Indexed OCR Text

Pages 501-520

٥٠١
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَفي
وروى عبد بن حميدٍ، والطبري(١)، من طريق الشعبي، عن ابن عمر، عن عمر قال:
((أَرَادَ رَسُولُ اللهِ وَّوَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى عَبْدِ الله بْنِ أُبَيِّ، فَأَخَذْتِ بِثَوْبِهِ فَقُلْت: واللهِ مَا أَمَرَكَ الله
بِهَذَا، لَقَدْ قَالَ: ﴿إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اَللَّهُ لَهُمْ﴾)) [التوبة: ٨٠]، ووقع عند ابن
مردويه(٢)، من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ فقال عمر: ((أَتصَلِّي عَلَيْهِ وَقَدْ نَهَاكَ الله
أَنْ تصَلِّيَ عَلَيْهِ؟ قَالَ: أَيْنَ؟ قَالَ: وقَالَ: ﴿أَسْتَغْفِرْ﴾ الآية. وهذا مثل رواية الباب؛ فكأن
عمر قد فهم من الآية المذكورة ما هو الأكثر الأغلب من لسان العرب، من أن ((أو)): ليست
للتخيير؛ بل للتسوية في علم الوصف المذكور؛ أي: أن الاستغفار لهم، وعدم الاستغفار
سواء، وهو كقوله تعالى: ﴿سَوَآءُ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمَّ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [المنافقون: ٦]،
لكن الثانية أصرح. ولهذا ورد أنها نزلت بعد هذه القصة، وفهم عمر أيضًا من قوله: ((سَبْعِينَ
مَرَّةً)) أنها للمبالغة، وأن العدد المعيّن لا مفهوم له؛ بل المراد: نفي المغفرة لهم، ولو كثر
الاستغفار. فيحصل من ذلك النهي عن الاستغفار؛ فأطلقه، وفهم أيضًا أن المقصود الأعظم
من الصلاة على الميت: طلب المغفرة للميت؛ والشفاعة له؛ فلذلك استلزم عند النهي عن
الاستغفار: ترك الصلاة؛ فلذلك جاء عنه في هذه الرواية إطلاق النهي عن الصلاة؛ ولهذه
الأمور استنكر إرادة الصلاة على عبد الله بن أبي.
هذا تقرير ما صدر عن عمر، مع ما عرف من شدة صلابته في الدين، وكثرة بغضه للكفار
والمنافقين؛ وهو القائل في حق حاطب بن أبي بلتعة؛ مع ما كان له من الفضل؛ كشهوده
بدرًا وغير ذلك؛ لكونه كاتَبَ قريشًا قبل الفتح: دعني يا رسول الله أضرب عنقه، فقد نافق؛
فلذلك أقدم على كلامه للنبي نَّه بما قال، ولم يلتفت إلى احتمال إجراء الكلام على ظاهره؛
لما غلب عليه من الصلابة المذكورة.
قال الزين بن المنير: وإنما قال ذلك عمر؛ حرصًا على النبي ◌َّهِ ومشورة، لا إلزامًا،
وله عوائد بذلك.
تنبيه: قال الخطّابي: إنما فعل النبي وَ﴿ مع عبد الله بن أبي ما فعل؛ لكمال شفقته على
من تعلق بطرف من الدين؛ ولتطييب قلب ولده عبد الله الرجل الصالح، ولتألف قومه من
(١) انظر ((الدر المنثور)) (٢٥٤/٤).
(٢) ذكره عنه السيوطي في ((الدر المنثور)) (٢٥٨/٤) وعزاه أيضًا للطبراني والبيهقي في ((الدلائل).

٥٠٢
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِّهِ
((أَنَا بَيْنَ الخِيرَتَيْنِ: ﴿أُسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]، فَصَلَّى عَلَيْهِ؛
فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿وَلَا تُصَلّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُم مَاتَ أَبَدًّا وَلَا نَقُمْ عَلَى قَبْرِهِةِ﴾ [التوبة: ٨٤]؛ فَتَرَكَ
الصَّلَاةَ عَلَيْهِم. [خ: ١٢٦٩، م: ٢٧٧٤، ن: ١٨٩٩، جه: ١٥٢٣، حم: ٤٦٦٦].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
[ت ١٠، م ١٤]
[٣٠٩٩] (٣٠٩٩) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ أبِي أَنَسٍ، عَنْ
عَبْدِ الرَّحمَنِ بْنِ أبِي سَعِيدٍ، عَنْ أبِي سَعِيْدِ الخُدْرِيِّ؛ أنَّهُ قَالَ: تَمَارَى رَجُلَانِ في
المَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِن أوَّلِ يَوْمٍ، فَقَالَ رَجُلٌ: هُوَ مَسْجِدُ قُبَاء، وقال
الخزرج؛ لرياسته فيهم، فلو لم يجب سؤال ابنه، وترك الصلاة عليه قبل ورود النهي
الصريح؛ لكان سبة على ابنه، وعارًا على قومه، واستعمل أحسن الأمرين في السياسة إلى أن
نُھي؛ فانتھی.
وقد أخرج الطبري(١)، من طريق سعيد، عن قتادة في هذه القصة قال: ((فَأَنْزَلَ الله
تَعَالَى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَاتَ أَبَدًّا وَلَا نَقُمْ عَلَى قَبْرِهِّهْ﴾ [التوبة: ٨٤] قَالَ: فَذَكَرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ الله
حَِّ قَالَ: ((وَمَا يُغْنِي عَنْهُ قَمِيصِي مِنَ الله، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يُسْلِمَ بِذَلِكَ أَلْفٌ مِنْ قَوْمِهِ)).
(أنا بين الخيرتين) تثنية: خيرة؛ كعنبة؛ أي: أنا مخير بين الاستغفار، وتركه (فأنزل الله
﴿وَلَا تُصَلّ عَلَىَّ أَحَدٍ مِنْهُم ◌َاتَ أَبَدًّا وَلَا نَقُمْ عَلَى قَبْرِيّةُ﴾) لدفن، أو زيارة، أي: لا تقف عليه، ولا
تتول دفنه، من قولهم: قام فلان بأمر فلان؛ إذا كفاه أمره، وناب عنه فيه. وتمام الآية:
﴿إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَانُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨٤]؛ وهذا تعليل لسبب المنع من الصلاة
عليه، والقيام على قبره.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان، والنسائي، وابن ماجه.
[٣٠٩٩] قوله: (عن عمران بن أبي أنس) القرشي، العامري، المدني، نزل الإسكندرية،
ثقة، من الخامسة (عن أبي سعيد الخدري أنه قال: تمارى رجلان في المسجد الذي أسس
على التقوى ... إلخ) تقدم هذا الحديث مع شرحه في باب: ((المسجد الذي أسس على
التقوى)) من أبواب ((الصلاة)).
(١) الطبري في ((التفسير)) (٢٠٦/١٠).

٥٠٣
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَيُ
الآخَرُ: هُوَ مَسْجِدُ رَسُولِ اللهِ وَ الْ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((هُوَ مَسْجِدِي هَذَا)).
[م: ١٣٩٨، ن: ٦٩٦، حم: ١٠٦٦٢].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ، مِن حَديثٍ عِمرَانَ بْنِ
أَبِي أَنسٍ؛ وقد رُوِيَ هذا، عَن أبي سَعِيدٍ، من غيرِ هذا الوَجْهِ، ورَوَاهُ أُنَيْسُ بْنُ
أبي يَحْيَى، عَن أبِيهِ، عَن أبي سَعِيدٍ
رضىعنه .
[ت ١٠، م ١٥]
[٣١٠٠] (٣١٠٠) حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْنُ العلاء، حَدَّثَنَا أبو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَة بْنُ
هِشَام، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ الحَارِثِ، عَن إِبراهِيمَ بْنِ أبي مَيْمُونٍ، عَن أبي صالحٍ، عَن
أبي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِّ وَِّ قَالَ: ((نَزَلَتْ هَذِهِ الآيةُ في أهْلِ قُبَاءِ: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُونَ
أَنْ يَنَطَهَّرُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُظَّهِّرِينَ﴾)) [التوبة: ١٠٨] قَالَ: ((كَانُوا يَسْتَنْجُونَ بِالمَاءِ؛ فَنَزَلَتْ
هَذِهِ الآيةُ فِيهِمْ)). [جه: ٣٥٧].
قَالَ: هذا حديثٌ غريبٌ من هذا الوَجْهِ.
قَالَ: وفي البابِ: عَن أبي أيُّوبَ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَمُحمَّدِ بْنِ عبدِ الله بْنِ سَلامِ.
[٣١٠٠] قوله: (حدثنا يونس بن الحارث) الثقفي، الطائفي، نزيل الكوفة، ضعيف، من
السادسة (عن إبراهيم بن أبي ميمونة) الحجازي، ذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال ابن
القطّان الفاسي: مجهول الحال.
قوله: (نزلت هذه الآية) والمشار إليها فيما بعد؛ وهو: قوله تعالى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ﴾ الآية
(في أهل قباء) أي: في ساكنيه، وقباء؛ بضم القاف ، وخفة الموحدة، والممدودة مصروفة،
وفيه: لغة بالقصر، وعدم الصرف: موضع بميلين، أو ثلاثة من المدينة. قال ابن الأثير:
هو: بمد، وصرف على الصحيح. (﴿يُحِبُّونَ أَنْ يَنَطَهَّرُواْ﴾ [التوبة: ١٠٨]) أي: يحبون الطهارة
بالماء في غسل الأدبار (قال) أي: أبو هريرة (كانوا) أي: أهل قباء.
قوله: (هذا حديث غريب) وأخرجه أبو داود، وابن ماجه.
قال الحافظ في ((التلخيص)): سنده ضعيف.
قوله: (وفي الباب عن أبي أيوب، وأنس بن مالك، ومحمد بن عبد الله بن سلام) أما

