Indexed OCR Text

Pages 1-20

هُنَّةُ الأَخْدِيَ
بَشَرَجَافِع التَّرْمِذِيّ
لِلإِمَامِ الْحَافِظِ أبي العُلَاءمحَمَّد عَبْدُ الرَّمن بن عَبْدُالرَّحِيْ المَبَّارَكَفُوريّ
المتوفى سنة ١٣٥٣ هـ
وهو الجامع المختصر من السنن عن رسول اللهبقي له ومعرفة الصحيح والحلول وما عليه العمل
ومعَهُ
شِفَاء الخلل في شرح كتاب الِكَل
الجُزْءُ السَّابِعُ
الأَحَادِيثِ: ٢٣٠٤ إلى ٢٧٣٥
كتاب الزهد صفة القيامة والرقائق والورع صفة الجنة
صفت ضم الإيمان العلم الاستئذان والآداب
◌َبْعَةٌ مُدَقَّقَةٌ وَمُصَتَّحَةٌ، وَمُرَقَّمَةُ الكُتُبِ وَالأَبْوَابِ وَالأَحَادِيْثِ عَلَى كِتَّبِ السُّنَنِ، وَمُوَافِقَة
لِلِمُعْجَوِ الْفَهْرَسِ، وَُحْفَةِ الأَشْرَافِ وَمُخَرَّجَةِ الْأَحَادِيثِ عَلَى الْكُتُبِ اللَّْعَةِ
مَعَ الإِشَارَةِ لِلِأَحَادِيْثِ الضَّعِيفَةِ وَبَانِ عِلَّتِهَا
اعتَنَابِهِ
يُوسُف الحَاج أحمَد
دَارُ لَ نَاشِرُون
دِمَشق
دَارُ السَّمَاء
دمشق

،٧
بِ اللَّهُ الرَّ الرَّحِيمِ
جميع حقوق الطبع محفوظة
الطّبعَة الأولى
١٤٣٢ هـ - ٢٠١١مـ
ISBN 978933902568
9 789933 902568
١،٧٠
دَارُ الْفِيَاءِ
لِلِنّشْر وَالتّوزيْعِ
سورية- دمشق-حلبُوني -ص.ب١٣٤٦١
هَاتف : ٢٢٥٨٣٢٥ - فاكس: ٢٢٣٠٢٠٨
E-mail: daralfaiha@hotmail.com
دَارُ المِثْهِ الْتُون
سورية- دمشق- حلبُونی-ص.ب:١٣٤٦١
هَاتفٌ: ٢٢٣٨١٣٥ - فاكس: ٢٢٢٠٢٠٨
E-mail: daralmanhal@hotmail.com

شِفَةُ الأَعْدِىُّ
4،116
بِشَر ◌َجَافِع التّمْدِيُّ

فهرس بأسماء كتب تحفة الأحوذي
رقم الكتاب
الجزء
رقم الكتاب
الجزء
١- أبواب الطهارة
١
٢٧ - كتاب البر والصلة
٦
٢- أبواب الصلاة
١
٢٨- كتاب الطب
٦
٣- تتمة أبواب الصلاة
٢
٢٩ - كتاب الفرائض
٦
٤- أبواب الوتر
٢
٣٠- كتاب الوصايا
٦
٥- أبواب الجمعة
٣
٣٢- كتاب القدر
٦
٧- أبواب السفر
٣
٣٣- كتاب الفتن
٦
٨- أبواب الزكاة
٣
٣٥- كتاب الشهادات
٦
٩- أبواب الصوم
٣
٣٦- كتاب الزهد
٧
١٠ - أبواب الحج
٤
٣٨- كتاب صفة الجنة
٧
١٢ - كتاب النكاح
٤
٣٩- كتاب صفة جهنم
٧
١٣- كتاب الطلاق واللعان
٤
٤٠- كتاب الإيمان
٧
١٤ - كتاب البيوع
٧
١٥- كتاب الأحكام
٤
٤٢- كتاب الاستئذان ...
٧
١٦ - كتاب الديات
٤
٤٣- كتاب الأداب
٨
١٧ - كتاب الحدود
٥
٤٤- كتاب الأمثال
٨
١٨ - كتاب الصيد
٥
٤٥- كتاب فضائل القرآن
٨
٢١ - كتاب السير
٥
٤٨- تتمة تفسير القرآن
٩
٢٢ - كتاب فضائل الجهاد
٥
٤٩- كتاب الدعوات
٩
٢٣ - كتاب الجهاد
٥
٥٠- تتمة كتاب الدعوات
١٠
٢٥- كتاب الأطعمة
٥
٥١- كتاب المناقب
١٠
٢٦ - كتاب الأشربة
٥
٥٢- كتاب العلل الصغير
١٠
٧
١١- كتاب الجنائز
٣
٣٤- كتاب الرؤيا
٦
١٩- كتاب الأضاحي
٢٠- كتاب النذور والأيمان
٥
٤٦- كتاب القراءات
٨
٤٧- كتاب تفسير القرآن
٨
٢٤ - كتاب اللباس
٤
٤
٤١- كتاب العلم
٣٧- كتاب صفة القيامة ..
٦
٦- أبواب العيدين
٣
٣١- كتاب الولاء والهبة

O
كتاب الزهد عن رسول الله ◌َ﴿ / بَابُ الصِّحَّةِ وَالفَرَاغِ نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيْهِمَا كَثِيْرٌ مِنَ النَّاسِ
الله
(٣٧) كتاب الزهد عن رسول
٠
١- بَابُ الصِّحَّةِ وَالفَرَاغِ نِعْمَتَانِ مَغْبُونَ فِيْهِمَا كَثِيْرٌ مِنَ النَّاسِ [١٥، ١٢]
[٢٣٠٤] (٢٣٠٤) حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الله، وسُوَيدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ صَاحٌ:
حَدَّثَنَا، وَقَالَ سُوَيْدٌ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الله بْنُ المُبَارَكِ عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدِ
عَن أبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((نِعْمَتَانِ مَعْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِن
و
النَّاسِ، الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغَ)). [خ: ٦٤١٢، جه: ٤١٧٠، حم: ٢٣٣٦، مي: ٢٧٠٧].
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمَةِ
٣٧ - كتاب الزهد .... إلخ
١ - باب الصحة والفراغ نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس
هو ضد الرغبة، قال في ((القاموس)): زَهَد فيه؛ كَمَنَعَ، وسمع، وكرم، زهدًا وزهادة،
ضدُّ رغب. انتهى. والمرادُ هنا: تركُ الرغبةِ في الدنيا؛ على ما يقتضيه الكتابُ والسنةُ.
[٢٣٠٤] قوله: (نعمتان) مبتدأ. (مغبون فيهما كثير من الناس) صفةٌ له وخبره، (الصحة
والفراغ) أي: صحةُ البدن، وفراغُ الخاطرِ بحصولِ الأمنِ ووصل كفاية الأمنية، والمعنى: لا
يعرف قدر هاتين النعمتين كثيرٌ من الناس؛ حيث لا يكسبون فيهما من الأعمالِ كفاية ما
يحتاجون إليه في معادهم، فيندمون على تضييع أعمارهم عند زَوَالِها، ولا ينفعهم الندم، قال
تعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ النَّغَبُنِ﴾ [التغابن: ٩]، وقال ◌َّهِ: ((لَيْسَ يَتَحَسَّرُ أَهْلُ الجَنَّةِ إِلَّا عَلَى سَاعَةٍ فَرَّتْ
ـهِمْ وَلَمْ يَذْكُرُوا الله فيها))، وفي حاشية السيوطي - رحمه الله - قال العلماءُ: معناه أن
الإنسانَ لا يتفرغ للطاعة إِلَّا إذا كان مكفيًا، صحيح البدن، فقد يكون مستغنيًا، ولا يكون
صحيحًا، وقد يكون صحيحًا، ولا يكون مُسْتَغْنِيًّا، فلا يكون متفرغًا للعلم والعملِ؛ لشغله
بالكسب، فَمَنْ حَصَلَ له الأمران، وكسل عن الطاعة، فهو المغبون، أي: الخاسر في
التجارة، مأخوذ من الغبن في البيع.

