Indexed OCR Text

Pages 381-400

٣٨١
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَّهِ
حَقَّ تَعْلَمُواْ مَا نَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]. [دبنحوه: ٣٦٧١].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ.
[ت ٥، م ١٣]
[٣٠٢٧] (٣٠٢٧) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سعد، عَن ابنِ شِهَابٍ، عَن
عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ حَدَّثَهُ أنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ، حَدَّثَهُ: أنَّ رَجُلًا مِنَ الأنْصَارِ
خَاصَمَ الزُّبَيْرَ فِي شِرَاجِ الحَرَّةِ الَّتِي يَسْقُونَ بِهَا النَّخْلَ، فَقَالَ الأنْصَارِيُّ: سَرِّحِ المَاءَ
يَمُرُّ، فَأَبَى عَلَيْهِ، فَاخْتَصَمُوا إِلَى رَسُولِ اللهِوَِّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَّه للزُّبَيْرِ: ((اسْقِ
يَا زُبَيْرُ، وَأرْسِلِ المَاءَ إِلَى جَارِكَ)) فَغَضِبَ الأنْصَارِيُّ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، أَنْ كَانَ
جمع سكران والجملة حالية. (﴿حَقَّ تَعْلَمُواْ مَا نَقُولُونَ﴾) بأن تصحوا.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح غريب) وأخرجه أبو داود، والنسائي(١).
قال المنذري: وفي إسناده عطاء بن السائب: لا يعرف إلا من حديثه، وقد قال یحیی بن
معين: لا يحتج بحديثه. وفرَّق مرة بين حديثه القديم، وحديثه الحديث، ووافقه على التفرقة
الإمام أحمد.
وقال أبو بكر البزار: هذا الحديث: لا نعلمه يروى عن علي - رَظُه - متصل الإسناد إلا
من حديث عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن؛ يعني - السلمي - وإنما كان ذلك قبل أن
يحرم الخمر؛ فحرمت من أجل ذلك، هذا آخر كلامه. وقد اختلف في إسناده ومتنه؛ فأما
الاختلاف في إسناده؛ فرواه سفيان الثوري وأبو جعفر الرازي؛ عن عطاء بن السائب؛
فأرسلوه، وأما الاختلاف في متنه؛ ففي كتاب أبي داود والترمذي ما قدمناه، وفي كتاب
النسائي، وأبي جعفر النحاس(٢): ((أَنَّ المُصَلِّيَ بِهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ))، وفي كتاب
أبي بكر البزار(٣): ((أَمَرُوا رَجُلًا فَصَلَّى بِهِمْ وَلَمْ يُسَمِّهِ))، وفي حديث غيره: ((فَتَقَدَّمَ بَعْضُ
الْقَوْمِ)). انتهى كلام المنذري.
[٣٠٢٧] قوله: (أن رجلًا من الأنصار خاصم الزبير ... إلخ) تقدم هذا الحديث
(١) أبو داود، كتاب الأشربة (٣٦٧١).
(٢) الحاكم، حديث (٧٢٢٠) وصحّحه ووافقه الذهبي، و((الناسخ والمنسوخ)) للنحاس ص٣٣٨.
(٣) البزار في ((مسنده)) (٥٩٨).

٣٨٢
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله ◌ِِّ
ابنَ عَمَّتِكَ، فَتَغَيَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللهِ وَّهَ، ثُمَّ قَالَ: ((يا زُبَيْرُ، اسْقِ وَاحْبِسِ المَاءَ حَتَّى
يَرْجِعَ إلَى الجِدْرِ)) فَقَالَ الزُّبَيْرُ: والله، إنِّي لأحْسبُ هَذِهِ الآيَةَ، نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ: ﴿فَلَ
وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكْمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥] الآية. [خ: ٢٣٦٠،
م: ٢٣٥٧، ن: ٥٤٢٢، د: ٣٦٣٧، جه: ١٥، حم: ١٤٢٢].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: سَمِعْتُ مُحَمَّدًا، يَقُولُ: قَدْ رَوَى ابنُ وَهْبٍ هَذَا الحَدِيثَ، عَن
اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَيُونُس، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَن عُرْوَةَ، عَن عَبْدِ الله بْنِ الزُّبَيْرِ: نَحْوَ هَذَا
الحَدِيثِ، وَرَوَى شُعَيْبُ بْنُ أبي حَمْزَةَ عن الزهري، عَن عُرْوَةَ، عَنِ الزُّبَيْرِ، وَلَمْ
يَذْكُرْ فِيهِ: عَن عَبْدِ الله بْنِ الزُّبِيْرِ.
[ت ٥، م ١٤]
[٣٠٢٨] (٣٠٢٨) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ،
عَنِ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عبدَ الله بْنَ يَزِيدَ يُحَدِّثُ، عَن زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، فِي
هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿فَمَا لَكُمْ فِ اٌلَُْفِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء: ٨٨]، قَالَ: رَجَعَ نَاسٌ مِن أصْحَابٍ
رَسُوْلِ الله وَلِ يَوْمَ أُحُدٍ،
بإسناده ومتنه في ((باب الرجلين يكون أحدهما أسفل من الآخر في الماء)»: من ((أبواب
الأحكام» وتقدم هناك شرحه.
[٣٠٢٨] قوله: (قال: سمعت عبد الله بن يزيد) الخطمي، صحابي صغير.
قوله: (رجع ناس من أصحاب رسول الله وٍَّ﴿ يوم أحد): يعني: عبد الله بن أبي،
وأصحابه. وقد ورد ذلك صريحًا في رواية موسى بن عقبة في المغازي: وأن عبد الله بن أبي
كان وافق رأيه رأي النبي ◌َّر على الإقامة بالمدينة؛ فلما أشار غيره بالخروج، وأجابهم النبي
وَّ فخرج، قال عبد الله بن أبي لأصحابه: أطاعهم، وعصاني، علام نقتل أنفسنا؟ فرجع
بثلث الناس.
قال ابن إسحاق(١) في روايته: ((فَأَتْبَعَهُمْ عَبْدُ الله بْنُ عَمْرِو بْنِ حِرَامٍ وَهُوَ وَالِدُ جَابِرٍ وَكَانَ
خَزْرَجِيًّا كَعَبْدِ الله بْنِ أَبَيِّ؛ فناشدهم أن يرجعوا؛ فأبوا، فقال: أبعدكم الله)).
(١) سيرة ابن إسحاق ص٣٠١.

٣٨٣
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَهِ
فَكَانَ النَّاسُ فِيهِمْ فِرْقَتَيْنِ: فَرِيقٌ يَقُولُ: اقْتُلْهُمْ، وَفَرِيقٌ يَقُولُ: لَا؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ:
﴿فَمَا لَكُمْ فِىِ الْمُنَفِقِينَ فِئَتَيْنٍ﴾ [النساء: ٨٨]، وَقَالَ: ((إِنَّهَا طِيبَةٌ))، وَقَالَ:
(فكان الناس فيهم) أي: في الحكم في من انصرف مع عبد الله بن أبي (فنزلت هذه
الآية .. . إلخ) هذا هو الصحيح في سبب نزولها.
وأخرج ابن أبي حاتم(١)، من طريق زيد بن أسلم، عن أبي سعيد بن معاذ قال: نزلت
هذه الآية في الأنصار؛ خطب رسول الله وَ ﴿ فقال: ((مَنْ لِي بِمَنْ يُؤْذِينِي)): فذكر منازعة
سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة، وأسيد بن حضير، ومحمد بن مسلمة؛ فأنزل الله هذه الآية.
وفي سبب نزولها: قول آخر أخرجه أحمد(٢)، من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن
أبيه ((أَنَّ قَوْمًا أَتَوْا المَدِينَةَ؛ فَأَسْلَمُوا؛ فَأَصَابَهُمُ الْوَبَاءُ؛ فَرَجَعُوا؛ فَاسْتَقْبَلَهُمْ نَاسٌ مِنَ
الصَّحَابَةِ؛ فَأَخْبَرُوهُمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَافَقُوا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا؛ فَتَزَلَتْ)).
وأخرجه ابن أبي حاتم(٣) من وجه آخر، عن أبي سلمة مرسلًا، فإن كان محفوظًا؛
احتمل أن تكون نزلت في الأمرين جميعًا؛ كذا في ((الفتح)). قال الحافظ ابن جرير بعد ذكر
عدة أقوال في سبب نزول هذه الآية ما لفظه: وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك؛ قول
من قال: نزلت هذه الآية في اختلاف أصحاب رسول الله مقيم في قوم كانوا ارتدوا عن
الإسلام بعد إسلامهم من أهل مكة. وإنما قلنا: ذلك أولى بالصواب؛ لأن اختلاف أهل
التأويل في ذلك إنما هو على أحد قولين:
أحدهما: أنهم قوم كانوا من أهل مكة على ما قد ذكرنا الرواية عنهم.
والآخر: أنهم قوم كانوا من أهل المدينة.
وفي قول الله تعالى ذكره: ﴿فَلَ نَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَّءَ حَتَّى يُّهَاجِرُوا﴾ [النساء: ٨٩] أوضح الدليل
على أنهم كانوا من غير أهل المدينة؛ لأن الهجرة كانت على عهد رسول الله وَله إلى داره
ومدينته من سائر أرض الكفر؛ فأما من كان بالمدينة في دار الهجرة مقيمًا من المنافقين،
وأهل الشرك؛ فلم يكن عليه فرض هجرة؛ لأنه في دار الهجرة كان وطنه ومقامه. انتهى.
(إنها) أي: المدينة (طيبة) هذا أحد أسماء المدينة. ويقال لها: طابة أيضًا. روى مسلم
(١) ابن أبي حاتم في ((التفسير)) (١٠٢٣/٣).
(٢) أحمد، حديث (١٦٧٠).
(٣) انظر ((الدر المنثور)) (٦٠٩/٢).