٥٠٤
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَه
حديث أبي أيوب، وأنس بن مالك؛ فأخرجه ابن ماجه، والحاكم(١)، من طريق أبي سفيان
طلحة بن نافع، قال: أخبرني أبو أيوب، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك. وإسناده
ضعيف؛ قاله الحافظ.
وأما حديث محمد بن عبد الله بن سلام، فأخرجه أحمد(٢) عنه قال: ((لَقَدْ قَدِمَ رَسُولُ الله
وَهِ، يَعْنِي قُبَاءَ فَقَالَ: ((إِنَّ الله عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَثْنَى عَلَيْكُمْ فِي الطَّهُورِ خَيْرًا، أَفَلَا تخْبِرُونِي يَعْنِي
قَوْلَهُ: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَنَظَهَرُواْ﴾. فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله! إِنَّا نَجِدُهُ مَكْتوبًا عَلَيْنَا فِي
التَّوْرَاةِ الاسْتِنْجَاءَ بِالمَاءِ». وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة، وابن قانع، وفي سنده: شهر بن
حَوْشَب. وحكى أبو نعيم في ((معرفة الصحابة)): الخلاف فيه على شهر بن حوشب.
تنبيه: روی البزار في «مسنده))(٣): قال: حدثنا عبد الله بن شبيب، حدثنا أحمد بن محمد بن
عبد العزيز: وجدت في كتاب أبي، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس قال:
((نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي أَهْلِ قُبَاءَ: ﴿رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَنَظَهَّرُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُظَلَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨]:
ج
فَسَأَلَهُمْ رَسُولُ اللهِ وَّةِ، فَقَالُوا: إِنَّا نُتْبِعُ الْحِجَارَةَ المَاءَ)).
قال البزار: لا نعلم أحدًا رواه عن الزهري، إلا محمد بن عبد العزيز، ولا عنه، إلا
ابنه. انتهى. ومحمد بن عبد العزيز(٤): ضعفه أبو حاتم؛ فقال: ليس له ولا لأخويه عمران،
وعبد الله حديث مستقيم. وعبد الله بن شبيب: ضعيف أيضًا.
وقد روى الحاكم(٥)، من حديث مجاهد، عن ابن عباس أصل هذا الحديث، وليس فيه
إلا ذكر الاستنجاء بالماء فحسب؛ ولهذا قال النووي في ((شرح المهذب)): المعروف في طرق
الحديث أنهم: كانوا يستنجون بالماء، وليس فيها أنهم كانوا يجمعون بين الماء والأحجار.
وتبعه ابن الرفعة؛ فقال: لا يوجد هذا في كتب الحديث، وكذا قال المحب الطبري نحوه.
ورواية البزار: واردة عليهم، وإن كانت ضعيفة؛ كذا في ((التلخيص)).
(١) ابن ماجه، كتاب الطهارة، حديث (٣٥٥)، والحاكم (٥٥٤) وصححه.
(٢) أحمد (٢٣٣١٩).
(٣) ذكره عنه الحافظ في ((تلخيص الحبير)) (١/ ١١٢).
(٤) قال الهيثمي (١/ ١٣١): ضعفه البخاري والنسائي وغيرهما، وهو الذي أشار بِجَلْدِ مالك.
(٥) الحاكم (٦٧٢) وصححه ووافقه الذهبي.

٥٠٥
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَه
[ت ١٠، م ١٦]
[٣١٠١] (٣١٠١) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا وَكِيعُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَن
أبي إسْحَاقَ، عَن أبي الخَلِيلِ - كوفيٌّ - عَن عَلِيٍّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا يَسْتَغْفِرُ لأَبَوَيْهِ
وَهُمَا مُشْرِكَانٍ، فَقُلْتُ لَهُ: أَتَسْتَغْفِرُ لأَبَوَيْكَ وَهُمَا مُشركَانٍ، فَقَالَ: أَوَلَيْسَ اسْتَغْفَرَ
إِبراهِيمُ لأَبِيهِ وَهُوَ مُشْرِكٌ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ وَّهِ، فَنَزَّلَتْ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ
ءَامَنُواْ أَنْ يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣]. [ن: ٢٠٣٥، حم: ١٠٨٨].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ.
قَالَ: وفي البابِ: عَن سَعِيدِ بْنِ المُسَيبِ، عَن أبِيهِ.
[٣١٠١] قوله: (عن أبي إسحاق) هو: السبيعي (عن أبي الخليل) اسمه: عبد الله بن
الخليل، أو: ابن أبي الخليل. الحضرمي أبو الخليل الكوفي، مقبول من الثانية، وفرق
البخاري وابن حبان بين الراوي عن علي فقال فيه: ابن أبي الخليل. والراوي عن زيد بن
أرقم؛ فقال فيه: ابن الخليل.
قوله: (وهما مشركان) جملة حالية (أو ليس استغفر إبراهيم لأبيه) أي: أتقول هذا؛
أوليس استغفر ... إلخ (﴿مَا كَانَ لِلنَِّّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ﴾﴾ أي: لا يصح،
ولا يجوز لهم أن يستغفروا للمشركين. وتمام الآية مع تفسيرها؛ هكذا: ﴿وَلَوْ كَانُواْ﴾: أي:
المشركون، ﴿أُوْلِ قُرْبَ﴾ أي: ذوي قرابة. ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَّ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَبُ الْجَحِيمِ﴾
[التوبة: ١١٣]: أي: النار، بأن ماتوا على الكفر. ﴿وَمَا كَانَ أَسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ
مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ﴾: بقوله: ((سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي)): رجاء أن يسلم. ﴿فَلَمَّا نَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ, عَدُوٌّ
لِلّهِ﴾: بموته على الكفر. ﴿تَبَرََّ مِنْهُ﴾ [التوبة: ١١٤]: وترك الاستغفار له. ﴿إِنَّ إِبْرَهِيمَ لَأَوَّهُ﴾:
كثير التضرع والدعاء. ﴿حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤]: صبور على الأذى.
قوله: (هذا حديث حسن) وأخرجه أحمد، والنسائي.
قوله: (وفي الباب عن سعيد بن المسيب، عن أبيه) أخرجه أحمد، والشيخان(١) عنه:
(أَنَّهُ لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبِ الْوَفَاةُ، جَاءَهُ رَسُولُ اللهِوَّ، فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلٍ بْنَ هِشَامٍ
(١) أحمد (٢٣١٦٢)، والبخاري، كتاب الجنائز، حديث (١٣٦٠)، ومسلم، كتاب الإيمان، حديث (٢٤).

٥٠٦
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَهـ
[ت ١٠، م ١٧]
[٣١٠٢] (٣١٠٢) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَن
الزُّهْرِيِّ، عَن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ كَعْبٍ بْنِ مَالِكِ، عَن أبِيهِ، قَالَ: لَمْ أَتَخَلَّفْ عَن
رَسُوْل اللهِ وََّ فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا، حَتَّى كَانَت غَزْوَةُ تَبُوك إلَّا بَدْرًا، وَلَمْ يُعَاتِبِ
وَعَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ المُغِيرَةِ)): فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ لِأَبِي طَالِبٍ: ((أَيْ عَمِّ: قُلْ لَا إِلَهَ
إِلَّا الله أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ الله)): فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ الله بْنُ أَبِي أُمَيَّةً، يَا أَبَا طَالِبٍ! أَتَرْغَبُ
عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ المُطَلِّبِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: (لَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أَنْهَ عَنْكَ)): فَنَزَلَتْ: ﴿مَا كَانَ
لِلنَّبِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِ قُرْبَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَبُ
الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣].
قال صاحب ((فتح البيان)): وقد روي في سبب نزول الآية: استغفار النبي ◌َّ لأبي طالب
من طرق كثيرة، وأصله في ((الصحيحين))، وما فيهما مقدم على ما لم يكن فيهما؛ على فرض
أنه صحيح؛ فكيف وهو ضعيف غالبه؟! ولا ينافي هذا ما ثبت عنه بَّ في الصحيح(١) أنه
قال يوم أحد حين كسر المشركون رباعيته، وشجوا وجهه: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا
يَعْلَمُونَ))؛ لأنه يمكن أن يكون ذلك قبل أن يبلغه تحريم الاستغفار لهم، وعلى فرض أنه قد
كان بلغه؛ كما يفيده سبب النزول؛ فإنه قبل أُحد بمدة طويلة؛ فصدور هذا الاستغفار منه؛
إنما كان على سبيل الحكاية عمن تقدمه من الأنبياء؛ كما في ((صحيح مسلم)) (٢) عن عبد الله
قال: ((كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يَحْكِي نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ،
وَيَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ، وَيَقُولُ: رَبِّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ)). انتهى.
[٣١٠٢] قوله: (عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك) الأنصاري، كنيته: أبو الخطاب
المدني، ثقة، من كبار التابعين، ويقال: ولد في عهد النبي ◌َّر.
قوله: (حتى كانت غزوة تبوك) مكان معروف هو: نصف طريق المدينة إلى دمشق.
ويقال: بين المدينة وبينها أربع عشرة مرحلة. والمشهور فيها: عدم الصرف؛ للتأنيث
والعَلَمية؛ ومن صرفها أراد: الموضع، وكانت هذه الغزوة في شهر رجب، من سنة تسع قبل
(١) البخاري، كتاب الأنبياء، حديث (٣٤٧٧)، ومسلم، كتاب الجهاد والسير، حديث (١٧٩٢).
(٢) مسلم، كتاب الجهاد والسير، حديث (١٧٩٢).

