Indexed OCR Text

Pages 381-400

٣٨١
كتاب الإيمان عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاءَ ((أُمِرْتُ أنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلهَ إِلَّ الله))
وَمَنْ قَالَ: لا إلَهَ إلَّا الله، عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إلَّا بِحَقِّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى الله؟)) قَالَ
أبُو بَكْرٍ: وَالله لأُقَاتِلَنَّ مَن فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، فإنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ المَالِ، وَالله لو
مَنْعُونِي عِقَالًا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إلَى رَسُولِ اللهِ وَّه
قال الحافظ: إن كان الضمير في ((بحقه)) للإسلام، فمهما ثبت أنه من حق الإسلام
تناوله، ولذلك اتفق الصحابة على قتال من جحد الزكاة. انتهى.
(ومن قال: لا إله إلا الله) يعني: كلمة التوحيد، وهي: لا إله إلا الله محمد رسول الله،
للإجماع على أنه لا يعتد في الإسلام بتلك وحدها، (عصم) بفتح الصاد، أي: حفظ ومنعٍ،
(إلا بحقه) قال الطيبي: أي: لا يحل لأحدٍ أن يتعرض لماله ونفسه بوجه من الوجوه، إلَّا
بحقه، أي: بحق هذا القول، أو بحق أحد المذكورين، (وحسابه على الله) قال الطيبي:
يعني: مَنْ قَالَ: لا إله إلا الله، وأظهر الإسلام نترك مقاتلته، ولا نفتش باطنه، هل هو
مخلص أم لا؟ فإن ذلك إلى الله تعالى وحسابُهُ عليه، (من فرق بين الصلاة والزكاة) يجوزُ
تشديد ((فرق)) وتخفيفه، والمراد بالفرق مَنْ أقر بالصلاة، وأنكر الزكاة جاحدًا أو مانعًا، مع
الاعتراف، وإنما أطلق في أول القصة الكفر، ليشمل الصنفين، فهو في حق من جحد
حقيقة، وفي حق الآخرين مجاز تغليبًا، وإنما قاتلهم الصديق، ولم يعذرهم بالجهل؛ لأنهم
نصبوا القتال، فجهز إليهم من دعاهم إلى الرجوع، فَلَمَّا أصروا قاتلهم.
قال المازري: ظاهر السياق أنَّ عمر كان موافقًا على قتال من جحد الصلاة، فألزمه
الصديق بمثله في الزكاة؛ لورودهما في الكتاب والسنة موردًا واحدًا.
(فإن الزكاة حق المال) يشير إلى دليل منع التفرقة التي ذكرها أن حق النفس الصلاة،
وحق المال الزكاة، فمن صلَّى عصم نفسه، ومن زَكَّى عصم ماله، فإن لم يصل قوتل على
ترك الصلاة، ومن لم يزك أخذت الزكاة من ماله قهرًا، وإن نصب الحرب لذلك قوتل، وهذا
يوضح أنه لو كان سمع في الحديث: ((ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة)) لما احتاج إلى هذا
الاستنباط، لكنه يحتمل أن يكون سمعه، واستظهر بهذا الدليل النظري. قاله الحافظ.
(والله لو منعوني عقالًا) قال في ((النهاية)): أراد بالعقال: الحبل الذي يُعْقَلُ به البعيرُ الذي
كان يؤخذ في الصدقة؛ لأن على صاحبها التسليم، وإنما يقع القبض بالرباط.
وقيل: أراد ما يساوي عقالًا من حقوق الصدقة، وقيل: إذا أخذ المصدق أعيان الإبل،
قيل: أخذ عقالًا، وإذا أخذ أثمانها، قيل: أخذ نقدًا، وقيل: أراد بالعقال صدقة العام،

٣٨٢
كتاب الإيمان عن رسول الله وَاهِ ر باب مَا جَاءَ «أُمِرْتُ أنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لا إلهَ إلَّا الله))
لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهِ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ: فَوَالله مَا هُوَ إلّا أنْ رأيْتُ أنَّ اللهِ قَدْ
شَرَحَ صَدْرَ أبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ، فَعَرَفْتُ أنَّهُ الحَقُّ. [خ: ١٤٠٠، م: ٢٠، ن: ٢٤٤٢، حم: ٦٨].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وَهَكَذَا رَوَى شُعَيْبُ بْنُ أبِي حَمْزَةَ
عَن الزُّهْرِيِّ، عَن عُبَيْدِ الله بْنِ عَبْدِ الله بن عتبة، عَن أبي هُرَيْرَةَ، وَرَوَى عِمْرَانُ
يُقال: أخذ المصدق عقالَ هذا العام، أي: أخذ منهم صدقته، وبعث فلان على عقال بني
فلان، إذا بعث على صدقاتهم، واختاره أبو عبيد، وقال: هو أشبه عندي بالمعنى.
وقال الخطابي: إِنَّمَا يضرب المثل في مثل هذا بالأقل، لا بالأكثر، وليس بسائر في
لسانهم أَنَّ العقال صدقة عام، وفي أكثر الروايات: (لو منعوني عناقًا)) وفي أخرى: ((جديًا)).
قلت: قد جاء في الحديث ما يدلُّ على القولين، فمن الأول: حديثُ عمر أنه قال:
((يأخذ مع كل فريضة عقالًا، ورواء، فإذا جاءت إلى المدينة باعها، ثم تصدق بها))، وحديث
محمد بن مسلمة: ((أنه كان يعمل على الصدقة في عهدٍ رسول الله وَّطهر، فكان يأمر الرجل إِذَا
جَاءَ بفريضتين أن يأتي بعقاليهما وقرانيهما)).
ومن الثاني: حديث عمر: ((أنه أخر الصدقة عام الرمادة، فَلَمَّا أحيا الناس بعث عامله،
فقال: اعقل عنهم عقالين، فاقسم فيهم عقالًا، وائتني بالآخر))، يريد: صدقةَ عامين. انتهى
ما في ((النهاية)).
وقوله: ((ورواء)) هو بكسر الراء، وفتح الواو ممدودًا: حبل يقرن به البعيران، وقيل:
حبل يروى به على البعير، أي: يشد به المتاع عليه، وقد بسط النووي هنا الكلام في تفسير
العقال، وقال: وَذَهَب كثيرون من المحققين إلى أَنَّ المراد بالعقال الحبل الذي يعقل به
البعير، وهذا القولُ يحكى عن مالك، وابن أبي ذئب، وغيرهما، وهو اختيار صاحب
التحرير، وجماعة من حذاق المتأخرين. انتهى.
(لقاتلتهم على منعه) أي: لأجل منعه، (فوالله ما هو) أي: الشأن، (إلا أن رأيت) أي:
علمت، (أن الله قد شرح صدر أبي بكر) قال الطيبي: المستثنى منه غير مذكور، أي: ليس
الأمر شيئًا من الأشياء إلَّا علمي بأن أبا بكر محق، فهذا الضمير يفسره ما بعده، نحو قوله
تعالى: ﴿إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَانُنَا الدُّنْيَا﴾ [الأنعام: ٢٩]، (فعرفت أنه الحق) أي: ظهر له من صحة
احتجاجه، لا أنه قلده في ذلك.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان، وأبو داود، والنسائي.