٣٨٤
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَه
((إِنَّهَا تَنْفِي الخَبِيثَ كَمَا تَنْفِي النَّارُ خَبَثَ الحَدِيدِ)). [خ: ١٨٨٤، م: ٢٧٧٦، حم: ٢١٠٨٩].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وَعَبْدُ الله بْنُ يَزِيْد - هُوَ الأَنْصَارِيُّ
الخَطْمِيُّ - وَلَهُ صُحْبَةٌ.
[ت ٥، م ١٥]
[٣٠٢٩] (٣٠٢٩) حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ مُحمَّدِ الزَّعْفَرَانِيُّ، حَدَّثَنَا شَبَّابَةُ، حَدَّثَنَا
وَرْقَاءُ بْنُ عُمَرَ، عَنِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ قَالَ: ((يَجِيءُ
المَقْتُولُ بِالقَاتِلِ يَوْمَ القِيَامَةِ، نَاصِيَتُهُ
من حديث جابر بن سمرة مرفوعًا: ((إِنَّ الله سَمَّى المَدِيْنَةَ طَابَةَ)): ورواه أبو داود الطيالسي في
((مسنده) (١): عن شعبة، عن سماك بلفظ: ((كَانُوا يُسَمُّونَ المَدِينَةَ يَثْرِبَ، فَسَمَّاهَا النَّبِيُّ وَّل
طَابَةً)). وأخرجه أبو عوانة (٢): والطاب والطيب لغتان؛ بمعنى، واشتقاقهما من الشيء الطيب
(إنها تنفي الخبث) بفتح الخاء المعجمة، والموحدة، بعدها مثلثة؛ أي: الوسخ (كما تنفي
النار خبث الحديد) أي: وسخه الذي تخرجه النار.
والمراد: أنها لا تترك فيها من في قلبه دغل؛ بل تميزه عن القلوب الصادقة، وتخرجه؛
كما يميز الحداد رديء الحديد من جيده.
قال الخازن: معنى الآية: فما لكم يا معشر المؤمنين في المنافقين فئتين؛ أي: صرتم في
أمرهم فرقتين: فرقة تذب عنهم، وفرقة تباينهم وتعاديهم؛ فنهى الله الفرقة الذین یذبون عنهم،
وأمر المؤمنين جميعًا أن يكونوا على منهاج واحد في التباين لهم والتبرؤ منهم ((والله
أركسهم)): يعني: نكسهم في كفرهم، وارتدادهم، وردهم إلى أحكام الكفار ((بما كسبوا)):
أي: بسبب ما اكتسبوا من أعمالهم الخبيثة. وقيل: بما أظهروا من الارتداد بعدما كانوا على
النفاق.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان.
[٣٠٢٩] قوله: (حدثنا ورقاء بن عمر) اليشكري، أبو بشر، الكوفي، نزيل المدائن،
صدوق في حديثه عن منصور، لين، من السابعة.
قوله: (يجيء المقتول بالقاتل) الباء للتعدية؛ أي: يحضره، ويأتي به (ناصيته) أي: شعر
(٢) أبو عوانة (٤٣٩/٢) (٣٧٤٧).
(١) الطيالسي في («مسنده)) (٧٦١).

٣٨٥
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَه
وَرَأْسُهُ بِيَدِهِ، وَأَوْدَاجُهُ تَشْخُبُ دَمًا، يَقُولُ: يَا رَبِّ، هذا قَتَلَنِي حَتَّى يُدْنِيَهُ مِنَ
العَرْشِ)) قَالَ: فَذَكَرُوا لابنِ عَبَّاسِ الثَّوْبَةَ فَتَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِّنًا
◌ُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣] قَالَ: وَمَا نُسِخَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وَلا بُدِّلَتْ،
وَأَنَّى لَهُ التَّوْبَةُ. [ن: ٤٠١٦، حم: ١٩٤٢].
مقدم رأس القاتل (ورأسه) أي: بقيته (بيده) أي: بيد المقتول. والجملة حال من الفاعل،
ويحتمل من المفعول على بعد. وقد اكتفى فيها بالضمير.
قال الطيبيّ: ويجوز أن يكون استئنافًا على تقدير السؤال عن كيفية المجيء به.
(وأوداجه) في ((النهاية)): هي: ما أحاط بالعنق من العروق التي يقطعها الذابح.
واحدها: وَدَج بالتحريك. وقيل: الودجان: عرقان غليظان عن جانبي نقرة النحر. وقيل:
عبّر عن المثنى بصيغة الجمع؛ للأمن من الالتباس، كقوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾
[التحريم: ٤] (تشخب) بضم الخاء المعجمة؛ وبفتحها؛ أي: تسيل (دمًا) تمييز محول عن
الفاعل؛ أي: دمهما (يقول: يا رب قتلني هذا) أي: ويكرره (حتى يدنيه من العرش) من
الإدناء؛ أي: يقرب المقتول القاتل من العرش؛ وكأنه كناية عن استقصاء المقتول في طلب
ثأره، وعن المبالغة في إرضاء الله - تعالى - إياه بعدله (فذكروا لابن عباس التوبة) يعني:
قالوا له: هل للقاتل توبة أم لا؟ (فتلا هذه الآية: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِّنَا مُتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ.
جَهَنَّمُ﴾) تمام الآية: ﴿خَلِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اَللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَّهُ، وَأَعَدَّ لَهُ، عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء:
٩٣] (قال) أي: ابن عباس (ما نسخت) بصيغة المجهول؛ وكذا (ما بدلت، وأنى له التوبة)،
أي: لا تقبل توبته.
قال النووي: هذا هو المشهور، عن ابن عباس - ﴿ - وروي عنه أن له توبة، وجواز
المغفرة له؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوْءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا
رَّحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠] وهذه الرواية الثانية هي: مذهب جميع أهل السنة، والصحابة،
والتابعين، ومن بعدهم. وما روي عن بعض السلف؛ مما يخالف هذا؛ محمول على
التغليظ، والتحذير من القتل. وليس في هذه الآية التي احتج بها ابن عباس تصريح بأنه
يخلد، وإنما فيها أنه جزاؤه، ولا يلزم منه أن يجازى. انتهى.
قال الحافظ ابن جرير: وأولى القول في ذلك بالصواب قول: من قال معناه: ﴿وَمَن
يَقْتُلْ مُؤْمِنَا مُتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ﴾ إن جزاه جهنم ﴿خَلِدًا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٣] ولكنه يعفو،

