Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
كتاب صفة الجنة عن رسول الله ◌َ﴿ / باب مَا جَاءَ في خُلُودِ أهلِ الجَنَّةِ وَأهْلِ النَّار
((وَهَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ؟)) قالُوا: لا يَا رَسُولَ الله، قَالَ: ((فَإِنَّكُمْ لا
تُضَارُّونَ فِي رُؤيَتِهِ تِلْكَ السَّاعَةِ، ثُمَّ يَتَوَارى، ثُمَّ يَطَّلِعُ فَيُعَرِّفُهُمْ نَفْسَهُ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا
رَبُّكُمْ فَاتَّبِعُونِي، فَيَقُومُ المُسْلِمُونَ وَيُوضَعُ الصِّرَاطُ فَيَمُرُّون عَلَيْهِ مِثْلُ جِيَادِ الخَيْلِ
وَالرِّكَابٍ وَقَوْلُهُمْ عَلَيْهِ سَلِّمْ سَلِّمْ، وَيَبْقَى أَهْلُ النَّارِ فَيُطْرَحُ مِنْهُمْ فِيهَا فَوْجٌ، ثُمَّ يُقَالُ:
هَلِ امْتَلأتٍ، فَتَقُولُ: ﴿هَلْ مِن ◌َّزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠] ثُمَّ يُطْرَحُ فِيهَا فَوْجٌ فَيُقَالُ: هَلٍ
(وهل تضارون) قال النووي: روي: ((تضارون)) بتشديد الراء، وتخفيفها، والتاء مضمومة
فيهما، ومعنى المشدد: ((هل تضارون غيركم في حالة الرؤية بزحمة، أو مخالفة في الرؤية أو
غيرها، لخفائه كما تفعلون أَوَّلَ ليلة من الشهر؟))، ومعنى المخفف: ((هَلْ يلحقكم في رؤيته
ضيرٌ))، وهو الضرر. وقال الحافظ: بضم أوله، وبالضاد المعجمة وتشديد الراء بصيغة
المفاعلة من الضرر وأصله: تضاررون، بكسر الراء وبفتحها، أي: لا تضرون أحدًا، ولا
يضركم بمنازعة ولا مجادلة ولا مضايقة، وجاء بتخفيف الراء من الضير، وهو لغةٌ في الضر،
أي: لا يخالف بعض بعضًا فيكذبه وينازعه، فيضيره بذلك، يقال: ضاره يضيره، (ثم يطلع
فيعرفهم نفسه) أي: يلقي في قلوبهم علمًا قطعيًا، يعرفون به أنه ربهم سبحانه وتعالى: (أنا
ربكم فاتبعوني) وعند الشيخين: ((أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا، فَيَتْبَعُونَهُ)). قال النووي:
معناه: يتبعون أمره إياهم بذهابهم إلى الجنة، أو يتبعون ملائكته الذين يذهبون بهم إلى
الجنة، (ويوضع الصراط) وعند مسلم: ((ويُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَانَي جهنم))، (فيمرِ عليه)
أي: فيمر المسلمون على الصراط.
(مثل جياد الخيل). قال في ((القاموس)): فرس جواد، بين الجودة، بالضم: رائع،
والجمع جياد، وقد جاد في عدوه جودة. انتهى، وهو من إضافة الصفة إلى الموصوف،
(والركاب) بكسر الراء، عطف على الخيل، والمراد بها الإبل، ولا واحد له من لفظه،
(وقولهم) أي: قول الرسل والأنبياء، (عليه) أي: على الصراط: (سلم سلم) أمر مخاطب،
أي: يقول كل نبي: اللَّهم سلم أُمتي من ضرر الصراط، اللَّهم اجعلهم سالمين من آفاته،
آمنين من مخافاته، وتكراره مرتين المراد به الكثرة، أو باعتبار كل واحد من أهل الشفاعة،
أو للإلحاح في الدعاء، كما هو من آدابه، وفي رواية البخاري: ((ودعاءُ الرسلِ يومئذٍ: اللَّهم
سَلِّم سَلِّم)».
قال الحافظ: في رواية شعيب: (وَلا يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ أحدٌ إلَّ الرسلُ) وفي رواية إبراهيم بن

٣٢٢
كتاب صفة الجنة عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاءَ في خُلُودِ أهلِ الجَنَّةِ وَأهْلِ النَّار
امْتَلأتِ، فَتَقُولُ: ﴿هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ حَتَّى إِذَا أوعَبُوا فِيهَا وَضَعَ الرَّحْمنُ قَدَمَهُ فِيهَا،
سعد: ((وَلا يُكَلِّمُهُ إِلَّا الأنبياءُ، وَدَعْوَى الرسلِ يَوْمَئِذٍ: اللَّهُمَّ سلِّم سلِّم)). ووقع في رواية
العلاء: ((وقولهم: اللَّهمَّ سلِّم سلِّم))، وللترمذي من حديث المغيرة: ((شعار المؤمنين على
الصراط: ربِّ سلِّم سلِّم))، والضمير في الأول للرسل، ولا يلزم من كون هذا الكلام شعار
المؤمنين أَنْ يَنطقوا به، بل تنطق به الرسل، يدعون للمؤمنين بالسلامة، فسمي ذلك شعارًا
لهم، فبهذا تجتمع الأخبار، ويؤيده قوله في رواية سهيل: ((فَعِنْدَ ذَلِكَ حَلَّتِ الشَّفَاعَةُ: اللَّهُمَّ
سَلِّمْ سَلِّمْ». انتھی.
(ثم يطرح فيها فوج) أي: من أهل النار، (فتقول: هل من مزيد) أي: من زيادة، (حتى
إذا أوعبوا فيها) من الإيعاب، وهو الاستقصاء في كل شيء.
(وضع الرحمن تدمه فيها)، وفي رواية لمسلم: ((رجله))، قال القاري: مذهب السلف:
التسليمُ والتفويضُ مع التنزيه، وأرباب التأويل من الخلف يقولون: المراد بالقدم: قدم بعض
مخلوقاته، فيعود الضمير في قدمه إلى ذلك المخلوق المعلوم، أو قوم قدمهم الله للنار من
أهلها، وتقدم في سَابِقٍ حكمه أنهم لاحقوها، فتمتلئ منهم جهنم، والعربُ تقول: ((كل شيء
قدمته من خير أو شر فهو قدم)) ومنه قوله تعالى: ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس: ٢]،
أي: ما قدموه من الأعمال الصالحة، الدالة على صدقهم في تصديقهم، والمراد بالرجل
الجماعةُ من الجَرَادِ، وهو وإن كان موضوعًا لجماعة كثيرة من الجراد، لكن استعارتهُ لجماعة
الناس غَيْرُ بعيدٍ، أو أخطأ الراوي في نقله الحديث بالمعنى، وظن أن ((الرجل)) سد مسد
القدم.
هذا، وقد قيل: وضع القدم على الشيء مَثَلُ للردع والقمع؛ فكأنه قال: يأتيها أمر الله
فيكفها من طلب المزيد، وقيل: أريد به تسكين فورتها؛ كما يقال للأمر يراد إبطاله: وَضَعْتُهُ
تَحْتَ قَدَمِي، ذكره في ((النهاية))، وفي ((شرح السنة)): القدم والرجل المذكوران في هذا
الحديث: من صفات الله المنزهة عن التكييف والتشبيه، وكذلك كل ما جاء من هذا القبيل
في الكتاب أو السنة، كاليد، والأصبع، والعين، والمجيء، والإتيان، والنزول.
فالإيمان بها فرضٌ، والامتناعُ عن الخوض فيها واجبٌ، فالمُهْتَدِي مَنْ سلك فيها طريقَ
التسليم، والخائضُ فيها زائغٌ، والمنكرُ مُعَطِّلٌ، والمكيِّفُ مَشَبِّهٌ، تعالى الله عن ذلك عُلُوًّا
كبيرًا، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. انتهى.