٣٨٣
كتاب الإيمان عن رسول الله وَليهِ / باب ما جَاءَ: أُمِرْتُ أن أُقَاتِلَ الناسَ حَتَّى يَقُولوا: لا إله إلا الله
القَطَّانُ هذا الحَدِيثَ، عَن مَعْمَرٍ، عَن الزُّهْرِيِّ، عَن أنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَن أبِي بَكْرٍ،
وَهُوَ حَدِيثٌ خَطَأ، وَقَدْ خُولِفَ عِمْرَانُ فِي رِوَايَتِهِ عَن مَعْمَرٍ .
٢ - باب مَا جَاءَ في قولِ النبيِّ بَلِ: ((أَمرْتُ أن أقاتل الناس
وُ
حتى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلََّّ الله، وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ)) [ت٢، ٢٢]
[٢٦٠٨] (٢٦٠٨) حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَعْقُوبَ الطَّالَقَانِيُّ، حَدَّثَنَا ابنُ المُبَارَكِ،
أُخْبَرَنَا حُمَيْدُ الطَِّيلُ عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيهِ: ((أُمِرْتُ أنْ أُقَاتِلَ
النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أنْ لا إِلَهَ إِلَّ اللهُ، وَأنَّ مُحمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأنْ يَسْتَقْبِلُوا
قِبْلَتَنَا، وَيَأْكُلُوا ذَبِيحَتَنَا، وَأَنْ يُصَلُّوا صَلَاتَنَا، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ حُرِّمَتْ عَلَيْنَا دِمَاؤُهُمْ
وَأَمْوَالُهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا، لَهُمْ مَا لِلْمُسْلِمِينَ، وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى المُسْلِمِينَ)). [خ: ٣٩٢،
د: ٢٦٤١، ن: ٣٩٧٧، حم: ١٢٦٤٣].
٢ - باب ما جَاءَ في قول النبيِّ ◌َلْ *: أُمِرْتُ أن أُقَاتِلَ الناسَ
حَتَّى يَقُولوا: لا إله إلا الله ويقيموا الصلاة
[٢٦٠٨] قوله: (وأن يستقبلوا قبلتنا) إنَّما ذكره مع اندراجه في الصلاة في قوله: ((وأن
يصلوا صلاتنا))؛ لأن القبلة أعرف؛ إذ كل أحد يعرف قبلته، وإن لم يعرف صلاته، ولأن في
صلاتنا ما يوجد في صلاة غيره، واستقبال قبلتنا مخصوصٌ بنا، ولم يتعرض للزكاة وغيرها
من الأركان؛ اكتفاء بالصلاة التي هي عماد الدين، أو لتأخر وجوب تلك الفرائض عن زَمَنِ
صدورِ هذا القول، ثم لما ميز المسلمَ عن غيره عبادةً، ذكر ما يميزه عبادة وعادة بقوله:
(ويأكلوا ذبيحتنا) فإن التوقف عن أكل الذبائح، كما هو من العبادات، فكذلك من العادات
الثابتة في الملل المتقدمات، والذبيحة: فعيلةٌ، بمعنى مفعولة، والتاء للجنس، كما في
الشاة، (وأن يصلوا صلاتنا) أي: كما نصلي، ولا توجد إلّا من موحد معترف بنبوته، ومن
اعترف به فقد اعترف بجميع ما جاء به، فلذا جعل الصلاة عَلَمًا لإسلامه، (حَرُمَتْ) قال
الحافظ: بفتح أوله، وضم الراء، ولم أره في شيء من الروايات بالتشديد. انتهى، (إلا
بحقها) أي: إلَّا بحق الدماء والأموال، وفي حديث ابن عمر: ((فإذا فعلوا ذلك عصموا مني
دماءهم وأموالهم إلَّا بِحَقِّ الإسلام))، (لهم ما للمسلمين) أي: من النفع (وعليهم ما على
المسلمين) أي: من المضرة.

٣٨٤
كتاب الإيمان عن رسول اللّه ◌َ﴿ / باب مَا جَاءَ بُنِيَ الإسْلَامُ عَلَى خَمْس
وفي البابِ عَن مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ.
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ مِن هَذَا الوَجْهِ، وَقَدْ رَوَاهُ
يَحْيَى بْنُ أيُّوبَ عَن حُمَيْدٍ عَن أنَس نَحْوَ هذا.
٣- باب مَا جَاءَ بُنِيَ الإسْلَامُ عَلَى خَمْس [ت٣، ٣٢]
[٢٦٠٩] (٢٦٠٩) حَدَّثَنَا ابنُ أبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَان بْنُ عُيَيْنَةَ عَن سُعَيْرِ بْنِ
الخِمْسِ التَّمِيمِيِّ، عَن حَبِيبٍ بْنِ أبِي ثَابِتٍ، عَن ابنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله
وَّهُ: ((بُنِيَ الإسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةٍ أنْ لا إلَهَ إلَّا الله، وَأنَّ مُحمَّدًا رَسولُ الله،
وَإِقَام الصَّلَاةِ، وَإِنْتَاءِ الزَّكَاةِ وَصَومِ رمَضَانَ، وَحَجِّ البَيْتِ)). [خ: ٨، م: ١٦، ن: ٥٠١٦،
حم: ٤٧٨٣].
قوله: (وفي الباب عن معاذ بن جبل وأبي هريرة) أما حديث معاذ بن جبل، فأخرجه
أحمد(١) في ((مسنده))، وأما حديث أبي هريرة، فأخرجه أحمد، وابن خزيمة(٢).
قوله: (هذا حديث حسن صحيح غريب) وأخرجه البخاري، وأبو داود، والنسائي.
٣- باب ما جاء: بني الإسلام على خمس
[٢٦٠٩] قوله: (عن سعير) بضم السين، وفتح العين المهملتين، وآخره راء مصغرًا،
(ابن الخمس) بكسر الخاء المعجمة، وسكون الميم، ثم مهملة.
قوله: (بني الإسلام على خمس) أي: دعائم، وصرح به عبد الرزاق في روايته، وفي
رواية لمسلم: ((على خمسة)) أي: أركان، (شهادة أن لا إله إلا الله) بالجر على البدل من
((خمس))، ويجوز الرفع على حذف الخبر، والتقدير: منها شهادة أن لا إله إلا الله، أو على
حذف المبتدأ، والتقدير: أحدها شهادة أن لا إله إلا الله، ويجوز النصب بتقدير: أعني،
(وإقام الصلاة) أي: المداومة عليها، أو المراد: الإتيان بها بشروطها وأركانها، (وإيتاء
الزكاة) أي: إعطائها مستحقيها، بإخراج جزء من المال على وجه مخصوص.
تنبيه: قال القسطلاني: ((على)): في قوله: ((بني الإسلام على خمس))، بمعنى ((من))،
(١) أحمد، حديث (٢١٦١٧).
(٢) أحمد، حديث (١٠٤٥٩) وابن خزيمة، حديث (٢٢٤٨).

٣٨٥
كتاب الإيمان عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاءَ فِي وَصْفٍ جِبْرِيلَ لِلنبيِّ وَ﴿ِالإِيمَانَ وَالإسْلام
وفي البابِ عَن جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الله.
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حسنٌ صحيحٌ. وَقَدْ رُوِيَ مِن غَيْرِ وَجْهٍ، عَن ابنِ
عُمَرَ، عَنِ النبيِّ وَّ نَحْوَ هَذَا، وَسُعَيْرُ بْنُ الخِمْسِ ثِقَةٌ عِنْدَ أهْلِ الحَديثِ. حَدَّثَنَا
أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَن حَنْظَلَةَ بْنِ أبِي سُفْيَانَ الجُمَحِيُّ، عَن عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ
المَخْزُومِيِّ عَن ابنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ بَِّ نِحْوَهُ.
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
٤- باب مَا جَاءَ في وَصْفِ جِبْرِيلَ لِلنبيِّ ◌ِ﴿ الإيمَانَ وَالإسْلام [ت٤، ٤٢]
[٢٦١٠] (٢٦١٠) حَدَّثَنَا أبُو عَمَّارِ الحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثِ الخُزَّاعِيُّ، أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ
عَن کَھْمَسٍ
وبهذا يحصل الجواب عَمَّا يقال: إن هذه الخمس هي الإسلام، فكيف يكون الإسلام مبنيًا
عليها، والمبني لا بد أن يكون غير المبني عليه، ولا حاجة إلى جواب الكرماني بأن الإسلام
عبارةٌ عن المجموع، والمجموع غير كل واحد من أركانه. انتهى.
قلت: إن ثبت مجيء ((على)) بمعنى (من))، فحينئذ لا حاجة إلى جواب الكرماني، وإلا
فلا شك أن إليه حاجة لدفع الاعتراض.
قوله: (وفي الباب عن جرير بن عبد الله) أخرجه أحمد(١) في ((مسنده)).
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان.
قوله: (عن حنظلة بن أبي سفيان الجمحي) بضم الجيم، وفتح الميم، وکسر الحاء
المهملة: المكي، ثقة، حجة، من السادسة، (عن عكرمة بن خالد) بن العاص بن هشام
المخزومي، ثقة، من الثالثة.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) أي: حديث حنظلة عن عكرمة بن خالد، عن ابن عمر
حديث حسن صحيح، وأخرجه الشيخان أيضًا من هذا الطريق.
٤- باب ما جاء في وصف جبرئيل للنبي # الإيمان والإسلام
[٢٦١٠] قوله: (عن كهمس) بفتح كاف، وميم بينهما هاء ساكنة، وبسين مهملة،
(١) أحمد، حديث (١٨٧٣٥).

