Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
كتاب الزهد عن رسول الله ◌َ﴿ / باب مَا جَاء في تَقَارُبِ الزَّمَانِ وقِصَرِ الأمَل
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِن حَدِيثِ أبِي صَالِحٍ عَن أَبِي هُرَيْرَةَ،
وَقَدْ رُوِيَ مِن غَيْرِ وَجْهٍ عَن أبِي هُرَيْرَةَ.
٢٤ - باب مَا جَاء في تَقَارُبِ الزَّمَانِ وَقِصَرِ الأمَل [ت٢٤، ٢٤]
[٢٣٣٢] (٢٣٣٢) حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدِ الدُّوْرِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ،
حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ عُمرَ العُمريُّ عَن سَعْدٍ بْنِ سَعِيدِ الأنْصَارِيِّ عَن أنَسِ بْنِ مَالِكٍ
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَقَارَبَ الزَّمَانُ فَتَكُونُ السَّنَةُ
کَالشَّهْرِ،
الوسط المعتدل الذي مات فيه غالب الأمة، ما بين العددين، منهم سيد الأنبياء، وأكابر
الخلفاء، كالصديق، والفاروق، والمرتضى، وغيرهم من العلماء والأولياء، مما يصعب فيه
الاستقصاء. انتهى.
وقال الحافظ في ((الفتح)) - بعد ذكر هذا الحديث -: قال بعضُ الحكماء: الأسنانُ أربعة:
سن الطفولية، ثم الشباب، ثم الكهولة، ثم الشيخوخة، وهي آخر الأسنان، وغالب ما يكون
ما بين الستين والسبعين، فحينئذٍ يظهر ضعف القوة بالنقص والانحطاط، فينبغي له الإقبال
على الآخرة بالكلية؛ لاستحالة أن يرجع إلى الحالة الأولى من النشاط والقوة. انتهى.
قوله: (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه ابن ماجه.
قوله: (وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة) رواه الترمذي(١) في أواخر («أبواب
الدعوات)) بسند آخر غير السند المذكور، وقال الحافظ في ((الفتح)): سنده حسن.
٢٤ - باب ما جاء في تقارب الزمان وقصر الأمل
[٢٣٣٢] قوله: (أخبرنا خالد بن مخلد) القطواني: بفتح القاف والطاء، أبو الهيثم
البجلي، مولاهم الكوفيّ، صدوق، يتشيع، وله أفراد، من كبار العاشرة، روى عن سليمان بن
بلال، وعبد الله بن عمر العمري، وغيرهما، (أخبرنا عبد الله بن عمر) هو العمري، (عن
سعد بن سعيد الأنصاري) هو أخو يحيى، صدوق، سيء الحفظ، من الرابعة.
قوله: (لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان) قال التوربشتي - رحمه الله -: يحمل ذلك
(١) الترمذي، كتاب الدعوات، حديث (٣٥٥٠).

٤٢
كتاب الزهد عن رسول الله وَاج / باب مَا جَاء فِي قِصَرِ الأمل
وَالشَّهْرُ كَالجُمُعَةٍ، وَتَكُونُ الجُمُعَةُ كَالَيَوْمٍ، وَيَكُونُ اليَوْمُ كَالسَّاعَةِ، وَتَكُونُ السَّاعَةُ
كَالضَّرْمَةِ بِالنَّارِ)».
قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِن هَذَا الوَجْهِ، وَسَعْدُ بْنُ سَعِيدٍ هُوَ
أُخُو يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ الأَنْصَارِي.
٢٥- باب مَا جَاء في قِصَرِ الأمل [ت٢٥، ٢٥٢]
[٢٣٣٣] (٢٣٣٣) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا أبُو أحْمَدَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَن
لَيْثٍ عَن مُجَاهِدٍ عَنِ ابنِ عُمرَ قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللهِ وَلّهِ بِبَعْضِ جَسَدِي فَقَالَ:
على قلة بركة الزمان، وذهاب فائدته في كل مكان، أو على أن الناس لكثرة اهتمامهم بما
دهمهم من النوازل، والشدائد، وشغل قلبهم بالفتن العظام لا يدرون كيف تنقضي أيامُهم
ولياليهم، (والشهر) أي: ويكون الشهر، (كالجمعة) بضم الميم، ويسكن، والمراد به
الأسبوع، (وتكون الجمعة كاليوم) أي: كالنهار، (ويكون اليوم كالساعة) أي: العرفية
النجومية، وهي جزء من أجزاء القسمة الاثنتي عشرية في اعتدال الأزمنة الصيفية والشتائية.
قاله القاري، وفيه ما فيه، (وتكون الساعة كالضَّرْمة) بفتح الضاد، وسكون الراء، ويفتح،
أي: مثلها في سرعة ابتدائها وانقضائها، قال القاضي - رحمه الله -: أي: كزمان إيقاد
الضرمة، وهي ما يوقد به النار أولًا، كالقصب والكبريت.
وفي ((القاموس)): الضرمةُ - محركة -: السعفة، أو الشيحة في طرفها نار، وفي
((الأزهار)): الضرمة، بفتح المعجمة وسكون الراء: غصن النخل، والشيحة نبت في طرفها
نار؛ فإنها إذا اشتعلت تحرق سريعًا. انتهى.
فالمراد بها الساعةُ اللغوية، وهي أدنى ما يطلق عليه اسم الزمان من اللمحة واللحظة
والطرفة، قال الخطابيّ: ويكون ذلك في زمن المهدي، أو عيسى - عليهما الصلاة والسلام -
أو كليهما، قال القاري: والأخيرُ هو الأظهر؛ لظهور هذا الأمر في خروج الدجال، وهو في
زمانهما .
٢٥ - باب مَا جَاءَ في قصر الأمل
[٢٣٣٣] قوله: (حدثنا أبو أحمد) هو الزبيري.
قوله: (ببعض جسدي) وفي رواية البخاريُ: ((بمنكبي))، ففي هذه الرواية تعيينُ ما أبهم

٤٣
كتاب الزهد عن رسول الله وَل﴿ / باب مَا جَاء فِي قِصَرِ الأمل
(كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأنَّكَ غَرِيبٌ أوْ عَابِرُ سَبِيلٍ، وَعُدَّ نَفْسَكَ في أهْلِ القُبُورِ)) فَقَالَ لِي ابنُ
عُمر: إذَا أصْبَحْتَ فَلا تُحَدِّث نَفْسَكَ بالمَسَاءِ، وَإِذَا أمْسَيْتَ فَلا تُحَدِّثْ نَفْسَكَ
بالصَّبَاحِ، وَخُذْ مِن صِحَّتِكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ قَبْلَ مَوْتِكَ، فَإِنَّكَ لا تَدْرِي
في رواية الترمذي، ونكتة الأخذ تقريبه إليه، وتوجهه عليه؛ ليتمكن في ذهنه ما يلقى لديه،
قال: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل) قال الطيبي: ليست ((أو)) للشك، بل:
للتخيير والإباحة، والأحسن أن تكون بمعنى (بل))، فشبه الناسك السالك بالغريب الذي ليس
له مسكنٌ يأويه، ولا مسكن يسكنه، ثم تَرَقَّى، وأضرب عنه إلى عابر السبيل؛ لأن الغريب قد
يسكنُ في بلد الغربة، بخلاف عابر السبيل القاصد لبلدٍ شاسع بينهما أودية مردية، ومفاوز
مهلكة، وقطاع طريق، فإن من شأنه أن لا يقيم لحظةً، ولا يسكن لمحة، ومن ثم عقَّبه بقوله:
(إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح .. إلخ))، وبقوله: ((وعد نفسك في أهل القبور))، والمعنى:
استمر سائرًا ولا تفتر؛ فإنك إن قصرت انقطعت، وهلكت في تلك الأودية، وهذا معنى
المشبه به، وأما المشبه فهو قوله: ((وخذ من صحتك لمرضك))(١) أي: أن العمر لا يخلو عن
صحة ومرض، فإذا كنت صحيحًا فسرْ سيرَ القصدِ، وزد عليه بقدر قوتك، ما دامت فيك
قوة، بحيث يكون ما بك من تلك الزيادة قائمًا مقام ما لعله يفوت حالة المرض والضعف.
ذكره الحافظ في ((الفتح)).
وقال النووي - رحمه الله -: معنى الحديث: لا تركن إلى الدنيا، ولا تتخذها وطنًا،
ولا تحدث نفسك بالبقاء فيها، ولا تتعلق منها بما لا يتعلق به الغريب في غير وطنه. انتهى.
(وعد نفسك) بضم العين المهملة وفتح الدال المشددة، أي: اجعلها معدودة (من أهل
القبور) أي: من جملتهم، وواحدة من جماعتهم، ففيه إشارةٌ إلى ما قيل: موتوا قبل أن
تموتوا، وحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، (فقال لي ابن عمر) هذا قول مجاهد، أي: قال
لي ابن عمر من قوله: (إذا أصبحت فلا تحدث نفسك بالمساء ... إلخ) وفي رواية
البخاريّ(٢): وكان ابن عمر يقول: ((إذا أمسيت لا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر
المساء))، (وخذ من صحتك) أي: زمن صحتك، (قبل سقمك) بفتحتين، أو بضم السين
وسكون القاف، أي: قبل مَرَضِكَ، وفي رواية البخاري: ((لمرضك))، والمعنى: اشتغل في
(١) البخاري، كتاب الزهد، حديث (٢٣٣٣).
(٢) البخاري، كتاب الرقاق، حديث (٦٤١٦).