٣٢٣
كتاب صفة الجنة عن رسول الله وَليه / باب مَا جَاءَ في خُلُودِ أهلِ الجَنَّةِ وَأَهْلِ النَّار
وَأَزْوَى بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ، ثُمَّ قَالَ: قَطْ، قَالَت: قَطْ قَطْ، فَإِذَا أدْخَلَ الله أهْلَ الجَنَّةِ
الجَنَّة وَأهْلَ النَّارِ النَّارِ قَالَ: أُتِيَ بِالمَوْتِ مُلَبِّبًا فَيُوقَفُ عَلَى السُّورِ الَّذِي بَيْنَ أهْلِ
الجَنَّةِ وَأهْلِ النَّارِ، ثُمَّ يُقَالُ: يا أهْلَ الجَنَّةِ، فَيَطَّلِعُونَ خَائِفِينَ، ثُمَّ يُقَالُ: يا أهْلَ
النَّارِ، فَيَطَّلِعُونَ مُسْتَبْشِرِينَ يَرْجُونَ الشَّفَاعَة، فَيُقَالُ لأَهْلِ الجَنَّةِ وَأهْلِ النَّارِ: هَلْ
تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَقُولُونَ هَؤلاءٍ وَهَؤلاءِ: قَدْ عَرَفْنَاهُ هُوَ المَوْتُ الَّذِي وُكِّلَ بِنَا، فَيُضْجَعُ
فَيُذْبَحُ ذَبْحًا عَلَى السُّورِ الَّذِي بِينَ الجنَّة والنَّارِ، ثُمَّ يُقَالُ: يا أهْلَ الجَنَّةِ خُلُودٌ لا
مَوْت، ويا أهْلَ النَّارِ خُلُودٌ لا مَوْت)). [حم: ٩٣٤٠].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذَا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
قال القاري: وهو الموافق لمذهب الإمام مالك - رحمه الله -، ولطريق إمامِنا الأعظم،
على ما أشار إليه في الفقه الأكبر، فالتسليمُ أَسْلَمُ، والله تعالى أعلم. انتهى.
قلت: الأمر كما قال القاري، فلا شك أن التسليم والتفويض هو الأسلم، بل هو المتعينُ.
(وأزوي بعضها إلى بعض) بصيغة المجهول، وفي رواية: ((يزوى))، أي: يضم بعضها
إلى بعض، فتجتمع، وتلتقي على من فيها، (قالت) أي: النار: (قطّ قّ) قال النووي: معنى
قطّ: حسبي، أي: يكفيني هذا.
وفيه ثلاث لغات: قَطْ قَظْ بإسكان الطاء فيهما، وبكسرها منونة، وغير منونة. انتهى،
والتكرار للتأكيد.
(أتي بالموت) أي: أحضر به كهيئة كبش أملح، كما في حديث أبي سعيد الآتي، (ملبيًا)
في ((القاموس)): لببه تلبيبًا: جمع ثيابه عند نحره في الخصومة، ثم جَرَّه، (فيطلعون خائفين)
أي: أن يخرجوا من مكانهم الذي هم فيه، (فيطلعون مستبشرين يرجون الشفاعة) أي: يرجون
أن يشفع لهم فيخرجوا من النار، وفي رواية ابن ماجه: ((مستبشرين فرحين أن يخرجوا من
مكانهم الذي هم فيه))، (يا أهل الجنة خلود) أي: هذا الحال مستمر، ويحتمل أن يكون جمع
خالد، أي: أنتم خالدون في الجنة، (لا موت) بفتح التاء المثناة، أي: لا موت في الجنة.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه ابن ماجه، وابن حبان(١) في ((صحيحه))
مختصرًا .
(١) ابن حبان، حديث (٧٤٤٥).

٣٢٤
كتاب صفة الجنة عن رسول الله وَله / باب مَا جَاءَ في خُلُودِ أهلِ الجَنَّةِ وَأهْلِ النَّار
وقد رُوِيَ عَن النبيِّ وَّهِ رِوَايَاتٌ كَثِيرَةٌ مِثْلِ هَذَا مَا يُذْكَرُ فِيهِ أمْرُ الرُّؤْيَةِ أنَّ النَّاسَ
يَرَوْنَ رَبَّهُمْ وَذِكْرُ القَدَمَ وَمَا أَشْبَه هَذِهِ الأَشْيَاءَ، وَالمَذْهَبُ فِي هَذَا عِنْدَ أهلِ العِلْم مِنَ
الأئِمَّةِ مِثْلِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَابنِ المُبَارَكِ وابنِ عُيَيْنَةَ وَوَكِيعِ وَغَيْرِهِمْ:
أنَّهُمْ رَوَوْا هَذِهِ الأشْيَاءَ ثم قَالُوا: تُرْوَى هَذِهِ الأحَادِيثُ وَنُؤْمِنُ بِهَا، وَلا يُقَالُ:
كَيْفَ؟ وهذا الَّذِي اخْتَارَهُ أهلُ الحديثِ أن تُروَى هذِهِ الأشْياءِ كَمَا جاءتْ وَيُؤْمَنُ بِهَا
ولا تُفَسَّرُ ولا تتوهم ولا يُقَالُ: كَيْفَ، وَهَذا أمْرُ أهلِ العِلْمِ الذي اخْتَارُوهُ وَذَهَبُوا
إِلَيْهِ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ في الحديثِ: فَيُعَرِّفُهُمْ نَفْسَهُ يَعْنِي يَتَجَلَّى لَهُمَّ.
[٢٥٥٨] (٢٥٥٨) حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعِ، حَدَّثَنَا أَبِي عَن فُضَيْلٍ بْنِ مَرْزُوقٍ عَن
عَطِيَّةَ عَن أَبِي سَعِيدٍ يَرْفَعُهُ قَالَ: ((إِذَا كَانَ يَوْمُّ القِيَامَةِ أُتِيَ بِالمَوْتِ كَالكَبْشِ الأَمَلَحِ،
فَيُوقَفُ بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ فَيُذْبَحُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ، فَلَوْ أَنَّ أَحَدًا مَاتَ فَرَحًا لَمَاتَ أَهَلُ
الجَنَّةِ، وَلَوْ أنَّ أحَدًا مَاتَ حُزْنَا لَمَاتَ أهْلُ النَّارِ)). [صحيح دون قوله ((فلو أن أحدًا) خ: ٤٧٣٠،
م: ٢٨٤٩، حم: ١٠٦٨٢].
قوله: (وهذا أمر أهل العلم الذي اختاروه وذهبوا إليه) وهو الحق والصواب، وهو
مذهب السلف رضي الله عنهم أجمعين، وهو مذهب الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى، وقد
تقدم الكلام في هذه المسألة في ((باب فضل الصدقة))، من ((أبواب الزكاة).
[٢٥٥٨] قوله: (كالكبش الأملح) قال القرطبي: الحكمة في الإتيان بالموت هكذا:
الإشارةُ إلى أنهم حصل لهم الفداء به، كما فدي ولد إبراهيم بالكبش، وفي الأملح إشارةٌ إلى
صفتي أهل الجنة والنار، لأن الأملح ما فيه بياض وسواد، وقال ابن العربي: استشكل هذا
الحديث؛ لكونه يخالف صريح العقل، لأن الموت عَرَضٌ، والعرض لا ينقلبُ جسمًا،
فكيف يذبح، فأنكرت طائفة صحة هذا الحديث ودفعته، وتأولته طائفة فقالوا: هذا تمثيلٌ،
ولا ذبح هناك حقيقة، وقالت طائفة: بل الذبحُ على حقيقته، والمذبوح متولي الموت، وكلهم
يعرفه؛ لأنه الذي تولى قبض أرواحهم، وقال المازري: الموت عندنا عَرَضٌ من الأعراض،
وعند المعتزلة ليس بمعنى، بل معناه عدم الحياة، وهذا خطأً؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَقَ الْمَوْتَ
وَالحَيَوَةَ﴾ [الملك: ٢]، فأثبت الموت مخلوقاً، وعلى المذهبين لا يصح أن يكون كبشًا ولا
جسمًا، وأن المراد بهذا التمثيل والتشبيه، ثم قال: وقد يخلق الله تعالى هذا الجسم، ثم
يذبح، ثم يجعل مثالًا؛ لأن الموت لا يطرأ على أهل الآخرة.

٣٢٥
كتاب صفة الجنة عن رسول الله وَ﴿﴿ / باب مَا جَاءَ حُقَّتِ الجَنَّةُ بالمَكَارِهِ وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَات
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
٢١ - باب مَا جَاءَ حُفَّتِ الجَنَّهُ بالمكارِهِ وَحُفَّتِ النَّارُ بالشَّهَوَاتِ [ت٢١، ٢١٢]
[٢٥٥٩] (٢٥٥٩) حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ عَبْدِ الرَّحمنِ، أخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِم،
أُخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَن حُمَيْدٍ وَثَابِتٍ عَن أَنَسٍ، أنَّ رَسُوْلَ اللهِوَلِ قَالَ: ((حُفَّتِ
الجَنَّةُ بِالمَكَارِهِ، وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهِوَاتِ)). [م: ٢٨٢٢، حم: ١٢١٤٩، مي: ٢٨٤٣].
وقال القرطبي في ((التذكرة)): الموت معنى، والمعاني لا تنقلب جوهرًا، وإنما يخلق الله
أشخاصًا من ثواب الأعمالِ، وكذا الموت يخلق الله كبشًا يسميه الموت، ويلقي في قلوب
الفريقين أن هذا الموت، يكون ذبحُهُ دليلًا على الخلود في الدارين.
وقال غيره: لا مانع أن ينشىء الله من الأعراض أجسادًا، يجعلها مادة لها كما ثبت في
مسلم، في حديث ((أن ((البقرة)) و((آل عمران)) يجيئان كأنهما غمامتان))، ونحو ذلك من
الأحاديث. انتهى.
قلت: هذا القول الأخير هو المعتمد.
قوله: (هذا حديث حسن) وأخرجه الشيخان، والنسائي.
٢١ - باب ما جاء حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات
[٢٥٥٩] قوله: (حفت) بصيغة المجهول: من الحفاف، هو ما يحيط بالشيء حتى لا
يتوصل إليه إلَّا بتخطيه، أي: أحيطت، ووقع في ((صحيح البخاري)): ((حجبت))، (بالمكاره)
أي: بما أمر المكلف بمجاهدة نفسه فيه، فعلًا وتركًا، وأطلق عليها المكاره؛ لمشقتها على
العامل وصعوبتها عليه، (وحفت النار بالشهوات) أي: ما يستلذ من أمور الدنيا مما منع
الشرع من تعاطيه، إما بالأصالة، وإما لكون فعله يستلزم ترك شيء من المأمورات، قال
النووي في ((شرح مسلم)): قال العلماء: هذا من بديع الكلام وفصيحه وجوامعه التي أوتيها
وَله من التمثيل الحسن، ومعناه: لا يوصل إلى الجنة إلا بارتكاب المشقات، المعبر عنها
بالمكروهات، ولا إلى النار إلا بتعاطي الشهوات، وكذلك هما محجوبتان بهما، فمن هتك
الحجاب وصل إلى المحجوب، فهتك حجاب الجنة باقتحام المكاره، وهتك حجاب النار
بارتكاب الشهوات، فأما المكاره، فيدخل فيها: الاجتهاد في العبادات، والمواظبة عليها،
والصبر على مشاقها، وكظم الغيظ، والعفو، والحلم، والصدقة، والإحسان إلى المسيء،
والصبر على الشهوات، ونحو ذلك.

