Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤١
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَّ
إِيَمَنَهُم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] شَقَّ ذَلِكَ عَلَى المُسْلِمِينَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله، وَأَيُّنَا لا
يَظْلِمُ نَفْسَهُ، قَالَ: (لَيْسَ ذَلِكَ، إِنَّمَا هو الشِّرْكُ، ألَمْ تَسْمَعُوا مَا قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ:
﴿يَبُنَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]. [خ: ٣٢، م: ١٢٤، حم: ٣٥٧٨].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
[ت ٧، م ٥]
[٣٠٦٨] (٣٠٦٨) حَدَّثَنَا أحْمَدُ بْنُ مَنِيع، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا
دَاوُدُ بْنُ أبي هِنْدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَن مَسْرُوقٍ، قَالَ: كُنْتُ مُتَكِنًا عِنْدَ عَائِشَةَ، فَقَالَت:
يَا أبَا عَائِشَةَ، ثَلَاثٌ مَن تَكَلّمَ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ،
أَلْبَسْهُ؛ بالكسر في الماضي، والفتح في المستقبل، والمصدر من الأول: لَبس؛ بفتح اللام،
ومن الثاني: لُبس؛ بالضم. (﴿إِيمَنَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢]) أي: لم يخلطوه بالشرك.
قال محمد بن إسماعيل التيمي في ((شرحه)): خلط الإيمان بالشرك لا يتصور؛ فالمراد:
أنهم لم تحصل لهم الصفتان: كفر متأخر عن إيمان متقدم؛ أي: لم يرتدوا، أو يحتمل أن
يراد: أنهم لم يجمعوا بينهما ظاهرًا، أو باطنًا؛ أي: لم ينافقوا. وهذا أوجه؛ كذا في
((الفتح)).
(شق ذلك على المسلمين) أي: الصحابة - ﴿ه - ظنًّا منهم أن المراد بالظلم: مطلق
المعاصي؛ كما يتبادر إلى الفهم، لا سيما من التنكير الذي يفيد العموم (وأينا) كلام إضافي
مبتدأ، وقوله: (لا يظلم نفسه) خبره (قال) أي: رسول الله وَلقوله (ليس ذلك) أي: ليس معناه؛
كما فهمتم (إنما هو) أي: الظلم (الشرك) ففي التنكير إشارة إلى أن المراد: أيُّ نوعٍ من
الكفر، أو أريد به: التعظيم؛ أي: بظلم عظيم (ألم تسمعوا ما قال لقمان لابنه ... إلخ) ظاهر
هذا أن الآية التي في لقمان كانت معلومة عندهم؛ ولذلك نبههم عليها. ووقع في رواية
للبخاري(١): ((فَأَنْزَلَ الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]. قال الحافظ:
يحتمل أن يكون نزولها وقع في الحال فتلاها عليهم ثم نبههم فتلتئم الروايتان.
قوله : : (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان.
[٣٠٦٨] قوله: (فقالت: يا أبا عائشة!) هو: كنية مسروق (ثلاث) أي: ثلاث كلمات
(١) البخاري، كتاب الإيمان، حديث (٣٢).

٤٤٢
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهَِه
فَقَدْ أعْظَمَ الفِرْيَةَ عَلَى الله: مَن زَعَمَ أنَّ مُحمَّدًا رأى رَبَّهُ فَقَدْ أعْظَمَ الفِرْيَةَ عَلَى الله، والله
يَقُولُ: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِلُ الْأَبْصَرِّ وَهُوَ اُللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]،
. . .
(فقد أعظم الفرية) بكسر الفاء، وسكون الراء؛ أي: الكذب، يقال: فَرَى الشيء يَفْرِيه فَرْيًا،
وافْتَرَاه يَفْتَرِيه افْتِرَاءً: إذا اختلقه، وجمع الفرية: فِرىّ (من زعم أن محمدًا رأى ربه) أي: ليلة
الإسراء (فقد أعظم الفرية على الله) هذا هو مذهب عائشة: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَ لَمْ يَرَ الله
سُبْحَانَهُ وتَعَالَى لَيْلَةَ الإِسْرَاءِ.
قال الحافظ: قد اختلف السلف في رؤية النبي ◌َّلو ربه؛ فذهبت عائشة، وابن مسعود إلى
إنكارها، واختلف عن أبي ذر. وذهب جماعة إلى إثباتها، وحكى عبد الرزاق، عن معمر،
عن الحسن أنه حلف أن محمدًا رأى ربه. وأخرج ابن خزيمة، عن عروة بن الزبير إثباتها،
وکان یشتد عليه؛ إذا ذكر له إنكار عائشة؛ وبه قال سائر أصحاب ابن عباس، وجزم به کعب
الأحبار، والزهري، وصاحبه معمر، وآخرون، وهو قول الأشعري، وغالب أتباعه. ثم
اختلفوا هل رآه بعينه، أو بقلبه؟ وعن أحمد؛ كالقولين.
قال الحافظ: جاءت عن ابن عباس أخبار مطلقة، وأخرى مقيدة، فيجب حمل مطلقها
على مقيدها؛ فمن ذلك: ما أخرجه النسائي بإسناد صحيح، وصحّحَه الحاكم(١) أيضًا من
طريق عكرمة، عن ابن عباس قال: أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم، والكلام لموسى،
والرؤية لمحمد! وأخرجه ابن خزيمة بلفظ: ((إِنَّ الله اصْطَفَى إِبْرَاهِيْمَ بِالخُلَّةِ ... )»:
الحديث. وأخرج ابن إسحاق، من طريق عبد الله بن أبي سلمة: ((أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَرْسَلَ إِلَى ابْنِ
عَبَّاسٍ: هَلْ رَأَى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ؟ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَنْ: نَعَمْ))، ومنها ما أخرجه مسلم، من طريق
أبي العالية، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ اُلْفُؤَادُ مَا رَأَ ﴿ أَفَتُرُونَهُ, عَلَى مَا يَرَى(
وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةٌ أُخْرَى﴾ [النجم: ١١-١٣]. قال: رأى ربه بفؤاده مرتين. وله من طريق عطاء، عن
ابن عباس قال: ((رَاهُ بِقَلْبِهِ))، وأصرح من ذلك: ما أخرجه ابن مردويه، من طريق عطاء
أيضًا، عن ابن عباس قال: (لَمْ يَرَهُ رَسُولُ الله ◌ِهِ بِعَيْنِهِ، إِنَّمَا رَآهُ بِقَلْبِهِ)).
وعلى هذا فيمكن الجمع بين إثبات ابن عباس، ونفي عائشة بأن: يحمل نفيها على رؤية
البصر، وإثباته على رؤية القلب. ثم المراد برؤية الفؤاد: رؤية القلب، لا مجرد حصول
العلم؛ لأنه ◌َ﴿ كان عالمًا بالله على الدوام؛ بل مراد من أثبت له أنه رآه بقلبه: أن الرؤية
(١) النسائي في ((الكبرى)) (١١٥٣٩)، والحاكم (٢١٦) وقال: صحيح على شرط البخاري.