٣٨٦
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَهـ
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ، وَقَدْ رَوَى بَعضُهُمْ هَذَا الحَدِيثَ، عَن
عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: نَحْوَهُ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ.
[ت ٥، م ١٦]
[٣٠٣٠] (٣٠٣٠) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أبي رِزْمَةَ، عَن
إِسْرَائِيلَ، عَن سِمَاكِ بن حرب، عَن عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: مَرَّ رَجُلٌ مِن بَنِي
سُلَيْمٍ عَلَى نَفَرٍ مِن أصْحَابٍ رَسُولِ اللهِ وَّهِ وَمَعَهُ غَنَمٌ لَّهُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِم، قَالُوا: مَا
سَلَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا لِيَتَعَوَّذَ مِنْكُمْ، فَقَامُوا، فَقَتَلُوهُ، وَأَخَذُوا غَنَمَهُ، فَأَتُوا بِهَا رَسُولَ الله
وَلَّهِ، فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى:
ويتفضل على أهل الإيمان به، وبرسوله؛ فلا يجازيهم بالخلود فيها؛ ولكنه - عزَّ ذكره - إما :
أن يعفو بفضله؛ فلا يدخله النار، وإما: أن يدخله إياها، ثم يخرجه منها بفضل رحمته؛ لما
سلف من وعده عباده المؤمنين بقوله: ﴿يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا نَقْنَعُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِّ
إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] فإن ظن ظان أن القاتل إن وجب أن يكون داخلًا في
هذه الآية؛ فقد يجب أن يكون المشرك داخلًا فيها؛ لأن الشرك من الذنوب؛ فإن الله - عزَّ
ذكره - قد أخبر أنه غير غافرِ الشركَ لأحد بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ
ذَلِكَ﴾ [النساء: ٤٨]، والقتل دون الشرك. انتهى.
قوله: (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه النسائي، وابن ماجه.
[٣٠٣٠] قوله: (حدثنا عبد العزيز بن أبي رزمة) بكسر الراء، وسكون الزاي.
قوله: (فسلم عليهم) وفي رواية البراء: ((فَقَالَ: أَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا الله)): وفي بعض
الروايات ((قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّ الله مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله السَّلَامُ عَلَيْكُمْ)) (ما سلم عليكم إلا ليتعوذ
منكم) قال الجزري في ((النهاية)): في ((باب عوذ)): ومنه الحديث إنما قالها؛ تعوذًا، أي:
إنما أقر بالشهادة لاجئًا إليها، ومعتصمًا بها؛ ليدفع عنه القتل، وليس بمخلص في إسلامه.
(﴿يَكَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِى سَبِيلِ الَّهِ﴾) يعني: سافرتم إلى الجهاد. (﴿فَتَيَّوْا﴾) من
البيان. يقال: تبينت الأمر؛ إذا تأملته قبل الإقدام عليه. وقرئ: ((فَنَبَّتُوا)): من التثبت؛ وهو
خلاف العجلة. والمعنى: فقفوا، وتثبتوا؛ حتى تعرفوا المؤمن من الكافر، وتعرفوا حقيقة

٣٨٧
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّـ
وَيَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا ضَرَيْتُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلَا نَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىَ إِلَيْكُمُ
السَّلَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: ٩٤]. [خ: ٤٥٩١، م: ٣٠٢٥، د: ٣٩٧٤].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌّ.
وفي البَابِ: عَن أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ.
[ت ٥، م ١٧]
[٣٠٣١] (٣٠٣١) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا وَكِيعُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَن
أبي إِسْحَاقَ، عَن البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: لمّا نَزَلَتْ ﴿لَا يَسْتَوِى الْقَمِدُونَ مِنَ اُلْمُؤْمِنِينَ﴾
[النساء: ٩٥]، جَاء عَمْرُو بْنُ أَمِّ مَكْتُوم إلى النَّبِيِّ بَهِ قَالَ: وَكَانَ ضَرِيرَ البَصَرِ - فَقَالَ:
يَا رَسُولَ الله! مَا تَأْمُرُنِي؟ إنِّي ضَرِيرُ البَصَرِ، فَأَنْزَلَ الله تعالى هَذِهِ الآيَةَ: ﴿غَيْرُ أُوْلِ
الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥]، الآيَةَ؛ فَقَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: ((ائتُوني بالكَتِفِ وَالدَّوَاةِ، أوِ اللَّوْح
الأمر الذي تقدمون عليه. (﴿وَلَا نَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾) يعني: التحية؛ يعني: لا
تقولوا لمن حياكم بهذه التحية: إنه إنما قالها؛ تعوذًا، فتقدموا عليه بالسيف؛ لتأخذوا ماله؛
ولكن كفوا عنه، واقبلوا منه ما أظهره لكم. (﴿لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾) يعني: لست من أهل الإيمان؛
فتقتلوه بذلك.
قوله: (هذا حديث حسن) وأخرجه البخاري في ((التفسير))، ومسلم في آخر ((الكتاب))،
وأبو داود في ((الحروف))، والنسائي في ((السير))، وفي (التفسير)).
قوله: (وفي الباب عن أسامة بن زيد) أخرجه أحمد(١).
[٣٠٣١] قوله: (عن أبي إسحاق) هو: السبيعي.
قوله: (جاء عمرو بن أم مكتوم) هو المعروف بـ(ابن أم مكتوم)): الأعمى، مؤذن النبي
وَّر، وفي رواية البخاري: ((أَنَّهُ كَانَ خَلْفَ النَّبِيِّ وَّ): فيجمع بأن معنى قوله: ((جاء)»: أنه
قام من مقامه خلف النبي ولو حتى جاء مواجهة؛ فخاطبه (وكان ضرير البصر) في
((القاموس)): الضرير: الذاهب البصر. جمعه: أضراء (فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿غَيْرُ أُوْلِ
الشَّرَرِ﴾ الآية) وفي البخاري(٢) ((فَنَزَلَتْ مَكَانَهَا: ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَِّدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ
(١) أحمد، حديث (٢١٢٣٨).
(٢) البخاري، كتاب التفسير، حديث (٤٥٩٤).

٣٨٨
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله ◌ِوَ فيه
وَالدَّوَاةِ)). [خ: ٢٨٣١، م: ١٨٩٨، ن: ٣١٠١، حم: ١٨٠١٦، مي: ٢٤٢٠].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وَيُقَالُ: عَمْرُو بْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَيُقَالُ:
عَبْدُ الله بْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَهُوَ عَبْدُ الله بْنُ زَائِدَةَ، وَأُمُّ مَكْتُومٍ: أُمُّهُ.
وَالْمُجَهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٩٥])). قال ابن المنير: لم يقتصر الراوي في الحال الثاني على
ذكر الكلمة الزائدة؛ وهي ﴿غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ﴾. فإن كان الوحي نزل بزيادة قوله: ﴿غَيْرُ أُوْلِىِ
الضَّرَرِ﴾ فقط؛ فكأنه رأى إعادة الآية من أولها حتى يتصل الاستثناء بالمستثنى منه، وإن كان
الوحي نزل بإعادة الآية بالزيادة بعد أن نزل بدونها؛ فقد حكى الراوي صورة الحال.
قال الحافظ: الأول: أظهر؛ فإن في رواية سهل بن سعد: ((فَأَنْزَلَ الله: ﴿غَيْرُ أُوْلِ
الضَّرَرِ﴾)). وأوضح من ذلك: رواية خارجة بن زيد، عن أبيه؛ ففيها: ((ثُمَّ سَرَى عَنْهُ؛ فَقَالَ:
اقْرَأْ، فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ: ﴿لَا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ اُلْمُؤْمِنِينَ﴾، فقال النبيِ وَّ: ﴿غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ﴾))،
وفي حديث الفلتان بن عاصم في هذه القصة، قال: ((فَقَالَ الْأَعْمَى: مَا ذَنْبُنَا؟ فَأَنْزَلَ الله،
فَقُلْنَا لَهُ: إِنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ؟ فَخَافَ أَنْ يَنْزِلَ فِي أَمْرِهِ شَيْءٌ، فَجَعَلَ يَقُولُ: أَتوبُ إِلَى اللهِ، فَقَالَ
النَّبِيُّ ◌َوَ لِلْكَائِبِ. اكتبْ: ﴿غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ)))؛ أخرجه البزار، والطبراني، وصححه ابن
حبان(١).
(ائتوني بالكتف، والدواة) الكتف؛ بفتح الكاف، وكسر التاء، وهو: عظم عريض يكون
في أصل كتف الحيوان من الناس والدواب، كانوا يكتبون فيه؛ لقلة القراطيس عندهم.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان.
قوله: (ويقال عمرو بن أم مكتوم ... إلخ) قال في ((التقريب)): عمرو بن زائدة، أو ابن
قيس بن زائدة، ويقال: زياد القرشي، العامري، ابن أم مكتوم، الأعمى، الصحابي،
المشهور، قديم الإسلام. ويقال: اسمه: عبد الله. ويقال: الحصين. كان النبي ◌ُّ استخلفه
على المدينة، مات في آخر خلافة عمر.
وقال في ((تهذيب التهذيب)): أسلم قديمًا، وهاجر قبل مقدم النبي ◌َّقر المدينة، واستخلفه
النبي وَل قر على المدينة ثلاث عشرة مرة، وشهد القادسية، وقتل بها شهيدًا، وكان معه اللواء
يومئذ .
(١) البزار (٣٦٩٩)، والطبراني في ((الكبير)) (٣٣٤/١٨) (٨٥٦)، وابن حبان (٤٧١٢).

