خروجًا سريعًا،
(فثوب بالصلاة) من التثويب، أي: أقيم بها، (وتجوز في صلاته) أي: خفف فيها، واقتصر
على خلاف عادته، (دعا) أي: نادى، (على مَصَافِّكم) أي: أثبتوا عليها جمع ((مَصَفٍّ)) وهو:
موضع الصف، (كما أنتم) أي: على ما أنتم عليه، أو ثبوتًا مثلَ الثبوتِ الذي أنتم عليه قبل
النداء من غير تغييرٍ وتقديمٍ وتأخيرٍ، (ثم انفتل إلينا) أي: توجه إلينا، وأقبل علينا، (أَمَا)
بالتخفيف للتنبيه، (ما حبسني) ((ما)): موصولة، (فَتَعَسْتُ) من النُّعَاسِ، وهو: النوم الخفيف،
من باب (نَصَرَ)) و((فَتَح)) (فاستثقلت) بصيغة المعلوم أو المجهول، أي: غلب عليَّ النعاس
(فإذا) للمفاجأة، (قالها ثلاثًا) أي: قال الله تعالى هذه المقولة ثلاثًا، (فتجلى لي) أي: ظهر
١٠٨
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِّ / باب ((وَمِن سُورَةٍ ﴿صَ﴾))
وأسْأَلُكَ حُبَّكَ وَحُبَّ مَن يُحِبُّكَ، وحُبَّ عَمَلِ يُقَرِّبُ إلَى حُبِّكَ))، قَالَ رَسُولُ الله
وَةِ: ((إنَّهَا حَقٌّ، فادْرُسُوهَا، ثُمَّ تَعَلَّمُوهَا)). [حم: ٢١٦٠٤].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ، سَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْماعِيلَ عَن هَذا
الحَدِيثِ، فَقَالَ: هَذَا حَدِيث صَحيحٌ، وَقَالَ: هَذَا أصَحُّ مِن حَدِيثِ الوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمِ،
عَن عَبْدِ الرَّحمنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ اللَّجْلَاجِ، حَدَّثَنِي
عَبْدُ الرَّحمنِ بْنُ عَائِشِ الحَضْرَمِيُّ، قَالَ: سمعت رَسُولَ الله ◌َّهِ فَذَكَرَ الحَديثَ،
وَهَذَا غَيْرُ مَحْفُوظِ، هَكَذَا ذَكَرَ الوَلِيدُ فِي حَدِيثِهِ، عَن عَبْدِ الرَّحمنِ بْنِ عَائِشٍ، قَالَ:
سَمِعْتُ رَسُولَ الله ◌َّةَ، وَرَوَى بِشْرُ بْنُ بَكْرٍ، عَن عَبْدِ الرَّحمنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، هَذَا
الحَدِيثَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، عَن عَبْدِ الرَّحمنِ بْنِ عَائِشٍ، عَن النبيِّ نََّ، وَهَذَا أَصَحُ،
وَعَبْدُ الرَحْمنِ بْنُ عَائِش، لَمْ يَسْمَعْ مِن النبيِّ وَّر .
وانكشف لي، (وأسألك حبك) قال الطَّيبي: يحتملُ أن يكون معناه: أَسْأَلُكَ حبك إياي أو
حُبِّي إياك؛ وعلى هذا: يحمل قوله: ((وحب من يحبك))، (إنها) أي: هذه الرؤيا، (حق) إذ
رؤيا الأنبياء وحي، (فادرسوها) أي: فاحفظوا ألفاظها التي ذكرتها لكم في ضمنها، أو: أن
هذه الروايات (حق فادرسوها) أي: اقرؤوها (ثم تعلموها) أي: معانيها الدالَّة هي عليها؛
قال الطيبي: أي لتعلموها فحذف اللام.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه أحمد والطبراني والحاكم(١) ومحمد بن
نصر في ((كتاب الصلاة)) وابن مردويه.
قوله: (وهذا غير محفوظ) أي: كونه من مسند عبد الرحمن بن عايش غير محفوظ،
والمحفوظ: عن عبد الرحمن بن عايش، عن مالك بن يخامر، عن معاذ بن جبل، (وروى
بِشْر) بكسر الموحدة وسكون المعجمة (ابن بكر) التِّنِّيسيُّ الْبَجَلِيُّ، دمشقي الأصل، ثقة،
يغرب، من التاسعة، (عن عبد الرحمن بن عائش، عن النبي (َّ) أي: بغير لفظ ((سمعت))،
(وعبد الرحمن بن عائش لم يسمع من النبي ◌ِّ)، قال في ((تهذيب التهذيب)) في ترجمته وقع
عند أبي القاسم البغوي في إسناد حديثه للتصريح بسماعه من النبي وَّر ولكن قال ابن خُزَيْمَة:
(١) البخاري في ((التاريخ الكبير)) (٣٥٩/٧) (١٥٥٤)، والطبراني في «الكبير)) (١٠٩/٢٠) (٢١٦)، والحاكم
مختصرًا، حديث (٧١٧٣).
١٠٩
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِنَّهِ / باب ((وَمِن سُورَةِ الزُّمَرِ))
٤٠- باب ((وَمِن سُورَةِ الزُّمَرِ) [ت ٤٠، م١]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَةِ
[٣٢٣٦] (٣٢٣٦) حَدَّثَنَا ابنُ أبي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَن مُحمَّدٍ بْنِ عَمْرِو بْنِ
عَلْقَمَةَ، عَن يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحمنِ بْنِ حَاطِبٍ، عَن عَبْدِ الله بْنِ الزُّبَيْرِ، عَن أبِيهِ،
قَالَ: لمّا نَزَلَتْ: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَّخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: ٣١] قَالَ الزُّبَيْرُ:
يَا رَسُولَ الله،
قول الوليد بن مسلم في هذا الإسناد: ((عن عبد الرحمن بن عائش سَمِعْتُ النبي ◌َِّ)) وَهمٌ؛
لأن عبد الرحمن لم يسمع من النبي مَثّر .
