Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
كِتابُ تَفْسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَّهِ / بابِ مَا جَاءَ في الَّذِي يُفَسِّرُ القُرْآنَ بِرَأيِهِ
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ.
[٢٩٥٢] (٢٩٥٢) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا حَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ، حَدَّثَنَا سُهَيْلُ بْنُ
عَبْدِ الله، وَهُوَ ابنُ أبي حَزْم - أخُو حَزْمِ القُطَعِيِّ - حَدَّثَنَا أبُو عِمْرَان الجُوْنِيُّ، عَن
جُنْدُبَ بْنِ عَبْدِ الله، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((مَن قَالَ فِي القُرْآنِ بِرَأيِهِ فَأَصَابَ، فَقَدْ
أخْطَأَ)). [فيه ضعف، سهيل ليس بالقوي، وقال عنه البخاري: لا يتابع في حديثه، يتكلَّمون عنه د: ٣٦٥٢].
لذلك؛ ولذا قال البيهقي: المراد رَأَيُّ غَلَبَ من غير دليلٍ قام عليه. أما ما يشده برهانٌ فلا
محذور فيه، فعلم أن علم التفسير إنما يُتَلَقَّى من النقل، أو من أقوال الأئمة، أو من المقاييس
العربية، أو القواعد الأصولية المبحوث عنها في علم أصول الفقه، أو أصول الدين.
قوله: (هذا حديث حسن) وأخرجه أحمد من وجه آخر.
[٢٩٥٢] قوله: (حدثنا حَبَّان) بفتح الحاء المهملة وتشديد الموحدة. (وهو) أي:
سهيل بن عبد الله. (ابن أبي حزم) فأبو حزم كنية والد سهيل، وعبد الله اسمه، ويقال له:
مهران أيضًا. (أخو حزم) بدل من ابن أبي حزم، أي: سهيل بن أبي حزم هو أخو حزم.
(القطعي) بضم القاف وفتح الطاء. قال الحافظ في ((تهذيب التهذيب)): سهيل بن أبي حزم،
واسمه مهران، ويقال: عبد الله أبو بكر البصري، روى عن أبي عمران الجوني وغيره، وعنه
حبان بن هلال وغيره. وقال في ((التقريب)): ضعيف، من السابعة. (عن جندب بن عبد الله)
بضم الجيم، والدال تفتح وتضم، ابن سفيان البجلي.
قوله: (من قال في القرآن) أي: في لفظه أو معناه (برأيه) أي: بعقله المجرد (فأصاب)
أي: ولو صار مصيبًا بحسب الاتفاق (فقد أخطأ) أي: فهو مخطئٌّ بحسب الحكم الشرعي.
قال ابن حجرٍ: أي: أخطأ طريق الاستقامة بِخَوْضه في كتاب الله بالتخمين والحدس، لتعديه
بهذا الخوض مع عدم استجماعه لشروطه، فكان إثمًا به مطلقًا، ولم يعتد بموافقته للصواب؛
لأنها ليست عن قَصْدٍ وَلَا تَحَرِّ، بخلاف من كَمُلَت فيه آلات التفسير، وهي خمسة عَشْرَ
علمًا: اللغة، والنحو، والتصريف، والاشتقاق؛ لأن الاسم إذا كان اشتقاقه من مادتين
اختلف المعنی باختلافهما، کالمسيح هل هو من السياحة، أو المسح؟
والمعاني، والبيان، والبديع، والقراءات، والأصلين، وأسباب النزول، والقصص،
والناسخ والمنسوخ، والفقه، والأحاديث المبينة لتفسير المجمَل والمبهَم، وعلم الموهبة وهو
علمٌ يورثه الله لمن عَمِلَ بما عَلِمَ، وبعض هذه العلوم كان موجودًا عند السَّلَفِ بالفعل،

٢٨٢
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ / باب مَا جَاءَ في الَّذِي يُفَسِّرُ القُرْآنَ بِرَأيِهِ
وبعضها بالطبع من غير تَعَلَّم، فإنه مأجور بخوضه فيه وإن أخطأ؛ لأنه لا تعدي منه، فكان
مأجورًا أَجْرَيْنٍ؛ كما في روايةٍ، أو ((عشرة أجور)) كما في أخرى ((إن أَصَابَ، وَأَجْرًا إنْ
أَخْطَأَ))، كالمجتهد في الأحكام، لأنه بذل وُسْعَهُ في طَلَبِ الحَقِّ، واضطره الدليل إلى ما رآه؛
فلم يكن منه تَقْصِیرٌ بوجهٍ .
وقد أخطأ الباطنية الذين يَعْتَقِدُونَ أن للقرآن ظهرًا وبطنًا، وأن المراد باطنه دون ظاهره.
ومن هذا ما يسلكه بعض الصوفية من تفسيرهم ((فرعون)) بالنفس، و(موسى)) بالقلب، وإن
زعموا أن ذلك مراد بالآية لا إشارات ومناسبات للآيات، وقد صرح الغزالي وغيره، بأنه
يَحْرُمُ صَرْفُ شَيء من الكتاب والسنة عن ظاهره، من غير اعتصام فيه بنقل من الشارع، ومن
غير ضرورة تدعو إليه من دليل عقلي، ونقل الطيبيُّ عن التوربشتي: أن المراد بالرأي ما لا
يكون مُؤَسَّسًا على علوم الكتاب والسنة، بل يكون قولًا تَقَوَّلَهُ برأيه على ما يقتضيه عقله.
وعلم التفسير يُؤْخَذُ من أفواه الرجال، كأسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، ومن أقوال
الأئمة، وتأويلاتهم بالمقاييس العربية، كالحقيقة، والمجاز، والمجمَل، والمفضَّل، والعام،
والخاص، ثم يتكلم على حسب ما يقتضيه أصول الدين، فيؤول القسم المحتاج إلى التأويل
على وَجْهٍ يَشْهَدُ بصحته ظاهر التنزيل، فمن لم يستجمع هذه الشرائط؛ كان قوله مهجورًا،
وحسبه من الزاجر أنه مُخْطِئٌ عند الإصابة، فيا بُعد ما بين المجتهد والمتكلف، فالمجتهد
مأجور على الخطأ، والمتكلف مأخوذ بالصَّوابِ؛ كذا في ((المرقاة)).
وقال النيسابوري في ((تفسيره)): ذكر العلماء أن النهي عن تفسير القرآن بالرأي لا يخلو:
إما أن يكون المراد به الاقتصار على النقل والمسموع، وترك الاستنباط، أو المراد به أمر
آخر، وباطلٌ أن يكون المراد به ألَّا يتكلم أحد في القرآن إلا بما سمعه؛ فإن الصحابة -
- قد فَسَّروا القرآن، واختلفوا في تفسيره على وجوه، وليس كلّ ما قالوه سمعوه، كيف وقد
دعا النبي ◌َّ لابن عباس: ((اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ)) (١). فإن كان التأويل
مسموعًا كالتنزيل، فما فائدة تخصيصه بذلك؟ وإنما النهي يحمل على وجهين:
أحدهما: أن يكون له في الشيء رأي، وإليه ميلٌ من طبعه وهواه، فَيُؤوِّل القرآن على
وفق هواه؛ ليحتجَّ على تصحيح غرضه، ولو لم يكن له ذلك الرأي والهوى؛ لا يلوح له من
(١) البخاري، كتاب الوضوء، حديث (١٤٣)، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، حديث (٢٤٧٧).