٦
كتاب الزهد عن رسول الله ◌َ ﴿ / باب مَنِ اتَّقَى المَحَارِمَ فَهُوَ أعْبَدُ النَّاسِ
حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ سَعِيدٍ بْنِ
أبي هنْدٍ، عَن أبِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ نِحْوَهُ.
قَالَ: وفي البابِ عَن أنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وقال: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ، وَرَوَاهُ
غَيْرُ وَاحِدٍ عَن عَبْدِ الله بْنِ سَعِيدٍ بْنِ أبِي هِنْدٍ، فَرَفَعُوهُ، وَأَوْقَفَهُ بَعْضُهُمْ عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ
سَعِيدِ بْنِ أپِي مِنْدٍ.
٢- باب مَنِ اتَّقَى المَحَارِمَ فَهُوَ أَعْبَدُ النَّاسِ [ت٢، ٢٢]
[٢٣٠٥] (٢٣٠٥) حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ هِلَالِ الصَّوافُ البَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ
سُلَيْمَانَ عَن أبي طَارِقٍ عَن الحَسَنِ عَن أبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَن
يَأْخُذْ عَنِّ هَؤُلَاءِ الكَلِمَاتِ فَيَعْمَلُ بِهِن أو يُعَلِّمُ مَن يعْمَلُ بِهِنَّ؟)) فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ:
قوله: (حدثنا محمد بن بشار) هو: بندار (حدثنا يحيى بن سعيد) هو: القطان، أخرجه
الإسماعيليُّ من هذا الطريق، ثم قال: قال بندار بما حدَّث به يحيى بن سعيد، ولم يرفعه.
كذا في ((الفتح)).
قوله: (وفي الباب عن أنس بن مالك) لينظر مَنْ أخرجه(١).
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري وابنُ ماجه.
٢ - باب من اتقى المحارمِ فهو أعبدُ الناس
[٢٣٠٥] قوله: (حدثنا بشر بن هلال الصواف) أبو محمد النُّميريُّ - بضمّ النون - ثقة،
من العاشرة، (عن أبي طارق) السعدي البصري، مجهول من السابعة. كذا في ((التقريب))،
وقال في ((تهذيب التهذيب)) في ترجمته: روى عن الحسن عن أبي هريرة حديث: ((مَنْ يأخذ
عني هؤلاء الكلمات))، وعنه جعفر بن سليمان الضبعي. انتهى. وقال في ((الميزان)): لا
يُعْرَفُ، (عن الحسن) هو البصري.
قوله: (من يأخذ عني هؤلاء الكلمات) أي: الأحكام الآتية للسامع، المصورة في ذهِن
المتكلم، و(من) للاستفهام (فيعمل بهن أو يعلم من يعمل بهن) ((أو)) في الحديث بمعنى:
الواو، كما في قوله - تعالى -: ﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾ [المرسلات: ٦] ذكره الطيبي.
(١) أخرجه الطبراني في «الأوسط))، حديث (٦١٦٣) وقال الهيثمي (١٠/ ٢٩٠): وفيه حميد بن الحكم، وهو ضعيف.

٧
كتاب الزهد عن رسول الله وَ﴿ / باب مَنِ اتَّقَى المَحَارِمَ فَهُوَ أغْبَدُ النَّاسِ
قُلْتُ أنَا يَا رَسُولَ الله، فَأَخَذَ بِيَدِي فِعَدَّ خَمْسًا وَقَالَ: ((اتَّقِ المَحَارِمَ تَكُنْ أَعْبَدَ
النَّاسِ، وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللهُ لَكَ تَكُنْ أغْنَى النَّاسِ، وَأَحْسِنْ إِلَى جَارِكَ تَكُنْ مُؤْمِنَا،
وَأُحِبَّ لِلنَّاسِ ما تُحِبُّ لِنَفْسِكَ تَكُنْ مُسْلِمًا، وَلا تُكْثِرِ الضَّحِكَ فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ
تُمِيتُ القَلْبَ)). [حم: ٨٠٣٤].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذَا حَدِيثٌ غريبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِن حَدِيثٍ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمانَ،
قال القاري - وتبعه غيره -: والظاهر أن ((أو)) في الآية للتنويع، كما أشار إليه البيضاوي
بقوله: عذرًا للمحققين، أو نذرًا للمبطلين، ويمكن أن تكون ((أو)) في الحديث بمعنى: ((بل)
إشارةً إلى الترقِّي من مرتبةِ الگمَالِ إلی منصةِ التکمیل، علی أن کونها للتنويع له وجه وجیه،
وتنبيه نبيه على أن العاجز عن فعله قد يكون بَاعِثًا لغيره على مثلِهِ، كقوله: ((فَرُبَّ حَامِل فِقْه
إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ». انتهى.
(قلت أنا) أي: آخذ عنك، وهذه مبايعة خاصَّة، ونظيره ما عاهد بعض أصحابه بأنه لا
يسأل مخلوقًا، وكان إذا وقع سوطه من يده وهو راكبٌ نزل وأخذه من غير أنْ يستعين بأحدٍ
من أصحابه، (فأخذ بيدي) أي: لعدّ الكلمات الخمس، أو لأنه وَلو كان يأخذ عند التعليم
بيدٍ مَنْ يعلمه، (فعد خمسًا) أي: من الخصائل، أو من الأصابع، على ما هو المتعارف
واحدة بعد واحدة، (وقال: اتق المحارم) أي: احذر الوقوعَ فيما حرّم الله عليك، (تكن أعبد
الناس) أي: من أعبدهم؛ لأنه يلزم مِنْ ترك المحارم فعلَ الفرائض، (وارضَ بما قسم الله
لك) أي: أعطاك، (تكن أغنى الناس) فإنّ مَنْ: قنع بما قُسِمَ له، ولم يطمع فيما في أيدي
الناس استغنى عنهم، ((ليس الغِنَى بكثرةٍ العرض، ولكن الغنى غنى النفس)).
قال القاري في ((المرقاة)): سأل شخصٌ السيد أبا الحسن الشاذلي - رحمه الله - عن
الكيمياء فقال: هي كلمتان: اطرح الخلق عن نظرك، واقطع طمَعَكَ عن الله أن يعطيك غَيْرَ ما
قَسم لك، (وأحسن إلى جارك) أي: مُجَاوِرك بالقول والفعل (تكن مؤمنًا) أي: كاملَ
الإيمان، (وأحب للناس ما تحب لنفسك) من الخيرِ؛ (تكن مسلمًا) أي: كامل الإسلام،
(ولا تكثر الضحك؛ فإن كثرة الضحك تميت القلب) أي: تصيره مغمورًا في الظلمات،
بمنزلةٍ الميت الذي لا ينفع نفسَه بنافعةٍ، ولا يدفع عنها مكروهًا، وذا من جوامع الكلم.
(هذا حديث غريب) وأخرجه أحمد، وقال المنذري - بعد ذكر هذا الحديث -: رواه
الترمذي وغيره، من رواية الحسن عن أبي هريرة، وقال الترمذي: الحسنُ لم يسمعْ من

