Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨١ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِّهِ / باب ((ومن سُورةِ الأَحْزَابِ)) فَأَرْسَلَنِي، فَدَعَوْتُ قَوْماً إلى الطَّعَامِ، فَلَمَّا أكَلُوا وَخَرَجُوا، قَامَ رَسُولُ اللهِلَّهِ مُنْطَلِقاً قِبَلَ بَيْتِ عَائِشَةَ، فَرَأى رَجُلَيْنِ جَالِسَيْنٍ، فَانْصَرَفَ رَاجِعاً، فَقَامَ الرَّجُلَانِ، فَخَرَجًا؛ فَأَنْزَلَ الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَدْخُلُواْ بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَظِرِينَ إِنَنَّهُ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، وفي الحَدِيثِ قِصَّةً. [خ: ٦٢٣٩]. عليها قُبَّةً؛ ليدخل بها فيها، فيقال: بنى الرجل على أهله؛ قال الجوهري: ولا يقال: بنى بأهله، وفيه نظر؛ فإنه قد جاء في غير موضع من الحديث وغيرِ الحديث، وعاد الجوهري استعمله في کتابه. انتھی. (إلى الطعام) أي: طعام الوليمة، (قام رسول الله وَ ﴿ منطلقًا قِبَلَ بيت عائشة، فرأى رجلين جالسين)، فيه اختصارٌ وإجمالٌ توضِّحه روايات البخاري، ومحصَّل القصة: أن الذين حضروا الوليمة جَلَسُوا يتحدّثون واستحيا النبيّ وَِّ أن يأمرهم بالخروج، فتهيأ للقيام؛ ليفطنوا لمراده، فيقوموا بقيامه، فلما ألهاهم الحديثُ عن ذلك قام وخرج، فخرجوا بخروجه إلا الثلاثة الذين لم يفطنوا لذلك؛ لشدة شغل بالهم بما كانوا فيه من الحديث، وفي غُصُون ذلك - كان النبي صل﴾هل يريد أن يقوموا من غير مواجهتهم بالأمر بالخروج؛ لشدة حيائه، فيطيل الغَيْبَة عنهم بالتشاغل بالسلام على نسائه، وهم في شغل بالهم، وكان أحدهم في أثناء ذلك أفاق من غفلة، فخرج وبقي الاثنان، فلما طال ذلك، ووصل النبي ◌ّجه إلى منزله، فرآهما فرجع، فرأياه لما رجع؛ فحينئذٍ: فطنا، فخرجا، فدخل النبي وَ ه، وأنزلت الآية، فأرخى السِّتْرَ بينه وبين أنس خادمه - أيضًا - ولم يكن له عهد بذلك (﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَدْخُلُواْ بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾) أي: في الدخول بالدعاء (﴿إِلَى طَعَامٍ﴾) أي: فتدخلوا (﴿غَيْرَ نَظِرِينَ﴾) أي: منتظرين (﴿إِنَنهُ﴾) أي: نُضْجَه، مصدر: أَنَى يَأْنِي، وبعده: (﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَأَدْخُلُواْ فَإِذَا طَعِمْتُمْ﴾) أي: أكلتم الطعام (﴿فَأَنتَشِرُوا﴾) أي: فاخرجوا من منزله (﴿وَلَا مُسْتَقْنِينَ ◌ِحَدِيثٍ﴾) أي: لا تطيلوا الجلوس، ليستأنس بعضكم بحديث بعض (﴿إِنَّ ذَلِكُمْ﴾) أي: المكث وإطالة الجلوس (﴿كَانَ يُؤْذِى النَّبِىَّ فَيَسْتَخِي، مِنكُمْ﴾) أي: من إخراجكم (﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحِ، مِنَ الْحَقِّ﴾) أي: لا يترك بيانه. قوله: (وفي الحديث قصة) أي: طولٌ وكلامٌ أكثر من هذا. ٨٢ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله ◌َِّ / باب ((ومن سُورةِ الأَحْزَابِ)) قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، مِن حَدِيثِ بَیَانٍ، وَرَوَی ثابتٌ، عَن أنَسٍ هَذَا الحَدِيثَ بِطُولِهِ. [ت ٣٤، م٢١] [٣٢١٨] (٣٢١٧) حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَشْهَلُ بْنُ حَاتِم، قَالَ ابنُ عَوْنٍ: حُدثنَاهُ، عَن عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ، عَن أنَسِ بْنِ مَالِك، قَالَ: كُنْتُ مَعَ النبيِّ وَل فَأَتَى بَابَ امْرَأَةٍ عَرَّسَ بِهَا، فَإِذَا عِنْدَهَا قَوْمٌ، فَانْطَلَقَ فَقَضَى حَاجَتَهُ فَاحْتبسَ، فَرَجَعَ وَقَدْ خَرَجُوا، قَالَ: فَدَخَلَ وَأرْخَى بَيْنِي وَبَيْنَهُ سِتْراً، قَالَ: فَذَكَرْتُهُ لأَبِي طَلْحَةَ، قَالَ: فَقَالَ: لَئِنْ كَانَ كَمَا تَقُولُ، لَيَنْزِلَنَّ فِي هَذَا شَيْءٌ؛ فَنَزَلَتْ آيَةُ الحِجَابِ. [خ: ٤٧٩٣، م: ١٤٢٨]. هَذا حديثٌ غريبٌ مِن هَذَا الوَجْهِ. وعمرو بنُ سَعيدٍ يُقَالُ لَهُ الأصلع. (هذا حديث حسن غريب)، وأصله في ((الصحيحين))، (وروى ثابت عن أنس هذا الحديث بطوله) أخرجه مسلم في ((باب زواج زينب بنت جحش ونزول الحجاب)) من كتاب النكاح. [٣٢١٨] قوله: (حدثنا أشهل بن حاتم) الجمحيُّ مولاهم، أبو عمرو، وقيل: أبو حاتم، بصري، صدوق، يخطئ، من التاسعة، (قال ابن عون: حدثناه، عن عمرو بن سعيد) الضمير في ((قال)) راجع إلى أشهل، و((ابن عون)) مبتدأ، و((حدثناه)) خبره، أي: قال أشهل بن عون: حدثنا هذا الحديثَ عن عمرو بن سعيد، وابنُ عونٍ هذا - هو: عبد الله بن عون، وعمرو بن سعيد - هو: أبو سعيد البصري. قوله: (عرَّس بها) من التعريس، أي: بنى بها، قال في ((النهاية)): أَعْرَسَ الرَّجُلُ، فهو: مُعْرِسٌ: إذا دخل بامرأته عند بنائها، ولا يقال فيه: ((عَرَّسَ)). قلت: قوله ولا يقال فيه: ((عرَّسَ)) - تردُّه رواية الترمذي هذه، وقال في ((المجمع)) قيل: هو، أي: عَرَّسَ لغةٌ في ((أَعْرَسَ)) (فاحتبس) الحَبْسُ: المنع، واحتبسه: حبسه، فاحتبس: لازم ومتعدٍّ؛ كذا في ((القاموس))، (فنزلت آية الحجاب) وهي قوله تعالى: ﴿يَأَيُّاَ الَّذِينَ ءَمَنُواْ لَا تَدْخُلُواْ بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ إلخ. ٨٣ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ / باب ((ومن سُورةِ الأَخْزَابِ)» [ت ٣٤، م٢٢] [٣٢١٩] (٣٢١٨) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ الضُّبَعِيُّ، عَن الجَعْدِ بْنِ عُثمانَ، عَن أنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَبُهُ قَالَ: تَزَوَّجَ رَسُولُ اللهِوَّرِ فَدَخَلَ بِأَهْلِهِ، قَالَ: فَصَنَعَتْ أُمِّي أُمُّ سُلَيْمِ حَيْساً، فَجَعَلَتْهُ فِي تَوْرٍ، فَقَالَت: يَا أَنَسُ اذْهَبْ بِهَذَا إلى رَسُوْل الله ◌َّةِ فَقُلْ لَهُ: بَعَثَتْ بِهِذا إلَيْكَ أَمِّي، وَهِيَ تُقْرِتُكَ السَّلَامَ، وَتَقُولُ: إنَّ هذَا لَكَ مِنَّا قَلِيلٌ يَا رَسُولَ الله، قَالَ: فَذَهَبْتُ بِهَا إلى رَسُولِ اللهِهِ فَقُلْتُ: إنَّ أُمِّي تُقْرِتُكَ السَّلَامَ وَتَقُولُ: إنَّ هَذَا مِنَّا لَكَ قَلِيلٌ، فَقَالَ: ((ضَعْهُ))، ثُمَّ قَالَ: ((اذْهَبْ فَادْعُ لِي فُلَاناً وَفُلَاناً وفُلَاناً، وَمَنْ لَقِيتَ)) فَسَمَّى رِجَالًا، قَالَ: فَدَعَوْتُ مَن سَمَّى وَمَنْ لَقِيتُ، قَالَ: قُلْتُ لأَنَسِ: عَدَدُكُمْ كَمْ كَانُوا؟ قَالَ: زُهَاءَ ثَلاثمائَةٍ، قَالَ: وَقَالَ لِي رَسُولُ الله ◌َّةِ: ((يَا أَنَسُ! هَاتِ بالثَّوْرَ))، قَالَ: فَدَخَلُوا حَتَّى امْتَلأَتِ الصُّفَّةُ والحُجْرَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: ((لِيَتَحلّقِ عَشَرَةٌ عَشَرَةٌ، ولْيَأْكُلْ كُلُّ إِنْسَانٍ مِمَّا يَلِيهِ))، [٣٢١٩] قوله: (عن الجعد أبي عثمان) قال في ((التقريب)): الجعد بن دينار اليَشْكُرِيُّ، أبو عثمان الصيرفي، البصري، صاحب ((الحلى))، ثقة، من الرابعة. قوله: (فدخل بأهله) هي: زينب بنت جحش، (فصنعت أمي أم سليم حَيْسًا) هو: الطعام المتخذ من التمر والأقِطِ والسمن، وقد يجعل عوض ((الأَقِطِ)) (١) الدقيق أو الفتيت، (فجعلته في تَوْرٍ) بفتح تاء وسكون واو - هو: إناء من صُفْر(٢)، أو حجارة؛ كالإجَّانَةِ، وقد يتوضأ منه، (قال: زُهَاء ثلاثمائة) بضم الزاي وفتح الهاء وبالمد، أي: قَدْر ثلاثمائة، من زَهَوْتُ الْقوْمَ، أَي: حزرتهم، وهو بالنصب، على تقدير: كانوا، وقيل: برفعه، أي: عَدَدُنا مقدارُ ثلاثمائة، (هات) بكسر التاء، أي: أعطني، (حتى امتلأت الصُّفَّة) بضم صاد وتشديد فاء - هو: موضع مظلَّل في مسجد المدينة، وأهلُ الصُّفَّة: فقراء المهاجرين ومَنْ لم يكن له منهم منزلٌ يسكنه، فكانوا يأوون إليه، (ليتحلَّق) الحَلْقَة؛ بفتح الحاء وسكون اللام - هي: الجماعة من الناس مستديرون؛ كحلقة الباب وغيره، والتحلَّق: تفعُّل منها وهو: أن يعتمدوا ذلك، (١) الأَقِط: بفتح الهمزة وكسر القاف، وقد تسكن القاف للتخفيف مع فتح الهمزة وكسرها، وهو: طعام يتخذ من اللبن المخيض، يطبخ، ثم يترك حتى يَمْصُّل. كما في المصباح المنير (أقط). (٢) الصُّفْر، بوزن: (قُفْل)، كسر الصاد لغة في النحاس. المصباح المنير (صفر). ٨٤ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله ◌َِّ / باب ((ومن سُورةِ الأَحْزَابِ)) قَالَ: فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، قَالَ: فَخَرَجَتْ طَائِفَةٌ، وَدَخَلَتْ طَائِفَةٌ، حَتَّى أكَلُوا كُلُّهُمْ، قَالَ: فَقَالَ لِي: ((يَا أَنَسُ، ارْفَعْ))، قَالَ: فَرَفَعْتُ فَمَا أدْرِي حِينَ وَضَعْتُ كَانَ أكْثَرِ أمْ حِينَ رَفَعْتُ، قَالَ: وَجَلَسَ مِنْهُمْ طَوَائِفُ يَتَحَدَّثُونَ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللهِ وَّهَ وَرسولُ الله وَ﴿ِ جَالِسٌ وَزَوْجَتُهُ مُوَلِّيَةٌ وَجْهَهَا إلى الحَائِطِ، فَثَقُلُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِوَ لَهُ فَسَلَّمَ عَلَى نِسَائِهِ ثُمَّ رَجَعَ، فَلَمَّا رَأَوْا رَسُولَ اللهِ وَّهَ قَدْ رَجَعَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ ثَقُلُوا عَلَيْهِ، قَالَ: فابْتَدَرُوا البَابَ، فَخَرَجُوا كُلُّهُمْ، وَجَاءَ رَسُولُ اللهِ وَل حَتَّى أرْخَى السِّتْرَ وَدَخَلَ، وَأَنَا جَالِسٌ في الحُجْرَةِ، فَلَمْ يَلْبَثْ إلَّا يَسِيراً، حَتَّى خَرَجَ عَلَيَّ، وَأُنْزِلَتْ هذِهِ الْآيَاتُ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ وََّ فَقَرأْهُنَّ عَلَى النَّاسِ: ﴿يَأَيُّها الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَدْخُلُواْ بُتَ النَّبِّ إِلَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَظِرِينَ إِنَتْهُ﴾ [الأحزاب: ٥٣] إلى آخِرِ الآيةِ. قَالَ الجَعْدُ: قَالَ أنَسٌ: أنَا أحْدَثُ النَّاسِ عَهْداً بِهَذِهِ الآيَاتِ، وَحُجِبْنَ نِسَاءُ رَسُوْل الله وَظِلّ. [خ: ٤٧٩١، م: ١٤٢٨]. (ارفع) أي: الطعام، (حين وضعت) أي: الطعام، قال الحافظ بعد ذكر هذا الحديث، عن ((صحيح مسلم)) - ويجمع بينه وبين رواية حميد ((يعني: عَنْ أَنَس قَالَ: أوْلَمَ رَسُولُ اللهِ وَاهـ حِيْنَ بَنَى بِزَيْنَبَ ابْنَةِ جَحْشٍ، فَأَشْبَعَ النَّاسَ خُبْزًا وَلَحمًا)) بأنه ◌َّهِ أَوْلَمَ عليها باللحم والخبز، وأرسلت إليه أُمُّ سلَيْم الخَيْسَ. انتهى. وقال النووي: وفي هذا الحديث أنه يستحبُّ لأصدقاء المتزوِّج أن يبعثوا إليه بطعام يساعدونه به على وليمته، وفيه الاعتذار إلى المبعوث إليه، وقولُ الإنسان نَحْوَ قول أم سليم: هذا منا لَكَ قليلٌ. انتهى . (وزوجته مولية وجهها)، وكذلك في ((صحيح مسلم)) وَزَوجَتُهُ بالتاء؛ قال النووي: هكذا هو في جميع النسخ ((وزوجته)) بالتاء، وهي لغة قليلة تكرّرت في الحديث والشعر، والمشهور حذفها، (فَتَقُلُوا) بفتح المثلثة وضم القاف، (قال أنس: أنا أحدَثُ الناس عهدًا بهذه الآيات) يعني: أول الناس علمًا بهذه الآية، فعلِمْتُهَا أولًا، ثم عَلِمَهَا الناس. ٨٥ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَ / باب ((ومن سُورةِ الأَحْزَابِ» قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ. وَالجَعْدُ: هُوَ ابنُ عُثْمَانَ، ويُقَالُ: هُوَ ابنُ دِينَارٍ، وَيُكَنَّى أبَا عُثْمَانَ بَصْرِيٌّ، وَهُوَ: ثِقَةٌ عِنْدَ أهْلِ الحَديثِ، رَوَى عَنْهُ يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ، وَشُعْبَةُ، وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ. [ت ٣٤، م٢٣] [٣٢٢٠] (٣٢٢٠) حَدَّثَنَا إسحاقُ بْنُ مُوسَى الأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بن أنس، عَن نُعَيْم بْنِ عَبْدِ الله المُجمِّرِ؛ أنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الله بْنِ زَيْدٍ الأَنْصَارِيَّ، وعَبْد الله بْنُ زَيَّدٍ، الَّذِي كَانَ أُرِيَ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ، أخْبَرَهُ عَن أبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ؛ أَنَّهُ قَالَ: أَتَانَا رَسُولُ اللهِ وَهُ ونَحْنُ في مَجْلِسٍ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، فَقَالَ لَهُ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ: أمَرَنَا الله أنْ نُصَلِّي عَلَيْكَ، فَكَيْفَ نُصَلّي عَلَيْكَ؟ قَالَ: فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِّ حَتَّى ظننا أنَّهُ لَمْ يَسْأَلْهُ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيهى: ((قُولُوا: اللَّهِمَّ صَلّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبراهيم، قوله: (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه مسلم والنسائي وابن أبي حاتم(١)، وعلَّقه البخاري في ((كتاب النكاح))، فقال: وقال إبراهيم بن طَهْمَان عن الجعد أبي عثمان عن أنس، فذكر نحوه. [٣٢٢٠] قوله: (عن نعيم بن عبد الله المُجْمِرٍ)، كنيته: أبو عبد الله المدني، مولى آل عمر، يعرف بـ ((المُجْمِر)» بسكون الجيم وضم الميم الأولى وكسر الثانية، وكذا أبوه، ثقة، من الثالثة، (وعبد الله بن زيد الذي كان أري النداء بالصلاة) يعني: عبد الله بن زيد والد محمَّد هذا هو: الذي أري النداء بالصلاة، وفي رواية مسلم: وعبد الله بن زيد هو الذي أدى النداء بالصلاة (عن أبي مسعود الأنصاري) اسمه: عقبة بن عمرو، صحابي، بدري جليل. قوله: (فقال له بشير بن سعد) بن ثعلبة بن جُلَاسٍ الأنصاري الخزرجي، صحابي، جليل، بدري، استشهد بـ((عين التمر))، (أمرنا الله أن نصلي عليك، فكيف نصلِّي عليك) أي: أمرنا الله تعالى بقوله: ﴿صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ فكيف نلفظ بالصلاة، (حتى ظننا) من الظن، وفي رواية مسلم: ((حتى تمنَّينا)) من التمني، (أنه لم يسأله)، قال النووي: معناه: (١) ابن أبي حاتم في ((التفسير)) (٣١٤٩/١٠) (١٧٧٥٩). ٨٦ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ / باب ((ومن سُورةِ الأَخْزَابِ)) وَبَارِكْ عَلَى مُحمَّدٍ، وعَلَى