Indexed OCR Text

Pages 461-480

٤٦١
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَفي
حَمَلَتْ حَوَّاء، طَافَ بِها إِبْلِيسُ، وكَانَ لا يَعِيشُ لَها وَلَدٌ، فَقَالَ: سَمِّيهِ عَبْدَ الحَارِثِ،
فَسَمَّتْهُ عَبْدَ الحَارِثِ، فَعَاشَ ذَلِكَ، وكَانَ ذلك مِنْ وَحْي الشَّيْطَانِ وَأَمْرِهِ)). [فيه ضعف،
عمر بن إبراهيم، قال أحمد: يروي عن قتادة مناكير، يخالف، ووثقه غيره حم: ١٩٦١٠].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ؛ لا نَعْرِفهُ مَرفُوعًا إلَّا من حديثٍ
عُمَرَ بْنِ إِبراهِيمَ عَن قَتَادَةَ، وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ، عَن عَبْدِ الصَّمَدِ، ولم يَرْفَعْهُ، عمر بْنُ
إبراهيمَ شَيخٌ بَصرِيٌّ.
قوله: (طاف بها إبليس) أي: جاءها (وكان لا يعيش لها ولد) من العيش؛ وهو الحياة؛
أي: لا يحيا لها ولد، ولا يبقى؛ بل كان يموت (فقال) أي: إبليس (سميه عبد الحارث) قال
كثير من المفسرين: إنه جاء إبليس إلى حواء، وقال لها: إن ولدت ولدًا؛ فسميه باسمي؛
فقالت: ما اسمك؟ قال: الحارث، ولو سمى لها نفسه لعرفته؛ فسمته عبد الحارث؛ فكان
هذا شركًا في التسمية، ولم يكن شركًا في العبادة. وقد روي هذا بطريق وألفاظ، عن جماعة
من الصحابة، ومن بعدهم؛ كذا في تفسير ((فتح البيان))، و((الدين الخالص)) (وكان ذلك من
وحي الشيطان، وأمره) أي: من وسوسته، وحديثه.
قوله: (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه أحمد في ((مسنده))، والحاكم في ((مستدركه))،
وابن أبي حاتم (١)، وغيرهم.
قال الحافظ ابن كثير: هذا الحديث معلول من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن عمر بن إبراهيم هذا: هو البصري، وقد وثّقه ابن معين؛ ولكن قال أبو حاتم
الرازي: لا يحتج به؛ ولكن رواه ابن مردويه من حديث المعتمر، عن أبيه، عن الحسن، عن
سمرة مرفوعًا، فالله أعلم.
الثاني : أنه قد روي من قول سمرة نفسه لیس مرفوعًا .
الثالث: أن الحسن نفسه فسر الآية بغير هذا؛ فلو كان هذا عنده، عن سمرة مرفوعًا؛ لما
عدل عنه. انتھی.
قلت: عمر بن إبراهيم المذكور: وثقه غير واحد من أئمة الحديث؛ لكنه ضعيف في
(١) أحمد، حديث (١٩٦١٠) من حديث سمرة، وضعّفه محققه الحاكم (٤٠٠٣) وصحّحه ووافقه الذهبي، وأخرجه
ابن أبي حاتم في ((التفسير)) (١٦١٤/٥) من حديث عطاء بن يسار عن أبي هريرة مرفوعًا.

٤٦٢
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِصَلّ
[٣٠٧٨] (٣٠٧٨) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْم، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ،
عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلَهِ: (لمّا
خُلِقَ آدَمُ))، الحَدِيْثَ.
رواية الحديث عن قتادة؛ كما عرفت. وهذا الحديث رواه عن قتادة، وفي سماع الحسن من
سمرة كلام معروف.
تنبيه: أورد الترمذي حديث سمرة المذكور هنا في تفسير قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ
مِّن نَّفْسٍ وَحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّنَهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ، فَلَّاً
أَثْقَلَتَ دَّعَوَا ◌َللَّهَ رَبَّهُمَا لَبِنْ ءَاتَيْتَنَا صَلِحًا لَّنَّكُونَنَّ مِنَ الشَّكِرِينَ ﴿َ فَلَمَّآ ءَاتَنُهُمَا صَلِحًا جَعَلَا لَهُ, شُرَكَآءَ
فِيمَآ ءَاتَنْهُمَا فَتَعَلَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٩-١٩٠]: قال صاحب ((فتح البيان)): قد
استشكل هذه الآية جمع من أهل العلم؛ لأن ظاهرها صريح في وقوع الإشراك من آدم -
عليه السلام - والأنبياء معصومون عن الشرك، ثم اضطروا إلى التفصي من هذا الإشكال؛
فذهب كل إلى مذهب، واختلفت أقوالهم في تأويلها اختلافًا كثيرًا؛ حتى أنكر هذه القصة
جماعة من المفسرين منهم: الرازي، وأبو السعود، وغيرهما. وقال الحسن: هذا في الكفار
يدعون الله؛ فإذا آتاهما صالحًا هوّدوا، أو نصّروا. وقال ابن كيسان: هم الكفار سموا
أولادهم بعبد العزى، وعبد الشمس، وعبد الدار، ونحو ذلك.
قال الحسن: كان هذا في بعض أهل الملل، وليس بآدم، وقيل: هذا خطاب لقريش
الذين كانوا في عهد رَسُول الله وَطير، وهم آل قصي، وحسَّنه الزمخشري، وقال: هذا تفسير
حسن، لا إشكال فيه. وقيل: معناها على حذف المضاف؛ أي: جعل أولادهما شركاء،
ويدل له ضمير الجمع في قوله الآتي: ((عَمَّا يُشْرِكُوْنَ))؛ وإياه ذكر النسفي، والقفال، وارتضاه
الرازي، وقال: هذا جواب في غاية الصحة والسداد؛ وبه قال جماعة من المفسرين. وقيل:
معنى ((مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ)): من هيئة واحدة، وشكل واحد؛ فجعل منها؛ أي: من جنسها
زوجها؛ ((فلما تغشاها)) يعني: جنس الذكر جنس الأنثى؛ وعلى هذا لا يكون لآدم ولا حواء
ذكر في الآية، وتكون ضمائر التثنية راجعة إلى الجنسين.
وهذه الأقوال كلها متقاربة في المعنى، متخالفة في المبنى، لا يخلو كل واحد منها من
بعد، وضعف، وتکلف بوجوه:
الأول: أن الحدیث المرفوع المتقدم ۔ یعني: حدیث سمرہ المذکور - یدفعه، ولیس في

٤٦٣
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَه
واحد من تلك الأقوال قول مرفوع حتى يعتمد عليه، ويصار إليه؛ بل هي تفاسير بالآراء
المنهي عنها، المتوعد عليها .
الثاني: أن فيه انخرامًا لنظم القرآن سياقًا وسباقًا .
الثالث: أن الحديث صرح بأن صاحبة القصة هي: حواء، وقوله: ((جعل منها زوجها))؛
إنما هو لحواء دون غيرها؛ فالقصة ثابتة، لا وجه لإنكارها بالرأي المحض.
والحاصل: أن ما وقع إنما وقع من حواء لا من آدم - عليه السلام - ولم يشرك آدم
قط. وقوله: ((جعلا له شركاء)): بصيغة التثنية؛ لا ينافي ذلك؛ لأنه قد يسند فعل الواحد إلى
الاثنين؛ بل إلى جماعة؛ وهو شائع في كلام العرب. وعلى هذا؛ فليس في الآية إشكال،
والذهاب إلى ما ذكرناه متعين تبعًا للكتاب والحديث؛ وصونًا لجانب النبوة عن الشرك بالله -
تعالى-، والذي ذكروه في تأويل هذه الآية الكريمة يردُّه كله ظاهر الكتاب والسنة. انتهى
مختصرًا .
قلت: لو كان حديث سمرة المذكور صحيحًا ثابتًا صالحًا للاحتجاج - لكان كلام
صاحب ((فتح البيان)): هذا حسنًا جيدًا؛ ولكنك قد عرفت أنه حديث معلول، لا يصلح
للاحتجاج، فلا بد لدفع الإشكال المذكور أن يختار من هذه الأقوال التي ذكروها في تأويل
الآية ما هو الأصح والأقوى، وأصحها عندي هو: ما اختاره الرازي، وابن جرير، وابن
کثیر .
قال الرازي في «تفسيره)): المروي عن ابن عباس: ((هو الذي خلقكم من نفس واحدة))
وهي: نفس آدم. و((جعل منها زوجها)): أي: حواء خلقها الله من ضلع آدم - عليه السلام -
من غير أذى ((فلما تغشاها)): آدم ((حملت حملًا خفيفًا فلما أثقلت)): أي: ثقل الولد في
بطنها؛ أتاها إبليس في صورة رجل، قال: ما هذا يا حواء إني أخاف أن يكون كلبًا، أو
بهيمةً، وما يدريك من أين يخرج؟ أمن دبرك؛ فيقتلك، أو ينشق بطنك؛ فخافت حواء،
وذكرت ذلك لآدم - عليه السلام - فلم يزالا في هم من ذلك، ثم أتاها، وقال: إن سألت الله
أن يجعله صالحًا سويًا مثلك، ويسهل خروجه من بطنك تسميه عبد الحارث، وكان اسم
إبليس في الملائكة: الحارث؛ فذلك قوله: ((فلما آتاهما صالحًا جعلا له شركاء فيما
آتاهما))، أي: لما آتاهما الله ولدًا سويًّا صالحًا؛ جعلا له شريكًا؛ أي: جعل آدم وحواء له
شريكًا؛ والمراد به: الحارث. هذا تمام القصة.