٣٨٦
كتاب الإيمان عن رسول الله ◌َ﴿ / باب مَا جَاءَ فِي وَصْفِ جِبْرِيلَ لِلنبيِّ وَّهِالإِيمَانَ وَالإسْلام
ابْنِ الحَسَنِ عَن عَبْدِ الله بْنِ بُرَيْدَةَ، عَن يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ، قَالَ: أوَّلُ مَن تَكَلَّمَ فِي القَدَرِ
مَعْبَدُ الجُهَنِيُّ قَالَ: فَخَرَجْتُ أنَا وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الحِمْيَرِيُّ حَتَّى أَتَيْنَا المَدِينَةَ،
فَقُلْنَا: لَوْ لَقِينَا رَجُلًا مِن أصْحَابِ النبيِّ ◌َ فَسَأَلْنَاهُ عَمَّا أحْدَثَ هَؤْلَاءِ القَوْمُ؟ قَالَ:
فَلَقِينَاهُ، يَعْنِي عَبْدَ الله بْنَ عُمَرَ وَهُوَ خَارِجٌ مِنَ المَسْجِدِ، قَالَ: فَاكْتَنَفْتُهُ أَنَا وَصَاحِبِي،
قَالَ: فَظَنَنْتُ أنَّ صَاحِبِي سَيَكِلُ الكَلَامَ إِلَيَّ، فَقُلْتُ: يَا أبَا عَبْدِ الرَّحمنِ، إنَّ قَوْمًا
يَقْرَؤُونَ القُرْآنَ وَيَتَقَفَّرُونَ العِلْمَ،
(ابن الحسن) التميمي، أبي الحسن البصري، ثقة، من الخامسة، ووقع في النسخة الأحمدية
في باب ((الصلاة قبل المغرب))، في سند حديث عبد الله بن مغفل: كهمس بن الحسين،
بالتصغير، وهو غلط، والصحيح: كهمس بن الحسن، بالتكبير، كما هنا .
قوله: (أول من تكلم في القدر) أي: أول من قال بنفي القدر، فابتدع، وخالف الصواب
الذي عليه أهل الحق، ويقال: القدَر والقدر بفتح الدال وإسكانها، لغتان مشهورتان، (معبد
الجهني) بضم الجيم، نسبة إلى جهينة، قبيلةٌ من قضاعة، ومعبد هذا هو: ابن خالد الجهني،
كان يجالس الحسن البصري، وهو أَوَّلُ من تكلم في البصرة بالقدر، فسلك أهلُ البصرة بعده
مسلكَهُ؛ لما رأوا عمرو بن عبيد ينتحله، قتله الحجاج بن يوسف صبرًا، أو قيل: أنه معبد بن
عبد الله بن عويمر. نقله النووي عن السمعاني، (فاكتنفته أنا وصاحبي) يعني: صرنا في
ناحيتيه، وكنفا الطائر: جناحاه، وزاد مسلم: ((فَقَامَ أَحَدُنَا عن يمينه، والآخرُ عَنْ شِمَالِهِ»،
(فظننتُ أَنَّ صَاحِبِي سَيَكِلُ الكلام إليّ) لم تقع هذه العبارة في بعض النسخ، ومعناها: يسكت
ويفوضه إليَّ؛ لإقدامي، وجرأتي، وبسطة لساني، فقد جاء عنه في رواية: ((لأني كنتُ أبسطَ
لسانًا))، (فقلت: يا أبا عبد الرحمن) كنيةٌ، عبد الله بن عمر، (إن قومًا يقرأون القرآن
ويتقفرون العلم) بتقديم القاف على الفاء، أي: يطلبونه، وفي رواية مسلم (١): ((ظَهَرَ قبلنا
ناسٌ يقرأون القرآن، ويتقفرون العلم))، قال النووي: هو بتقديم القاف على الفاء، معناه:
يطلبونه ويتتبعونه، هذا هو المشهور، وقيل: معناه: يجمعونه، ورواه بعض شيوخ المغاربة
من طريق ابن ماهان: ((يتفقرون)) بتقديم الفاء، وهو صحيحٌ أيضًا، معناه: يبحثون عن
غامضه، ويستخرجون خفيه، وروي في غير مسلم: ((يتقفون)) بتقديم القاف وحذف الراء،
(١) مسلم، كتاب الإيمان، حديث (٨).

٣٨٧
كتاب الإيمان عن رسول الله وَل﴿ / باب مَا جَاءَ فِي وَصْفِ جِبْرِيلَ لِلنبيِّنَ ﴿ِالإِيمَانَ وَالإسْلامِ
وَيَزْعُمُونَ أنْ لا قَدَرَ، وَأنَّ الأَمْرَ أُنُفٌ قَالَ: فَإِذَا لَقَيْتَ أُولَئِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أنِّي مِنْهُمْ
بَرِيٌ، وَأَنَّهُمْ مِنِّي بُرَآءُ، وَالَّذِي يَحْلِفُ بِهِ عَبْدُ الله لَوْ أنَّ أحَدَهُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا
مَا قُبِلَ ذَلِكَ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالقَدَرِ خَيْرِهٍ وَشَرِّهِ، قَالَ: ثُمَّ أنْشَأَ يُحَدِّثُ، فَقَالَ: قَالَ
عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَجَاءَ رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ النِّيَابِ، شَدِيدُ
سَوَادِ الشَّعرِ، لا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلا يَعْرِفُهُ مِنَّا أحَدٌ، حَتَّى أتَى النبيَّ وَِّ،
وهو صحيح أيضًا، ومعناه -أيضًا- يتتبعون، (ويزعمون أن لا قدر، وأن الأمر أنف) بضم
الهمزة والنون، أي: مستأنف، لم يسبق به قدر، ولا علم من الله تعالى، وإنما يعلمه بعد
وقوعه، وهذا القول قولُ غُلاتهم، وليس قول جميع القدرية، وكَذَبَ قائلُه، وضل، وافترى،
وعافانا الله وسائر المسلمين.
(قال) أي: ابن عمر ◌ُه: (أَنِّي منهم بريءٌ، وأنهم مني بُرَآء) بضم الموحدة، وفتح
الراء: جمع بريء؛ كحكيم وحكماء، وأصل البراءة: الانفصال من الشيء، والمعنى: أني
لست منهم، وهم ليسوا مني، (والذي يحلف به عبد الله، لو أن أحدهم أنفق) يعني: في
سبيل الله تعالى، أي: طاعته؛ كما جاء في روايةٍ أخرى، (ما قبل ذلك منه حتى يؤمن بالقدر
خيره وشره) قال النووي: هذا الذي قاله ابن عمر ﴿ ظاهرٌ في تكفير القدرية، قال القاضي
عياض: هذا في القدرية الأولى، الذين نفوا تَقَدُّمَ علم الله تعالى بالكائنات.
قال: وَالقائلُ بهذا كافرٌ، بلا خلاف، وهؤلاء الذين يُنكِرُونَ القدرَ، هم الفلاسفةُ في
الحقيقة، قال غيره: ويجوزُ أنه لم يُرِدْ بهذا الكلامِ التكفيرَ المخرج من الملةِ، فیکون من قبيل
كفران النعم، إلّا أن قوله: ((ما قبله الله منه))، ظَاهرٌ في التكفير، فإن إحباط الأعمال إنما
يكون بالكفر، إلَّا أنه يجوز أن يُقال في المسلم: لا يقبل عمله لمعصيته، وإن کان صحیحًا؛
كما أن الصلاة في الدار المغصوبة صحيحة غير محوجة إلى القضاء عند جماهير العلماء، بل
بإِجماع السلف، وهي غير مقبولة، فلا ثواب فيها على المختار عند أصحابنا. انتهى.
(ثم أنشأ يحدث) أي: جعل يحدث ابن عمر، (شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر)
بإضافة ((شديد)) إلى ما بعده، إضافة لفظية، مقيدة للتخفيف فقط، صفةٌ ((رجل))، واللام في
الموضعین عوضٌ عن المضافِ إلیه، العائد إلى الرجل، أي: شدید بیاض ثيابه، شديد سواد
شعره، (لا يرى عليه أثر السفر) روي بصيغة المجهول الغائب، ورفع ((الأثر))، وهو رواية

٣٨٨
كتاب الإيمان عن رسول الله ﴿﴿ / باب مَا جَاءَ فِي وَصْفِ جِبْريلَ لِلنبيِّ لَ ﴿ الإيمَانَ وَالإسْلام
فَأَلْزَقَ رُكْبَتَهُ بِرُكْبَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحمَّدُ! ما الإِيمَانُ؟ قَالَ: ((أنْ تُؤْمِنَ بِالله وَمَلَائِكَتِهِ
الأكثر والأشهر، وروي بصيغة المتكلم المعلوم، ونصب ((الأثر))، والجملة حال من ((رجل))،
أو صفة له، والمراد بالأثر: ظهور التعب والتغيير والغبار.
(فألزق ركبته بركبته) وفي رواية مسلم(١): ((فَأَسْنَدَ ركبتيه بركبتيه ووضع كفيه على
فخذيه))، قال النووي: معناه: أن الرجل الداخل وَضَعَ كفيه على فخذي نفسه، وجلس على
هيئة المتعلم. انتهى.
قال الحافظ في ((الفتح)): وفي رواية لسليمان التيمي: ((لَيْسَ عليه سحناءُ السفر، وليس
من البلد، فتخطى حَتَّى بَرَكَ بين يدي النبي ◌َّهِ كما يَجْلِسُ أحدُنا في الصلاةِ، ثم وضع يده
على ركبتي النبيِّ (َ #))، وكذا في حديث ابن عباس، وأبي عامر الأشعري: ((ثُمَّ وضع يده
على ركبتي النبي (وَل98))، فأفادت هذه الرواية أن الضمير في قوله: ((على فخذيه)) يعود على
النبي ◌َّهِ، وبه جَزَمَ البغويُّ وإسماعيل التيمي بهذه الرواية، ورجحه الطيبي بحثًا؛ لأنه نسق
الكلام، خلافًا لما جزم به النووي، ووافقه التوربشتي؛ لأنه حمله على أنه جلس كهيئةٍ
المتعلم بين يدي مَنْ يتعلم منه، وهذا وإن كان ظاهرًا من السياق، لكن وضعه يديه على
فخذىٍ اَلنبي ◌َّهِ صنيعٌ مُنَبَّهُ للإصغاء إليه.
(ثم قال: يا محمد، ما الإيمان) فإن قيل: كيف بدأ بالسؤال قَبْلَ السلام؟ أُجيبٍ: بأنه
يحتمل أن يكون ذلك مبالغةً في التعميةِ لأمره، أو ليبين أن ذلك غير واجب، أو سلّم فلمْ
ينقله الراوي.
قال الحافظ: وهذا الثالثُ هو المعتمدُ، فقد ثبت في رواية أبي فروة، ففيها بعد قوله:
(كأن ثيابه لم يَمَسَّهَا دَنَسٌ، حَتَّى سَلمَ من طرفِ البساطِ، فقال: السلام عليكَ يَا مُحَمَّدُ، فردَّ
عليه السلام، قال: أدنو يا محمد؟ قال: ادن، فما زال يقول: أدنو؟ مرارًا، ويقول له:
ادن))، ونحوه في رواية عطاء عن ابن عمر، لكن قال: ((السلام عليك يا رَسُولَ الله))، وفي
رواية مطر الوراق: ((فقال: يا رسولَ الله أدنو منك؟، قال: ادن))، ولم يذكر السلام،
فاختلفت الروايات: هل سلم أو لا؟ فمن ذكر السلام مُقدَّمٌ على من سكت عنه.
(قال: أن تؤمن بالله) أي: بوجوده، وأنه متصف بصفات الكمال، منزه عن صفات
النقص، (وملائكته) الإيمان بالملائكة، هو التصديقُ بوجودِهم، وأنهم كما وصفهم الله تعالى
عبادٌ مكرمون، وقدم الملائكة على الكتب والرسل؛ نظرًا للترتيب الواقع؛ لأنه سبحانه
(١) مسلم، كتاب الإيمان، حديث (٨).