تنبيه: اعلم أن الترمذي أورد حديث ابن عباس وحديثَ معاذ بن جبل المذكورَيْنِ - هاهنا
- في تفسير قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِىَ مِنْ عِلٍّ بِلْعَلَا الْأَعْلَى إِذْ يَخْصِمُونَ﴾؛ لكن الاختصام المذكور في
هذه الآية غير الاختصام المذكور في الحديثين المذكورين، قال ابن كثير: وليس هذا
الاختصام، ((يعني: المذكور في حديث معاذ بن جبل وحديث ابن عباس)) - هو: الاختصامَ
المذكورَ في القرآن؛ فإن هذا قد فسر، وأما الاختصام الذي في القرآن - فقد فُسِّرَ بعد هذا،
وهو قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَبِكَةِ إِنِّ خَلِّقٌ بَشَرًا مِّنِ طِينٍ﴾ إلخ.
٤٠ - بَاب وَمِنْ سُورَةِ الزُّمَرِ
مَكِّيَّةٌ إلَّا: ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا نَقْنَعُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُبَ
جَميعًاْ إِنَُّ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ الآية؛ فَمَدِنِيَّةٌ، وَهِيَ خَمْسٌ وَسَبْعُونَ آيَةً.
[٣٢٣٦] قوله: (عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب) كنيته: أبو محمد، أو أبو بكر،
المدني، ثقة، من الثالثة.
قوله: (﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ﴾ [الزمر: ٣١]) أيها الناس فيما بينكم من المظالم (﴿يَوْمَ الْقِيَمَةِ عِنْدَ
رَتَكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: ٣١])، قبله ﴿إِنَّكَ مَيْتُ وَإِنَّهُم ◌َّيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠]؛ قال الحافظ ابن كثير
في ((تفسيره)) معنى هذه الآية: إنكم ستنقلون من هذه الدار لا محالة، وستجتمعون عند الله
تعالى في الدار الآخرة، وتختصمون فيما أنتم فيه في الدنيا من التوحيد والشرك بين يدي الله
عزَّ وجلَّ، فيفصل بينكم ويفتح بالحق، وهو الفتاح العليم، فينجي المؤمنين المخلصين
الموحّدين، ويعذب الكافرين الجاحدين المشركين المكذبين، ثم إن هذه الآية - وإن كان
١١٠
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله ◌َِّ / باب ((وَمِن سُورَةِ الزُّمَرِ))
أتْكَرَّرُ عَلَيْنَا الخُصُومَةُ بَعْدَ الَّذِي كَانَ بَيْنَنَا فِي الدُّنْيَا؟ قَالَ: ((نَعَم))، فَقَالَ: إِنَّ الأمْرَ
إذاً لَشَدِيدٌ. [حم: ١٤٠٨].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
[ت ٤٠، م٢]
[٣٢٣٧] (٣٢٣٧) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْد، حَدَّثَنَا حَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ، وسُلَيْمَانُ بْنُ
حَرْبٍ، وحَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَن ثابِتٍ، عَن شَهْرِ بْنِ
حَوْشَبٍ، عَن أسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ، قَالَت: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَهِ يَقْرَأُ: ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ
سياقها في المؤمنين والكافرين، وذكر الخصومة بينهم في الدار الآخرة - فإنها شاملة لكل
متنازعَيْنِ في الدنيا؛ فإنه تعاد عليهم الخصومة في الدار الآخرة.
قلت: الأمر كما قال ابن كثير؛ ويؤيِّده حديث الزبير هذا وأحاديث أخرَى ذكرها ابن
کثیر، والله تعالى أعلم.
وقيل: يعني المُحِقّ والمبطل، وقيل: تُخَاصِمُهُمْ - يا محمد - وتحتج عليهم بأنك بلغتهم
وأنذرتهم وهم يخاصمونك، أو: يخاصم المؤمنُ الكافرَ والظالمُ المظلومَ، (أَنكَرَّر) بصيغة
المضارع المجهول من ((التكرير))، (علينا الخصومة) أي: يوم القيامة عند ربنا.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه أحمد وابن ماجه وابن أبي حاتم(١).
[٣٢٣٧] قوله: (عن ثابت) هو: ابن أسلم البُنَانِيُّ (﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىَّ أَنْفُسِهِمْ﴾
[الزمر: ٥٣]) أي: أفرطوا عليها وتجاوزوا الحد في كل فعل مذموم (﴿لَا نَقْنَطُواْ﴾ [الزمر: ٥٣])
بفتح النون وبكسرها، أي: لا تَيْتَسُوا (﴿مِن رَّحْمَةِ الَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣]) أي: من مغفرته (﴿إِنَّ اللَّهَ
يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣]) قال الحافظ ابن كثير: هذه الآيةُ الكريمةُ دعوةٌ لجميع العصاة
من الكفرة وغيرهمْ، إلى التوبة والإنابة، وإخبارٌ بأن الله تبارك وتعالَى يغفر الذنوب جميعًا لمن
تابَ منها ورجَعَ عنها، وإن كانَتْ مهما كانت، وإن كثرت وكانت مثلَ زَبَدِ البحر، ولا يصحُ
حَمْلُ هذه على غير توبة؛ لأن الشرك لا يغفر لمن لم يتب منه، ثم ذكر حديث ابن عباس
- صَا -: أن نَاسًا مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ كَانُوا قَدْ قَتَلُوا فَأَكْثَرُوا، وزَنُوا فَأَكْثَرُوا فَأَتَوْا مُحَمَّدًا وَِ،
(١) ابن ماجه، كتاب الزهد، حديث (٤١٥٨)، وابن أبي حاتم (٣٢٥٠/١٠) (١٨٣٨٥).