٣٨٩
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَهـ
[ت ٥، م ١٨]
[٣٠٣٢] (٣٠٣٢) حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ مُحمَّدِ الزَّعْفَرَانِيُّ، حَدَّثَنَا الحَجَّاجُ بْنُ
مُحمَّدٍ، عَن ابنِ جُرَيْج، أْبَرَنِي عَبْدُ الكَرِيمِ، سَمِعَ مِقْسَمًا مَوْلَى عَبْدِ الله بْنِ الحَارِثِ
يُحَدِّثُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ؛ أنَّهُ قَالَ: ﴿لَا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ﴾
[النساء: ٩٥]، عَن بَدْرٍ، وَالخَارِجُونَ إِلَى بَدْرٍ لمّا نَزَلَتْ غَزْوَةُ بَدْرٍ، قَالَ عَبْدُ الله بْنُ
جَحْشٍ، وَابنُ أُمِّ مَكْتُومٍ: إِنَّا أعْمَيَانِ يَا رَسُولَ اللهِ، فَهَلْ لَنَا رُخْصَةٌ؟ فَنَزَلَتْ:
[٣٠٣٢] قوله: (أخبرني عبد الكريم) هو: ابن مالك الجزري. بينه أبو نعيم في
((المستخرج)) من طريق يحيى بن سعيد الأموي، عن ابن جريج، قال: حدثني عبد الكريم
الجزري؛ كذا في ((الفتح)).
(سمع مقسمًا مولى عبد الله بن الحارث) بكسر الميم. ويقال له: مولى ابن عباس؛
للزومه له.
قوله: (عن بدر، والخارجون إلى بدر) هذا تفسير من ابن عباس - - يعني: أن
المراد من قوله: ﴿اٌلْقَعِدُونَ﴾، القاعدون عن غزوة بدر، ومن قوله: ﴿وَالْمُجَهِدُونَ﴾ الخارجون
إلى غزوة بدر، ولكن العبرة لعموم اللفظ، لا لخصوص السبب (قال عبد الله بن جحش) قال
العيني في ((شرح البخاري)): قوله: عبد الله بن جحش: قيل: أبو أحمد بن جحش؛ كما ذكره
الطبري في روايته، من طريق الحجاج نحو ما أخرجه الترمذي؛ وذلك لأن عبد الله بن جحش
هو: أخو أبي أحمد بن جحش، واسم أبي أحمد: عبد، بدون إضافة، وهو: مشهور بكنيته.
وأيضًا أن عبد الله بن جحش لم ينقل أن له عذرًا، إنما المعذور أخوه: أبو أحمد بن جحش.
وذكر الثعلبي، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس أنه ابن جحش، وليس
بالأسدي؛ وكان أعمى، وأنه جاء هو وابن أم مكتوم؛ فذكرا رغبتهما في الجهاد مع
ضررهما، فنزلت ﴿غَيّرُ أُوْلِ الضَّرَرِ﴾، فجعل لهما من الأجر ما للمجاهدين. انتهى.
اعلم: أن الحافظ قد نقل في ((الفتح)): حديث ابن عباس هذا، عن الترمذي بتمامه من
أوله إلى آخره، ثم قال: هكذا أورده الترمذي سياقًا واحدًا، ومن قوله: درجة ... إلخ.
مدرج في الخبر من كلام ابن جريج بيَّنه الطبري؛ فأخرج من طريق حجاج نحو ما أخرجه
الترمذي إلى قوله: درجة. ووقع عنده؛ فقال عبد الله بن أم مكتوم، وأبو أحمد بن جحش؛
وهو الصواب في ابن جحش؛ فإن عبد الله أخوه، وأما هو فاسمه: عبد؛ بغير إضافة؛ وهو

٣٩٠
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله وَهِ
يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ وَالْمُجَهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اَللَّهُ
المُجَهِدِينَ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَعِدِينَ دَرَجَةٌ﴾ [النساء: ٩٥]؛ فَهَؤُلَاءِ القَاعِدُونَ غَيْرُ أُولِي
الضَّرَرِ: ﴿وَفَضَّلَ اُللَّهُ الْمُجَهِدِينَ عَلَى الْقَعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٥]، دَرَجَاتٍ مِنْهُ عَلَى
القَاعِدِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولي الضَّرَرِ. [خ: ٣٩٥٤].
مشهور بكنيته، ثم أخرجه بالسند المذكور، عن ابن جريج قال: ﴿فَضَّلَ اَللَّهُ الْمُجَهِدِينَ بِأَمْوَلِهِمْ
وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَعِدِينَ دَرَجَةٌ وَكُلَّا وَعَدَ اَللَّهُ الْحُسْنَىَّ وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَهِدِينَ عَلَى الْقَعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا
دَرَجَاتٍ
مِنْهُ﴾ [النساء: ٩٥، ٩٦] قال علي: القاعدين من المؤمنين: غير أولي الضرر. وحاصل تفسير ابن
جريج أن: المفضل عليه غير أولي الضرر. أما أولو الضرر -فملحقون في الفضل بأهل
الجهاد؛ إذا صدقت نياتهم؛ كما تقدم في المغازي من حديث أنس: ((إِنَّ بِالمَدِينَةِ لَأَقْوَامًا مَا
سِرْتُمْ مِنْ مَسِيرٍ وَلَا قَطَعْتمْ مِنْ وَادٍ إِلَّا وَهُمْ مَعَكُمْ حَبَسَهُمُ الْعُذْرُ».
ويحتمل أن يكون المراد بقوله: (﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَهِدِينَ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَعِدِينَ دَرَجَةٌ﴾)
أي: من أولي الضرر؛ وغيرهم.
دَرَجَتٍ مِّنْهُ﴾): أي: على القاعدين
٩٥
وقوله: ﴿﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَهِدِينَ عَلَى الْقَعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا
من غير أولي الضرر، ولا ينافي ذلك الحديث المذكور، عن أنس، ولا ما دلت عليه الآية
من استواء أولي الضرر مع المجاهدين؛ لأنها استثنت أولي الضرر من عدم الاستواء؛
فأفهمت إدخالهم في الاستواء؛ إذ لا واسطة بين الاستواء وعدمه؛ لأن المراد منه: استواؤهم
في أصل الثواب، لا في المضاعفة؛ لأنها تتعلق بالفعل. انتهى كلام الحافظ.
وفي ((تفسير الجلالين)): ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: عن الجهاد، ﴿غَيْرُ أُوْلِ
الضَّرَرِ﴾: بالرفع: صفة. والنصب: استثناء من زمانة، أو عمى ونحوه. ﴿وَالْمُجَهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ
بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اَللَّهُ الْمُجَهِدِينَ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْفَعِدِينَ﴾: لضرر. ﴿دَرَجَةٌ﴾: فضيلة؛
الاستوائهما في النية، وزيادة المجاهد بالمباشرة. ﴿وَكُلًا﴾: من الفريقين. ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُسْنَىَّ﴾:
الجنة، ﴿وَفَضَّلَ اُللَّهُ الْمُجَهِدِينَ عَلَى الْقَعِدِينَ﴾: لغير ضرر. ﴿أَجْرًّا عَظِيمًا﴾: ويبدل منه. ﴿دَرَجَاتٍ
ج
مِّنْهُ﴾: منازل بعضها فوق بعض من الكرامة. ﴿وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةٌ﴾: منصوبتان بفعلهما المقدر.
﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾: لأوليائه. ﴿رَحِيمًا﴾ [النساء: ٩٦]: بأهل طاعته. انتهى.
قال في ((الكمالين)): فعلى هذا قوله تعالى: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَهِدِينَ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْفَعِدِينَ

٣٩١
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهَِفيهِ
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ، مِن هَذَا الوَجْهِ من حَدِيثِ ابنِ
عَبَّاسٍ، وَمِقْسَمٌ يُقَالُ هو: مَوْلَى عَبْدِ الله بْنِ الحَارِثِ، ويُقَالُ: هو مَوْلَى عبد الله بنِ
عَبَّاسٍ، وكُنيته أبُو القَاسِمِ.
[ت ٥، م ١٩]
٣٠] (٣٠٣٣) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عَن
أبِيهِ، عَن صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَن ابنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي سَهْلُ بْنُ سَعْدِ السَّاعِدِيُّ قَالَ:
رأيْتُ مَرْوَانَ بْنَ الحَكَمِ جَالِسًا فِي المَسْجِدِ، فَأَقْبَلتُ حَتَّى جَلَسْتُ إلَى جَنْبِهِ،
فَأَخْبَرَنَا: أنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ أخبَرَهُ؛ أنَّ النَّبِيَّ ◌َيهِ أَمْلَى عَلَيْهِ: ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَلِدُونَ مِنَ
الْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَالْمُجَهِدُونَ فِ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٩٥]، قَالَ: فَجاءهُ ابنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَهُوَ
يُملِيهَا عَلَيَّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله! وَالله، لَوْ أَسْتَطِيعُ الجِهَادَ لَجَاهَدْتُ، وَكَانَ رَجُلًا
أعْمَى؛ فَأَنْزَلَ الله عَلَى رَسُولِهِ نَّهِـ وَفَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي، فَثَقُلَتْ حَتَّى
دَرَجَةُ وَكُلَّ وَعَدَ اللّهُ الْمُسْنَّ وَفَّلَ اَللَّهُ الْمُجَهِدِينَ عَلَى الْقَعِدِينَ أَبْرًا عَظِيمًا﴾ ... إلخ. فيمن قعد بغير
عذر، والذي قبله فيمن قعد بعذر. والأكثرون على أن القولين كليهما فيمن قعد بغير عذر،
وإنما كرر، وأوجب في الأول درجة؛ وفي الثاني درجات؛ لأن المراد بالدرجة: الظفر،
والغنيمة، والذكر الجميل في الدنيا. وبالدرجات: ثواب الآخرة. بينت بالإفراد في الأول،
والجمع في الثاني؛ لأن ثواب الدنيا في جنب ثواب الآخرة يسير. انتهى ملخصًا.
قوله: (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه البخاري في ((صحيحه)): إلى قوله:
(والخارجون إلى بدر)).
[٣٠٣٣] قوله: (عن صالح بن كيسان) المدني، أبو محمد، أو أبو الحارث، مؤدب ولد
عمر بن عبد العزيز، ثقة، ثبت، فقيه، من الرابعة (رأيت مروان بن الحكم) أي: ابن
أبي العاص، أمير المدينة، الذي صار بعد ذلك خليفة.
قوله: (أملى عليه) يقال: أمليت الكتاب، وأمللته: إذا ألقيته على الكاتب؛ ليكتب (وهو
يُمِلّها) بضم أوله، وكسر الميم، وتشديد اللام هو: مثل يمليها يملي ويملل بمعنى، ولعل
الياء منقلبة من إحدى اللامين (والله لو أستطيع الجهاد) أي: لو استطعته، وعبر بالمضارع؛
إشارة إلى الاستمرار، واستحضارًا لصورة الحال (وفخذه على فخذي) الواو للحال (حتى

٣٩٢
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَهـ
هَمَّتْ تَرُضَّ فَخِذِي، ثُمَّ سُرِّي عَنْهُ؛ فَأَنْزَلَ الله عَلَيْهِ ﴿غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥].
[خ: ٢٨٣٢، ن: ٣٠٩٩].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ؛ هكَذَا رَوَى غَيرُ وَاحدٍ، عَن
الزُّهرِيِّ، عَن سَهل بْنِ سعدٍ: نَحو هذَا، وَرَوى مَعمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ هذَا الحديثَ، عَن
قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ، عَن زَيدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَفي هذا الحَدِيثِ رِوَايَةُ رَجُلٍ مِن أصحَابٍ
النَّبِيِّ وَّهِ عَن رَجُلٍ مِنَ التَّابِعِينَ؛ رواه سَهْلُ بْنُ سَعْدِ الأنْصَارِيُّ، عَن مَرْوانَ بْنِ
الحَكَمِ؛ وَمَرْوانُ لَمْ يَسْمَعْ مِنَ النَّبِيِّ نَّهِ، وَهُوَ مِنَ التَّابِعِينَ.
[ت ٥، م ٢٠]
[٣٠٣٤] (٣٠٣٤) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجِ،
قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحمَنِ بْنَ عَبْدِ الله بْنِ أبي عَمَّارٍ يُحَدِّثُ عَن عَبْدِ الله بْنِ بَابَاه،
همت) أي: قربت (ترض فخذي) بصيغة المعلوم؛ أي: تدق فخذه ◌َّ فخذي، أو بصيغة
المجهول؛ أي: تدق (ثم سرّي عنه) بالتخفيف، والتشديد؛ أي: كشف، وأزيل.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري.
قوله: (وفي هذا الحديث رواية رجل من أصحاب النبي وَّر) هو: سهل بن سعد - رَظُه
- (عن رجل من التابعين) هو: مروان بن الحكم (رواه سهل بن سعد الأنصاري، عن
مروان بن الحكم) بيان لما قبله (ومروان لم يسمع من النبي (وَّر وهو من التابعين) قال
الحافظ في ((الفتح)): بعد نقل كلام الترمذي هذا ما لفظه: لا يلزم من عدم السماع عدم
الصحبة. والأولى ما قال فيه البخاري: لم ير النبي 9ُّ. وقد ذكره ابن عبد البر في
((الصحابة))؛ لأنه ولد في عهد النبي ◌َّ قبل عام أحد. وقيل: عام الخندق. وثبت عن
مروان أنه قال: لما طلب الخلافة؛ فذكروا له ابن عمر، فقال: ليس ابن عمر بأفقه مني،
ولكنه أسن مني، وكانت له صحبة؛ فهذا اعتراف منه بعدم صحبته، وإنما لم يسمع من النبي
و٤َّ - وإن كان سماعه ممكنًا؛ لأن النبي وَّ نفى أباه إلى الطائف؛ فلم يرده إلا عثمان؛
لما استخلف.
[٣٠٣٤] قوله: (سمعت عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار) المكي، حليف بني
جمح، الملقب بـ((القَسّ)): بفتح القاف، وتشديد السين المهملة، ثقة، عابد، من الثالثة؛

٣٩٣
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله ◌ِوَهـ
عَن يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ، قَالَ: قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الخطاب: إنّمَا قَالَ الله: ﴿أَنْ نَقْصُرُواْ مِنَ
الصَّلَوَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْئِنَكُمْ﴾ [النساء: ١٠١]، وَقَدْ أَمِنَ النَّاسُ، فَقَالَ عُمَرُ: عَجِبْتُ مِمَّا
عَجِبْتَ مِنْهُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ وَِّهِ، فَقَالَ: ((صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا عَلَيْكُمْ،
فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ)). [م: ٦٨٦، ن: ١٤٣٢، د: ١١٩٩، جه: ١٠٦٥، حم: ١٧٥، مي بنحوه: ١٥٠٥].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
[ت ٥، م ٢١]
[٣٠٣٥] (٣٠٣٥) حَدَّثَنَا مَحمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الوَارِثِ،
حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبدِ الهُنائِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ شَقِيق: حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ: أنَّ
ولقب بـ((القَسّ)): لعبادته (عن يعلى بن أمية) بن أبي عبيدة بن همام، التميمي، حليف قريش؛
وهو: يعلى بن مُنْية، بضم الميم، وسكون النون، بعدها تحتانية مفتوحة؛ وهي: أمه.
صحابي، مشهور، مات سنة بضع وأربعين (يحدث عن عبد الله بن باباه) بموحدتين، بينهما
ألف ساكنة.
قوله: (قلت لعمر) أي: ابن الخطاب (إنما قال الله: ﴿أَنْ نَقْصُرُوا﴾) أي: وإذا ضربتم في
الأرض؛ أي: سافرتم؛ فليس عليكم جناح أن تقصروا (وقد أمن الناس) أي: وذهب
الخوف؛ فما وجه القصر؟ (فقال: صدقة) أي: قصر الصلاة في السفر صدقة (تصدق الله)
أي: تفضل (بها عليكم) أي: توسعة، ورحمة (فاقبلوا صدقته) أي: سواء حصل الخوف، أم
لا .
قال النووي: في هذا الحديث جواز القصر في غير الخوف؛ وفيه: إن المفضول إذا رأى
الفاضل يعمل شيئًا يشكل عليه دليله؛ يسأله عنه. انتهى. وقد استدل بقوله: «فاقبلوا صدقته»:
من قال بوجوب قصر الصلاة في السفر، وقد تقدم الكلام في هذه المسألة في ((باب التقصير
في السفر)» من أبواب الصلاة.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن
ما جه .
[٣٠٣٥] قوله: (حدثنا سعيد بن عبد الهنائي) بضم الهاء، وتخفيف النون: البصري، لا
بأس به، من السادسة.