٣٨٩
كتاب الإيمان عن رسول الله وَ﴿﴿ / باب مَا جَاءَ فِي وَصْفِ جِبْرِيلَ لِلنبيِّ ◌َ﴿ِ الإيمَانَ وَالإسْلامِ
وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، وَالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»، قَالَ: فَمَا الإِسْلَامُ؟، قَالَ:
((شَهَادَةُ أنْ لا إلَهَ إِلَّ الله وَأنَّ مُحمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ وَإِيْتَاءِ الزَّكَاةِ وَحَجُّ
البَيْتِ، وَصومُ رَمَضَانَ»،
وتعالى أرسل الملك بالكتاب إلى الرسولِ، وليس فيه متمسك لمن فَضَّلَ الملك على
الرسول، (وكتبه) الإيمان بكتب الله: التصديقُ بأنها كلامُ الله، وأن ما تضمنته حَقٌّ، (ورسله)
الإيمان بالرسل: التصديقُ بأنهم صادقون فيما أخبروا به عن الله، ودلَّ الإجمال في الملائكة
والكتب والرسل على الاكتفاءِ بذلك في الإيمان بهم من غير تفصيل، إلَّا من ثبتت تسميته،
فيجب الإيمان به على التعيين، (واليوم الآخر) والمراد بالإيمان به: التصديق بما يقع فيه من
الحساب والميزان والجنة والنار.
(والقدر) مصدر، تقول: قدرت الشيء، بتخفيف الدال وفتحها، أقدره بالكسر والفتح،
قَدَرًا وقَدْرًا: إذا أحطت بمقداره، والمراد: أن الله تعالى علم مقادير الأشياء، وأزمانها قبل
إيجادها، ثم أوجد ما سبق في علمه أنه يوجد، فكلُّ محدثٍ صادرٌ عن علمه وقدرته وإرادته،
هذا هو المعلوم من الدين بالبراهين القطعية، وعليه كان السلف من الصحابة وخيارِ التابعين،
إِلَى أَنْ حدثتْ بدعةُ القدرِ في أواخر زمنِ الصحابة، (خيره وشره) بالجر؛ بدلٌ من «القدر»،
(قال: شهادة أن لا إله إلا الله) ((أن)): مخففة من المثقلة، أي: أنه، والضمير للشأن، ((ولا)):
هي النافية للجنس، على سبيل التنصيص على نفي كلٍّ فرد من أفراده، (وأن محمدًا عبده
ورسوله) أي: وشهادة أن محمدًا ... إلخ، قال الخطابي في (معالم السنن)): ما أكثر ما
يغلط الناس في هذه المسألة، فأما الزهري، فقال: الإسلام الكلمة، والإيمان العمل،
واحتج بقوله تعالى: ﴿قَالَتِ اٌلْأَعْرَابُ ءَامَنَّاً قُل لَمْ تُؤْمِنُواْ وَلَكِنْ قُولُواْ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَنُ فِى
قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤]، وَذَهَبَ غيرهُ إلى أن الإيمان والإسلام شيءٌ واحدٌ، واحتج بقوله
تعالى: ﴿فَأَخْرَحْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ه ◌َا وَحَدْنَا فِيَهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِينَ﴾ [الذاريات: ٣٥،
٣٦]، قال الخطابي: والصحيح من ذلك، أن: يقيد الكلام في هذا، ولا يطلق، وذلك أن
المسلم قد يكون مؤمنًا في بعض الأحوال، ولا يكون مؤمنًا في بعضها، والمؤمن مسلم في
جميع الأحوال، فكلُّ مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمنًا، وإذا حملت الأمر على هذا
استقام لك تأويلُ الآياتِ، واعتدل القولُ فيها، ولم يختلف شيءٌ منها، وأصل الإيمان
التصديق، وأصل الإسلام الاستسلام والانقياد، فقد يكون المرء مستسلمًا في الظاهر، غير
منقاد في الباطن، وقد يكون صادقًا في الباطن، غير منقاد في الظاهر. انتهى.

٣٩٠
كتاب الإيمان عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاءَ فِي وَصْفِ جِبْرِيلَ لِلنبيِّ نَّهِ الإِيمَانَ وَالإسْلامِ
قَالَ: فَمَا الإِحْسَانُ؟ قَالَ: ((أنْ تَعْبُدَ الله كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنَّك إنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ
يَرَاكَ))،
قال العيني في ((العمدة)) - بعد نقل كلام الخطابي هذا ما لفظه ـ: هذا إشارةٌ إلى أن
بينهما عُمُومًا وخصوصًا مطلقًا، كما صَرَّحَ به بَعْضُ الفضلاء، والحق أن بينهما عمومًا
وخصوصًا من وجه؛ لأن الإيمان أيضًا قد يوجد بدون الإسلام، كما في شاهق الجبل، إذا
عرف الله بعقله، وصدق بوجوده ووحدته وسائر صفاته، قبل أن تبلغه دعوة نبيّ، وكذا في
الكافر إذا اعتقدَ جميعَ ما يجب الإيمان به، اعتقادًا جازمًا، ومات فجأة قَبْلَ الإقرار والعمل.
انتھی .
وقال الحافظ ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ ءَامَنًا﴾ إلخ [الحجرات: ١٤]:
قد اسْتُفِيدَ من هذه الآية الكريمة أَنَّ الإيمان أخصُّ من الإسلام، كما هو مذهب أهل السنة
والجماعة، ويدل عليه حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه قال: ((أعطى رسول الله
وَ ﴿ رجالًا، ولم يعط رجلاً منهم شيئًا، فقال سعد رَؤُه: يا رسولَ الله، أعطيتَ فلانًا وفلانًا،
ولم تعط فلانًا شيئًا، وهو مؤمن! فقال النبي ◌َِّ: «أَو مُسْلِمٌ، حتى أعادها سعدٌ ثلاثًا، والنبي
وَ﴿ يقول: أَوْ مُسْلِمٌ ... )) الحديث، أخرجه الشيخان، فقد فرق النبي ◌ُّه بين المؤمن
والمسلم، فدل على أن الإيمان أخصُّ من الإسلام، وقد قررنا ذلك بأدلته في أوَّلِ شرح
((كتاب الإيمان)» من «صحيح البخاري)). انتهى.
(قال: فما الإحسان ... إلخ) هو مصدر، تقول: أحسن يحسن إحسانًا، ويتعدى بنفسه
وبغيره، تقول: أحسنت كذا، إذا أتقنته، وأحسنت إلى فلان، إذا أوصلت إليه النفع، والأول
هو المراد؛ لأن المقصود إتقان العبادة، وقد يلحظ الثاني بأن المخلص مثلًا مُحْسِنٌ بإخلاصه
إلى نفسه، وإحسان العبادة: الإخلاص فيها، والخشوع، وفراغ البال، حال التلبس بها،
ومراقبة المعبود.
وأشار في الجواب إلى حالتين: أرفعهما: أن يغلب عليه مشاهدة الحق حتى كأنه يراه
بعينه، وهو قوله: ((كأنك تراه))، أي: وهو يراك، والثانية: أن يستحضر أن الحقَّ مطّلعٌ عليه،
يرى كل ما يعمل، وهو قوله: ((فإنه يراك))، وهاتان الحالتان يثمرهما معرفة الله وخشيته.
وقال النووي: هذا من جوامع الكلم التي أوتيها وَّر؛ لأنها لو قدرنا أن أحدنا قام في
عبادة، وهو يعاين ربه سبحانه وتعالى لم يترك شيئًا مما يَقْدِرُ عليه من الخضوع، والخشوع،
وحسن السمت، واجتماعه بظاهره وباطنه على الاعتناء بتتميمها على أحسن وجوهها، إلا