١١١
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله ◌َّهِ / باب ((وَمِن سُورَةِ الزُّمَرِ))
الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىَ أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَعُواْ مِن رَّحْمَةِ اَللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣]
ج
ولا يُبَالِي. [في إسناده شهر بن حوشب، كثير الإرسال والأوهام حم: ٢٧٠٢٢].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِن حَدِيث ثابِتٍ، عَن
شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، قَالَ: وشهر بْنُ حَوشَبٍ يَروِي عَنْ أُمِّ سَلمةَ الأنصَارِيَّةِ، وَأُمِّ سَلَمَةَ
الأَنْصَارِيَّةُ: هِيَ أَسمَاءُ بِنتُ يَزِيدَ.
فَقَالُوا: إِنَّ الَّذِي تَقُولُ وَتَدْعُو إِلَيْهِ لَحَسَنٌ، لَوْ تُخْبِرُنَا أَنَّ لِمَا عَمِلْنَا كَفَّارَةً، فَنَزَلَ: ﴿وَالَّذِينَ لَا
يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اَللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٦٨]،
ونزل: ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا نَقْنَعُواْ مِن رَّحْمَةِ الَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣]؛ أخرجه البخاري
ومسلم وأبو داود والنسائي، ثم قال بعد ذكر أحاديث أخرى ما لفظه: فهذه الأحاديث كلُّها
دالَّة على أن المراد؛ أنه يغفر جميع ذلك مع التوبة، ولا يقنطن عبدٌ من رحمة الله، وإن عَظُمَتْ
ذنوبه وكثرت؛ فإن باب الرحمة والتوبة واسعٌ. انتهى، وقال صاحب ((فتح البيان)) نقلًا عن
القاضي الشوكاني: والحقُّ أن الآية غير مقيدة بالتوبة، بل هي على إطلاقها، قال: والجمع
بين هذه الآية وَبَيْنَ قوله تعالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِّرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءٌ﴾
[النساء: ١١٦] هو: أن كل ذنب كائنًا ما كان - ما عدا الشرك بالله - مغفورٌ لمن شاء الله أن يغفر
له، عَلَى أنه يمكن أن يقال: إن إخباره لنا بأنه يغفر الذنوب جميعًا يدل عنَى أنه يشاء غفرانَهَا
جميعًا، وذلك يستلزم أنه يشاء المغفرة لكل المذنبين من المسلمين؛ فلم يبق بين الآيتين
تعارض من هذه الحيثية. انتهى، قلت: كُلٌّ محتملٌ، وما قال ابن كثير هو الظاهرُ عندي، والله
تعالى أعلم، (ولا يبالي) أي: من أحد؛ فإنه لا يجبُ على الله، وفي رواية أحمد: سَمِعْتُهُ وَيه
يَقُولُ: ((يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنُطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ، إِنَّ الله يَغْفِرُ الذّنُوبَ
جَمِيعًا وَلَا يُبَالِي، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ))، والظاهر - من هاتين الروايتين -: أن قوله: (ولا
يبالي)) كان من القرآن، ولذا قال صاحب ((المدارك)) تحت هذه الآية: وفي قراءة النبي - عليه
السلام -: ((يَغْفِرُ الذّنُوبَ جَميعًا وَلَا يُبَالِي))، وقال القاري: وهو يحتملُ أنه كان من الآية
فنسخ، ويحتمل أن يكون زيادةً من عنده - عليه الصلاة والسلام - كالتفسير للآية.
قوله: (هذا حديث حسن غريب)، وأخرجه أحمد وابن المنذر والحاكم(١)، (لا نعرفه إلا
من حديث ثابت، عن شهر بن حوشب)، وشَهْرٌ هذا: صدوقٌ، كثير الإرسالِ والأوهام.
(١) الحاكم، حديث (٢٩٨٢) وقال: غريب عال ولم أذكر في كتابي هذا عن شهر غير هذا الحديث الواحد، وقال
الذهبي: غريب.
١١٢
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله ◌ِ / باب ((وَمِن سُورَةِ الزُّمَرِ))
[ت ٤٠، م٣]
[٣٢٣٨] (٣٢٣٨) حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ بشار، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ،
حَدَّثَنِي مَنْصُورٌ، وَسُلَيْمَانُ الأعمَشُ، عَن إِبْرَاهِيمَ، عَن عُبَيْدَةَ، عَن عَبْدِ اللهِ، قَالَ:
جَاءَ يَهُودِيٌّ إلى النَّبِيِّ بَّهِفَقَالَ: يَا مُحمَّدُ، إِنَّ الله يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ عَلَى إصبعِ،
والأَرَضِيْن عَلَى إصبع، والجِبَالَ عَلَى إِصْبعٍ، وَالخَلائِقَ عَلَى إصبعٍ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا
المَلِكُ! قَالَ: فَضَحِكَ النبيُّ وَلَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، قَالَ: ((﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ
قَدْرِهِ﴾ [الزمر: ٦٧])). [خ: ٤٨١١، م: ٢٧٨٦، حم: ٣٥٧٩].
[٣٢٣٨] قوله: (عن إبراهيم) هو: النخعي (عن عَبِيدَةَ) بفتح العين وكسر الموحدة، ابْنُ
عَمْرٍو السَّلمانِيُّ (عن عبد الله) هو: ابن مسعود.