٢٨٣
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ نَّهِ / باب مَا جَاءَ في الَّذِي يُفَسِّرُ القُرْآنَ بِرَأيِهِ
هَذا حَديثٌ غَريب وقَدْ تكلم بعض أهل الحديث في سُهيل بن أبي حزم.
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَكَذَا رُويَ عَن بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ مِن أصْحَابِ النبيِّ
وَغَيْرِهِمْ: أَنَّهُمْ شَدَّدُوا فِي هَذَا فِي أنْ يُفَسَّرَ القُرْآنُ بِغَيْرٍ عِلْمٍ، وَأمَّا الذِي رُوِيَ عَن
مُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ وَغَيْرِهِما مِن أهْلِ العِلْمِ؛ أنَّهُمْ فَسَّرُوا القُرْآنَ، فَلَيْسَ الظُّ بِهِمْ أَنَّهُمْ
قَالُوا فِي القُرْآنِ أوْ فَسَّرُوهُ بِغَيْرِ عِلْمٍ، أَوَ مِن قِبَلِ أنْفُسِهِمْ.
القرآن ذلك المعنى، وهذا قد يكون مع العلم بأن المراد من الآية ليس ذلك، ولكن يلبس
على خَصْمِهِ، وقد يكون مع الجهل، وذلك إذا كانت الآية محتملةً، فيميل فهمه إلى الوجه
الذي يوافق غَرَضَهُ، ويترجَّح ذلك الجانب برأيه وهَوَاهُ، ولولا رأيه لما كان يترجح عنده ذلك
الوجه، وقد يكون له غرض صحيح، فيطلب له دليلاً من القرآن، ويستدل عليه بما يعلم أنه ما
أُريدَ به؛ كمن يدعو إلى مجاهدة القلب القاسي؛ فيقول المراد ((بفرعون)) في قوله تعالى:
﴿أَذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [طه: ٢٤] هو النفس.
الوجه الثاني: أن يَتَسَارَعَ إلى تفسير القرآن بظاهر العربية، من غير استظهار بالسَّماع
والنقل فيما يتعلَّق بغريب القرآن، وما فيه من الألفاظ المبهمة، والاختصار، والحذف،
والإضمار، والتقديم، والتأخير، فالنقل والسماع لا بد منه في ظاهر التفسير؛ أولًا: ليتقي به
مواضِع الغَلَطِ، ثم بعد ذلك يتسع للتفهيم والاستنباط، والغَرَائِبُ التي لا تفهم إلا بالسّماع
كثيرةٌ؛ كقوله تعالى: ﴿وَءَانَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا﴾ [الإسراء: ٥٩]. معناه: آية مبصرة،
فظلموا أنفسهم بقتلها، فالناظر إلى ظاهر العربية يظن المراد أن الناقة كانت مبصرةً، ولم تكن
عمياء، وما يدري بما ظلموا، وأنهم ظلموا غيرَهم أو أنفسَهم. وما عدا هذين الوجهين، فلا
يتطرق النهي إليه، ما دام على قوانين العلوم العربية والقواعد الأصلية والفرعية. انتهى.
قوله: (هذا حديث غريب). وأخرجه أبو داود، والنسائي، وابن جريرٍ .
(وقد تكلم بعض أهل الحديث في سهيل بن أبي حزم) قال المنذري: وقد تَكَلَّمَ فيه
الإمام أحمد، والبخاري، والنسائي، وغيرهم. (هكذا روي عن بعض أهل العلم من
أصحاب النبي ﴿ وغيرهم، أنهم شَدَّدُوا في هذا) قد ذكر الحافظ ابن كثير في أوائل
((تفسيره)): آثارًا عديدة عن الصحابة والتابعين في التحرج عن تفسير ما لا علم لهم به. (في
أن يفسر القرآن بغير علم) هذا بيان لقوله: ((في هذا)).

٢٨٤
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَ﴿ / باب ((ومن سُورةٍ فَاتِحَةِ الكِتاب»
وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُمْ مَا يَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنا: أنَّهُمْ لَمْ يَقُولُوا مِن قِبَلِ أنْفُسِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ؛
وقد تكلم بعض أهل الحديث في سهيل بنِ أبي حزم.
حَدَّثَنَا الحُسَيْنُ بْنُ مَهْدِيِّ البَصْرِيُّ، أخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَن مَعْمَرٍ، عَن قَتَادَةَ،
قَالَ: مَا فِي القُرْآنِ آيَةٌ إلَّا وَقَدْ سَمِعْتُ فِيهَا بشيءٍ. [صحيح الإسناد مقطوع].
حَدَّثَنَا ابنُ أبي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَن الأَعمشِ، قَالَ: قَالَ مُجاهِدٌ:
لَوْ كُنْتُ قَرَأْتُ قِرَاءَةَ ابنِ مَسْعُودٍ، لَمْ أحْتَجْ إلى أن أسْأَلَ ابنَ عَبَّاسٍ عَن كَثِيرٍ مِنَ
القُرْآنِ مِمَّا سَألْتُ.
٢ - باب ((ومن سُورةٍ فَاتِحَةِ الكِتاب)) [ت ٢، م١]
بِسْمِ اللَّهِ الرَِّْ الرَّحِيمِ
[٢٩٥٣] (٢٩٥٣) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العزيز بْنُ مُحمَّد، عَن العَلَاءِ بْنِ
عَبْد الرَّحْمن، عَن أبِيهِ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، أنَّ رَسُوْلَ اللهِ وَل ◌ِ قَالَ: ((مَن صَلَّى صَلَاةً لَمْ
يَقْرَأ فِيهَا بِأَمِّ القُرْآنِ، فَهِي خِدَاجٌ، وهي خِدَاجُ
قوله: (حدثنا الحسين بن مهدي البصري) قال في ((التقريب)): الحسين بن مهدي بن
مالك الأبلي بضم الهمزة والموحدة، أبو سعيد، صدوق، من الحادية عشرة، قال في ((لب
اللباب)): الأبلي بضم الهمزة وفتح الباء الموحدة وتشديد اللام نسبة إلى أبلة، بلدة على أربعة
فراسخ من البصرة.
قوله: (لو كنت قرأت قراءة ابن مسعود؛ لم أحتج أن أسال ابن عباس ... إلخ) أي:
لما وقع في قراءته من تفسير كثير من القرآن.
٢ - باب وَمِنْ سُورَةِ فَاتِحَةِ الْكِتَّابِ
هي مكيةٌ في قول الأكثر، وقيل: مدنية، وقيل: نزلت مرتين: مرة بمكة، ومرة بالمدينة.
قال ابن كثير: والأول أشبه، وهي سبع آيات بالاتفاق.
[٢٩٥٣] قوله: (من صلى) إمامًا كان أو مقتديًا أو منفردًا (صلاة) جهرية كانت أو سرية،
فريضة أو نافلة (لم يقرأ فيها بأم القرآن) أي: بفاتحة الكتاب. قال النووي: أم القرآن اسم
الفاتحة، وسميت أم القرآن؛ لأنها فاتحته، كما سميت مكة أم القرى؛ لأنها أصلها (فهي
خداج) أي: ناقص نقص فساد وبطلان، وقد تقدم معنى الخداج في باب ما جاء أنه لا صلاة

٢٨٥
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله ◌ِوَ﴿ / باب ((ومن سُورةٍ فَاتِحَةِ الكِتاب»
غَيْرُ تَمَام)) قَالَ: قُلْتُ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، إِنِّي أحْيَانًا، أكُونُ وَرَاءَ الإمام، قَالَ: يَا ابنَ
الفَارِسِيِّ، فَاقْرَأْهَا فِي نَفْسِكَ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَلَهِ يَقُولُ: ((قَالَ الله تَعَالَى:
قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنٍ، فَنِصْفُهَا لِي، وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي، وَلِعَبْدي مَا
سأَلَ، يقرأ العَبْدُ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] فَيَقُولُ الله:
إلا بفاتحة الكتاب (غير تمام) بيان ((خداج)): أو بدل منه.
قال القاري في ((المرقاة)): هو صريح فيما ذهب إليه علماؤنا من نقصان صلاته، فهو
مبينٌ لقوله عليه السلام: ((لا صلاة)): أن المراد بها نفي الكمال لا نفي الصحة، فبطل قول
ابن حجر. والمراد بهذا الحديث أنها غير صحيحة، وبنفي لا صلاة نفي صحتها؛ لأنها
موضوعهُ، ثم قال: ودليل ذلك أحاديث لا تَقْبَلُ تأويلاً، منها خبر ابن خزيمة، وابن حبان،
والحاكم في ((صحاحهم): بإسناد صحيح: ((لَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ لَا يُقْرَأُ فيها بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ))(١):
ورواه الدارقطني بإسناد حسن، وقال النووي: رواته كلهم ثقات، وفيه أنه محمول على
الإجزاء الكامل. انتهى ما في ((المرقاة)).
قلت: حديث ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم بلفظ: ((لا تُجْزِئُ صَلَاةٌ لا يُقْرَأُ فيها
بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ)»: دليلٌ صحيح صريح واضح على أن المراد بالخداج في حديث أبي هريرة
نقصان الذات، أعني: نقصان الفساد والبطلان، وأن المراد بقوله وي ليه: ((لا صلاة)): نفي
الصحة، وأما قول القاري: إنه محمولٌ على الإجزاء الكامل؛ فغلط مردود عليه؛ فإنه ليس
بعد الإجزاء إلا الفساد والبطلان، فماذا بعد الحق إلا الضلال! وقد سبق تحقيق هذه المسألة
في محلها، وبسطنا الكلام فيها في كتابنا: ((أبكار المنن في نقد آثار السنن)).
(إني أحياناً أكون وراء الإمام) أي: فهل أقرأ أم لا؟ (قال: يا ابن الفارسي) لعله كان
فارسي النسل. (فاقرأها في نفسك) أي: سرًّا غير جهر (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي
نصفين) قال العلماء: المراد بـ ((الصلاة)): هنا الفاتحة سميت بذلك؛ لأنها لا تصح إلا بها؛
كقوله : ((الحج عرفة)): ففيه دليل على وجوبها بعينها في الصلاة. قال العلماء: والمراد
قسمتها من جهة المعنى؛ لأن نصفها الأول تحميد لله تعالى، وتمجيده، وثناء عليه،
(١) ابن خزيمة، حديث (٤٩٠)، وابن حبان، حديث (١٧٨٩).