٣٩١
كتاب الإيمان عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاءَ فِي وَصْفِ جِبْرِيلَ لِلنبيِّ نَ﴿ِ الإِيمَانَ وَالإسْلامِ
قَالَ: فِي كُلِّ ذَلِكَ يَقُولُ لَهُ: صَدَقْتَ، قَالَ: فَتَعَجَّبْنَا مِنْهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ، قَالَ: فَمَتَى
السَّاعَةُ؟ قَالَ: ((مَا المَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ))، قَالَ: فَمَا أمَارَتُهَا؟ قَالَ: ((أن
تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا،
أتى به، فقال ◌َّ: اعبد الله في جميع أحوالك كعبادتك في حال العيان، فإن التتميم المذكور
في حال العيان إنما كان لعلم العبد باطلاع الله سبحانه وتعالى عليه، فلا يقدم العبد على
تقصير في هذا الحال للاطلاع عليه، وهذا المعنى موجود مع عدم رؤية العبد، فينبغي أن
يعمل بمقتضاه، فمقصود الكلام الحثَّ على الإخلاص في العبادة ومراقبة العبد ربه - تبارك
وتعالى - في إتمامه الخشوع والخضوع وغير ذلك.
(قال) أي: عمر رَظُه، (يقول) أي: جبرئيل عليه السلام، (صدقت) بفتح الفوقية، (قال)
أي: عمر ظُه، (فتعجبنا منه يسأله ويصدقه) سبب تعجبهم أنَّ هذا خلاف عادة السائل
الجاهل، إنما هذا كلام خبير بالمسؤول عنه، ولم يكن في ذلك الوقت مَنْ يعلم هذا غير
النبي بَّر، (قال: فمتى الساعة) أي: متى تقوم الساعة، واللام: للعهد، والمراد: يوم
القيامة، (ما المسؤول عنها) ((ما)): نافية، (بأعلم) الباء: زائدة لتأكيد النفي.
قال الحافظ: وهذا وإن كان مُشْعِرًا بالتساوي في العلم، لكن المراد التساوي في العلم
بأن الله تعالى استأثر بعلمها؛ لقوله بعد: ((خمس لا يعلمها إلا الله))، قال النووي: يستنبط منه
أن العالم إذا سُئل عما لا یعلم یصرح بأنه لا يعلمه، ولا یکون في ذلك نقص من مرتبته، بل
یکون ذلك دليلا على مزيد ورعه.
(فما أمارتها) بفتح الهمزة، والأمارة، والأمار بإثبات الهاء وحذفها: هي العلامة،
(قال: أن تلد الأمة ربتها) قال النووي: وفي الرواية الأخرى: ((رَبَّهَا)) على التذكير، وفي
أخرى: ((بعلها))، قال: يعني: السراري، ومعنى: ((ربها وربتها)) سيدها ومالكها وسيدتها
ومالكتها، وقال الأكثرون من العلماء: هو إخبار عن كثرة السراري وأولادهن؛ فإن ولدها من
سيدها بمنزلةٍ سيدها؛ لأن مالَ الإنسان صَائِرٌ إلى ولده، وقد يتصرف فيه في الحال تصرف
المالكين، إما بتصريح أبيه بالإذن، وإما بما يعلمه بقرينة الحال، أو عرف الاستعمال.
وقيل: معناه: أن الإماء يَلِدْنَ المُلُوكَ، فتكون أمه من جملة رعيته، وهو سيدها، وسيد
غيرها من رعيته، وهو قول إبراهيم الحربي.
وقيل: معناه أن تفسد أحوالِ الناسُ، فيكثر بيع أمهات الأولاد في آخر الزمان، فيكثر

٣٩٢
كتاب الإيمان عن رسول الله ◌َ# / باب مَا جَاءَ فِي وَصْفِ جِبْرِيلَ لِلنبيِّ ◌َ ﴿ِالإِيمَانَ وَالإسْلامِ
وَأَنْ تَرَى الحُفَاةَ العُرَاةَ العَالَةَ أصحاب الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي البُنْيَانِ)). قَالَ عمَرُ:
فَلَقِيَتِي النبيُّ ◌َهِ بَعْدَ ذَلِكَ بِثَلَاثٍ،
تردادها في أيدي المشترين، حتى يشتريها ابنها ولا يدري، ويحتمل على هذا القول أَنْ لا
يختص هذا بأمهات الأولاد، فإنه متصور في غيرهن، فإن الأمة تلد ولدًا حرًّا من غير سيدها
بشبهة، أو ولدًا رقيقًا بنكاح أو زنا، ثم تباع الأمة في الصورتين بيعًا صحيحًا، وتدور في
الأيدي حتى يشتريها ولدها، وهذا أكثر وأعمُّ من تقديره في أمهات الأولاد.
وقيل في معناه غير ما ذكرناه، ولكنها أقوال ضعيفة جدًّا، أو فاسدة فتركتها .
وأما ((بعلها)) فالصحيحُ في معناه أن البعلَ هو المالك أو السيد، فيكون بمعنى ربها على
ما ذكرناه، قال أهلُ اللغة: بعل الشيء: ربه ومالكه، وقال ابنُ عباس، والمفسرون في قوله
تعالى: ﴿أَنَدْعُونَ بَعْلًا﴾ [الصافات: ١٢٥]: أي: ربًّا، وقيل: المراد بالبعل في الحديث الزوج،
ومعناه نحو ما تقدم: أنه يكثر بيع السراري حتى يتزوج الإنسان أمه، ولا يدري، وهذا أيضًا
معنى صحيحٌ إلَّا أن الأول أظهر؛ لأنه إذا أمكن حمل الروايتين في القضية الواحدة على
معنى واحد، كان أولى.
(وأن ترى) خطابٌ عامٌّ ليدل على بلوغ الخطب في العلم مبلغًا لا يَخْتَصُّ به رؤية راء،
(الحفاة) بضم الحاء: جمع الحافي، وهو مَنْ لا نعل له، (العراة) جمع العاري، وهو صادق
على مَن يكون بعض بدنه مكشوفًا مما يحسن، وينبغي أن يكون ملبوسًا، (العالة) جمع عائل:
وهو الفقير، من عال يعيل، إذا افتقر، أو من عال يعول، إذا افتقر وكثر عياله، (ورِعاء
الشاء) بكسر الراء، والمد: جمع راعٍ، كتاجر وتجار، الشاء: جمع شاة، والأظهر أنه اسمُ
جنسٍ.
(يتطاولون في البنيان) أي: يتفاضلون في ارتفاعه وكثرته، ويتفاخرون في حسنه وزينته،
وهو مفعول ثان إن جعلت الرؤية فعل البصيرة، أو حال إن جعلتها فعل الباصرة، ومعناها :
أن أهل البادية وأشباههم من أهل الحاجة والفاقةِ تبسط لهم الدنيا حتى يتباهون في البنيان.
(فلقيني النبي ( * بعد ذلك بثلاث) في ظاهر هذا مخالفة لقوله في حديث أبي هريرة عند
الشيخين(١): ثُمَّ أَدْبَرَ الرجلُ، فقال النبيُّ وَّرَ: ((رُدُّوه عَلَيَّ)) فأخذوا ليردوه، فلم يروا شيئًا،
فقال النبيُّ ◌َِّهِ: ((هَذَا جبريلُ)). فيحتمل الجمع بينهما أَنَّ عمرَ ◌َُبه لم يحضرْ قولَ النبي ◌ِّ
(١) البخاري، كتاب الإيمان، حديث (٥٠) ومسلم - واللفظ له - كتاب الإيمان. حديث (٩).