قوله: (جاء يهودي) وفي رواية للشيخين: ((جَاءَ حَبْرٌ)) (إن الله يمسك السموات) أي: يوم
القيامة؛ كما في رواية، (والخلائق) أي: مَنْ لم يتقدَّم له ذكر، وفي رواية: ((وَسَائِرَ الخَلْقِ))
(حتى بدت نواجذه) جمع ((ناجذ)) بنون وجيم مكسورة ثم ذال معجمة، وهو: ما يظهر عند
الضحك من الأسنان، وقيل: هي الأنياب، وقيل: الأضراس، وقيل: الدواخل من
الأضراس التي في أقصى الحلق، وفي الرواية الآتية: ((فَضَحِك النَّبِيُّ ◌ِ تَعَجُّبًا وَتَصْدِيقًا))،
وفي رواية للبخاري ((فَضَحِك رَسُولُ الله ◌ِتَعَجُّبَا وَتَصْدِيقًا نَّهُ)) وفي رواية مسلم: ((تعجبًا ممّا
قال الحَبْرُ تصديقًا له)) وفي رواية جرير عنده: ((وتصديقًا له)) بزيادة واو، قال النووي: ظاهرُ
الحديثِ: أن النَّبِيَّ وَِّصدَّق الحبر في قوله: إنَّ الله تعالى يَقْبضُ السَّمَوَاتِ وَالأَرضِينَ
وَالمَخْلُوقَاتِ بِالأَصَابع))، ثم قرأ الآية التي فيها الإشارةُ إلَى نحو ما يقول، قال القاضي:
وقال بعضُ المتكلِّمين ليس ضَحِكُهُ وَّهِ وتعجّبه وتلاوتُهُ الآيةَ تصديقًا للحَبْرِ، بل هو رَدٌّ لقوله
وإنكارٌ وتعجّب من سوء اعتقاده؛ فإن مذهب اليهود التجسيمُ، ففهم منه ذلك، وقوله:
(تَصْدِيقًا لَهُ)) إِنَّمَا هو من كلام الراوي؛ على ما فهم، والأولُ أَظهَرُ. انتهى.
وقال التميمي: تكلّف الخَطَّابِيُّ فيه وَأَتَى في معناه ما لم يأت به السلفُ، والصحابةُ كانوا
أعلَمَ بِمَا رَووهُ، وقالوا: إنه ضحك؛ تصديقًا له، وثَبَتَ في السنة الصحيحة: ((مَا مِنْ قَلْبٍ إلَّا
وَهُوَ بَيْنَ أُصْبعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمنِ)) انتهى.
وقد اشتد إنكار ابن خزيمة على من ادعى أن الضحك المذكور كان على سبيل الإنكار
١١٣
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله ◌ِ / باب ((وَمِن سُورَةِ الزُّمَرِ))
قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
[٣٢٣٩] (٣٢٣٩) حَدَّثَنَا بندار، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ
عِيَاضٍ، عَن مَنْصُورٍ، عَن إِبْرَاهِيمَ، عَن عُبَيْدَةَ، عَن عَبْدِ الله، قَالَ: فَضَحِكَ النبيُّ
وَّ تَعَجُّباً وتَصْدِيقاً.
قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
فقال - بعد أن أورد هذا الحديث في ((كتاب التوحيد)) من ((صحيحه)) بطريقِهِ: قد أَجَلَّ الله
تَعَالَى نبيَّه وَلَمِ عن أن يُوصَفَ ربُّه بحضرته بما لَيْسَ هو من صفاته، فيجعل بدل الإنكار
والغضب على الواصف ضحكًا، بل لا يوصف النبي بهذا الوصف من يؤمن بنبوته. انتهى.
قلت: قول من قال: إن الضحِكَ المذكورَ كان على سبيل الإنكار لا شك - عندي -: أنه
يستأهل أن يُنْكَرَ عليه أَشَدَّ الإنكار، والله تعالى أعلم. (قَالَ) وفي رواية البخاري في التيسير:
(ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ الله ◌ِ ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِةٍ﴾ [الزمر: ٦٧])) أي: ما عرفوه حق معرفته، أو:
ما عظموه حق عظمته حين أشركوا به غيره، قال النووي: هذا الحديثُ من أحاديثٍ
الصفاتِ، وفيها مذهبان: التأويلُ، والإمساكُ عنه مع الإيمان بها، مع اعتقاد أن الظاهر منها
غير مراد؛ فعلَى قول المتأولين: يتأولون الأصابع - هنا - على الاقتدار، أي: خلقها من
عظمها بلا تعب ولا ملل، والناس يذكرون الإصبع في مثل هذا للمبالغة والاحتقار، فيقول
أحدهم: بإصْبَعِي أَقْتُلُ زَيْدًا، أي لا كلفة علَيَّ في قتله، وقيل: يحتملُ أن المراد أصابعُ بَعْضٍ
مخلوقاته، وهذا غير ممتنع، والمقصود: أن يد الجارحة مستحيلةٌ. انتهى.
قلت: الإمساك عن التأويل وإمرارُ هذه الأحاديث كما جاءت من غير تكييف ولا تحريف
- هو: مذهب السلف، قال القاري في ((المرقاة)): هو أسلَمُ، قلت: بل هو المتعيّن، والله
تعالى أعلم.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه أحمد والشيخان، وصحَّحه النسائي (١) في
((التفسير)).
[٣٢٣٩].
(١) النسائي في ((الكبرى)) حديث (٧٧٣٦).
١١٤
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله وَِّ / باب ((وَمِن سُورَةِ الزُّمَرِ))
[ت ٤٠، م٤]
[٣٢٤٠] (٣٢٤٠) حَدَّثَنَا عبدُ الله بْنُ عَبْدِ الرَّحمنِ، أخْبَرَنَا مُحمَّدُ بْنُ الصَّلْتِ،
حَدَّثَنَا أبُو كُدَيْنَةَ، عَنِ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَن أبي الضُّحَى، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: مَرَّ
يَهُودِيُّ بِالنبيِّ ◌ََّ فَقَالَ لَهُ النبيُّ وَّ: (يا يَهُودِيُّ، حَدِّثْنَا)) فَقَالَ: كَيْفَ تَقُولُ
يَا أبَا القَاسِم، إذَا وضَعَ الله السَّمواتِ عَلَى ذِهِ، وَالأَرْضَ عَلَى ذِهِ، والمَاءَ عَلَى ذِهِ،
وَالجِبَالَ عَلَّى ذِهِ، وَسَائِرَ الخَلْقِ عَلَى ذِهِ، وَأَشَارَ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّلْتِ
بِخِنْصَرِهِ أوَّلًا، ثُمَّ تَابَعَ حَتَّى بَلَغَ الإِبْهَامَ، فَأَنْزَلَ الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقّ
قَدْرِهِةِ﴾ [الزمر: ٦٧]. [عطاء بن السائب، اختلط حم: ٢٢٦٧].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غريبٌ صحيحٌ، لَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ ابنِ
عَبَّاسِ، إلَّا مِن هَذَا الوَجْهِ، وَأَبُو كُدَيْنَةَ اسْمُهُ: يَحْيَى بْنُ المُهَلّبِ، قَالَ: رَأيْتُ
مُحَمَّدَ بْنَ إسماعِيلَ رَوَى هَذَا الحَدِيثَ، عَنِ الحَسَنِ بْنِ شُجَاعٍ، عَن مُحمَّدِ بْنِ
الصَّلْتِ.