٢٨٦
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ / باب ((ومن سُورةٍ فَاتِحَةِ الكِتاب)»
حَمَدَني عَبْدِي، فَيَقُولُ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٣] فَيَقُولُ الله: أثْنَى عَلَيَّ عَبْدي،
فَيَقُولُ: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدّيْنِ﴾ [الفاتحة: ٤] فَيَقُولُ: مَجَّدَني عَبْدِي وَهَذَا لِي، وَبَيْنِي
وَبَيْنَ عَبْدِي: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] وَآخِرُ السُّورَةِ لِعَبْدِي،
أَ صِرَطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ
وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، يَقُولُ: ﴿أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَقِيمَا
غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِينَ﴾ [الفاتحة: ٧]). [م: ٣٩٥، ن: ٩٠٨، د: ٨٢١، جه: ٨٣٨،
حم: ٧٢٤٩، طا: ١٨٩].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ، وَقَدْ رَوَى شُعْبَةُ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، وَغَيْرُ
وَاحِدٍ، عَنِ العَلَاءِ بْنِ عَبْد الرَّحْمن، عَن أبيه، عَن أبي هُرَيْرَةَ، عَن النبيِّ وَّل: نَحْوَ
هَذَا الحَدِيثِ.
وَرَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ: وَمَالِكُ بْنُ أنَسٍ، عَن العَلَاءِ بْنِ عَبْد الرَّحْمن، عَن
أبي السَّائِبِ، مَوْلَى هِشَّامِ بْنِ زُهْرَةَ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، عَن النبيِّ وَّ نَحْوَ هذا.
وَرَوَى ابْنُ أُوَيْسٍ، عَن أبِيهِ، عَن العَلَاءِ بْنِ عَبْد الرَّحْمن، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي،
وَأَبُو السَّائِبِ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، عَن النبيِّ وَّهُ: نَحْوَ هَذَا.
وتفويض إليه، والنصف الثاني سؤال، وطلب، وتضرُّع، وافتقار (حمدني عبدي) قال
النووي: قوله تعالى: حَمِدَنِي عَبْدِي وأَثْنَى عليَّ ومَجَّدَنِي، إنما قاله؛ لأن التحميد الثناء
بجميل الفعال، والتمجيد: الثناء بصفات الجلال، ويقال: أثنى عليه في ذلك كله؛ ولهذا
جاء جوابًا للرحمن الرحيم؛ لاشتمال اللفظين على الصفات الذاتية والفعلية.
(وبيني وبين عبدي: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينٌ﴾ [الفاتحة: ٥]) قال القرطبي: إنما
قال الله تعالى هذا؛ لأن في ذلك تذلل العبد لله تعالى، وطلبه الاستعانة منه، وذلك يتضمن
تعظيم الله، وقدرته على ما طلب منه (وآخر السورة لعبدي) يعني: من قوله: ﴿أَهْدِنَا الصِّرَطَ
اَلْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] ... إلخ (ولعبدي ما سأل) أي: غير هذا (يقول: ﴿أَهْدِنَ الْصِرَطَ
اَلْمُسْتَقِيمَ﴾) أي: ثبتنا على دين الإسلام أو طريق متابعة الحبيب عليه الصلاة والسلام.
(﴿صِرَطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيَّهِمْ﴾) من النبيين؛ والصديقين، والشهداء، والصالحين. (﴿غَيْرِ
الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾) أي: اليهود. (﴿وَلَ الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]) أي: النصارى.
قوله: (هذا حديث حسن). وأخرجه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.

٢٨٧
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ / باب ((ومن سُورةٍ فَاتِحَةِ الكِتاب))
أَخْبَرَنَا بِذَلِكَ مُحمَّدُ بْنُ يَحْيَى، وَيَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ الفَارِسِيُّ، قالا: حَدَّثَنَا
إِسْمَاعِيلُ بْنُ أبي أَوَيْسٍ، عَن أبِيهِ، عَن العَلَاءِ بْنِ عَبْد الرَّحْمن، قال: حَدَّثَنِي أبي،
وَأَبُو السَّائِبِ - مَوْلَى هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ - وَكَانَا جَليسَيْنٍ لأبي هُرَيْرَةَ - عن أبي هُريرةَ،
عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ: ((مَن صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ القُرْآنِ، فَهِي خِدَاجٌ فهي خِدَاجٌ
غَيْرُ تَمَامِ)) .
وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ إسْمَاعِيلَ بْنِ أبي أُوَيْس أكْثَرُ مِن هَذَا، وَسأَلْتُ أبَا زُرْعَةَ، عَن
هَذَا الحَدِيثِ، فَقَالَ: كلا الحَدِيثَيْنِ صحيحٌ، واحْتَجَّ بِحَدِيثِ ابنِ أبي أُوَيْسٍ، عَن
أبِيِه، عَن العَلَاءِ.
[٢٩٥٣ م] (٢٩٥٣° م) أخْبَرَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ سَعْدٍ،
أَنْبَأَنَا عَمْرُو بْنُ أبي قَيْسٍ، عَن سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَن عَبَّادِ بْنِ حُبَيْشٍ،
قوله: (أخبرنا بذلك محمد بن يحيى) هو الذهلي. (ويعقوب بن سفيان الفارسي)
أبو يوسف الفسوي، ثقة حافظ، من الحادية عشرة. (حدثنا ابن أبي أويس) اسمه إسماعيل بن
أبي أويس. (عن أبيه) هو: عبد الله بن عبد الله بن أويس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي
أبو أويسٍ المدني، قريب مالك وصهره، صدوق يهم، من السابعة. (وأبو السائب مولى
هشام بن زهرة) قال في ((التقريب)): أبو السائب الأنصاري المدني مولى ابن زهرة، يقال:
اسمه عبد الله بن السائب، ثقة، من الثالثة.
قوله: (وسألت أبا زرعة عن هذا الحديث) أي: سألته عن أن حديث من قال: عن
العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة؛ صحيح، أو حديث من قال: عن العلاء، عن أبي السائب،
عن أبي هريرة. (فقال) أي: أبو زرعة. (كلا الحديثين صحيح) أي: حديث من قال: عن
العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، وحديث من قال: عن العلاء، عن أبي السائب، عن
أبي هريرة، كلاهما صحيح. (واحتج بحديث ابن أبي أويس، عن أبيه، عن العلاء) أي:
احتج أبو زرعة على قوله: ((كلا الحديثين صحيح)): برواية ابن أبي أويس، فإنه قال: عن
أبيه، عن العلاء بن عبد الرحمن، قال: حدثني أبي وأبو السائب؛ عن أبي هريرة، فظهر من
روايته أن العلاء أخذ هذا الحديث عن أبيه عبد الرحمن وأبي السائب كليهما .
[٢٩٥٣م] قوله: (أخبرنا عبد الرحمن بن سعد) هو: عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد بن
عثمان الدشتكي. (عن عباد) بفتح العين المهملة وتشديد الموحدة. (بن حبيش) بمهملة