٣٢٦
كتاب صفة الجنة عن رسول الله وَله / باب مَا جَاءَ حُقَّتِ الجَنَّةُ بالمَكَارِهِ وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَات
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ مِن هذا الوَجْهِ صحيحٌ.
[٢٥٦٠] (٢٥٦٠) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمانَ عَن مُحَمْدِ بْنِ
عَمْرٍو، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، عَن رَسُولِ اللهِ وَّهِ قَالَ: ((لمّا خَلَقَ الله
الجَنَّةَ وَالنَّارَ أرْسَلَ جِبْرِيلَ إلَى الجَنَّةِ، فَقَالَ: انْظُرْ إلَيْهَا وَإِلَى مَا أَعْدَدْتُ لأَهْلِهَا
فِيهَا، قَالَ: فَجَاءَهَا وَنَظَرَ إِلَيْهَا وَإِلَى مَا أُعَدَّ الله لأَهْلِهَا فِيهَا، قَالَ: فَرَجَعَ إِلَيْها،
قَالَ: فَوَعِزَّتِكَ لا يَسْمَعُ بِهَا أَحَدٌ إلَّا دَخَلَهَا، فَأَمَرَ بِهَا فَحُفَّتْ بِالمَكَّارِهِ، فَقَالَ: ارْجِعْ
إِلَيْهَا فَانْظُرْ إِلَى مَا أَعْدَدْتُ لأَهْلِهَا فِيهَا، قَالَ: فَرَجَعَ إِلَيْهَا فَإِذَا هِيَ قَدْ حُفَّتْ
بِالمَكَارِهِ، فَرَجَعَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: وَعِزَّتِكَ لَقَدْ خِفْتُ أنْ لا يَدْخُلَهَا أَحَدٌ، قَالَ: اذْهَبْ
إِلَى النَّارِ فَانْظُرْ إِلَيْهَا وَإِلَى مَا أَعْدَدْتُ لأَهْلِهَا فِيهَا، فَإِذَا هِيَ يَرْكَبُ بَعْضُهَا بَعْضًا،
فَرَجَعَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: وَعِزَّتِكَ لا يَسْمَعُ بِهَا أَحَدٌ فَيَدْخُلَهَا، فَأَمَرَ بِهَا فَحُفَّتْ بِالشَّهَوَاتِ،
فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَيْهَا، فَرَجَعَ إلَيْهَا، فَقَالَ: وَعِزَّتِكَ
وأما الشهوات التي النار محفوفة بها، فالظاهر أنها الشهوات المحرمة: كالخمر،
والزنا، والنظر إلى الأجنبية، والغيبة، واستعمال الملاهي، ونحو ذلك.
وأما الشهوات المُبَاحَةُ، فلا تدخل في هذه، لكن يكره الإكثار منها؛ مخافة أن يجر إلى
المحرمة، أو يقسي القلب، أو يشغل عن الطاعات، ونحو ذلك. انتهى.
قوله: (هذا حديث حسن غريب صحيح) وأخرجه أحمد، ومسلم، وأخرجه الشيخان عن
أبي هريرة.
[٢٥٦٠] قوله: (انظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها) أي: ما هيأت فيها لعبادي
الصالحين، (قال) أي: جبرائيل، (فوعزتك) ((الواو)): للقسم، (لا يسمع بها أحد إلا دخلها)
أي: طمع في دخولها، وجاهد في حصولها، ولا يهتم إلا بشأنها لحسنها وبهجتها، (فحفت)
أي: أحيطت، (بالمكاره) جمع كُروٍ: وهو المشقة والشدة، على غير قياس، والمراد بها
التكاليف الشرعية التي هي مكروهة على النفوس الإنسانية، وهذا يدل على أن المعاني لها
صور حسيَّة في تلك المباني، (فانظر إلى ما أعددت لأهلها فيها) أي: ثانيًا، لما تجدد من
الزيادة عليها باعتبار حواليها، (لقد خفت أن لا يدخلها أحد) أي: لوجود المكاره من
التكاليف الشاقَّة، ومخالفة النفس، وكسر الشهوات، (لا يسمع بها أحد فيدخلها) أي: لا

٣٢٧
كتاب صفة الجنة عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاءَ في احْتِجاجِ الجَنَّةِ وَالنَّار
لَقَدْ خَشِيتُ ألَّا يَنْجُوَ مِنْهَا أحَدٌ إلَّا دَخَلَهَا)). [حم: ٢٧٥١٢].
قَالَ أبُو عِيْسَی: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
٢٢ - باب مَا جَاءَ في احْتِجَاجِ الجَنَّةِ وَالنَّار [ت:٢٢، ٢٢٢]
[٢٥٦١] (٢٥٦١) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَن مُحَمَّدِ بْنِ
عَمْرٍو، عَن أبِي سَلَمَةَ عَن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِهِ: ((احْتَجَّتِ الجَنَّةُ
وَالنَّارُ، فَقَالَت الجَنَّةُ: يَدْخُلُنِي الضُّعَفَاءُ وَالمَسَاكِينُ، وَقَالَتِ النَّارُ:
يسمع بها أحد إلَّا فزع منها، واحترز، فلا يدخلها، (لقد خشيت أن لا ينجو منها أحد إلا
دخلها) وفي رواية أبي داود(١): ((لَقَدْ خَشِيتُ أَن لَا يَبْقَى أَحَدٌ إِلَّ دَخَلَهَا))، ومعناها ظاهرٌ،
وأما رواية الكتاب، فلا يظهر معناها إلَّا أن يجعل: ((إلا)) بمعنى ((بل).
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أبو داود، والنسائي، وابن حبان،
والحاكم (٢)، كذا في ((الفتح)).
٢٢ - باب ما جاء في احتجاج الجنة والنار
[٢٥٦١] قوله: (احتجت) أي: اختصمت؛ كما في رواية للبخاري، وفي رواية أخرى له
ولمسلم: ((تحاجت))، (يدخلني الضعفاء والمساكين) قيل: معنى الضعيف ههنا الخاضعُ الله
تعالى بذلِ نفسه له سبحانه وتعالى، ضدُّ المتجبر والمتكبر، وفي رواية للبخاري (٣): ((مَالِي
لَا يَدْخُلُنِي إِلَّا ضُعَفَاءُ النَّاس وسَقَطُهُمْ)). قال الحافظ: أي: المحتقرون بينهم، الساقطون من
أعينهم، هذا بالنسبة إلى ما عند الأكثر من الناس، وبالنسبة إلى ما عند الله هم عظماء رفعاءُ
الدرجات؛ لكنهم بالنسبة إلى ما عند أنفسهم لعظمة الله عندهم وخضوعهم له في غايةٍ
التواضعِ لله والذِلَّة في عباده، فَوَصْفُهُمْ بالضعفِ والسقط بهذا المعنى صحيحٌ، أو المراد
بالحصر في قول الجنة: ((إلَّا ضعفاء الناس)) الأغلبُ.
(١) أبو داود، كتاب السنة، حديث (٤٧٤٤).
(٢) ابن حبان، حديث (٧٣٩٤) والحاكم، حديث (٧٢).
(٣) البخاري، كتاب تفسير القرآن، حديث (٤٨٥٠).