٤٤
كتاب الزهد عن رسول الله ﴿ / باب مَا جَاء فِي قِصَرِ الأمل
يَا عَبْدَ الله ما اسْمُكَ غَدًا. [خ: ٦٤١٦ دون قوله: فَإِنَّكَ لا تَدْرِي بَا عَبْدَ الله ما اسْمُكَ فَدًا،
جه: ٤١١٤، حم: ٤٧٥٠].
قَالَ أبُو عِيسَى: وَقَدْ رَوَى هَذَا الحَدِيثَ الأعْمَشُ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ
نَحْوَهُ، حَدَّثَنَا أحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبيُّ البَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَن لَيْثٍ عَن
مُجَاهِدٍ عَنِ ابنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِّوَّ نِحْوَهُ.
[٢٣٣٤] (٢٣٣٤) حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الله بْنُ المُبَارَكِ عَن حَمَّادِ بْنِ
سَلَمَةَ، عَنِ عُبَيْدِ الله بْنِ أبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَن أنَسِ بْنِ مَالِكِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله
وَ﴿: ((هَذَا ابنُ آدَمَ وَهَذَا أجَلُهُ وَوَضَعَ يَدَهُ عِنْدَ قَفَاهُ، ثُمَّ بَسَطَهَا فَقَالَ: وَثَمَّ أملُهُ وَثَمَّ
أمَلُه وَثَمَّ أمَلُه)). [خ: ٦٤١٨، جه: ٤٢٣٢، حم: ١١٨٢٩].
الصحة بالطاعة، بحيث لو حصل تقصير في المرض ليجبر بذلك، (ما اسمك غدًا) قال
الحافظ: أي: هل يقال له: شقيٍّ، أو: سعيد، ولم يرد اسمه الخاص به؛ فإنه لا يتغير،
وقيل المراد: هل يقال: هو حي أو: ميت. انتهى.
قلت: والظاهرُ عندي هو المعنى الثاني. والله تعالى أعلم.
قوله: (وقد روى هذا الحديث الأعمش عن مجاهد عن ابن عمر نحوه) رواه البخاري
في ((صحيحه))، قال السيوطي في ((الجامع الصغير)): ((كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر
سبيل)). رواه البخاريّ عن ابن عمر، زاد أحمد، والترمذي، وابن ماجه: ((وَعُدَّ نَفْسَكَ من
أَهْلِ الْقُبُورِ)).
[٢٣٣٤] قوله: (حدثنا سويد) هو ابن نصر، (عن عبيد الله بن أبي بكر بن أنس) ثقة، من
الرابعة.
قوله: (هذا ابن آدم) الظاهر أن هذه إشارة حسية إلى صورةٍ معنوية، وكذا قوله: (وهذا
أجله) وتوضيحه: أنه أشار بيده إلى قدامه في مساحة الأرض، أو في مساحة الهواء بالطول
أو العرض، وقال: هذا ابن آدم، ثم أخرها، وأوقفها قريبًا مما قبله، وقال: هذا أجله،
(ووضع يده) أي: عند تلفظه بقوله: ((هذا ابن آدم وهذا أجله)) (عند قفاه) أي: في عقب
المكان الذي أشار به إلى الأجل، (ثم بسطها) أي: نشر يده على هيئة فتح؛ ليشير بكفه
وأصابعه، أو معنى ((بسطها)): وسعها في المسافة من المحل الذي أشار به إلى الأجل،
فقال: (وثم) بفتح المثلثة، وتشديد الميم، أي: هنالك، وأشار إلى بعد مكان ذلك، (أمله)

٤٥
كتاب الزهد عن رسول الله # / باب مَا جَاء فِي قِصَرِ الأمل
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وفي البَابِ عَن أبِي سَعِيدٍ.
[٢٣٣٥] (٢٣٣٥) حَدَّثَنَا هَنَّاد، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَن الأعْمَشِ عَن أبِي السَّفَرِ
عَن عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو قَالَ: مَرَّ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ وَّهِ وَنَحْنُ نُعَالِجُ خُصَّا لَنَا، قَالَ: ((مَا
أي: مأموله، وهو مبتدأ، خبرُهُ ظرف، قدم عليه للاختصاص والاهتمام، كذا شرح القاري
هذا الحديث، وقال: هذا ما سنح لي في هذا المقام من توضيح المرام.
وقال الطيبي - رحمه الله -: قوله: ((ووضع يده)): ((الواو)) للحال، وفي قوله: ((وهذا
أجله)): للجمع مطلقًا، فالمشار إليه - أيضًا - مركب، فَوَضْعُ اليد على قفاه معناه: أن هذا
الإنسان الذي يتبعه أجلُه هو المشار إليه، وبَسْطُ اليد: عبارةٌ عن مدها إلى قدام. انتهى.
وقال الشيخ عبد الحق في ((ترجمة المشكاة)): ((هذا ابن آدم وهذا أجله)) أين آدمي ست،
وأين أجل أوست، يعني: نزديك است بوي، ((ووضع يده عند قفاه)) ونهاد انحضرت ازبراي
تصویر وتمثیل قرب موت رابا دمی دستخود نزدقفاي خود یعني مرگ در قفاي ادمي ست
وقريب بوي، «ثم بسط» یس تربکشا دود رازكرد انحضرت دست داود ورد أشت ازقفا
ازبراي نمودن درازي أمل، «فقال: وثم أمله» وآنجاست يعني بجاي دور امل واميداورى،
يعني أجل نزديك امد وامل دور رفته است. انتهى بلفظه.
قلت: كل من المعنيين اللذين ذكرهما القاري والشيخ محتملٌ.
قوله: (وفي الباب عن أبي سعيد) أخرجه أحمد(١) من رواية علي بن علي عن ..
أبي المتوكل عنه: ((أن النبيَّ ◌َ ﴿ غرز عودًا بين يديه، ثم غرز إلى جنبه آخر، ثم غرز الثالث،
فأبعده، ثم قال: هذا الإنسانُ وهذا أجلُه، وهذا أملُهُ)).
قال الحافظ في ((الفتح)): والأحاديثُ متوافقة على أن الأجل أقرب من الأمل.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) قال المنذريّ في ((الترغيب)) - بعد ذكر هذا الحديث -:
رواه الترمذيُّ، وابن حبان(٢) في ((صحيحه))، ورواه النسائي أيضًا، وابن ماجه بنحوه. انتهى.
[٢٣٣٥] قوله: (عن أبي السفر) بفتح السين المهملة والفاء، هو سعيد بن يحمد، بضم
الياء التحتانية، وكسر الميم، الهمداني، الثوري، الكوفي، ثقة، من الثالثة.
قوله: (ونحن نعالج خُصَّا لنا) قال في ((القاموس)): الخُصُّ بالضمّ البيتُ من القصب، أو
البيت يسقف بخشبة، كالأزج، جمعه: خصاص، وخصوص. انتهى.
(١) أحمد، حديث (١٠٧٤٨).
(٢) ابن حبان، حديث (٢٩٩٨).