٥٠٧
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَه
النَّبِيُّ ◌َلِ أَحَدًا تَخَلَّفَ عَن بَدْرٍ؛ إنَّمَا خَرَجَ يُرِيدُ العِيرَ، فَخَرَجَتْ قُرَيْشٌ مُغيثِينَ
لِعِيرِهِمْ، فالتَقَوْا عَنِ غَيْرِ مَوْعِدٍ، كَمَا قَالَ الله عَزَّ وَجَلَّ: وَلَعَمْرِي إنَّ أَشْرَفَ مَشَاهِدٍ
رَسُولِ اللهِ وَّ فِي النَّاسِ لَبَدْر، وَمَا أُحِبُّ أنِّي كُنْتُ شَهِدْتُهَا مَكَانَ بَيْعَتِي لَيْلَةَ العَقَبَةِ
حَيْثُ تَوَاثَقْنَا عَلَى الإِسْلَامِ، ثُمَّ لَمْ أَتَخَلَّفْ بَعْدُ عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ حَتَّى كَانَت غَزْوَةُ تَبُوك،
وَهِيَ آخِرُ غَزْوَةٍ غَزَاهَا، وَأَذَنَ النَّبِيُّ ﴿ النَّاسَ بِالرَّحِيلِ؛ فَذَكَرَ الحديثَ بِطُولِهِ، قَالَ:
فانْطِلَقْتُ إلى النَّبِيِّ نَّهِ فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ في المَسْجِدِ، وَحَوْلَهُ المُسْلِمُونَ، وَهُوَ يَسْتَنِيرُ
كَاسْتِنَارَةِ القَمَرِ، وَكَانَ إذَا سُرَّ بِالأمرِ اسْتَنَارَ، فَجِئْتُ فَجَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ:
حجة الوداع، بلا خلاف (مغيثين لعيرهم) أي: معينين لعيرهم من: الإغاثة؛ بمعنى: الإعانة.
وفي بعض النسخ ((مَغْوِّثِينَ)).
قال في ((النهاية)): جاء به على الأصل، ولم يعله؛ کاستحوذ، واستنوق. ولو روي
((مُغَوِّثِينَ)) بالتشديد من: غوث، بمعنى: أغاث؛ لكان وجهًا. والعير بكسر العين: الإبل
بأحمالها. وقيل: هي قافلة الحمير؛ فكثرت حتى سميت بها كل قافلة.
(كما قال الله تعالى) يعني: قوله تعالى: ﴿إِذْ أَنْتُم بِلْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُم بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى
وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمَّ وَلَوْ تَوَاعَدُّمْ لَأَخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَدِ وَلَكِن لِيَقْضِىَ اَللَّهُ أَمْرًا كَانَ
مَفْعُولًا﴾ [الأنفال: ٤٢] (وما أحب أني كنت شهدتها مكان بيعتي ليلة العقبة) أي: بدل بيعتي ليلة
العقبة؛ لأن هذه البيعة كانت أول الإسلام ومنشأه. وليلة العقبة: ليلة بايع وَلقي فيها الأنصار
على الإسلام والنصر؛ وذلك أنه وَي كان يعرض نفسه على القبائل في كل موسم؛ ليؤمنوا
به، ويؤووه؛ فلقي رهطًا من الخزرج؛ فأجابوه؛ فجاء في العام المقبل اثنا عشر إلى الموسم؛
فبايعوه عند العقبة؛ وهي بيعة العقبة الأولى؛ فخرج في العام الآخر سبعون إلى الحج؛
فاجتمعوا عند العقبة ، وأخرجوا من كل فرقة نقيبًا؛ فبايعوه، وهي: البيعة الثانية (حيث
تواثقنا على الإسلام) بمثلثة، وقاف؛ أي: أخذ بعضنا على بعض الميثاق؛ لما تبايعنا على
الإسلام والجهاد. والميثاق: العهد. وأصله: قيد، أو: حبل يشد به الأسير، أو الدابة (بعد)
بضم الدال؛ أي: بعد غزوة بدر (غزاها) الضمير المرفوع للنبي ◌ّر (وآذن) من الإيذان؛ أي:
اعلم (فذكر الحديث بطوله).

٥٠٨
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهَِهـ
((أَبْشِرْ يَا كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ بِخَيْرِ يَوْم أتَى عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ)). فَقُلْتُ: يَا نَبيَّ الله،
أمِنْ عِنْدِ الله، أمْ مِن عِنْدِكَ؟ قَالَ: ((بَلْ مِن عِنْدِ الله، ثم تَلا هَؤلاءِ الْآيَاتِ: ﴿لَقَد
تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيّ وَالْمُهَجِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ أَتَّبَعُوهُ فِ سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ حَتَّى بلغ
روى البخاري(١) هذا الحديث بطوله في باب: ((غزوة تبوك)) (أبشر يا كعب بن مالك
بخير يوم أتى عليك منذ ولدتك أمك) استشكل هذا الإطلاق بيوم إسلامه؛ فإنه مر عليه بعد
أن ولدته أمه؛ وهو خير أيامه؛ فقيل: هو مستثنى تقديرًا، وإن لم ينطق به؛ لعدم خفائه؛
والأحسن في الجواب أن يوم توبته مكمل ليوم إسلامه؛ فيوم إسلامه بداية سعادته، ويوم توبته
مكمل لها؛ فهو خير جميع أيامه، وإن كان يوم إسلامه خيرها؛ فيوم توبته المضاف إلى
إسلامه خير من يوم إسلامه المجرد عنها. (﴿لَّقَد تَابَ اللَّهُ﴾) أي: أدام توبته. (﴿عَلَى النَّبِيِّ﴾
[التوبة: ١١٧]) فيما وقع منه ◌ّي من الإذن في التخلف، أو فيما وقع منه من الاستغفار
للمشركين. وليس من لازم التوبة أن يسبق الذنب ممن وقعت منه أوله؛ لأن كل العباد محتاج
إلى التوبة والاستغفار، وقد تكون التوبة منه على النبي من باب: أنه ترك ما هو الأولى
والأليق؛ كما في قوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣]، ويجوز أن يكون ذكر
النبي ◌َّي لأجل التعريض للمذنبين بأن يتجنبوا الذنوب، ويتوبوا عما قد لا بسوه منها.
قال أهل المعاني: هو مفتاح كلام للتبرك، وفيه تشريفٌ لهم في ضم توبتهم إلى توبة
النبي ◌َّة، كما ضم اسم الرسول إلى اسم الله في قوله: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ، وَلِلَّسُولِ﴾ [الأنفال:
٤١]؛ فهو تشريف له. (﴿و﴾ [الأنفال: ٤١]) كذلك تاب الله سبحانه على: (﴿الْمُهَجِرِينَ
وَالْأَنْصَارِ﴾) فيما قد اقترفوه من الذنوب؛ ومن هذا القبيل ما صح عنه وَ ل﴿ من قوله: ((إِنَّ الله
اطَلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتَمْ، فَقَدْ غَفَرْت لَكُمْ))(٢).
والإنسان لا يخلو من زلات، وتبعات في مدة عمره؛ إما: من باب الصغائر، وإما: من
باب ترك الأفضل، ثم وصف - سبحانه - المهاجرين، والأنصار بأنهم. (﴿الَّذِينَ أَتَّبَعُوهُ﴾)
أي: النبي وَ لّ فلم يتخلفوا عنه. (﴿فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾) هي: غزوة تبوك؛ فإنهم كانوا فيها
في عسرة شديدة، وتسمى: غزوة العسرة، والجيش الذي سار يسمى: جيش العسرة؛ لأنه
كان عليهم عسرة في الزاد، والظهر، والماء.
(١) البخاري، كتاب المغازي، حديث (٤٤١٨).
(٢) البخاري، كتاب الجهاد والسير، حديث (٣٠٠٧)، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، حديث (٢٤٩٤).