٣٩٣
كتاب الإيمان عن رسول الله ﴿ / باب مَا جَاءَ فِي وَصْفِ جِبْرِيلَ لِلنبيِّ ◌َ ﴾ الإيمَانَ وَالإسْلام
فَقَالَ: ((يَا عُمَرُ! هَلْ تَدْرِي مَنِ السَّائِلُ؟ ذَاكَ جِبْرِيلُ أتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ مَعَالِم دِيْنِكُمْ)).
[م: ٨، جه: ٦٣، حم: ١٨٥، ن: ٥٠٠٥، د: ٤٦٩٥].
حَدَّثَنَا أحْمَدُ بْنُ مُحمَّدٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ المُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا كَهْمَسُ بْنُ الحَسَنِ، بهذا
الإسْنَادِ نَحْوَهُ. حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هشام، عَن كَهمسٍ، بهذا
الإسْنَادِ نَحْوَهُ بمعناه. وفي الباب عَن طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ الله وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ.
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وقَدْ رُوِيَ مِن غَيْرِ وَجْهِ نَحْوَ هَذَا عن
عمرَ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ عَنِ ابنِ عُمَرَ عَن النبيِّ وَّهِ، وَالصَّحِيحُ هُوَ ابن عُمَرَ،
عَنِ عُمَر، عَن النبيِّ مَّد.
لهم في الحال، بل كان قد قام من المجلس، فأخبر النبي ﴿﴿ الحاضرين في الحال، وأخبر
عمر بعد ثلاث؛ إذ لم يكن حاضرًا وقت إخبار الباقين (فقال: يا عمر، هل تدري من
السائل؟) زاد مسلم في روايته: ((قلتُ: الله ورسولهُ أعلم)).
قوله: (حدثنا أحمد بن محمد) بن موسى، أبو العباس، المعروف بمردويه، (أخبرنا
معاذ بن هشام) وفي بعض النسخ: ((أخبرنا معاذ بن معاذ))، وهو الظاهر؛ لأن مسلمًا روى
هذا الحديث من طريق عبيد الله بن معاذ العنبري: حدثنا أبي: حدثنا كهمس، ووالد عبيد الله
هذا هو معاذ بن معاذ بن نصر بن حسان العنبري، أبو المثنى، البصري، القاضي، ثقة،
متقن، من كبار التاسعة، روى عن كهمس وغيره، وعنه ابنه عبيد الله، وأبو موسى محمد بن
المثنی، وغيرهما .
قوله: (وفي الباب عن طلحة بن عبيد الله وأنس بن مالك وأبي هريرة) أما حديث
طلحة بن عبيد الله، فأخرجه الشيخان(١)، وأما حديث أنس، فأخرجه البزار(٢)، والبخاري
في ((خلق أفعال العباد)) وإسناده حسن. كذا في ((الفتح))، وأما حديث أبي هريرة، فأخرجه
الشيخان(٣).
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم، (وقد روي من غير وجه نحو هذا)
أي: عن عبد الله بن عمر عن عمر عن النبي ◌َّر .
(١) البخاري، كتاب الإيمان، حديث (٤٦) ومسلم، كتاب الإيمان، حديث (١١).
(٢) البزار (١/ ٢٠ - كشف) رقم (٢٢) والبخاري في ((خلق أفعال العباد)» (ص ٥٧).
(٣) البخاري، كتاب الإيمان، حديث (٥٠) ومسلم، كتاب الإيمان، حديث (٩).

٣٩٤
كتاب الإيمان عن رسول الله وَير / باب ما جاء فِي إضَافَةِ الفَرائِضِ إلَى الإيمَان
٥ - باب ما جاء في إضَافَةِ الفَرائِضِ إلَى الإِيْمَان [ت٥، ٥٢]
[٢٦١١] (٢٦١١) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ عَبَّادِ المُهَلَِّيُّ عَن أبي جَمْرَةً عَنِ
ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: ((قَدِمَ وَقْدُ عَبْدِ القَيْسِ عَلَى رَسُولِ الله وَهِ، فَقَالُوا: إنَّا هَذَا الحَيَّ
مِن رَبِيعَةَ، وَلَسْنَا نَصِلُ إِلَيْكَ، إِلَّا فِي الشهر الحَرَامِ، فَمُرْنَا بِشَيْءٍ
٥- باب ما جاء في إضافة الفرائض إلى الإيمان
أي: نسبتها إليه، بأن تجعل الفرائض من الإيمان، أو يطلق هو عليها .
[٢٦١١] قوله: (قدم وفد عبد القيس) الوفد: جمع وافد، وهو الذي أتى إلى الأمير
برسالة من قوم، وقيل: رهط كرامٌ، وعبد القيس: أبو قبيلة عظيمة تنتهي إلى ربيعة بن نزار بن
معد بن عدنان، وربيعة: قبيلة عظيمة في مقابلة مضر، وكانت قبيلة عبد القيس ينزلون
البحرين، وحوالي القطيف، وما بين هجر إلى الديار المضرية، وكانت وفادتهم سنة ثمان،
(فقالوا: إنا هذا الحي من ربيعة) قال ابن الصلاح: الحي: منصوب على الاختصاص،
والمعنى: إنا هذا الحيَّ حَيٍّ من ربيعة، والحي: هو اسم لمنزل القبيلة، ثم سميت القبيلة به؛
لأن بعضهم يحيا ببعض، (ولسنا نصل إليك إلا في الشهر الحرام) المراد به الجنس؛ لأن
الأشهر الحرم أربعة: ذو القعدة، وذو الحجة، ومحرم، متوالية، ورجب فرد، قال تعالى:
﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ أَثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِى كِتَبِ اَلَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا
أَرْبَعَةُ حُرُمٌ﴾ [التوبة: ٣٦]، وإنما قالوا ذلك؛ اعتذارًا عن عدم الإتيان إليه عليه الصلاة والسلام
في غير هذا الوقت؛ لأن الجاهلية كانوا يحاربون بعضهم بعضًا، ويكفون في الأشهر الحرم؛
تعظيمًا لها، وتسهيلًا على زوار البيت الحرام من الحروب والغارات الواقعة منهم في غيرها،
فلا يأمن بعضهم بعضًا في المسالك والمراحل إلَّا فيها، ومن ثَمَّ كان يمكن مجيء هؤلاء إليه
عليه الصلاة والسلام فيها، دون ما عداها؛ لأمنهم من كفار مضر، الحاجزين بين منازلهم
وبين المدينة، وكان هذا التعظيم في أول الإسلام، ثم نسخ بقوله تعالى: ﴿فَأَقْنُلُواْ الْمُشْرِكِينَ
حَيْثُ وَجَدْ تُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، وقيل: اللام: للعهد، والمراد: شهر رجب، وفي رواية البيهقي
التصريح به، وكانت مضر تبالغ في تعظيم شهر رجب، فلهذا أضيف إليهم في حديث أبي بكرة
عند البخاري؛ حيث قال: ((رجب مضر))، والظاهر: أنهم كانوا يخصونه بمزيد التعظيم، مع
تحريمهم القتال في الأشهر الثلاثة الأخرى، إلَّا أنهم ربما أنسوها بخلافه.

٣٩٥
كتاب الإيمان عن رسول الله وَ﴿ / باب ما جاء فِي إضَافَةِ الفَرائِضِ إلَى الإِئْمَان
نَأْخُذُهُ عَنْكَ، وَنِدْعُوا إِلَيْهِ مَن وَرَاءَنَا، فَقَالَ: ((آمُرُكُمْ بِأَرْبَعِ: الإيمَانُ بِاللهِ، ثُمَّ فَسَّرَهَا
لَهُمْ: شَهَادَةُ أنْ لا إلَهَ إلَّا الله، وَأَنِّي رَسُولُ الله، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيْتَاءُ الزَّكَاةِ، وَأنْ
تُؤَدُوا خُمْسَ مَا غَنِمْتُمْ)). [خ بنحوه: ٥٣، م: ١٧، ن: ٥٠٤٦، د: ٣٦٩٢، حم: ٢٠١٠].
(نأخذه عنك) بالرفع على أنه صفة لشيء، وبالجزم على أنه جواب الأمر (آمركم بأربع)
أي: خصال، أو جمل، لقولهم: ((حدثنا بجملٍ من الأمر))، وهي رواية قرة عند البخاري في
((المغازي))، (الإيمان بالله) هذه إحدى الخصال الأربع، (ثم فسرها) أي: الإيمان بالله،
وتأنيث الضمير باعتبار أنه خصلة، (شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله) برفع ((شهادة))
على أنها خبر مبتدأ محذوف، أي: هو شهادة أن لا إله إلا الله، (وإقام الصلاة، وإيتاء
الزكاة، وأن تؤدوا خمس ما غنمتم) بالجر في الثلاث، عطف على ((الإيمان))، وهذه هي
الخصال الثلاث الباقية، ويحتمل أن يكون ((إقام الصلاة))، وما عطف عليه بالرفع عطفًا على
(شهادة أن لا إله إلا الله))، وعلى هذا الاحتمال مطابقة الحديث بالباب ظاهرة، ولكن لا بد
أن يقال: إن الراوي حذف الخصال الثلاث الباقية اختصارًا أو نسيانًا، ووقع في رواية
البخاري(١): ((أمرهم بأربع، ونهاهم عن أربع: أَمَرَهُمْ بالإيمان بالله وحده، قال: أتدرون ما
الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: شهادة أَنْ لا إله إلا الله، وَأَنَّ محمدًا
رسولُ الله، وإقامُ الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس)).
قال السيد جمال الدين: قيل: هذه الرواية لا تخلوا عن إشكال؛ لأنه إن قرئ: ((وإقام.
الصلاة ... )) إلخ، بالرفع على أنها معطوفة على ((شهادة))، ليكون المجموع من الإيمان،
فأين الثلاثة الباقية؟ وإن قرئت بالجر، على أنها معطوفة على قوله: ((بالإيمان)) يكون المذكور
خمسة، لا أربعة، وأجيب على التقدير الأول: بأن الثلاثة الباقية حذفها الراوي اختصارًا أو
نسيانًا، وعلى التقدير الثاني: بأنه عد الأربع التي وعدهم، ثم زادهم خامسة، وهي أداء
الخمس؛ لأنهم كانوا مجاورين لكفار مضر، وكانوا أهل جهاد وغنائم. كذا في ((المرقاة)).
قلت: قد بسط الحافظ في ((الفتح)) الكلامَ في هذا المقام، بسطًا حسنًا، فعليك أن
تراجعه، وقد ذكر لعدم ذكر الحج في هذا الحديث وجوهًا، منها: أنه لم يكن فرض، ثم
قال: هذا هو المعتمد.
(١) البخاري، كتاب الإيمان، حديث (٧٢٦٦).