٤٦
كتاب الزهد عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاء أنَّ فِتْتَةَ هَذهِ الأُمَّةِ فِي المَال
هَذَا؟)) فَقُلْنَا: قَدْ وَهَى فنحن نُصْلِحُهُ، فَقَالَ: ((مَا أَرَى الأَمْرَ إلَّا أعْجَلَ مِن ذَلِكَ)).
[د: ٥٢٣٦، جه: ٤١٦٠، حم: ٦٤٦٦].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وأبو السَّفَرِ اسمه: سعيد بْنُ محمَّد،
ويقال: ابن أحمد الثَّوري.
٢٦ - باب مَا جَاء أنَّ فِتْنَةَ هَذهِ الأَمَّةِ في المال [ت٢٦، ٢٦٢]
[٢٣٣٦] (٢٣٣٦) حَدَّثَنَا أحْمَدُ بْنُ مَنِيع، حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ سَوَّارٍ، حَدَّثَنَا
اللَّيْتُ بْنُ سَعْدٍ عَن مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ أنَّ عَبْدَ الرَّحْمنِ بْنَ جُبَيْرِ بْنِ نُغَيْرٍ، حَدَّثَهُ عَن أبِيهِ
وقال فيه: الأزجُ محركةٌ، ضربٌ من الأبنية، والمعنى: نصلح بيتًا لنا، وفي رواية: ((وأنا
أُطيِّنُ حائطًا لي، أنا وأمي))، (قد وهى) أي: ضعف، قال في ((الصراح)): وهي ضعيف شدن
ونزديك شدن ديواربافتادن، وقال في ((القاموس)): الوَهْيُ: الشقُّ في الشيء، جمعه: وُهِيُّ
وأَوْهِيةٌ، وهى - كوعى، وولي -: تَخَرَّق، وانشقَّ واسترخى رباطُه، (فقال: ما أرى) بضم
الهمزة، أي: ما أظن، (الأمر) أي: الأجل، (إلَّا أعجل من ذلك) وفي رواية ((قال: الأَمْرُ
أَسْرَعُ من ذَلِكَ))(١)، قيل: الأجل أقرب من تخرب هذا البيت، أي: تصلح بيتك خشية أن
ينهدم قبل أن تموت، وربما تموت قبل أن ينهدم، فإصلاح عملك أولى من إصلاح بيتك،
قال: الطيبي - رحمه الله -: أي: كوننا في الدنيا كعابر سبيل، أو راكب مستظل تحت
شجرة، أسرع مما أنت فيه من اشتغالك بالبناء. انتهى.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وابن
حبان(٢) في ((صحیحه)).
٢٦ - باب ما جاء أن فتنة هذه الأمة في المال
[٢٣٣٦] قوله: (أخبرنا الحسن بن سوار) بفتح المهملة، وتثقيل الواو، البغوي،
أبو العلاء المروزي، صدوق، من التاسعة، (عن عبد الرحمن بن جبير) بجيم، وموحدة
مصغرًا، (بن نفير) بنون وفاء، مصغرًا، الحمصي، ثقة، من الرابعة، (عن أبيه) أي: جبير بن
(١) أبو داود، كتاب الأدب، حديث (٥٢٣٥).
(٢) ابن حبان، حديث (٢٩٩٦، ٢٩٩٧).

٤٧
كتاب الزهد عن رسول الله ﴿﴿ / باب مَا جَاء ((لَوْ كَانَ لابنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِن مَالٍ لَابْتَغِى ثَالِثًا))
عَنْ كَعْبٍ بْنِ عِيَاضٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيِّ بَّهِ يَقُولُ: ((إنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ فِئْنَةً، وَفِتْنَةُ أُمَّتِي
المَالُ)).
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ؛ إنَّمَا نَعْرِفُهُ مِن حَدِيثٍ مُعَاوِيَةً بْنِ
صَالِحٍ.
٢٧ - باب مَا جَاء: ((لَوْ كَانَ لابنِ آدَمَ وَادِيَانٍ مِن مَالٍ لَابْتَغِى ثَالِثًا)) [ت٢٧، ٢٧٠]
[٢٣٣٧] (٢٣٣٧) حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ أبي زِيَادٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ
سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أبي عَن صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَن ابنِ شِهَابٍ، عَن أنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ الله ◌َّهِ: ((لَوْ كَانَ لابنِ آدَمَ وَادِيانِ مِن ذَهَبٍ لأحَبَّ أنْ يَكُونَ لَهُ ثَالثٍ،
وَلا يَمْلأُ فَاهُ إِلَّ التُّرَابُ،
نفير بن مالك بن عامر الحضرمي، الحمصي، ثقة، جليل، من الثانية، مخضرم، (عن
كعب بن عياض) الأشعري، له صحبة، عداده في أهل الشام، روى عنه جبير بن نفير.
قوله: (إن لكل أمة فتنة) أي: ضلالًا ومعصية، (وفتنة أمتي المال) أي: اللهو به؛ لأنه
يشغل البال عن القيام بالطاعة، وينسي الآخرة.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح غريب) وأخرجه الحاكم(١)، وقال: صحيح، وأقروه.
٢٧ - باب ما جاء: لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثًا
[٢٣٣٧] قوله: (حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد) بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن
عوف، الزهري أبو يوسف المدني، نزيل بغداد، ثقة، فاضل، من صغار التاسعة، (أخبرنا
أبي) أي: إبراهيم بن سعد بن إبراهيم، أبو إسحاق، ثقة، حجة، تكلم فيه بلا قادح، من
الثامنة .
قوله: (واديًا) كذا وقع في أصل الكروخي، والصواب: ((واد وثان))، كذا في هامش
النسخة الأحمدية، (من ذهب) وفي رواية ((من فضة وذهب))، (ولا يملأ فاه) أي: فمه، وفي
رواية: ((وَلا يَمْلأُ جَوْف ابْنِ آدَمَ))، وفي رواية: ((لا يَسُدُّ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ))(٢) (إلا التراب)
(١) الحاكم، حديث (٧٨٩٦) وصحَّحه وأقرَّه الذهبي.
(٢) البخاري، كتاب الرقاق، حديث (٦٤٣٨).

٤٨
كتاب الزهد عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاء ((لَوْ كَانَ لابنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِن مَالٍ لَابْتَغى ثَالِثًا))
وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَن تَابَ)). [خ: ٦٤٣٩، م: ١٠٤٨، حم: ١١٨١٩، مي: ٢٧٧٨].
وفي البابٍ عَن أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وأبي سَعِيدٍ، وعَائِشَةَ، وابنِ الزُّبَيْرِ، وأبي واقٍ،
وجَابِرٍ، وابنِ عَبَّاسٍ، وأبي هُرَيْرَةَ. قَالَ أَبُو عِيْسَى:
معناه: لا يزال حريصًا على الدنيا حتى يموت، ويمتلئ جوفه من تراب قبره، وهذا الحديث
يخرجُ على حكم غالبٍ بني آدم في الحرص على الدنيا، (ويتوب الله على من تاب) أي:
أنَّ الله يقبل التوبة من الحريص كما يقبلها من غيره.
قيل: وفيه إشارة إلى ذِّ الاستكثارِ من جمع المال، وتمني ذلك، والحرص عليه؛
للإشارة إلى أن الذي يترك ذلك يطلق عليه أنه تاب، ويحتمل أن يكون تاب بالمعنى اللغوي،
وهو مطلق الرجوع، أي: رجع عن ذلك الفعل والتمني.
وقال الطيبي: يمكن أن يكون معناه: أن بني آدم مجبولون على حُبِّ المال والسعي في
طلبه، وأن لا يشبع منه إلا من عصمه الله، ووفقه لإزالة هذه الجبلة عن نفسه، وقليل ما هم،
فوضع قوله: ((ويتوب الله على من تاب)) موضعه؛ إشعارًا بأن هذه الجبلة المركوزة مذمومة
جارية مجرى الذنب، وأن إزالتها ممكنة بتوفيق الله وتسديده، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى:
﴿وَمَنْ يُوقَ شُعَّ نَفْسِهِ، فَأُوْلَكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩].
قوله: (وفي الباب عن أبي بن كعب ... إلخ) أما حديثُ أبي بن كعب، فأخرجه
الترمذي(١) في فضله، من أبواب المناقب، وأما حديث أبي سعيد(٢)، وحديث عائشة(٣)،
فلينظر من أخرجهما، وأما حديث ابن الزبير، فأخرجه البخاري(٤)، وأما حديث أبي واقد،
فأخرجه أحمد(٥)، وأبو عبيد في ((فضائل القرآن)). ذكره الحافظ في ((الفتح)). وأما حديث
جابرٍ(٦)، فأخرجه أبو عبيد في ((فضائل القرآن)). كما في ((الفتح))، وأما حديث ابن عباس،
(١) الترمذي، كتاب المناقب، حديث (٣٨٩٨).
(٢) ذكره الهيثمي في ((المجمع)) (٢٤٤/١٠) بلفظ: ((لو أن لابن آدم واديًا من مال لابتغى إليه ثانيًا، ولا يملأ جوف
ابن آدم إلا التراب»، وقال: رواه البزار، وفيه عطية العوفي، وهو ضعيف.
(٣) أحمد، حديث (٢٣٧٥٥) وأبو يعلى، حديث (٤٤٦٠).
(٤) البخاري، كتاب الرقاق، حديث (٦٤٨٣).
(٥) أحمد، حديث (٢١٣٩٩) والطبراني في ((الكبير))، حديث (١٤٢٤٧).
(٦) ابن حبان، حديث (٣٢٣٣) وأخرجه أحمد في ((مسنده))، حديث (١٤٢٤٧).