[٣٢٤٠] قوله: (أخبرنا محمد بن الصلت) بن الحجاج الأسدي، أبو جعفر الكوفي،
الأصم، ثقة، من كبار العاشرة أخبرنا (أبو كُدَيْنَة) بكاف ودال مهملة ونون مصغّرًا اسمه:
يحيى بن المهلَّب البَجَلِيّ الكوفي، صدوق، من السابعة، (عن أبي الضحى) اسمه: مسلم بن
صُبَيْحٍ بالتصغير.
قوله: (إذا وضع الله السماوات على ذه) وفي رواية أحمد: ((يَوْمَ يَجْعَلُ الله سُبْحَانَهُ
وَتَعَالَى السَّمَاءَ عَلَى ذِه)) وأشار بالسبابة، (وأشار أبو جعفر محمد بن الصلت بخنصره(١)
أولًا، ثم تابع حتى بلغ الإبهام)، قال الحافظ في ((الفتح)» بعد نقل رواية الترمذي هذه إلى
هذه الزيادة ما لفظه: ووقع في مرسَلِ مسروقٍ عند الهرويِّ مرفوعًا نحو هذه الزيادة.
قوله: (هذا حديث حسن غريب صحيح)، وأخرجه أحمد.
قوله: (عن الحسن بن شجاع) بن رجاء البلخيّ، كنيته، أبو عَلِيٍّ، أحدُ الحفاظ، من
الحادية عشرة.
(١) الخِنْصِر، بكسر الصاد وفتحها: الإصبع الصغرى، أو الوسطى، كما في المحيط (خنصر).
١١٥
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ / باب ((وَمِن سُورَةِ الزُّمَرِ))
[ت ٤٠، م٥]
[٣٢٤١] (٣٢٤١) حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ المُبَارَكِ، عَن
عَنْبَسَةَ بْنِ سَعِيدٍ، عَن حَبيبٍ بْنِ أبِي عَمْرَةَ عَن مُجَاهِدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاس: أتَدْرِي
مَا سَعَةُ جَهَنّمَ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: أَجَلْ، وَالله مَا تَدْرِي، حَدّثَتْنِي عَائِشَةُ، أنّهَا سَأَلَتْ
رَسُولَ اللهِّهِ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَالسَّمَوَتُ مَطْوِنَّتٌ
بِيَمِينِهِ،﴾ [الزمر: ٦٧] قَالَ: قُلْتُ: فَأَيْنَ النَّاسُ يَوْمَئِذٍ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: ((عَلَى جِسْرِ
جَهَنَّمَ)). وَفِي الحَدِيثِ قِصَّةٌ.
قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ، غرِيبٌ مِن هَذَا الوَجْهِ.
[ت ٤٠، م٦]
[٣٢٤٢] (٣٢٤٢) حَدَّثَنَا ابْنُ أبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَن دَاوُدَ بْنِ أبِي هِنْدٍ،
[٣٢٤١] قوله: (عن عنبسة بن سعيد) بن الضُّرَيْسِ بضاد معجمة مصغرًا الأسدي،
أبي بكر، الكوفي، قاضي الري، ثقة، من الثامنة.
قوله: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٦٧] حالٌ، أي: السبع، ﴿قَبْضَتُهُ﴾ [الزمر: ٦٧] أي:
مقبوضته وفي ملكه وتصرُّفه يتصرف فيه كيف يشاء، ﴿يَوْمَ اٌلْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَتُ مَطْوِنَّاتٌ﴾ [الزمر:
٦٧] أي: مجموعات، ﴿بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] وبعده: ﴿سُبْحَنَهُ، وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:
٦٧] أي: بنسبة الولد والشريك إليه، (قال: على جسر جهنم)، وقد روى الترمذي(١) في
((تفسير سورة إبراهيم)) من طريق مسروق: قال: تلت عائشةُ هذه الآية ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ
اَلْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ٤٨] قَالَتْ: ((يَا رَسُولَ الله، فَأَيْنَ يَكُون النَّاسُ؟ قَالَ: ((عَلَى الصِّرَاطِ»، ووقع
في حديث ثوبان عند مسلم (٢): ((يَكُونُونَ في الظّلمةِ دُونَ الجِسْرِ))، وقد تقدم هناك وجه
الجَمْعِ، (وفي الحديث قصة) لم أقفْ على من أخرج هذا الحديث مع القصة.
قوله: (هذا الحديث حسن صحيح غريب)، أخرجه أحمد وابن جرير(٣).
(١) الترمذي، كتاب تفسير القرآن، حديث (٣١٢١).
(٢) مسلم، كتاب الحيض، حديث (٣١٥).
(٣) ابن جرير في ((التفسير)) (٢٨/٢٤).
١١٦
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِِّ / باب ((وَمِن سُورَةِ الزُّمَرِ))
عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَن مَسْرُوقٍ، عَن عَائِشَةَ؛ أنَّهَا قَالَت: يَا رَسُولَ الله: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا
قَبْضَتُُّ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَالسَّمَوَتُ مَطْوِيَّتْ بِيَمِينِهِ ﴾ [الزمر: ٦٧] فَأَيْنَ المُؤْمِنُونَ يَوْمَئِذٍ؟
قَالَ: ((عَلَى الصِّرَاطِ يَا عَائِشَةُ!)). [م: ٢٧٩١، جه: ٤٢٧٩، حم: ٢٣٥٤٩، مي: ٢٨٠٩].
هذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
[ت ٤٠، م٧]
[٣٢٤٣] (٣٢٤٣) حَدَّثَنَا ابنُ أبي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سفيانُ، عَن مُطَرِّفٍ، عَن عَطِيَّةَ
العَوْفِيِّ، عَن أبي سَعيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((كَيْفَ أنْعَمُ، وَقَدِ التَّقَمَ
صَاحِبُ القَرْنِ، القَرْنَ، وَحَتَى جَبْهَتَهُ، وَأَصْغَى سَمْعَهُ، يَنْتَظِرُ أنْ يُؤْمَرَ أنْ يَنْفُخَ
فَيَنْفُخَ!)) قَالَ المُسْلِمُونَ: فَكَيْفَ نَقُولُ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: ((قُولُوا: حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ
الوَكِيلُ، تَوَّلْنَا عَلَى الله رَبِّنَا))، وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ: ((عَلَى الله تَوَكَّلْنَا)). [حم: ١٠٦٥٥].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ؛ وَقَد رَوَاهُ الأعمَشُ - أيضاً - عَنْ عَطِيَّةَ، عَن
أَبِي سَعيدٍ.
[ت ٤٠، م٨]
٣٢] (٣٢٤٤) حَدَّثَنَا أحْمَدُ بْنُ مَنِيع، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ
التَّيْمِيُّ، عَن أسْلَمَ العِجْلِيِّ، عَن بِشْرِ بْنِ شَغَافٍ، عَن عَبْدِ الله بْنِ عَمْرِوَّا قَالَ: قَالَ
أعْرَابِيٌّ: يَا رَسُولَ الله، مَا الصُّورُ؟ قَالَ: ((قَرْنٌ يُنْفَخُ فِيهِ)). [د: ٤٧٤٢، حم: ٦٤٧١، مي: ٢٧٩٨].
[٣٢٤٣] قوله: (عن مطرف) هو: ابن طريف.
قوله: (قال رسول الله وَله: كيف أنعم) أي: أفرح وأتنعم، (وحنى جبهته) أي: أمالها،
وهو: كناية عن المبالغة في التوجه لإصغاء السمع وإلقاء الأذن، (وأصغى سمعه) أي: أمال
أذنه ليسمع أمر الله وإذنه بالنفخ، وقد تقدَّم هذا الحديث مع شرحه في ((باب الصور)) من
أبواب صفة القيامة.
[٣٢٤٤] قوله: (حدثنا إسماعيل بن إبراهيم) هو: ابن علية.
قوله: (قال أعرابي: يا رسول الله، ما الصور .... إلخ) قد تقدَّم هذا الحديث - أيضًا -
١١٧
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِّهِ / باب ((وَمِن سُورَةِ الزُّمَرِ))
قَالَ: هذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ؛ إنّمَا نَعْرِفُهُ مِن حَدِيثٍ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ.
[ت ٤٠، م٩]
[٣٢٤٥] (٣٢٤٥) حَدَّثَنَا أبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ
عَمْرٍو، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ يَهُودِيُّ بِسُوقِ المَدِينَةِ: لا
وَالّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى البَشَرِ، قَالَ: فَرَفَعَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ يَدَهُ فَصَكَّ بِهَا
وَجْهَهُ، قَالَ: تَقُولُ هذَا، وَفِيْنَا نَبِيُّ الله ◌َّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهَِّهُ: ((﴿وَنُفِخَ فِى الضُّورِ
فَصَعِقَ مَن فِ السَّمَوَتِ وَمَنْ فِ اُلْأَرْضِ إِلَّا مَن شَآءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُغْرَى
مع شرحه في الباب المذكور، وأورد الترمذي هذا الحديث، والذي قبله ــ هاهنا - في تفسير
قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِ السَّمَوَتِ وَمَنْ فِ اَلْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨]
إلخ.
[٣٢٤٥] قوله: (حدثنا محمد بن عمرو) بن علقمة بن وقاص الليثي، (حدثنا أبو سلمة)
هو: ابن عبد الرحمن.