آلِ مُحمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلى آلِ إِبِرَاهِيمَ فِي العَالِمِينَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، والسَّلَامُ كَمَا قَدْ عُلَّمْتُمْ)). [م: ٤٠٥، ن: ١٢٨٤، د: ٩٨٠، حم: ١٦٦١٩، طا: ٣٩٨، مي: ١٣٤٣]. قَالَ: وفي البَابِ: عَن عَلِيٍّ، وأبي حُمَيْدٍ، وكَعْبٍ بْنِ عُجْرَةَ، وطَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ الله، وأبي سَعِيدٍ، وَزَيْدِ بْنِ خَارِجَةَ، ويُقَالُ: حَارِثَةَ، وبُرَيْدَةَ. كرهنا سؤاله؛ مخافةً مِنْ أن يكونَ النبيُّ وََّ كره سؤاله، وشقَّ عليه، (وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم) قال العلماء: معنى البركة - هنا -: الزيادة من الخير والكرامة، وقيل: وهي بمعنى التطهير والتزكية، قاله النووي: (والسلام كما قد علمتم) معناه: قد أمركم الله تعالى بالصلاة والسلام عليَّ، فأما الصلاة - فهذه صفتها، وأما السلام - فكما علمتم في التشهد، وهو قولهم: ((السَّلَامُ عليكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ الله وبَركَاتُهُ))، وقوله: ((علمتم)) هو بفتح العين وكسر اللام المخففة، ومنهم من رواه بضم العين وتشديد اللام، أي: عَلَّمْتُكُمُوهُ، وكلاهما صحيح. قوله: (وفي الباب عن علي وأبي حميد ... إلخ) أما حديث علي - فأخرجه النسائي(١)، وأما حديث أبي حميد - فأخرجه الشيخان(٢)، وأما حديث كعب بن عُجْرَة - فأخرجه الجماعة(٣)، وأما حديث طلحة بن عبيد الله - فأخرجه النسائي(٤)، وأما حديث أبي سعيد - فأخرجه البخاري والنسائي وابن ماجه(٥)، وأما حديث زيد بن خارجة - فأخرجه أحمد والنسائي(٦)، وأما حديث بُرَيْدَةَ - فأخرجه أحمد (٧)، وفي سنده أبو داود الأعمى، اسمه: نُفَيْع، وهو: ضعيف جدًّا، ومتهم بالوضع. وفي الباب أحاديثُ أخرى إن شئت الوقوف على ألفاظ هذه الأحاديث - فراجع ((النيل)). (١) النسائي في ((الكبرى)) حديث (٩٨٨٢ - ٩٨٨٥). (٢) البخاري: كتاب أحاديث الأنبياء، حديث (٣٣٦٩)، ومسلم، كتاب الصلاة، حديث (٤٠٧). (٣) تقدم تخريجه برقم (٤٨٣). (٤) النسائي، کتاب السهو، حديث (١٢٩٠). (٥) البخاري، كتاب تفسير القرآن، حديث (٤٧٩٨)، والنسائي، كتاب السهو، حديث (١٢٩٣)، وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة، حديث (٩٠٣). (٦) أحمد، حديث (١٧٠٦)، والنسائي، كتاب السهو، حديث (١٢٩٢). (٧) أحمد، حديث (٢٢٤٧٩). ٨٧ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَِّ / باب ((ومن سُورةِ الأَحْزَابِ)» قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ. [ت ٣٤، م٢٤] [٣٢٢١] (٣٢٢١) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، عَن عَوْفٍ، عَنِ الحَسَنِ، ومُحمَّدٍ، وَخِلَاسٍ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وََّ، أَنَّ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ، كَانَ رَجُلًا حَيِيَّاً سِتِيراً، مَا يُرَى مِن جِلْدِهِ شَيْءٌ؛ اسْتِحْيَاءً مِنْهُ، فَاذَاهُ مَن آذَاهُ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَقَالَ: مَا يَسْتَتِرُ هَذَا التَّسَتَّرَ إلَّا مِن عَيْبٍ بِجِلْدِهِ، إِمَّا بَرَصٌ، وإمَّا أُدْرَةٌ، وإمَّا آَفَةٌ، وإِنَّ الله عَزَّ وَجَلَّ أرَادَ أنْ يُبَرِّئَهُ مِمَّا قَالُوا، وإنَّ مُوسَى عَليهِ السَّلامُ، خَلا يَوْماً وَحْدَهُ، فَوَضَعَ ثِيَابَهُ عَلَى حَجَرَ، ثُمَّ اغْتَسَلَ، فَلَمَّا فَرَغَ، أقْبَلَ إلى ثِيَابِهِ لِيَأْخُذَهَا، وإنَّ الحَجَرَ عَدَا بِثَوْبِهِ، فَأَخَذَ مُوسَى عَصَاهُ، فَطَلَبَ الحَجَرَ، فَجَعَلَ يَقُولُ: تَوْبِي حَجَرُ ثَوْبِي حَجَرُ، حَتَّى انْتَهَى إِلى مَلأٍ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ، قوله: (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي. [٣٢٢١] قوله: (عن عوف) هو: ابن أبي جميلة الأعرابي، (عن الحسن) هو: البصري، (ومحمد) هو: ابن سيرين، (وخِلاس) بكسر الخاء المعجمة وتخفيف اللام، وآخره مهملة - هو: ابن عمرو الهَجَرِيُّ، قوله: (كان رجلًا حبيًا) بفتح الحاء المهملة وكسر التحتانية الخفيفة بعدها أخرى مثقَّلَّة بوزن (فَعِيل)): من الحياء، أي: ذا حياء (سَتِيرًا) بفتح السين بوزن (كريم))، ويقال: ((ستِیرًا)) بكسر السین وتشديد الفوقية المكسورة بوزن «سِگین» أي: ذا تستُّر يستتر في الغسل، (ما يرى من جلده شيء؛ استحياء منه) هذا يشعرُ بأن اغتسال بني إسرائيل عُراةً بمحضر منهم - كان جائزًا في شرعهم، وإنما اغتسل موسَى وحده؛ استحياء (فآذاه من آذاه) بالمَدِّ فيهما: من الإيذاء، (إما بَرَصٌ) محرَّكة: بياض يظهر في ظاهر البدن، لفساد مزاج، (وإما أَدْرَة) بضم الهمزة وسكون الدال: نفخة في الخصية، يقال: رجُلٌ آدَرُ بَيِّنُ الأَدَرِ، بفتح الهمزة والدال، ووقع في رواية ابن مردويه عن عوف: الجزم بأنهم قالوا: ((إِنَّهُ آدَرُ))، (وإن الله عز وجل أراد أن يبرئه) بتشديد الراء من التبرئة، أي: ينزهه عن نسبة ذلك العيب، (وإن موسى عليه السلام خلا يومًا وحده) أي: انفرد عن الناس يومًا حال كونه منفردًا، (عدا بثوبه) أي: فر ومضى مسرعًا، (ثوبي حجر، ثوبي حجر) أي: أعطني ثوبي، أو: رُدَّ ثوبي و((حَجَرُ)) بالضم عَلَى حذف النداء، (حتى انتهى إلى ملأٍ) أي: جماعة، ٨٨ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ / باب ((ومن سُورةِ الأَحْزَابِ)) فَرِأوْهُ عُرْيَاناً، أحْسَنَ النَّاسِ خَلْقاً، وَأبْرَأْهُ مِمَّا كَانُوا يَقُولُونَ، قَالَ: وقَامَ الحَجَرُ، فَأَخَذَ ثَوْبَهُ، وَلَبِسَهُ، وَطفِقَ بالحَجَرِ ضَرْباً بِعَصَاهُ، فَوَالله إنَّ بِالحَجَرِ لَنَدبَاً، مِن أَثَرِ عَصَاهُ ثَلاثَاً أَوْ أَرْبَعاً أوْ خَمْساً؛ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ ءَذَوْأْ مُوسَى فَبَرََّهُ اللَّهُ مِمَا قَالُواْ وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩])). [خ: ٤٧٩٩، م: ٣٣٩]. قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ؛ وقَدْ رُوِيَ مِن غَيْرٍ وَجْهٍ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، عَن النبيِّ نَّهَ وَفِيهِ: عَن أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َل والظاهر: أن فيهم المؤذين، (فرأوه عريانًا) أي: أبصروه حال كونه عريانًا، (وَطَفِقَ) بكسر الفاء: أخذَ وشرع، (بالحجر ضربًا)، يضربه ضربًا، فالجارُّ متعلِّق بالفعل المقدَّر، كما في قوله سبحانه: ﴿فَطَفِقَ مَسْطًا بِالسُّوقِ وَالْأَغْنَاقِ﴾ [ص: ٣٣]، (فوالله، إن بالحجر لَنَدَبًا) بالتحريك: أَثَرَ الْجُرْحِ؛ إذا لم يرتفع عن الجلد، فشبه به أثر الضرب في الحجر، قال الحافظ: ظاهره أنه بقيَّةُ الحديث، وقد بين رواية همَّام في الغسل: أنه قول أبي هريرة. انتهى. ولفظ رواية همام عند البخاري في الغسل: هكذا قال أبو هريرة: فوالله، إنه لندْبٌ بِالحَجَرِ سِتَّةٌ أَوْ سَبْعَةً ضَرْبًا بِالْحَجَرِ فذلك