٤٩
كتاب الزهد عن رسول الله ﴿ / باب مَا جَاء في قَلْبُ الشَّيْخِ شابٌّ عَلَى حُبِّ اثْنَتَيْن
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِن هَذَا الوَجْهِ.
٢٨ - باب مَا جَاء في قَلْبُ الشَّيْخِ شابٌّ عَلَى حُبِّ اثْنَتَيْن [ت٢٨، ٢٨٢]
[٢٣٣٨] (٢٣٣٨) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَن ابنِ عَجْلَانَ، عَن القَعْقَاعِ بْنِ
حَكِيمٍ، عَن أبي صَالِحٍ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ، أنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِقَالَ: ((قَلْبُ الشَّيْخِ شَابٌّ عَلَى
◌ُبِّ أَثْنَتَيْنِ: طُولِ الحَيَاةِ وَكَثْرَةِ المَالِ)). [خ بنحوه: ٦٤٢٠، م: ١٠٤٦، جه: ٤٢٣٣، حم: ٨٢١٧].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
[٢٣٣٩] (٢٣٣٩) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَن قَتَادَةَ، عَن أَنَسٍِ بْنِ
مَالِكِ، أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ وَّهِ قَالَ: ((يَهْرَمُ ابنُ آدَمَ
فأخرجه البخاري ومسلم(١)، وأما حديث أبي هريرة، فأخرجه ابن ماجه(٢).
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد، والشيخان.
٢٨ - باب ما جاء: قلب الشيخ شاب على حب اثنتين
[٢٣٣٨] قوله: (عن القعقاع بن حكيم) الكناني، المدني، ثقة، من الرابعة.
قوله: (قلب الشيخ شاب) أي: قوي نشطان، (طول الحياة وكثرة المال) بالجر فيهما،
بدل من اثنتين، ويجوز الرفع والنصب، قال النووي: هذا مجاز، واستعارة، ومعناه: أن
قلب الشيخ كامل الحب لكثرة المال، وطول الحياة، محتكم في ذلك كاحتكام قوة الشاب
في شبابه؛ هذا صوابه. وقيل في تفسيره غير هذا مما لا يُرتضى. انتهى.
قوله: (وفي الباب عن أنس) أخرجه الترمذي(٣) في هذا الباب.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد، والبخاري في ((باب مَنْ بَلَغَ سِتينَ
سنةً، فَقَدْ أَعْذَرَ الله إِلَيْهِ فِي العُمُرِ)) من ((كتاب الرقاق))، ومسلم في ((باب كرَاهَةُ الحِرْصِ عَلَى
الدنيا)) من كتاب ((الزكاة))، والنسائي في ((الرقاق)).
[٢٣٣٩] قوله: (يهرم) بفتح الراء، من باب عَلِمَ، أي: يشيب، والهرم: كبر السن،
(١) البخاري، كتاب الرقاق، حديث (٦٤٣٦) ومسلم، كتاب الزكاة، حديث (٢٣٣٧).
(٢) ابن ماجه، كتاب الزهد، حديث (٤٢٣٥).
(٣) الترمذي، كتاب الزهد، حديث (٢٣٣٩).

٥٠
كتاب الزهد عن رسول الله وَّ﴿ / باب مَا جَاء في الزَّهَادَةِ في الدُّنْيَا
وَيَشُبُّ مِنْهُ اثْنَتَانِ: الحِرْصُ عَلَى العُمُرِ، وَالحِرْصُ عَلَى المَالِ)). [خ بنحوه: ٦٤٢١،
م: ١٠٤٧، جه: ٤٢٣٤، حم: ١٢٥٨٦].
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
٢٩ - باب مَا جَاء في الزَّهَادَةِ في الدُّنْيَا [ت٢٩، ٢٩٢]
[٢٣٤٠] (٢٣٤٠) حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ عَبْدِ الرَّحمنِ أَخْبَرَنَا مُحمَّدُ بْنُ المُبَارَكِ،
حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ وَاقِدٍ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ حَلْبَسٍ، عَن أبِي إِدْرِيسَ الخَوْلَانِيِّ، عَن
أبِي ذَرِّ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ: ((الزَّهَادَةُ فِي الدُّنْيَا لَيْسَتْ بِتَحْرِيمِ الحَلالِ وَلا إضَاعَةٍ
المال،
(ويشب) بكسر الشين المعجمة، وتشديد الموحدة، من باب ضَرَبَ، أي: ينمو ويقوى، (منه)
أي: من أخلاقه (اثنتان) أي: خصلتان، (الحرص على العمر) أي: طوله، (والحرص على
المال) أي: علی جمعه ومنعه.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان.
٢٩ - باب ما جاء في الزهادة في الدنيا
[٢٣٤٠] قوله: (حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن) هو الدارمي، (أخبرنا محمد بن
المبارك) الصوري، نزيل دمشق، القلانسي، القرشي، ثقة، من كبار العاشرة، (أخبرنا
عمرو بن واقد) الدمشقي، أبو حفص، مولى قريش، متروك، من السادسة، (أخبرنا يونس بن
حلبس) هو ابن ميسرة، قال في ((التقريب)): يونس بن ميسرة بن حلبس - بفتح المهملة،
والموحدة، بينهما لام ساكنة، وآخره مهملة، وزن جعفر، وقد ينسب لجده ـ ثقة، عابد،
معمر، من الثالثة. انتهى.
قوله: (الزهادة في الدنيا) بفتح الزاي، أي: ترك الرغبة فيها، (ليست بتحريم الحلال)
كما يفعله بعض الجهلة، زعمًا منهم أن هذا من الكمال، فيمتنع من أكل اللحم، والحلواء،
والفواكه، ولبس الثوب الجديد، ومن التزوج، ونحو ذلك، وقد قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَتِ مَآ أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوَأْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [المائدة: ٨٧] وقد
ثبت أنه ﴿ فعل هذه الأفعال، ولا أكمل من حالة الكمال، (ولا إضاعة المال) أي:
بتضييعه، وصرفه في غير محله، بأن يرميه في بحر، أو يعطيه للناس، من غير تمييز بين غني