٨
كتاب الزهد عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاء فِي المَبَادَرَةِ بِالعَمَلِ
وَالحَسَنُ لَمْ يَسْمَعْ عن أبِي هُرَيْرَةَ شَيْئًا، هَكَذَا رُوِيَ عَن أيُّوبَ، ويُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ
وَعَلِيٍّ بْنِ زَيْدٍ، قالوا: لَمْ يَسْمَعِ الحَسَنُ مِن أَبِي هُرَيْرَةَ: وَرَوَى أَبُو عُبَيْدَةَ النَّاحِيَّ عَن
الحَسَنِ هَذَا الحَدِيثَ قَوْلَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عَن أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ◌َّهِ.
٣- باب مَا جَاء في المبَادَرَةِ بِالعَمَل [ت٣، ٣٢]
[٢٣٠٦] (٢٣٠٦) حَدَّثَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَن مُحْرِزِ بْنِ هَارُونَ عَن عَبْدِ الرَّحْمَنِ
الأَعْرَج، عَن أبِي هُرَيْرَةَ، أنَّ رَسُوْلَ اللهِ ◌ِّ﴿ قَالَ: ((بَادِرُوا بالأعْمَالِ سَبْعًا، هَلْ
تَنْتَظِرُونَّ إلَّا إلى فَقْرٍ مُنْسٍ،
أبي هريرة، ورواه البزار، والبيهقي بنحوه في كتاب ((الزهد)» عن مكحول عَن واثلة عنه، وقد
سمع مكحول من واثلة. قاله الترمذي وغيره، لكن بقية إسناده فيه ضعف.
٣ - باب ما جاء في المبادرة بالعمل
[٢٣٠٦] قوله: (عن مُحْرِز) بضمِّ الميم، وسكون الحاء المهملة، وکسر الراء، وبالزاي،
(بن هارون) بن عبد الله التيمي، قال في ((الخلاصة)): محرز بن هارون، كذا ضبطه
عبد الغني، وابن أبي حاتم، وذكره البخاري بمهملتين. انتهى.
وقال في ((تهذيب التهذيب)): محرر بن هارون بن عبد الله بن محرر بن الهدير التيمي،
ذكره البخاري في مَنِ اسمُهُ محررٌ براءين، وذكره ابن أبي حاتم وغيره في مَنِ اسمه محرز
بالزاي، روى عن الأعرج وغيره، وعنه أبو مصعب وغيره.
قال البخاريُّ والنسائيُّ: منكرُ الحديث، وقال ابن حبان: يَرْوِي عن الأعرج ما ليس من
حديثه، لا تحل الرواية عنه، ولا الاحتجاج به. انتهى مختصرًا.
وقال في ((التقريب)): مُحَرَّر براءين، وزن مُحَمَّد، على الصحيح، متروك، من السابعة.
قوله: (قال: بادروا بالأعمال سبعًا) أي: سابقوا وقوعَ الفتن بالاشتغال بالأعمال
الصالحة، واهتموا بها قبل حلولها، (هل تنظرون إلَّا إلى فقر منس)؛ وفي ((المشكاة)): ((مَا
يَنْتَظِرُ أَحَدُكُمْ إِلَّ غِنَى مُطْغِيًا، أوْ فَقْرًا مُنْسِيًا ... إلخ)). قال القاري: خرج مخرجَ التوبيخِ
على تقصير المكلفين في أمرٍ دينهم، أي: متى تعبدون ربَّكم، فإنكم إن لم تعبدوه مع قلة
الشواغلِ، وقوة البدن، فكيف تعبدونه مع كثرة الشواغلِ وضعف القوى؟ لعلَّ أحدَكم ما ينتظر
إلَّا غنى مطغيًا انتهى.

٩
كتاب الزهد عن رسول الله ﴿﴿ / باب مَا جَاء فِي المَبَادَرَةِ بِالعَمَل
أوْ غِنَّى مُطغٍ، أوْ مَرَضٍ مُفْسِدٍ، أوْ هَرَمٍ مُفَنِّدٍ، أوْ مَوْتٍ مُجْهِزٍ، أوِ الدَّجَّالِ؟ فَشَرُّ
غَائِبٍ يُنْتَظَرُ، أوِ السَّاعَةِ؟ فالسَّاعةُ أُدْهَى وَأمَرُّ)). [ضعيف، محرز، متروك، حم: ٨١٠٤].
قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حسنٌ غريبٌ لَا نَعْرِفُهُ مِن حديثِ الأعْرَجِ عَن أبِي هُرَيْرَةَ إلَّا
مِن حَديثِ مُحْرِزِ بْنِ هَارُونَ، وقد رَوَى بِشْرُ بْنُ عُمَرَ وغيره عِنْ مُحْرِزِ بْنِ هَارُونَ
هَذَا، وقد رَوَى مَعْمَرٌ هذا الحَدِيثَ عَمَّنْ سَمِعَ سَعِيدًا المَقْبُرِيَّ عَن أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ
النَّبِيِّ نَّهِ نحوه. وقال: تَنْتَظِرُونَ.
وقوله: (منس) من باب الإفعال، ويجوز أن يكونَ من باب التفعيل، ولكن الأوّل أولى؛
المشاكلة الأولى، أي: جاعل صاحبه مَدْهُوشًا ينسيه الطاعة من الجوع والعري، والترددِ في
طلبٍ القوت، (أو غنى مطغ) أي: موقعٍ في الطغيان، (أو مرض مفسدً) أي: للبدن لشدته،
أو للدين لأجلِ الكسلِ الحاصلِ به، (أوّ هرم مفند) أي: موقع في الكلام المحرف عن سنن
الصحة من الخرف والهذيان، وقال في ((القاموس)): الفند بالتحريك: الخرف، وإنكار العقل
لهرم أو مرض، والخطأ في القَوْلِ والرأي. والكذب كالإفناد، وفنده تفنيدا: كذبه وعجزه،
وخطأ رأيه، كأفنده، ولا تقل: عجوز مفندة؛ لأنها لم تكنْ ذاتَ رأي أبدًا، (أو موت مجهز)
بجيم وزاي، من الإجهازِ، أي: قاتل بغتة من غير أنْ يقدرَ على توبة ووصية؛ ففي ((النهاية)):
المجهز: هو السريع، يُقال: أجهز على الجريح، إذا أسرع قتله، (أو الدجال)، أي:
خروجه، (فشرُّ غائب يُنْتَظَر) بصيغة المجهول، (أو الساعة)، أي: القيامة، (فالساعة أدهى)
أي: أشد الدواهي، وأفظعها وأصعبها، (وأمر) أي: أكثر مرارةً من جميع ما يُكابده الإنسانُ
في الدنيا من الشدائد، لمن غفل عن أمرها، ولم يعدّ لها قبل حلولها، والقصدُ: الحث على
البدارِ بالعمل الصالح قبل حلول شيء من ذلك، وأُخِذَ منه نَذْبُ تَعجيلِ الحجّ.
قوله: (هذا حديث غريب حسن) وأخرجه النسائي، والحاكم(١)، وصححه، قال
المناوي: وأقروه. انتهى.
قلت: في سندِ الترمذي محرز بن هارون، وقد عرفت حاله.
(١) الحاكم، حديث (٧٩٠٦) ووافقه الذهبي وقال: صحيح.