٤٤٣
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله وَفيه
التي حصلت له خلقت في قلبه؛ كما يخلق الرؤية بالعين لغيره. والرؤية لا يشترط لها شيء
مخصوص عقلًا، ولو جرت العادة بخلقها في العين.
وروى ابن خزيمة بإسناد قويّ، عن أنس قال: رأى محمد ربه. وعند مسلم من حديث
أبي ذر: أنه سأل النبي بَّهِ عن ذلك فقال: ((نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ»: ولأحمد عنه قال: ((رَأَيْتُ نُورًا)»:
ولابن خزيمة عنه قال: ((رَآهُ بِقَلْبِهِ، وَلَمْ يَرَهُ بِعَيْنِهِ). وبهذا يتبين مراد أبي ذر بذكره ((النور))؛
أي: أن النور حال بين رؤيته له ببصره. وقد رجح القرطبي في ((المفهم)): قول الوقف في
هذه المسألة، وعزاه لجماعة من المحققين، وقواه بأنه ليس في الباب دليل قاطع. وغاية ما
استدل به للطائفتين ظواهر متعارضة قابلة للتأويل. قال: وليست المسألة من العمليات؛
فيكتفى فيها بالأدلة الظنية، وإنما هي من المعتقدات؛ فلا يكتفى فيها إلا بالدليل القطعي.
وجنح ابن خزيمة في كتاب ((التوحيد)): إلى ترجيح الإثبات، وأطنب في الاستدلال له بما
يطول ذكره، وحمل ما ورد عن ابن عباس على أن الرؤيا وقعت مرتين: مرة بقلبه؛ وفيما
أوردته من ذلك مقنع.
وممن أثبت الرؤية لنبينا ◌َ﴿ الإمام أحمد؛ فروى الخلال في كتاب («السنة»: عن
المروزي: قلت لأحمد: إنهم يقولون: إن عائشة قالت: من زعم أن محمدًا رأى ربه؛ فقد
أعظم على الله الفرية، فبأي شيء يدفع قولها؟ قال: بقول النبي ◌َّهِ: ((رَأَيْتُ رَبِّي))، قول النبي
وَ لّ أكبر من قولها. وقد أنكر صاحب ((الهدي)): على من زعم أن أحمد قال: رأى ربه بعيني
رأسه؛ قال: وإنما قال مرة: رأى محمد ربه، وقال مرة: بفؤاده. وحكى عنه بعض
المتأخرين: ((رآه بعيني رأسه)): وهذا من تصرف الحاكي، فإن نصوصه موجودة. انتهى كلام
الحافظ.
والله يقول: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَرِّ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]
وجه الاستدلال بها أن الله - عز وجل - نفى أن تدركه الأبصار، وعدم الإدراك يقتضي نفي
الرؤية، وأجاب مثبتو الرؤية بأن المراد بالإدراك: الإحاطة؛ وهم يقولون بهذا أيضًا، وعدم
الإحاطة؛ لا يستلزم نفي الرؤية.
وقال النووي: لم تنف عائشة الرؤية بحديث مرفوع، ولو کان معها فيه حدیث؛ لذكرته؛
وإنما اعتمدت الاستنباط على ما ذكرت من ظاهر الآية، وقد خالفها غيرها من الصحابة،
والصحابي إذا قال قولًا، وخالفه غيره منهم - لم يكن ذلك القول حجة اتفاقًا .

٤٤٤
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله وَه
﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرِ أَنْ يُكَلِّمَهُ اَللَّهُ إِلَّا وَحْيَا أَوْ مِن وَرَآٍ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١] وَكُنْتُ مُتَّكِئًا
فَجَلَسْتُ، فَقُلْتُ: يَا أُمَّ المُؤْمِنِينَ، أَنْظِرِينِي ولا تُعْجِلِينِ، أَلَيْسَ اللهُ يقولُ: ﴿وَلَقَدْ
رَعَهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم: ١٣] - ﴿وَلَقَدْ رَءَاهُ بِلْأُفُقِّ الْمُِينِ﴾ [التكوير: ٢٣] قَالَت: أنَا والله أوَّلُ
مَن سَأَلَ عَنِ هَذَا رَسُولَ الله ◌َِّ، قَالَ: ((إِنَّمَا ذَلِكَ جِبْرِيلُ، مَا رَأيْتُهُ في الصُّورَةِ الَّتِي
خُلِقَ فِيهَا غَيْرَ هَاتَيْنِ المَرَّتَيْنِ، رأيْتُهُ مُنْهَبِظًا مِنَ السَّمَاءِ سَادًّا، عُظْمُ خَلْقِهِ مَا بَيْنَ
السَّمَاءِ وَالأرْضِ)).
قال الحافظ: جزم النووي بأن عائشة لم تنف الرؤية؛ بحديث مرفوع عجيب؛ فقد ثبت
ذلك عنها في ((صحيح مسلم)): الذي شرحه الشيخ، فعنده من طريق داود بن أبي هند، عن
الشعبي، عن مسروق. قال مسروق: وَكُنْتَ مُتَّكِثًا، فَجَلَسْت، فَقُلْت: أَلَمْ يَقُلِ الله: ﴿وَلَقَدْ رَءَاهُ
نَزْلَةٌ أُخْرَى﴾ [النجم: ١٣] فَقَالَتْ: أَنَا أَوَّلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ سَأَلَ رَسُولَ اللهِ وَّه عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: ((إِنَّمَا
هُوَ جِبْرِيلُ)): وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مردويه، مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى، عَنْ دَاوُدَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، فَقَالَتْ: أَنَا أَوَّلُ
مَنْ سَأَلَ رَسُولَ اللهِوَّهِ عَنْ هَذَا، فَقُلْت: يَا رَسُولَ الله! هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ فَقَالَ: ((لَا إِنَّمَا
رَأَيْتِ جِبْرِيلَ مُنْهَبِطًا)).
(﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَآعٍ حِجَابٍ﴾) تمام الآية: ﴿أَوْ بُرْسِلَ رَسُولًا
فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِ، مَا يَشَآءُ إِنَّهُ عَلِىّ حَكِيمٌ﴾ [الشورى: ٥١] ووجه الاستدلال بها: أن الله - تعالى -
حصر تكليمه لغيره في ثلاثة أوجه: وهي الوحي بأن يلقي في روعه ما يشاء، أو يكلمه بغير
واسطة من وراء حجاب، أو يرسل رسولًا، فيبلغه عنه؛ فيستلزم ذلك انتفاء الرؤية عنه حالة
التكلم. وأجابوا عنه: بأن ذلك لا يستلزم نفي الرؤية مطلقًا، وغاية ما يقتضي نفي تكليم الله
على غير الأحوال الثلاثة؛ فيجوز أن التكليم لم يقع حالة الرؤية (انظريني) من الإنظار؛ أي:
أمهليني (ولا تعجليني) أي: لا تسبقيني. قال في ((القاموس)): أَعْجَلَهُ سبقه؛ كَاسْتَعْجَلَهُ
وَعَجَّلَهُ. (﴿وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم: ١٣]، ﴿وَقَدْ رَءَاهُ بِالْأَفُقِ آلُْبِينِ﴾ [التكوير: ٢٣]) ظن مسروق
أن الضمير المنصوب في قوله: ﴿وَلَقَدْ رَءَاهُ﴾ في هاتين الآيتين راجع إلى الله - سبحانه وتعالى
- فاعترض على عائشة - ﴿يّا. (قال) أي: رسول الله وَليل (إنما ذلك جبريل) أي: هذا المرئي
هو: جبريل. لا الله سبحانه وتعالى (غير هاتين المرتين) أي: مرة في الأرض بالأفق الأعلى،
ومرة في السماء عند سدرة المنتهى (سادًّا) بتشديد الدال المهملة؛ أي: مالئًا (عظم خلقه)
بالرفع فاعل ((سادًّا)): والعظم بضم العين، وسكون الظاء، وبكسر العين، وفتح الظاء: وهو

٤٤٥
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَهِ
وَمَنْ زَعَمَ أنَّ مُحمَّدًا كَتَمَ شَيْئًا مِمَّا أَنْزَلَ الله عَلَيْهِ، فَقَدْ أعْظَمَ الفِرْيَةَ عَلَى الله،
يَقُولُ الله: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبٌِّ﴾ [المائدة: ٦٧]: وَمَنْ زَعَمَ أنَّهُ يَعْلَمُ
مَا فِي غَدٍ، فقد أعْظَمَ الفِرْيَةَ عَلَى الله؛ والله يَقُولُ: ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضِ اٌلْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]. [خ بنحوه: ٣٢٣٤، م: ١٧٧].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وَمَسْرُوقُ بْنُ الأجْدَعِ يُكنَّى:
أبا عَائِشَةَ، وهو مسروقُ بْنُ عبدِ الرَّحْمَنِ؛ وَكَذَا كَانَ اسمُهُ فِي الدِّيوَانِ.
[ت ٧، م ٦]
[٣٠٦٩] (٣٠٦٩) حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ مُوسَى البَصْرِيُّ الحَرَشِيُّ، حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ
عبدِ الله البَكَّائِيُّ، حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، عَن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَن عبدِ الله بْنِ
عَبَّاسٍ، قَالَ: أَتَى أَنَاسُ النَّبِيَّ وَّهِ فقالوا: يَا رَسُولَ الله،
ضد الصغر (ومن زعم أن محمدًا كتم شيئًا مما أنزل الله ... إلخ) هذا هو الثاني من الثلاث
المذكورة (ومن زعم أنه يعلم ما في غد .. . إلخ) هذا هو الثالث من الثلاث المذكورة.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان، والنسائي.
[٣٠٦٩] قوله: (الحرشي) بفتح المهملة، والراء، ثم شين معجمة (البَّائي) بفتح
الموحدة، وتشدید الکاف.
قوله: (أتى ناس) وفي رواية أبي داود قال: جَاءَتِ الْيَهُودُ إِلَى النَّبِّ وَلِ فَقَالُوا: إِنَّا نَأْكُلُ
مِمَّا قَتَلْنَا، وَلَا نَأْكُلُ مِمَّا قَتَلَ الله .... إلخ. قال الحافظ ابن كثير في ((تفسيره)): بعد ذكر رواية
أبي داود هذا ما لفظه: وهذا فيه نظر من وجوه ثلاثة: أحدها: أن اليهود لا يرون إباحة الميتة
حتى يجادلوا. الثاني: أن الآية من الأنعام؛ وهي: مكية. الثالث: أن هذا الحديث رواه
الترمذي بلفظ: أَتَى نَاسُ النَّبِيَّ بَّهِ، وقال: حسن غريب. ثم ذكر رواية الطبراني(١)، عن ابن
عباس قال: ((لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَ يَذْكَرِ اسْمُ اَللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] أَرْسَلَتْ فَارِسٌ
إِلَى قُرَيْشٍ أَنْ خَاصِمُوا مُحَمَّدًا، وَقُولُوا لَهُ: [لِمَآ مَا تَذْبَحُ أَنْتَ بِيَدِكَ بِسِكِّينِ فَهُوَ حَلَالٌ، وَمَا
ذَبَحَ الله عز وجل بِشمْشِيرٍ مِنْ ذَهَبٍ - يَعْنِي المَيْتَةَ - فَهُوَ حَرَامٌ؟ فَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَإِنَّ الشَّيَطِينَ
(١) الطبراني في ((الكبير)) (١١٦١٤) وما بين معقوفين ليس في رواية الطبراني.