٥١
كتاب الزهد عن رسول الله ﴿ / باب مَا جَاء في الزَّهَادَةِ فِي الدُّنْيَا
وَلَكِنَّ الزَّهَادَةَ فيِ الدُّنْيَا: أنْ لا تَكُونَ بِمَا فِي يَدَيْكَ أُوْثقَ مِمَّا فِي يَدِي الله، وَأنْ
تَكُونَ فِي ثَوَابِ المُصِيبَةِ إِذَا أَنْتَ أُصِبْتَ بِهَا أرْغَبُ فِيهَا لَوْ أَنَّهَا أُبْقِيَتْ لَكَ)). [ضعيف
جدًا: جه: ٤١٠٠].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ غريبٌ لَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِن هَذَا الوَجْهِ، وَأَبُو إدْرِيسَ
الخَوْلَانِيُّ اسْمُهُ: عَائِذُ الله بْنُ عَبْدِ الله، وَعَمْرُو بْنُ وَاقِدٍ مُنْكَرُ الحَدِيثِ.
وفقير، (ولكن الزهادة) أي: المعتبرة الكاملة، (في الدنيا) أي: في شأنها، (أن لا تكون بما
في يديك) من الأموال أو من الصنائع والأعمال (أوثق) أي: أرجى منك، (مما في يد الله)
وفي رواية ابن ماجه(١): ((أوثق منك بما في يد الله)) أي: بخزائنه الظاهرة والباطنة، وفيه نوع
من المشاكلة، والمعنى: ليكن اعتمادك بوعد الله لك من إيصال الرزق إليك، ومن إنعامه
عليك، من حيث لا تحتسب، ومن وجه لا تكتسب أقوى وأشدّ مما في يديك من الجاه،
والكمال، والعقار، وأنواع الصنائع، فإن ما في يديك يمكن تلفه وفناؤه، بخلاف ما في
خزائنه؛ فإنه محقق بقاؤه، كما قال تعالى: ﴿مَا عِندَكُمْ يَنَفَدُّ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦] (وأن
تكون) عطف على أن لا تكون (إذا أنت أصبت بها) بصيغة المجهول، (أرغب فيها) أي: في
حصول المصيبة، (لو أنها) أي: لو فرض أن تلك المصيبة، (أبقيت لك) أي: منعت
لأجلك، وأخرت عنك، فوضع أبقيت موضع لم تصب، وجواب ((لو)) ما دل عليه ما قبلها،
وخلاصته: أن تكون رغبتك في وجود المصيبة لأجل ثوابها أكثر من رغبتك في عدمها،
فهذان الأمران شاهدان عدلان على زهدك في الدنيا، وميلك في العقبى. قاله القاري.
وقال الطيبي: ((لو أنها أبقيت لك)): حالٌ من فاعل ((أرغب))، وجواب ((لو)) محذوف،
و((إذا)) ظرف، والمعنى: أن تكون في حال المصيبة - وقتَ إصابتها - أرغب من نفسك فِي
المصيبة حال كونك غَيْرَ مصاب بها؛ لأنك تئاب لوصولها إليك، ويفوتك الثواب إذا لم تصل
إليك :
قوله: (هذا حديث غريب) وأخرجه ابن ماجه.
(١) ابن ماجه، كتاب الزهد، حديث (٤١٠٠).

٥٢
كتاب الزهد عن رسول الله# / باب منه
٣٠- باب منه [ت٣٠، ٣٠٢]
[٢٣٤١] (٢٣٤١) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الوَارِثِ،
حَدَّثَنَا حُرَيثُ بْنُ السَّائِبِ، قَالَ: سَمِعْتُ الحَسَنَ يَقُولُ: حَدَّثَنِي حُمْرَانُ بْنُ أَبَانَ، عَنِ
عُثمانَ بْنِ عَقَّانَ، أنَّ النَّبِيَّ وَّهِ قَالَ: ((لَيْسَ لابنِ آدَمَ حَقٌّ فِي سِوَى هذِهِ الخِصَالِ:
بَيْتٌ يَسْكُنُهُ، وثَوْبٌ يُوَارِي عَوْرَتَهُ، وَجِلْفُ الخُبْزِ وَالمَاءِ)). [فيه ضعف، حمران ذكره البخاري
في الضعفاء، وقال ابن سعد: لم أرهم يحتجون بحديثه، ووثقه ابن حبان والذهبي، حم: ٤٤٢].
[٣٠ - باب منه]
[٢٣٤١] قوله: (أخبرنا حريث بن السائب) التميمي، وقيل: الهلالي، البصري،
المؤذن، صدوق يخطئ، من السابعة، (سمعت الحسن) هو البصري - رحمه الله -، (حدثني
حمران) بمضمومة، وسكون ميم، وبراء مهملة، (بن أبان) مولى عثمان بن عفان، اشتراه في
زمن أبي بكر الصديق، ثقة، من الثانية.
قوله: (ليس لابن آدم حق) أي: حاجة، (في سوى هذه الخصال) قال الطيبي - رحمه الله -:
موصوفُ ((سوی)) محذوف، أي: في شيء سوى هذه ... إلخ، والمراد بها: ضروريات بدنه
المعين على دينه، (بيت) بالجر، ويجوز الرفع، وكذا فيما بعده من الخصال المبينة، (يسكنه)
أي: محل يأوي إليه؛ دفعًا للحر والبرد، (وثوب يواري عورته) أي: يسترها عن أعين
الناس، (وجلف الخبز) بكسر جيم، وسكون لام، ويفتح، ففي ((النهاية)): الجلف: الخبز
وحده، لا أدم معه، وقيل: الخبز الغليظ اليابس، ويروى بفتح اللام، جمع جلفة، وهي
الكسرةُ من الخبز، وقال الهروي: الجلفُ ههنا: الظرف، مثل: الخُرج والجُوالق، يريد ما
يترك فيه الخبز. انتهى.
وفي ((الغريبين)): قال شمر عن ابن الأعرابي: الجلف: الظرف، مثل: الخرج،
والجوالق، قال القاضي - رحمه الله -: ذكر الظرف، وأراد به المظروف، أي: كسرة خبز،
وشربة ماء. انتهى.
والمقصود: غاية القناعة، ونهاية الكفاية.
(والماء) قال القاري - رحمه الله -: بالجر عطفًا على الجلف، أو الخبز، وهو الظاهر
المفهوم من كلام الشراح، وفي بعض النسخ - يعني: من ((المشكاة)) -: بالرفع؛ بناءً على أنه

٥٣
كتاب الزهد عن رسول الله# / باب منه
قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وَهُوَ حدِيثُ الحُرَيثِ بْنِ السَّائِبِ،
وَسَمِعْتُ أَبَا دَاوُدَ سُلَيْمَانَ بْنَ سَلْمِ البَلْخِيَّ يَقُولُ: قَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: جِلْفُ
الخُبْزِ: يَعْنِي لَيْسَ مَعَهُ إِدَامٌ.
٣١- باب منه [ت٣١، ٣١٢]
[٢٣٤٢] (٢٣٤٢) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا
شُعْبَةُ، عَن قَتَادَةَ عَن مُطَرِّفٍ، عَن أبِيه أنَّهُ انْتَهَى إِلى النَّبِيِّ وَّهِ وَهُوَ يَقُولُ: ((﴿أَلَهَنْكُمُ
التَّكَاثُرُ﴾، قَالَ: يَقُولُ ابنُ آدَمَ مَالِي مَالِي، وَهَلْ لَكَ مِن مَالِكَ إلَّا ما تَصَدَّقْتَ
فأمضَيْتَ،
إحدى الخصال، قيل: أراد بالحقِّ ما وَجَبَ له من الله من غير تبعة في الآخرة، وسؤالٍ عنه،
وإذا اكتفى بذلك من الحلالِ لم يسأل عنه؛ لأنه من الحقوق التي لا بد للنفس منها، وأما ما
سواه من الحظوظِ يسأل عنه، ويُطالب بشكرِهِ، وقال القاضي - رحمه الله -: أراد بالحقِّ ما
يستحقه الإنسانُ لافتقاره إليه، وتوقف تعيشه عليه، وما هو المقصود الحقيقي من المال،
وقيل: أراد به ما لم يكن له تبعة حساب، إذا كان مكتسبًا من وجه حلال. انتهى.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الحاكم(١) في ((مستدركه))، قال المناوي:
إسنادُهُ صحيح.
٣١ - باب منه
[٢٣٤٢] قوله: (عن مطرف) بن عبد الله بن الشخير، العامري، الجرشي، البصري،
ثقة، عابد، فاضل، من الثانية، (عن أبيه) أي: عبد الله بن الشخير بن عوف، العامري،
صحابي، من مُسلمة الفتح.
قوله: (انتهى إلى النبي ◌َ ﴾) أي: وصل إليه (وهو) أي: النبي ◌َّهِ: ﴿﴿أَلَهَنَكُمُ التَّكَائِرُ﴾)
أي: أشغلكم طلب كثرة المال، (قال) أي: النبي ◌َّفي (مالي مالي) أي: يغتر بنسبة المال إلى
نفسه تارة، ويفتخر به أخرى، (وهل لك من مالك) أي: هل يحصل لك من المال، وينفعك
في المال، (إِلا ما تصدقت فأمضيت) أي: فأمضيته، وأبقيته لنفسك يوم الجزاء، قال تعالى:
(١) الحاكم، حديث (٧٨٦٦) وصحَّحه وأقرَّه الذهبي.