٤٦٤
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَهُ
واعلم أن هذا التأويل فاسد، ويدل عليه وجوه:
الأول: أنه - تعالى - قال: ﴿فَتَعَلَى اَللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٠]. وذلك يدل على
أن الذين أتوا بهذا الشرك جماعة.
الثاني: أنه تعالى قال بعده: ﴿أَيْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُ يُخْلَقُونَ﴾ [الأعراف: ١٩١] وهذا يدل
أن المقصود من هذه الآية؛ الرد على من جعل الأصنام شركاء لله - تعالى - وما جرى
لإبليس اللعين في هذه الآية ذکر.
الثالث: لو كان المراد إبليس؛ لقال: ((أيشركون من لا يخلق شيئًا))، ولم يقل: ((مَا لا
يَخْلُقُ شَيْئًا))؛ لأن العاقل إنما يذكر بصيغة ((من)) لا بصيغة ((ما)).
الرابع: أن آدم - عليه السلام - كان من أشد الناس معرفة بإبليس، وكان عالمًا بجميع
الأسماء؛ كما قال تعالى: ﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ الْأَسْمَاءَ كُلّهَا﴾ [البقرة: ٣١]، فكان لا بد وأن يكون قد
علم أن اسم إبليس هو: الحارث؛ فمع العداوة الشديدة التي بينه وبين آدم، ومع علمه بأن
اسمه هو: الحارث، كيف سمى ولد نفسه بـ((عبد الحارث)»؟! وكيف ضاقت عليه الأسماء
حتى أنه لم يجد سوى هذا الاسم؟ !.
الخامس: أن الواحد لو حصل له ولد يرجو منه الخير والصلاح؛ فجاءه إنسان، ودعاه
أن يسميه بمثل هذه الأسماء؛ لزجره، وأنكر عليه أشد الإنكار؛ فآدم - عليه السلام - مع
نبوته، وعلمه الكثير الذي حصل من قوله: ﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١] وتجاربه
الكثيرة التي حصلت له بسبب الزلة التي وقع فيها لأجل وسوسة إبليس، كيف لم يتنبه لهذا
القدر؟ وكيف لم يعرف أن ذلك من الأفعال المنكرة التي يجب على العاقل الاحتراز منها؟
السادس: أن بتقدير أن آدم - عليه السلام - سماه بـ((عبد الحارث)): فلا يخلو إما: أن
يقال: إنه جعل هذا اللفظ اسم علم له، أو جعله صفة له؛ بمعنى: أنه أخبر بهذا اللفظ أنه
عبد الحارث، ومخلوق من قبله؛ فإن كان الأول؛ لم يكن هذا شركًا بالله؛ لأن أسماء
الأعلام، والألقاب لا تفيد في المسميات فائدة؛ فلم يلزم من التسمية بهذا اللفظ حصول
الإشراك. وإن كان الثاني؛ كان هذا قولًا بأن آدمَ - عليه السلام - اعتقد أن الله شريكًا في
الخلق، والإيجاد، والتكوين؛ وذلك يوجب الجزم بتكفير آدم، وذلك لا يقوله عاقل.
فثبت بهذه الوجوه أن هذا القول فاسد، ويجب على العاقل المسلم ألا يلتفت إليه.

٤٦٥
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله ◌ِوَهـ
إذا عرفت هذا؛ فنقول: في تأويل الآية وجوه صحيحة سليمة، خالية عن هذه المفاسد.
التأويل الأول: ما ذكره القفال؛ فقال: إنه - تعالى - ذكر هذه القصة على تمثيل ضرب
المثل، وبيان أن هذه الحالة صورة حالة هؤلاء المشركين في جهلهم، وقولهم بالشرك،
وتقرير هذا الكلام كأنه تعالى يقول: هو الذي خلق كل واحد منكم من نفس واحدة، وجعل
من جنسها زوجها إنسانًا يساويه في الإنسانية؛ فلما تغشى الزوج الزوجة، وظهر الحمل دعا
الزوج والزوجة ربهما لئن آتيتنا ولدًا صالحًا سويًّا؛ لنكونن من الشاكرين لآلائك ونعمائك؛
فلما آتاهما الله ولدًا صالحًا سويًّا؛ جعل الزوج والزوجة شركاء فيما آتاهما؛ لأنهم تارةً
ينسبون ذلك للطبائع؛ كما هو قول الطبائعيين، وتارة إلى الكواكب؛ كما هو قول المنجمين،
وتارة إلى الأصنام والأوثان؛ كما هو قول عبدة الأصنام، ثم قال تعالى: ﴿فَعَلَى اَللَّهُ عَمَّا
يُشْرِكُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٠] أي: تنزه الله عن ذلك الشرك؛ وهذا جواب في غاية الصحة
والسداد. ثم ذكر باقي التأويلات من شاء الوقوف عليها؛ فليراجع تفسيره.
وقال الحافظ ابن كثير في «تفسیرہہ: قال ابن جرير(١)؛ حدثنا ابن وكيع، حدثنا سهل بن
يوسف، عن عمرو، عن الحسن: ((جعلا له شركاء فيما آتاهما)): قال: كان هذا في بعض
أهل الملل، ولم یکن بآدم.
و(٢) حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر قال: قال الحسن
عَنَى بها: ذرية آدم، ومن أشرك منهم بعده؛ يعني: جعلا له شركاء فيما آتاهما.
و(٢) حدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد، عن قتادة: كان الحسن يقول: هم: اليهود
والنصارى؛ رزقهم الله أولادًا؛ فهوّدوا ونصّروا، وهذه أسانيد صحيحة عن الحسن - رضي الله
تعالى عنه - أنه فسر الآية بذلك؛ وهو من أحسن التفاسير، وأَوْلى ما حُملت عليه الآية، ولو
كان هذا الحديث - يعني: حديث سمرة المذكور عنده - محفوظًا عن رَسُول اللهِ وَلفي لما عدل
عنه هو، ولا غيره، لا سيما مع تقواه لله وورعه؛ فهذا يدلك على أنه موقوف على
الصحابي، ويحتمل أنه تلقاه من بعض أهل الكتاب من آمن منهم مثل: كعب، ووهب بن
منبه، وغيرهما، إلا إننا برئنا من عهدة المرفوع. انتهى.
(١) ابن جرير في ((التفسير)) (١٤٨/٩).
(٢) القائل ابن جرير أيضًا .