٤٤٦
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَهـ
أَنَأكُلُ مَا نَقْتُلُ ولا نَأكُلُ مَا يَقْتُلُ اللهِ؟ فَأَنْزَلَ الله: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ أَسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كُنْتُم
بِشَايَتِهِ، مُؤْمِنِينَ﴾ - إلَى قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١١٨-١٢١]. [د: ٢٨١٩].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ؛ وقد رُوِيَ هذا الحديثُ من غيرِ هذا
الوَجْهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا، وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ، عَن عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَن سَعِيدِ بْنِ
جُبَيْرٍ، عَن النَّبِيِّ بَّهِ مُرْسَلًا.
لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآيِهِمْ لِيُجَدِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١] أي: وإن الشياطين من
فارس ليوحون إلى أوليائهم من قريش.
ثم قال: وروى ابن جرير، من طرق متعددة، عن ابن عباس، وليس فيه ذكر اليهود؛
فهذا هو المحفوظ؛ لأن الآية مكية، واليهود لا يحبون الميتة. انتهى (أنأكل ما نقتل) أي:
نذبح (ولا نأكل ما يقتل الله؟) يعنون: الميتة. (﴿فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ أُسْمُ اَللَّهِ عَلَيْهِ﴾: [الأنعام: ١١٨])
أي: ما ذبح على اسمه، لا ما ذبح على اسم غيره، أو مات حتف أنفه.
قال الخازن: هذا جواب لقول المشركين حيث قالوا للمسلمين: أتأكلون مما قتلتم، ولا
تأكلون مما قتل ربكم؟ فقال الله - تعالى - للمسلمين: فكلوا أنتم مما ذكر اسم الله عليه من
الذبائح. وعند ابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: يوحي الشيطان إلى أوليائهم من المشركين
أن يقولوا: تأكلون ما قتلتم، ولا تأكلون ما قتل الله؟ فقال: إن الذي قتلتم يذكر اسم الله
عليه، وإن الذي مات لم يذكر اسم الله عليه.
(﴿إِن كُنتُم بِشَايَتِهِ، مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: ١١٨]) فإن الإيمان بها يقتضي استباحة ما أحل الله،
واجتناب ما حرمه.
قوله: (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه أبو داود. قال المنذري بعد ذكر تحسين
الترمذي: عطاء بن السائب اختلفوا في الاحتجاج بحديثه، وأخرج له البخاري مقرونًا
بأبي بشر جعفر بن أبي وحشية؛ وفي إسناده عمران بن عيينة: أخو سفيان بن عيينة، قال
أبو حاتم الرازي: لا يحتج بحديثه؛ فإنه يأتي بالمناكير.
قوله: (وقد روي هذا الحديث من غير هذا الوجه، عن ابن عباس أيضًا) رواه أبو داود،
وابن ماجه، وابن أبي حاتم، وغيرهم، وصحَّحَ الحافظ ابن كثير إسناده (ورواه بعضهم، عن
عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن النبي (وَّ مرسلًا) رواه ابن أبي حاتم(١).
(١) ذكره عنه ابن كثير في تفسيره)) (٢/ ٢٢٧).

٤٤٧
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَهـ
[ت ٧، م ٧]
[٣٠٧٠] (٣٠٧٠) حَدَّثَنَا الفَضْلُ بْنُ الصَّبَّاحِ البَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ فُضَيْل،
عَن دَاوُدَ الأودِيِّ، عَن الشَّعْبِيِّ، عَن عَلْقَمَةَ، عَن عبدِ الله، قَالَ: مَن سَرَّهُ أنْ يَنْظُرَ
إِلَى الصَّحِيفَةِ الَّتِي عَلَيْهَا خَاتَمُ مُحمَّدٍ وَي﴿ فَلْيَقْرَأْ هَؤلاءِ الآيَاتِ: ﴿قُلْ تَعَالَوَاْ أَتْلُ مَا
حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ الآية إلَى قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥١]. [ضعيف
الإسناد، داود، ضعيف].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ.
[٣٠٧٠] قوله: (عن داود الأودي) الظاهر أن داود هذا: هو داود بن عبد الله الأودي،
الزعافري؛ بالزاي، والمهملة، وبالفاء؛ أبو العلاء، الكوفي، ثقة، من السادسة، وهو غير
عم عبد الله بن إدريس (عن عبد الله) هو: ابن مسعود.
قوله :: (من سره أن ينظر إلى الصحيفة التي عليها خاتم محمد وَلفي فليقرأ هؤلاء الآيات)
كناية عن أن هذه الآيات محكمات، غير منسوخات، وقال ابن عباس: هذه الآيات
محكمات في جميع الكتب، لم ينسخهن شيء، وهنَّ محرمات على بني آدم كلهم، وهنَّ أم
الكتاب، من عمل بهن دخل الجنة، ومن تركهن دخل النار؛ ذكره الخازن. وروى نحوه
الحاكم في ((المستدرك)) (١). (﴿قل)) يا محمد. (﴿تَعَالَوَا﴾﴾ أي: هلموا، وأقبلوا. (﴿أَثْلُ
مَا حَزَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١]) أي: أقرأ، وأقص عليكم، وأخبركم بما حرم ربكم
عليكم حقًّا، لا تخرصًا ولا ظنًّا، بل وحيًا منه، وأمرًا من عنده، وبقية الآيات مع تفسيرها
هكذا. ﴿أَلَّا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا﴾: كأن في الكلام محذوفًا دل عليه السياق، وتقديره: وأوصاكم
ألا تشركوا به شيئًا؛ ولهذا قال في آخر الآية: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّنَكُمْ بِهِ، لَعَلَّكُمْ نَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥١].
وقال النيسابوري في «تفسيره)): فإن قيل: قوله: ﴿أَلَّا تُشْرِكُواْ بِهِ، شَيْئاً وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنَّاً﴾:
كالتفصيل لما أجمله في قوله: ((ما حرم)): فيلزم أن يكون ترك الشرك، والإحسان إلى
الوالدين محرمًا، فالجواب: أن المراد من التحريم: البيان المضبوط، أو الكلام تم عند
قوله: ﴿مَا حَزَّمَ رَبُّكُمْ﴾: ثم ابتدأ، فقال: ﴿عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُواْ﴾، أو ((أن)): مفسرة، أي:
ذلك التحريم هو: قوله: ((لا تشركوا))، وهذا في النواهي واضح، وأما الأوامر، فيعلم
(١) الحاكم حديث (٣٢٣٨) وصحّحه ووافقه الذهبي.
-