٣٢٨
كتاب صفة الجنة عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاءَ في اخْتِجَاجِ الجَنَّةِ وَالنَّار
يَدْخُلُنِ الجَبَّارُونَ وَالمُتَكَبِّرُونَ، فَقَالَ لِلنَّارِ: أنْتِ عَذَابِي أَنْتَقِمُ بِكِ مِمَّنْ شِئْتُ، وَقَالَ
لِلْجَنَّةِ: أنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَن شِئْتُ)). [م: ٢٨٤٦، خ بنحوه: ٤٨٥٠، حم: ٧٦٦١].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
(يدخلني الجبارون والمتكبرون) وفي رواية للشيخين(١): ((أُوثِرْتُ بالمتكبرين
والمتجبرين)). قال القاري: هما بِمَعْنَى؛ جمع بينهما للتأكيد، وقيل: المتكبر المتعظم بما
ليس فيه، والمتجبر الممنوع الذي لا يوصل إليه.
وقيل: الذي لا يكترث ولا يبالي بأمر الضعفاء والمساكين، (أنت عذابي) أي: سبب
عقوبتي، ومنشأ سخطي وغضبي، (أنتقم بك ممن شئت) وفي رواية للشيخين: ((أُعَذِّبُ بِكِ
مَنْ أَشَاءُ))، (وقال: للجنة أنت رحمتي) أي: مظهرها، في ((شرح السنة)): سمَّى الجنة رحمةً؛
لأن بها تظهر رحمة الله تعالى؛ كما قال: (أرحم بك من شئت) وإلا فرحمة الله من صفاته
التي لم يزل بها موصوفًا، ليست لله صفة حادثة، ولا اسم حادث، فهو قديم بجميع أسمائه
وصفاته جلّ جلالهُ وَتَقَدَّسَتْ أسماؤه.
قال ابن بطال عن المهلب: يجوزُ أن يكون هذا الخصام حقيقة، بأن يخلق الله فيهما
حياة وفهمًا وكلامًا، والله قادرٌ على كل شيء، ويجوز أن يكون هذا مجازًا؛ كقولهم: امتلأ
الحوضُ وقال الدارقطني: والحوضُ، لا يتكلم، وإنما ذلك عبارة عن امتلائه، وأنه لو كان
ممن ينطق لقال ذلك، وكذا في قول النار.
(هل من مزيد) قال: وحاصل اختصامهما افتخارُ إحداهما على الأخرى بمن يسكنها،
فتظن النار أنها بمن ألقي فيها من عظماء الدنيا أبرُّ عند الله من الجنة، وتظن الجنةُ أنها بمن
أسكنها من أولياء الله تعالى أبرُّ عند الله، فأجيبتا بأنه لا فضل لإحداهما على الأخرى من
طريق من يسكنهما، وفي كليهما شائبةُ شكايةٍ إلى ربِّهما؛ إذ لم تذكر كلُّ واحدة منهما إلَّا ما
اختصت به، وقد رد الله الأمر في ذلك إلى مشيئته، وقال النووي: هذا الحديث على ظاهره،
وأن الله يخلق في الجنة والنار تمييزًا يُدْرِكَان به وَيَقْدران على المراجعة والاحتجاج، ولا يلزم
من هذا أن يكون ذلك التمييز فيهما دائمًا. انتهى.
قلت: حمل الحديث على ظاهره هو المتعين، ولا حاجة إلى حمله على المجاز.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان.
(١) البخاري، كتاب تفسير القرآن، حديث (٤٨٥٠) ومسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها، حديث (٢٨٤٦).

٣٢٩
كتاب صفة الجنة عن رسول الله ◌َ﴿ / باب مَا جَاءَ مَا لأَدْنَى أهْلِ الجَنَّةِ مِن الكَرَامَة
٢٣ - باب مَا جَاءَ مَا لأَدْنَى أهْلِ الجَنَّةِ مِن الكَرَامَة [ت٢٣، ٢٣٢]
[٢٥٦٢] (٢٥٦٢) حَدَّثَنَا سُوَيْدٌ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الله، أخْبَرَنَا رِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ،
حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ الحَارِثِ عَن دَرَّاجِ عَن أبِي الهَيئَم عَن أبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ، قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((أدْنَى أهْلِ الجَنَّةِ مَنْزِلَةً، الَّذِي لَهُ ثَمَانُونَ أَلْفَ خَادِمِ، وَاثْنَتَانِ
وَسَبْعُونَ زَوجَةً، وتُنْصَبُ لَهُ قُبَّةٌ مِن لُؤْلُوٍ وَزَبَرْ جَدٍ وَيَاقُوتٍ كَمَا بَيْنَ الْجَابِيَة إلَى
صَنْعَاءَ)). وَبِهِذَا الإِسْنَادِ عَنِ النَّبِّ وَ ﴿ قَالَ: ((مَن مَاتَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ مِن صَغِيرٍ أوْ
كَبِيرٍ دُونَ أبناء ثَلاثِينَ في الجَنَّةِ لا يَزِيدُونَ عَلَيْهَا أَبَدًا، وَكَذَلِكَ أهْلُ النَّارِ)) وَبِهَذَا
٢٣ - باب ما جاء ما لأدنى أهل الجنة من الكرامة
[٢٥٦٢] قوله: (أدنى أهل الجنة منزلة) أي: أقلهم مرتبة، (الذي له ثمانون ألف خادم)
قال المناوي: أي: يعطى هذا العدد، أو هو مبالغة في الكثرة، (واثنتان وسبعون زوجة) أي:
من الحور العين، كما في روايةٍ، أي: غير ماله من نساء الدنيا، (وتنصب له) بصيغة
المجهول، أي: تضرب وترفع له، (قبة) بضم القاف، وشد الموحدة: بيت صغيرٌ مُسْتَدِيرٌ،
(من لؤلؤ) بضم اللامين، (وزبرجد وياقوت) قال القاضي رحمه الله: يريدُ أَنَّ القبة معمولة
منها، أو مكللة بها، (كما بين الجابية) قرية بالشام، (إلى صنعاء) قصبة باليمن، تشبه دمشق
في كثرة الماء والشجر، والمسافة بينهما أكثرُ من شهر.
والمعنى: أن فسحة القبة وسعتها طولًا وعرضًا وبُعد ما بين طرفيه كما بين الموضعين.
وإذا كان هذا للأدنى فَمَا بَالُكَ للأعلى، وهذا الحديث أخرجه أيضًا أحمد، وابن حبان (١)،
والضياء.
قوله: (وبهذا الإسناد) أي: الإسناد السابق.
قوله: (من مات من أهل الجنة، من صغير أو كبير بردون) بصيغة المجهول، أي:
يعودون، وفيه تغليبٌ؛ لأنه لا رد في الصغير، أو المعنى: يصيرون، (في الجنة) متعلق
بقوله: ((يردون)) (لا يزيدون عليها أبدًا) أي: زيادة مؤثرة في تغيير أبدانهم، وأعضائهم،
وشعورهم، وأشعارهم، وإلَّا فزمانُهم في الجنةِ يَتَزَايَدُ أَبَدَ الآبدين، (وكذلك أهل النار) أي:
(١) ابن حبان، حديث (٧٤٠١).

٣٣٠
كتاب صفة الجنة عن رسول الله وَالفجر / باب مَا جَاءَ مَا لأَذْنَى أهْلِ الجَنَّةِ مِن الكَرَامَة
الإِسْنَادِ عَنِ النَّبِّ وَِّ قَالَ: ((إنَّ عَلَيْهِم التِّيجَانَ، إِنَّ أْنَى لُؤْلُؤةٍ مِنْهَا لِتُضِيءُ مَا بَيْنَ
المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ)). [حم: ٢٧٣٢٣].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِن حَدِيثِ رِشْدِينَ بن سعد.
[٢٥٦٣] (٢٥٦٣) حَدَّثَنَا بُنْدَارٌ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَام، حَدَّثَنَا أبِي، عَن عَامِرٍ
الأَحْوَلِ، عَن أبِي الصِّدِّيقِ النَّاجِيِّ، عَن أبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله
وَّهِ: ((المُؤمِنُ إذَا اشْتَهَى الوَلَدَ في الجَنَّةِ كَانَ حَمْلُهُ وَوَضْعُهُ وَسِنُّهُ فِي سَاعَةٍ كَمَا
٢٨٣] .
يَشْتَهِي)). [جه: ٤٣٣٨، مي
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ، وَقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ فِي هَذَا،
فَقَالَ بَعْضُهُمْ: فِي الجَنَّةِ جِمَاعٌ وَلَا يَكُونُ وَلَدٌ، هَكَذَا روي عَن طَاوُسٍ وَمُجَاهِدٍ
وَإِبْراهيمَ النّخَعِيِّ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهيمَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ◌ََّ: إِذَا
في العمر وعدم الزيادة، قال الطيبي رحمه الله: فإن قلت: ما التوفيق بين هذا الحديث وبين
ما رواه مسلمٌ عن أبي هريرة في ((باب البكاء)): ((صِغَارُهُمْ دعاميص الجنة)) أي: داخلون على
منازلهم، لا يمنعون من موضع كما في الدنيا؟
قلت: ((في الجنة)): ظرف لـ ((يردون))، وهو لا يشعر أنهم لم يكونوا دعاميص قَبْل الرد.
قوله: (إن عليهم) أي: على رؤوس أهل الجنة، (التيجان) بكسر المثناة الفوقية، جمع
تاجٍ، (إن أدنى لؤلؤة منها) أي: من التيجان (لتضيء) بالتأنيث، قال القاري: ولعلَّ وجهه:
أن المضاف اكتسب التأنيث من المضاف إليه، والمعنى: لتنور، (ما بين المشرق والمغرب)
فـ ((أضاء)) متعدٍّ، ويمكن أن يكون لازمًا، والتقدير: ليضيء به ما بينهما من الأماكن، ولو
ظهرت على الدنيا .
قوله: (هذا حديث غريب) أي: كل واحد من الأحاديث الثلاثة المذكورة بالإسناد
الواحدِ غريبٌ، (لا نعرفه إلا من حديث رشدين بن سعد) وهو ضعيف.
[٢٥٦٣] قوله: (كان حمله) أي: حمل الولد، (ووضعه وسنه) أي: كمال سنه، وهو
الثلاثون سنة، (كما يشتهي) من أن يكون ذكرا أو أنثى، ونحو ذلك.
قوله: (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه أحمد، وابن ماجه، وابن حبان، والدارمي.
قوله: (وقال محمد) هو الإمام البخاري، (قال إسحاق بن إبراهيم) هو ابن راهويه،