قولُهُ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَِّنَ ءَاذَوْ مُوسَى﴾ أي: لا تؤذوا نبيكم، كما آذى بنو إسرائيل موسى، وهو قولهم: ((أنه آدَرُ))، ﴿فَبَرََّهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُواْ﴾ أي: فطهره الله مما قالوا فيه، ﴿وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ أي: كريمًا ذا جاه وقَدْرٍ . ومما أوذي به نبيُّنَا وَّةِ: أَنَّهُ قَسَمَ قَسْمًا - فقال رَجُلٌ: هَذِهِ قِسْمَةٌ مَا أُريدَ بِهَا وَجْهُ الله، فَغَضِبَ النَّبِيُّ ◌َّهِ مِنْ ذَلِكَ، وَقَالَ: ((يَرْحَمُ الله مُوسى، لقَدْ أُوذِيَ بأَكثَرَ مِنْ هَذَا، فَصَبَرَ))؛ رواه البخاري(١) . قوله: (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه الشيخان(٢) . (١) البخاري، كتاب فرض الخمس، حديث (٣١٥٠). (٢) أخرجه مسلم، كتاب الحيض، حديث (٣٣٩). ٨٩ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ / باب ((ومِنْ سُورةٍ سَبَأْ)) ٣٥- باب ((ومِنْ سُورةٍ سَبَأْ)) [ت ٣٥، ١٢] بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَمَةِ [٣٢٢٢] (٣٢٢٢) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وغيرُ واحدٍ، قالوا: أَخْبَرَنَا أبُو أُسَامَةَ، عَن الحَسَنِ بْنِ الحَكَّمِ النَّخَعيِّ، قال: حَدَّثَنَا أبو سَبْرَةَ النَّخَعيُّ، عَن فَرْوَةَ بْنِ مُسَيْكِ المُرادِيِّ، قَالَ: أتَيْتُ النبيَّ وَّهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، ألا أُقَاتِلُ مَن أدْبَرَ مِن قَوْمِي بمَنْ أقْبَلَ مِنْهُمْ؟ فَأَذِنَ لِي في قِتَالِهِمْ وَأمَّرَني، فَلَمَّا خَرَجْتُ مِن عِنْدِهِ، سَأَلَ عَنِّي ((مَا فَعَلَ الغُطَيْفِيُّ)) فأُخْبِرَ إني قَدْ سِرْتُ، قَالَ: فَأَرْسَلَ في أثَرِي، فَرَدَّنِي، فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ فِي نَفَرٍ مِن أصْحَابِهِ، فَقَالَ: ((ادْعُ القَوْمَ فَمِنْ أسْلَمَ مِنْهُمْ، فَاقْبَلْ مِنْهُ، وَمَنْ لَمْ يُسْلِمْ فَلا تَعْجَلْ حَتَّى أُحْدِثَ إِلَيْكَ))، قَالَ: وَأُنْزِلَ فِي سَبَلٍ ما أُنْزِلَ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ الله! وَمَا سَبَأ؟ أرْضٌ أو امرأةٌ؟ قَالَ: ((لَيْسَ بِأَرْضٍ وَلا امْرَأَةٍ، ٣٥ - باب وَمِنْ سُورَةِ سَبَإِ مَكِّيَّةٌ إِلا: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ﴾ الآيَةَ وَهِيَ أَرْبَعٌ أَوْ خَمسٌ وَخَمْسُونَ آَيَّةً. [٣٢٢٢] قوله: (أخبرنا أبو أسامة) اسمه: حماد بن أسامة، (عن الحسن بن الحكم النخعي) كنيته: أبو الحكم، الكوفي، صدوق، يخطئ، من السادسة، (حدثنا أبو سبرة النخعي) الكوفي، يقال: اسمه عبد الله بن عابس، مقبول، من الثالثة، (عن فروة بن مسيك)، بضم الميم وبفتح السين المهملة مصغّرًا، المرادي، ثم الغُطَيْفِي، صحابي، سكن الكوفة، یکنی: أبا عمير، واستعمله عمر. قوله: (من أدبر) أي عن الإسلام (بمن أقبل منهم) أي: مع من آمن من قومي، (في قتالهم) أي: في قتال من أدبر من قومي، (وأمرني) أي: جعلني أميرًا، (ما فعل الغطيفي) يعني: فروة بن مسيك، (فأخبر) بصيغة المجهول، (فأرسل في أثَرِي) بفتحتين، وبكسر الهمزة وسكون المثلثة، أي: عقبي، قال في ((القاموس)): خرج في أَثَرِهِ وَإِثْرِهِ، أي: بعده، (فردني) أي: فأرجعني، (ادع القوم) أي: إلى الإسلام، (فاقبل منه) أي: فاقبل الإسلام منه، (فلا تعجل) أي: بقتالهم، (حتى أحدث إليك) يعني: حتى آمرك بأمر حادث جديد، (وأنزل في سبأ) بفتح السين والموحدة وبالهمزة، والمراد بها: القبيلة التي هي من أولاد سَبَأ بن یشجب بن یعرب بن قحطان بن هود، (ما أنزل) أي: من الآيات، ٩٠ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله ◌ِ / باب ((ومِنْ سُورةِ سَبَأ)» وَلَكِنَّهُ رَجُلٌ وَلَدَ عَشْرَةً مِنَ العَرَبِ فَتَيَامَنَ مِنْهُمْ سِتَّة، وَتَشَاءَمَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةٌ، فَأَمَّا الَّذِينَ تَشَاءمُوا فَلَحْمٌ، وجذامٌ، وَغَسَّانُ، وعَامِلَةٌ، وأمَّا الَّذِينَ تَيَامَنَوا: فالأزْدُ، والأَشْعَرونَ، وحِمْيَرُ، ومذْحِجُ، وَأَنْمَارُ، وكندةُ))، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ الله، ومَا أَنْمَارُ؟ قَالَ: ((الَّذِينَ مِنْهُمْ خَتْعَمُ، وَبَجِيلَةُ))، ورُوي هذا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِّ ◌َ. قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [ت ٣٥، م٢] [٣٢٢٣] (٣٢٢٣) حَدَّثَنَا ابنُ أبي عُمَر، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَن عَمْرو بْنِ دينار، عَن عِكْرمَةَ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ بَِّ قَالَ: ((إِذَا قَضَى الله في السَّمَاءِ أمْراً، (ولد عشرة) - بالنصب -: إذا كان وُلِدَ بصيغةِ المعلوم، وبالرفع إذا كان بصيغة المجهول، أي: ولد له عشرة، وكذلك في رواية أحمد، (فتيامن منهم ستة) أي: أخذوا ناحية اليمن وسكنوا بها، (وتشاءم منهم أربعة) أي: قصدوا جهة الشام، (فَلَخْم) بفتح اللام وسكون الخاء المعجمة، (وجُذَام) بضم الجيم وبالذال المعجمة بوزن ((غُراب)) (وغسّان) بالغين المعجمة وتشديد السين المهملة بوزن ((شداد))، (وعاملة) بكسر الميم، قال في ((القاموس)): بنو عاملة بن سبأ: حي باليمن، (وأما الذين تيامنوا ـ فالأزد) بفتح الهمزة وسكون الزاي وبالدال المهملة، (والأشعرون) قال في ((القاموس)): الأشعر: أبو قبيلة باليمن، منهم: أبو موسى الأشعري، ويقولون: ((جاءتك الأشعرون)) بحذف ياء النسب، (وحمير) بكسر الحاء وسكون المیم، بوزن ((درهم))، (وكندة) بكسر الكاف وسكون النون، (ومذحج) بفتح الميم وسكون ذال معجمة وكسر حاء مهملة وبجيم، (وأنمار) بفتح الهمزة وسكون النون، (الذين منهم خثعم) بوزن ((جعفر))، (وبجيلة) بفتح الموحدة وكسر الجيم؛ كـ ((سفینة)). قوله: (هذا حديث غريب حسن)، وأخرجه أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم(١)، وأخرجه أبو داود مختصرًا في ((كتاب الحروف والقراءات)). [٣٢٢٣] قوله: (عن عمرو) هو: ابن دينار، (إذا قضى الله في السماء أمرًا) أي: إذا (١) أحمد، حديث (٢٨٩٣)، وابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير (٥٣٢/٣) - وابن جرير في تفسيره (٧٦/٢٢). ٩١ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله وَِّ / باب ((ومِنْ سُورةٍ سَبَأْ)) ضَرَبَتِ المَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضعَاناً لِقَولِهِ، كَأَنَّهَا سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ، فَإِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ، قَالُوا: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا: الحَقَّ وَهُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ))، قَالَ: ((والشَّيَاطِينُ بَعْضُهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ)). [خ: ٤٨٠٠، جه: ١٩٤]. قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ. [ت ٣٥، م٣] ٣٠] (٣٢٢٤) حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ الجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَن عَلِيٍّ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ وَهُ حكم الله عزَّ وجلَّ - بأمر من الأمور، (ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا) بفتحتين: من الخضوع، وفي رواية: بضم أوله وسكون ثانيه، وهو: مصدر بمعنى ((خاضعين))؛ قاله الحافظ؛ (لقوله) أي: لقول الله تعالى، (كأنها) أي: كلماته المسموعة، وفي رواية البخاري: ((كأنَّه)) أي: القول المسموع، (سلسلة) أي: من الحديد، (على صفوان) هو: الحجر الأملس، (فإذا فزع عن قلوبهم) بضم الفاء وتشديد الزاي وبالعين المهملة، أي: كشف. عنهم الفزع وأزيل، (قالوا) أي: سأل بعضهم بعضًا، (قالوا: الحق) أي: قال الله القول الحق، قيل: المجيبون هم الملائكةُ المقرَّبون؛ كجبرئيل وميكائيل وغيرهما قلت: ويؤيِّده حديثُ ابن مسعود الآتي، (وهو العلي الكبير) أي: ذو العلو والكبرياء، وفي حديث ابن مسعود، عند أبي داود قال: ((إِذَا تَكَلَّمَ الله بالوَحْي، سَمِعَ أَهْلُ السَّمَوَاتِ صَلْصَلَةً؛ كَجَرِّ السِّلسِلَةِ عَلَى الصَّفَاةِ، فَيُصْعَقُونَ؛ فَلَا يَزَالونَ كَذَلِكَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ جِبْرِيلُ، فَإِذَا جَاءَ فُزْعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ، فَيَقُولُونَ: يَا جِبْرئيلُ، مَاذا قَالَ رَبُّكَ؟ فَيَقُوْلُ: الحَقَّ، فَيَقُولُونَ: الْحَقّ)) (والشياطين بعضهم فوق بعض) أي: لاستراق السمع، زاد البخاري: ((فَيَسْمَعُهَا مُسْتَرِقُ السَّمْع، هَكَذَا بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ فَيَسْمَعُ الكَلِمَةَ فَيُلْقِيَهَا إِلى مَنْ تَحْتَهُ ثُمَّ يُلْقِيهَا الآخَرُ إلَى مَنْ تَحْتَهُ حَتَّى يُلْقِيَهَا عَلَى لِسَانِ السَّاحِرِ أَو الكَاهِنِ، فَرُبَّمَا أَدْرَكَ الشّهَابُ قَبْلَ أنْ يُلْقِيَهَا، ورُبَّمَا أَلْقَاهَا قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُ، فَيَكْذِبُ مَعَهَا مَائَة كَذْبَةٍ، فَيُقَالُ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ لَنَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا: وَكَذَا، فَيَصْدُقُ بِتِلْكَ الكَلِمَةِ الَّتِي مِنَ السَّمَاءِ)). قوله: (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه البخاري وأبو داود وابن ماجه. [٣٢٢٤] قوله: (حدثنا عبد الأعلى) هو: ابن عبد الأعلى، (عن علي بن حسين) بن علي بن أبي طالب الهاشمي المدني المعروف بزين العابدين. ٩٢ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ لَّ / باب ((ومِنْ سُورةِ سَبَأْ)) جَالِسٌ في نَفَرٍ مِن أصْحَابِهِ، إذْ رُمِيَ بِنَجْم فاسْتَنَارَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِّ: ((مَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ لِمِثلِ هَذَا في الجَاهِلِيَّةِ إِذَا رَأيْتُمُوهُ؟)) قَالُوا: كُنَّا نَقُولُ: يَمُوتُ عَظِيمٌ، أَوْ يُولَّدُ عَظيمٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((فَإِنَّهُ لا يُرْمَى بِهِ لِمَوْتِ أحَدٍ وَلا لِحَياتِهِ، وَلَكِنَّ رَبّنَا تَبَارَكَ اسْمُهْ إِذَا قَضَى أَمْراً، سَبَّحَ له حَمَلَةُ العَرْشِ، ثُمَّ سَبَّحَ أهْلُ السَّمَاءِ الَّذِينَ يَلُونَهُم، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، حَتَّى يَبْلُغَ التَّسْبِيحُ إلى هَذِهِ السَّمَاءِ، ثُمَّ سَأَلَ أهْلُ السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، أهْلَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالَ: فَيُخْبِرونَهُمْ، ثُمَّ يَسْتَخْبِرُ أهْلُ كلِّ سَمَاءٍ، حَتَّى يَبْلُغَ الخبرُ أهْلَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا، ويَخْتَطِفُ الشَّيَاطِينُ السَّمْعَ، فَيُرْمَوْنَ، فَيَقْذِفُونَهَا إلى أَوْلِيَائِهِمْ، فَمَا جَاؤُوا بِهِ عَلَى وَجْهِهِ فَهُوَ حَقٌّ، وَلَكِنَّهُمْ يُحَرِّفُونَ وَيزِيدُونَ)). [م: ٢٢٢٩، حم: ١٨٨٥]. قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ، وقد رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ عَن الزُّهْرِيِّ، عَن عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَن رِجَالٍ مِنَ الأَنْصَارِ، قَالُوا: كُنَّا قوله: (إذا رمي بنجم) أي: قذف به، والمعنى: انقض كوكب، وهو جواب ((بينما))، (فاستنار) أي: الجوُّ به، (ما كنتم تقولون لمثل هذا في الجاهلية، إذا رأيتموه)، ليس سؤاله وله للاستعلام؛ لأنه كان عالمًا بذلك، بل لأنْ يجيبوا عما كانوا يعتقدونه في الجاهلية، فيزيله عنهم، ويقلعه عن أصله؛ (يموت عظيم) أي: رجل عظيم، (لا يُرْمى) بصيغة المجهول، (به) أي: بالنجم، (لموت أحد ولا لحياته) أي: ولا لحياة أحد آخر، (تبارك اسمه) أي: تكاثر خَيْرُ اسمِهِ، (حتى يبلغ التسبيحُ) أي: صوته أو نوبته (إِلَى هذه السماء) أي: السماء الدنيا، (فيخبرونهم) أي: أهل السماء السادسة بما قال الله تعالى، (حتى يبلغ الخبر) أي: يصل، (ويختطف الشياطين) من الاختطاف، أي: تسترق، (فَيُرْمَوْنَ) بصيغة المجهول، أي: الشياطين يقذفون بالشهب، (فيقذفونها) أي: ما سمعوه من الملائكة، (إلى أوليائهم) من الكهنة والمنجِّمين، (فما جاؤوا به) أي: أوليائهم (على وجهه) أي: من غير تصرف فيه، (فهو حق) أي: كائن واقع، (ويزيدون) أي: يزيدون فيه دائمًا كذباتٍ أخرَ منضمة إليه. قوله: (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه أحمد(١)، (وقد روي هذا الحديث، عن الزهري، عن علي بن حسين، عن ابن عباس، عن رجال من الأنصار ... ) إلخ، أخرجه مسلم (٢). (١) أحمد، حديث (١٨٨٥). (٢) مسلم، كتاب السلام، حديث (٢٢٢٩). ٩٣ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَهِّر باب ((ومن سُورَةِ المَلائِكَةِ)) عِنْدَ النبيِّ وَلِّ فَذَكَرَ: نَحْوَهُ بِمَعْنَاهُ؛ حَدَّثَنَا بِذَلِكَ الحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، حَدَّثَنَا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ. ٣٦- باب ((ومن سُورَةِ المَلائِكَةِ)) [ت ٣٦، ١٢] بِسْمِ اللهِ الرََّنِ الرَّحَةِ [٣٢٢٥] (٣٢٢٥) حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى مُحمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، ومُحمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالًا: حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَن الوَلِيدِ بْنِ عَيْزارٍ، أنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا مِن ثَقِيفٍ يُحَدِّثُ عَن رجال مِن كِنْدَةَ، عَن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ بَِّ أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِنَبَ الَّذِينَ أَصْطَفَيَّنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَتِ﴾ [فاطر: ٣٢] قَالَ: ((هَؤُلَاءِ كُلَّهُمْ بِمِنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ، وكُلَّهُمْ في الجَنَّةِ)). [حم: ١١٣٣٦]. ٣٦- بَاب وَمِنْ سُورَةِ المَلَائِكَةِ وَتُسَمَّى سُوْرَةَ فَاطِرٍ مَكِّيَّةٌ وَهِيَ خَمسٌ أَو سِتٌّ وَأَرْبَعُونَ آيَّةً. [٣٢٢٥] قوله: (﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا﴾ [فاطر: ٣٢]) أي: أعطينا (﴿ الْكِتَبِ﴾ [فاطر: ٣٢]) أي: القرآن ﴿﴿الَّذِينَ أَصْطَفَيَّنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر: ٣٢]) هم: أمة محمد بَّ ﴿﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر: ٣٢]) بالتقصير في العمل به (﴿وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ﴾ [فاطر: ٣٢]) يعمل به في أغلب الأوقات (﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَتِ﴾ [فاطر: ٣٢]) يضم إلى العمل به التعليم والإرشادَ إلى العمل (﴿بِإِذْنِ اَللَّهِ﴾ [فاطر: ٣٢]) أي: بإرادته، (قال) أي: رسول الله وَله: (هؤلاء) أي: الأنواع الثلاثة (كلَّهم بمنزلة واحدة، وكلهم في الجنَّة) قال الحافظ ابن كثير في ((تفسيره)): معناه: أي في أنهم من هذه الأمة، وأنهم من أهل الجنة، وإن كان بينهم فرق في المنازل في الجنة، وقال: قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِنَبَ الَّذِينَ أَصْطَفَيَّنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر: ٣٢] قال: هم أمة محمد ◌َّله، ورَّثهم الله تعالى كل كتاب أنزله؛ فظالمهم: يغفر له، ومقتصدهم يحاسب حسابًا يسيرًا، وسابقهم: يدخل الجنة بغير حساب؛ وكذا روي عن غير واحد من السلف: أن الظالم لنفسه من هذه الأمة - من المصطَفَيْنَ عَلَى ما فيه من عوج وتقصير، وقال آخرون: بل الظالم لنفسه ليس من هذه الأمة ولا من المصطَفَيْنَ الوارثينَ للكتاب، والصحيحُ: أن الظالم لنفسه من هذه الأمة، وهذا اختيار ابن جرير؛ كما هو ظاهر الآية، وكما جاءَتْ به ٩٤ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله وَّ/ باب ((وَمِنْ سُورةٍ يس)) قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ حَسَنٌ ، لا نَعرِفُهُ إلَّا مِنْ هذَا الوَجْهِ. ٣٧ - باب ((وَمِنَّ سُورةٍ يس)) [ت ٣٧، م١] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمَةِ [٣٢٢٦] (٣٢٢٦) حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ وَزِيرِ الوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ الأَزْرَقُ، عَنِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَن أبِي نَضْرَةَ، عَن أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، قَالَ: كَانَت بَنُو سَلِمَةَ فِي نَاحِيَةِ المَدِينَةِ، فَأَرَادُوا النُّقْلَةَ إلى قُرْبِ المَسْجِدِ، فَتَزَلَتْ هَذِهِ الآيةُ: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحِي الأحاديث عن رسول الله وَه مِنْ طرق يشدُّ بعضها بعضًا، فذكرها، ومنها: حديث الباب، ومنها: حديث أبي الدرداء - رَُّبه - قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهَ يقول: ((قَالَ الله تعالى: أَوْرَثْنَا الْكِنَبَ الَّذِينَ أَصْطَفَيَّنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣٢]، فأما الذين سبقوا: فأولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب وأما الذين اقتصدوا فأولئك الذين يحاسبون حسابًا يسيرًا، وأما الذين ظلموا أنفسهم: فأولئك الذين يحبسون في طول المحشر، ثم هم الذين تلافاهم الله برحمته؛ فهم الذين يقولون: ﴿وَقَالُواْ اٌلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَّنَّ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورُ (٦ الَّذِىّ أَحَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لَا يَمَشُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَشُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ [فاطر: ٣٤، ٣٥] رواه أحمد (١). قوله: (هذا حديث غريب حسن) وأخرجه أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم(٢)، وفي أسانيد كلهم من لم يُسمَّ؛ فتحسين الترمذي له لشواهده. ٣٧ - بَاب وَمِنْ سُورةٍ ﴿يس﴾ .. ٠٫ مَكِّيَّةٌ، وَهِيَ ثَلاثٌ وَثَمَانُونَ آيَةً . [٣٢٢٦] قوله: (عن أبي نضرة) العبدي الواسطي. قوله: (كانت بنو سلمة) بكسر اللام بطن من الأنصار، وليس في العرب ((سَلِمَةٌ)) بكسر اللام غيرهم، (فأرادوا النُّقْلَةَ) بضم النون وسكون القاف، أي: الانتقال (﴿إِنَّا نَحْنُ نُخِي (١) أحمد، حديث (٢١٢٢٠). (٢) ابن أبي حاتم (٣١٨١/١٠) (١٧٩٨٧)، وابن جرير في تفسيره (١٣٣/٢٢)، قال ابن كثير في ((التفسير)) (٥٥٦/٣): حديث غريب من هذا الوجه وفي إسناده من لم يسم. ٩٥ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ / باب ((وَمِنْ سُورةٍ يس)) اُلْمَوْقَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَءَثَرَهُمْ﴾ [يس: ١٢] فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((إِنَّ آثَارَكُمْ تُكْتَبُ)) فَلَمْ يَنْتَقِلُوا . قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، مِن حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ، وَأَبُو سُفْيَانَ: هُوَ: طَرِيفٌ السَّغْدِيُّ. اُلْمَوْنَى﴾ [يس: ١٢]) أي: يوم القيامة، وفيه إشارة إلى أن الله تعالى يحيي قَلْبَ من يشاء من الكفار الذين قد ماتَتْ قلوبهم بالضلالة، فيهديهم بعد ذلك إلى الحق، (﴿ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا﴾ [يس: ١٢]) أي: في حياتهم من خير وشر؛ ليجازوا عليهم، (﴿وَءَاثَرَهُمْ﴾ [يس: ١٢]) فيه قولان: أحدهما: نكتب أعمالهم التي باشروها بأنفسهم، وآثارهم التي أثروها من بعدهم، فيجزيهم على ذلك - أيضًا - إنْ خيرًا فَخَيرٌ، وإن شرًّا فشرٌّ؛ كقوله ◌َِّ: ((منْ سَنَّ في الإسلامِ سُنَّةً حَسَنَةً كَانَ لَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِن بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، ومن سنَّ في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا))؛ رواه مسلم(١)، وهذا القول هو اختيار البغوي. والقول الثاني: أن المراد بذلك آثارُ خطاهم إلى الطاعة أو المعصية؛ قال ابن أبي نَجِيْحٍ وغيرهٍ، عن مجاهد: ما قدَّموا: أَعْمَالهُم، وآثَارهم، قال: خُطاهم بِأَرْجُلِهِمْ، وكذا قال الحسن وقتادة: وآثارهم، يعني: خطاهم؛ ويدلُّ على هذا القول الثاني - حديثُ أبي سعيد هذا، قال الحافظ ابن كثير: وهذا القول الثاني لا تَنَافِيَ بينه وبين القول الأول؛ بل في هذا تنبيهٌ ودلالة على ذلك بطريق الأولى والأحرى؛ فإنه إذا كانت هذه الآثار تكتب: فَلأَنْ تكتبَ تلك التي فيها قدوة بهم من خير وشر - بطريق الأولى. انتهى. (إن آثاركم تكتب) أي: يكتب أجر خطاكم وثواب أقدامكم. قوله: (هذا حديث حسن غريب)، وأخرجه ابن أبي حاتم وابن جرير والبزار(٢) . (١) قطعة من حديث أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، حديث (١٠١٧). (٢) ابن أبي حاتم (٣١٩٠/١٠) (١٨٠٣٧)، وابن جرير في ((التفسير)) (١٥٤/٢٢)، وابن عدي في ((الكامل)) (١١٧/٤). وأخرجه البزار-كما في تفسير ابن كثير (٥٦٧/٣). ٩٦ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله ◌َّهِ / باب ((ومِن سُورَةٍ ﴿وَالصَّفَّتِ﴾)» [ت ٣٧، م٢] [٣٢٢٧] (٣٢٢٧) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأعْمَشِ، عَن إِبْرَاهِيمَ التيميِّ، عَن أبِيهِ، عَن أبي ذَرِّ، قَالَ: دَخَلْتُ المَسْجِدَ حِينَ غَابَتِ الشَّمْسُ، وَالنبيُّ وَ جَالِسٌ، فَقَالَ النبيُّ وََّ: ((أَتَدْرِي يَا أبَا ذَرِّ! أيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ؟)) قَالَ: قُلْتُ: الله وَرَسُولُهُ أعْلَمُ، قَالَ: ((فإنَّهَا تَذْهَبُ فَتَسْتَأْذِنُ فِي السُّجُودِ، فَيُؤْذَنُ لَهَا، وَكَأَنَّهَا قَدْ قِيلَ لَهَا: اطْلعِي مِن حَيثُ جِئْتِ، فَتَطْلُعُ مِن مَغْرِبِهَا)) قَالَ: ثُمَّ قَرأ ﴿ذلك مستقر لها﴾ [يس: ٣٨] قَالَ: وَذَلِكَ في قِرَاءة عَبْدِ الله. [خ: ٣١٩٩، م: ١٥٩، د بنحوه: ٤٠٠٢، حم: ٢٠٨٩٦، طا: ١٨٩١]. قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ. ٣٨- باب ((ومِن سُورَةٍ ﴿وَالصَّفَّتِ﴾)) [ت ٣٨، م١] بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحِيَةِ [٣٢٢٨] (٣٢٢٨) حَدَّثَنَا أحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا لَيْثُ بْنُ أبي سُلَيْمِ، عَن بِشْرٍ، عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَهُ: ((مَا مِن دَاعِ دَعَا إلى شَيْءٍ، إلَّا كَانَ مَوْقُوفاً يَوْمَ القيامَةِ لَازِماً بِهِ لا يُفَارِقُّهُ، وَإِنْ دَعَا رَجُلٌ رَجُلًا)) ثُمَّ قَرأْ قَوْلَ الله عَزَّ وَجَلَّ : [٣٢٢٧] قوله: (عن أبي ذر قال: دخلت المسجد حين غابت الشمس ... ) إلخ، تقدَّم هذا الحديث بإسناده ومتنه في ((باب طلوع الشمس من مغربها)) من أبواب الفتن، وتقدَّم هناك شرحه. ٣٨ - بَاب وَمِنْ سُوْرةٍ ﴿وَالصَّفَّتِ﴾ مَكِّيَّةٌ، وَهِيَ مِائَةٌ واثْتَتَانٍ وَثَمَانُونَ آيَةً [٣٢٢٨] قوله (دعا) أي: أحدًا، (إلى شيء) أي: من الشرك والمعصية، (إلا كان) أي: الداعي (لازمًا به) أي: للشيء الذي دعا إليه، وظاهر رواية ابن جرير الآتية يدلُّ على أن الضمير المرفوعَ في ((كان)) راجع إلى المدعوِّ، والمجرورُ في ((له)) إلى الداعي، فتفكّر وتأمَّل، (وإن) وُصْلِيَّة، (دعا رجل رجلًا) أي: إلى شيء، وروى ابن جرير هذا الحديث بلفظ: ((أَيُّمَا ٩٧ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَّهِ / باب (ومِن سُورَةٍ ﴿وَالصَّفَّتِ))) ٢٤ مَا لَكُمْ لَ نَنَاصَرُونَ﴾ [الصافات: ٢٤، ٢٥]. [ضعيف، ليث، ترك حديثه، ﴿وَقِفُوُْ إِنَّهُمْ مَسْتُولُونَ وبشر، مجهول مي: ٥١٦] . قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت ٣٨، م٢] ٣٢] (٣٢٢٩) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجرٍ، أْبَرَنَا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَن زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَن رَجُلٍ، عَن أبي العَالِيَةِ، عَن أُبِيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: سَأَلْتٌ رَسُولَ اللهِ وَّه عَن قَوْلِ الله تعَالى: ﴿وَأَرْسَلْنَهُ إِلَى مِائَةٍ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧] قَالَ: ((عِشْرُونَ ألْفَاً)). [ضعيف الإسناد] . رَجُلِ دَعَا رَجُلًا إِلَى شَيءٍ كَانَ مَوْقُوفًا لَازِمًا بِغَارِبِهِ لَا يُفَارِقُهُ))، ثم قرأ هذه الآية: (﴿وَقِفُوٌ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤]) أي: احبسوهم عند الصراط، حتى يسألوا عن أعمالهم وأقوالهم التي صَدَرَتْ عنهم في الدار الدنيا (﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ﴾ [الصافات: ٢٥]) أي: يقال لهم تقريعًا وتوبيخًا: ما لكم لا ينصُرُ بعضُكم بعضًا؛ كحالكم في الدنيا. قوله: (هذا حديث غريب)، وأخرجه ابن أبي حاتم وابن جرير(١)، وفي سنده ليثُ بن أبي سُلَيْم، وكان قد اختلط أخيرًا، ولم يتميَّز حديثه، فترك، وفيه - أيضًا - بِشْرٌ عن أنس، وهو مجهول. [٣٢٢٩] قوله: ﴿﴿وَأَرْسَلْنَهُ﴾ [الصافات: ١٤٧]) أي: يونس - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام - (﴿إِلَى مِئَةٍ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧]) قال ابن عباس: معناه: ((ويَزِيدُونَ)) وقيل: معناه: ((بَلْ يَزِيْدُونَ)) وقيل: ((أوْ)) عَلَى أصلها، والمعنى: أَوْ يَزِيدونَ في تقدير الرَّائي إذا رَآهُم، قال: هؤلاء مائة ألفٍ أو يزيدونَ على ذلك؛ فالشك عَلَى تقدير المخلوقينَ، قال الخازن: والأصحُّ هو قول ابن عباس الأول، وأما الزيادة، فقال ابن عباس: كانوا عشرين ألفًا، ويَعْضُدُهُ ما رُوِيَ عن أَبَيِّ بن كعب - رضي الله تعالى عنه - يعني: حديث الباب الذي نحن في شرحه - وقيل: يزيدون بضعًا وثلاثين ألفًا، وقيل: سبعين ألفًا. انتهى، (قال) أي: رسول الله وَّهُ: (عشرون ألفًا)، وبه قال ابن عباس، وفي رواية عنه ((كَانوا مِائَةً وَثَلاثِينَ أَلْفًا)) وعنه: مائةَ ألفٍ وبضعةً وأربعين، وعنه: مائة ألفٍ وبضعة وثلاثين ألفًا . (١) ابن أبي حاتم (٣٠٨/١٠) (١٨١٥٧)، وابن جرير في ((التفسير)) (٤٨/٢٣). ٩٨ كِتابُ تَفْسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِهِ / باب ((ومِن سُورَةٍ ﴿وَالصَّفَّتِ﴾)) قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِبِبٌ. [ت ٣٨، م٣] [٣٢٣٠] (٣٢٣٠) حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ خالِدِ بْنِ عَثمَةَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ بَشِيرٍ، عَن قَتَادَةَ، عَن الحَسَنِ، عَن سَمُرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ بَّ في قَوْلِ الله: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُ اَلْبَاقِينَ﴾ [الصافات: ٧٧] قَالَ: ((حَامٌ، وَسَامٌ، وَيَافِثُ، كَذَا)). [ضعيف الإسناد، سعيد بن بشير، ضعيف] . قَالَ أَبُو عِيْسَى: يُقَالُ: يَافِتُ، ويَافِثُ، بالتَّاءِ والثَّاءِ، ويُقَالُ: يَفِثُ. قَالَ: وهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، ولَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِن حَدِيثِ سَعيدٍ بْنِ بَشِيرٍ . قوله: (هذا حديث غريب)، وأخرجه ابن أبي حاتم وابن جرير(١)، وفي سنده مجهول. [٣٢٣٠] قوله: (حدثنا سعيد بن بشير) الأزدي، مولاهم، أبو عبد الرحمن، أو أبو سلمة الشامي، أصله: من البصرة أو واسط، ضعيف، من الثامنة. قوله: (﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ﴾ [الصافات: ٧٧]) أي: ذرية نوح - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام - ﴿﴿هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات: ٧٧]) أي: وحدهم دون غيرهم؛ كما يشعر به ضمير الفصل؛ وذلك لأن الله