٢٨٨
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله ◌َِِّ / باب ((ومن سُورةٍ فَاتِحَةِ الكِتاب)»
عَن عَدِيِّ بْنِ حَاتِم، قَالَ: أتَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهَ وَهُوَ جَالِسٌ فِي المَسْجِدِ - فَقَالَ
القَوْمُ: هَذَا عَدِيُّ بْنُ حَاتِم، وَجِئْتُ بِغَيْرِ أمَانٍ، وَلا كِتَابٍ، فَلَمَّا دُفِعْتُ إِلَيْهِ أَخَذَ
بِيَدِي، وَقَدْ كَانَ قَالَ قَبْلَ ذَلِكَ: ((إِنِّي لأَرْجُو أنْ يَجْعَلَ اللهَ يَدَهُ فِي يَدِي)) قَالَ: فَقَّامَ
بِي فَلَقِيَتْهُ امْرَأَةٌ وَصَبِيٍّ مَعَهَا، فَقَالَا: إنَّ لَنَا إِلَيْكَ حَاجَةً، فَقَامَ مَعَهُمَا حَتَّى قَضَى
حَاجَتَهُمَا، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي حَتَّى أتَى بِي دَارَهُ، فَأَلْقَتْ لَّهُ الوَلِيدَةُ وِسَادَةً فَجَلَسَ عَلَيْهَا ،
وَجَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَحَمِدَ الله وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ((مَا يُفرُّكَ أنْ تَقُولَ: لا إلهَ
إلَّا اللهُ، فَهَلْ تَعْلَمُ مِن إلهٍ سِوَى الله))؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا، قَالَ: ثُمَّ تَكَلّمَ سَاعَةً، ثُمَّ
قَالَ: ((إِنَّمَا تَفِرُّ أنْ تَقُولَ: الله أكْبَرُ، وَتَعْلَمُ أنَّ شَيْئًا أكْبَرُ مِنَ الله؟)) قَالَ: قُلْتُ: لَا،
قَالَ: ((فَإِنَّ الْيَهُودَ مَغْضُوبٌ عَلَيْهِم وَإِنَّ النَّصَارَى ضُلَالٌ)) قَالَ: قُلْتُ:
وموحدة ومعجمة مصغرًا الكوفي، مقبول من الثالثة. (عن عدي بن حاتم) بن عبد الله بن
سعد بن الحشرج، بفتح المهملة وسكون المعجمة آخره جيم، الطائي صحابي شهير، وكان
ممن ثبت على الإسلام في الردة، وحضر فتوح العراق وحروب عَلِيٍّ.
قوله: (فلما دفعت) بصيغة المجهول، أي: أُحضرت وَتَى القومُ بي. (إليه) أي: النبي
وَلد. (وقد كان قال) أي: النبي ◌َّهُ. (فألقت له الوليدة) أي: الجارية. (ما يفرك) بضم الياء
وكسر الفاء، يقال: أفررته أفره، أي: فعلت به ما يفر منه ويهرب، أي: ما يحملك على
الفِرَارِ، وكثير من المحدثين يقولون بفتح الياء وضم الفاء، والصحيح الأول؛ قاله الجزري
(إنما تفر) من الفِرَارِ، أي: تهرب (وتعلم) أي: هل تعلم (فإن اليهود مغضوب عليهم، وإن
النصارى ضُلَّالٌ) بضم الضاد، جمع ضالٌّ. وفيه أن المراد بقوله تعالى: ﴿اُلْمَغْضُوبِ
عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧]: اليهود ﴿وَلَا الضَّالِينَ﴾ النصارى. قال الحافظ في ((الفتح)): روى أحمد،
وابن حبان من حديث عدي بن حاتم؛ أن النبي ◌ََّ قال: ﴿اَلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ اليهود،
الضَّالِينَ﴾ [الفاتحة: ٧]: النصارى؛ هكذا أورده مختصرًا وهو عند الترمذي في حديث [طويل]
وأخرجه ابن مردويه بإسناد حسن عن أبي ذر، وأخرجه أحمد من طريق عبد الله بن شقيق؛ أنه
أخبره من سمع النبي ◌َّ نحوه، وقال ابن أبي حاتم: لا أعلم بين المفسِّرين في ذلك
اختلافًا. قال السهيلي: وشاهد ذلك قوله تعالى في اليهود: ﴿فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ [البقرة:
٩٠]، وفي النصارى: ﴿قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُواْ كَثِيرًا﴾ [المائدة: ٧٧].

٢٨٩
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَ / باب ((ومن سُورةٍ فَاتِحَةِ الكِتاب»
فَإِنِّي جِئْتُ مُسْلِمًا، قَالَ: فَرَأيْتُ وَجْهَهُ تَبَسَّطَ فَرَحًا، قَالَ: ثُمَّ أمَرَ بِي فَأُنْزِلْتُ عِنْدَ
رَجُلٍ مِنَ الأنْصَارِ، جَعَلْتُ أغْشَاهُ آتِيْهِ طَرَفَي النَّهَارِ، قَالَ: فَبَيْنَا أنَا عِنْدَهُ عَشِيَّةً إِذْ
جَاءهُ قَوْمٌ فِي ثِيَابٍ مِنَ الصُّوفِ مِن هَذِهِ النِّمَارِ، قَالَ: فَصَلَّى وَقَامَ، فَحَثَّ عَلَيْهِم،
ثُمَّ قَالَ: ((وَلَوْ صَاعٌ وَلَوْ بِنِصْفِ صَاعٍ، وَلَوْ بِقَبْضَةٍ وَلَوْ بِبَعْضٍ قَبْضَةٍ، يَقِي أحَدُكُمْ
وَجْهَهُ حَرَّ جَهَنَّمَ أوِ النَّارِ، وَلَوْ بِتَمْرَةٍ وَلَوْ بِشِقٌ تَمْرَةٍ؛ فإنَّ أحَدَكُمْ لاقِيَ الله وَقائِلٌ لَهُ
مَا أقُولُ لَكُمْ: أَلَمْ أَجْعَلْ لَكَ سَمْعًا وَبَصَرًا؟ فَيَقُولُ: بَلَى، فَيَقُولُ: أَلَمْ أَجْعَلْ لَكَ
مَالًا وَوَلَدًا؟ فَيَقُولُ: بَلَى، فَيَقُولُ: أَيْنَ مَا قَدَّمْتَ لِنَفْسِكَ؟ فَيَنْظُرُ قُدَّامَهُ وَبَعْدَهُ وَعَنْ
يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ، ثُمَّ لا يَجِدُ شَيئًا يَقِي بِهِ وَجْهَهُ حَرَّ جَهَنَّمَ، لِيَقِ أحَدُكُمْ وَجْهَهُ
النَّارَ، وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ، فَإِنِّي لا أخَافُ عَلَيْكُمُ الفَاقَةَ،
فَإِنَّ اللهَ نَاصِرُكُمْ وَمُعْطِيكُمْ، حَتَّى تَسِيرَ الظعِينَةُ فِيمَا بَيْنَ يَثْرِبَ وَالحِيْرَةِ أوْ أكْثَر مَا
(فإني جئت مسلمًا) أي: مائل عن كُلِّ الأديان إلى الإسلام. (تبسط) بصيغة الماضي
المعلوم من التبسُّط، أي: انبسط (فرحًا) بفتح الفاء والراء، أي: سُرُورًا منصوبٌ على
التمييز. (فأنزلت) بصيغة المجهول من الإنزال. (جعلت أغشاه) أي: آتي النبي ◌َّلتر، من
غَشِيَهُ يَغْشَاهُ إذا جاءَّهُ. (عنده) أي: عند النبي ◌ِّهِ. (من هذه النِّمار) بكسر النون، جمع نَمرةٍ
بالفتح، وهي كُلُّ شملةٍ مُخَطَّطَةٍ من مآزر الأعراب، كأنها أخذت من لون النمر؛ لما فيها من
السَّواد والبياض، وهي من الصِّفات الغالبة، أي: جاءه قومٌ لَابِسِي أُزُرٍ مخططةٍ من صوف.
(فحث عليهم) أي: فَحَثَّ الناس على أن يَتَصَدَّقُوا عليهم بما تَسَّرَ لهم (ولو صاع) أي: ولو
تيسر لهم صَاعٌ (ولو بنصف صاع) أي: ولو كان تَصَدُّقُهُمْ بنصف صاعٍ. (ولو بقبضةٍ) القبضة
من الشَّيء ملء الكف منه، وهي بضم القاف، وربما بفتح. (وقائلٌ له) أي: وهو قائل له:
وضمير ((قائل لله)): وضمير ((له)): لأحدكم. والجملة حالية (ما أقول لكم) هو مفعول لقوله:
((قائلٌ)) (ألم أجعل لك) بدل من قوله: ((ما أقول لكم)) (وبعده) أي: خلفه (حتى تسير الظعينة)
بفتح الظاء المعجمة وكسر العين المهملة، المرأة في الهَوْدَجِ، وهو في الأصل اسم للهودج
(يثرب) أي: المدينة المنورة (والحيرة) بكسر المهملة وسكون التحتانية وفتح الراء، كانت بلد
ملوك العرب الذين تحت حكم آل فارس، وكان ملكهم يومئذ إياس بن قبيصة الطائي وليها
من تحت ید کسری بعد قتل النعمان بن المنذر (أکثر ما