٤٤٨
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهَِّهِ
بالقرينة أن التحريم راجع إلى أضدادها، وهي الإساءة إلى الوالدين، وبخس الكيل،
والميزان، وترك العدل في القول، ونكث عهد الله، ولا يجوز أن تجعل ناصبة؛ وإلا لزم
عطف الطلب؛ أعني: الأمر على الخبر. انتهى.
﴿وَيَالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنًا﴾: أي: أوصاكم، وأمركم بالوالدين إحسانا. ﴿وَلَا تَقْتُلُواْ أَوْلَدَكُم﴾:
بالوأد. ﴿مِّنْ إِمْلَقٍّ﴾: أي: من أجل فقر تخافونه؛ وذلك أنهم كانوا يقتلون البنات؛ خشية
العار، وربما قتلوا بعض الذكور، خشية الافتقار. ﴿فَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِنَاهُمٌ وَلَا تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ﴾
[الأنعام: ١٥١]: أي: الكبائر؛ كالزنا. ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنٌ﴾: أي: علانيتها، وسرها.
﴿وَلَا تَقْئُلُواْ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِآلْحَقّ﴾ [الأنعام: ١٥١]: إنما أفرده بالذكر؛ تعظيمًا لأمر
القتل، وأنه من أعظم الفواحش والكبائر. وقيل: إنما أفرده بالذكر؛ لأنه - تعالى - أراد أن
يستثني منه، ولا يمكن ذلك الاستثناء من جملة الفواحش، إلا بالإفراد؛ فلذلك قال: ﴿وَلَا
تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾. كالقود، وحد الردة، ورجم المحصن. ﴿ذلِكُم﴾:
أي: المذكور. ﴿وَصَّنَكُمْ بِهِ﴾: يعني: أمركم به وأوجبه عليكم. ﴿لَعَلَّكُمْ نَعْقِلُونَ﴾: أي: لكي
تفهموا، وتتدبروا ما في هذه التكاليف من الفوائد، والمنافع، فتعلموا بها. ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ
اُلْيَقِيمِ إِلَّا بِالَِّى﴾ [الأنعام: ١٥٢] أي: بالخصلة التي. ﴿هِىَ أَحْسَنُ﴾: وهي: ما فيه صلاحه،
وتثميره، وتحصيل الربح له. ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾: بأن يحتلم.
قال في ((القاموس)): ﴿حَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾: ويضم أوله؛ أي: قوته، وهو: ما بين ثماني
عشرة سنة إلى ثلاثين، واحدٌ جاء على بناء الجمع كآنك، ولا نظير لهما، أو جمعٌ، لا واحدَ
له من لفظه، أو واحدُه: شدة؛ بالكسر، مع أن ((فعلة)): لا تجمع على أفعل، أو شد لكلب،
وأكلب، أو شد، كذئب، وأذؤب، وما هما بمسموعين؛ بل قياس. انتهى.
واختلف المفسرون في تفسير ((الأشد)): فقيل: عشرون سنة، وقيل: ثلاثون سنة. وقيل:
ثلاث وثلاثون سنة. قال الخازن: هذه الأقوال التي نقلت عن المفسرين في هذه الآية إنما
هي: نهاية الأشد؛ لا ابتداؤه، والمراد بالأشد في هذه الآية: هي ابتداء بلوغ الحلم، مع
إيناس الرشد، وهذا هو المختار في هذه الآية.
﴿وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَاُلْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾: أي: بالعدل، وترك البخس. ﴿لَا تُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا
وُسْعَهَا﴾: أي: طاقتها، وما يسعها في إيفاء الكيل، والميزان، وإتمامه؛ يعني: من اجتهد
في أداء الحق، وأخذه؛ فإن أخطأ بعد استفراغ وسعه، وبذل جهده؛ فلا حرج عليه. ﴿وَإِذَا

٤٤٩
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَهِ
[ت ٧، م ٨]
[٣٠٧١] (٣٠٧١) حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ، حَدَّثَنَا أبي، عَن ابنِ أبِي لَيْلَى، عَن
عَطِيَّةَ، عَن أبي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ فِي قَوْلِ الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿أَوْ يَأْنِىَ بَعْضُ ءَايَتِ
رَبِّكَّ﴾ [الأنعام: ١٥٨] قَالَ: ((طُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِهَا)). [م: ١٥٧].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ، وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ، ولم يَرْفَعْهُ.
[ت ٧، م ٩]
[٣٠٧٢] (٣٠٧٢) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، عَن فُضَيْلِ بْنِ
قُلْتُمْ﴾: في حكم أو غيره. ﴿فَأَعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبٌ﴾: بالصدق والحق. ﴿وَلَوْ كَانَ﴾:
ج
أي: المقول له، أو عليه. ﴿ذَا قُرْفٌ﴾: أي: ذا قرابة لكم. ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوَفُواْ﴾: يعني: ما
عهد إلى عباده، ووصاهم به، وأوجبه عليهم. ﴿ذلِكُم﴾: أي: الذي ذكر في هذه الآيات
﴿وَصَّنَكُمْ بِهِ، لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٢] أي: لعلكم تتعظون، وتتذكرون، فتأخذون ما
أمرتكم به. ﴿وَأَنَّ﴾: بالفتح على تقدير اللام، والكسر استئنافًا.
﴿هَذَا﴾: أي: الذي وصيتكم به. ﴿صِرَّطِى مُسْتَقِيمًا﴾: حال. ﴿فَتَّبِعُوَةٌ وَلَا تَنَّبِعُوا السُبُلَ﴾:
الطرق المخالفة له. ﴿فَلَفَرَّقَ﴾: فيه حذف إحدى التاءين؛ أي: فتميل. ﴿بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾:
أي: دينه. ﴿ذَلِكُمْ وَصَّنَكُمْ بِهِ، لَعَلَّكُمْ تَكَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣]: أي: الطرق المختلفة، والسبل
المضلة.
[٣٠٧١] قوله: (حدثنا أبي) أي: حدثنا والدي؛ وهو: وكيع بن الجراح (عن ابن
أبي ليلى) هو: محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري (عن عطية) هو: العوفي.
قوله: (قال: طلوع الشمس من مغربها) أي: قال رسول الله وَّهِ: ((إِنَّ المُرَادَ بِقَوْلِهِ)):
﴿بَعْضُ ءَايَتِ رَيِّكَ﴾ هو: طلوع الشمس من مغربها .
قوله: (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه أحمد، وعبد بن حميد، وأبو يعلى، وابن
أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه(١).
[٣٠٧٢] قوله: (حدثنا يعلى بن عبيد) بن أبي أمية، الكوفي، كنيته: أبو يوسف،
(١) ابن أبي حاتم (١٤٢٧/٥)، وأبو يعلى (١٣٥٣)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٨/ ٣٧٧).

٤٥٠
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَه
غَزْوَانَ، عَن أبي حَازِم، عَن أبي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَلَ قَالَ: ((ثَلَاثٌ إِذَا خَرَجْنَ:
﴿لَا يَنَفَعُ نَفْسًا إِيمَتُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ﴾ الآيَةِ، [الأنعام: ١٥٨]. الدَّجَّالُ وَالدَّابَّةُ
وَطُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِهَا أو الْمَغْرِبِ)). [م: ١٥٨، حم: ٧١٢١].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ؛ وَأَبُو حَازِمٍ هُوَ: الأَشْجَعِيُّ الكُوفِيُّ،
وَاسْمُهُ: سَلْمَانُ مَوْلَى عَزَّةَ الأَشْجَعِيَّةِ.
[ت ٧، م ١٠]
[٣٠٧٣] (٣٠٧٣) حَدَّثَنَا ابنُ أبي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَن أبي الزِّنَادِ، عَن
الأعْرَجِ، عَن أبي هُرَيْرَةَ؛ أنَّ رَسُوْلَ اللهِ وَّهِ قَالَ: ((قَالَ الله عَزَّ وَجَلَّ - وَقَوْلُهُ الحَقُّ -:
إِذَا هَمَّ عَبْدِي بِحَسَنَّةٍ
الطنافسي، ثقة إلا في حديثه عن الثوري؛ ففيه لين، من كبار التاسعة (عن أبي حازم) هو:
الأشجعي.
قوله: (ثلاث) أي: ثلاث آيات (إذا خرجن) فيه تغليب، أو معناه: ظهرن، والمراد: هذه
الثلاث بأسرها. ﴿لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَتُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ﴾: الآية؛ كذا في النسخ الحاضرة
بلفظ: ﴿لَا يَفَعُ﴾: وفي رواية مسلم: ﴿لَا يَنفَعُ﴾: وهو الظاهر؛ فإنه ليس في هذه الآية ((لم
ينفع)): بل فيها ((لا ينفع))، والآية بتمامها مع تفسيرها هكذا: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾: أي: ما ينتظرون،
المكذبون. ﴿إِلََّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَكَةُ﴾: أي: لقبض أرواحهم. ﴿أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾: أي: أمره،
بمعنى: عذابه. ﴿أَوْ يَأْتِىَ بَعْضُ ءَايَتِ رَيِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨]: أي: بعض علاماته الدالة على
الساعة؛ وهو: طلوع الشمس من مغربها. ﴿يَوْمَ يَأْتِ بَعْضُ ءَايَتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَتُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ
مِن قَبْلُ﴾: الجملة صفة ((نفس)) ﴿أو﴾ نفسًا لم تكن ﴿كَسَبَتْ فِيَ إِيَمَنِهَا خَيْرًا﴾: أي: طاعة؛ أي:
لا تنفعها قرابتها. ﴿قُلِ أَنَظِرُوَا﴾: أحد هذه الأشياء. ﴿إِنَّا مُنَظِرُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٨]: ذلك.
قوله: (والدابة) وفي رواية مسلم: ((دَابَّةُ الأَرْضِ)).
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم، وأحمد، وابن جرير(١).
[٣٠٧٣] قوله: (وقوله الحق) جملة حالية (إذا هم) أي: أراد؛ كما في بعض روايات
الشیخین .
(١) ابن جرير في ((التفسير)) (١٠٣/٨).