٣٩٦
كتاب الإيمان عن رسول الله ﴿﴿ / باب ما جاء في اسْتِكمَالِ الإيمَان وَزيادته ونقْصَانه
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَن أَبِي جَمْرَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِهـ
مِثْلَهُ.
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ حسنٌ، وَأبو جَمْرَةَ الضُّبَعِيُّ اسْمُهُ: نَصْرُ بْنُ
عِمْرَانَ، وَقَدْ رواه شُعْبَةُ عَن أبي جَمْرَةَ أيْضًا، وَزَادَ فِيه: «أَتَدْرُونَ مَا الإيمانُ؟ شَهَادَةُ
أنْ لَا إِلَهَ إِلَّ الله وَأَنِّي رَسُولُ الله)) وَذَكَرَ الحَديثَ، سَمِعْتُ قُتَيْبَةَ بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ: مَا
رأيْتُ مِثْلَ هَؤْلَاءِ الفُقَهَاءِ الأَشْرَافِ الأَرْبَعَةِ: مَالِكِ بْنِ أنَسٍ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ،
وَعَبَّادِ بْنِ عَبَّادِ المُهَلِيِّ، وَعَبْدِ الوَهَّابِ الثَّقَفِيِّ، قَالَ قُتَيْبَةُ: كُنَّا نَرْضَى أنْ نَرْجِعَ مِن
عِنْدِ عَبَّدٍ كُلَّ يَوْمٍ بِحَدِيثَينِ، وَعَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ هُوَ مِن وَلَدِ المَهَلَّبِ بْنِ أبِي صُفْرَةَ.
٦- باب ما جاء في اسْتِكِمَالِ الإيمَان وَزيادته ونَقْصَانهِ [ت٦، ٦٢]
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان، وأبو داود، والنسائي، (وقد روى
شعبة عن أبي جمرة أيضًا، وزاد فيه: ((أتدرون ما الإيمان ... إلخ) رواية شعبة هذه أخرجها
الشيخان، (قال قتيبة: وكنا نرضى أن نرجع كل يوم من عند عباد بن عباد بحديثين) هذا كناية
عن كونه ثقة.
وأما إيراد ابن الجوزي في ((الموضوعات)) حديث أنس: ((إذا بَلَغَ العبدُ أَرْبَعِينَ سنةً)) (١)
من طريق عباد هذا، ونسبته إلى الوضع، وإفحاش القول فيه فوهمٌ منه شنيعٌ جدًّا، فإنه التبس
عليه براوٍ آخر، كما في ((تهذيب التهذيب))
٦- باب في استكمال الإيمان وزيادته ونقصانه
قال العيني في ((شرح البخاري)): النوع الثالث في: أَنَّ الإيمانَ هَلْ يزيدُ وينقص؟ وهو
أيضًا من فروع اختلافهم في حقيقة الإيمانِ، فقال بعضُ من ذهب إلى أن الإيمان هو
التصديق: إن حقيقة التصديق شيءٌ واحد، لا يقبل الزيادة والنقصان، وقال آخرون: إنه لا
يقبل النقصان؛ لأنه لو نقص لا يبقى إيمانًا، ولكن يقبل الزيادة؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ
عَلَيْهِمْ ءَايَتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: ٢]، ونحوها من الآيات، وقال الداودي: سُئل مالك عن
نقص الإيمان، وقال: قد ذكر الله تعالى زيادته في القرآن، وتوقف عن نقصه، وقال: لو
(١) أخرجه الخطيب البغدادي في ((تاريخ بغداد)) (٧٠/٣-٧١).

٣٩٧
كتاب الإيمان عن رسول الله ◌َي﴿ / باب ما جاء في اسْتِكمَالِ الإيمَان وَزيادته ونقْصَانه
نقص لذهب كلّه، وقال ابن بطال: مذهبُ جماعة من أهل السنة من سلف الأمة وخلفها: أن
الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، والحجة على ذلك ما أورده البخاري، قال: فإيمان من لم
تحصل له الزيادة ناقصٌ، وذكر الحافظ أبو القاسم هبة الله اللالكائي في كتاب ((شرح أصول
اعتقاد أهل السنة والجماعة)): أن الإيمان يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، وبه قال من
الصحابة :
عمر بن الخطاب، وعلي، وابن مسعود، ومعاذ، وأبو الدرداء، وابن عباس، وابن
عمر، وعمار، وأبو هريرة، وحذيفة، وسلمان، وعبد الله بن رواحة، وأبو أمامة، وجندب بن
عبد الله، وعمير بن حبيب، وعائشة رضي الله تعالى عنهم.
ومن التابعين: كعب الأحبار، وعروة، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وابن أبي مليكة،
ومیمون بن مهران، وعمر بن عبد العزیز، وسعيد بن جبير، والحسن، ویحیی بن أبي کثیر،
والزهري، وقتادة، وأيوب، ويونس، وابن عون، وسليمان التيمي، وإبراهيم النخعي،
وأبو البحتري، وعبد الكريم الجريري، وزيد بن الحارث، والأعمش، ومنصور، والحكم،
وحمزة الزيات، وهشام بن حسان، ومعقل بن عبد الله الجريري، ثم محمد بن أبي ليلى،
والحسن بن صالح، ومالك بن مغول، ومفضل بن مهلهل، وأبو سعيد الفزاري، وزائدة،
وجرير بن عبد الحميد، وأبو هشام عبد ربه، وعبثر بن القاسم، وعبد الوهاب الثقفي، وابن.
المبارك، وإسحاق بن إبراهيم، وأبو عبيد بن سلام، وأبو محمد الدارمي، والذهلي،
ومحمد بن أسلم الطوسي، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وأبو داود، وزهير بن معاوية، وزائدة،
وشعيب بن حرب، وإسماعيل بن عياش، والوليد بن مسلم، والوليد بن محمد، والنضر بن
شمیل، والنضر بن محمد.
وقال سهل بن متوكل: أدركت ألفَ أستاذٍ كلّهم يقول: الإيمان قول وعمل، يزيد
وينقص، وقال يعقوب بن سفيان: إن أهل السنة والجماعة عَلَى ذلك بمكة، والمدينة،
والبصرة، والكوفة، والشام، منهم: عبيد الله بن يزيد المقري، وعبد الملك الماجشون،
ومطرف، ومحمد بن عبيد الله الأنصاري، والضحاك بن مخلد، وأبو الوليد، وأبو النعمان،
والقَعْنَبِي، وأبو نعيم، وعبيد الله بن موسى، وقبيصة، وأحمد بن يونس، وعمرو بن عون،
وعاصم بن علي، وعبد الله بن صالح - كاتب الليث - وسعيد بن أبي مريم، والنضر بن
عبد الجبار، وابن بكير، وأحمد بن صالح، وأصبغ بن الفرج، وآدم بن أبي إياس،