٤٦٦
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله وَهُ
أما أثر ابن عباسٍ الذي ذكره الرازي؛ فهو مروي من طرق متعددة بألفاظ مختلفة؛ وهو
يحتمل أن يكون مأخوذًا من الإسرائيليات. قال الحافظ ابن كثير بعد ذكره من الطرق المتعددة
بالألفاظ المختلفة ما لفظه: وقد تلقى هذا الأثر، عن ابن عباس جماعة من أصحابه؛
كمجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة. ومن الطبقة الثانية: قتادة، والسدي، وغير واحد من
السلف، وجماعة من الخلف. ومن المفسرين من المتأخرين: جماعات لا يحصون كثرة؛
وكأنه أصله مأخوذ من أهل الكتاب؛ فإن ابن عباس رواه عن أبي بن كعب؛ كما رواه ابن
أبي حاتم (١): حدثنا أبي، حدثنا أبو الجماهر، حدثنا سعيد - يعني: ابن بشير - عن عقبة، عن
قتادة، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن أبي بن كعب قال: ((لَمَّا حَمَلَتْ حَوَّاءُ أَتَاهَا
الشَّيْطَانُ؛ فَقَالَ لَها: أَتْطيعيني وَيَسْلَمْ لَكِ وَلَدُكِ، سَمِّيهِ عَبْدَ الحَارِثِ، فَلَمْ تَفْعَلَ فَوَلَدَتْ
فَمَاتَ، ثُمَّ حَمَلَتْ فَقَالَ لَهَا مِثْلَ ذَلِكَ، فَلَمْ تَفْعَلْ، ثُمَّ حَمَلَتِ الثَّالِثَةَ، فَجَاءَهَا، فَقَالَ: إِنْ
تُطِيعِيني يَسْلَمْ، وَإِلَّا فَإِنَّهُ يَكُونُ بَهِيمَةً، فَهَيَّبَهُمَا، فَأَطَاعَا)).
وهذه الآثار يظهر عليها أنها من آثار أهل الكتاب، وقد صح الحديث عن رَسُول الله وَلَه
أنه قال: ((إِذَا حَدَّثَكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَلا تُصَدِّقُوهُمْ وَلا تُكَذِّبُوهُمْ))(٢). ثم أخبارهم على ثلاثة
أقسام:
فمنها: ما علمنا صحته؛ بما دل عليه الدليل من كتاب الله، أو سنة رسوله. ومنها: ما
علمنا كذبه؛ بما دل على خلافه من الكتاب والسنة أيضًا .
ومنها: ما هو مسكوت عنه؛ فهو المأذون في روايته بقوله - عليه السلام -: ((حَدِّثُوْا عَنْ
بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلا حَرَجَ)» (٣)، وهو الذي لا يصدق، ولا يكذب، لقوله: ((فَلا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا
تُكَذَّبُوهُمْ)). وهذا الأثر هو من القسم الثاني، أو الثالث فيه نظر. فأما من حدث به من
صحابي، أو تابعي، فإنه يراه من القسم الثالث. وأما نحن؛ فعلى مذهب الحسن البصري -
رحمه الله - في هذا؛ وأنه ليس المراد من هذا السياق: آدم وحواء؛ وإنما المراد من ذلك:
المشركون من ذريته؛ ولهذا قال الله: ﴿فَتَعَلَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٠]. ثم قال:
(١) ابن أبي حاتم في تفسيره (١٦٣٣/٥ - عصرية).
(٢) البخاري، كتاب التفسير، حديث (٤٤٨٥) بنحوه.
(٣) البخاري، كتاب الأنبياء، حديث (٣٤٦١).

٤٦٧
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ / باب ((وَمِنْ سُورَةِ الأنْفَال))
٩- باب ((وَمِنْ سُورَةِ الأنْفَال)) [ت ٩، ٢ ١]
بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحَمِ
[٣٠٧٩] (٣٠٧٩) حَدَّثَنَا أبو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَن عاصِمِ بْنِ
بَهْدَلَةَ، عَن مُصْعَبٍ بْنِ سَعْدٍ، عَن أبِيهِ، قَالَ: لمّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ، جِئْتُ بِسَيْفٍ،
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، إنَّ الله قَد شَفَى صَدْرِي مِنَ المُشْرِكِينَ - أَوْ نَحْوَ هَذا - هَبْ لِي
هَذا السَّيْفَ، فَقَالَ: ((هَذَا لَيْسَ لِي، وَلا لَكَ))، فَقُلْتُ: عَسَى أنْ يُعْطَى هَذَا مَن لا
يُبْلِي بَلَائِي، فجاءني الرَّسُولُ، فَقَالَ: ((إنَّكَ سَأَلْتَنِي وَلَيْسَ لِي، وَإِنه قَدْ صَارَ لِي وَهُوَ
لَكَ))، قَالَ: فَنَزَلَتْ: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ [الأنفال: ١] الآية. [ م: ١٧٤٨،
حم: ١٥٤١].
فذكره آدم وحواء أولًا؛ كالتوطئة لما بعدهما من الوالدين، وهو كالاستطراد من ذكر الشخص
إلى الجنس. انتهى كلام الحافظ ابن كثير.
٩ - باب وَمِنْ سُورَةِ الْأَنْفَالِ
هي: مدنية خمس، أو ست، أو سبع وسبعون آية.
[٣٠٧٩] قوله: (إن الله قد شفى صدري من المشركين، أو نحو هذا) ((أو)): للشك من
الراوي؛ يعني: قال هذا اللفظ، أو قال لفظًا آخر نحو (هب لي) أي: أعطني (هذا ليس لي،
ولا لك) لأنه من أموال الغنيمة التي لم تقسم (عسى أن يعطى) بصيغة المجهول (هذا) أي:
السيف؛ وهو: نائب الفاعل لـ ((يعطى)) (من لا يبلى بلائي) مفعول ثان لـ ((يعطى)).
قال في ((النهاية)): أي: لا يعمل مثل عملي في الحرب؛ كأنه يريد أفعل فعلًا اختبر فيه،
ويظهر به خيري وشري. انتهى. وهي رواية أبي داود(١): ((مَنْ لَمْ يُبْلِ بَلَائِي)). قال السندي:
أي: لم يعمل مثل عملي في الحرب؛ كأنه أراد أن في الحرب يختبر الرجل فيظهر حاله، وقد
اختبرت أنا فظهر مني ما ظهر، فأنا أحق بهذا السيف من الذي لم يختبر مثل اختباري. انتهى.
(فجاءني الرسول) أي: رسول الله وَليه (وليس لي) جملة حالية؛ أي: سألتني السيف؛
والحال أنه لم يكن لي (وإنه قد صار لي) أي: الآن (فنزلت ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ [الأنفال: ١]).
(١) أبو داود، كتاب الجهاد، حديث (٢٧٤٠).

٤٦٨
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّ / باب ((وَمِنْ سُورَةِ الأنْفَال))
قال البخاري في ((صحيحه))(١): قال ابن عباس: الأنفال: المغانم. وروي عن سعيد بن
جبير. قلت لابن عباس: سورةُ الأنفال قال: نزلت في بدر.
(الآية) قال في ((الجلالين)): في تفسير هذه الآية: لما اختلف المسلمون في غنائم بدر؛
فقال الشبان: هي لنا؛ لأنا باشرنا القتال. وقال الشيوخ: كنا ردًا لكم تحت الرايات، ولو
انكشفت لفئتم إلينا؛ فلا تستأثروا بها. نزل. ﴿يَسْتَلُونَكَ﴾: يا محمد. ﴿عَنِ الْأَنْفَالِ﴾: الغنائم
لمن هي؟ ﴿قل﴾ لهم: ﴿اَلْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ يجعلانها حيث شاءا. فقسمها وَّ بينهم
بالسواء. رواه الحاكم في ((المستدرك)): ﴿فَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ أي: حقيقة ما
بينكم؛ بالمودة، وترك النزاع. ﴿وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ: إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١]: حقًّا .
وقال في ((المدارك)): ﴿وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾: أي: أحوال بينكم؛ يعني: ما بينكم من
الأحوال حتى تكون أحوال ألفة، ومحبة، واتفاق.
وقال الزجاج: معنى ﴿ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾: حقيقة وصلكم، والبين: الوصل؛ أي:
فاتقوا الله، وكونوا مجتمعين على ما أمر الله، ورسوله به.
قلت: ما ذكر في ((الجلالين)): من سبب نزول هذه الآية؛ فهو مروي عن ابن عباس،
عند أبي داود، والنسائي، وابن جرير، وابن مردويه، وابن حبان، والحاكم ونحوه، عن
عبادة بن الصامت؛ كما أشار إليه الترمذي، وسيجيء لفظه.
قال الخازن: قوله سبحانه وتعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ [الأنفال: ١]. استفتاء؛ يعني:
يسألك أصحابك يا محمد عن حكم الأنفال وعلمها؛ وهو سؤال استفتاء، لا سؤال طلب.
قال الضحاك وعكرمة: هو سؤال طلب، وقوله: ((عن الأنفال)): أي: من الأنفال،
((وعن)) بمعنى: ((من)). أو قيل: ((عن)): صلة، أي: يسألونك الأنفال. انتهى.
قلت: حديث سعد بن أبي وقاص يقتضي أنه سؤال طلب، وحديث ابن عباس، وحديث
عبادة يقتضیان أنه سؤال استفتاء؛ وهو الراجح عندي.
وقال صاحب ((فتح البيان)): ذهب جماعة من الصحابة والتابعين إلى أن الأنفال كانت
لرَسُول اللهِ وَ﴿ خاصة، ليس لأحد فيها شيء، حتى نزل قوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن
شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ حُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]، فهي على هذا منسوخة؛ وبه قال مجاهد، وعكرمة،
(١) النسائي في ((الكبرى))، حديث (١١١٩٦).