١٠
كتاب الزهد عن رسول الله وَ﴿و / باب مَا جَاء فِي ذِكْرِ المَوْت
٤- باب مَا جَاء فيٍ ذِكْرِ المَوْت [ت٤، ٤٢]
[٢٣٠٧] (٢٣٠٧) حَدَّثَنَا محمودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا الفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَن
مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، وعنْ أبي سَلَمَةَ عَنِ أبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((أكْثِرُوا
ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذّاتِ)) يَعْنِي: المَوْت. [ ن: ١٨٢٣، جه: ٤٢٥٨، حم: ٧٨٦٥].
قَالَ: وَفِي البَابِ عَن أبِي سَعِيدٍ.
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غريبٌ.
٤ - باب ما جاء في ذكر الموت
[٢٣٠٧] قوله: (أكثروا ذكر هاذم اللذات) بالذَّالِ المعجمة، أي: قاطعها. قال ميرك:
صحح الطيبي بالدال المهملة؛ حيث قال: شبّه اللذات الفانية، والشهوات العاجلة ثم زوالها
ببناء مرتفع ينهدم بصدمات هائلة، ثُمَّ أمر المنهمك فيها بذكر الهادم؛ لئلا يستمر على الركون
إليها، ويشتغل عمَّا يجب عليه من الفرارِ إلى دارِ القرار. انتهى كلامه.
لكن قال الإسنويُّ في ((المهمات)): الهاذم، بالذال المعجمة: هو القاطع، كما قاله
الجوهري، وهو المراد هنا، وقد صرح السهيلي في ((الروض الأنف)) بأن الرواية بالذال
المعجمة، ذكر ذلك في غزوة أحد في الكلام على قتل وحشي لحمزة، وقال الشيخ الجزري:
هادم، يُروى بالدال المهملة، أي: دافعها أو مخربها، وبالمعجمة، أي: قاطعها، واختاره
بعضٌ من مشايخنا، وهو الذي لم يصحح الخطابي غيره، وجعل الأول من غلط الرواة. كذا
في ((المرقاة)).
(يعني: الموت) تفسير من الراوي.
قوله: (هذا حديث غريب حسن) وأخرجه النسائي، وابن ماجه، وأخرجه أيضًا الطبراني
في ((الأوسطٍ)) بإسناد حسن، وابن حبان في ((صحيحه))(١)، وزاد: ((فإنه ما ذكره أحد في ضيق
إلّا وَسّعه، ولا ذكره في سعة إلا ضَيَّقها عليه)). كذا في ((الترغيب)) للمنذري.
قوله: (وفي الباب عن أبي سعيد) وأخرجه الترمذي(٢) في أبواب صفة القيامة، وفي
الباب أيضًا عن ابن عمر مرفوعًا: ((أَكْثِرُوا ذكر هاذم اللذات - يعني: الموتَ - فإنه ما كان في
(١) الطبراني في («الأوسط))، حديث (٨٥٦٠) وابن حبان، حديث (٢٩٩٣).
(٢) الترمذي، كتاب صفة القيامة والرقائق والورع، حديث (٢٤٦٠).

١١
كتاب الزهد عن رسول الله (# / باب
٥- باب [ت٥، ٥٢]
[٢٣٠٨] (٢٣٠٨) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسفَ،
حَدَّثَنِي عَبْدُ الله بْنُ بجيرِ أنَّهُ سَمِعَ هَانِئًا مَوْلَى عُثمانَ قَالَ: كَانَ عُثمانُ إِذَا وَقَفَ عَلَى
قَبْرِ بَكَى حَتَّى يَبُلَّ لِحْيتَهُ، فَقِيلَ لَهُ: تُذْكَرُ الجَنَّةُ وَالنَّارُ فَلا تَبْكِي وَتَبْكِي مِن هَذَا؟
كثير إلا قلله، ولا قليل إلا جزله))، رواه الطبراني(١) بإسناد حسن، وفي الباب أيضًا عن
أنس، رواه البزار بإسناد حسن، والبيهقي(٢).
٥ - باب
[٢٣٠٨] قوله: (أخبرنا يحيى بن معين) بن عون الغطفاني، مولاهم أبو زكريا البغدادي،
ثقة حافظٌ مشهور، إمام الجرح والتعديل، من العاشرة.
(أخبرنا هشام بن يوسف) الصنعاني أبو عبد الرحمن القاضي، ثقة، من التاسعة، (حدثنا
عبد الله بن بحير) بفتح الموحدة، وكسر الحاء المهملة، ابن ريسان: بفتح الراء، وسكون
التحتانية بعدها مهملة، أبو وائل القاص الصنعاني، وثَّقَه ابن معين، واضطرب فيه كلام ابن
حبان.
(أنه سمع هانئًا مولى عثمان) كنيته: أبو سعيد، البربري، الدمشقي، روى عن مولاه،
وغيره، وعنه أبو وائل عبد الله بن بحير وغيره.
قال النسائي: ليس به بأس. وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
قوله: (بكى حتى يَبُل) بضم الموحدة، أي: بكاؤه، يعني: دموعه (لحيته) أي: يجعلها
مبلولة من الدموع، (فلا تبكي) أي: من خوف النار، واشتياق الجنة، (وتبكي من هذا) أي:
من القبرِ، يعني: من أجل خوفه؟ قيل: إنما كان يبكي عثمان - ◌ُبه - وإن كان من جملة
المشهود لهم بالجنة، إمَّا لاحتمال(٣): أنه لا يلزمُ من التبشير بالجنة عدمُ عذاب القبر، بل
ولا عدم عذاب النار مطلقًا، مع احتمال أن يكون التبشيرُ مقيدًا بقيد معلوم أو مبهم، ويمكن
أن ينسى البشارة حينئذٍ؛ لشدة الفظاعة، ويمكن أن يكون خوفًا من ضغطة القبر؛ كما يدلّ
حديثُ سعدٍ رَؤُه على أنه لم يخلص منه كلّ سعيد إلّا الأنبياء. ذكره القاري.
(١) الطبراني في ((الأوسط))، حديث (٥٧٨٠) والبيهقي في ((شعب الإيمان))، حديث (١٠٥٥٨).
(٢) البيهقي في ((شعب الإيمان))، حديث (٨٢٦، ٨٨٣٣) والبزار (٣٦٢٣ - كشف).
(٣) في نسخة: أما الاحتمال.