٣٩٤
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَهِ
رَسُوْلَ الله وَّ نَزَلَ بَيْنَ ضَجْنَانَ وَعُسْفَانَ؛ فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: إِنَّ لِهَؤُلَاءِ صَلَاةً، هِيَ
أحَبُّ إِلَيْهِمْ مِن آبَائِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ، وَهِيَ العَصْرُ، فَأَجْمِعُوا أمْرَكُمْ فَمِيلُوا عَلَيْهِم مَيْلَةً
وَاحِدَةً، وَإِنَّ جِبْرِيلَ أتَى النَّبِيَّ ◌َّهَ فَأَمَرَهُ أنْ يَقْسِمَ أصْحَابَهُ شَطْرَيْنٍ فَيُصَلِّيَ بِهِمْ،
وَتَقُومُ طَائِفَةٌ أُخْرَى وَرَاءُهُمْ، وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ، ثُمَّ يَأْتِي الآخَرُونَ
وَيُصَلُّونَ مَعَهُ رَكْعَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ يَأْخُذُ هَؤْلَاءِ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ، فَتَكُونُ لَهُمْ رَكْعَةٌ
رَكْعَةٌ، وَلِرَسُولِ اللهِ وَهِ رَكْعَتَانِ. [ن: ١٥٤٣، حم: ١٠٣٨٦].
قوله: (نزل بين ضجنان) بالضاد المعجمة، والجيم، والنون.
قال في ((النهاية)): هو موضع، أو جبل بين مكة والمدينة (وعُسْفَان) كعثمان: موضع على
مرحلتين من مكة؛ كذا في ((القاموس)). وقال في ((النهاية)): هي قرية جامعة بين مكة والمدينة
(فقال المشركون) أي: بعضهم لبعض (إن لهؤلاء) أي: للمسلمين (وهي العصر) لما وقع في
تأكيد المحافظة على مراعاتها في قوله تعالى: ﴿حَفِظُواْ عَلَى الصََّلَوَتِ وَالصَّلَوْةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة:
٢٣٨] (فأجمعوا) بفتح الهمزة، وكسر الميم (أمركم) أي: أمر القتال؛ والمعنى: فاعزموا عليه
(فميلوا عليهم ميلة واحدة) أي: فاحملوا عليهم حملة واحدة (وأن جبريل أتى النبي (وَّهِ) قال
الطيبيّ: حال من قوله: ((فقال المشركون)): على نحو جاء زيد والشمس طالعة (فأمره أن
يقسم أصحابه شطرين) أي: نصفين. وفي رواية النسائي(١): ((بِصَفَّيْنٍ)) (فيصلي) بالنصب
(بهم) وفي رواية النسائي: ((فَيُصَلِّي بِطَائِفَةٍ مِنْهُمْ)) (وتقوم) بالنصب (طائفة أخرى وراءهم؛
ليأخذوا حذرهم، وأسلحتهم) وفي رواية النسائي(١): ((وَطَائِفَةٌ مُقْبِلُونَ عَلَى عَدُوِّهِمْ قَدْ أَخَذُوا
حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ)).
قال الطيبيّ: أي: ما فيه الحذر. وفي ((الكشاف)): جعل الحذر؛ وهو التحرز، والتيقظ:
آلة يستعملها الغازي؛ فلذلك جمع بينه وبين الأسلحة في الأخذ؛ دلالة على التيقظ التام،
والحذر الكامل؛ ومن ثم قدمه على أخذ الأسلحة.
(ثم يأتي الآخرون، ويصلون معه ركعة واحدة) وفي رواية النسائي(١): ((ثُمَّ يَتَأَخّرُ هَؤُلَاءِ،
وَيَتَقَدَّمُ أُولَئِكَ، فَيُصَلِّي بِهِمْ رَكْعَةً)) (ثم يأخذ هؤلاء) أي: الطائفة الأولى (فتكون لهم ركعة
ركعة) أي: معه بَّر، وتصلي كل طائفة منهما ركعة أخرى لأنفسهم؛ لتكون لكل منهما
ركعتان. وقال قوم: هو محمول على ظاهره، وعدوه من خصائص صلاة الخوف.
(١) النسائي، كتاب صلاة الخوف، حديث (١٥٤٤).

٣٩٥
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِصَّهِ
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ صحيحٌ مِن هذا الوجه من حَدِيثٍ
عَبْدِ الله بْنِ شَقِيقٍ، عَن أبي هُرَيْرَةَ.
وفي البابِ: عَن عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَابنِ عَبَّاسٍ، وَجَابِرٍ ،
وَأَبِي عَيَّاشِ الزُّرَقِيِّ، وَابنِ عُمَرَ، وَحُذَيْفَةَ، وَأَبِي بَكْرَةَ، وَسَهْلٍ بْنِ أبِي حَثْمَةً،
وَأَبُو عَيَّاشِ الزُّرَقِيُّ، اسْمُهُ: زَيْدُ بْنُ الصَّامِتِ.
[ت ٥، م ٢٢]
[٣٠٣٦] (٣٠٣٦) حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ أحْمَدَ بْنِ أبي شُعَيْبٍ أبُو مُسْلِمِ الحَرَّانيُّ،
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الحَرانِيُّ، حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَن عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ
قَتَادَةَ، عَن أَبِيهِ، عَن جَدِّهِ قَتَادَةَ بْنِ النّعْمَانِ، قَالَ: كَانَ أهْلُ بَيْتٍ مِنَّا يُقَّالُ لَهُمْ: بَنُو
أَبَيْرِقٍ بِشْرٌ وَبَشِيْرٍ وَمُبَشِّرٌ، وَكَانَ بَشِيْرٌ رَجُلًا مُنَافِقًا، يَقُولُ الشِّعْرِ، يَهْجُو بِهِ أَصْحَابَ
رَسُوْلِ اللهِ وَِّ، ثُمَّ يَنْحَلُهُ بَعْضَ العَرَبِ، ثُمَّ يَقُولُ: قَالَ فُلَانٌ كَذَا وَكَذَا، قال فلان:
كذا وكذا، فَإِذَا سَمِعَ أصْحَابُ رَسُولِ اللهِِّ ذَلِكَ الشِّعْرَ، قالُوا: والله، مَا يَقُولُ
هَذَا الشِّعْرَ إلَّا هَذَا الخَبِيثُ،
قوله: (هذا حديث حسن غريب صحيح) وأخرجه النسائي.
قوله: (وفي الباب عن عبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت .. . إلخ) تقدم تخريج
أحاديث هؤلاء الصحابة -#- في ((باب صلاة الخوف)).
[٣٠٣٦] قوله: (حدثنا الحسن بن أحمد بن أبي شعيب: أبو مسلم الحراني) بفتح حاء
مهملة، وشدة راء، وبنون، نزيل بغداد، ثقة، يُغرب، من الحادية عشرة (حدثنا محمد بن
سلمة) بن عبد الله الباهلي، مولاهم، ثقة، من الحادية عشرة (حدثنا محمد بن إسحاق) هو:
صاحب ((المغازي)) (عن أبيه) أي: عمر بن قتادة، الظفري، الأنصاري، المدني، مقبول، من
الثالثة.
قوله: (يقال لهم: بنو أبيرق) بضم الهمزة، وفتح الموحدة مصغرًا (ثم ينحله بعض
العرب) أي: ينسبه إليهم من: النحلة؛ وهي: النسبة بالباطل؛ كذا في ((النهاية)). وقال في
((القاموس)): نحله القول؛ كمنعه: نسبه إليه (قال فلان: كذا وكذا) وقعت هذه الجملة في