٤٦٩
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِّهِ / باب ((وَمِنْ سُورَةِ الأنْفَال))
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وقد رَوَاهُ سِماك بْنُ حرب، عَن
مُصعَبٍ أيضًا.
وفي البابِ: عَن عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ.
والسدي. وقال ابن زيد: محكمة مجملة، وقد بين الله مصارفها في آية الخمس، وللإمام أن
ينفل من شاء من الجيش ما شاء قبل التخميس. انتهى.
قلت: والظاهر الراجح عندي: أنها ليست بمنسوخة؛ بل هي محكمة، والله تعالى أعلم.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم، وأبو داود، والنسائي(١).
قوله: (وفي الباب) أي: في شأن نزول هذه الآية (عن عبادة بن الصامت) أخرجه
أحمد(٢)، عنه قال: ((خَرَجْت مَعَ رَسُولِ الله وَِّ فَشَهِدْتُ مَعَهُ بَدْرًا، فَالْتَقَى النَّاسُ فَهَزَمَ الله
الْعَدُوَّ، فَانْطَلَقَتْ طَائِفَةٌ فِي إِثْرِهِمْ يَهْزِمُونَ وَيَقْتُلُونَ، وَأَكَبَّتْ طَائِفَةٌ عَلَى الْغَنَائِمِ يَحْوُونَهُ
وَيَجْمَعُونَهُ، وَأَحْدَقَتْ طَائِفَةٌ بِرَسُولِ اللهِ وََّ لَا يُصِيبُ الْعَدُوُّ مِنْهُ غِرَّةً. حَتَّى إذا كَانَ الَلَّيْلُ وَفَاءَ
النَّاسُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالَ الَّذِينَ جَمَعُوا الْغَنَائِمَ: نَحْنُ حَوَيْنَاهَا، وَجَمَعْنَاهَا، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ
فِيهَا نَصِيبٌ، وَقَالَ الَّذِينَ خَرَجُوا فِي طَلَبِ الْعَدُوِّ، لَسْتَمْ بِأَحَقَّ بِهَا مِنَّا نَحْنُ نَفَيْنَا عَنْهَا الْعَدُوَّ
وَهَزَمْنَاهُمْ. وَقَالَ الَّذِينَ أَحْدَقُوا بِرَسُولِ اللهِهِ، لَسْتَمْ بِأَحَقَّ مِنَّا، نَحْنُ أَحْدَقْنَا بِرَسُولِ اللهِ وَّل
وَخِفْنَا أَنْ يُصِيبَ الْعَدُوُّ مِنْهُ غِرَّةً فَاشْتَغَلْنَا بِهِ، فَنَزَلَتْ: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ
فَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١]: فَقَسَّمَهَا رَسُولُ اللهِّهِ عَلَى فَوَاقٍ بَيْنَ
المُسْلِمِينَ)): وفي لفظ مختصر: ((فِينَا أَصْحَابُ بَدْرٍ نَزَلَتْ حِينَ اخْتَلَفْنَا فِي النَّقْلِ وَسَاءَتْ فِيهِ
أَخْلَاقُنَا، فَتَزَعَهُ الله مِنْ أَيْدِينَا، فَجَعَلَهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ فَقَسَمَهُ فِينَا عَلَى بَوَاءٍ)): يقول: على
السواء.
قال الشوكاني في ((النيل)): حديث عبادة - قال في ((مجمع الزوائد)): رجال أحمد ثقات.
وأخرجه أيضًا الطبراني، وأخرج نحوه الحاكم(٣) عنه.
(١) النسائي في ((الكبرى))، حديث (١١١٩٦).
(٢) أحمد، حديث (٢٢٨١٤).
(٣) الطبراني في ((مسند الشاميين)) (٣٦٩/٤) (٣٥٨٣)، والحاكم (٢٥٩٥) وقال: صحيح ووافقه الذهبي.

٤٧٠
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَهـ
[ت ٩، م ٢]
[٣٠٨٠] (٣٠٨٠) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَن إِسْرَائِيلَ، عَن
سِمَاكٍ، عَن عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لمّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ وَلَه مِن بَدْرٍ، قيلَ لَهُ:
عَلَيْكَ العِيرَ لَيْسَ دُونَهَا شَيْءٌ، قَالَ: فَنَادَاهُ العَبَّاسُ وَهُوَ فِي وَثَاقِهِ: لا يَضْلُحُ، وقال:
لأَنَّ الله تعالى وَعَدَكَ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، وَقَدْ أعْطَاكَ مَا وَعَدَكَ، قَالَ: ((صَدَقْتَ)).
[ضعيف الإسناد، سماك، روايته عن عكرمة مضطربة، تغير بآخره فربما تلقن].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
[ت ٩، م ٣]
[٣٠٨١] (٣٠٨١) حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونسَ الْيَمَامِيُّ، حَدَّثَنَا
عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا أبو زُمَيْلٍ،
[٣٠٨٠] قوله: (عليك العير) أي: عير أبي سفيان التي كان رَسُولُ اللهِ وَلّ خرج
بالمسلمين من المدينة يريدها؛ فبلغ ذلك أهل مكة؛ فأسرعوا إليها، وسبقت العير المسلمين؛
فلما فاتهم العير نزل النبي ◌َّه بالمسلمين بدرًا؛ فوقع القتال. وهذه العير: يقال: كانت ألف
بعیر، وکان المال خمسين ألف دینار، وکان فيها ثلاثون رجلًا من قريش، وقيل: أربعون،
وقيل: ستون (ليس دونها شيء) أي: ليس دون العير شيء يزاحمك (فناداه العباس) أي: ابن
عبد المطلب (وهو في وثاقه) وفي رواية أحمد(١) ((وَهُوَ أَسِيرٌ فِي وَثَاقِهِ)): والوثاق؛ بفتح
الواو، وكسرها: ما يشد به من قيد، وحبل، ونحوهما (لا يصلح) أي: لا ينبغي لك (لأن الله
تعالى وعدك إحدى الطائفتين) المراد بالطائفتين: العير، والنفير؛ فكان في العير أبو سفيان،
ومن معه؛ كعمرو بن العاص، ومخرمة بن نوفل، وما معه من الأموال. وكان في النفير: أبو
جهل، وعتبة بن ربيعة، وغيرهما من رؤساء قريش (قال) أي: النبي وَلّ (صدقت) أي: فيما
قلت.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد.
[٣٠٨١] قوله: (حدثنا أبو زميل) بضم الزاي مصغرًا؛ اسمه: سماك بن الوليد، الحنفي
(١) أحمد، حديث (٢٨٧٥).