٤٥١
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله وَفي
فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَإِذَا هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلا تَكْتُبُوهَا،
فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا بِمِثْلِهَا،
قال الحافظ: ورد ما يدل على أن مطلق الهم والإرادة لا يكفي؛ فعند أحمد، وصحَّحَه
ابن حبان، والحاكم(١)، من حديث خريم بن فاتك رفعه: ((وَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ يَعْلَمُ الله أَنَّهُ قَدْ
أَشْعَرَ بِهَا قَلْبُهُ وَحَرَصَ عَلَيْهَا)). وقد تمسك به ابن حبان؛ فقال بعد إيراد حديث الباب في
((صحيحه)): المراد بالهم هنا: العزم، ثم قال: ويحتمل أن الله يكتب الحسنة بمجرد الهم
بها؛ وإن لم يعزم عليها زيادة في الفضل.
(فاكتبوها له) أي: للذي همَّ بالحسنة. وفيه: دليل على أن الملك يطلع على ما في قلب
الآدمي، إما: باطلاع الله إياه، أو: بأن يخلق له علمًا يدرك به ذلك؛ ويؤيد الأول ما أخرجه
ابن أبي الدنيا(٢)، عن أبي عمران الجوني قال: ينادي الملك: اكتب لفلان كذا، وكذا؛
فيقول: يا رب! إنه لم يعمله. فيقول: إنه نواه. وقيل: بل يجد الملك للهم بالسيئة رائحة
خبيثة، وبالحسنة رائحة طيبة. وأخرج ذلك الطبري، عن أبي معشر المدني، وجاء مثله، عن
سفيان بن عيينة.
قال الحافظ: ورأيت في ((شرح مُغْلَطاي)): أنه ورد مرفوعًا. قال الطوفي: إنما كتبت
الحسنة بمجرد الإرادة؛ لأن إرادة الخير - سبب إلى العمل، وإرادة الخير خير؛ لأن إرادة
الخير من عمل القلب. واستشكل بأنه إذا كان كذلك؛ فكيف لا تضاعف لعموم قوله: ﴿مَن
◌َآءَ بِالْحَسَنَةٍ فَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾؟ وأجيب: بحمل الآية على عمل الجوارح، والحديث على
الهم المجرد.
(فإن عملها؛ فاكتبوها له بعشر أمثالها) وفي حديث ابن عباس عند البخاري(٣)، من
طريق عبد الرزاق، عن جعد، عن أبي رجاء العطاردي: ((فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كتبها الله لَهُ
بِهَا عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ)).
قال الحافظ: يؤخذ منه: رفع توهم أن حسنة الإرادة تضاف إلى عشرة التضعيف؛ فتكون
الجملة إحدى عشرة على ما هو ظاهر رواية جعفر بن سليمان، عند مسلم(٤)، ولفظه: ((فَإِنْ
(١) أحمد، حديث (١٨٩٢٠)، وابن حبان في (صحيحه)) (٦١٧١).
(٢) ابن أبي الدنيا في ((الإخلاص والنية)» ص٧٥.
(٣) البخاري كتاب الرقاق حديث (٦٤٩١).
(٤) مسلم كتاب الإيمان حديث (٣٣٨).

٤٥٢
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ / باب ((وَمِنْ سُورةِ الأعرَاف))
فَإِنْ تَرَكَهَا - وَرُبَّمَا قَالَ لَمْ يَعْمَلْ بِهَا - فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً، ثُمَّ قَرأ: ﴿مَنْ جَآءَ بِالْحَسَنَّةِ
فَلَهُ, عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠])). [خ بنحوه: ٤٢، م بنحوه: ١٢٨، حم: ٧٢٥٤].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
٨- باب ((وَمِنَّ سُورةِ الأعراف)) [ت ٨، ١٢]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ
[٣٠٧٤] (٣٠٧٤) حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ عَبْدِ الرَّحمَنِ، أْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ،
حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَن ثَابِتٍ، عَن أَنَسٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ نَّهِ قَرأْ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى
رَبُّهُ, لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ, دَكًا﴾ [الأعراف: ١٤٣]، قَالَ حَمَّادٌ: هَكَذَا، وَأمْسَكَ سُليمانُ
بِطَرَفِ إِبْهَامِهِ عَلَى أَنْمُلَةِ إِصْبَعِهِ الیُمْنَى،
عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا))، وكذا في حديث أبي هريرة، وفي بعض طرقه احتمال. ورواية
عبد الوارث في الباب ظاهرة فيما قلته؛ وهو المعتمد. انتهى.
(فإن تركها) زاد البخاري في روايته ((في التوحيد)): ((مِنْ أَجلِي)).
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان.
٨ - باب وَمِنْ سُورَةِ الْأَعْرَافِ
مكية إلا ﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ﴾ [الأعراف: ١٦٣] الثمان، أو الخمس آيات، وهي: مئتان
وخمس، أو ست آيات.
[٣٠٧٤] قوله: (﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ, لِلْجَبَلِ﴾) أي: ظهر نور ربه للجبل. ((جَعَلَهُ, دَڪَا﴾)
أي: مدكوكًا، مستويًا بالأرض (قال حماد) هو: ابن سلمة (هكذا) أي: أشار حماد بن سلمة
لبيان قلة التجلي (هكذا) يعني: وضع طرف إبهامه على أنملة إصبعه اليمنى (وأمسك سليمان.
.. إلخ) أي: لبيان قوله: ((هكذا)). وروى الحافظ ابن جرير(١): من طريق حماد، عن ليث،
عن أنس ((أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿فَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ, لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ, دَثًا﴾ [الأعراف: ١٤٣] قَالَ
هَكَذَا بِإِصْبَعِهِ، وَضَعَ النَّبِيُّ ◌َّهِ إِصْبَعَهُ الْإِبْهَامَ عَلَى الْمِفْصَلِ الْأَعْلَى مِنَ الْخِنْصَرِ، فَسَاخَ الجَبَلُ)).
(١) ابن جرير في ((التفسير)) (٩/ ٥٣).

٤٥٣
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَه
قَالَ: فَسَاخَ الجَبَلُ: ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف: ١٤٣]. [حم: ١١٨٥١].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ صحيحٌ، لا نَعْرِفُهُ إلَّا من حديثٍ
حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ.
حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ الوَرَّاقُ البغدادي، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ، عَنِ حَمَّادِ بْنِ
سَلَمَةَ، عَن ثَابِتٍ، عَن أنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ نِحْوَهُ، هذا حديثٌ حسنٌّ.
[ت ٨، م ٢]
[٣٠٧٥] (٣٠٧٥) حَدَّثَنَا الأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَن ابنِ
أبي أنَيسَةَ، عَن عَبْدِ الحَمِيدِ بْنِ عبدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الخَطَّابِ، عَن مُسْلِمِ بْنِ یَسَارِ
الجُهَنِيِّ؛ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ سُئِلَ عَن هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِىّ ءَآدَمَ مِن
قال الحافظ ابن كثير: هكذا وقع في هذه الرواية: حماد بن سلمة، عن ليث، عن أنس.
والمشهور: حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس. انتهى.
(قال) أي: النبي ◌ّ (فساخ الجبل) أي: غاص في الأرض، وغاب فيها. ﴿وَخَرَّ مُوسَى
صَعِفَا﴾: أي: مغشيًا عليه؛ لهول ما رأى.
قوله: (هذا حديث حسن غريبٌ صحيح) وأخرجه أحمد، والحاكم في ((المستدرك))(١)،
وابن جرير.
قوله: (حدثنا معاذ بن معاذ) بن نصر بن حسان العنبري، أبو المثنى، البصري، القاضي،
ثقة، متقن، من كبار التاسعة.
[٣٠٧٥] قوله: (عن ابن أبي أنيسة) بضم الهمزة، وفتح النون، وسكون الياء هو:
أبو أسامة الجزري (عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب) العدوي، أبي عمر،
المدني، ثقة، من الرابعة، توفي بـ((حران)): في خلافة هشام (عن مسلم بن يسار الجهني)
مقبول، من الثالثة.
قوله: (أن عمر بن الخطاب سئل عن هذه الآية) أي: عن كيفية أخذ الله ذرية بني آدم من
ظهورهم المذكور في الآية. (﴿وَإِذِ﴾) أي: اذكر يا محمد حين. (﴿أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِىّ ءَدَمَ مِن
(١) الحاكم (٦٧) وقال: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي.