٣٩٨
كتاب الإيمان عن رسول الله وَ﴿ / باب ما جاء في اسْتِكمَالِ الإيمَان وَزيادته ونقْصَانه
وعبد الأعلى بن مسهر، وهشام بن عمار، وسليمان بن عبد الرحمن، وعبد الرحمن بن
إبراهيم، وأبو اليمان الحكم بن نافع، وحيوة بن شريح، ومكي بن إبراهيم، وصدقة بن
الفضل؛ ونظراؤهم من أهل بلادهم.
وذكر أبو الحسن عبد الرحمن بن عمر في كتاب ((الإيمان)) ذلك عن خلق، قال: وأما
توقف مالك عن القول بنقصان الإيمان؛ فخشيةً أن يتناول عليه موافقة الخوارج.
وقال رسته: ما ذَاكَرْتُ أحدًا من أصحابنا من أهل العلم - مثل علي بن المديني،
وسليمان - يعني: ابن حرب - والحميدي، وغيْرَهم - إلَّا يقولون: الإيمان قول وعمل، يزيد
وينقص. وكذا رُوِيَ عن عمير بن حبيب، وَكَانَ من أصحاب الشجرة، وحكاه اللالكائي في
كتاب ((السنن)) عن وكيع، وسعيد بن عبد العزيز، وشريك، وأبي بكر بن عياش، وعبد العزيز
ابن أبي سلمة، والحمادين، وأبي ثور، والشافعي، وأحمد بن حنبل.
وقال الإمام: هذا البحث لفظي؛ لأن المراد بالإيمان إن كان هو التصديق فلا يقبلهما،
وإن كان الطاعات فيقبلهما، ثم قال: الطاعات مكملة للتصديق، فكلُّ ما قام من الدليل على
أن الإيمان لا يقبل الزيادة والنقصان، كان مصروفًا إلى أصل الإيمان الذي هو التصديق،
وكلُّ ما دلَّ على كون الإيمان يقبل الزيادة والنقصان، فهو مصروف إلى الكامل، وهو مقرون
بالعمل .
وقال بعض المتأخرين: الحق أن الإيمان يقبلهما، سواء كان عبارة عن التصديق مع
الأعمال، وهو ظاهرٌ، أو بمعنى التصديق وحده؛ لأن التصديق بالقلب هو الاعتقاد الجازم،
وهو قابل للقوة والضعف؛ فَإِنَّ التصديقَ بجسمية الشبح الذي بين أيدينا، أقوى من التصديق
بجسميته إذا كان بعيدًا عَنَّا؛ ولأنه يبتدىء في التنزل من أجلى البديهيات، كقولنا: النقيضان
لا يجتمعان، ولا يرتفعان، ثم ينزل إلى ما دونه، كقولنا: الأشياء المتساوية بشيءٍ واحد
متساوية، ثم إلى أجلى النظريات، كوجود الصانع، ثم إلى ما دونه، ككونه مرئيًّا، ثم إلى
أخفاها، كاعتقاد أن العرض لا يبقى زمانين.
وقال بعض المحققين: الحق أن التصديق يقبل الزيادة والنقصان، بوجهين:
الأول: القوة والضعف؛ لأنه من الكيفيات النفسانية، وهي تقبل الزيادة والنقصان،
كالفرح والحزن والغضب، ولو لم يكن كذلك، يقتضي أن يكون إيمان النبي وَّله وأفراد الأمة
سواء، وأنه باطل إجماعًا، ولقول إبراهيم عليه السلام: ﴿وَلَكِن لِيَطْمَيِنَ قَلْبِىِ﴾ [البقرة ٢٦٠].

٣٩٩
كتاب الإيمان عن رسول الله وَ﴿ / باب ما جاء في اسْتِكمَالِ الإيمَان وَزيادته ونقْصَانِه
الثاني: التصديق التفصيلي في أفراد ما علم مجيئه به جزء من الإيمان يثاب عليه ثوابه
على تصديقه بالآخر، وقال بعضهُم في هذا المقام: الذي يؤدي إليه نظري أنه ينبغي أن يكونَ
الحق الحقيق بالقبول أَنَّ الإيمان بحسب التصديق، يزيد بزيادة الكمية المعظمة، وهي العدد
قبل تقرر الشرائع بأن يؤمن الإنسان بجملة ما ثبت من الفرائض، ثم يثبت فرض آخر فيؤمن به
أيضًا، ثم وثم، فيزداد إيمانه، أو يؤمن بحقية كلّ ما جاء به النبي ◌َّهِ إجمالًا قَبْلَ أن تبلغ إليه
الشرائع تفصيلاً، ثم تبلغه فيؤمن بها تفصيلاً، بعدما آمن به إجمالاً ، فيزداد إيمانه.
فإن قلت: يلزم من هذا تفضيل من آمن بعد تقرير الشرائع على من مات في زمن الرسول
عليه السلام من المهاجرين والأنصار؛ لأن إيمان أولئك أزيد من إيمان هؤلاء.
قلت: لا نسلم أن هذه الزيادة سبب التفضيل في الآخرة، وسند المنع أن كل واحد من
هذين الفريقين مؤمن بجميع ما يجب الإيمان به، بحسب زمانه، وهما متساويان في ذلك،
وأيضًا إِنَّما يلزم تفضيلهم على الصحابة بسبب زيادة عدد إيمانهم، لو لم يكن لإيمانهم ترجيح
باعتبار آخر، وهو قوة اليقين، وهو ممنوع؛ لأن لإيمانهم ترجيحًا؛ ألا ترى إلى قوله عليه
الصلاة والسلام: ((لَوْ وُزِنَ إِيمَانُ أَبِي بَكْرٍ مَعَ إِيمَانِ جَمِيعِ الخَلْقِ لَرَجَحَ إِیمَانُ أَِي بَكْرٍ
ولا ينقص الإيمان بحسب العدد قبل تقرر الشرائع، ولا يلزم ترك الإيمان بنقص ما يجب
الإيمان به، ويزيد وينقص بحسب العدد بعد تقرر الشرائع، بتكرار التصديق والتلفظ بكلمتي
الشهادة مرة بعد أخرى، بعد الذهول عنه تكرارًا كثيرًا أو قليلًا، ويزيد وينقص مطلقًا، أي:
قبل تقرر الشرائع وبعده، بحسب الكيفية، أي: القوة والضعف، بحسب ظهور أدلة حقية
المؤمن به، وخفائها وقوتها وضعفها، وقوة اعتقاد المقلِّد في المقلَّد وضعفه.
وروي عن بعض المحققين أنه قال: الأظهرُ أن نفس التصديق يزيد بكثرة النظر، وتظاهر
الأدلة، ولهذا يكون إيمان الصديقين والراسخين في العلم أقوى من إيمان غيرهم؛ بحيث لا
تعتريهم الشبهة، ولا يزلزل إيمانهم معارضٌ، ولا تزال قلوبهم منشرحة للإسلام، وإن
اختلفت عليهم الأحوال. انتهى كلام العيني بلفظه.
وقال بعد ورقة: قوله: ((يزيد وينقص))، أي: الإيمان والإسلام يقبل الزيادة والنقصان،
هذا على تقدير دخول القول والفعل فيه ظاهر، وأما على تقدير أن يكون نفس التصديق، فإنه
أيضًا يزيد وينقص، أي: قوة وضعفًا، أو إجمالًا وتفصيلاً، أو تعدادًا بحسب تعدد المؤمن
به، كما حققناه فيما مضى. انتهى.

٤٠٠
كتاب الإيمان عن رسول الله وَ﴿ / باب ما جاء في اسْتِكمَالِ الإيمَان وَزيادته ونقْصَانه
[٢٦١٢] (٢٦١٢) حَدَّثَنَا أحْمَدُ بْنُ مَنِيعِ البَغْدَادِيُّ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ،
حَدَّثَنَا خَالِدٌ الحَذَّاءُ عَن أبي قلَابَةَ عَن عَائِشَةَ، قَالَت: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ مِن
أكْمَلِ المُؤمِنِينَ إِيمَانًا أحْسَنُهُمْ خُلُقًا، وَالْطَفُهُمْ بِأَهْلِهِ)). [ضعيف حم: ٢٣٦٨٤].
وفي الباب عَن أبي هُرَيْرَةَ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكِ.
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسن صحيح؛ ولَا نَعْرِفُ لأَبِي قِلَابَةَ سَمَاعًا مِن
عَائِشَةَ، وَقَدْ رَوَى أَبُو قِلَابَةَ عَن عَبْدِ الله بْنِ يَزِيدَ - رَضِيعٌ لِعَائِشَةَ - عَن عَائِشَةَ غَيْرَ هَذَا
الحَدِيثِ، وَأَبُو قِلَابَةَ اسْمُهُ: عَبْدُ الله بْنُ زَيْدِ الجَرْمِيُّ. حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا
سُفْيَانُ بن عيينة قَالَ: ذَكَرَ أيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ أَبَا قِلَابَةَ، فَقَالَ: كَانَ وَالله مِنَ الفُقَهَاءِ
ذَوِي الأَلْبَابِ.
قلت: قولُ مَنْ قال من أهل العلم: إن نفسَ التصديقِ يزيدُ وينقصُ، هو الحق
والصواب، والله تعالى أعلم.
[٢٦١٢] قوله: (إن من أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خُلُقًا)، بضم اللام، ويسكن؛ لأن
كمال الإيمان يوجب حسن الخلق، والإحسان إلى كافة الإنسان، (وألطفهم بأهله) أي:
أرفقهم وأبرهم بنسائه، وأولاده وأقاربه وعترته، وفي الحديث أَنَّ المؤمنينَ كُلَّهُمْ ليسوا سواءً
في الإيمانِ، بل بَعْضُهم أَكْمَلُ إِيمَانًا من بَعْضٍ، وبه مطابقة الحديث بالباب.
قوله: (وفي الباب عن أبي هريرة، وأنس بن مالك) أما حديث أبي هريرة، فأخرجه
الترمذي، وأخرجه أبو داود(١) مختصرًا، وأما حديث أنس، فأخرجه الترمذي(٢) في ((صفة
جهنم))، وأخرجه أيضًا الشيخان.
قوله: (هذا حديث حسن) وأخرجه الحاكم.
قوله: (كان والله من الفقهاء ذوي الألباب) زاد الحافظ في ((تهذيب التهذيب)) بعد هذا:
ما أدركت بهذا المصر رجلًا كان أعلم بالفقهاء من أبي قلابة.