٤٧١
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَهِ
حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ عَبَّاسِ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ، قَالَ: نَظَرَ نَبِيُّ الله ◌َهُ إِلَى
المَشْرِكِينَ، وَهُمْ أَلْفٌ، وَأصْحَابُهُ ثَلَاثمائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَاسْتَقْبَلَ نَبِيُّ اللهِ إِليه
القِبْلَةَ، ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ وَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ: ((اللَّهَمَّ، أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَني، اللَّهَمَّ، آتِي ما
وَعَدْتَنِي، اللَّهِمَّ، إنْ تُهْلِكْ هَذِهِ العِصَابَة مِن أهْلِ الإسْلَامِ لا تُعْبَدُ في الأرْضِ))، فَمَا
(حدثني عبد الله بن عباس) بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، ابن عم رَسُول الله وَلِّ،
وُلِدَ قبل الهجرة بثلاث سنين، ودعا له رَسُولُ اللهِ وَّه بالفهم في القرآن؛ فكان يسمى: البحر
والحبر؛ لسعة علمه. وقال عمر: لو أدرك ابن عباس أسناننا ما [عاشره](١) منا أحد، مات
سنة ثمان وستين بالطائف؛ وهو أحد المكثرين من الصحابة، وأحد العبادلة، من فقهاء
الصحابة.
قوله: (نظر نبي الله وَّ﴿ إلى المشركين) وفي رواية مسلم(٢): ((لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ نَظَرَ
رَسُولُ اللهِ ◌ّهِ إِلَى الْمُشْرِكِينَ)).
قال النووي: بدر هو: موضع الغزوة العظمى المشهورة؛ وهو ماء معروف، وقرية عامرة
على أربع مراحل من المدينة بينها وبين مكة.
قال ابن قتيبة: بدر: بئر کانت لرجل یسمی: بدرًا؛ فسميت باسمه.
قال أبو اليقظان: كانت لرجل من بني غفار، وكانت غزوة ((بدر)) يوم الجمعة لسبع عشرة
خلت من شهر رمضان في السنة الثانية من الهجرة.
(ثم مد يديه) أي: رفعهما (وجعل يهتف) بفتح أوله، وكسر التاء المثناة بعد الهاء؛
ومعناه: يصيح، ويستغيث بالله بالدعاء؛ وفيه: استحباب استقبال القبلة في الدعاء، ورفع
اليدين فيه، وأنه لا بأس برفع الصوت في الدعاء (اللهم أنجز لي ما وعدتني) من الإنجاز؛
أي: أحضر لي ما وعدتني. يقال: أنجز وعده: إذا أحضره (اللهم إن تهلك هذه العصابة)
قال النووي: ضبطوا تهلك بفتح التاء، وضمها؛ فعلى الأول ترفع العصابة على أنها فاعل،
وعلى الثاني تنصب، وتكون مفعوله، والعصابة: الجماعة. انتهى.
قال الحافظ في ((الفتح)): إنما قال ذلك؛ لأنه علم أنه خاتم النبيين؛ فلو هلك هو، ومن
(١) في نسخة: عثره، وهو المشهور عن ابن مسعود ولم أجده عن عمر. والله أعلم.
(٢) مسلم، كتاب الجهاد والسير، حديث (١٧٦٣).

٤٧٢
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَهِ
زَالَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ، مادًّا يَدَيْهِ، مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ مِن مَنْكِبَيْهِ، فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ،
فَأَخَذَ رِدَاءهُ، فَأَلْقَاهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ الَّزَمَهُ مِن وَرَائِهِ، فقال: يَا نَبِيَّ الله، كَفَاكَ
مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ، إِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ؛ فَأَنْزَلَ الله: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ
لَكُمْ أَنِى مُمِدُكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَبِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩]. [م: ١٧٦٣، حم: ٢٠٨].
قَالَ: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ، لا نَعْرِفُهُ من حديثٍ عُمَرَ إلَّا من حديثٍ
معه حينئذٍ؛ لم يبعث أحد ممن يدعو إلى الإيمان، ولاستمر المشركون يعبدون غير الله؛
فالمعنى: لا يعبد في الأرض بهذه الشريعة.
(كفاك). وفي بعض النسخ ((كَذَاكَ)): بالذال. وفي رواية البخاري ((حَسْبُكَ)) وکله بمعنى؛
كما صرح به الجزري، والنووي (مناشدتك ربك) المناشدة: السؤال. مأخوذة من: النشيد؛
وهو رفع الصوت. وضبطوا مناشدتك بالرفع، والنصب؛ وهو الأشهر. قال القاضي: من
رفعه جعله فاعلًا (لكفاك)): ومن نصبه؛ فعلى المفعول؛ لما في ((حسبك، وكفاك، وكذاك)):
من معنى الفعل من الكف.
قال العلماء: هذه المناشدة إنما فعلها النبي ◌َله ليراه أصحابه بتلك الحال؛ فتقوى
قلوبهم بدعائه، وتضرعه مع أن الدعاء عبادة. وقد كان وعده الله - تعالى - إحدى
الطائفتين، إما: العير، وإما: الجيش. وكانت العير قد ذهبت وفاتت؛ فكان على ثقة من
حصول الأخرى؛ ولكن سأل تعجيل ذلك، وتنجيزه من غير أذى يلحق المسلمين.
(إنه سينجز لك ما وعدك) قال الخطابي: لا يجوز أن يتوهم أحد أن أبا بكر كان أوثق
بربه من النبي 18ّ في تلك الحال؛ بل الحامل للنبي وَلّ على ذلك شفقته على أصحابه،
وتقوية قلوبهم؛ لأنه كان أول مشهد شهده؛ فبالغ في التوجه والدعاء والابتهال؛ لتسكن
نفوسهم عند ذلك؛ لأنهم كانوا يعلمون أن وسيلته مستجابة؛ فلما قال أبو بكر ما قال كف
عن ذلك، وعلم أنه استجيب له؛ لما وجد أبو بكر في نفسه من القوة والطمأنينة؛ فلهذا عقب
بقوله: ((سَيُهْزَمُ الجَمْعُ)). (﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾) أي: تطالبون منه الغوث بالنصر عليهم.
(﴿فَأَسْتَجَابَ لَكُمْ﴾﴾ أي: فأجاب دعاءكم. (﴿أَنِى مُمِتُكُمْ﴾﴾ أي: بأني معينكم. (﴿بِأَلْفٍ مِّنَ
اَلْمَلَبِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩]) أي: متتابعين يردف بعضهم بعضًا.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح غريب) وأخرجه أحمد، ومسلم، وأبو داود، وأخرجه
البخاري مختصرًا .

٤٧٣
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَه
عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ عَن أبي زُمَيْلٍ، وأبو زُمَيْلِ اسْمُهُ: سِمَاكٌ الحَنَفِيُّ؛ وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا
يَوْمَ بَدْرٍ .
[ت ٩، م ٤]
[٣٠٨٢] (٣٠٨٢) حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعِ، حَدَّثَنَا ابنُ نُمَيْرٍ، عَن إسماعِيلَ بْنِ
إبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ، عَن عَبَّادِ بْنِ يُوسُفَ، عَن أبي بُرْدَةَ بْنِ أبي مُوسَى، عَن أبِيهِ،
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((أَنْزَلَ الله عَلَيَّ أمَانَيْنِ لأَمَّتِي: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ
وَأَنْتَ فِيهِمَّ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣] فإذَا مَضَيْتُ تَرَكْتُ فِيهِم
قال الحافظ: هذا من مراسيل الصحابة؛ فإن ابن عباس لم يحضر ذلك، ولعله أخذه عن
عمر، أو عن أبي بكر وقال: (وإنما كان هذا يوم بدر) الظاهر أن ضمير ((قال)): راجع إلى
الترمذي .
[٣٠٨٢] قوله: (حدثنا ابن نمير) هو: عبد الله بن نمير (عن عباد بن يوسف) قال في
((التقريب)): عباد بن يوسف، ويقال: ابن سعيد، كوفي (عن أبي بردة) مجهول، من
السادسة. ويقال: اسمه: عبادة (أنزل الله علي أمانين) أي: في القرآن. (﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ
لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] إلخ) قبله وإذا قالوا: ﴿اَللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا﴾: أي: الذي يقرؤه
محمد، ﴿هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ﴾: أي المنزل من عندك ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوٍ
أَثْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]: أي: مؤلم على إنكاره. قاله النضر، وغيره؛ استهزاء وإيهامًا
أنه على بصيرة، وجزم ببطلانه. (﴿وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾) أي: مقيم بـ ((مكة)): بين أظهرهم حتى
يخرجوك؛ لأن العذاب؛ إذا نزل عمّ، ولم تعذب أمة إلا بعد خروج نبيها والمؤمنون منها .
(﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣]) حيث يقولون في طوافهم: غفرانك
غفرانك، وقيل: هم المؤمنون المستضعفون فيهم؛ كما قال تعالى: ﴿لَوْ تَزَّلُواْ لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ
كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح: ٢٥]: وبعده ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾: أي: بالسيف بعد
خروجك والمستضعفين. وعلى القول الأول هي: ناسخة لما قبلها؛ وقد عذبهم بـ ((بدر)):
وغيرهم ﴿وَهُمْ يَصُدُّونَ﴾ أي: يمنعون النبي وَّه والمسلمين ﴿عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أن
يطوفوا به. ﴿وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَآءُ﴾: كما زعموا. ﴿إِنْ أَوْلَآؤُهُ إِلَّا الْمُنَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْتَهُمْ لَا
يَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤]: أن لا ولاية لهم عليه (إذا مضيت) أي: ذهبت (تركت فيهم) أي:

٤٧٤
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّـ
الاسْتِغْفَارَ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ)). [ضعيف الإسناد].
هذا حديثٌ غريبٌ، وإسماعِيلُ بْنُ مُهَاجِرٍ يُضَعَّفُ في الحديثِ.
[ت ٩، م ٥]
[٣٠٨٣] (٣٠٨٣) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَن أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَن
صَالحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَن رَجُلٍ لَمْ يُسَمِّهِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ؛ أنَّ رَسُوْلَ اللهِ وَلَ قَرأ
هَذِهِ الآيَةَ عَلَى المِنْبَرِ: ﴿وَأَعِدُواْ لَهُم مَّا أَسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] قَالَ: ((ألا إنَّ
القُوَّةَ الرَّمْيُ)) ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ((ألا إنَّ الله سَيَفْتَحُ لَكُمُ الأَرْضَ،
بعدي (الاستغفار إلى يوم القيامة) فما داموا يستغفرون لم يعذبوا.
وروى ابن أبي حاتم (١)، عن ابن عباس: إن الله جعل في هذه الأمة أمانين، لا يزالون
معصومين، مجارين من طوارق العذاب ما دام بين أظهرهم؛ فأمان قبضه الله إليه، وأمان بقي
فیکم.
قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمَّ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣].
وروى أحمد (٢)، عن فضالة بن عبيد، عن النبي ◌َّ أنه قال: ((الْعَبْدُ آمِنٌ مِنْ عَذَابِ الله
مَا اسْتَغْفَرَ الله عَزَّ وَجَلَّ».
قوله: (وإسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر يضعف في الحديث) قال في ((التقريب)):
إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر بن جابر البجلي الكوفي، ضعيف، من السابعة.
[٣٠٨٣] قوله: (عن أسامة بن زيد) هو: الليثي.
قوله: (﴿وَأَعِدُواْ لَهُم مَّا أَسْتَطَعْتُم﴾ [الأنفال: ٦٠]) إلخ ((ما)): موصولة، والعائد محذوف،
﴾: بيان له؛ فالمراد هنا: نفس القوة. وفي هذا البيان والمبين إشارة إلى أن هذه
العدة لا تستحب بدون المعالجة، والإدمان الطويل، وليس شيء من عدة الحرب، وأداتها
أحوج إلى المعالجة، والإدمان عليها مثل: القوس، والرمي بها؛ ولذلك كرر - صلوات الله
وسلامه عليه - تفسير القوة: بالرمي بقوله: (ألا) للتنبيه (إن القوة الرمي) أي: هو العمدة
(ثلاث مرات) كررها ثلاثًا؛ لزيادة التأكيد، أو إشارة إلى الأحوال الثلاث من القلة والكثرة،
(١) ذكره عنه السيوطي في ((الدر المنثور)) (٥٧/٤) وعزاه أيضًا لأبي الشيخ وابن مردويه.
(٢) أحمد (٢٣٤٣٤).

٤٧٥
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله ◌ِوَه
وَسَتُكْفَوْنَ المؤنَةَ، فَلا يَعْجِزَنَّ أحَدُكُمْ أنْ يَلْهُوَ بِأَسْهُمِهِ)). [م: ١٩١٧، د: ٢٥١٤،
جه: ٢٨١٣، حم: ١٦٩٧٩، مي: ٢٤٠٤].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: وقد رَوَى بعضُهم هذا الحديثَ، عَن أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَن
صالحِ بْنِ كَيْسَانَ، رواه أبُو أُسَامَةَ وَغيرُ وَاحِدٍ، عَن عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، وحديثُ وَكِيعٍ:
أصَحُّ، وصالحُ بْنُ كَيْسَانَ لم يُدْرِكْ عُقْبَةَ بْنَ عامٍ، وقد أدْرَكَ ابنَ عُمَرَ.
[ت ٩، م ٦]
[٣٠٨٤] (٣٠٨٥) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أخبرني مُعاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو، عَن زَائِدَة،
عَن الأعمَشِ، عَن أبي صالحٍ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ِ قَالَ: ((لَمْ تَحِلَّ الغَنَائِمُ
وبينهما؛ فإنها نافية في جميعها (وستكفون المؤنة) بصيغة المجهول؛ أي: سيكفيكم الله مؤنة
القتال؛ بما فتح عليكم. وفي رواية مسلم(١) (يَكْفِيكُم الله)).
قال القاري: أي: شرهم بقوته وقهره؛ لكن ثوابكم، وأجركم مترتب على سعیکم،
وتعبكم (فلا يعجزن) بكسر الجيم على المشهور، وبفتحها على لغة؛ ومعناه: الندب إلى
الرمي.
قال النووي في ((شرح مسلم)): فيه: وفي الأحاديث بعده فضيلة الرمي، والمناضلة،
والاعتناء بذلك بنية الجهاد في سبيل الله - تعالى - وكذلك المشاجعة وسائر أنواع استعمال
السلاح؛ وكذا المسابقة بالخيل وغيرها. والمراد بهذا كله: التمرن على القتال، والتدرب،
والتحذق فيه، ورياضة الأعضاء بذلك.
(أن يلهو) أي: يشتغل ويلعب (بأسهمه) جمع: السهم؛ أي: مع قسيها بنية الجهاد.
وحديث عقبة هذا: أخرجه أيضًا مسلم(٢) من وجه آخر.
[٣٠٨٤] قوله: (أخبرني معاوية بن عمرو) بن المهلب بن عمرو الأزدي المَعْنِي؛ بفتح
الميم، وسكون المهملة، وكسر النون: أبو عمرو البغدادي، ويعرف بـ ((ابن الكرماني)): ثقة،
من صغار التاسعة (عن زائدة) هو: ابن قدامة.
(١) مسلم، كتاب الإمارة، حديث (١٩١٨).
(٢) البخاري، كتاب فرض الخمس، حديث (٣١٢٤)، ومسلم، كتاب الجهاد والسير، حديث (١٧٤٧).