قوله: (قال يهودي بسوق المدينة: لا والذي اصطفى موسى على البشر) وفي رواية
للبخاري وكذا لمسلم: ((بَيْنَمَا يَهُودِيٌّ يَعْرِضُ سِلْعَتَهُ أُعْطِيَ بِهَا شَيْئًا كَرِهَهُ فَقَالَ: لَا وَالَّذِي
اصْطَفَى مُوسَى عَلَى البَشَرِ))، وفي رواية لهما: ((اسْتَبَّ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ وَرَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ،
فَقَالَ المُسْلِمُ، وَالَّذِي اصْطَفَى مُحَمَّدًا عَلَى العَالَمِينَ فِي قَسَمِ يُقْسِمُ بِهِ»، فقال اليهودي:
وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى الْعَالَمِينَ. (فصك بها وجهه) أي: لطم وجه اليهودي، قال
الحافظ: وإنما صنع ذلك؛ لما فهمه من عموم لفظ ((العالمين))، فدخل فيه محمد ◌ّله، وقد
تقرَّر عند المُسْلِم أن محمَّدًا أفضلُ، وقد جاء ذلك مبينًا في حديث أبي سعيد أن الضارب قال
لليهودي حين قال ذلك: ((أي خبث على محمد)) فدل على أنه لطم اليهوديَّ؛ عقوبة له على
كذبه عنده (فقال رسول الله وََّ) وفي رواية البخاري ومسلم: ((فَذَهَبَ اليَهُودِيُّ إِلَى رَسُولِ الله
وَلَه، فقال: يَا أَبَا القَاسِم، إِنَّ لِي ذِمَّةً وَعَهْدًا، فَمَا بَالُ فُلَانٍ لَظَمَ وَجْهِي؟ فَقَالَ: لِمَ لَطَمْتَ
وَجْهَهُ؟))، وفي رواية إبراهيم بن سعد ((فَدَعَا النَّبِيُّنَّهِ المُسْلِمَ، فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَأَخْبَرَهُ،
(﴿وَنُفِخَ فِ الضُّورِ﴾ [الزمر: ٦٨]) أي: النفخة الأولى، (﴿فَصَعِقَ﴾ [الزمر: ٦٨]) أي: مات (﴿ثُمَّ
نُفِخَ فِيهِ﴾ [الزمر: ٦٨]) أي: في الصور (﴿أُخْرَى﴾ [الزمر: ٦٨]) أي: مرة أخرى، وهي: النفخة
١١٨
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله ◌ِ / باب ((وَمِن سُورَةِ الزُّمَرِ)»
فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنَظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨] فَأْكُونُ أوَّلَ مَن رَفَعَ رَأْسَهُ، فَإِذَا مُوسَى آخِذٌ بِقَائِمَةٍ
مِن قَوَائِمِ العَرْشِ، فَلا أدْرِي أَرَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلِي، أوْ كَانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى الله،
الثانية (﴿فَإِذَا هُمْ﴾ [الزمر: ٦٨]) أي: جميعُ الخلائق الموتَى (﴿قِيَامٌ﴾ [الزمر: ٦٨]) أي: من
قبورهم (﴿يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨]) أي: ينتظرون ما يفعل بهم، (فأكون أول من رفع رأسه)،
وفي رواية الشيخين: ((فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ))، وفي لفظ: ((أَوَّلَ مَنْ تَنْشَقُ عَنْهُ الأَرْضُ))، (فلا
أدري؛ أرفع رأسه قبلي أم كان ممن استثنى الله)، وفي رواية الشيخين: ((فَلَا أَدْرِي، أُكَانَ
فيمَنْ صَعِقَ، فَأَفَاقَ قَبْلِي، أَوْ كَانَ مِمَّن اسْتَثْنَى الله))، قال الحافظ: أي: فَلَمْ يكن ممن صَعِقَ،
أي: فإن كان أفاق قبلي، فهي فضيلة ظاهرة، وإن كان ممن استثنى الله، فلم يصعق، فهي
فضيلة أيضًا .
ووقع في حديث أبي سعيد: ((فَلَا أَدْرِي كَانَ فِيمَنْ صَعِقَ)) أي: فأفاق قبلي ((أمْ حُوسِبَ
بصَعْقَتِهِ الأُولى الَّتِي صُعِقَهَا لَمَّا سَأَلَ الرُّؤْيَةَ))، وبيَّنِ ذلك ابن الفضل في روايته بلفظ:
((أحوسِبَ بِصَعْقَتِهِ يَوْمَ الظُورِ))، والجمع بينه وبين قوله: ((أَوْ كَانَ مِمَّن اسْتَثْنَى الله)): أن في
رواية ابن الفضل وحديث أبي سعيد بيانَ السببِ في استثنائه، وهو: أنه حُوسِبَ بصعقته يوم
الطور، فلم يكلَّفْ بصعقة أخرى، والمراد بقوله: ((مِمَّنِ اسْتَثْنَى الله)) - قوله: ﴿إِلَّا مَن شَآءَ
آللَّهُ﴾ انتهى كلام الحافظ.
قال النووي في ((شرح مسلم)): قال القاضي: هذا مِنْ أَشْكَلِ الأحاديثِ؛ لأن موسى قد
مات، فكيف تدركه الصعقة، وإنما تصعق الأحياء، قوله: ((ممن استثنى الله تعالى)) يدلُّ على
أنه كان حَيًّا ولم يأت أن موسَى رَجَعَ إلى الحياة، ولا أنه حي؛ كما جاء في عيسى، وقد قال
وَلَه: (لَوْ كُنْتُ ثَمَّ لأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ إِلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ»، قال القاضي: يحتمل أن هذه الصعقة
صعقةُ فزع بعد البعث حين تنشقُّ السموات والأرض، فتنتظم حينئذٍ الآياتُ والأحاديثُ؛
ويؤيده قوله ◌َّله: ((فَأَفَاقَ))؛ لأنه إنما يقال أفاق من الغشي، وأما الموت - فيقال: بُعِثَ منه،
وصعقةُ الطورِ لم تكن موتًا، وأما قوله ◌َ: ((فَلَا أَدْرِي أَفَاقَ قَبْلِي)) فيحتمل: أنه ◌َِّ قاله قبل
أن يَعْلَمَ أنه أول من تنشق عنه الأرض، إن كان هذا اللفظُ على ظاهره، وأن نبينا ◌َِّ أولُ
شَخْصٍ تنشق عنه الأرض على الإطلاق، قال: ويجوز أن يكون معناه: أنه من الزمرة الذين
هم أولُ من تنشق عنهم الأرض؛ فيكون موسَى من تلك الزمرة، وهي - والله أعلم - زمرة
الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - انتهى.
١١٩
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله وَِّ / باب ((وَمِن سُورَةِ الزُّمَرِ)»
وَمَنْ قَالَ: أَنَا خَيْرٌ مِن يُونُسَ بْنِ مَتَّى، فَقَدْ كَذَبَ)). [خ: ٣٤١٤، م: ٢٣٧٣، حم: ٧٥٣٢].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
[ت ٤٠، م١٠]
[٣٢٤٦] (٣٢٤٦) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا
عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ، أَخْبَرَنِي أَبُو إِسْحَاقَ، أَنَّ الأَغَرَّ أَبَا مُسْلِمٍ، حَدَّثَهُ عَن
أبي سَعِيدٍ، وأبي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ قَالَ:
قلت: هاهنا: أبحاث وأنظار ذكرها الحافظ وغيره من شراح البخاري ومسلم.