٥٤
كتاب الزهد عن رسول الله # / باب منه
أوْ أَكَلْتَ فَأَقْنَيْتَ، أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ)).
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. [م: ٢٩٥٨، ن: ٣٦١٥، حم: ١٥٨٧٠].
٣٢- باب منه [ت٣٢، م٣٢]
٢٣٤] (٢٣٤٣) حَدَّثَنَا بُنْدَارٌ محمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ هو
اليَمَامِيُّ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا شَدَّادُ بْنُ عَبْدِ الله، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةً
يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِهِ: ((يَا ابْنَ آدَمَ! إِنَّكَ إِنْ تَبْذُلِ الفَضْلَ خَيْرٌ لَكَ، وَإِنْ تُمْسِكْهُ
شَرٌّ لَكَ، وَلا تُلَامُ عَلَى كَفَافٍ،
عِندَكُمْ يَنْفَدِّ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦] وقال عزَّ وجلَّ: ﴿مَنِ ذَا الَّذِى يُفْرِضُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا
فَيُضَعِفَهُ لَهُ﴾ [البقرة: ٢٤٥] (أو أكلت) أي: استعملت من جنسٍ المأكولات والمشروبات، ففيه
تغليب، أو اكتفاء، (فأفنيت) أي: فأعدمتها، (أو لبست) من الثياب، (فأبليت) أي:
فأخلقتها .
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم في ((الزهد)).
٣٢ - باب منه
[٢٣٤٣] قوله: (أخبرنا عمر بن يونس) بن القاسم الحنفي، أبو حفص، اليمامي،
الجرشي، ثقة، من التاسعة، (أخبرنا عكرمة بن عمار) العجلي، أبو عمار اليمامي، أصله من
البصرة، صدوق، يغلط، وفي روايته عن يحيى بن كثيرٍ اضطراب، ولم يكن له كتابٌ، من
الخامسة، (أخبرنا شداد بن عبد الله) القرشي، أبو عمار الدمشقيّ، ثقة، يرسل، من الرابعة.
قوله: (إنك إن تبذل الفضل) أي: إنفاق الزيادة على قدرٍ الحاجةِ والكفاف، فـ((إن))
مصدرية، مع مدخولها مبتدأ، خبره (خير لك) أي: في الدنيا والأخرى، (وإن تمسكه) أي:
ذلك الفضل، وتمنعه.
قال النووي: قوله ويّله: ((إِنَّك أن تبذل الفضل خير لك، وأن تمسكه شر لك)): هُو بفتح
همزة أن معناه: إن بذلت الفاضل عن حاجتك وحاجة عيالك فهو خير لك؛ لبقاء ثوابه، وإن
أمسكته فهو شر لك؛ لأنه إن أمسك عن الواجب استحق العقاب عليه، وإن أمسك عن
المندوب فقد نقص ثوابه، وفوت مصلحة نفسه في آخرته، وهذا كله شر. انتهى.
(ولا تلام على كِفاف) بالفتح، وهو من الرزق القوت، وهو ما كف عن الناس، وأغنى

٥٥
كتاب الزهد عن رسول الله وَله / باب فِي التَّوَكُّلِ عَلَى الله
وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ، وَالِيَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى)). [م: ١٠٣٦، حم: ٢١٧٦٢].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَشَدَّادُ بْنُ عَبْدِ الله يُكْنَى: أبَا عَمَّارٍ.
٣٣- باب في التَّوَكُّلِ عَلَى الله [ت:٣٣، ٣٣٢]
[٢٣٤٤] (٢٣٤٤) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَعِيدِ الكِنْدِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ المُبَارَكِ، عَن
حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ، عَن بَكْرِ بْنِ عَمْرٍو، عَن عَبْدِ الله بْنِ هُبَيْرَةَ، عَن أَبِي تَمِيمِ الجَيْشَانِيِّ،
عنهم، والمعنى: لا تذم على حفظه وإمساكه، أو على تحصيله وكسبه، ومفهومه: أنك إن
حفظت أكثر من ذلك، ولم تتصدق بما فضل عنك، فأنت مذموم، وبخيل، وملوم. قاله
القاري.
وقال النووي: معنى: ((لا تلام على كفاف)): أن قدر الحاجة لا لومَ على صاحبه، وهذا
إذا لم يتوجه في الكفاف حق شرعي، کمن كان له نصاب زكوي، ووجبت الزكاة بشروطها،
وهو محتاج إلى ذلك النصاب؛ لكفافه، وجب عليه إخراج الزكاة، ويحصل كفايته من جهة
مباحة. انتهى.
(وابدأ) أي: ابتدئ في إعطاء الزائد على قدر الكفاف، (بمن تعول) أي: بمن تمونه
ويلزمك نفقته، قال النووي: فيه تقديم نفقة نفسه وعياله؛ لأنها منحصرة فيه، بخلاف نفقة
غيرهم، وفيه الابتداء بالأهم، فالأهم في الأمور الشرعية (اليد العليا) أي: المنفقة، (خير
من اليد السفلى) أي: السائلة.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم في ((الزكاة)).
٣٣ - باب في التوكل على الله
[٢٣٤٤] قوله: (حدثنا علي بن سعيد) بن مسروق، الكندي، الكوفي، صدوق من
العاشرة، (عن بكر بن عمرو) المعافري، المصري، إمام جامعها، صدوق، عابد، من
السادسة، (عن عبد الله بن هبيرة) بضم الهاء، وفتح الموحدة، مصغرًا ابن أسعد، السَّبَئي
بفتح المهملة والموحدة، ثم همزة مقصورة، الحضرمي، كنيتُه: أبو هبيرة المصري، ثقة، من
الثالثة، (عن أبي تميم الجيشاني) قال في ((التقريب)): عبد الله بن مالك بن أبي الأسحم،
بمهملتين، أبو تميم الجيشاني، بجيم وياء ساكنة، بعدها معجمة، مشهور بكنيته، المصري،
ثقة، مخضرم، من الثالثة.