٣٣١
كتاب صفة الجنة عن رسول الله وَاجِ / باب مَا جَاءَ في كَلَامِ الحُورِ الچِين
اشْتَهَى المُؤْمِنُ الوَلَدَ في الجَنَّةِ كَانَ فِي سَاعَةٍ واحدةٍ كَمَا يَشْتَهِي وَلَكِنْ لَا يَشْتَهِي:
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَقَدْ رُوِيَ عَن أبِي رَزِينِ العُقَيليِّ عَن النبيِّ نَّهِ قال: ((إنَّ أَهْلَ الجَنَّةِ لَا
يَكُونُ لَهُمْ فِيهَا وَلَدٌ))، وَأَبُو الصِّدِّيقِ النَّاحِيُّ اسْمُهُ: بَكْرُ بْنُ عَمْرٍو وَيُقَالُ: بَكْرُ بْنُ
قَيْسِ أيْضًا.
٢٤ - باب مَا جَاءَ في كَلَامِ الخُورِ العِين [ت٢٤، ٢٤٢]
[٢٥٦٤] (٢٥٦٤) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ وأحْمَدُ بْنُ مَنِيع قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، قَالَ:
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَعْدٍ عَن عَلِيٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله
وَِّ: ((إنَّ في الجَنَّةِ لمُجْتَمَعًا لِلحُورِ العِينِ يَرْفَعْنَ بِأَصْوَاتٍ لَمْ يَسْمَعِ الخَلَائِقُ مِثْلَهَا
قَالَ: يَقُلْنَ: نَحْنُ الخَالِدَاتُ فَلا نَبِيدُ، وَنَحْنُ النَّاعِمَاتُ فَلا نبأسُ، وَنَحْنُ الرَّاضِيَاتُ
فَلا
(ولكن لا يشتهي) هذا هو مقول إسحاق بن إبراهيم، (عن أبي رزين العقيلي) صحابي،
مشهور، اسمه: لقيط بن صبرة، (أن أهل الجنة لا يكون لهم فيها ولد) لم أقف على مَنْ
أَخْرَجَ هذا الحديث بهذا اللفظ، وروى أحمد في ((مسنده)) عن أبي رزين العقيلي حَدِيثًا
طويلًا، وفيه: ((الصَّالِحَاتُ لِلْصَّالِحِينَ تَلِذُّونَهُنَّ مثلَ لذاتِكُمْ في الدُّنْيَا، ويلذذن بِكُمْ، غير أن
لا توالد».
٢٤ - باب ما جاء في كلام الحور العين
أي: في غنائهن، وقد عقد المنذري في ((الترغيب)) فصلًا في غناء الحور العين، وأورد
فيه أحاديث الباب.
[٢٥٦٤] قوله: (إن في الجنة لمجتمعًا) بفتح الميم الثانية، أي: موضعًا للاجتماع، أو
اجتماعًا (يرفعن بأصوات) الباء الزائدة تأكيد للتعدية، أو أراد بالأصوات: النغمات،
والمفعول محذوف، أي: يرفعن أصواتهن بأنغام، (نحن الخالدات) أي: الدائمات، (فلا
نبيد) أي: لا نهلك ولا نموت من باد أي: هلك وفني (ونحن الناعمات) أي: المتنعمات
(فلا نبأس) أي: لا نفتقر ولا نحتاج، قال في ((القاموس)): بؤس - ككرم - بأسًا، وبئس -
كسمع - بؤسًا: اشتدت حاجتُهُ، (ونحن الراضيات) أي: عن ربنا، أو عن أصحابنا، (فلا

٣٣٢
كتاب صفة الجنة عن رسول الله ﴿﴿ / باب مَا جَاءَ في كَلَامِ الحُورِ العِين
نَسْخَطُ، طُوبَى لِمَنْ كَانَ لَنَا وَكُنَّا لَهُ)). [ضعيف، عبد الرحمن، ضعيف حم: ١٣٤٥].
وفي الباب عَن أبي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ وَأَنَسٍ.
قَالَ أبُو عِيْسَى: حدِيثُ عَلِيِّ حَدِيثٌ غريبٌ.
[٢٥٦٥] (٢٥٦٥) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، حَدَّثَنَا روحُ بْنُ عبادَةَ عَن الأوزاعيِّ
عَن يَحْيَى بْنِ أبي كثير، في قَوْلهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَهُمْ فِ رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ [الروم: ١٥]
قَالَ السَّمَّاعُ: وَمَعْنَى السَّمَّاعِ مِثْلِ مَا وَرَدَ في الحَدِيْثِ أنَّ الحُورَ العِيْنِ يَرْفَعْنَ
بِأَصْوَاتِهِنَّ.
نسخط) في حال من الأحوال، (طوبى) أي: الحالة الطيبة، (لمن كان لنا وكنا له) أي: في
الجنات العالیات.
قوله: (وفي الباب عن أبي هريرة وأبي سعيد وأنس) أما حديث أبي هريرة، فأخرجه
البيهقي عنه موقوفًا، قال: ((إنَّ فِي الجَنَّةِ نَهَرًا، طُولُ الجَنَّةِ حَاقَّتاه، العَذَارَى قيامٌ مُتَقَابِلاتٌ
يُغَنِّينَ بأحسنِ أصواتٍ يَسْمَعُهَا الخلائقُ، حَتَّى ما يَرَوْنَ أَنَّ فِي الجَنَّةِ لَذَّةً مِثْلَهَا))، قلنا: يا
أبا هريرة، وما ذاك الغناء؟ قال: ((إِنْ شاء الله التسبيح، والتحميدُ، والتقديسُ، وثناءٌ على
الربِّ عزّ وجلّ)). وأما حديث أبي سعيد، فلينظر من أخرجه(١).
وأما حديث أنس، فأخرجه ابن أبي الدنيا، والطبراني(٢) عنه مرفوعًا ولفظه ((إنَّ الحورَ
في الجَنَّةِ يُغَنِينَ، يَقُلْنَ: نَحْنُ الحُورُ الحِسَانُ، هُدِينَا لِأَزْواجٍ كِرَامٍ)). قال المنذري: وإسناده
مقارب.
قوله: (حديث علي حديث غريب) وأخرجه البيهقي.
(١) مسلم، كتاب الإيمان، حديث (١٨٨).
(٢) الطبراني في «الأوسط))، حديث (٦٤٩٧) قال الهيثمي (٤١٩/١٠): ورجاله وثقوا، وأخرجه البخاري في
((التاريخ الكبير)) (١٦/٧) رقم (٧٠).