١٢
کتاب الزهد عن رسول الله {# / باب
فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ قَالَ: ((إنَّ القَبْرَ أوَّلُ مَنَازِلِ الآخِرَةِ، فإنْ نَجَا مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ
أَيْسَرُ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَنْجُ مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أشَدُّ مِنْهُ)) وَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((مَا رَأيْتُ
مَنْظَرًا قَظُ إلَّا القَبْرُ أَفْطَعُ مِنْهُ)). [جه: ٤٢٦٧].
قَالَ: هَذَا حديثٌ حسنٌ غريبٌ، لا نَعْرِفُهُ إلَّا مِن حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ يُوسُفَ.
(إن القبر أول منزل من منازل الآخرة) ومنها عرضة القيامة عند العرض، ومنها الوقوف
عند الميزان، ومنها المرور على الصراط، ومنها الجنة أو النار، في بعض الروايات، وآخر
منزل من منازل الدنيا. ولذا يسمى البرزخ، (فإن نجا) أي: خلص المقبور، (منه) أي: من
عذاب القبر، (فما بعده) أي: من المنازل، (أيسر منه) أي: أسهل؛ لأنه لو كان عليه ذنب
لكُفِّر بعذاب القبرِ، (وإن لم ينج منه) أي: لم يتخلص من عذاب القبر، ولم يكفر ذنوبه به،
وبقي عليه شيء مما يستحق العذاب به (فما بعده أشد منه)؛ لأن النار أشدّ العذاب، والقبر
حفرة من حفر النيران، (قال) أي: عثمان (ما رأيت منظرًا) بفتح الميم والظاء، أي: موضعًا
يُنظر إليه، وعبر عن الموضع بالمنظر مبالغةً؛ لأنه إذا نفى الشيء مع لازمه، ينتفي بالطريق
البرهاني، (قط) بفتح القاف وتشديد المضمومة، أي: أبدًا، وهو لا يستعمل إلا في
الماضي، (إلا والقبر أفظع منه) من فظع الأمر، ككرم، اشتدت شناعته، وجاوز المقدار في
ذلك، يعني: أشد وأفظع وأنكر من ذلك المنظر.
قيل: المستثنى جملةٌ حالية من منظر، وهو موصوف حذفت صفته، أي: ما رأيت منظرًا
فظيعًا على حالة من أحوال الفظاعة، إلا في حالة كون القبر أقبح منه، فالاستثناءُ مُفَرٌَّ.
قوله: (هذا حديث حسن غريب) قال المنذري: وزاد رزين فيه مما لم أره في شيء من
نسخ الترمذي، قال هانئ: وسمعت عثمان ينشد على قبرٍ: [من الطويل]
وَإِلَّا فَإِنِّي لا إِخَالُكَ نَاجِبًا
فَإِنْ تَنْجُ مِنْهَا تَنْجُ من ذِي عَظِيْمَةٍ
انتهى. والحديث أخرجه أيضًا ابنُ ماجه، والحاكم(١) وصححه، واعْتُرِضَ. قاله
المناوي.
(١) الحاكم، حديث (١٣٧٣) وقال الذهبي: ابن بحير ليس بالعمدة، ومنهم من يقويه، وهانئ روى عنه جماعة،
ولا ذِكر له في الكتب الستة، وعنه البيهقي في ((الكبرى))، حديث (٦٨٥٦)، و((الشعب)) (٣٩٧).

١٣
كتاب الزهد عن رسول الله وَإهـ / باب ما جاء مَن أحَب لقَاء الله أحَبَّ اللهُ لِقَاءهُ
٦- باب ما جاء مَن أحَب لقَاء الله أحَبَّ الله لِقَاءهُ [ت٦، ٦٢]
[٢٣٠٩] (٢٣٠٩) حَدَّثَنَا مَحْمودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَن
قَتَادَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَا يُحَدِّثُ عَنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، عَنِ النَّبِيِّ وَ﴿ قَالَ: ((مَن
أُحَبَّ لِقَاء الله أحَبَّ اللهُ لِقَاءهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ الله كَرِهَ اللهُ لِقَاءهُ)). [خ: ٦٥٠٧، م: ٢٦٨٣،
ن: ١٨٣٦، حم: ٢٢١٨٨، مي: ٢٧٥٦].
قَالَ: وفي الباب: عَن أَبِي هُرَيْرَةَ، وعَائِشَةَ، وأَنَسٍ، وأبِي مُوسَى، قَالَ: حدِيثُ
عُبَادَةً حَدِيثٌ حسنٌ صحيحٌ.
٧- باب مَا جَاء في إنْذَارِ النَّبيُّ ◌ِ﴾ قَوْمَه [ت٧، ٧٠]
[٢٣١٠] (٢٣١٠) حَدَّثَنَا أَبُو الأشْعَثِ أحْمَدُ بْنُ المِقْدَامِ العِجْلِيُّ،
٦ - باب من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه
[٢٣٠٩] قوله: (يحدث عن عبادة بن الصامت عن النبي * قال: من أحب
لقاء الله .... إلخ) تقدم هذا الحديثُ(١) مع شرحه في باب: ((من أحب لقاء الله أحب الله
لقاءه)» من أبواب الجنائز.
٧ - باب ما جاء في إنذار النبي 8# قومه
[٢٣١٠] قوله: (حدثنا أبو الأشعث أحمد بن المقدام) العجلي بصري، صدوق،
صاحب حديث، طعن أبو داود في مرؤَّته، من العاشرة، روى عنهُ البخاري، والترمذي،
والنسائي، وابن ماجه، وغيرهم.
وقال أبو داود: وكان يعلم المجَّان المُجُون، فأنا لا أحدِّث عنه، قال ابن عدي: وهذا
لا يؤثر فيه؛ لأنه من أهل الصدق. كذا في ((التقريب))، و((تهذيب التهذيب))، وقال في ((ميزان
الاعتدال)): كان بالبصرة مُجَّان يلقون صرة الدراهم ويرقبونها، فإذا جاء من لحظها، فرفعها،
صاحوا به وخجَّلوه، فعلّمهم أبو الأشعث أن يتخذوا صرة فيها زجاج، فإذا أخذوا صرة
الدراهم، فصاح صاحبها، وضعوا بدلها في الحال صرة الزجاج. انتهى.
(١) الترمذي، كتاب الجنائز، حديث (١٠٦٦).