٤٧٦
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله ◌ِّهِ
لأَحَدٍ سُودِ الرُّؤوسِ مِن قَبْلِكُمْ، كَانَت تَنْزِلُ نَارٌ مِنَ السَّمَاءِ فَتَأْكُلُهَا»، قَالَ سُلَيْمانُ
الأعمَشُ: فَمَنْ يَقُولُ هَذَا إِلَّا أَبُو هُرَيْرَةَ الآنَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ، وَقَعُوا في الغَنَائِمِ
قَبْلَ أنْ تَحِلَّ لَهُمْ؛ فَأَنْزَلَ الله تَعَالى: ﴿لَوْلَا كِتَبٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ
عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٨]. [حم: ٧٣٨٥].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، غريبٌ مِن حَديثِ الأعمَشِ.
قوله: (لأحد سود الرؤوس) بإضافة أحد إلى سود، والمراد بسود الرؤوس؛ بنو آدم؛
لأن رؤوسهم سود (قال سليمان الأعمش: فمن يقول هذا إلا أبو هريرة الآن) لم يظهر لي أن
الأعمش ما أراد بقوله: ((فمن يقول هذا ... إلخ)): اللَّهم إلا أن يقال: إن مراده به: أنه لا
يقول أحد الآن في هذا الحديث لفظ سود الرؤوس إلا أبو هريرة؛ يعني: لم يرد هذا اللفظ
إلا في حديثه؛ ولكن يخدشه لفظ الآن؛ فليتأمل. (﴿لَّوْلَا كِتَبٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾) بإحلال
الغنائم، والأسرى لكم. (﴿لَمَسَّكُمْ﴾) أي: لنالكم، وأصابكم. (﴿فِيْمَآ أَخَذْتُمْ﴾﴾ [الأنفال: ٦٨]:
من الفداء. وروى الشيخان(١) عن أبي هريرة: ((غَزَا نَبِيُّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ ... )): الحديث. وفي
آخره: ((ثُمَّ أَحَلَّ الله لَنَا الْغَنَائِمَ، ثُمَّ رَأَى ضَعْفَنَا وَعَجْزَنَا، فَأَحَلَّهَا لَنَا)). قال الحافظ في
الفتح: وفيه: اختصاص هذه الأمة بحل الغنيمة، وكان ابتداء ذلك من غزوة ((بدر)): وفيها
نزل قوله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِمَا غَنِمْتُمْ حَلًا طَيِّبَأْ﴾ [الأنفال: ٦٩]، فأحل الله لهم الغنيمة.
وقد ثبت ذلك في ((الصحيح)): من حديث ابن عباس. وقد قدمت في أوائل فرض
الخمس، أن: أول غنيمة خمِّست: غنيمة السرية التي خرج فيها عبد الله بن جحش، وذلك
قبل بدر بشهرين، ويمكن الجمع بما ذكر ابن سعد أنه ◌ّل ل أخر غنيمة تلك السرية حتى رجع
من بدر، فقسمها مع غنائم بدر. وفيه: أن من مضى كانوا يغزون، ويأخذون أموال أعدائهم،
وأسلابهم لكن لا يتصرفون فيها؛ بل يجمعونها، وعلامة قبول غزوهم ذلك: أن تنزل النار
من السماء؛ فتأكلها، وعلامة عدم قبوله ألا تنزل. ومن أسباب عدم القبول أن يقع فيهم
الغلول، وقد منّ الله على هذه الأمة، ورحمها؛ لشرف نبيها عنده؛ فأحل لهم الغنيمة، وستر
عليهم الغلول؛ فطوى عنهم فضيحة أمر عدم القبول؛ فلله الحمد على نعمه تترى، ودخل في
عموم أكل النار الغنيمة: السبي. وفيه بُعد؛ لأن مقتضاه: إهلاك الذرية، ومن لم يقاتل من
النساء؛ ويمكن أن يستثنوا من ذلك، ويلزم استثناؤهم من تحريم الغنائم عليهم؛ ويؤيده أنهم
(١) البخاري، كتاب فرض الخمس، حديث (٣١٢٤)، ومسلم، كتاب الجهاد والسير، حديث (١٧٤٧).

٤٧٧
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهـ
[ت ٩، م ٧]
[٣٠٨٥] (٣٠٨٤) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا أبو مُعَاوِيَةَ، عَن الأعمَشِ، عَن عَمْرِو بْنِ
مُرَّةَ، عَن أبي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ الله، عَن عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: لمّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ
وَجِيءَ أُسَارَى، قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((مَا تَقُولُونَ فِي هَؤُلَاءِ الأسَارَى)) فَذَكَرَ في
الحَدِيثِ قِصَّةً، فَقَالَ رَسُولُ الله ◌ِهِ: ((لا يَنْفَلِتَنَّ مِنْهُمْ أحَدٌ إلَّا بِفِدَاءٍ أوْ ضَرْبٍ عُنُقٍ))
قَالَ عبدُ الله بْنُ مَسْعُودٍ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، إلَّا سُهَيْلَ بْنَ بَيْضَاءَ؛ فَإِنِّي قد سَمِعْتُهُ
يَذْكُرُ الإسْلَامَ، قَالَ: فَسَكَتَ رَسولُ اللهِ، قَالَ: فَمَا رَأيْتُنِي فِي يَوْمٍ أُخْوفَ أنْ تَقَعَ
عَلَيَّ حِجَارَةٌ مِنَ السَّمَاءِ مِنِّي فِي ذَلِكَ اليَوْمِ، قَالَ: حَتَّى قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: («إِلَّا
سُهَيْلَ بْنَ بَيْضَاءَ)). قَالَ: وَنَزَلَ القُرْآنُ بِقَوْلِ عُمَرَ: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيِّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى
حَتَّى يُثْخِنَ فِ اٌلْأَرْضِّ﴾ [الأنفال: ٦٧] إلى آخِرِ الآياتِ. [ضعيف حم: ٣٦٢٥].
كانت لهم عبيد، وإماء؛ فلو لم يجز لهم السبي؛ لما كان لهم أرقاء، ويشكل على الحظر أنه
كان السارق يسترق؛ كما في قصة يوسف، ولم أر من صرح بذلك. انتهى.
[٣٠٨٥] قوله: (عن عمرو بن مرة) هو: ابن عبد الله بن طارق الجملي.
قوله: (فذكر في الحديث قصة) قد ذكرنا هذه القصة بطولها في باب ((المشورة)) من
أبواب ((الجهاد)) (لا ينفلتن أحد) أي: لا يتخلصن (منهم) أي: من الأسارى (ونزل القرآن
بقول عمر) أي: نزل القرآن موافقًا لقول عمر. (﴿مَا كَانَ لِنِيّ أَنْ يَكُونَ لَهُ، أَسْرَى﴾) أي: ما
كان ينبغي لنبي. وقال أبو عبيدة: معناه: لم يكن لنبي ذلك؛ فلا يكون لك يا محمد.
والمعنى: ما كان لنبي أن يحبس كافرًا قدر عليه، وصار في يده أسيرًا للفداء والمن.
والأَسْرَى: جمع أَسِير وأُسَارَى جمع الجمع. (﴿حَّ يُشْخِنَ فِ اٌلْأَرْضِّ﴾) الإثخان في كل
شيء: عبارة عن قوته وشدته. يقال: أثخنه المرض: إذا اشتدت قوته عليه؛ والمعنى: حتى
يبالغ في قتال المشركين، ويغلبهم ويقهرهم؛ فإذا حصل ذلك؛ فله أن يقدم على الأسر،
فيأسر الأسارى. وبقية الآية مع تفسيرها هكذا ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾. يعني: تريدون أيها
المؤمنون عرض الدنيا؛ بأخذكم الفداء من المشركين؛ وإنما سمى منافع الدنيا عرضًا؛ لأنه
لا ثبات لها، ولا دوام؛ فكأنها تعرض ثم تزول؛ بخلاف منافع الآخرة؛ فإنها دائمة، لا
انقطاع لها. ﴿وَاَللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ﴾ أي: ثوابها؛ بقتل المشركين، وقهرهم، ونصركم الدين؛

٤٧٨
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله ◌ِّهِ / باب ((وَمِنْ سُوَرَةِ التَّوْبَة»
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ، وأبو عُبَيْدَةَ بن عَبدِ الله لم يَسْمَعْ مِن أَبِيهِ.
١٠ - باب ((وَمِنَّ سُوَرَةِ التَّوْبَة)) [ت ١٠، ٢ ١]
[٣٠٨٦] (٣٠٨٦) حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحمَّدُ بْنُ
جَعْفَرٍ، وَابنُ أبي عَدِيٌّ، وَسَهْلُ بْنُ يُوسُفَ، قالوا: حَدَّثَنَا عَوْفُ بْنُ أبي جُمَيلَةَ،
حَدَّثَا يَزِيدُ الفَارِسِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَلْتُ لِعُثمانَ بْنِ عَقَّنَ: مَا حَمَلَكُمْ أنْ
عَمَدْتُمْ إِلَى الأَنْقَالِ وَهِيَ مِنَ المَثَانِي،
لأنها دائمة، بلا زوال، ولا انقطاع. ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾ [الأنفال: ٦٧]: لا يقهر، ولا يغلب.
﴿حَكِيرُ﴾: في تدبير مصالح عباده.
واعلم أن حديث عليّ الذي قد مر في باب ((قتل الأسرى والفداء)): من أبواب ((السير))
ظاهره يخالف حديث عبد الله بن مسعود هذا، وظاهر هذه الآية. وقد تقدم وجه الجمع
هناك؛ فعليك أن تراجعه.
قوله: (هذا حديث حسن) وأخرجه أحمد.
١٠ - باب وَمِنْ سُورَةٍ ﴿التَّوَّبَةَ﴾
هي: مدنية بإجماعهم قال ابن الجوزي: سوى آيتين في آخرها: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ
مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] فإنهما نزلتا بـ ((مكة)): وهي: مئة وتسع وعشرون آية، وقيل: مئة
وثلاثون آية.
[٣٠٨٦] قوله: (وسهل بن يوسف) الأنماطي، البصري، ثقة رمي بالقدر، من كبار
التاسعة.
(وحدَّثني يزيد الفارسي) البصري، مقبول من الرابعة.
قوله: (ما حملكم) أي: ما الباعث، والسبب لكم (أن عمدتم) بفتح الميم؛ أي: على
أن قصدتم (وهي من المثاني) قال في ((المجمع)): يقال: المثاني على كل سورة أقل من
المئين، ومنه ((عمدتم إلى الأنفال وهي: من المثاني)). انتهى.
وقال في ((النهاية)): المثاني: السورة التي تقصر عن المئين، وتزيد على المفصل، كأن
المئين جعلت مبادئ، والتي تليها : مثاني.