٢٩٠
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله ◌َليو / باب
يَخَافُ عَلَى مَطِيَّتَهَا السَّرَق))، قَالَ: فَجَعَلْتُ أَقُولُ فِي نَفْسِي: فَأَيْنَ لُصُوصُ طَيِّيٍ.
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِن حَدِيثٍ سِماكِ بْنِ
حَرْبٍ، وَرَوَى شُعْبَةُ، عَن سِماكِ بْنِ حَرْبٍ، عَن عَبَّادِ بْنِ حُبَيْشٍ، عَن عَدِيِّ بْنِ
حَاتِمِ، عَن النبيِّ وَّهِ الحَدِيثَ بِطُولِه.
٢- باب [ت ٢، م ٢]
[٢٩٥٤] (٢٩٥٤) حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، وَبُندَارُ، قالا: حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ
جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَن سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَن عَبَّادِ بْنِ حُبَيْشٍ، عَن عَدِيِّ بْنِ
حَاتِمٍ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّّ قَالَ: ((اليَهُودُ مَغْضُوبٌ عَلَيْهِم، والنَّصَارَى ضُلَّالٌ)). فَذَكَرَ
الحَدِيثَ بِطُولِه. [حم: ١٨٨٩١].
يخاف على مطيتها السرق) كذا في ((النسخة الأحمدية))؛ وقد سقط عنها لفظة ((أو)): قبل
((أكثر))، تدل على ذلك رواية أحمد (١)، ففيها: ((حَتَّى تَسِيرَ الّعِينَةُ بَيْنَ الْحِيرَةِ وَيَغْرِب، أَوْ
أَكْثَرَ، مَا تَخَافُ السَّرَقَ عَلَى ظَعِينَتِهَا)): وكلمة ((ما)): في قوله: ((ما يخاف)): نافية،
و((يخاف)): على بناء المجهول، والسرق بالرفع على أنه نائب الفاعل، وهو بفتحتين بمعنى:
السرقة .
والمعنى: حتى تسير الظعينة فيما بين يثرب والحيرة، أو في أكثر من ذلك لا يخاف على
راحلتها السرق. (فأين لصوص طيء) اللَّصُوصُ جمع: لصٍّ بكسر اللام، ويفتح ويضم، وهو
السَّارِقُ، والمراد قطاع الطريق و((طيء)): قبيلة مشهورة منها عدي بن حاتم المذكور،
وبلادهم ما بين العراق والحجاز، وكانوا يَقْطَعُونَ الطريق على من مَرَّ عليهم بغير جوارٍ؛
ولذلك تَعَجَّبَ عديٌّ، كيف تَمُرُّ المرأة عليهم، وهي غير خائفة!
قوله: (هذا حديث حسن غريب). وأخرج نحوه أحمد في ((مسنده)). قال الحافظ ابن
كثير في ((تفسيره)): وقد روي حديث عدي هذا من طرق، وله ألفاظٌ كثيرةٌ يطول ذِكْرُها .

٢٩١
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله وَّهِ / باب ((ومن سُورةِ البَقَرَة)»
٣- باب ((ومن سُورةِ البَقَرَة)) [ت ٣، ٢ ١]
[٢٩٥٥] (٢٩٥٥) حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، وَابنُ
أبي عَدِيٍّ، وَمُحمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، وَعَبْدُ الوَهَّابِ، قَالُوا: حَدَّثَنَا عَوْفُ بنُ أبي جَمِيلَةَ عَن
قَسَامَةَ بْنِ زُهَيْرٍ، عَن أبي مُوسَى الأشْعَرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَله: ((إنَّ الله تعالى
خَلَقَ آدَمَ مِن قَبْضَةٍ قَبَضَهَا مِن جَمِيعِ الأرْض، فَجَاءَ بَنُو آدَمَ عَلَى قَدْرِ الأرْضِ، فَجَاءَ
مِنْهُمُ الأحْمَرُ، وَالأبْيَضُ، وَالأسْوَدُ، وَبَيْنَ ذَلِكَ، وَالسَّهْلُ، وَالحَزْنُ، وَالخَبِيثُ،
وَالطَّيِّبُ)). [د: ٤٦٩٣، حم: ١٩٠٨٥].
قَالَ أبُو عِيْسَی: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
٣ - باب وَمِنْ سُورَةِ الْبِقَرَةِ
هي مدنية بلا خلاف، وهي مئتان وست أو سبع وثمانون آية.
[٢٩٥٥] قوله: (حدثنا يحيى بن سعيد) هو القطان. (وابن أبي عدي) اسمه محمد بن
إبراهيم. (ومحمد بن جعفر) المعروف بغُندر. (وعبد الوهاب) هو الثقفي. (عن قسامة بن
زهير) بفتح القاف وخفة السين المهملة المازني البصري، ثقة، من الثالثة.
قوله: (إن الله خلق آدم من قبضة) بالضم: ملءُ الكفّ، وربما جاء بفتح القاف، و((من)):
ابتدائيةٌ متعلقةٌ بـ((خلق)): أو بيانية حال من ((آدم)) (قبضها) أي: أمر الملك بقبضها (من جميع
الأرض) يعني: وجهها (فجاء بنو آدم على قدر الأرض) أي مبلغها من الألوان والطباع (فجاء
منهم الأحمر والأبيض والأسود). بحسب تُرَابِهِم، وهذه الثلاثة هي أصول الألوان، وما
عداها مركب منها، وهو المراد بقوله: (وبين ذلك) أي: بين الأحمر والأبيض والأسود،
باعتبار أجزاء أرضه (والسهل) أي: ومنهم السهل، أي: اللين (والحزن) بفتح الحاء وسكون
الزاي، أي: الغليظ (والخبيث) أي: خبيث الخِصَالِ (والطيب) على طَبْع أرضهم، وكلُّ ذلك
بتقدير الله تعالى لونًا وطبعًا وخلقًا.
قال الطيبيّ: لما كانت الأوصافُ الأربعة ظاهرةً في الإنسان والأرض؛ أجريت على
حقيقتها، وأولت الأربعة الأخيرة؛ لأنها من الأخلاق الباطنة، فإن المعنى بـ((السهل)): الرفق
واللين. وبـ((الحزن)): الخرق والعنف، وبـ((الطيب)): الذي يعني به الأرض العذبة المؤمن
الذي هو نَفْعٌ كلَّه، وبـ((الخبيث)»: الذي يراد به الأرض السبخة: الكافر الذي هو ضُرُّ كلُّه.

٢٩٢
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله وَزِ / باب ((ومن سُورةِ البَقَرَة)»
[٢٩٥٦] (٢٩٥٦) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَن مَعْمَرٍ، عَن
هَمَّامٍ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أَدْخُلُواْ
الْبَابَ سُجَّدًا﴾ [البقرة: ٥٨] قَالَ: ((دَخَلُوا مُتَزَحِّفِينَ عَلَى أوْرَاكِهِمْ))؛ وَبِهذَا الإِسْنَادِ عَنِ
النَّبِيِّ وَّهِ ﴿فَبَذَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوْ قَوْلًا غَيْرَ أَلَّذِى قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: ٥٩] قَالَ: ((قَالُوا:
حَبَّةٌ فِي شَعيرةٍ)). [خ: ٣٤٠٣، م: ٣٠١٥].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح). وأخرجه أحمد، وأبو داود، والحاكم، والبيهقي.
[٢٩٥٦] قوله: (﴿اَدْخُلُواْ الْبَابَ﴾ [البقرة: ٥٨])، أراد به باب القرية التي ذكرها الله تعالى في
قوله: ﴿وَإِذْ قُلْنَا أَدْخُلُواْ هَذِهِ الْقَرَبَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُبَّدًا﴾ [البقرة: ٥٨]
أي: ساجدين لله تعالى، شكرًا على إخراجهم من التيه، وقال ابن عباسٍ: مُنْحَنِينَ رُكُوعًا،
وقيل: خشوعًا وخضوعًا (قال: دخلوا متزحفين على أوراكهم) أي: متمشين، والأوراك جمع
ورك. قال في ((القاموس)): الورك بالفتح والكسر وككتف ما فوق الفَخِذِ، وفي رواية
البخاري: ((فَدَخَلُوا يَزْحَقُونَ على أستاههم)). (أي منحرفين) هذا تفسير من بعض الرواة، أي:
منحرفين ومائلين عما أمروا به من الدخول سُجَّدًا. ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِى قِلَ
لَهُمْ﴾ [البقرة: ٥٩]. التقدير: فبدل الذين ظلموا بالذي قيل لهم قولًا غير الذي قيل لهم،
ويحتمل أن يكون ضمن ((بدل)): معنى، قال: يعني قيل لهم: قولوا: حطة، أي: مسألتنا أن
تُحَطّ عنا خطايانا، فبدلوه قائلين: حبة في شعيرة، وهو كلامٌ مهملٌ، وغرضهم به مخالفة ما
أمروا به.
(قال: قالوا: حبة في شعيرة) وفي بعض النسخ ((شَعَرَةٍ))، بفتحتين مكان («شعيرةٍ)):
والحاصل: أنهم خالفوا ما أُمروا به من الفعل والقول، فإنهم أمروا بالسجود عند انتهائهم
شكرًا لله تعالى، وبقولهم: حطة، فبدلوا السُّجُودَ بالزحف، وقالوا: حبة في شعيرة بدل
((حطة))، وهذا في غاية ما يكون من المخالفة والمعاندة.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح). وأخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي.