٣٣٣
كتاب صفة الجنة عن رسول الله صل 3 / باب
٢٥ - باب [ت٢٥، ٢٥٢]
[٢٥٦٦] (٢٥٦٦) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعُ، عَن سُفْيَانَ، عَن أبِي اليَقْطَان،
عَنْ زَاذَانَ، عَن عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِهِ: ((ثَلَاثَةٌ عَلَى كُثْبَانِ
المِسْكِ أُرَاهُ قَالَ يَوْمَ القِيَامَةِ يَغْبِطُهُمُ الأَوَّلُونَ وَالآخِرُونَ: رَجُلٌ يُنَادِي بِالصَّلَوَاتِ
الخَمْسِ في كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَرَجُلٌ يؤُمُّ قَوْمًا وَهُمْ بِهِ رَاضُونَ، وَعَبْدٌ أدَّى حَقَّ الله
وحَقَّ مَوَالِيه)). [ضعيف، أبو اليقظان، ضعيف حم: ٤٧٨٤].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ لا نَعْرِفُهُ إلَّا من حديث سُفْيَانَ
الثَّوْرِيِّ، وَأَبُو الْيَقْطَانِ اسْمُهُ: عُثْمَانُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَيُقَالُ: ابنُ قَيْسٍ.
[٢٥٦٧] (٢٥٦٧) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ عَن أَبِي بَكْرِ بْنِ
عَيَّاشٍ، عَن الأعْمَشِ عَن مَنْصُورٍ، عَن رِبْعِيّ بْنِ خِرَاشٍ عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ،
يَرْفَعُهُ قَالَ: (ثَلَاثَةٌ يُحِبُّهُمُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: رَجُلٌ قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَتْلُو ◌ِتَابَ الله، وَرَجُلٌ
تَصَدَّقَ صَدَقَةً بِيَمِينِهِ يُخْفِيهَا، أُرَاهُ قَالَ: مِن شِمَالِهِ، وَرَجُلٌ كَانَ فِي سَرِيَّةٍ فَانْهَزَمَ
٢٥ - باب
[٢٥٦٦] قوله: (يغبطهم الأولون والآخرون) أي: يتمنون أن لهم مثل ما لهم، والحديث
قد تقدم في ((باب فضل المملوك الصالح))، من ((أبواب البر والصلة))، وتقدم هناك شرحه.
[٢٥٦٧] قوله: (عن منصور) هو ابن المعتمر، (عن ربعي) هو ابن خراش العبسي
الكوفي.
قوله: (يرفعه) أي: يرفع الحديث إلى النبي ◌َّر، ولو لم يقل هذا، لأوهم أن يكون
الحديث موقوفًا على ابن مسعود؛ لقوله بعده: (قال: ثلاثة) ولم ينسبه إلى النبي وَّر، (رجل
قام من الليل) أي: للتهجد فيه، (يتلو كتاب الله) أي: القرآن في صلاته وخارجها، (بيمينه)
وفيه إيماء إلى الأدب في العطاء بأن يكون باليمين؛ رعاية للأدب، وتفاؤلًا باليمن والبركة،
(يخفيها) أي: يخفي تلك الصدقة غايةً الإخفاء؛ خوفًا من السمعة والرياء؛ مبالغةً في قصدٍ
المحبةِ والرضاء، (أراه) بضم الهمزة، من الإراءة، أي: أظنُّه، (من شماله) أي: يخفيها من
شماله، أُريد به كمال المبالغة، (ورجل كان في سرية) أي: في جيش صغير،

٣٣٤
كتاب صفة الجنة عن رسول الله (#* / باب
أصْحَابُهُ فَاسْتَقْبَلَ العَدُوَّ)). [ضعفه المصنف).
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ غريبٌ من هذا الوَجْهِ، وهو غَيْرُ مَخْفوظ،
والصَّحِيحُ مَا رَوَى شُعْبَةُ وَغَيْرُهُ عَن مَنْصُورٍ، عَن رِبْعِيِّ بْنِ خِرَاشٍ، عَن زَيْدِ بْنِ ظَبْيَانَ
عَنِ أبِي ذَرِّ، عَن النبيِّ وَّةِ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشِ كَثِيرُ الغَلَطِ.
[٢٥٦٨] (٢٥٦٨) حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، ومُحمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، قَالَا: حَدَّثَنَا
مُحمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَن مَنْصُورِ بْنِ المُعْتَمِرِ قَالَ: سَمِعْتُ رِبْعِيَّ بْنَ خِرَاشٍ
يُحَدِّثُ عَن زَيْدِ بْنِ ظَبْيَانَ يَرْفَعُهُ إِلَى أبِي ذَرِّ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ قَالَ: «ثَلَاثَةٌ يُحبُّهُمُ اللهُ
وثَلَاثَةٌ يُبْغِضُهُمُ اللهُ، فَأَمَّا الَّذِينَ يُحِبُّهُمُ اللهُ: فَرَجُلٌ أَتَى قَوْمًا فسَأَلَهُمْ بِاللهِ، وَلَمْ
يَسْأَلْهُمْ بِقَرَابَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ، فَمَنَعُوهُ فَتَخَلَّفَ رَجُلٌ بِأَعْيانِهِمْ فَأَعْطَاهُ سِرًّا،
(فاستقبل العدو) أي: وقاتلهم؛ لتكون كلمة الله هي العليا.
[٢٥٦٨] قوله: (عن زيد بن ظبيان) بفتح المعجمة بعدها موحدة ساكنة، الكوفي،
مقبول، من الثانية، قاله الحافظ في ((التقريب)). وقال في ((تهذيب التهذيب)) في ترجمته:
روى عن أبي ذر، وعنه ربعي بن حراش، روى له الترمذيُّ والنسائيُّ(١) حديثًا واحدًا: ((ثَلاثَةٌ
يُحِبُّهُمُ الله، وثلاثةٌ يَبْغَضُهُمُ))، قال: ذكره ابن حبان في ((الثقات))، وأخرج هو وابن خزيمة له
في ((الصحیح)). انتھی.
قوله: (فأما الذين يحبهم الله، فرجل) أي: مُعْطِي رجلٍ، (أتى قومًا فسألهم بالله) أي:
مستعطفًا بالله، قائلًا: أنشدكم بالله أعطوني، (ولم يسألهم لقرابة) أي: ولم يقل: أعطوني
بحقِّ قرابة، (فمنعوه) أي: الرجلَ العطاءَ، (فتخلف رجل بأعيانهم) قال القاري: الباء:
للتعدية، أي: بأشخاصهم، وتقدم.
وقيل: أي: تأخر رجلٌ من بينهم إلى جانبٍ، حتى لا يروه بأعيانهم من أشخاصهم،
وقال الطيبي: أي: ترك القوم المسؤول عنهم خَلْفَهُ، فتقدم فأعطاه سِرًّا، والمرادُ من الأعيانِ
الأشخاص، أي: سبقهم بهذا الخير، فجعلهم خلفه، وفي رواية الطبراني: ((فَتَخَلَّفَ رجلٌ
عَنْ أَعْيَانِهِمْ))، وهذا أشبه معنى، والأول أوثقُ سندًا، والمعنى: أنه تخلف عن أصحابه حتى
(١) الترمذي، كتاب صفة الجنة، حديث (٢٥٦٨) والنسائي، كتاب الزكاة، حديث (٢٥٧٠).

٣٣٥
كتاب صفة الجنة عن رسول الله (يچو / باب
لا يَعْلَمُ بِعَطِيَّتِهِ إِلَّا اللهُ، وَالَّذِي أعْطَاهُ. وَقَوْمٌ سَارُوا لَيْلَتَهُمْ حَتَّى إِذَا كَانَ النَّوْمُ أحَبَّ
إِلَيْهِمْ مِمَّا يُعْدَلُ بِهِ نزلوا فَوَضَعُوا رُؤُوسَهُمْ، فَقَامَ أحدهم يَتَمَلَّقُّنِي وَيَتْلُو آيَاتِي، وَرَجُلٌ
كَانَ فِي سَرِيَّةٍ فَلَقِيَ العَدُوَّ فَهُزِمُوا، وأَقْبَلَ بِصَدْرِهِ حَتَّى يُقْتَلَ أوْ يُفْتَحَ لَهُ، وَالثَّلَاثَةُ
الَّذِينَ يُبْغِضُهُمُ الله: الشَّيْخُ الزَّانِي، وَالفَقِيرُ المُخْتَالُ، وَالغَنِيُّ الظَّلُومُ)).
حَدَّثَنَا مَحْمُودِ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا النَّصْرُ بْنُ شُمَيْلٍ عَن شُعْبَةً، نحْوَهُ.
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ صحيحٌ. وَهَكَذَا رَوَى شَيْبَانُ عَن مَنْصُورٍ نَحْوَ هَذَا،
وَهذا أصُّ مِن حَدِيثِ أبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ.
خلا بالسائل، فأعطاه سِرًّا، (ولا يعلم بعطيته إلا الله والذي أعطاه) تقريرٌ لمعنى السرِّ،
(وقوم) أي: وقائمُ قوم، (أحب إليهم) أي: ألذ وأطيب، (مما يعدل به) أي: من كل شيء
يقابل ويساوى بالنوم، (فوضعوا رؤوسهم) أي: فناموا، (قام رجل) أي: من النوم،
(يتملقني) أي: يتواضع لَدَيّ ويتضرع إليّ، قال الطيبي رحمه الله: والملق؛ بالتحريك:
الزيادة في التودد والدعاء والتضرع، قيل: دل أولُ الحديث عَلَى أنه من كلامِهِ وَّهِ، وآخرُهُ
على أنه من كلامه تعالى، ووجه بأن مقام المناجاة يَشْتَمِلُ عَلَى أسرارٍ ومناجاةٍ بين المحب
والمحبوب؛ فحكى الله لنبيِّه ما جَرَى بينه وبين عبده، فحكى النبيُّ وَّر ذلك، لا بمعناه؛ إذ لا
يُقال: يتملق الله، وليس هذا من الالتفات في شيءٍ؛ كذا في ((المرقاة)).
(ويتلو آياتي) أي: يقرأ ألفاظها، ويتبعها بالتأمل في معانيها، (فهزموا) أي: أصحابه،
(فأقبل بصدره) أي: خلاف من وَلَّى دُبُرَهُ بتوليةِ ظهرِهِ، (حَتى يقتل أو يفتح له) أي: حتى يفوز
بإحدى الحسنيين، (الشيخ الزاني) يحتمل أن يراد بالشيخ الشيبة، ضد الشاب، وأن يراد به
المحصن، ضد البكر؛ كما في الآية المنسوخةِ: ((الشيخُ والشيخةُ إِذَا زَنَيَا فارْجُمُوهُمَا البتةَ،
نكالا من الله، والله عزيزٌ حكيمٌ))، و(الفقير المختال) أي: المتكبر، (والغني الظلوم) أي:
كثير الظلم في المطل وغيره، وإنما خص الشيخ وأخويه بالذكر؛ لأن هذه الخصال فيهم أشد
مذمةً وأكثر نكرةً.
قوله: (هذا حديث صحيح) وأخرجه النسائي، وابن حبان(١) في (صحيحه))، والحاكم.
(١) ابن حبان، حديث (٣٣٤٩).