٤٧٩
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله وََّ ر باب ((وَمِنْ سُوَرَةِ التَّوْبَة»
وَإِلَى بَرَاءَةَ وَهِيَ مِنَ المِئِينَ، فَقَرَنْتُمْ بَيْنَهُمَا، وَلَمْ تَكْتُبُوا بَيْنَهُمَا سَظْرَ: بِسْمِ الله
الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ، وَوَضَعْتُمُوهَا في السَّبْعِ القُوَلِ، مَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذَلِكَ؟ فَقَالَ
عُثمانُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ مِمَّا يَأْتِي عَلَيْهِ الزَّمَانُ وَهُوَ تَنزِلُ عَلَيْهِ السُّوَرُ ذَوَاتُ
العَدَدِ، فَكَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الشَّيْءُ، دَعَا بَعْضَ مَن كَانَ يَكْتُبُ، فيقولُ: ((ضَعُوا هَؤُلاءِ
الآيَاتِ في السُّورَةِ التِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا))، وَإِذَا نَزَلَتْ عَلَيْهِ الآيةُ، فيقولُ: ((ضَعُوا
هَذِهِ الآيةَ في السُّورَةِ الَّتِي يُذكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا))، وَكَانَتِ الأنْفَالُ مِن أَوَائِلِ مَا أَنزِلَتْ
بالمَدِينَةِ، وَكانَتْ بَرَاءَةُ مِن آخِرِ القُرْآنِ، وَكَانَتْ قِصَّتُهَا شَبِيهَةً بِقِصَّتِهَا؛ فَظَنَنْتُ أنَّهَا
(وإلى براءة) هي: سورة التوبة؛ وهي أشهر أسمائها، ولها أسماء أخرى تزيد على
العشرة؛ قاله الحافظ في ((الفتح)) (وهي من المئين) أي: ذوات مئة آية.
قال في المجمع: أول القرآن السبع الطوَل، ثم ذوات المئين، أي: ذوات مئة آية، ثم
المثاني، ثم المفصل. انتهى. والمئين: جمع المئة. وأصل المئة: مأي، كمعي والياء عوضاً
عن الواو؛ وإذا جمعت المئة قلت: مئون، ولو قلت: مئات جاز.
(في السبع الطول) بضم، ففتح (ما حملكم على ذلك) تقرير للتأكيد، وتوجيه السؤال:
أن الأنفال ليس من السبع الطول، لقصرها عن المئين؛ ولأنها سبع وسبعون آية، وليست
غيرها؛ لعدم الفصل بينها وبين براءة (كان رسول الله ◌َ في مما يأتي عليه الزمان) أي: الزمان
الطويل، ولا ينزل عليه شيء، وربما يأتي عليه الزمان (وهو) أي: النبي ◌ّفي والواو للحال
(تنزل عليه) بصيغة المجهول (فكان إذا نزل عليه الشيء) يعني: من القرآن (دعا بعض من كان
يكتب) أي: الوحي؛ كزيد بن ثابت، ومعاوية، وغيرهما (وإذا نزلت عليه الآية فيقول: ضعوا
هؤلاء الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا) هذا زيادة جواب تبرع به - رضي الله
تعالى عنه - للدلالة على أن ترتيب الآيات توقيفي، وعليه الإجماع والنصوص المترادفة.
وأما: ترتيب السور؛ فمختلف فيه؛ كما في ((الإتقان)) (وكانت براءة من آخر القرآن) أي:
نزولًا؛ كما في رواية. أي: فهي مدنية أيضًا، وبينهما النسبة الترتيبية بالأولية والآخرية؛ فهذا
أحد وجوه الجمع بينهما (وكانت قصتها) أي: الأنفال (شبيهة بقصتها) أي: براءة، ويجوز
العكس، ووجه كون قصتها شبيهة بقصتها: أن في الأنفال ذكر العهود، وفي براءة نبذها؛
فضمت إليها (فظننت أنها) أي: التوبة (منها) أي: الأنفال، وكأن هذا مستند من قال: إنهما

٤٨٠
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَل باب ((وَمِنْ سُوَرَةِ التَّوْبَة))
مِنْهَا، فَقُبِضَ رَسولُ الله ◌ِّهِ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا أنَّهَا مِنْهَا، فَمِنْ أجْلِ ذَلِكَ، قَرَنْتُ بَيْنهُما،
وَلَمْ أَكْتُبْ بَيْنَهُمَا سَظْرَ: بِسْمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ، فَوَضَعْتُهَا فِي السَّبْعِ الطُّوَلِ. [انظر
كلام المصنف: د: ٧٨٦، حم: ٤٠١].
سورة واحدة، وهو ما أخرجه أبو الشيخ عن [أبي روق](١)، وأبو يعلى، عن مجاهد، وابن
أبي حاتم، عن سفيان، وابن لهيعة، كانوا يقولون: إن براءة من الأنفال؛ ولهذا لم تكتب
البسملة بينهما، مع اشتباه طرقهما، ورد بتسمية النبي ◌ُّر كل منهما باسم مستقل.
قال القشيري: إن الصحيح: أن التسمية لم تكن فيها؛ لأن جبريل - عليه الصلاة والسلام
- لم ينزل بها فيها. وعن ابن عباس: لم تكتب البسملة في براءة؛ لأنها أمان، وبراءة نزلت
بالسيف. وعن مالك: أن أولها لما سقط سقطت معه البسملة؛ فقد ثبت أنها كانت تعدل
البقرة؛ لطولها. وقيل: إنها ثابتة أولها في مصحف ابن مسعود، ولا يعول على ذلك؛ كذا
في ((المرقاة)).
(ولم يبين لنا أنها منها) أي: لم يبين لنا رسول الله وَ لو أن التوبة من الأنفال، أو ليست
منها (فمن أجل ذلك) أي: لما ذكر من عدم تبيننا، ووجود ما ظهر لنا من المناسبة بينهما
(قرنت بينهما، ولم أكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم) أي: لعدم العلم بأنها سورة
مستقلة؛ لأن البسملة كانت تنزل عليه ويله للفصل، ولم تنزل، ولم أكتب (فوضعتها في السبع
الطول).
قال الطيبيّ: دل هذا الكلام على أنهما نزلتا منزلة سورة واحدة، وكمل السبع الطول
بها، ثم قيل: السبع الطول هي: البقرة، وبراءة، وما بينهما، وهو المشهور؛ لكن روى
النسائي، والحاكم (٢)، عن ابن عباس أنها البقرة، والأعراف، وما بينهما.
قال الراوي: وذكر السابعة؛ فنسيتها؛ وهو يحتمل أن تكون الفاتحة، فإنها من السبع
المثاني، أو هي: السبع المثاني، ونزلت سبعتها منزلة المئين. ويحتمل أن تكون الأنفال
بانفرادها، أو بانضمام ما بعدها إليها، وصح عن ابن جبير أنها يونس، وجاء مثله عن ابن
عباس، ولعل وجهه: أن الأنفال وما بعدها مختلف في كونها من المثاني، وأن كلّا منهما
سورة، أو هما سورة.
(١) في نسخة ((دوق))، والصواب ما أثبتناه. انظر إن شئت: ((الدر المنثور)) (١٢/٤) و((الإتقان)) (١٧٧/٨٣٥/١)؛
وكلاهما للسيوطي.
(٢) النسائي في ((الكبرى)) (١١٢٧٦)، والحاكم، حديث (٣٣٥٣).