٢٩٣
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَه
[ت ٣، م ٣]
[٢٩٥٧] (٢٩٥٧) حَدَّثَنَا مَحمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا وَكِيعُ، حَدَّثَنَا أَشْعَثُ
السَّمَّانُ، عَنِ عَاصِم بْنِ عُبَيْدِ الله، عَن عَبْدِ الله بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَن أبِيه، قَالَ:
كُنَّا مَعَ النبيِّ وَّه فِي سَفَر فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ، فَلَمْ نَدْرِ أَيْنَ القِبْلَةُ، فَصَلَّى كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا
عَلَى حِيَالِهِ، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا، ذَكَرْنَا ذَلِك للنبيِّ وَِِّّ، فَنَزَلَتْ ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُواْ فَمَّ وَسْهُ اللَّهِ﴾.
[البقرة: ١١٥]. [جه: ١٠٢٠].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ، لَا نَعْرِفُه إلَّا مِن حَدِيثٍ أَشْعَثَ
السَّمَّانِ - أبي الرَّبِيعِ عَن عَاصِم بْنِ عُبَيْدِ الله - وَأَشْعَثُ يُضَعَّفُ فِي الحَدِيثِ.
[ت ٣، م ٤]
[٢٩٥٨] (٢٩٥٨) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أُخْبَرَنَا
عَبْدُ المَلِكِ بْنُ أبي سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يُحَدِّثُ، عَن ابنِ عُمَرَ،
قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ تَطَوُّعًا أينما تَوَجَّهَتْ بِهِ، وَهوَ جَاءٍ مِن مَكَّةً
إِلَى المَدِينَةِ، ثُمَّ قَرأ ابنُ عُمَرَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْغَرِبُّ﴾ [البقرة: ١١٥] الآيَةَ،
فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: ففي هَذه، أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. [م: ٧٠٠].
[٢٩٥٧] قوله: (قال كنا مع النبي( 8* في سفر ... إلخ). تقدم هذا الحديث بإسناده
ومتنه في باب الرجل يُصَلِّ لغير القبلة في الغيم، وتقدم شرحه هناك.
[٢٩٥٨] قوله: (كان النبي ◌َّل﴿ يصلي على راحلته تطوعًا أينما توجهت به) فيه دليلٌ على
جَوَازِ التطوُّع على الراحلة للمسافر قبل جهة مَقْصِدِهِ، لكن لا بد من الاستقبالِ حال تكبيرة
الإحرام، ثم لا يضرُّه الخروج بعد ذلك عن سَمْتِ القبلة، وهو إجماعٌ كما قال النووي،
والحافظ، والعراقي، وغيرهم، وقد تقدم الكلام في هذه المسألة في باب الصَّلاةِ على الدَّابَّةِ
حيث ما تَوَجَّهَتْ به. (وقال ابن عمر: ففي هذا أنزلت هذه الآية) ذهب إلى هذا بعض أهل
العلم، وقالوا: إن الآية نزلت في المسافر يُصَلِّي النوافل، حيث تَتَوَجَّهُ به راحلته، فمعنی
الآية: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]، أي: فقد صادفتم المطلوب؛ إن الله واسع
الفضل غني، فمن سعة فضله وغناه رَخَّصَ لكم في ذلك؛ لأنه لو كَلَّفَكُم استقبال القبلة في

٢٩٤
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَّى
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
مثل هذه الحال لزم أحد الضَّرَرَيْنِ: إما ترك النوافل، وإما النزول عن الراحلة، والتخلف عن
الرفقة بخلاف الفرائض؛ فإنها صلوات معدودة محصورةٌ، فتكليف النزول عن الراحلة عند
أدائها واستقبال القبلة فيها لا يُفْضِي إلى الحَرَجِ، بخلاف النوافل؛ فإنها غير مَحْصُورَةٍ،
فتكليف الاستقبال يُفْضِي إلى الحرج.
وقال بعض أهل العلم: إن هذه الآية نزلت في قوم عُميت عليهم القبلة فلم يعرفوا
شطرها، فَصَلُّوا على أنحاء مختلفة، فقال الله تعالى: ﴿رَبِّ الْشَرِقِ وَالْغَزَبِ﴾ [المعارج: ٤٠]. فأين
وليتم وجوهكم، فهنالك وجهي وهو قِبْلَتُكُمْ، فيعلمكم بذلك أن صلاتكم ماضية. وقد
استدلوا على ذلك بحديث عامر بن ربيعة المذكور، وهو حديثٌ ضعيفٌ، لكن قال الشوكاني
في ((النيل)): وهذا الحديث، وإن كان فيه مَقَالُ عند المحدثين، ولكن له شواهد تقویه،
فذكرها، وقال بعد ذكرها: وهذه الأحاديث يُقوِّي بعضها بعضًا، فتصلح للاحتجاج بها.
انتهى. وقال الحافظ ابن كثيرٍ في ((تفسيره)): وهذه الأسانيد فيها ضَعفٌ، ولعله يَشُدُّ بعضها
بعضًا. انتهى.
وقال آخرون: بل أنزل هذه الآية قبل أن يفرض التوجُّه إلى الكعبة، وإنما أنزلها؛ ليعلم
نبيه وَ* وأصحابه أَنَّ لهم التوجه بوجوههم للصَّلاة حيث شاؤوا من نواحي المشرق
والمغرب؛ لأنهم لا يُوَجِّهُونَ وُجُوهَهُمْ وجهًا من ذلك وناحيةً، إلا كان جل ثناؤه في ذلك
الوجه، وتلك الناحية؛ لأن له تعالى المشارق والمغارب، وأنه لا يخلو منه مكانٌ؛ كما قال
تعالى: ﴿وَلَّ أَدْنَ مِنْ ذَلِكَ وَلَّ أَكْثَرَ إِلَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُواْ﴾ [المجادلة: ٧]. قالوا: ثم نسخ ذلك
بالفرض الذي فرض التوجُّه إلى المسجد الحرام؛ قاله ابن جرير.
قال ابن كثير: وفي قوله: وأنه تعالى لا يخلو منه مكان، إن أراد علمه تعالى؛ فصحيح،
فإن عِلمَهُ تعالى محيط بجميع المعلومات، وأما ذاته تعالى فلا تكون محصورةً في شيءٍ من
خَلْقِهِ، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا. انتهى. وقد قال بهذا القول قتادة رحمه الله، كما ذكره
الترمذي بقوله: ويروى عن قتادة؛ أنه قال .. . إلخ. وفي سبب نزول هذه الآية أقوالٌ
أخرى، ذكرها الرازي في ((تفسیرہ)).
قوله: (هذا حديث حسن صحيح). وأخرجه الشيخان، وغيرهما.

٢٩٥
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَه
وَيُرْوَى عَن قَتَادَةَ أنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الآية: ﴿وَلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْغْرِبُّ فَأَيْنَمَا تُوُلُّواْ فَمَّ وَجْهُ
اُللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]، قَالَ قتادة: هِيَ مَنْسُوخَةٌ، نسخها قولُهُ: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ
اُلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤]، أي: تِلْقَاءُهُ.
[ت ٣، م ٥]
حَدَّثَنَا بذلك مُحمَّدُ بْنُ عَبْدِ المَلكِ بْنِ أبي الشَّوَارِبِ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع، عَن
سَعِيدٍ، عَن قَتَادَةَ، وَيُرْوَى عَن مُجَاهِدٍ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْدُ اللَّهِ﴾
[البقرة: ١١٥]، قَالَ: فَثُمَّ قِبْلَةُ الله.
حَدَّثَنَا بِذَلِكَ أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا وكيعٌ، عَن النَّصْرِ بْنِ عَرَبِيٍّ، عَن مُجَاهِدٍ بِهَذَا .
[ت ٣، م ٦]
[٢٩٥٩] (٢٩٥٩) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا الحَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا
حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنِ حُمَيْدٍ، عَن أَنَسٍ؛ أنَّ عُمَرَ قَالَ: يا رَسُولُ الله، لَوْ صَلَّيْنَا خَلْفَ
المَقَامِ فَنَزَلَتْ ﴿وَأَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَهِمَ مُصَلَى﴾ [البقرة: ١٢٥]. [خ: ٤٠٢، م: ٢٣٩٩،
جه: ١٠٠٩، حم: ١٥٨، مي: ١٨٤٩].
قوله: (حدثنا يزيد بن زريع) بتقديم الزاي مصغرًا، البصري أبو معاوية، ثقةٌ، ثبت، من
الثامنة. (عن سعيد) هو ابن أبي عروبة.
قوله: (ويروى عن مجاهد في هذه الآية: ﴿فَأَتْنَمَا تُوَلُّواْ فَتَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٥]. قال:
فَثَم قبلة الله) قال الحافظ ابن كثير في تفسيره)): قال مجاهد: فأينما تولوا فَثَمَّ وجه الله حيثما
كنتم، فلكم قبلةٌ تستقبلونها الكعبة. انتهى. والظاهر أن قول مجاهد هذا بيانٌ لقوله الذي ذكره
الترمذي.
(عن النضر بن عربي) الباهلي مولاهم أبي روحٍ، ويقال: أبو عمر الحراني، لا بأس به،
من السادسة.
[٢٩٥٩] قوله: (لو صلينا خلف المقام) أي: لكان حسنًا، أو (لو)): للتمني، والمراد من
الصلاة خلف المقام صلاة الركعتين بعد الطّاف، (فنزلت: ﴿وَّخِذُواْ مِن ◌َّقَامِ إِبْرَهِعَ مُصَلٌّ﴾
[البقرة: ١٢٥]). المراد بالمقام هو الحجر الذي كان إبراهيم - عليه السلام - يقوم عليه لبناء