٥٠٩
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَه
وأخرج ابن حبان، والحاكم وصحَّحه، والبيهقي(١)، وغيرهم، عن ابن عباسٍ: أنه قال
لعمر بن الخطاب: حدِّثنا من شأن ساعة العسرة؛ فقال: ((خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِوَلَه إِلَى تَبُوَ
فِي قَيْظِ شَدِيدٍ، فَتَزَلْنَا مَنْزِلًا، فَأَصَابَنَا فِيهِ عَطَئٌ حَتَّى ظَنَّا أَنَّ رِقَابَنَا سَتَنْقَطِعُ، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ
لَيَنْحَرُ بَعِيرَهُ، فَيَعْصِرُ فَرْنَهُ، فَيَشْرَبَهُ، وَيَجْعَلَ مَا بَقِيَ عَلَى كَبِدِهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرِ الصِّدِّيقُ:
يَا رَسُولَ الله! إِنَّ الله قَدْ عَوَّدَكَ فِي الدُّعَاءِ خَيْرًا فَادْعُ لَنَا، فَرَفَعَ يَدَيْهِ، فَلَمْ يَرْجِعْهُمَا حَتَّى قَالَتِ
السَّمَاءُ، فَأَهْطَلَتْ، ثُمَّ سَكَبَتْ، فَمَلَأوا مَا مَعَهُمْ، ثُمَّ ذَهَبْنَا نَنْظُرُ فَلَمْ نَجِدْهَا جَاوَزَتِ
الْعَسْكَرَ)).
﴿مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيعُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ﴾ [التوبة: ١١٧]: في كاد ضمير الشأن بيان؛
لتناهي الشدة، وبلوغها النهاية؛ ومعنى: يزيغ: يتلف بالجهد، والمشقة، والشدة، وقيل:
معناه: يميل عن الحق، ويترك المناصرة والممانعة، وقيل: معناه: يهم بالتخلف عن الغزو
لما هم فيه من الشدة العظيمة. وفي قراءة ابن مسعود ((مِنْ بَعْدِ مَا زَاغَتْ)). وهم: المتخلفون
على هذه القراءة. وفي تكرير التوبة عليهم بقوله: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١١٧] تأكيد
ظاهر، واعتناء بشأنها. هذا: إن كان الضمير راجعًا إلى من تقدم ذكر التوبة عنهم، وإن كان
الضمير إلى الفريق الثاني، فلا تكرار، وذكر التوبة أولًا قبل ذكر الذنب؛ تفضلًا منه، وتطييبًا
لقلوبهم، ثم ذكر الذنب بعد ذلك، وأردفه بذكر التوبة مرة أخرى؛ تعظيمًا لشأنهم؛ وليعلموا
أنه - تعالى - قد قبل توبتهم، وعفا عنهم، ثم أتبعه بقوله: (﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾
[التوبة: ١١٧]) تأكيدًا لذلك؛ أي: رفيق بعباده؛ لأنه لم يحملهم ما لا يطيقون من العبادات،
وبين الرؤوف والرحيم فرق لطيف؛ وإن تقاربا في المعنى.
قال الخطابي: قد تكون الرحمة مع الكراهة، ولا تكاد الرأفة تكون معها. وقيل: الرأفة
عبارة عن السعي في إزالة الضرر، والرحمة: عبارة عن السعي في إيصال النفع. هذه الآية
هي الأولى من الآيات التي تلاها رَسُولُ اللهِ وَّر، والآية الثانية مع تفسيرها؛ هكذا. ﴿وَعَلَ
الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّقُواْ﴾: أي: أخروا، ولم تقبل توبتهم في الحال؛ كما قبلت توبة أولئك
المتخلفين المتقدم ذكرهم. وهؤلاء الثلاثة هم: كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، أو: ابن
ربيعة العامري، وهلال بن أمية الواقفي، وكلهم من الأنصار، لم يقبل النبي وَّ توبتهم حتى
(١) ابن حبان (١٣٨٣)، والحاكم (٥٢٣)، والبيهقي (١٩٤٢٥).

٥١٠
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَه
﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ النَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١١٧، ١١٨])) قَالَ: وَفِينَا أُنْزِلَتْ أيْضًا: ﴿أَتَّقُواْ اللَّهَ
وَكُونُواْ مَعَ الصَّدِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩] قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ الله، إنَّ مِن تَوْبَتِي أنْ لا أُحَدِّثَ
إلَّا صِدْقًا، وَأنْ أَنْخَلِعَ مِن مَالِي كُلِّهِ صَدَقَةً إلى الله وَإِلَى رَسُولِهِ، فَقَالَ النَّبيُّ ◌َلِّه :
((أمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ؛ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ))، فَقُلْتُ: فإني أُمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَرَ،
قَالَ: فَمَا أَنْعَمَ الله عَلَيَّ نِعْمَةً بَعْدَ الإسْلَامِ، أعْظَمَ في نَفْسِي مِن صِدْقِي رسولَ الله
وَّهِ حِينَ صَدَقْتُهُ أَنَا وَصَاحِبَايَ، وَلا نَكُونُ كَذَبْنَا فَهَلَكْنَا، كَمَا هَلَكُوا، وإِنِّي لأَرْجُو
أَلَّ يَكُونَ اللهُ أبْلَى أَحَدًا في الصِّدْقِ مِثْلَ الَّذِي أَبْلَانِي، مَا تَعَمَّدْتُ لِكَذِبَةٍ بَعْدُ، وإني
لأرْجُو أنْ يَحْفَظَنِي الله فِيمَا بَقِيَ. [خ: ٢٧٥٧، م: ٢٧٦٩، د: ٣٣١٧، ن: ٧٣٠، حم: ١٥٣٤٣].
نزل القرآن بأن الله قد تاب عليهم. ﴿حَّىَ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾: كناية عن شدة
التحير، وعدم الاطمئنان؛ يعني: أنهم أخروا عن قبول التوبة إلى هذه الغاية؛ وهي وقت أن
ضاقت عليهم الأرض برحبها؛ لإعراض الناس عنهم، وعدم مكالمتهم من كل أحد؛ لأن
النبي ◌َّ نهى الناس أن يكالموهم. ﴿وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ﴾: أي: أنها ضاقت صدورهم؛
بما نالهم من الوحشة، وبما حصل لهم من الجفوة، وشدة الغم والحزن. ﴿وَظَنُّواْ﴾: أي:
علموا، وأيقنوا. ﴿أَنْ لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ﴾: أي: من عذابه، أو: من سخطه. ﴿إِلَّ إِلَيْهِ﴾:
أي: بالتوبة، والاستغفار. ﴿ثُرَّ تَابَ﴾: أي: رجع ﴿عَيَّهِمْ﴾: بالقبول، والرحمة. وأنزل
في القرآن التوبة عليهم؛ ليستقيموا، أو وفقهم للتوبة فيما يستقبل من الزمان إن فرطت منهم
خطيئة ﴿لِيَتُوبُواْ﴾: عنها، ويرجعوا فيها إلى الله، ويندموا على ما وقع منهم، ويحصلوا
التوبة، وينشئوها؛ فحصل التغاير، وصح التعليل. (﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ النَّوَّابُ﴾) أي: الكثير القبول
لتوبة التائبين. (﴿الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١١٨]) أي: الكثير الرحمة لمن طلبها من عباده.
(قال) أي: كعب بن مالك (وفينا) أي: في الثلاثة الذين خلفوا (أنزلت أيضًا: ﴿أَتَّقُواْ اللَّهَ
وَكُونُواْ مَعَ الصَّدِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩]) يعني: مع من صدق النبي ◌ِّر وأصحابه في الغزوات، ولا
تكونوا مع المتخلفين من المنافقين الذين قعدوا في البيوت، وتركوا الغزو (إن من توبتي) أي:
من شكر توبتي (ألا أحدث إلا صدقًا) زاد البخاري: ((مَا بَقِيتُ)) (وأن أنخلع من مالي كله)
أي: أخرج من جميع مالي (صدقة) هو: مصدر في موضع الحال؛ أي: متصدقًا، أو ضمن
الخلع معنى: أتصدق؛ وهو: مصدر أيضًا (أبلى أحدًا) أي: أنعم على أحد. وحديث كعب
ابن مالك هذا: أخرجه البخاري في عشرة مواضع مطولًا، ومختصرًا في ((الوصايا))، وفي