أهلك الكفرة بدعائه، ولم يُبْقِ منهم باقيةً وَمَنْ كان معه في السفينة من المؤمنين ماتوا كما قيل، ولم يَبْقَ إلا أولاده، (قال) أي: رسول الله وَله : (حَامُ وسَامٌ ويَافِثُ)، قال سعيد بن المسيِّب: ولد نوح - عليه السلام -: ثلاثة سام ويافث وحام، وولد كل واحد من هؤلاء الثلاثة ثلاثة، فولد سام: العرب وفارس والروم، وولد يافث: الترك والصَّقَالبَة ويأجوج ومأجوج، وولد حام: القبط والسُّودان والبَرْبر، وروي عن وهب بن مُنَبِّهِ نحو هذا. قوله: (بالتاء) أي: الفوقية، (والثاء) أي: المثلثة، وبكسر الفاء فيهما، (ويقال: يفث) أي: بحذف الألف وبالمثلثة، قوله: (هذا حديث حسن غريب)، وأخرجه ابن جريج وابن أبي حاتم، وفي سماع الحسن من سَمُرَةَ كلامٌ معروف، وسعيد بن بشير: ضعيف؛ كما عرفت . (١) ابن جرير في ((التفسير)) (١٠٤/٢٣)، وابن أبي حاتم (٣٢٣٠/١٠) (١٨٢٩٧). ٩٩ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَِّ / باب ((وَمِن سُورَةٍ ﴿صَ﴾)) [ت ٣٨، م٤] [٣٢٣١] (٣٢٣١) حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذِ العَقَدِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع، عَن سَعِيدٍ بْنِ أبي عَرُوبَةَ، عَن قَتَادَةَ، عَن الحَسَنِ، عَن سَمُرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ قَالَ: ((سَامٌ: أبُو العَرَبِ، وَحَامٌ: أبُو الحَبَشِ، ويَافِتُ: أَبُو الرُّوم)). [حم: ١٩٥٩٤]. ٣٩- باب ((وَمِن سُورَةٍ (ص))) [ت ٣٩، ١٢] بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحِيمَةِ [٣٢٣٢] (٣٢٣٢) حَدَّثَنَا مَحمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ - المَعْنَى وَاحِدٌ - قالَا: حَدَّثَنَا أبُو أحْمَدَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَن الأعْمَشِ، عَن يَحْيَى - قَالَ: عَبْدٌ: هو ابنُ عَبَّادٍ - عَن سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: مَرِضَ أَبُو طالِبٍ، فَجَاءتْهُ قُرَيْشٌ، وَجَاءَهُ النبيُّ ◌َّهُ، وَعِنْدَ أبِي طالِبٍ [٣٢٣١] قوله: (ويافث أبو الروم) المراد بـ ((الروم)) - هاهنا- هم: الروم الأول، وهم: اليونان المنتسبون إلى رومي بن ليطي بن يونان بن نوح - عليه السلام - قاله ابن كثير، وحديث سمرة هذا أخرجه أيضًا أحمد وأبو يعلى وابن المنذر والطبراني والحاكم (١) وصححه. ٣٩ - باب وَمِنْ سُورَةٍ ص مَكِيَّةٌ وَهِيَ سِتٌ أَوْ ثَمَانٍ وَثَمَانُونَ آيَةٍ . [٣٢٣٢] قوله: (حدثنا أبو أحمد) هو: الزبيري، (عن يحيى) قال في ((تهذيب التهذيب)): يحيى بن عمارة، ويقال: ابن عباد، وقيل: عبادة، كوفي، روى عن ابن عباس قصةَ مَوْتٍ أبي طالِب، وعنه: الأعمش؛ ذكره ابن حبان في ((الثقات)): قال الحافظ: وجزم بكونه يحيى بن عمارة، وكذا البخاري ويعقوب بن شيبة. قوله: (مرض أبو طالب، فجاءته قريش، وجاءه النبي (18) وفي رواية ابن جرير (٢) وغيره: ((لَمَّا مَرِضَ أَبُو طَالِبٍ، دَخَلَ عَلَيْهِ رَهْطٌ مِنْ قُرَيْشٍ فِيهِمْ أَبُو جَهْل، فَقَالُوا: إِنَّ ابْنَ أَخِيكَ يَشْتُمُ آلِهَتَنَا وَيَفْعَلُ وَيَفْعَلُ، وَيَقُولُ وَيَقُولُ، فَلَوْ بَعَثْتَ إِلَيْهِ فَنَهَيْتُهُ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ فَجَاءَ النَّبِيُّ (١) أحمد، حديث (١٩٥٩٤)، وابن أبي حاتم (٢٠٣١/٦) (١٠٨٧٦)، وابن جرير في ((التفسير)) (٢٣/ ٦٧)، والطبراني في «الكبير» (١٤٥/١٨) (٣٩)، والحاكم، حديث (٤٠٠٦) وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي. (٢) ابن جرير في ((التفسير)) (١٢٥/٢٣). ١٠٠ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله ◌َيْءَ/ باب ((وَمِن سُورَةٍ ﴿صَ﴾)) مَجْلِسُ رَجُلٍ، فَقَامَ أَبُو جَهْلٍ كَيْ يَمْنَعَهُ قَالَ، وَشَكَوْهُ إلى أبي طالِبٍ، فَقَالَ: يَا ابْنَ أخِي، مَا تُرِيدُ مِن قَوْمِكَ؟ قَالَ: ((إِنِّي أُرِيدُ مِنْهُمْ كَلِمَةً واحدةً، تَدِينُ لَهُم بها العربُ، وتُؤَدِّي إِلَيْهِمُ العَجَمُ الجِزْيَةَ))، قَالَ: كَلِمَةً وَاحِدَةً؟ قَالَ: ((كَلِمَةً وَاحِدَةً)) قَالَ: ((يَا عَمِّ، يقُولُوا: لا إِلَهَ إِلَّ الله)) فَقَالُوا: إِلَهاً وَاحِدَاً ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِى الْمِلَّةِ الْآَخِرَةِ إِنْ هَذَآ إِلَّا بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِىِ اخِْلَقُ﴾ [ص: ٧] قَالَ: فَنَزَلَ فِيهِمُ القُرآنُ: ﴿َصَّ وَالْقُرْءَانِ ذِى الذِّكْرِ ( وَّهِفَدَخَلَ الْبَيْتَ)) (مجلس رجل) أي: موضع جلوس رجل، (كي يمنعه) أي: النبي ◌َ لّعن الجلوس فيه، وفي رواية ابن جرير (١) وغيره: ((وَبَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَبِي طَالِبٍ قَدْرُ مَجْلِسٍ رَجُلٍ، فَخَشِيَ أَبُو جَهْلٍ لَعَنَهُ الله - إِنْ جَلَسَ إِلَى جَنْبٍ أَبِي طَالِبٍ أَنْ يَكُونَ أَرَقَّ لَهُ عَلَيْهِ فَوَثَبَ فَجَلَسَ فِي ذَلِكَ المِجْلِسِ، وَلَمْ يَجِدْ رَسُولُ اللهِ وَلِ مَجْلِسًا قُرْبَ عَمِّهِ، فَجَلَسَ عِنْدَ الْبَابِ)) (وشكوه إلى أبي طالب) أي: قالوا له: إن ابن أخيك يشتم آلهتنا، ويفعل ويفعل ويقول ويقول؛ كما في رواية ابن جرير، (فقال) أي: أبو طالب لرسول الله وَ ل#: (يا ابن أخي، ما تريد من قومك، وفي رواية ابن جرير: «فقال لهُ أَبُو طَالِبٍ: أي ابْنَ أَخِي، مَا بَالُ قَوْمِكَ يَشْكُونَكَ وَيَزْعُمُون أَنَّكَ تَشْتُمُ آلِهَتْهُمْ، وَتَقُول وَتَقُول)) (أريد منهم كلمة واحدة تدين لهم بها العرب) أي: تطيعهم وتخضَعُ لهم العرب بتلك الكلمة، (وتؤدي إليهم العجم الجزية) أي: تعطيهم العجم الجزية بسبب تلك الكلمة، (قال) أي: أبو طالب: (كلمة واحدة) أي: تريد كلمةً واحدةً؟ (قال) أي: النبي ◌َّ (كلمة واحدة) أي: أريد منهم كلمةً واحدةً (فقالوا: إلهًا واحدًا) أي: أتجعلُ الآلهةَ إلهًا واحدًا، (﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا﴾) أي: بالذي تقوله من التوحيد (﴿فِى اٌلْعِلَّةِ الْآَخِرَةِ﴾) وهي ملة النصرانية؛ فإنها آخر الملل قبل ملة الإسلام، كذا قال محمد بن كعب القرظي وقتادة ومقاتل والكلبي والسدي؛ وبه قال ابن عباس، وقال مجاهد: يعنون به مِلَّة قريش، أي: التي أدركنا عليها آباءنا، وعن قتادة مثله (﴿إِنَّ هَذَا﴾) أي: ما هذا (﴿إِلَّا وَالْقُرْءَانِ ذِى الذِّكْرِ﴾ إلخ، الآيات اخِلَقُ﴾ [ص: ٧]) أي: كذبٌ اختلقه محمد، ﴿ص بتمامها مع تفسيرها - هكذا: ﴿ص﴾: الله أعلم بمراده به، ﴿وَالْقُرْءَانِ ذِى الذِّكْرِ﴾ أي: والقرآن المشتمل على ما فيه ذكرٌ للعباد ونفعٌ لهم في المعاش، والمعاد؛ كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَنَزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَبًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ أي: تذكيركم، وقال ابن عباس - ضًَّا - ((ذي الذكر)) أي: ذي الشرف وذي الشأن والمكانة؛ قال ابن كثير: ولا منافاة بين القولين؛ فإنه كتاب شريف (١) ابن جرير ((التفسير)) (١٢٥/٢٣).