٥٦
كتاب الزهد عن رسول الله ﴿ ﴿ / باب فِي التَّوَكُّلِ عَلَى الله
عَن عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيِ: ((لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَوَّلُونَ عَلَى اللهِ حَقَّ
تَوَكُّلِهِ لَرُزِقْتُمْ كَمَا تُرْزَقُ الطَيْرُ: تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا)). [جه: ٤١٦٤، حم: ٢٠٥].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِن هَذَا الوَجْهِ، وَأَبُو تَمِيمِ
الجَيْشَانِيُّ اسْمُهُ: عَبْدُ الله بْنُ مَالِكٍ.
قوله: (لو أنكم كنتم تَوَّلون) بحذف إحْدَى التاءين؛ للتخفيف، أي: تعتمدون (حق
توكله) بأن تعلموا يقينًا أن لا فاعل إلا الله، وَأَنْ لا معطي ولا مانع إلَّا هو، ثم تسعون في
الطلب بوجه جميل، وتوكل، (لرزقتم كما ترزق الطير) بمثناة فوقية مضمومة أوله، (تغدو)
أي: تذهب أوَّلَ النهار، (خماصًا) بكسر الخاء المعجمة، جمع خميص، أي: جياعًا،
(وتروح) أي: ترجع آخر النهار، (بطانًا) بكسر الموحدة، جمع بطين، وهو عظيم البطن،
والمراد: شباعًا، قال المناوي: أي: تغدو بكرة وهي جياع، وتروح عشاء وهي ممتلئة
الأجواف، فالكسبُ ليس برازق، بل الرازق هو الله تعالى، فأشار بذلك إلى أن التوكل ليس
التبطل والتعطل، بل: لا بد فيه من التوصل بنوع من السبب؛ لأن الطير ترزق بالسعي
والطلب، ولهذا قال أحمد: ليس في الحديث ما يدلُّ على ترك الكسب، بل فيه ما يدل على
طلب الرزق، وإنما أراد: لو توكلوا على الله في ذهابهم، ومجيئهم، وتصرفهم، وعلموا أن
الخير بيده، لم ينصرفوا إلا غانمين سالمين، كالطير، لكن اعتمدوا على قوتهم، وكسبهم،
وذلك لا ينافي التوكل. انتهى.
وقال الشيخ أبو حامد: وقد يظن أن معنى التوكل ترك الكسب بالبدن، وترك التدبير
بالقلب، والسقوط على الأرض كالخرقة الملقاة، أو كلحم على وضم، وهذا ظن الجهال،
فإن ذلك حرام في الشرع، والشرعُ قد أثنى على المتوكلين، فكيف ينال مقام من مقامات
الدين بمحظور من محظورات الدين؟ بل نكشف عن الحق فيه فنقول: إنما يظهر تأثير التوكل
في حركة العبد، وسعيه بعمله إلى مقاصده، وقال الإمام أبو القاسم القشيري: اعلَمْ: أن
التوكل محله القلب، وأما الحركة بالظاهر، فلا تنافي التوكل بالقلب بعدما يحقق العبد أن
الرزق من قبل الله تعالى، فإن تعسر شيءٌ فبتقديره، وإن تيسر شيء فبتيسيره.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد، والنسائي، وابن حبان في
(١)
((صحيحه))، والحاكم"
(١) ابن حبان، حديث (٧٣٠) والحاكم، حديث (٧٨٩٤) وصحَّحه وسكت عنه الذهبي.

٥٧
كتاب الزهد عن رسول الله (3# / باب
[٢٣٤٥] (٢٣٤٥) حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، حَدَّثَنَا أبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسيُّ، حَدَّثَنَا
حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنِ ثَابِتٍ، عَن أنَسِ بْنِ مَالِكِ قَالَ: كَانَ أَخَوَانِ عَلَى عَهْدِ النبي ◌َّه
فَكَانَ أحَدُهُمَا يَأْتِي النَّبيَّ وَّهِ وَالآخَرُ يَحْتَرِفُ، فَشَكَا المُحْتَرِفُ أخَاهُ إلى النَّبِيِّ وَّهُ
فَقَالَ: ((لَعَلَّكَ تُرْزَقُ بِهِ)).
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديث حسن صحيح.
٣٤- باب [ت٣٤، ٣٤٢]
[٢٣٤٦] (٢٣٤٦) حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَالِكِ، ومَحْمُودُ بْنُ خِدَاشِ البَغْدَادِيُّ، قَالَا:
حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحمنِ بْنُ أبي شُمَيْلَةَ الأنْصَارِيُّ
[٢٣٤٥] قوله: (كان أخوان) أي: اثنان من الإخوان، (على عهد رسول الله (18/03) أي:
في زمنه، (فكان أحدهما يأتي النبي ◌َ 8$) أي: لطلبٍ العلم والمعرفة، (والآخر يحترف) أي:
يكتسب أسباب المعيشة، فكأنهما كانا يأكلان معًا، (فشكا المحترف) أي: في عدم مساعدة
أخيه إياه في حرفته، وفي كسب آخر لمعيشته، (فقال: لعلك ترزق به) بصيغة المجهول، أي:
أرجو وأخافُ أنك مرزوقٌ ببركته، لأنه مرزوق بحرفتك، فلا تمنن عليه بصنعتك، قال
الطيبيّ: ومعنى ((لعل)) في قوله: ((لعلك)) يجوزُ أن يرجع إلى رسول الله وَ له فيفيد القطع،
والتوبيخ، كما ورد: ((فَهَلْ تُرْزَقُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ)) وأن يرجع المخاطب ليبعثه على التفكر
والتأمل، فينتصف من نفسه. انتهى.
وحديث أنس هذا ذكره صاحب ((المشكاة))، وقال: رواه الترمذي، وقال: هذا حديث
صحیح غريب. انتھی.
وليس قول الترمذيِّ هذا في النسخ الحاضرة عندنا، وأخرجه أيضًا الحاكم.
٣٤ - باب
[٢٣٤٦] قوله: (حدثنا عمرو بن مالك) الراسبي، أبو عثمان البصريّ، ضعيف، من
العاشرة، (ومحمود بن خداش البغدادي) قال في ((التقريب)): محمود بن خداش - بكسر
المعجمة، ثم مهملة خفيفة، وآخره معجمة - الطالقاني، نزيل بغداد، صدوق، من العاشرة،
(حدثنا عبد الرحمن بن أبي شميلة) بمعجمة، مصغرًا، الأنصاري، المدني، القبائي - بضم

٥٨
کتاب الزهد عن رسول الله (ڑ / باب
عَنْ سَلَمَةَ بْنِ عُبَيْدِ الله بْنِ مِحْصَنِ الخَطْمِيِّ، عَن أبِيهِ - وَكَانَتْ لَهُ صُحبةٌ - قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَن أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا في سِرْبِهِ، مُعَافَى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ،
فَكَأَنَّمَا حِيْزَتْ لَهُ الدُّنْيَا)). [جه: ٤١٤١].
القاف وتخفيف الموحدة ممدود - مقبول، من السابعة، (عن سلمة بن عبيد الله بن محصن)
بكسر الميم وسكون الحاء، وفتح الصاد المهملتين، قال الحافظ في ((التقريب)): سلمة بن
عبد الله، ويقال: ابن عبيد الله بن محصن، الأنصاري، الخطمي، المدني، مجهول، من
الرابعة، وقال في ((تهذيب التهذيب)) في ترجمته: روى عن أبيه، ويقال: له صُحْبَةٌ، وروى
عنه عبد الرحمن بن أبي شميلة الأنصاري، ذكره ابن حبان في ((الثقات))، له في السنن حديث
واحد: ((مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ)) الحديث، قال: وقال أحمد: لا أعرفه، وقال
العقیلي: لا يُتَابَعُ علی حدیثه. انتهى.
(عن أبيه) أي: عبيد الله بن محصن، قال في ((التقريب)): عبد الله بن محصن الأنصاري،
يقال: عبيد الله، بالتصغير، ورُجِّح، مختلف في صحبته، له حديث. انتهى. (وكانت له
صحبة) قال في ((تهذيب التهذيب)) في ترجمته: قال ابن عبد البر: أكثرهم يصحح صحبته،
وقال أبو نعيم: أدرك النبي وَ ل﴿ ورآه، وذكره البخاري، وغير واحد فيمن اسمه: عبيد الله،
يعني: مصغرًا. انتهى.
قوله: (من أصبح منكم) أي: أَيُّها المؤمنون، (آمنًا) أي: غير خائف من عدو، (في
سربه) المشهور: كسر السين، أي: في نفسه، وقيل: السرب: الجماعة، فالمعنى، في أهله
وعياله، وقيل: بفتح السين، أي: في مسلكه وطريقه، وقيل: بفتحتين، أيٍ: في بيته، كذا
ذكره القاري عن بعض الشراح، وقال التوربشتي - رحمه الله - أبى بعضُهم إلَّا السَّرَب، بفتح
السين والراء، أي: في بيته، ولم يذكر فيه روايةً، ولو سُلِّم له قولُه: أن يطلق السَّرَبُ على
كلِّ بيتٍ، كان قوله هذا حريًّا بأن يكون أقوى الأقاويل، إلَّا أن السَّرَبَ يُقال للبيتِ الذي هو
في الأرض، وفي ((القاموس)): السَّرْبُ: الطريقُ، وبالكسر: الطريق والبال والقلب والنفس
والجماعة، وبالتحريك: جحر الوحش والحفير تحت الأرض. انتهى. فيكون المراد من
الحديث المبالغةُ في حصول الأمنِ، ولو في بيت تحت الأرض، ضيق كجحر الوحش، أو
التشبيه به في خفائه، وعدم ضياعه، (معافى) اسم مفعول، من باب المفاعلة، أي: صحيحًا
سالمًا من العلل والأسقام، (في جسده) أي: بدنه ظاهرًا وباطنًا، (عنده قوت يومه) أي:
كفاية قوته من وجه الحلال، (فكأنما حيزت) بصيغة المجهول، من الحيازة، وهي الجمع
والضم، (له) الضمير عائد لـ ((من)) رابط للجملة، أي: جمعت له (الدنيا) وزاد في