٤٥٤
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله وَوي
ظُهُورِهِمْ ذُرِّيََّهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَنُّ شَهِدَنْهُ أَنْ تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا
كُنَّا عَنْ هَذَا غَفِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٢]، قَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَيه
سُئِلَ عَنْهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ الله خَلَقَ آدَمَ، ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ بِيَمِينِهِ، فَاسْتَخْرَجَ
مِنْهُ ذُرِّيَّةً؛ فَقَالَ: خَلَقْتُ هَؤْلَاءِ لِلْجَنَّةِ وبِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ يَعْمَلُونَ، ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ
فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً، فَقَالَ: خَلَقْتُ هَؤلاءِ لِلنَّارِ، وبِعَمَلِ أهْلِ الَّارِ يَعْمَلُونَ)». فَقَالَ
ظُهُورِهِمْ﴾) [الأعراف: ١٧٢] بدل اشتمال مما قبله بإعادة الجار. وقيل: بدل بعض (﴿ذُرِّيََّهُمْ﴾)
بأن أخرج بعضهم من صلب بعض من صلب آدم، نسلًا بعد نسل؛ كنحو ما يتوالدون؛ كالذر
بنعمان يوم عرفة، ونصب لهم دلائل على ربوبيته، وركب فيهم عقلًا. (﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى
أَنْفُسِهِمْ﴾) قال. (﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بٌَّ ﴾) أنت ربنا. (﴿شَهِدْنَاْ﴾) بذلك. (﴿أَن تَقُولُوا﴾)
أي: لئلا تقولوا. (﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا﴾﴾ أي: التوحيد. (﴿غَفِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٢])
لا نعرفه (سئل) بصيغة المجهول، والجملة حالية (عنها) أي: عن هذه الآية (ثم مسح ظهره)
أي: ظهر آدم (بيمينه).
قال الطيبيّ: ينسب الخير إلى اليمين؛ ففيه تنبيه على تخصيص آدم بالكرامة، وقيل: بيد
بعض ملائكته، وهو الملك الموكل على تصوير الأجنة. أسند إليه - تعالى - للتشريف، أو
لأنه الآمر، والمتصرف؛ كما أسند إليه التوفي في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَلَى الْأَنْفُسَ﴾ [الزمر:
٤٢]، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ تَنَقَّهُمُ الْمَئِكَةُ﴾ [النحل: ٢٨]، ويحتمل أن يكون الماسح هو: الله -
تعالى -، والمسح من باب التصوير، والتمثيل؛ كذا في المرقاة.
قلت: هذه تأويلات لا حاجة إليها، قد مر مرارًا أن مذهب السلف الصالحين - نظـ
في أمثال هذه الأحاديث إمرارها على ظواهرها، من غير تأويل وتكييف.
1
(فاستخرج منه ذرية) قيل: قبل دخول آدم الجنة بين مكة والطائف. وقيل: ببطن نعمان،
وأنه بقرب عرفة. وقيل: في الجنة. وقيل: بعد النزول منها بأرض الهند. وروي عن ابن
عباس - رضي ◌ُهُ - عن النبيِ وَّ﴿ قال: ((أَخَذَ الله الْمِيثَاقَ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ بِنُعْمَانَ يَعْنِي عَرَفَةَ، فَأَخْرَجَ
مِنْ صُلْبِهِ كُلَّ ذُرِّيَّةٍ ذَرَأَهَا، فَتَثَرَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ، كَالذَّرٌ، ثُمَّ كَلَّمَهُمْ قَبْلًا قَالَ: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟:
قَالُوا: بَلَى شَهِدْنَا))(١). ونقل السيد السند، عن ((الأزهار)): أنه قيل: شق ظهره، واستخرجهم
(١) أخرجه ابن أبي حاتم في ((التفسير)) (١٦١٣/٥)، وابن جرير أيضًا (١١١/٩)، والنسائي في ((الكبرى))
(١١١٩١)، والحاكم (٤٠٠٠) وصححه، وأخرجه أحمد (٢٤٥١) وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح.

٤٥٥
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهَِّ
رجُلٌ: يَا رَسُولَ الله، فَفِيمَ العَمَلُ؟ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ الله إِذَا خَلَقَ العَبْدَ
لِلْجَنَّةِ اسْتَعْمَلَهُ
منه، وقيل: إنه استخرجهم من ثقوب رأسه. والأقرب: أنه استخرجهم من مسام شعرات
ظهره؛ ذكره القارئ في ((المرقاة)).
قلت: حديث ابن عباس الذي ذكره بقوله: وروي عن ابن عباس .. إلخ. أخرجه أحمد
في (مسنده)): والنسائي في كتاب ((التفسير)): من ((سننه))، وابن جرير، وابن أبي حاتم،
والحاكم في ((مستدركه)). وقال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. وقد روى هذا الحديث
موقوفًا على ابن عباس.
قال الحافظ ابن كثير: وهذا؛ أي: كونه موقوفًا على ابن عباس أكثر، وأثبت. انتهى.
قال الإمام الرازي: أطبقت المعتزلة على أنه لا يجوز تفسير هذه الآية بهذا الحديث؛ لأن
قوله: ((من ظهورهم)): بدل من ((بني آدم)). فالمعنى: وإذ أخذ ربك من ظهور بني آدم؛ فلم
يذكر أنه أخذ من ظهر آدم شيئًا، ولو كان المراد: الأخذ من ظهر آدم؛ لقيل من ظهره.
وأجاب بأن ظاهر الآية يدل على أنه - تعالى - أخرج الذرية من ظهور بني آدم، وأما أنه
أخرج تلك الذرية من ظهر آدم؛ فلا تدل الآية على إثباته، أو نفيه. والخبر قد دل على ثبوته؛
فوجب القول بهما معًا بأن بعض الذر من ظهر بعض الذر، والكل من ظهر آدم؛ صونًا للآية
والحديث عن الاختلاف. انتهى.
وقال التوربشتي: هذا الحديث - يعني: حديث ابن عباس المذكور - لا يحتمل من
التأويل ما يحتمله حديث عمر - رضي الله تعالى عنه - ولا أرى المعتزلة يقابلون هذه الحجة
إلا بقولهم: حديث ابن عباس هذا: من الآحاد؛ فلا نترك به ظاهر الكتاب؛ وإنما هربوا عن
القول في معنى الآية بما يقتضيه ظاهر الحديث؛ لمكان قوله تعالى: ﴿أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ إِنَّا
كُنَّا عَنْ هَذَا غَفِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] فقالوا: إن كان هذا الإقرار عن اضطرار؛ حيث كوشفوا
بحقيقة الأمر، وشاهدوه عين اليقين؛ فلهم يوم القيامة أن يقولوا: شهدنا يومئذ، فلما زال عنا
علمنا علم الضرورة، ووكلنا إلى آرائنا، كان منا من أصاب، ومنا من أخطأ، وإن كان عن
استدلال؛ ولكنهم عصموا عنده من الخطأ؛ فلهم أن يقولوا: أيدنا يوم الإقرار بالتوفيق
والعصمة، وحرمناهما من بعد، ولو مددنا بهما؛ لكانت شهادتنا في كل حين؛ كشهادتنا في
اليوم الأول. فقد تبين أن الميثاق ما ركز الله فيهم من العقول، وآتاهم وآباءهم من البصائر؛
لأنها هي الحجة الباقية المانعة لهم أن يقولوا: إنا كنا عن هذا غافلين؛ لأن الله - تعالى -