١٤
كتاب الزهد عن رسول الله ﴿ / باب مَا جَاء فِي إِنْذَارِ النَّبِّ لَ﴿ْ قَوْمَه
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحمنِ الظُّفَاوِيُّ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَن أَبِيهِ عَن عَائِشَةً
قَالَت: لمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيةُ ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِنَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] قَالَ رَسُولُ الله
وَهُ: (يَا صَفِيَّةُ بِنْتَ عَبْدِ المُطَّلِبِ، يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ، يَا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ: إِنِّي
لا أمْلِكُ لَكُمْ مِنَ الله شَيْئًا، سَلُونِي مِن مَالِي مَا شِئْتُمْ)). [م: ٢٠٥، ن: ٣٦٤٨،
حم: ٢٤٥٢٣].
قال في ((القاموس)): مَجَنَ مجونًا، صلب وغلظ، ومنه الماجن، لمن لا يبالي قولًا
وفعلًا، كأنه صلب الوجه، وقد مجن مجونًا، ومجانةً، ومُجنًا، بالضم. انتهى.
وقال في ((الصراح)): مجن مجون بيباكي، مجن يمجن مجانة، كذلك فهو ماجن، وهم
مجان، بالضم والتشدید. انتهى.
(حدثنا محمد بن عبد الرحمن الطفاوي) أبو المنذر البصري، صدوق يهم، من الثامنة.
قوله: (يا صفية) بالرفع، (بنت عبد المطلب) وبالنصب، وكذا قوله: (يا فاطمة بنت
محمد)، وصفية هذه هي عمة رَسُولِ الله وَليِ (لا أملك لكم من الله) أي: من عذابه (شيئًا)
أي: من الملك والقدرة والدفع والمنفعة، والمعنى: أني لا أقدرُ أن أدفع عنكم من عذاب الله
شيئًا إن أراد الله أن يعذبكم، وهوٍ مقتبس من قوله - سبحانه -: ﴿قُلّ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ
شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرَّا أَوْ أَرَادَ بِّكُمْ نَفْعًا﴾ [الفتح: ١١] بل قال الله تعالى: ﴿قُل لَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِىِ ضَرَّا وَلَا
نَفْعًا إِلَّا مَا شَآءَ اللَّهُ﴾ [يونس: ٤٩]. (سلوني من مالي ما شئتم) قال التوربشتي: أرى أنه ليس من
المالِ المعروف في شيءٍ، وإنما عبّر به عما يملكه من الأمر، وينفذ تصرفه فيه، ولم يثبت
عندنا أنه كان ذا مالٍ، لا سيما بمكة، ويحتمل أن الكلمتين، أعني: ((من)) و ((ما)) وقع الفصلُ
فيهما من بعض من لم يحققه من الرواة، فكتبهما منفصلتين. انتهى.
قال القاري: وفيه أنه يرده قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَآَيِلًا فَأَغْنَ﴾ [الضحى: ٨]. أي: بمال
خديجة زا، على ما قاله المفسرون، وأيضًا لم يلزم من عدم وجود المال الحاضر للجواد
أن لا يدخل في يده شيء من المال في الاستقبال، فيحمل الوعد المذكور على تلك الحال،
ومهما أمكن الجمع لتصحيح الدراية، تعين عدم التخطئة في الرواية. انتهى.
وقال الحافظ: واستدل بعض المالكية بقوله: ((يا فاطمةُ بنت محمد، سَلِينِي من مَالِي مَا
شِئْتِ، لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ الله (١)) أن النيابة لا تدخل في أعمال البّر؛ إذ لو جاز ذلك، لكان
(١) البخاري، كتاب الوصايا، حديث (٢٧٥٣) ومسلم، كتاب الإيمان، حديث (٢٠٦).

١٥
كتاب الزهد عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاء فِي إِنْذَارِ النَّبِّ ◌َ﴾ قَوْمَه
قَالَ: وفي البابِ عَن أَبِي هُرَيْرَةً وَأَبِي مُوسَى وَابنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: حَدِيثُ عَائِشَةَ
حَدِيثٌ حَسَنٌ غريبٌ؛ هكذا روى بعضهم عَن هشام بْنِ عروة نحو هذا، وَرَوَى
بَعْضُهُمْ عَنِ هِشَامِ عَن أَبِيهِ عَن النَّبِيِّ ◌َ﴿ مرسلًا، لم يذكر فيه عن عائشة.
يتحمل عنها ﴿ بما يخلصها، فإذا كان عمله لا يقع نيابة عن ابنته، فغيره أولى بالمنع،
وتعقب بأن هذا كان قبل أن يعلمه الله تعالى بأنه يشفع فیمن أراد، وتقبل شفاعته حتى يدخل
قومًا الجنة بغيرِ حساب، ويرفع درجات قوم آخرين، ويخرج من النار مَنْ دخلها بذنوبه، أو
كان المقام مَقَامَ التخويف والتحذير، أو أنه أراد المبالغةَ في الحض على العمل، ويكون في
قوله: ((لا أغني شيئًا)) إضمار: إلَّا إن أذن الله لي بالشفاعة. انتهى.
قوله: (وفي الباب عن أبي هريرة وابن عباس وأبي موسى) أما حديث أبي هريرة،
فأخرجه الترمذي في التفسير(١)، وأما حديث ابن عباس، فأخرجه الشيخان(٢)، وأما حديث
أبي موسى، فأخرجه الترمذي(٣) في التفسير.
اعلم: أن هذه القصة إن كانت وقعت في صدر الإسلام بمكة، فلم يدركها ابن عباس؛
لأنه ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، ولا أبو هريرة؛ لأنه إنما أسلم بالمدينة، وفي نداء فاطمة
يومئذٍ أيضًا ما يقتضي تأخر القصة؛ لأنها كانت حينئذٍ صغيرة أو مراهقة، والذي يَظْهَرْ: أن
ذلك وقع مرتين، مرة في صدر الإسلام؛ ورواية ابن عباس وأبي هريرة لها من مرسلٍ
الصحابة، ويؤيد ذلك ما وقع في حديث ابن عباس، من أن أبا لهب كان حاضرًا لذلك، وهو
مات في أيام بدر، ومرة بعد ذلك، حيث يمكن أن تُدْعى فيها فاطمة عليها السلام أو يحضر
ذلك أبو هريرة أو ابن عباس، كذا قال الحافظ في باب: ((من انتسبَ إلى آبائه في الإسلامِ
والجاهليةٍ))، وقال في باب: ((قوله: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِنَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]) من كتاب
التفسير، تحت حديث ابن عباس ما لفظه: وَقَعَ عند الطبراني من حديث أبي أمامة، قال: لما
نزلت ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] جمع رَسُولُ الله ◌َّهِ بني هاشِم ونساءه وأهله،
فقال: ((يَا بَنِي هَاشِمِ اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، وَاسْعَوْا فِي فَكَاكِ رِقَائِكُمْ، يَا عَائِشَةُ بنت
أَبِي بَكْرٍ، يا حَفْصَةُ بِنْتِ عُمَرَ، يا أُمَّ سَلَمَة))، فذكر حديثًا طويلًا، فهذا - إن ثبت -، دلّ على
(١) الترمذي، كتاب تفسير القرآن، حديث (٣١٨٥).
(٢) البخاري، كتاب الوصايا، حديث (٣٥٢٥، ٣٥٢٦) ومسلم، كتاب الإيمان، حديث (٣٥٥، ٢٠٨).
(٣) الترمذي، كتاب تفسير القرآن، حديث (٣١٨٥).