٥١١
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله وَه
قَالَ: وقد رُويَ عَنِ الزُّهْرِيِّ هذا الحديثُ بِخِلَافِ هذا الإسنادِ، وقد قِیلَ عَن
عبدِ الرَّحمَنِ بْنِ عبدِ الله بْنِ كَعْبٍ بْنِ مَالِكٍ، عَن عَمِّهِ عُبيدِ اللهِ، عَن كَعْبٍ، وقد قِيلَ
غيرُ هذا، وَرَوَى يُونُسُ هذا الحديثَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَن عبدِ الرَّحمَنِ بْنِ عبدِ اللهِ بْنِ
كعب بْنِ مالكِ؛ أنَّ أبَاهُ حَدَّثَهُ عَن كَعْبٍ بْنِ مَالِكٍ.
[ت ١٠، م ١٨]
[٣١٠٣] (٣١٠٣) حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عبدُ الرَّحمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا
إبراهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَن عُبَيْدِ بْنِ السَّبَّاقِ؛ أنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ حَدَّثَهُ، قَالَ:
بَعَثَ إِلَيَّ أبو بَكْرِ الصِّدِّيقُ مَقْتَلَ أهْلِ اليَمَامَةِ، فَإِذَا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ عِنْدَهُ، فَقَالَ: إِنَّ
عُمَرَ بْنِ الخطابِ قَدْ أتَانِي، فَقَالَ: إنَّ القَتْلَ قَدِ اسْتَحَرَّ بِقُرَّاءِ القُرْآنِ يَوْمَ اليَمَامَةِ،
وإني لأخْشَى أنْ يَسْتَحِرَّ القَتْلُ بالقُرَّاءِ فِي المَوَاطِنِ
((الجهاد))، وفي ((صفة النبي ◌َّ﴾)، وفي ((وفود الأنصار))، وفي موضعين من ((المغازي))، وفي
موضعين من ((التفسير))، وفي ((الاستئذان))، وفي ((الأحكام)). وأخرجه مسلم في ((التوبة)):
وأخرجه أبو داود والنسائي في ((الطلاق)).
[٣١٠٣] قوله: (بعث إليَّ أبو بكر الصديق) أي: أرسل إلي رجلًا. قال الحافظ: لم
أقف على اسم الرسول إليه بذلك (مقتل أهل اليمامة) نصب على الظرفية؛ أي: عقب قتل
أهل اليمامة. واليمامة؛ بفتح التحتية، وخفة الميم: اسم مدينة باليمن، وكان مقتلهم سنة
إحدى عشرة من الهجرة، والمراد بأهل اليمامة هنا: من قتل بها من الصحابة في الوقعة مع
مسيلمة الكذاب، وكان من شأنها أن مسيلمة ادعى النبوة، وقوي أمره بعد موت النبي (وَّر
بارتداد كثير من العرب؛ فجهز إليه أبو بكر الصديق خالد بن الوليد في جمع كثير من
الصحابة؛ فحاربوه أشد محاربة، إلى أن خذله الله وقتله، وقُتِل في غضون ذلك من الصحابة
جماعة كثيرة. قيل: سبع مئة. وقيل: أكثر (فإذا عمر) كلمة ((إذا)): للمفاجأة (عنده) أي: عند
أبي بكر ◌َبه (قد استحر) بسين مهملة ساكنة، ومثناة مفتوحة، بعدها حاء مهملة مفتوحة، ثم
راء ثقيلة؛ أي: اشتد، وكثر؛ وهو استفعل من الحر؛ لأن المكروه غالبًا يضاف إلى الحر؛
كما أن المحبوب يضاف إلى البرد، يقولون: أسخن الله عينه، وأقر عينه (وإني لأخشى)
بصيغة المتكلم المؤكدة بلام التأكيد؛ أي: لأخاف (أن يستحر) بفتح الهمزة (في المواطن
1

٥١٢
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَه
كُلِّهَا، فَيَذْهَبُ قُرآنٌ كَثِيرٌ، وإني أَرَى أنْ تَأْمُرَ بِجَمْعِ القُرْآنِ، قَالَ أبو بَكْرٍ لِعُمَرَ: كَيْفَ
أفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ الله ◌ِ؟ فَقَالَ عُمَرُ: هُوَ وَالله خَيْرٌ، فَلَمْ يَزَلْ يُرَاجِعُنِي في
ذَلِكَ، حَتَّى شَرَحَ الله صَدْرِي لَلَّذِي شَرَحَ لَهُ صَدْرَ عُمَرَ، وَرَأيْتُ فِيهِ الَّذِي رأى، قَالَ
زَيْدٌ :
كلها) أي؛ الأماكن التي يقع فيها القتال مع الكفار (فيذهب قرآن كثير) بالنصب عطف على
يستحر .
قال الحافظ: هذا يدل على أن كثيرًا ممن قتل في وقعة اليمامة كان قد حفظ القرآن؛
لكن يمكن أن يكون المراد: أن مجموعهم جمعه، لا أن كل فرد جمعه (كيف أفعل شيئًا لم
يفعله رسول الله (وَل ﴿؟)
قال الخطّابي، وغيره: يحتمل أن يكون ◌َلهو إنما لم يجمع القرآن في المصحف؛ لما كان
يترقبه من ورود ناسخ لبعض أحكامه، أو تلاوته؛ فلما انقضى نزوله بوفاته ◌ّلل ألهم الله
الخلفاء الراشدين ذلك؛ وفاء لوعده الصادق بضمان حفظه على هذه الأمة المحمدية -
زادها الله شرفًا - فكان ابتداء ذلك على يد الصديق - نظالله - بمشورة عمر.
ويؤيده ما أخرجه ابن أبي داود في ((المصاحف)) (١): بإسناد حسن، عن عبد خير قال:
سمعت عليًّا يقول: أعظم الناس في المصاحف أجرًا أبو بكر، رحمة الله على أبي بكر هو:
أول من جمع كتاب الله. وأما ما أخرجه مسلم (٢) من حديث أبي سعيد قال: قال رَسُولُ الله
وَلَّه : ((لَا تَكْتُبُوا عَنِّي شَيْئًا غَيْرَ الْقُرْآنِ ... )): الحديث. فلا ينافي ذلك؛ لأن الكلام في كتابة
مخصوصة على صفة مخصوصة. وقد كان القرآن كله كتب في عهد النبي ◌َّر، لكن غير
مجموع في موضع واحد، ولا مرتب السور. وأما ما أخرجه ابن أبي داود في
((المصاحف))(٣): من طريق ابن سيرين. قال: قال عليّ: لما مات رَسُولُ اللهِ وَلَ آليت أن
آخذ على ردائي إلا لصلاة جمعة؛ حتى أجمع القرآن؛ فجمعه، فإسناده ضعيف؛ لانقطاعه.
وعلى تقدير أن يكون محفوظًا؛ فمراده بجمعه؛ حفظه في صدره. قال: والذي وقع في بعض
طرقه: ((حتى جمعته بين اللوحين))، وَهْمٌ من راویه.
(١) أبو بكر بن أبي داود في ((المصاحف)) (١٧).
(٢) مسلم، كتاب الزهد والرقائق، حديث (٣٠٠٤).
(٣) ابن أبي داود في ((المصاحف)) (٣١).

٥١٣
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِصَّهِ
قَالَ أبو بكْرِ: إِنَّكَ شَابٌّ عاقِلٌ لا نَتَّهِمُكَ، قَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ لِرَسُولِ اللهِ وَِّ الوَحْيَ،
فَتَتَبَّعِ القُرْآنَ، قَالَ: فَوَاللهِ، لَوْ كَلَّقُوني نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الجِبَالِ، ما كَانَ أَثْقَلَ عَلَيَّ مِن
ذَلِكَ، قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ تَفْعَلُونَ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللهِ؟ فَقَالَ أبو بَكْرٍ: هُوَ
والله خَيْرٌ، فَلَمْ يَزَلْ يُرَاجِعُنِي فِي ذَلِكَ أبو بَكْرٍ وَعُمَرُ، حَتَّى شَرَحَ اللهُ صَدْرِي لِلَّذي
شَرَحَ لَهُ صَدْرَهُما: صَدْرَ أبي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَتَتَبَّعْتُ القُرْآنَ أجْمَعُهُ مِنَ الرِّقَاعِ،
وَالعُسُبِ، وَاللِّخافٍ،
قال الحافظ: ورواية عبد خير، عن علي - يعني: التي تقدمت آنفًا - أصح؛ فهو
المعتمد. ووقع عند ابن أبي داود أيضًا بيان السبب في إشارة عمر بن الخطاب بذلك؛
فأخرج من طريق الحسن: ((أن عمر سأل عن آية من كتاب الله))؛ فقيل: كانت مع فلان؛ فقتل
يوم اليمامة؛ فقال: إنا لله، وأمر بجمع القرآن؛ فكان أول من جمعه في المصحف، وهذا
منقطع؛ فإن كان محفوظًا حمل على أن المراد بقوله: ((فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ جَمَعَه)»: أي: أشار
بجمعه في خلافة أبي بكر؛ فنسب الجمع إليه لذلك.
(قال أبو بكر: إنك شاب عاقل، لا نتهمك، قد كنت تكتب لرسول الله ﴿ ﴿ الوحي) ذكر
له أربع صفات مقتضية خصوصيته بذلك: كونه شابًا؛ فيكون أنشط لما يطلب منه. وكونه
عاقلًا؛ فیکون أوعى له. وکونه لا یتهم؛ فترکن النفس إليه. وکونه کان یکتب الوحي؛ فيكون
أكثر ممارسة له. وهذه الصفات التي اجتمعت له: قد توجد في غيره؛ لكن مفرقة (فوالله لو
كلفوني نقل جبل من الجبال؛ ما كان أثقل عليّ من ذلك) أي: مما أمرني به من جمع
القرآن؛ كما في رواية البخاري.
قال الحافظ: كأنه جمع أولًا باعتبار أبي بكر، ومن وافقه، وأفرد باعتبار أنه الآمر وحده
بذلك؛ وإنما قال زيد بن ثابت ذلك؛ لما خشيه من التقصير في إحصاء ما أمر بجمعه؛
لكن الله - تعالی - یسر له ذلك.
(فتتبعت القرآن أجمعه) حال من الفاعل، أو المفعول؛ أي: من الأشياء التي عندي،
وعند غيري (من الرقاع) جمع رقعة، وقد تکون من جلد، أو ورق، أو كاغد. وفي رواية:
(وَقِطَعِ الأَدِيمِ)) (والعسب) بضم المهملتين، ثم موحدة، جمع: عسيب؛ وهو جريد النخل.
كانوا يكشطون الخوص، ويكتبون في الظرف العريض. وقيل: العسيب: طرف الجريدة
العريض. الذي لم ينبت عليه الخوص، والذي ينبت عليه الخوص هو: السعف (واللخاف)