٣٩٦
كِتَابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَه
أَوْ كَمَا قَالَ الرَّجُلُ، وَقَالُوا ابنُ الأَبَيْرِقِ قَالَهَا، قَالَ: وَكَانُوا أَهْلَ بَيْتِ حَاجَةٍ وَفَاقَةٍ
فِي الجَاهِلِيَّةِ وَالإِسْلَامِ، وَكَانَ النَّاسُ إِنَّمَا طَعَامُهُمْ بِالمَدِينَةِ التَّمْرُ وَالشَّعِيرُ، وَكَانَ
الرَّجُلُ إِذَا كَانَ لَهُ يَسَارٌ فَقَدِمَتْ ضَافِطَةٌ مِنَ الشَّامِ مِنَ الدَّرْمَكِ ابْتَاعَ الرَّجُلُ مِنْهَا
فَخَصَّ بِهَا نَفْسَهُ، وَأمّا العِيَالُ فَإِنَّمَا طَعَامُهُمُ التَّمْرُ وَالشَّعِيرُ، فَقَدِمَتْ ضَافِطَةٌ مِنَ
الشَّام، فَابْتَاعَ عَمِّي رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدِ حِمْلًا مِنَ الدَّرْمَكِ، فَجَعَلَهُ فِي مَشْرَبَةٍ لَهُ وَفِي
المَشْرَبَةِ: سِلَاحٌ: وَدِرْعٌ وَسَيْفٌ، فَعُدِيَ عَلَيْهِ مِن تَحْتِ البَيْتِ، فَنُقْبَتِ المَشْرَبَةُ،
وَأُخِذَ الطَّعَامُ وَالسّلَاحُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ: أتَانِي عَمِّي رِفَاعَةُ، فَقَالَ: يَا ابنَ أخي، إنَّهُ قَدْ
عُدِيَ عَلَيْنَا فِي لَيْلَئِنَا هَذِهِ، فَتُقْبَتْ مَشْرَبَتْنَا، فَذُهِبَ بِطَعَامِنَا وَسِلاحِنَا، قَالَ: فَتَحَسَّسْنَا
فِي الدَّارِ وَسَأَلْنَا، فَقِيلَ لَنَا: قَدْ رَأيْنَا بَنِي أُبَيْرِقِ اسْتَوْقَدُوا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ، وَلا نُرَى
فِيمَا نُرَى إلَّا عَلَى بَعْضِ طَعَامِكُمْ، قَالَ: وَكَانَ بَنُو أُبَيْرِقٍ قالُوا: وَنَحْنُ نَسْأَلُ فِي
الدَّارِ، وَالله ما نُرَى صَاحِبِكُمْ إلَّا لَبِيدَ بْنَ
بعض النسخ مكررة؛ هكذا ((قَالَ فُلَانٌ: كَذَا وَكَذَا، وَقَالَ فُلانٌ: كَذَا وَكَذَا)) (أو كما قال
الرجل) ((أو)): للشك من الراوي؛ أي: قال لفظ: الخبيث، أو قال لفظ: الرجل (وقالوا:
ابن الأبيرق قالها) أي: هذه الأشعار (وكانوا) أي: بنو أبيرق (إذا كان له يسار) أي: غنى
(فقدمت ضافطة من الشام) قال في ((النهاية)): الضَّافط والضفاط: من يجلب الميرة، والمتاع
إلى المدن، والمكاري: الذي يكري الأحمال، وكانوا يومئذ قومًا من الأنباط، يحملون إلى
المدينة الدقيق، والزيت، وغيرهما (من الدرمك) بوزن جعفر؛ هو: الدقيق الحواري (فجعله)
أي: فوضعه (في مشربة) في القاموس: المشربة، وقد تضم الراء: الغرفة، والعلية (سلاح)
بكسر السين؛ وهو: اسم جامع لآلات الحرب، والقتال؛ يذكر، ويؤنث (درع، وسيف) بيان
لسلاح (فعدي عليه) بصيغة المجهول؛ أي: سرق ماله وظلم. يقال: عدي عليه؛ أي: ظلمه
(فنقبت) أي: نقبت. من: التنقيب، أو النقب (فتحسسنا) من: التحسس بالحاء المهملة.
قال في ((النهاية)): التجسس بالجيم: التفتيش عن بواطن الأمور؛ وأكثر ما يقال في
الشر. وقيل: التجسس بالجيم: أن يطلبه لغيره. وبالحاء: أن يطلبه لنفسه. وقيل: بالجيم:
البحث عن العورات، وبالحاء: الاستماع. وقيل: معناهما واحد في تطلب معرفة الأخبار.
وفي ((القاموس)): التحسس: الاستماع لحديث القوم، وطلب خبرهم في الخير (في الدار)
أي: في المحلة (ونحن نسأل في الدار) جملة حالية (والله ما نرى صاحبكم إلا: لبيد بن

٣٩٧
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله وَلِ
سَهْلٍ، رَجُلٌ مِنَّا، لَهُ صَلَاحٌ وَإِسْلَامٌ، فَلَمَّا سَمِعَ لَبِيدٌ اخْتَرَطَ سَيْفَهُ، وَقَالَ: أَنَا
أسْرِقُ؟ فَوَالله، لَيُخَالِطَنَّكُمْ هَذَا السَّيْفُ، أوْ لَتْبَيِّنُنَّ هَذِهِ السَّرِقَةِ، قَالُوا: إلَيْكَ عَنَّا أَيُّهَا
الرَّجُلُ، فَمَا أنْتَ بِصَاحِبِهَا، فَسَأَلْنَا فِي الدَّارِ حَتَّى لَمْ نَشُكَّ أَنَّهُمْ أصْحَابُهَا، فَقَالَ لِي
عَمِّي: يَا ابْنَ أخِي، لَوْ أَتَيْتَ رَسولَ اللهِ وَِّهِ فَذَكرْتَ ذَلِكَ لَهُ، قَالَ قَتَادَةُ: فَأَتَيْتُ
رَسولَ اللهِوَ ◌ّهِ فَقُلْتُ: إنَّ أهْلَ بَيْتٍ مِنَّا أهْلُ جَفَاءٍ عَمَدُوا إِلَى عَمِّي رِفَاعَةَ بْنِ زَيْدٍ،
فَتَقْبُوا مَشْرَبَةً لَهُ، وَأَخَذُوا سِلَاحَهُ، وَطَعَامَهُ، فَلْيَرُدُّوا عَلَيْنَا سِلَاحَنَا؛ فَأَمَّا الطَّعَامُ فَلا
حَاجَةَ لَنَا فِيهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((سَآَمُرُ فِي ذَلِكَ)) فَلَمَّا سَمِعَ بَنُو أُبَيْرِقٍ، أَتَوْا رَجُلًا
مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ: أُسيْرُ بْنُ عُرْوَةَ، فَكَلَّمُوهُ فِي ذَلِكَ، فَاجْتَمَعَ فِي ذَلِكَ نَاسٌ مِن أهْلِ
الدَّارِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله، إنَّ قَتَادَةَ بْنَ النُّعْمَانِ وَعَمَّهُ عَمَدوا إلَى أهْلِ بَيْتٍ مِنَّا
أهْلِ إِسْلَامٍ وَصَلَاحِ يَرْمُونَهُمْ بِالسَّرِقَةِ مِن غَيْرِ بَيِّنَةٍ، وَلا ثَبْتٍ، قَالَ قَتَادَةُ: فَأَتَيْثُ
رَسُولَ اللهِوَلَ فَكَلَّمْتُهُ، فَقَالَ: ((عَمَدْتَ إلَى أهْلِ بَيْتٍ ذُكِرَ مِنْهُمْ إِسْلَامٌ وَصَلَاحٌ،
تَرْمِيهِمْ بِالسَّرِقَةِ عَلَى غَيْرِ ثَبْتٍ وَلا بَيِّنَةٍ». قَالَ: فَرَجَعْتُ، وَلَوَدِدْتُ أَنِّي خَرَجْتُ مِنَ
بَعْضِ مَالِي، وَلَمْ أَكَلِّمْ رسولَ اللهِ وَِّ فِي ذَلِكَ، فَأَتَانِي عَمِّي رِفَاعَةُ، فَقَالَ: يَا ابنَ
أخِي، مَا صَنَعْتَ؟ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ وَّهِ، فَقَالَ: الله المُسْتَعَانُ، فَلَمْ
يَلْبَتْ أنْ نَزَلَ القُرْآنُ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَآ إِلَيْكَ الْكِنَبَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَئِكَ اللَّهُ
وَلَا تَكُنْ لِّلْخَيِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: ١٠٥] بَنِي أَبَيْرِق: ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٦]
أي: مِمَّا قُلْتَ لِقَتَادَةَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا (*) وَلَا تُجَدِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ
يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ
أَنْفُسَهُمَّ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانَا أَثِمًا (َّ
وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ - إلَى قَوْلِهِ: ﴿غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: ١٠٦ -١١٠]
سهل) هذا مقول قالوا (رجل منا) أي: هو رجل منا (له صلاح، وإسلام) صفة لرجل (اخترط
سيفه) أي: استله (إليك عنها) أي: تنح عنها (فما أنت بصاحبها) أي: لست بصاحب السرقة
(حتى لم نشك أنهم) أي: بني أبيرق (أهل جفاء) بالنصب؛ صفة لأهل بيت. والجفاء بالمد:
ترك البر، والصلة (﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَيِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: ١٠٥]) بني أبيرق، قوله: (بني أبيرق)
تفسير، وبيان للخائنين (مما قلت لقتادة) هذا تفسير، وبيان؛ لما أمر الله نبيه بالاستغفار منه