١٦
كتاب الزهد عن رسول الله و ﴿ / باب مَا جَاء في فَضْلِ البُكاءِ مِن خَشْيَةِ الله
٨- باب مَا جَاء في فَضْلِ البُكاءِ مِن خَشْيَةِ الله [ت٨، ٨٢]
[٢٣١١] (٢٣١١) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ المُبَارَكِ عَن عَبْدِ الرَّحمنِ بْنِ
عَبْدِ الله المَسْعُودِيِّ، عَن مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحمنِ، عَن عيسَى بْنِ طَلْحَةَ عَن أبِي هُرَيْرَةَ
قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َِّ: ((لا يَلِجُ النَّارَ رَجُلٌ بَكَى مِن خَشْيَةِ الله حَتَّى يَعُودَ اللَّبَنُ في
الضَّرْعِ، وَلا يَجْتَمِعُ غُبَارٌ فِي
تعدد القصة؛ لأن القصة الأولى وقعت بمكة، بتصريحه في حديث الباب، يعني: حديث ابن
عباس ((أنه صعد الصفا ... ))، ولم تكن عائشةُ وحفصة وأم سلمة عنده، ومن أزواجه، إلَّا
بالمدينةِ، فيجوز أن تكون متأخرة عن الأولى، فيمكن أن يحضرها أبو هريرة وابن عباس
أيضًا، ويحمل قوله: ((لما نزلت ... جمع)) أي: بعد ذلك؛ لأن الجمع وقع على الفور،
ولعله كان نَزَلَ أولًا: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] فجمع قريشًا، فعمَّ ثم خصّ، ثم
نزل ثانيًا: ((وَرَهْظُكَ مِنْهُم المُخْلِصِينَ))، فخصّ بذلك بني هاشم ونساءه. والله أعلم.
قوله: (حديث عائشة حديث حسن) وأخرجه الترمذي في التفسير، وصححه.
٨ - باب مَا جَاءَ في فَضْلِ البُكَاءِ مِن خَشْيَةِ الله تَعَالَى
[٢٣١١] قوله: (عن عبد الرحمن بن عبد الله) بن عتبة بن مسعود، الكوفي، المسعودي،
صدوق، اختلط قبل موته، وضابطه: أن من سمع منه ببغداد، فبعد الاختلاط، من السابعة.
كذا في ((التقريب)).
وقال في ((تهذيب التهذيب)): قال أبو النضر، هاشم بن القاسم: إني لأعرفُ اليوم الذي
اختلط فيه المسعودي، كُنَّا عنده، وهو يعزى في ابن له، إذ جاءه إنسان، فقال له: إن غلامك
أخذ من مالك عشرة آلاف وهرب، ففزع، وقام فدخل في منزله، ثم خرج إلينا وقد اختلط.
انتھی.
(عن محمد بن عبد الرحمن) بن عبيد القرشي، مولى آل طلحة، كوفي ثقة، من
السادسة .
قوله: (لا يلج) من الولوج، أي: لا يدخل (رَجل بكى من خشية الله) فإن الغالب من
الخشية امتثالُ الطاعة، واجتناب المعصية (حتى يعود اللبن في الضرع) هذا من باب التعليق
بالمحال، كقوله تعالى: ﴿حَّ بَلِجَ الْجَمَلُ فِ سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف ٤٠]. (ولا يجتمع غبار في

١٧
كتاب الزهد عن رسول الله ﴿ / باب في قَوْلِ النَّبيِّلَهِ: ((لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا
سَبيلِ الله وَدُخَانُ جَهَنَّمَ)). [ن: ٣١٠٨، جه: ٢٧٧٤، حم: ١٠١٨٢].
قَالَ: وفي الباب: عَن أبِي رَيْحَانَةَ، وَابنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حسن
صحيحٌ، وَمُحَمِدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحمنِ، هُوَ مَوْلَى آلِ طَلْحَةَ، وهو مدني ثِقَةٌ، رَوَى عَنْهُ
شُعْبَةُ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ.
٩- باب في قَوْلِ النَّبِيِّ بَ﴿: ((لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً [ت٩، ٩٢]
[٢٣١٢] (٢٣١٢) حَدَّثَنَا أحمدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا أبُو أحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، حَدَّثَنَا
إِسْرَائِيل، عَن إبْرَاهِيمَ بْنِ المُهَاجِرِ، عَن مُجَاهِدٍ عَن مُوَرِّقٍ، عَن أبي ذَرِّ قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ: ((إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ وَأَسْمَعُ مَا لا
سبيل الله) أي: في الجهاد، (ودخان جهنم) فكأنهما ضدان لا يجتمعان، وقد تقدم هذا
الحديث في ((باب فضل الغبار في سبيل الله)) من أبواب ((فضائل الجهاد)).
قوله: (وفي الباب عن أبي ريحانة وابن عباس) أما حديث أبي ريحانة، فأخرجه أحمد
عنه مرفوعًا، ((حُرِّمَت النَّارُ عَلَى عَيْنِ دَمَعَتْ، أو بَكَتْ من خَشْيَةِ الله، وحُرِّمَتِ النَّارُ عَلَى عَيْنِ
سَهِرَتْ فِي سَبِيلِ الله، وَذَكَرَ عَيْنَا ثَالِثَةً))، وأخرجه أيضًا النسائي والحاكم(١)، قال: صحيح
الإسناد، كذا في ((الترغيب)). وأما حديث ابن عباس، فأخرجه الترمذي(٢) في (باب فضل
الحرس في سبيل الله))، من أبواب ((فضائل الجهاد)).
٩ - باب في قول النبي *: «لو تعلمون ... )) إلخ
[٢٣١٢] قوله: (عن مُورِّق) بضم الميم، وتشديد الراء المكسورة، ابن مشمرج، قال في
((التقريب)): بضمّ أوله، وفتح المعجمة، وسكون الميم، وكسر الراء بعدها جيم: ابن عبد الله
العجلي البصري، ثقة عابد، من كبار الثالثة، وقال في ((الخلاصة)): مُشَمْرَج بفتح الراء،
كُمُدَحْرَج.
قوله: (إني أرى ما لا ترون) أي: أبصر ما لا تبصرون، بقرينة قوله: (وأسمع ما لا
(١) أحمد، حديث (١٦٧٦٢) والنسائي، كتاب الجهاد، حديث (٣١١٧) والحاكم، حديث (٧٦٦٧) وصححه
ووافقه الذهبي.
(٢) الترمذي، كتاب فضائل الجهاد، حديث (١٦٣٩).