٥٩
كتاب الزهد عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاء في الكَفَافِ والصَّبْرِ عَلَيْه
قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِن حَدِيثٍ مَرْوَانَ بْنِ
مُعَاوِيَةَ، وحيزَتْ: جُمِعَتْ. حَدَّثَنَا بذلك مُحمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ،
حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، نحْوَهُ. وفي البابِ عَن أبي الدرداء.
٣٥- باب مَا جَاء في الكَفَافِ وَالصَّبْرِ عَلَيْه [ت٣٥، ٣٥٢]
[٢٣٤٧] (٢٣٤٧) أخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الله بْنُ المُبَارَكِ، عَن
يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ، عَن عُبَيْدِ الله بْنِ زَحْرٍ، عَن عَلِيٍّ بْنِ يَزِيدَ، عَن القَاسِمِ
أبي عَبْدِ الرَّحمنِ، عَن أبي أُمَامَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ قَالَ: ((إنَّ أَغْبَطَ أوْلِيَائِي عِنْدِي
لَمُؤْمِنٌ خَفِيفُ الحَاذِ
((المشكاة)): ((بحذافيرها)). قال القاري: أي: بتمامها، والحذافيرُ: الجوانب، وقيل:
الأعالي، واحدها حِذْفَارٌ أو حذْفُورٌ، والمعنى: فكأنما أُعْطِيَ الدنيا بأسرها. انتهى.
قوله: (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)) وابن ماجه.
قوله: (حدثنا محمد بن إسماعيل) هو الإمام البخاري رحمه الله (أخبرنا الحميدي) هو
عبد الله بن الزبير بن عيسى، القرشي، المكي، أبو بكر، ثقة، حافظ، فقيه، أجل أصحاب
ابن عيينة، من العاشرة، قال الحاكم: كان البخاريُّ إذا وجد الحدیث عند الحميدي لا يعدوه
إلى غيره. كذا في ((التقريب)).
٣٥ - باب ما جاء في الكفاف والصبر عليه
قال في ((النهاية)): الكفافُ: هو الذي لا يفضل عن الشيء، ويكون بقدر الحاجة إليه.
[٢٣٤٧] قوله: (عن يحيى بن أيوب) هو الغافقي، (عن عبيد الله بن زَخْر) بفتح الزاي
وسكون المهملة، الضمري، مولاهم الإفريقي، صدوق، يخطئ، من السادسة.
قوله: (إن أغبط أوليائي) أفعل تفضيل مبني للمفعول؛ لأن المغبوط به حاله، أي:
أحسنهم حالًا، وأفضلهم مالًا، (عندي) أي: في اعتقادي، (لمؤمن) ((اللام)) زائدة، في خبر
المبتدأ للتأكيد، أو هي للابتداء، أو المبتدأ محذوف، أي: لهو مؤمن، (خفيف الحاذ)
بتخفيف الذال المعجمة، أي: خفيف الحال، الذي يكون قليل المال، وخفيف الظهر من
العيال، قال الجزري في ((النهاية)): الحاذُّ والحال واحدٌ، وأصل الحاذ: طريقة المتن، وهو
ما يقع عليه اللبد من ظهر الفرس، أي: خفيف الظهر من العيال. انتهى. ومجمل المعنى:

٦٠
كتاب الزهد عن رسول الله وَ﴿ ر باب مَا جَاء في الكَفَافِ والصَّبْرِ عَلَيْه
ذُو حَظّ مِنَ الصَّلَاةِ، أحْسَنَ عِبَادَةَ رَبِّهِ وَأَطَاعَهُ فِي السِّرِّ، وَكَانَ غَامِضًا فِي النَّاسِ لا
يُشَارُ إِلَيْهِ بالأصَابِعِ، وَكَانَ رِزْقُهُ كَفَافًا فَصَبَرَ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ نَفَضَ بيده فَقَالَ: عُجِّلَتْ
مَنِيَّتُهُ، قَلَّتْ بَوَاكِيهِ، قَلَّ تُرَاثُهُ)). [ضعيف، علي بن يزيد، ضعيف، حم: ٢١٦٦٣].
أحقُّ أحبائي وأنصاري عندي بأن يغبط، ويتمنى حاله مؤمنٌ بهذه الصفة، (ذو حظ من
الصلاة) أي: ومع هذا هو صاحبُ لذة وراحة من المناجاة مع الله، والمراقبة، واستغراق في
المشاهدة، ومنه قوله وَّه: ((قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ (١)» و: ((أَرَحْنَا بِهَا يَا بِلالُ(٢)). قاله
القاري، (أحسن عبادة ربه) تعميم بعد تخصيص، والمراد: إجادتها على الإخلاص،
(وأطاعه في السر) أي: كما أطاعه في العلانية، فهو من باب الاكتفاء والتخصيص لما فيه من
الاعتناء. قاله القاري، وجعله الطيبيّ عطف تفسير على ((أحسن))، وكذا المناوي. (وكان
غامضًا) أي: خاملًا، خافيًا، غير مشهور، (في الناس) أي: فيما بينهم، (لا يشار إليه
بالأصابع) بيان، وتقرير لمعنى الغموض، (وكان رزقه كفافًا) أي: بقدر الكفاية، لا أزيد،
ولا أنقص، (فصبر على ذلك) أي: على الرزق الكفاف، أو على الخمولِ والغموض، أو
على ما ذكر، دلالة على أن ملاك الأمر الصبر، وبه يتقوى على الطاعة، قال تعالى:
﴿وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوْءٍ﴾ [البقرة: ٤٥] وقال: ﴿أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُواْ﴾ [الفرقان:
٧٥] (ثم نقر بيديه) بفتح النون والقاف وبالراء، ووقع في ((المشكاة)) ((نقد)) بالدال المهملة،
بدل الراء، قال في ((المجمع)): ((ثم نقد بيده)) بالدال، من: نقدتُه بأصبعي، واحدًا بعد
واحد، وهو كالنقر بالراء، ويروى به أيضًا، والمراد: ضرب الأنملة على الأنملة، أو على
الأرض، كالمتقلل للشيء، أي: يقلل عمره، وعدد بواكيه، ومبلغ تراثه.
وقيل: هو فعل المتعجب من الشيء، وقيل: للتنبيه على أن ما بعده مما يهتم به.
(عجلت) بصيغة المجهول، من التعجيل، (منيته) أي: موته، قال في ((المجمع)): أي:
يسلم روحه سريعًا؛ لقلة تعلقه بالدنيا، وغلبة شوقه إلى الآخرة، أو أراد أنه قليلُ مُؤَنِ
الممات كما كان قليل مؤن الحياة، أو كان قبض روحه سريعًا، (قَلَّت بواكيْه) جمعُ باكيةٍ،
أي: امرأة تبكي على الميت، (قل تراثه) أي: ميراثه وماله المؤخر عنه مما يورث، وتراث
الرجل: مما يخلفه بعد موته من متاع الدنيا، وتاؤه بدل من الواو. وحديث أبي أمامة هذا
أخرجه - أيضًا - أحمد، وابن ماجه.
(١) أحمد، حديث (١١٨٨٤) والنسائي، كتاب عشرة النساء، حديث (٣٩٤٠).
(٢) أحمد، حديث (٢٢٥٧٨) وأبو داود، كتاب الأدب، حديث (٤٩٨٥).