٤٥٦
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهَِه
بِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِن أعْمَالِ أهْلِ الجَنَّةِ فَيُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، وَإِذَا
خَلَقَ العَبْدَ لِلنَّارِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أهْلِ النَّارِ، حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِن أَعْمَالِ أهْلٍ
النَّارِ، فَيُدْخِلَهُ الله النَّارَ)). [ضعيف د: ٤٧٠٣، حم: ٣١٣، طا: ١٦٦١].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ، وَمُسْلِمُ بْنُ يَسَارٍ لم يَسْمَعْ مِن عُمَرَ، وقد
ذَكَرَ بَعْضُهُمْ في هذا الإسنادِ بَيْنَ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ وبَيْنَ عُمَرَ رَجُلًا مجهولًا .
جعل هذا الإقرار حجة عليهم في الإشراك؛ كما جعل بعث الرسل؛ حجة عليهم في الإيمان
بما أخبروا به من الغيوب.
قال الطيبيّ: وخلاصة ما قالوه: أنه يلزم أن يكونوا محتجين يوم القيامة بأنه زال عنا علم
الضرورة، ووكلنا إلى آرائنا؛ فيقال لهم: كذبتم؛ بل أرسلنا رسلنا تترى يوقظونكم من سنة
الغفلة، وأما قوله: حرمنا عن التوفيق، والعصمة من بعد ذلك؛ فجوابه: أن هذا مشترك
الإلزام؛ إذ لهم أن يقولوا: لا منفعة لنا في العقول والبصائر؛ حيث حرمنا عن التوفيق
والعصمة، والحق أن تحمل الأحاديث الواردة على ظواهرها، ولا يقدم على الطعن فيها بأنها
آحاد؛ لمخالفتها لمعتقد أحد، ومن أقدم على ذلك؛ فقد حرم خيرًا كثيرًا، وخالف طريقة
السلف الصالحين؛ لأنهم كانوا يثبتون خبر واحد عن واحد، عن النبي وَّل، ويجعلونه سنة،
حمد من تبعها، وعيب من خالفها. انتهى.
(وبعمل أهل الجنة) أي: من الطاعات (يعملون) إما: في جميع عمرهم، أو: في خاتمة
أمرهم (ففيم العمل يا رسول الله) أي: إذا كان كما ذكرت يا رسول الله من سبق القدر؛ ففي
أيِّ شيء يفيد العمل؟ أو: بأي شيء يتعلق العمل؟ أو: فلأي شيء أمرنا بالعمل؟ (استعمله
بعمل أهل الجنة) أي: جعله عاملًا بعمل أهل الجنة، ووفقه للعمل به (حتى يموت على عمل
من أعمال أهل الجنة) فيه: إشارة إلى أن المدار على عمل مقارن بالموت.
قوله: (هذا حديث حسن) وأخرجه مالك في ((الموطأ))، وأحمد، والنسائي، وابن
أبي حاتم، وابن جرير، وابن حبان(١) في ((صحيحه)): وغيرهم (ومسلم بن يسار لم يسمع من
عمر .. . إلخ).
(١) النسائي في ((الكبرى)) (١١١٩٠)، وابن أبي حاتم في ((تفسيره)) (١٦١٢/٥)، وابن جرير (١١٣/٩)، وابن حبان
(٦١٦٦).

٤٥٧
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَهِ
قال الحافظ ابن كثير: وكذا قاله أبو حاتم، وأبو زُرعة. زاد أبو حاتم: ((وَبَيْنَهُمَا نُعِيْمُ بْنُ
رَبِيعَةَ)). وهذا الذي قاله أبو حاتم رواه أبو داود(١) في ((سننه)): عن محمد بن مُصَفَّى، عن
بقية، عن عمر بن جعثم القرشي، عن زيد بن أبي أنيسة، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن
زيد بن الخطاب، عن مسلم بن يسار، عن نعيم بن ربيعة، قال: ((كُنْتَ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ
الخَطَّابِ، وَقَدْ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِيَ ءَآدَمَ مِن ظُهُورِهِْ ذُرِّيَّنَهُمْ﴾ [الأعراف:
١٧٢] ... )): فذكره. وقال الحافظ الدارقطني: وقد تابع عمر بن جعثم يزيد بن سنان:
أبو فروة الرهاوي. وقولهما أولى بالصواب من قول مالك.
قال ابن كثير: الظاهر: أن الإمام مالكًا إنما أسقط ذكر نعيم بن ربيعة عمدًا؛ لما جهل
حال نعيم، ولم يعرفه؛ فإنه غير معروف إلا في هذا الحديث؛ ولذلك يسقط ذكر جماعة ممن
لا يرتضيهم؛ ولهذا يرسل كثيرًا من المرفوعات، ويقطع كثيرًا من الموصولات. انتهى.
وقال المنذري: قال أبو عمر النمري: هذا حديث منقطع بهذا الإسناد؛ لأن مسلم بن
يسار هذا لم يلق عمر بن الخطاب، وبينهما في هذا الحديث نُعيم بن ربيعة. وهذا أيضًا مع
الإسناد: لا تقومُ به حجة. ومسلم بن يسار هذا؛ مجهول. قيل: إنه مدني، وليس بمسلم بن
يسار البصري. وقال أيضًا: وجملة القول في هذا الحديث أنه: حديث ليس إسناده بالقائم؛
لأن مسلم بن يسار، ونعيم بن ربيعة؛ جميعًا غير معروفين بحمل العلم؛ ولكن معنى هذا
الحديث قد صح عن النبي ◌ّ ر من وجوه ثابتة كثيرة يطول ذكرها من حديث عمر بن
الخطاب، وغيره. انتهى.
قلت: مسلم بن يسار هذا: وثّقه ابن حبان. وقال العِجلي: تابعي ثقة. ونعيم بن ربيعة:
وثقه أيضًا ابن حبان، وقال الحافظ: هو مقبول.

٤٥٨
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَهِ
[ت ٨، م ٣]
[٣٠٧٦] (٣٠٧٦) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْم، حَدَّثَنَا هِشامُ بْنُ سَعْدٍ،
عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَن أبي صالح، عَن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهَِِّ: (لمّا
خَلَقَ الله آدَمَ، مَسَحَ ظَهْرَهُ، فَسَقَطْ مِن ظَهْرِهِ كُلُّ نَسَمَةٍ هُوَ خَالِقُهَا مِن ذُرِّيَّتِهِ إِلَى يَوْم
القِيَامَةِ، وَجَعَلَ بَيْنَ عَيْنَي كُلِّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ وَبِيصًا مِن نُورٍ، ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى آدَمَ،
فَقَالَ: أَيْ رَبِّ، مَن هَؤُلاءِ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ ذُرِّيَّتُكَ، فَرأى رَجُلًا مِنْهُمْ فَأَعْجَبَهُ وَبِيصُ
ما بَيْنَ عَيْنَيْهِ، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ، مَن هَذَا؟ فَقَالَ: هَذَا رَجُلٌ مِن آخِرِ الأمَم مِن ذُرِّيَّتِكَ
يُقَالُ لَهُ: دَاوُد، فَقَالَ: رَبِّ، كَمْ جَعَلْتَ عُمْرَهُ؟ قَالَ: سِتِينَ سَنَةً، قَالَ: أَيْ رَبِّ،
زِدْهُ مِن عُمْرِي أرْبَعِينَ سَنَةً، فَلَمَّا انقضى عُمْرُ آدَمَ جَاءهُ مَلَكُ المَوْتِ، فَقَالَ:
[٣٠٧٦] قوله: (فسقط من ظهره) أي: خرج منه (كل نسمة) أي: ذي روح. وقيل: كل
ذي نفس مأخوذة من النسيم، قاله الطيبيّ (هو خالقها من ذريته) الجملة صفة ((نسمة))،
و(من)): بيانية. وفي الحديث دليل بيّن على أن إخراج الذرية كان حقيقيًا (وبيصًا) أي: بريقًا،
ولمعانًا (من نور) في ذكره: إشارة إلى الفطرة السليمة، وفي قوله: بين عيني كل إنسان إيذان
بأن الذرية كانت على صورة الإنسان على مقدار الذر (فأعجبه وبيص ما بين عينيه) أي: سرَّه
(هذا رجل من آخر الأمم) جمع أمة، والآخرية إضافية، لا حقيقية؛ فإن الآخرية الحقيقية
ثابتة لأمة نبينا محمد بَّر، ومن المعلوم أن داود - عليه السلام - ليس منهم (يقال له: داود)
قيل: تخصيص التعجب من وبيص داود؛ إظهار لكرامته، ومدح له؛ فلا يلزم تفضيله على
سائر الأنبياء؛ لأن المفضول قد يكون له مزية؛ بل مزايا ليست في الفاضل. ولعل وجه
الملائمة بينهما: اشتراك نسبة الخلافة (قال) أي: آدم (رب) بحذف حرف النداء و(كم جعلت
عُمْرُه؟) بضم العين، والميم، وقد تسكن. و((كم)): مفعول لما بعده. وقدم لما له الصدر؛
أي: كم: سنة جعلت عمره؟ (زده من عمري) يعني: من جملة الألف، و((من عمري)): صفة
أربعين قدمت؛ فعادت حالًا (أربعين سنة) مفعول ثان لقوله: ((زده))؛ كقوله تعالى: ﴿رَّبِّ زِدْنِی
عِلْمَا﴾ [طه: ١١٤].
قال أبو البقاء: زاد يستعمل لازمًا؛ كقولك: زَادَ الماء. ويستعمل متعديًا إلى مفعولين؛
كقوله: زِدْتُهُ درهمًا، وعلى هذا جاء قوله تعالى: ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضَّآ﴾ [البقرة: ١٠].