٣٣٦
کتاب صفة الجنة عن رسول الله ێ*3 / باب
٢٦ - باب [ت٢٦، م٢٦]
[٢٥٦٩] (٢٥٦٩) حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدِ الأَشَجُّ، حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا
عُبَيْدُ الله بْنُ عُمَرَ، عَن خبيبٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَن جَدِّهِ حَفْصٍ بْنِ عَاصِمٍ عَن
أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِّهِ: ((يُوشِكُ الفُرَاتُ يَحْسِرُ عَن كَنْزِ مِن ذَهَبٍ، فَمَنْ
حَضَرَهُ فَلا يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا)). [خ: ٧١١٩، م: ٢٨٩٤، د: ٤٣١٣، جه بنحوه: ٤٠٤٦، حم: ٧٥٠١].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
٢٦ - [باب]
[٢٥٦٩] قوله: (أخبرنا عبيد الله بن عمر) بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب
العدوي، العمري، (عن خبيب بن عبد الرحمن) هو خَالُ عبيد الله بن عمر العمري، (عن
جده) أي: جد عبيد الله بن عمر.
قوله: (يوشك الفرات) كغراب: النهر المشهور، وهو بالتاء ويقال: يجوز بالهاء؛
كالتابوت والتابوه، والعنكبوت والعنكبوه، ذكره الحافظ، وقال في ((القاموس)): الفرات:
الماء العذب جدًّا، ونهرٌ بالكوفة، (يحسر) قال النووي: هو بفتح الياء المثناة تحت وكسر
السين، أي: ينكشف لذهاب مئة، (فمن حضره، فلا يأخذ منه شيئًا) هذا يُشْعِرُ بأن الأخذ منه
ممكنٌ، وعلى هذا فيجوزُ أن يكون دنانير، ويجوزُ أَنْ يكون قطعًا، ويجوز أن يكون تبرًا،
والذي يَظْهَرُ: أَنَّ النهي عن أخذه لما ينشأ عن أخذه من الفتنة والقتال عليه، وقد أخرج
مسلمٌ(١) هذا الحديث من طريق أخرى، عن أبي هريرة، بلفظ: ((يَحْسِرُ الفراتُ عن جبلٍ مِن
ذهب، فيقتل عليه الناسُ، فيقتل مِن كلِّ مائةٍ تسعةٌ وتسعون، ويقول كلُّ رجلٍ منهم: لَّعَلِّي
أَكُونُ أنا الذي أَنْجُو)). وأخرج مسلمٌ(٢) أيضًا عن أبي بن كعب، قال: لَا يَزَالُ الناسُ مختلفةً
أعناقُهم في طَلَبِ الدنيا، سَمِعْتُ رسولَ الله وَلِهِ يقول: ((يُوشِكُ أَنْ يَحْسِرَ الفراتُ عن جبلٍ من
ذهبٍ، فإذا سَمِعَ به الناسُ، سَارُوا إليه، فيقول مَنْ عنده: لَئِنْ تركنا الناسَ يَأْخُذُونَ منه
لَيَذْهَبُنَّ به كلَّه))، قال: ((فيقتتلون عليه، فَيُقْتَلُ من كلِّ مائةٍ تسعة وتسعون)).
قوله: (هذا حديث صحيح) وأخرجه الشيخان في ((الفتن)) وأبو داود في ((الملاحم)).
(١) مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، حديث (٢٨٩٤).
(٢) مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، حديث (٢٨٩٥).

٣٣٧
كتاب صفة الجنة عن رسول الله وَإ﴿ / باب مَا جَاءَ في صِفَة أنْهارِ الجَنَّة
[٢٥٧٠] (٢٥٧٠) حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُ، حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله
عَنِ أبِي الزِّنَادِ عَن الأَعْرَجِ عَن أبي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ مِثْلَهُ إلَّا أنَّهُ قَالَ: ((يَحْسِرُ
عَن جَبَلٍ مِن ذَهَبٍ)). [خ: ٧١١٩، م: ٢٨٩٤].
قَالَ أبُو عِيْسَی: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
٢٧ - باب مَا جَاءَ في صِفَة أنْهارِ الجَنَّة [ت٢٧، ٢٧٢]
[٢٥٧١] (٢٥٧١) حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا
الجُرَيْرِيُّ، عَنْ حَكِيمٍ بْنِ مُعَاوِيَةَ، عَن أَبِيه، عَنِ النَّبِّ وَ﴿ قَالَ: ((إنَّ في الجَنَّةِ بَحْرَ
المَاءِ، وَبَحْرَ العَسَلِ، وَبَحْرَ اللَّبَنِ، وَبَحْرَ الخَمْرِ، ثُمَّ تُشَقَّقُ الأَنْهَارُ بَعْدُ)).
[حم: ١٩٥٤٨، مي: ٢٨٣٦].
[٢٥٧٠] قوله: (إلا أنه قال: يحسر عن جبل من ذهب) يعني: أن الروايتين اتفقتا إلا في
قوله: ((كنز))، فقال الأعرج: ((جبل))، وتسميتهُ كنزًا باعتبار حاله قَبْلَ أن ينكشف، وتسميته
جبلاً للإشارة إلى كثرته، ويؤيده ما أخرجه مسلمٌ(١) من وجه آخر، عن أبي هريرة رفعه:
((تَقِيءُ الأَرْضُ أَفَلَاذَ كَبِدِهَا أَمْثَالَ الأُسطوان من الذهبِ والفضةِ، فيجيءُ القاتلُ، فيقولُ: في
هذا قَتلتُ، ويجيءُ السارقُ، فيقول: في هذا قُطعتْ يدي، ثم يدعونه، فلا يأخذونَ منه شيئًا)»
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان، وأبو داود.
٢٧ - باب ما جاء في صفة أنهار الجنة
[٢٥٧١] قوله: (أخبرنا الجريري) بضم الجيم: هو سعيد بن إياس، (عن أبيه) أي:
معاوية بن حیدة، وهو جَدّ بهز.
قوله: (إن في الجنة بحرَ الماء، وبحر العسل، وبحر اللبن، وبحر الخمر) قال الطيبي
رحمه الله: يريد بالبحر مثل: دجلة والفرات ونحوهما، وبالنهر مثل: نهر معقل، حيث تشقق
من أحدهما، ثم منه تشقق جداول، وقال القاري: قد يقال: المراد بالبحار هي الأنهار،
وإنما سُمِّيَتْ أنهارًا؛ لجريانها بخلاف بحار الدنيا، فإن الغالب منها أَنَّهَا في محل القرار،
(ثم تشقق) بحذف إحدى التاءين من باب التفعل، ويحتمل أن يكونَ بصيغةِ المجهولِ من
التشقيق، (بعد) أي: بعد دخول أهل الجنةِ الجنةَ.
(١) مسلم، كتاب الزكاة، حديث (١٠١٣).