(ومن قال: أنا خير من يونس بن مَتَّى) بفتح الميم وتشديد المثناة مقصورًا، ووقع في
تفسير عبد الرزاق: أن ((مَتَّى)) اسم «أمِّه)) وهو مردودٌ بحديث ابن عباس عند البخاري ومسلم
عن النبي ◌َّ قَالَ: ((مَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أنْ يَقُولَ إِّي خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى، وَنَسَبُهُ إِلَى أَبِيهِ»،
فقوله: (ونسبه إلى أبيه)) صَرِيحٌ في أن ((متى)) أبوه لا أمه، (فقد كذب)؛ لأن الأنبياء كلهم
متساوون في مرتبة النبوة، وإنما التفاضل باعتبار الدرجات، فلفظ ((أنا)) واقعٌ موقع ((هو))،
ويكون راجعًا إلى النبي ◌َّه، ويحتمل أن يكون المراد به نَفْسَ القائل؛ فحينئذٍ: ((كذب))
بمعنى ((كفر)) كنى به عن الكفر؛ لأن هذا الكتاب مساوٍ للكفر؛ كذا في ((المرقاة)»، وقال
النووي: الضمير في ((أنا)) قيل يعود إلى النبي وَّر، وقيل: يعود إلى القائل، أي: لا يقول
ذلك بعضُ الجاهلين من المجتهدين في عبادة أو عِلْم أو غير ذلك من الفضائل؛ فإنه لو بلغ
من الفضائل ما بلغ لم يبلغ درجة النبوة، ويؤيِّد هذا التأويلَ الروايةُ التي قبله، وهي قوله {أَلّ:
((لَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى)). انتهى.
قلت: ضمير ((أنا)) إذا عاد إلى النبيِّ ◌َّهِ - فالظاهر: أنه وَّ قال ذلك قبل أن يعلَمَ أنه
أفضلُ الخلق، وأما قول من قال؛ إنه وَّه قال ذلك تواضعًا، إن كان قاله بعد أن أُعلم أنه
أفضل الخلق ففيه: أنه لا يناسبه قوله: ((فَقَدْ كَذَبَ))؛ كما في رواية الترمذي هذه، قيل: خصَّ
يُونُس بالذكرِ؛ لأن الله تعالى وصفه بأوصاف تُوهِمُ انحطاطَ رتبته؛ حيث قال: ﴿فَظَنَّ أَن لَّنْ
نَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء: ٨٧]؛ ﴿إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [الصافات: ١٤٠].
قوله: (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه الشيخان.
[٣٢٤٦] قوله: (أخبرني أبو إسحاق) هو: السَّبِيعي.
١٢٠
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَ ل باب ((ومن سُورَة ﴿الْمُؤْمِن)))
((يُنَادِي مُنَادٍ: إنَّ لَكُمْ أَنْ تَحْيَوْا فَلا تَموتُوا أَبَداً، وَإِنَّ لَكُمْ أنْ تَصِخُوا فَلا تَسْقَمُوا
أَبَداً، وَإِنَّ لُكُمْ أنْ تَشِبُّوا فَلا تَهْرَمُوا أَبَداً، وَإِنَّ لَكُمْ أنْ تَنْعَمُوا فَلا تَبَأَسُوا أَبَداً)) فَذَلِكَ
قَوْلُهُ تعَالَى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِىّ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢]. [م: ٢٨٣٧،
حم: ٨٠٥٩، مي بنحوه: ٢٨٢٤].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: وَرَوَى ابْنُ المُبَارَكِ، وَغَيْرُهُ هَذَا الحَدِيثَ، عَنِ الثَّورِيِّ، وَلَمْ
يَرفعْهُ.
٤١- باب ((ومن سُورَة ﴿الْمُؤْمِن))) [ت ٤١، ١٢]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِمَةِ
[٣٢٤٧] (٣٢٤٧) حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ بَشّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرحمنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا
قوله: (ينادي مناد) أي: في الجنة (إن لكم) بكسر الهمزة، أي: قائلًا إن لكم (أن
تحيوا) بفتح الياء، أي: أن تكونوا أحياء دائمًا، (أن تَصِحّوا) بكسر الصاد وتشديد الحاء،
أي: تكونوا صَحِيحِي البدنِ دائمًا، (فلا تسقموا) من باب ((سَمِعَ)) أي: لا تمرضوا، (أن
تشبوا) بكسر الشين المعجمة وتشديد الموحدة، أي: تدوموا شبابًا، (فلا تهرموا) من باب
((سَمِعَ)) أي: لا تشيبوا، (أن تنعموا) بفتح العين، أي: يدوم لكم النعيم، (فلا تبأسوا) بسكون
الموحدة فالهمزة المفتوحة، أي: لا يصيبكم بأس، وهو: شدة الحال، والبَأس والبُؤْسُ
والبَأسَاءُ والبؤساء بمعنى؛ قاله النووي، وقال في ((القاموس)): بَئِسَ كَسَمِعَ: اشتدت حاجته
(﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِىِّ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢]) وفي رواية مسلم: ﴿وَنُودُوّا أَنْ
تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣] الآية في ((سورة الأعراف))، وأما الآية
التي في الكتاب - فهي في (( سورة الزخرف))، وكان للترمذي أن يُورِدَ هذا الحديث في ((تفسير
سورة الأعراف)) أو في تفسير سورة الزخرف)).
وهذا الحديثُ أخرجه - أيضًا - مسلم في (صحيحه)) مرفوعًا.
٤١ - بَاب وَمِنْ سُورَةِ المُؤْمِنِ
وَتُسَمَّى سُورَةَ غَافِرٍ، مَكِيَّةٌ.
إلَّا: ﴿الَّذِينَ يُحَدِلُونَ فِىّ ءَايَتِ اللَّهِ﴾ [غافر: ٣٥] وَالَّتِي بَعْدَهَا، وَهِيَ خَمْسٌ وَثَمَانُونَ آيَةً.
[٣٢٤٧]