٥١٤
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَيه
ويروى النِّحَافِ وَهُو الصَّحِيحُ، والنِّجَافُ: مَا ارتفَعَ مِن الأرضِ، وَصُدُورِ الرِّجالِ،
فَوَجَدْتُ آخِرَ سُورَةٍ بَرَاءَةَ مَعَ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ :
بكسر اللام، ثم خاء معجمة خفيفة، وآخره فاء، وهي: الحجارة البيض الرقاق، واحدتها :
لَخْفة بفتح اللام، وسكون المعجمة. وعند ابن أبي داود(١) في ((المصاحف)): من طريق يحيى
بن عبد الرحمن بن حاطب قال: ((قَامَ عُمَر؛ فَقَالَ: مَنْ كَانَ تَلَقَّى مِنْ رَسُولِ اللهِ وَهِ شَيْئًا مِنَ
الْقُرْآنِ فَلْيَأْتِ بِهِ، وَكَانُوا يَكْتُبُونَ ذَلِكَ فِي الصُّحُفِ، وَالْأَلْوَاحِ، وَالْعُسُبِ)): قال: وكان لا
يقبل من أحد شيئًا حتى يشهد شاهدان. وهذا يدل على أن زيدًا كان لا يكتفي بمجرد وجدانه
مكتوبًا؛ حتى يشهد به من تلقاه سماعًا، مع كون زيد كان يحفظه، وكان يفعل ذلك مبالغة في
الاحتياط. وعند ابن أبي داود أيضًا، من طريق هشام بن عروة، عن أبيه: ((أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ
لِعُمَرَ وَلِزَيْدِ: اقْعُدَا عَلَى بَابِ المَسْجِدِ، فَمَنْ جَاءَكُمَا بِشَاهِدَيْنِ عَلَى شَيْءٍ مِنْ كِتَابِ الله
فَاكْتَبَاهُ)): ورجاله ثقات، مع انقطاعه. وكأن المراد بالشاهدين: الحفظ والكتاب. والمراد:
أنهما يشهدان على أن ذلك المكتوب كتب بين يدي رَسُول الله وَّه. أو المراد: أنهما يشهدان
على أن ذلك من الوجوه التي نزل بها القرآن. وكان غرضهم ألا يكتب إلا من عين ما كتب
بين يدي النبي ◌َّ لا من مجرد الحفظ (وصدور الرجال) أي: الحفاظ منهم؛ أي: حيث لا
أجد ذلك مكتوبًا، أو ((الواو)) بمعنى: مع؛ أي: اكتبه من المكتوب الموافق للمحفوظ في
الصدور (فوجدت آخر سورة براءة مع خزيمة بن ثابت) وفي رواية البخاري (٢) في ((فضائل
القرآن)): من طريق إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن عبيد بن السباق، عن زيد بن ثابت:
((حَتَّى وَجَدْتُ آخِرَ سُورَةِ التَّوْبَةِ مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ الْأَنْصَارِيِّ».
قال الحافظ: وقع في رواية عبد الرحمن بن مهدي، عن إبراهيم بن سعد: ((مَعَ خُزَيْمَةَ بْنِ
ثَابِتٍ))؛ أخرجه أحمد، والترمذي. ووقع في رواية شعيب، عن الزهري؛ كما تقدم في ((سورة
التوبة)): مع خزيمة الأنصاري. وقد أخرجه الطبراني في ((مسند الشاميين)): من طريق
أبي اليمان، عن شعيب؛ فقال فيه: ((خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتِ الْأَنْصَارِيّ)». وكذا أخرجه ابن أبي داود،
من طريق يونس بن يزيد، عن ابن شهاب. وقول من قال: عن إبراهيم بن سعد، مع
أبي خزيمة: أصح. وقد تقدم البحث فيه في تفسير ((سورة التوبة)): وأن الذي وجد معه آخر
(١) ابن أبي داود في ((المصاحف)) (٩٦).
(٢) البخاري، كتاب فضائل القرآن، حديث (٤٩٨٩).

٥١٥
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَفي
لَقَدْ جَمَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزُ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ حَرِيصُ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ
رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِىَ اَللَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتٌّ وَهُوَ رَبُّ
اُلْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة: ١٢٨، ١٢٩]. [خ: ٤٦٧٩، حم: ٢١١٣٥].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
((سورة التوبة)): غير الذي وجد معه الآية التي في ((الأحزاب)). فالأول: اختلف الرواة فيه
على الزهري؛ فمن قائل: مع خزيمة. ومن قائل: مع أبي خزيمة؛ ومن شاكٌ فيه؛ يقول:
خزيمة، أو أبي خزيمة. والأرجح: أن الذي وجد معه آخر ((سورة التوبة)): أبو خزيمة
بالكنية. والذي وجد معه الآية من ((الأحزاب)): خزيمة، وأبو خزيمة. قيل: هو ابن أوس بن
يزيد بن أصرم، مشهور بكنيته دون اسمه. وقيل: هو الحارث بن خزيمة. وأما: خزيمة؛ فهو
ابن ثابت، ذو الشهادتين؛ كما تقدم صريحًا في ((سورة الأحزاب)). انتهى.
(﴿لَقَدْ جَءَكُمْ رَسُوٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾) أي: من جنسكم في كونه عربيًا قرشيًا مثلكم،
تعرفون نسبه وحسبه، وأنه من ولد إسماعيل، لا من العجم، ولا من الجن، ولا من الملك.
والخطاب للعرب عند جمهور المفسرين.
وقال الزجاج: هي خطاب لجميع العالم. (﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنْتُمْ﴾) ((ما)): مصدرية.
والعنت: التعب، والمشقة؛ والمعنى: شديد، وشاق عليه عنتكم، ومشقتكم، ولقاؤكم
المكروه. (﴿حَرِيصُ عَلَيْكُمْ﴾) أي: على إيمانكم وهدايتكم. (﴿يِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾
[التوبة: ١٢٨]) أي: شديد الرحمة. (﴿فَإِن تَوَلَّوْا﴾) أي: أعرضوا عن الإيمان بك. (﴿فَقُلْ
حَسَّبِ اللَّهُ﴾) أي: يكفيني، وينصرني. (﴿لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾) أي: المتفرد بالألوهية؛ وهذه
الجملة الحالية؛ كالدليل لما قبلها. (﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتٌ﴾﴾ أي: به وثقت؛ لا بغيره. (﴿وَهُوَ رَبُّ
اُلْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة: ١٢٩]) وصفه بالعظم؛ لأنه أعظم المخلوقات. قرأ الجمهور بالجر على
أنه صفة العرش، وقرئ بالرفع: صفة ((لرب)): ورويت هذه القراءة عن ابن كثير. قال أبو بكر
الأصم: وهذه القراءة أعجب إلي؛ لأن جعل العظيم صفة للرب أولى من جعله صفة للعرش.
قال ابن عباس: إنما سمي العرش عرشًا؛ لارتفاعه(١).
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد، والبخاري، والنسائي.
(١) أخرجه ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) (١١٥٣١) بسنده عن الضحاك عن ابن عباس. وإسناده منقطع؛ الضحاك لم
یسمع من ابن عباس.