٢٩٦
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَه
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
[ت ٣، م ٧]
[٢٩٦٠] (٢٩٦٠) حَدَّثَنَا أحْمَدُ بْنُ مَنِيْع، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أخْبَرَنَا حُمَيْدُ الطَّويلُ، عَن
أنَسٍ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ رَظُه: قُلْتُ لَرَسُولِ اللهِ وَّهِ: لَوَ اتَّخَذْت مِن مَقَام
إبْرَاهِيمَ مُصَلَّى، فَتَزَلَتْ ﴿وَأَتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَهِمَ مُصَلَى﴾ [البقرة: ١٢٥]. [ر: ٢٩٥٩].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وفي البابِ: عَنِ ابنِ عُمَرَ.
[ت ٣، م ٨]
[٢٩٦١] (٢٩٦١) حَدَّثَنَا أحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ،
عَن أبِي صَالحٍ، عَن أبي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ وََّ في قَوْلِهِ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً
وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]
الكعبة؛ لما ارتفع الجدار أتاه إسماعيل - عليه السلام - به؛ ليقوم فوقه، ويناوله الحجارة،
فيضعها بيده لرفع الجدار.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح). وأخرجه الشيخان مطولًا .
[٢٩٦٠] قوله: (حدثنا هشيم) بالتصغير ابن بشير، بوزن عظيم، ابن القاسم بن دينارٍ السلمي.
قوله: (وفي الباب عن ابن عمر). أخرجه أبو نعيم في ((الدلائل))(١): عنه: أخذ النبي وَل
بيد عُمَرَ، فَمَرَّ به على المقام، فقال له: ((هَذَا مَقَامُ إِبراهِيم)): قال: يا نبي الله! ألا تتخذه
مُصَلَّى؟ فنزلت.
[٢٩٦١] قوله: (حدثنا أبو معاوية) اسمه: محمد بن خازم. (عن أبي صالح) هو:
السمان، واسمه: ذكوان.
قوله: (﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطَّا﴾ [البقرة: ١٤٣]) الكاف في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ﴾ كاف
التشبيه، جاء لشبه به، وفيه وجوه:
(١) أبو نعيم في ((الحلية)) (١٤٥/٤).

٢٩٧
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ
قَالَ: ((عَدْلًا)). [خ: ٣٣٣٩، جه: ٤٢٨٤، حم: ١٠٦٨٤].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، أَخْبَرَنَا الأعمَشُ، عَن أبي صَالحٍ،
عَن أبي سَعيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلّه:
أحدها: أنه معطوف على ما تقدم من قوله في حَقِّ إبراهيم: ﴿وَلَقَدِ أَصْطَفَيْنَهُ فِ الدُّنْيَّاً﴾
[البقرة: ١٣٠]. ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]. الثاني: أنه معطوفٌ على قوله:
﴿يَهْدِى مَن يَشَُّ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ١٤٢]، وكذلك هديناكم وجعلناكم أمةً وسطًا.
الثالث: قيل معناه: كما جعلنا قبلتكم وسطًا بين المشرق والمغرب كذلك جعلناكم أمةً
وسطًا، يعني: عُدولًا خِيارًا (قال: عدلًا) أي: قال النبي ◌ِّله في تفسير قوله تعالى:
﴿وَسَطَّا﴾: عَدْلًا. وروى البخاري(١) في (صحيحه)): هذا الحديث مطولًا، وكذا الترمذي بعد
هذا، وفي آخر حديثهما، والوَسَطُ: العَدْلُ.
قال الحافظ في ((الفتح)): هو مرفوع من نفس الخبر، وليس بمدرج من قول بعض
الرواة، كما وهم فيه بعضهم، وسيأتي في الاعتصام بلفظ: ((﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطَّا﴾
[البقرة: ١٤٣]. عدلًا)). وأخرج الإسماعيلي من طريق حفص بن غياث، عن الأعمش بهذا
السند في قوله: ﴿وَسَطًّا﴾ قال: ((عدلًا))؛ كذا أورده مختصرًا مرفوعًا، وأخرجه الطبرانيُّ من
هذا الوجه مختصرًا مرفوعًا، ومن طريق وكيعٍ، عن الأعمش بلفظ: ((وَالوَسَطُ: الْعَدْلُ)):
مختصرًا مرفوعًا، ومن طريق أبي معاوية، عن الأعمش مثله، قال الطبري: الوسط في كلام
العرب: الخيار، يقولون: فلانٌ وسط في قومه، وواسط، إذا أرادوا الرفع في حَسَبِهِ، قال:
والذي أرى أن معنى الوسط في الآية الجزء الذي بين الطَّرَفَيْنِ، والمعنى: أنهم وسط
لتوسطهم في الدِّين، فلم يغلوا كُغلَّوِّ النصارى، ولم يُقَصِّرُوا كتقصير اليهود، ولكنهم أهلُ
وَسَطِ وَاعْتِدَالٍ .
قال الحافظ: لا يلزم من كون الوسط في الآية صالحًا لمعنى التوسُّط ألا يكون أُريد به
معناه الآخر، كما نَصَّ عليه الحديث، فلا مغايرة بين الحديث وبين ما دَلَّ عليه معنى الآية.
انتھی.
(١) البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، حديث (٣٣٣٩).

٢٩٨
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهَِهـ
((يُدْعَى نُوحٌ، فَيُقَالُ: هَلْ بَلَّغْتَ؟ فَيَقُولُ: نَعَم، فَيُدْعَى قَوْمُهُ، فَيُقَالُ: هَلْ بَلَّغَكُمْ؟
فَيَقُولُونَ: مَا أَتَانَا مِن نَذِيرِ، وَمَا أتَانَا مِن أحَدٍ، فيقول: مَن شُهُودُكَ؟ فيقولُ: محمَّدٌ
وَأُمَّتُهُ، قَالَ: فَيُؤْتَى بِكُمْ تَشْهَدُونَ أنَّهُ قَدْ بَلَّغَ؛ فَذَلِكَ قَوْلُ الله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً
قوله: (يدعى نوح). وفي روايةٍ: ((يُجَاءُ بِنُوحِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)): (فيقال) أي: لنوح. (فيقول:
نعم) وهذا لا ينافي قوله تعالى: ﴿﴿ يَوْمَ يَجْمَعُ اَللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُواْ لَا عِلْمَ لَنَّّ إِنَّكَ
أَنْتَ عَلَّمُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة: ١٠٩]؛ لأن الإجابة غير التبليغ، وهي تحتاج إلى تفصيلٍ لا يحيط
بكنهه إلا علمه سبحانه، بخلاف نفس التبليغ؛ لأنه من العلوم الضَّرورية البديهية. (ما أتانا
من نذير) أي: منذر لا هو ولا غيره، مبالغة في الإنكار؛ توهمًا أنه ينفعهم الكذب في ذلك
اليوم عن الخَلَاصِ من النار، ونظيره قول جماعة من الكفار: ﴿وَلَّهِ رَيِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾
[الأنعام: ٢٣] (وما أتانا من أحد) أي: غير النذير للتبليغ (فيقال) أي: لنوح (مَنْ شهودك؟)
وإنما طلب الله من نوح شهداءَ على تبليغه الرسالة أمته، وهو أعلم به؛ إقامةً للحجة، وإنافةً
لمنزلة أكابر هذه الأمة. (فيقول: محمد وأمته) والمعنى: أن أمته شهداء، وهو مُزَكٍّ لهم،
وقدم في الذكر للتعظيم، ولا يبعد أنه وَلّ يشهد لنوح - عليه الصلاة والسلام - أيضًا؛ لأنه
محلُّ النصرة، وقد قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَقَ النَّبِّئِنَ﴾ [آل عمران: ٨١] إلى قوله: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ
ج
بِهِ، وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: ٨١] (فيؤتى بكم تشهدون)
قال الحافظ: وقد رَوَى هذا الحديث أبو معاوية، عن الأعمش بهذا الإسناد أتم من
سياق غيره وأشمل، ولفظه: ((يَجِيءُ النَّبِيُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَعَهُ الرَّجُلُ، وَيَجِيءُ النَّبِيُّ وَمَعَهُ
الرَّجُلَانِ، وَيَجِيءُ النَّبِيُّ وَمَعَهُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: فَيُقَالُ لَهُمْ: أَبلَّغَكُمْ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: لا ،
فَيُقَالُ لِلنَّبِيِّ: أَبلَّغْتَهُمْ؟ فَيَقُولُ: (نَعَمْ)): فَيُقَالُ لَهُ: مَنْ يَشْهَدُ لَكَ ... )): الحديث أخرجه
أحمد عنه، والنسائي، وابن ماجه.
(أنه قد بلغ). قال الحافظ: زاد أبو معاوية، فيقال: ((وَمَا عِلمُكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: أَخْبِرَنَا نَبِيِّنَا أَنَّ
الرُّسُلَ قَدْ بلَّغُوا، فَصَدَّقْنَاهُ)). ويؤخذ من حديث أبي بن كعب تعميم ذلك.
فأخرج ابن أبي حاتم بسند جيد عن أبي العالية عن أبي بن كعب في هذه الآية قال:
﴿لَكُونُواْ شُهَدَآءَ﴾ [البقرة: ١٤٣]، وكانوا شهداء على الناس يوم القيامة، كانوا شهداء على قوم
نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم شعيب، وغيرهم؛ أن رسلهم بَلَّغَتْهُمْ، وأنهم كذَّبُوا
رسلهم. قال أبو العالية: وهي قراءة أُبي: ﴿لِنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] يوم