٣٣٨
كتاب صفة الجنة عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاءَ في صِفَة أنْهارِ الجَنَّة
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وَحَكِيمُ بْنُ مُعَاوِيَةَ هُوَ وَالِدُ بَهْزِ بْنِ
حكيم، والجريري يُكثَّى: أبا مسعود واسمه: سعید بْنُ إیاس.
[٢٥٧٢] (٢٥٧٢) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَخْوصِ، عَن أبي إسْحَاقَ عَن
بُرَيْدِ بْنِ أبِي مَرْيَمَ، عَن أنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((مَن سَأَلَ اللهَ
الجَنَّةَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قَالَت الجَنَّةُ: اللَّهِمَّ أدْخِلْهُ الجَنَّةَ، وَمَنِ اسْتَجَارَ مِن الَّارِ ثَلَاثَ
مَرَّاتٍ، قَالَت النَّارُ: اللَّهَمَّ أجِرْهُ مِنَ النَّارِ)). [حم: ١٢٧٦١].
قَالَ: هَكَذَا رَوَى يُونُسُ بْنُ أبي إسحاق عَن أبي إِسْحَاقَ هذا الحديثَ عَن برَيْدِ بْنِ
أبِي مَرْيَمَ، عَن أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ بَّ نَحوَهِ، وَقَدْ رُويَ عَن أبي إِسْحَاقَ عَنِ بُرَيد بْنِ
أبي مَرْيَمَ عَن أنسٍ بْنِ مَالِكٍ مَوْقُوفًا أيضًا .
كمل كتاب صفة الجنة ويتلوه كتاب صفة جهنم أعاذنا الله منها
والمسلمین بمنه وكرمه وحرمة نبيه ◌َآلآل
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد، والبيهقي.
[٢٥٧٢] قوله: (من سأل الله الجنة) بأن قال: اللَّهُمَّ إني أسألك الجَنَّةَ، أو قال: اللَّهُمَّ
أدخلني الجنةَ، (ثلاث مرات) أي: كرره في مجالس، أو مجلس بطريق الإلحاح، على ما
ثبت أنه من آداب الدعاء، (قالت الجنة) ببيان الحال، أو بلسان القال؛ لقدرته تعالى على
إنطاق الجمادات، وهو الظاهر، (اللهم أدخله الجنة) أي: دخولًا أوليًّا، أو لحوقًا آخريًّا،
(ومن استجار) أي: استحفظ، (من النار) بأَنْ قال: اللَّهُمَّ أجرنِي من النار، (قالت النارُ:
اللهم أجره) أي: احفظه، أو أنقذه، (من النار) أي: من دخوله، أو خلوده فيها، قال الطيبي
رحمه الله: وفي وضع الجنة والنار موضعَ ضمير المتكلمِ تجريدٌ ونوع من الالتفات. انتهى.
- وحديث أنس هذا، أخرجه أيضًا النسائي، وابن ماجه، وابن حبان في ((صحيحه))
والحاكم(١) وقال: صحيح الإسناد.

٣٣٩
كتاب صفة جهنم عن رسول الله وَليه / باب مَا جَاءَ في صِفَةِ النَّار
صَلى الله
وسيلام
(٤٠) كتاب صفة جهنم عن رسول اللّه
١- باب مَا جَاءَ في صِفَةِ النَّار [ت١، ١٢]
[٢٥٧٣] (٢٥٧٣) حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ
غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أبِي عَنِ العَلَاءِ بْنِ خَالِدِ الكَاهِلِيِّ، عَن شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ
مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َّةِ: ((يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ زِمَامٍ، مَعَ
كُلِّ زِمَامِ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ يَجُرُّونَهَا)) قَالَ عَبْدُ الله بن عبد الرحمن: وَالثَّوْرِيُّ لا
٥٠ ,و و
يَرْفَعُهُ. [م: ٢٨٤٢].
٤٠- كتاب صفة جهنم
قال النووي: جَهَنَّمُ اسمٌ لنارِ الآخرةِ، قال يونس، وأكثر النحويين: هي عجميةٌ، لا
تنصرف للعجمة والتعريف، وقال آخرون: هي عربيةٌ، لم تصرف بالتأنيث والعلمية، وسميت
بذلك لبعد قَعْرِها، قال روبة: يقال: بئر جهنام، أي: بعيدة القعر، وقيل: مشتقة من
الجهومة، وهي الغلظ، يقال: جهنم الوجه، أي: غليظُهُ، فسميت جهنم لغلظ أمرِها. انتهى.
١- باب ما جاء في صفة النار
[٢٥٧٣] قوله: (أخبرنا عمر بن حفص بن غياث) بكسر المعجمة، وآخره مثلثة: ابن
الطلق، الكوفي، ثقة، ربما وَهِمَ، من العاشرة، (عن العلاء بن خالد) الأسدي، الكاهلي،
صدوق، من السادسة.
قوله: (يؤتى بجهنم) الباء: للتعدية، أي: يؤتى بها من المكان الذي خلقها الله تعالی فیه،
وَيَدُلُّ عليه قولهُ تعالى فيه: ﴿وَجِأْىَّ يَوْمَيِلِمٍ بِجَهَنَّهُ﴾ [الفجر: ٢٣]، (يومئذ) أي: يوم القيامة، (لها
سبعون ألف زمام) بكسر الزاي: وهو ما يشدُّ به، وقال في ((المجمع)): الزمام: ما يُجعل في أنفٍ
البعيرِ دقيقًا، وقيل: ما يشد به رؤوسها من حبل وسير. انتهى، (يجرونها) بتشديد الراء، أي:
يسحبونها، قال في ((اللمعات)): لَعَلَّ جهنم يُؤْتَى بها في الموقفِ لَيَرَاهَا الناسُ؛ ترهيبًا لهم.
قوله: (قال عبد الله بن عبد الرحمن: والثوري لا يرفعه) حديث حفص بن غياث، عن
العلاء بن خالد، عن شقيق، عن عبد الله بن مسعود - المرفوع، أخرجه مسلم، قال النووي:

٣٤٠
كتاب صفة جهنم عن رسول اللّه ◌َ ﴿ / باب مَا جَاءَ في صِفَةِ النَّار
حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ المَلِكِ بْنُ عُمَرَ، وأبُو عَامِرِ العَقَدِيُّ عَن سُفْيَانَ
عَنِ العَلَاءِ بْنِ خَالِدٍ بهذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ وَلَمْ يَرْفَعْهُ.
[٢٥٧٤] (٢٥٧٤) حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ مُعَاوِيَةَ الجُمحِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ
مُسْلِم، عَن الأَعْمَشِ عَن أبِي صَالِحِ عَن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َّةٍ:
(تَخْرُجُ عُنُقٌ مِنَ النَّارِ يَوْمَ القِيَامَةِ، لَهاَ عَيْنَانِ تُبْصِرَانٍ، وَأُذُنَانِ تَسْمَعَانٍ، وَلِسَانٌ يَنْطِقُ
يَقُولُ: إِنِّي وُكِّلْتُ بِثَلَاثَةٍ: بِكُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ، وَبِكُلِّ مَن دَعَا مَعَ الله إِلَهًا آخَرَ،
وَبِالمُصَوِّرِينَ)). [حم: ٨٢٢٥].
هذا الحديث مما استدركه الدار قطنيُّ على مسلم، وقال: رفعُهُ وَهْمٌ، رواه الثوري ومروان
وغيرهُما عن العلاء بن خالد موقوفًا، قال: وحَفْصٌ ثقةٌ، حافظ، إمام، فزيادته الرفع مقبولةٌ،
كما سبق نقله عن الأكثرين والمحققين. انتهى.
[٢٥٧٤] قوله: (يخرج عنق من النار) قال في ((القاموس)): العنق بالضم وبضمتين،
وكأمير، وكصرد: الجيد، ويؤنث، والجماعة من الناس، وقال المنذري في ((الترغيب)) - بعد
ذكر هذا الحديث: العنقُ بضمِّ العين والنون، أي: طائفة، وجانب من النار، وقال الطيبي:
أي: طائفة منها، و ((من)) بيانية.
قال القاري: وَالأَظْهَرُ أَنَّهَا تتعلقُ بقوله: ((يخرج))؛ كما أن قوله: (يَوْمَ القيامة) ظرفٌ له،
قال: والظاهر أن المراد بالعنق الجِيد على ما هو المعروف في اللغة؛ إذ لا صارف عن
ظاهره، والمعنى: أنه تخرج قطعة من النار على هيئة الرقبة الطويلة. انتهى.
قلت: الأمر عندي كما قال القاري، والله تعالى أعلم.
(يقول) بصيغة التذكير، وهو بدل من ((ينطق))، أو حال، (وإني وكلت بثلاثة) أي:
وَكَّلَنِي الله بأن أدخل هؤلاء الثلاثة النار، وأعذبهم بالفضيحة على رؤوس الأشهادِ، (بكلِّ
جبار عنيد) قال في ((النهاية)): الجبار هو المتمردُ العاتِي، والعنيد الجائر عن القصدِ، الباغي
الذي يردُّ الحق مع العلمِ به (١).
(١) لم يذكر المصنف حديث أبي سعيد، وقد أخرجه أحمد، حديث (١٠٩٦١) وابن أبي شيبة (٣٤١٤١) والطبراني
في ((الأوسط))، حديث (٣١٨) والخطيب البغدادي في ((تاريخ بغداد)) (١١/١٢) وقال الهيثمي (٣٩٢/١٠):
رواه البزار ... وأحمد باختصار، وأبو يعلى بنحوه، والطبراني في ((الأوسط)) وأحد إسنادي الطبراني رجاله
رجال الصحيح.