٣٩٨
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَهِ
أيْ: لَوِ اسْتَغْفَرُوا الله، لَغَفَرَ لَهُمْ، ﴿وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ، عَلَى نَفْسٍِ﴾ إلَى
قَوْلِهِ: ﴿إِثْمَّا مُبِينًا﴾ [النساء: ١١١- ١١٢] قَوْلُهُم لِلَبِيدٍ: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ﴾
إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣-١١٤] فَلَمَّا نَزَلَ القُرآنُ أَتِيَ رَسولُ اللهِ وَيهوى
بِالسّلَاحِ، فَرَدَّهُ إِلَى رِفَاعَةَ، فَقَالَ قَتَادَةُ: لمّا أتَيْتُ عَمِّي بِالسِّلَاحِ، وَكَانَ شَيْخًا قَدْ
عَسِيَ أو عَشِيَ - الشك من أبي عيسى - فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَكُنْتُ أُرَىَ إِسْلَامَهُ مَدْخُولًا،
فَلَمَّا أتَيْتُهُ بالسِّلاحِ، قَالَ: يَا ابنَ أخِي، هُوَ فِي سَبِيلِ الله، فَعَرَفْتُ أنَّ إِسْلَامَهُ كَانَ
صَحِيحًا، فَلَمَّا نَزَلَ القُرْآنُ، لَحِقَ بَشِيْرٌ بِالمُشْرِكِينَ، فَتَزَل عَلَى سُلَافَةَ بِنْتِ سَعْدِ ابْنِ
سُمَيَّةَ، فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ
إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ،
١١٥
سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ، مَا تَوَلَّ وَنُصْلِهِ، جَهَتَّمٌ وَسَآءَتْ مَصِيرًا
وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَلَأْ بَعِيدًا﴾ [النساء: ١١٥-١١٦]
فَلَمَّا نَزَلَ عَلَى سُلَافَةَ، رَمَاهَا حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ بِأَبْيَاتٍ مِن شِعْرِهِ، فَأَخَذَتْ رَحْلَهُ
فَوَضَعتُهُ عَلَى رَأْسِهَا، ثُمَّ خَرَجَتْ بِهِ فَرَمَتْ بِهِ فِي الأَبْطَحِ، ثُمَّ قَالَت: أَهْدَيْتَ لِي
شِعْرَ حَسَّانَ؟ مَا كُنْتَ تَأْتِينِي بِخَيْرٍ .
(أي: لو استغفروا الله؛ لغفر لهم) هذا تفسير يتعلق بقوله تعالى في الآية: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ
يَظْلِمْ نَفْسَهُ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠] (قولهم للبيد) هذا تفسير لقوله
تعالى في الآية: ﴿ثُمَّ يَرْمِ بِهِ، بَرِيًِّا﴾ [النساء: ١١٢] (وكان شيخنا قد عَسِي، أو عَشِي) هو بالسين
المهملة، أي: كبر، وأسن: من عسا القضيب؛ إذا يبس. وبالمعجمة؛ أي: قل بصره،
وضعف؛ كذا في ((النهاية)). وقال في ((القاموس)): عَسَا الشيخ يَعْسُوا عَسْوًا وعُسْوًا وعَسْيًا
وعساءً، وَعَسَى عَسىّ: كبر. والنبات عَسَا وُسوًا: غلظ، ويبس. والعشاء مقصورة: سوء
البصر بالليل، والنهار؛ كالعشاوة، أو العمى عشى؛ كرضي، ودعا عشا (في الجاهلية) متعلق
بعشا (وكنت أرى) بضم الهمزة؛ أي: أظن (مدخولًا). قال في ((النهاية)): الدخل بالتحريك:
العيب، والغش، والفساد، يعني: أن إيمانه كان متزلزلًا، فيه نفاق (فنزل على سُلَافة) بضم
سين مهملة، وخفة لام، وبفاء.

٣٩٩
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَهِ
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ غريبٌ، لَا نَعْلَمُ أحَدًا أسْنَدَهُ غَيْرَ مُحمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ
الحَرَّانِيِّ.
وَرَوَى يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ هَذَا الحَدِيثَ، عَن مُحمَّدِ بْنِ إسحَاقَ، عَن
عَاصِمٍ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، مُرْسلًا، لَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ، عَن أبِيهِ، عَن جَدِّهِ، وَقَتَادَةُ بن
النعمان هوَ: أخُو أبي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ لأُمِّهِ وَأَبُو سَعِيدِ الخدريّ: سَعْدُ بْنُ مَالِكِ بْنِ
سِنَانٍ.
[ت ٥، م ٢٣]
[٣٠٣٧] (٣٠٣٧) حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ أسْلَمَ البغدادي، حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، عَن
إِسْرَائِيلَ، عَنِ ثُوَيْرِ بْنِ أبي فَاخِتَةَ، عَن أَبِيهِ، عَن عَلِيٍّ بْنِ أبي طَالِبٍ، قَالَ: مَا فِي
القُرْآنِ آيَةٌ أحَبُّ إلَيَّ مِن هَذِهِ الآيَةَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ
لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ١١٦]. [ضعيف الإسناد، ثوير، ضعيف].
قوله: (هذا حديث غريب) وأخرجه ابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ الأصبهاني،
والحاكم(١) في ((مستدركه)). وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه.
[٣٠٣٧] قوله: (عن أبيه) أي: أبي فاختة؛ واسمه: سعيد بن علاقة الهاشمي، مولاهم،
الكوفي، مشهور بكنيته، ثقة، من الثالثة.
قوله: (ما في القرآن آية أحب إلي من هذه الآية ... إلخ)؛ لأنها حجة على الخوارج
الذين زعموا أن كل ذنب شرك. وأن صاحبه خالد في النار؛ كذا في ((تفسير البيضاوي)».
(﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ١١٦]) أي: الإشراك به؛ وهذا نص صريح بأن الشرك
غير مغفور؛ إذا مات صاحبه عليه؛ لأنه قد ثبت أن المشرك إذا تاب من شركه، وآمن قبلت
توبته، وصح إيمانه، وغفرت ذنوبه كلها التي عملها في حال الشرك (﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾)
أي: ما سوى الإشراك من الذنوب (﴿لِمَن يَشَآءُ﴾) يعني: من يشاء من أهل التوحيد.
قال العلماء: لما أخبر الله أنه يغفر الشرك بالإيمان والتوبة؛ علمنا أنه يغفر ما دون
(١) ابن جرير في ((التفسير)) (٢٦٥/٥)، وابن أبي حاتم مختصرًا (١٠٦٤/٤)، والحاكم (٨١٦٤)، وقال: صحيح
على شرط مسلم.

٤٠٠
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهَِّهـ
قَالَ: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ، وأبُو فَاخِتَةَ اسْمُهُ: سَعِيدُ بْنُ عِلَاقَةَ، وَثُوَيْرٌ
يُكَنَّى: أبَا جَهْم - وَهُو رَجُلٌ كُوفِيٍّ من التَّابِعِينَ - وَقَدْ سَمِعَ مِن ابنِ عُمَرَ، وَابنِ
الزُّبَيْرِ، وَابنِ مَهْدِيٌّ كَانَ يَغْمِزُه قَلِيلًا .
[ت ٥، م ٢٤]
[٣٠٣٨] (٣٠٣٨) حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْنُ يَحْيَى بْنِ أبي عُمَرَ، وَعَبْدُ الله بْنُ أبي زِيَادٍ -
المَعْنَى وَاحِدٌ - قالا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَن ابنِ أبي مُحَيْصِنٍ، عَن مُحمَّدِ بْنِ
قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: لمّا نَزَلَ: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء:
١٢٣] شَقَّ ذَلِكَ عَلَى المُسْلِمِينَ، فَشَكَوْا ذَلِكَ إلى النَّبِيِّ وَّهِ، فَقَالَ: ((قَارِبُوا وَسَدِّدُوا،
وَفِي كِلِّ مَا يُصِيبُ المُؤْمِنَ كَفَّارَةٌ، حَتَّى الشَّوْكَةَ يُشَاكُهَا، أو النَّكْبَةَ يُنْكَبُهَا)).
[م: ٢٥٧٤، حم: ٧٣٣٩].
الشرك بالتوبة، وهذه المشيئة في من لم يتب من ذنوبه من أهل التوحيد؛ فإن مات صاحب
الكبيرة، أو الصغيرة، من غير توبة؛ فهو على خطر المشيئة؛ إن شاء غفر له، وأدخله الجنة،
بفضله ورحمته؛ وإن شاء عذبه، ثم يدخله الجنة بعد ذلك.
قوله: (وابن مهدي كان يغمزه قليلًا) أي: يطعن فيه قليلًا.
قال الحافظ في ((تهذيب التهذيب)): قال عمرو بن علي: كان يحيى وعبد الرحمن لا
يحدثان عنه، وقال في ((التقریب)): ضعيف، ورمي بالرفض.
[٣٠٣٨] قوله: (عن محمد بن قيس بن مخرمة) بن المطلب بن عبد مناف المطلبي. قال
أبو داود: ثقة. وذكره ابن حبان في ((الثقات)): وذكر العسكري أنه أدرك النبي بَّ وهو
صغير؛ كذا في ((تهذيب التهذيب)).
قوله: ((مَنْ يَعْمَلْ سُوْءًا يُجْزَ بِهِ ﴾) إما في الآخرة، أو في الدنيا؛ بالبلاء والمحن؛ كما
في هذا الحديث (قاربوا) أي: اقتصدوا؛ فلا تغلوا، ولا تقصروا؛ بل توسطوا (وسددوا)
أي: اقصدوا السداد؛ وهو الصواب (حتى الشوكة) بالجر على أن ((حتى)) جارة، ويجوز
الرفع؛ على أنها ابتدائية. والنصب بتقدير: حتى تجد (يشاكها) بصيغة المجهول؛ أي: يشاك
المؤمن تلك الشوكة (والنكبة) هي: ما يصيب الإنسان من الحوادث (ينكبها) على بناء
المجهول، والضمير المرفوع للمؤمن، والبارز للنكبة.