٢٩٩
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّ
وَسَطَّا لِّنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾)) وَالوَسطُ: العَدْلُ.
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
حَدَّثَنَا محمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، عنِ الأعْمشِ: نحْوَهُ.
[ت ٣، م ٩]
[٢٩٦٢] (٢٩٦٢) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَن إِسْرَائِيلَ، عَن أبي إسْحَاقَ،
عَن البَرَاءِ بْنِ عازبٍ، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ وَيهِ المَدِينَةَ، صَلَّى نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ
سِتَّةَ أوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ وَّه يُحِبُّ أن يُوَجَّهَ إلَى الكَعْبَةِ، فَأَنْزَلَ الله
عزَّ وجلَّ: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِ السَّمَاءِ فَنُوَلِيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ
اُلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤] فَوُجِّهَ نَحْوَ الكَعْبَةِ، وَكَانَ يُحِبُّ ذَلِكَ، فَصَلَّى رَجُلٌ مَعَهُ
العَصْرَ، قَالَ: ثُمَّ مَرَّ عَلَى قَوْمٍ مِنَ الأنْصَارِ وَهُمْ رُكُوعٌ في صَلَاةِ العَصْرِ نَحْوَ بَيْتِ
القيامة. ومن حديث جابرٍ عن النبي ◌َّهِ: ((مَا مِنْ رَجُلٍ مِنَ الْأُمَمْ إِلَّ وَدَّ أَنَّهُ مِنَّا أَيَّتَهَا الْأُمَّةُ،
مَا مِنْ نَبِيِّ كَذَّبُهُ قَوْمُهُ إِلَّ وَنَحْنُ شُهَدَاؤُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْ قَدْ بلَّغَ رِسَالَةَ الله وَنَصَحَ لَّهُمْ)).
(﴿لِّنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣])، أي: على مَنْ قبلكم من الكُفَّارِ أن رسلهم
بلغتهم. (﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة: ١٤٣])، أي: رسولكم، واللام للعوض، أو اللام للعهد،
والمراد به محمد بَّهِ. (﴿عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾: [البقرة: ١٤٣])، أنه بلغكم (والوسط العدل) هو
مرفوع من نفس الخبر، وليس بمدرجٍ من قول بعض الرواة كما تقدم.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد، والبخاري، والنسائي، وغيرهم.
[٢٩٦٢] قوله: (ستة أو سبعة عشر شهرًا)؛ كذا وقع في هذه الرواية بالشَّكِّ، ووقع في
بعض الروايات: ((ستة عشر)): بغير شَكّ، ووقع في بعضها: ((سبعة عشر)): بغير شَكِّ. قال
الحافظ: والجمع بين الروايتين سهل بأن يكون من جزم بستة عشر لفق من شهر القدوم وشهر
التحويل شهرًا، وألغى الزائد، ومن جزم بسبعة عشر عَدَّهُمَا معًا. ومَن شَكَّ تردد في ذلك.
وذلك أن القدوم کان في شهر ربيع الأول بلا خلاف، وکان التحويل في نصف شهر رجب
من السنة الثانية على الصحيح؛ وبه جزم الجمهور.
(وكان رَسُولُ اللهِ وَ لِّ يحب أن يوجه إلى الكعبة) جاء بيان ذلك فيما أخرجه الطبري
وغيره، من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: (لَمَّا هَاجَرَ النَّبِيُّ ◌َّهِ إِلَى المَدِينَةِ،

٣٠٠
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَه
المَقْدِسِ، فَقَالَ: هُوَ يَشْهَدُ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللهِ وَلّهِ، وَأَنَّهُ قَدْ وُجِّهَ إِلَى الكَعْبَةِ،
قَالَ: ((فَانْحَرَفُوا وَهُمْ رُكُوعٌ)). [خ: ٣٩٩، م: ٥٢٥، ن: ٤٨٨، جه: ١٠١٠، حم: ١٨٠٢٦].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ؛ وقد رواه سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَن
أبي إسْحَاقَ.
وَالْيَهُودُ أَكْثَرُ أَهْلِهَا يَسْتَقْبِلُونَ بَيْتَ المَقْدِسِ، أَمَرَهُ الله أَنْ يَسْتَقْبِلَ بَيْتَ المَقْدِسِ، فَفَرِحَتٍ
الْيَهُودُ، فَاسْتَقْبِلَهَا سَبْعَةَ عَشْرَ شَهْرًا، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ يُحِبُّ أَنْ يَسْتَقْبِلَ قِبْلَةَ إِبْرَاهِيمَ، فَكَانَ
يَدْعُو وَيَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ. فَنَزَلَتْ))(١). ومن طريق مجاهدٍ قال: إنما كان يحب أن يتحول إلى
الكعبة؛ لأن اليهود قالوا: يخالفنا محمد، ويتبع قبلتنا. فَنَزَلَتْ. وظاهر حديث ابن عباسٍ
هذا أن استقبال بيت المقدس إنما وقع بعد الهجرة إلى المدينة، لكن أخرج أحمد(٢) من وجهٍ
آخر عن ابن عباسٍ: «كَانَ النَّبِيُّ ◌َِّ يُصَلِّي بِمَكَّةَ نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ، وَالْكَعْبةُ بَيْنَ يَدَيْهِ)).
والجمع بينهما ممكنٌ بأن يكون أمر ◌ِّوَ لما هاجر أن يستمرَّ على الصَّلاةِ ببيت المقدس.
وأخرج الطبراني(٣) من طريق ابن جريج قال: ((صَلَّى النَّبِيُّ ◌َّهِ أَوَّلَ مَا صَلَّى إِلَى الْكَعْبةِ،
ثُمَّ صُرِفَ إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ وهُوَ بِمَكَّةَ، فَصِّلَّى ثَلَاثَ حِجَج، ثُمَّ هَاجَرَ فَصَلَّى إليه بعدَ قُدُومِهِ
إِلَى المَدِينَةِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ وَجَّهَهُ الله إِلَى الْكَعْبةِ)». فقوله في حديث ابن عباس الأول:
أمره الله؛ يردُّ قول من قال: إنه صَلَّى إلى بيت المقدس باجتهاد، وقد أخرجه الطبريُّ عن
عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وهو ضعيفٌ، وعن أبي العالية أنه وَّ صَلَّى إلى بيت المقدس
يتألَّف أهل الكتاب، وهذا لا ينفي أن يكون بتوقيف. وحديث البراء هذا قد تقدم بإسناده
ومتنه في باب ابتداء القبلة من أبواب الصلاة.
(وقد رواه سفيان الثوري عن أبي إسحاق) كما في رواية الشيخين.
(١) إسناده منقطع؛ علي بن أبي صلحة لم يسمع من ابن عباس.
(٢) أحمد، حديث (٢٩٩٣).
(٣) الطبراني في ((الكبير)) (١١٠٦٦) بنحوه.