٥١٦
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَفيه
[ت ١٠، م ١٩]
[٣١٠٤] (٣١٠٤) حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا
إِبراهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَن أنَسٍ؛ أنَّ حُذَيْفَةَ قَدِمَ عَلَى عُثمانَ بْنِ عَفَّانَ،
وكَانَ يُغَازِي أهْلَ الشَّامِ فِي فَتْحِ أرْمِينِيَّةَ وَأذربِيجَانَ مَعَ أهْلِ العِراقِ، فَرأى حُذَيْفَةُ
اخْتِلَافَهُمْ فِي القُرْآنِ، فَقَّالَ لِعُثمانَ بْنِ عَفَّنَ: يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ،
[٣١٠٤] قوله: (أن حذيفة) هو: ابن اليمان (وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية،
وأذربيجان مع أهل العراق) أي: كان عثمان يجهز أهل الشام، وأهل العراق، لغزو أرمينية،
وأذربيجان وفتحهما .
قال الحافظ: إن أرمينية فتحت في خلافه عثمان، وكان أميراً لعسكر من أهل العراق،
سلمان بن ربيعة الباهلي، وكان عثمان أمَرَ أهل الشام، وأهل العراق أن يجتمعوا على ذلك،
وكان أمير أهل الشام على ذلك العسكر: حبيب بن مسلمة الفهري، وكان حذيفة من جملة
من غزا معهم، وكان هو على أهل المدائن، وهي من جملة أعمال العراق. انتهى. وإِرْمِينية،
بكسر الهمزة، وسكون الراء، وكسر الميم، بعدها تحتانية ساكنة، ثم نون مكسورة، ثم
تحتانية مفتوحة خفيفة، وقد تثقل.
وقال ابن السمعاني: بفتح الهمزة، وقال أبو عبيد: هي بلد معروف، يضم كورًا كثيرة.
وقال الرشاطي: افتتحت سنة أربع وعشرين في خلافة عثمان رضيبه على يد سلمان بن
ربيعة. وأذربيجان، بفتح الهمزة، والذال المعجمة، وسكون الراء، وقيل: بسكون الذال،
وفتح الراء، وبكسر الموحدة، بعدها تحتانية ساكنة، ثم جيم خفيفة، وآخره نون، وحكى ابن
مكي: كسر أوله، وضبطها صاحب ((المطالع)): ونقله عن ابن الأعرابي، بسكون الذال،
وفتح الراء: بلد كبير من نواحي جبال العراق، وهي الآن تبريز وقصباتها، وهي: تلي أرمينية
من جهة غربيها، واتفق غزوهما في سنة واحدة، واجتمع في غزوة كل منهما أهل الشام،
وأهل العراق، والمذكور في ضبط أذربيجان هو: المشهور، وقد تمد الهمزة، وقد تحذف،
وقد تفتح الموحدة، وقيل في ضبطها غير ذلك.
(فرأى حذيفة اختلافهم في القرآن) وفي رواية البخاري: ((فَأَفْزَعَ حُذَيْفَةَ اخْتِلافَهُمْ فِي
الْقِرَاءَةِ». وذكر الحافظ هاهنا روايات توضح ما كان فيهم من الاختلاف في القراءة؛ ففي
رواية: ((يَتَنَازَعُونَ فِي الْقُرْآنِ حَتَّى سَمِعَ خُذَيْفَةَ مِن اخْتِلَافِهِمْ مَا ذَعَرَهُ)).

٥١٧
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهَِه
أدْرِك هَذِهِ الأمَّةَ، قَبْلَ أنْ يَخْتَلِفُوا في الكِتَابِ، كَمَا اخْتَلَفَتِ اليَهُودُ وَالنَّصَارَى،
فَأَرْسَلَ إِلَى حَفْصَةَ أنْ أرْسِلِي إِلَيْنَا بِالصُّحُفِ نَنْسَخُهَا في المَصَاحِفِ، ثُمَّ نَرُدُّهَا
إِلَيْكِ، فَأَرْسَلَتْ حَفْصَةُ إلَى عُثمانَ بِالصُّحُفِ، فَأَرْسَلَ عُثمانُ إِلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ،
وَسَعِيدِ بْنِ العَاصِي، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، وَعَبْدِ الله بْنِ الزُّبَيْرِ، أن
انْسَخُوا الصُّحُفَ في المَصَاحِفِ،
وفي رواية: ((فَتَذَاكَرُوا الْقُرْآنَ، فَاخْتَلَفُوا فِيهِ حَتَّى كَادَ يَكُونُ بَيْنَهُمْ فِتْنَةٌ)). وفي رواية: ((أَنَّ
حُذَيْفَةَ قَدِمَ مِنْ غَزْوَةٍ، فَلَمْ يَدْخُلْ بَيْتَهُ حَتَّى أَتَى عُثْمَانَ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ! أَدْرِكِ النَّاسَ،
قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: غَزَوْت فَرْجَ إِرْمِينِيَّةَ، فَإِذَا أَهْلُ الشَّامِ يَقْرَؤُونَ بقراءة أبي بن كعب،
فيأتون بما لم يسمع أهل العراق، وإذا أهل العراق يقرؤون بقراءة عَبْدِ الله بْنِ مَشْعُودٍ، فَيَأْتونَ
بِمَا لَمْ يَسْمَعْ أَهْلُ الشَّامِ، فَيُكَفِّرُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا.
وفي رواية: ((أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: قِرَاءَةُ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ، وَسَمِعَ آخَرَ يَقُولُ: قِرَاءَةُ
أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، فَغَضِبَ، ثُمَّ قَامَ، فَحَمِدَ الله، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا كَانَ مَنْ
قَبْلَكُمُ اخْتَلَفُوا، واللهِ لأَرْكَبَنَّ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ)). وفي رواية: ((أَنَّ اثْنَيْنِ اخْتَلَفَا فِي آيَةٍ مِنْ
سُورَةِ الْبَقَرَةِ قَرَأَ هَذَا: ﴿وَأَيِقُواْ الْحَجَّ وَالْعُبْرَةَ لِلّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وَقَرَأَ هَذَا: ﴿وأتموا الحج والعمرة
للبيت﴾، فَغَضِبَ حُذَيْفَةُ وَاحْمَرَّتْ عَيْنَاهُ)). وفي رواية: ((قَالَ حُذَيْفَةُ: يَقُولُ أَهْلُ الْكُوفَةِ قِرَاءَةُ
ابْنِ مَسْعُودٍ، وَيَقُولُ أَهْلُ الْبَصْرَةِ: قِرَاءَةُ أَبِي مُوسَى، واللهِ لَئِنْ قَدِمْتُ عَلَى أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ
لَأَمَرْتُهُ أَنْ يَجْعَلَهَا قِرَاءَةً وَاحِدَةً.
(أدرك هذه الأمة) أمر من: الإدراك، بمعنى: التدارك (فأرسل) أي: عثمان (إلى حفصة
أن أرسلي إلينا بالصحف) وكانت الصحف - بعدما جمع القرآن أبو بكر - عنده؛ حتى
توفاه الله، ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر (ننسخها في المصاحف، ثم نردها
إليك) أي: ننقلها. والمصاحف: جمع المُصْحَف؛ بضم الميم.
قال الحافظ: الفرق بين الصحف، والمصحف: أن الصحف: الأوراق المجردة التي جمع
فيها القرآن في عهد أبي بكر، وكانت سورًا مفرقة كل سورة مرتبة بآياتها على حدة، لكن لم
يرتب بعضها إثر بعض، فلما نسخت، ورتب بعضها إثر بعض، صارت مصحفًا. انتهى.
(فأرسل عثمان إلى زيد بن ثابت، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن
هشام، وعبد الله بن الزبير: أن انسخوا الصحف) أي: انقلوا ما فيها .