٤٥٩
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَيه
أوَ لَمْ يَبْقَ مِن عُمْرِي أَرْبَعُونَ سَنَةً؟ قَالَ: أَوَ لَمْ تُعْطِهَا ابْنكَ دَاوُدَ؟ قَالَ: فَجَحَدَ آدَمُ
فَجَحَدَتْ ذَرِّيَّتُهُ، وَنُسِّيَ آدَمُ فَنُسِّيَتْ ذُرِّيَّتَهُ، وَخَطِئ آدَمُ فَخَطِئَتْ ذُرِّيَّتُهُ)).
(أو لم يبق من عمري أربعون سنة) بهمزة الاستفهام الإنكاري المنصب على نفي البقاء؛
فيفيد إثباته، وقدمت على الواو؛ لصدارتها. والواو استئنافية؛ لمجرد الربط بين ما قبلها،
وما بعدها (قال) أي: ملك الموت (أو لم تعطها) أي: أتقول ذلك، ولم تعط الأربعين
(فجحد آدم) أي: ذلك؛ لأنه كان في عالم الذر؛ فلم يستحضره حالة مجيء ملك الموت له
(فجحدت ذريته) لأن الولد سر أبيه (فنسي آدم؛ فنسيت ذريته) كذا في النسخ الموجودة.
ووقع في ((المشكاة)): ونسي آدم؛ فأكل من الشجرة؛ فنسيت ذريته.
قال القاري: قيل: نسي أن النهي عن جنس الشجرة، أو الشجرة بعينها؛ فأكل من غير
المعينة، وكان النهي عن الجنس (وخطئ) بكسر الطاء من باب: سَمِعَ يَسْمَعُ؛ أي: أذنب،
وعصى.
تنبيه: قد أخرج الترمذي(١) حديث أبي هريرة هذا في آخر كتاب ((التفسير)): وفيه: ((قال:
يَا رَبِّ! مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا ابْنُكَ دَاوُدُ، وَقَدْ كَتَبْتُ لَهُ عُمُرَ أَرْبَعِينَ سَنَةً. قَالَ: يَا رَبِّ! زِدْهُ فِي
عُمُرِهِ. قَالَ: ذَاكَ الَّذِيِ كُتِبَ لَهُ: قَالَ: أَيْ رَبِّي! فَإِنِّي قَدْ جَعَلْتُ لَهُ مِنْ عُمُرِي سِتِّينَ سَنَةً.
قَالَ: أَنْتَ وَذَاكَ، ثُمَّ أُسْكِنَ الجَنَّةَ مَا شَاءَ اللهِ، ثُمَّ أُهْبِطَ مِنْهَا؛ وَكَانَ آدَمُ يَعُدُّ لِنَفْسِهِ. قَالَ:
فَأَتَاهُ مَلَكُ المَوْتِ. فَقَالَ لَهُ آدَمُ: قَدْ عَجَّلْتَ قَدْ كُتِبَ لِي أَلْفُ سَنَةٍ. قَالَ: بَلَى؛ وَلَكِنَّكَ جَعَلْتَ
لِاِبْنِكَ دَاوُدَ سِتِينَ سَنَةً)): فهذه الرواية التي في آخر كتاب ((التفسير)): مخالفة لهذه الرواية التي
في سورة ((الأعراف)) مخالفة ظاهرة.
قال القاري: ويمكن الجمع بأنه جعل له من عمره أولًا أربعين، ثم زاد عشرين؛ فصار
ستين، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَإِذْ وَعَدْنَا مُوسَىٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةُ﴾ [البقرة: ٥١]، وقوله تعالى: ﴿وَوَعَدْنَا
مُوسَى تَثِينَ لَيْلَةُ وَأَتْمَمْنَهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَتُ رَيِّهِةٍ أَرْبَعِينَ لَيْلَةُ﴾ [الأعراف: ١٤٢]. ولا يبعد أن
يتكرر مأتى عزرائيل - عليه السلام - للامتحان بأن جاء، وبقي من عمره ستون؛ فلما جحده
رجع إليه بعد بقاء أربعين على رجا أنه تذكر بعدما تفكر؛ فجحد ثانيًا. وهذا أبلغ من باب
النسيان، والله المستعان.
والأظهر: أنه وقع شك للراوي، وتردد في كون العدد أربعين، أو ستين، فعبر عنه تارة
(١) الترمذي، كتاب التفسير، حديث (٣٣٦٨).

٤٦٠
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَه
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وقد رُوِيَ من غيرٍ وَجْهٍ عَن
أبي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِِّ.
[ت ٨، م ٤]
[٣٠٧٧] (٣٠٧٧) حَدَّثَنَا محمَّدُ بْنُ المِثَتَّى، حَدَّثَنَا عبدُ الصَّمَدِ بْنُ عبدِ الْوَارِثِ،
حَدَّثَنَا عُمِرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَن قَتَادَةَ، عَن الحَسَنِ، عَن سَمُرَةَ، عَنِ النَّبِّ وََّ قَالَ: (لمّا
بالأربعين، وأخرى بالستين. ومثل هذا وقع من المحدثين؛ وأجاب عنه بما ذكرنا بعض
المحققين، ومهما أمكن الجمع؛ فلا يجوز القول بالوهم، والغلط في رواية الحفاظ
المتقنين.
وأما ما قيل: من أن ساعات أيام عمر آدم كانت أطول من زمان داود؛ فموقوف على
صحة النقل، وإلا: فبظاهره يأباه العقل؛ كما حقق في دوران الفلك عند أهل الفضل. انتهى
كلام القاري بلفظه. ثم قال: والحديث السابق - يعني: الذي في تفسير سورة ((الأعراف)) .
أرجح؛ وكذا أوفق لسائر الأحاديث الواردة، كما في ((الدر المنثور)): و((الجامع الكبير)):
للسيوطي - رحمه الله تعالى -.
قلت: كل ما ذكره القاري من وجوه الجمع مخدوش إلا الوجه الأخير؛ وهو أن الحديث
الذي في تفسير سورة ((الأعراف)) أرجح من الحديث الذي في آخر كتاب ((التفسير))؛ فهو
المعتمد. ووجه كون الأول أرجح من الثاني ظاهر من كلام الترمذي؛ فإنه قال بعد رواية
الأول: هذا حديث حسن صحيح. وقال بعد رواية الثاني: هذا حديث حسن غريب. وأيضًا
في سند الثاني: سعيد بن أبي سعيد المقبري، وكان قد تغير قبل موته بأربع سنين؛ هذا ما
عندي، والله تعالى أعلم.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الحاكم في ((مستدركه)): وقال: صحيح على
شرط مسلم، ولم يخرجاه، وأخرجه ابن أبي حاتم في ((تفسيره).
[٣٠٧٧] قوله: (حدثنا عمر بن إبراهيم) العبدي، البصري، صاحب الهروي، صدوق في
حديثه عن قتادة ضعف، من السادسة؛ كذا في ((التقريب)). وقال في (تهذيب التهذيب)): قال
أحمد: وهو يروي عن قتادة أحاديث مناكير يخالف. وقال ابن عدي: يروي عن قتادة أشياء
لا يوافق عليها، وحديثه خاصة عن قتادة مُضْطرب. انتهى.