٥١٨
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَه
وقال لِلرَّهْطِ القُرَشِيِينَ الثَّلَاثَةِ: ما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ أنْتُمْ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، فاكْتُبُوهُ بِلِسَانِ
قُرَيْشِ؛ فَإِنَّمَا نَزَلَ بِلِسَانِهِمْ، حَتَّى نَسَخُوا الصُّحُفَ في المَصَاحِفِ، بَعَثَ عُثمان إلى
كلِّ أُفُقِ بِمُصْحَفٍ مِن تِلْكَ المَصَاحِفِ الَّتِي نَسَخُوا .
وفي رواية البخاري: ((فَأَمَرَ)): مَكان ((فَأَرْسَلَ)). وقد جاء عن عثمان أنه إنما فعل ذلك
بعد أن استشار الصحابة؛ فأخرج ابن أبي داود(١) بإسناد صحيح، من طريق سويد بن غفلة.
قال علي: لا تقولوا في عثمان إلا خيرًا، فوالله ما فعل الذي فعل في المصاحف؛ إلا
عن ملإٍ منا، قال: ما تقولون في هذه القراءة؟ فقد بلغني أن بعضهم يقول: إن قراءتي خير من
قراءتك؛ وهذا یکاد أن یکون كفرًا.
قلنا: فما ترى؟ قال: نرى أن نجمع الناس على مصحف واحد؛ فلا تكون فرقة، ولا
اختلاف. قلنا: فنعم ما رأيت.
(وقال) أي: عثمان (للرهط القرشيين الثلاثة) يعني: سعيدًا وعبد الرحمن، وعبد الله؛
لأن سعيدًا أموي، وعبد الرحمن مخزومي، وعبد الله أسدي، وكلها من بطون قريش (فإنما
نزل بلسانهم) أي: بلسان قريش.
قال القاضي أبو بكر بن الباقلاني: معنى قول عثمان: نزل القرآن بلسان قريش، أي:
معظمه. وأنه لم تقم دلالة قاطعة على أن جميعه بلسان قريش؛ فإن ظاهر قوله تعالى: ﴿إِنَّا
جَعَلْنَهُ قُرْءَانَا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ٣] أنه نزل بجميع ألسنة العرب، ومن زعم أنه أراد مضر دون
ربيعة، أو هما دون اليمن، أو قريشًا دون غيرهم، فعليه البيان؛ لأن اسم العرب يتناول
الجميع تناولًا واحدًا. ولو ساغت هذه الدعوى؛ لساغ للآخران. ويقول: نزل بلسان بني
هاشم مثلًا؛ لأنهم أقرب إلى النبي ◌َّ﴿ نسبًا من سائر قريش (إلى كل أفق) بضمتين: أي:
طرف من أطراف الآفاق (بمصحف من تلك المصاحف التي نسخوا) زاد البخاري: وَأَمَرَ بِمَا
سِوَاهُ مِنَ الْقُرْآنِ فِي كُلِّ صَحِيفَةٍ أَوْ مُصْحَفٍ أَنْ يُخْرَقَ.
قال ابن بطال: في هذا الحديث: جواز تحريق الكتب التي فيها اسم الله بالنار؛ وأن
ذلك إكرام لها، وصون عن وطئها بالأقدام. وقد أخرج عبد الرزاق، من طريق طاوس: أنه
كان يحرق الرسائل التي فيها البسملة؛ إذا اجتمعت؛ وكذا فعل عروة، وكرهه إبراهيم. وقال
(١) ابن أبي داود في ((المصاحف)) (٧٧).

٥١٩
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله وَهِ
قَالَ الزُّهْرِيُّ: وحدثني خارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثابتٍ؛ أنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، قَالَ: فَقَدْتُ آيَةً
مِن سُورَةِ الأخْزَابِ، كُنْتُ أسْمَعُ رسولَ اللهِ وَّهِ يَقْرَؤُهَا: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا
◌َهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْةٍ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ، وَمِنْهُم مَن يَنْتَظِرٌ﴾ [الأحزاب: ٢٣] فَالتَمَسْتُهَا، فَوَجَدْتُهَا
مَعَ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ، أوْ أبي خُزَيْمَةَ، فَأَلْحَقْتُهَا فِي سُورَتِهَا .
قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَاخْتَلَفُوا يَوْمَئِذٍ فِي التَّابُوتِ وَالتَّابُوهِ، فَقَالَ القُرَشِيُّونَ: التَّابُوتُ،
وقال زَيْدٌ: التَّابُوهُ؛ فَرُفِعَ اخْتِلَافُهُمْ إلى عُثمانَ، فَقَالَ: اكْتُبُوهُ النَّابُوت؛ فَإِنَّهُ نَزَلَ
ابن عطية: الرواية بالحاء المهملة: أصح. وهذا الحكم: هو الذي وقع في ذلك الوقت.
وأما الآن: فالغسل أولى، لما دعت الحاجة إلى إزالته؛ هكذا في ((الفتح)). وقال العيني:
قال أصحابنا الحنفية: إن المصحف إذا بلي؛ بحيث لا ينتفع به، يدفن في مكان طاهر، بعيد
عن وطء الناس.
قلت: لو تأملت عرفت أن الاحتياط هو: في الإحراق دون الدفن؛ ولهذا اختار عثمان
- رظراته - ذلك دون هذا، والله تعالى أعلم.
قوله: (قال الزهري: وحدثني خارجة بن زيد ... إلخ) هذا موصول إلى الزهري
بالإسناد المذكور.
قوله: (﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيَّةٍ﴾) من الثبات مع النبي ◌َّرِ. (﴿فَمِنْهُم
مَّن قَضَى نَحْبَهُ﴾) مات، أو قتل في سبيل الله ﴿وَمِنْهُم مَّن يَنَظِرٌ﴾ [الأحزاب: ٢٣] ذلك (فوجدتها
مع خزيمة بن ثابت، أو أبي خزيمة) كذا في هذا الكتاب بالشك.
وفي رواية البخاري: لَمْ أَجِدْهَا مَعَ أَحَدٍ إِلَّا مَعَ خُزَيْمَةَ الْأَنْصَارِيِّ بِغَيْرِ شَكِّ (فألحقتها في
سورتها) فيه إشكال؛ لأن ظاهره أنه اكتفى بخزيمة وحده؛ والقرآن إنما يثبت بالتواتر. والذي
يظهر في الجواب أن الذي أشار إليه أن فقده فقد وجودها مكتوبة، لا فقد وجودها محفوظة؛
بل كانت محفوظة عنده، وعند غيره. ويدل على هذا قوله في حديث جمع القرآن: ((فَأَخَذْت
أَتَّعُهُ مِنَ الرِّقَاعِ وَالْعُسْبِ)).
قوله: (قال الزهري: فاختلفوا يومئذ في التابوت، والتابوه) أي: هل هو بالتاء، أو
بالهاء (فقال القرشيون: التابوت) أي: بالتاء (وقال زيد: التابوه) أي: بالهاء (اكتبوه التابوت)
أي: بالتاء.

٥٢٠
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهَِّ
بِلِسَانِ قُرَيْشٍ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَأَخْبَرَنِي عُبَيْدُ الله بْنُ عَبْدِ الله بْنِ عُتْبَةَ؛ أنَّ عَبْدَ الله بْنَ
مَسْعُودٍ كَرِهَ لِزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ نَسْخَ المَصَاحِفِ، وقال: يَا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ، أُعْزَلُ عَن
نَسْخِ كِتَابَةِ المصاحفِ، وَيَتَولاهَا رَجُلٌ، واللهِ لَقَدْ أسْلَمْتُ وَإِنَّهُ لَفِي صُلْبٍ رَجُلٍ كَافِرٍ
- يُرِيدُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ - وَلِذَلِكَ قَالَ عَبْدُ الله بْنُ مَسْعُودٍ: يا أهْلَ العِراقِ، اكْتُمُوا
المَصَاحِفَ الَّتِي عِنْدَكُمْ وَغُلُّوهَا؛ فَإِنَّ الله يَقُولُ: ﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ
ج
اٌلْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١] فَالقُوا الله بِالمَصَاحِفِ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَبَلَغَنِي أَنَّ ذَلِكَ كَرِههُ
مِن مَقَالَةِ ابنِ مَسْعُودٍ، رِجَالٌ مِن أفَاضِلٍ أصْحَابِ النبي بَِّ. [صحيح مقطوع: خ بنحوه:
٣٥٠٦، حم: ٢١١٣١].
قوله: (إن عبد الله بن مسعود كره لزيد بن ثابت نسخ المصاحف ... إلخ) العذر
لعثمان - رَّ ◌ُّه - في ذلك أنه فعله بالمدينة، وعبد الله بالكوفة، ولم يؤخر ما عزم عليه من
ذلك إلى أن يرسل إليه ويحضر. وأيضًا: فإن عثمان أراد نسخ الصحف التي كانت جمعت
في عهد أبي بكر، وأن يجعلها مصحفًا واحدًا، وكان الذي نسخ ذلك في عهد أبي بكر هو:
زيد بن ثابت؛ لكونه كاتب الوحي؛ فكانت له في ذلك أولية ليست لغيره (أعزل عن نسخ
كتابة المصاحف) بصيغة المجهول؛ أي: أنحى عن نسخ المصاحف المكتوبة (ويتولاها)
أي: كتابة المصاحف (اكتموا المصاحف التي عندكم، وغلوها ... إلخ) أي: أخفوها،
واستروها .
قال النووي: معناه: أن ابن مسعود كان مصحفه يخالف مصحف الجمهور، وكانت
مصاحف أصحابه كمصحفه، فأنكر عليه الناس، وأمروه بترك مصحفه، وبموافقة مصحف
الجمهور، وطلبوا مصحفه أن يحرقوه؛ كما فعلوا بغيره، فامتنع. وقال لأصحابه: ((غُلُّوا
مَصَاحِفَكُمْ)): أي: اكتموها (﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَمَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١]) يعني: فإذا
غللتموها جئتم بها يوم القيامة، وكفى لكم بذلك شرفًا، ثم قال على سبيل الإنكار: ومن هو
الذي تأمرونني أن آخذ بقراءته، وأترك مصحفي الذي أخذته من في رسول الله وَلجر (فالقوا
[الله](١)) أمر من اللقاء (فبلغني أن ذلك كره ... إلخ) يعني: أن رجالًا من أفاضل الصحابة
قد كرهوا قول ابن مسعود المذكور، وقوله من مقالة ابن مسعود رضابه بيان لقوله ذلك.
(١) في نسخة: ((القول)). والصواب هو المثبت.