١٨
كتاب الزهد عن رسول الله ﴿ / باب في قَوْلِ النَّبِّوَهِ: (لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا
تَسْمَعُونَ، أَّتِ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أنْ تَئِظَّ، مَا فِيهَا مَوْضِعُ أرْبَع أصَابِعَ إلَّا وَمَلَكٌ
وَاضِعٌ جَبْهَتَّهُ سَاجِدًا للهِ، وَاللهِ، لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا،
وَمَا تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ عَلَى الفُرُشِ، وَلَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ تَجْأْرُونَ إلى الله، لَوَدِدْتُ
أَنِّي كُنْتُ شَجَرَةً تُعْضَدُ)). [جه: ٤١٩٠، حم: ٢١٠٠٥].
تسمعون، أطت السماء) بتشديد الطاء، من الأطيط، وهو صوت الأقتاب، وأطيط الإبل:
أصواتها وحنينُها، على ما في ((النهاية))، أي: صوتت، (وحُقَّ) بصيغة المجهول، أي:
ويستحق وينبغي، (لها أن تَئِطّ) أي: تصوت، (ما فيها) أي: ليس في السماء جنسها، (موضع
أربع أصابع) بالرفع، على أنه فاعل الظرف، المعتمد على حرف، (إلا وملك) أي: فيه
ملك، (واضع جبهته لله ساجدًا) قال القاري: أي: منقادًا؛ ليشمل ما قيل: إن بعضهم قيام،
وبعضهم ركوع، وبعضهم سجود، كما قال تعالى حكايةً عنهم: ﴿وَمَا مِنَّ إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾
[الصافات: ١٦٤] أو خصه باعتبار الغالب منهم، أو هذا مختص بإحدى السماوات.
قال: ثم اعلم أن أربعة بغير هاء في ((جامع الترمذي))، و((ابن ماجه))، ومع الهاء في
(شرح السنة))، وبعض نسخ ((المصابيح))، وسببه أن الإصبعَ يُذَكَّر ويؤنث، قال الطيبي
رحمه الله: أي: أن كثرة ما فيها من الملائكة، قد أثقلها حتى أَّت، وهذا مثلٌ وإيذانٌ بكثرة
الملائكة، وإن لم يكن ثَمَّة أطيط، وإنما هو كلام تقريب أريد به تقرير عظمة الله تعالى.
انتھی.
قال القاري: ما المُحْوِجُ عن عدول كلامه ◌َّر من الحقيقة إلى المجاز، مع إمكانه عقلًا
ونقلًا؟! حيث صرح بقوله: ((وأسْمع ما لا تسمعون)) مع أنه يحتمل أن يكون أطيط السماء:
صوتها بالتسبيح والتحميد والتقديس؛ لقوله سبحانه: ﴿وَإِن مِّن شَىءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بَدِهِ﴾ [الإسراء:
٤٤]. (على الفرش) بضمتين، جمع فراش، (لخرجتم) أي: من منازلكم (إلى الصُّعُدات)
بضمتين أي: الطرق، وهي جمع صُعُدٍ، وصُعُدٌ جمع صعيد، كطريق وطرق وطرقات، وقيل:
هي جمع صعدة كظلمة، وهي فناء باب الدار، وممر الناس بين يديه؛ كذا في ((النهاية))،
وقيل: المراد بالصعدات هنا: البراري والصحاري، (تجأرون إلى الله) أي: تتضرعون إليه
بالدعاء؛ ليدفع عنكم البلاء، (لوددت أني كنت شجرة تُعْضَدُ) بصيغة المجهول، أي: تقطع
وتستأصل، وهذا قول أبي ذر رظُبه كما ستعرف.

١٩
كتاب الزهد عن رسول الله وَ﴿ / باب في قَوْلِ النَّبِّ وَ ﴿ِ: ((لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا
قَالَ أَبُو عِيْسَى: وفي البَابِ عَن أبِي هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةَ وابنٍ عَباسٍ وَأَنَسٍ. قَالَ:
هَذَا حَديثٌ حَسَنٌ غريبٌ، وَيُرْوَى مِن غيْرِ هَذَا الوَجْهِ؛ أنَّ أبَا ذَرٍّ، قَالَ: لَوَدِدْتُ أَنِّي
كُنْتُ شَجَرَةً تُعْضَدُ. وَيُرْوَى عَنْ أَبِي ذَرِّ مَوْقُوفًا .
[٢٣١٣] (٢٣١٣) حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصِ عَمْرُو بْنُ عَلِيِّ الفَلَّاسُ، حَدَّثَنَا عبدُ الوَهَّابِ
الثَّقَفِيُّ عَن مُحَمدِ بْنِ عَمْرٍو، عَن أبي سلَمَةَ عَن أبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِِّ:
((لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً وَلَبَكَيْتُمْ کَثِيرًا». [خ: ٤٦٢١، م: ٢٣٥٩، جه: ٤١٩١،
مي: ٢٧٣٥].
قوله: (وفي الباب عن عائشة وأبي هريرة وابن عباس وأنس) أما حديث عائشة(١)
وحديث ابن عباس(٢)، فلينظر مَنْ أخرجهما، وأما حديث أبي هريرة، فأخرجه الترمذي(٣) في
هذا الباب، وأما حديث أنس، فأخرجه البخاري في تفسير ((سورة المائدة))، وفي ((الرقاق))،
وفي ((الاعتصام))، ومسلم في ((فضائل النبي (وَلي))، والترمذي في ((التفسير))، والنسائي في
((الرقائق))، وابن ماجه في ((الزهد))(٤).
قوله: (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه أحمد، وابن ماجه.
قوله: (ويروى من غير هذا الوجه أن أبا ذر قال: لوددتُ ... إلخ) رواه أحمد(٥) في
(مسنده))، وفيه: ((تجأرون إلى الله))، قال: ((فقال أبو ذر: والله، لوددت أني شجرة تعضد)).
[٢٣١٣] قوله: (لو تعلمون ما أعلم) أي: من عقاب الله للعصاة، وشدة المناقشة يوم
الحساب، (لضحكتم) جواب لو، (ولبكيتم كثيرًا) أي: بكاء كثيرًا، أو: زمانًا كثيرًا، أي:
من خشية الله، ترجيحًا للخوف على الرجاء، وخوفًا من سوء الخاتمة.
قال الحافظ: والمرادُ بالعلم هنا: ما يتعلق بعظمة الله، وانتقامه ممن يعصيه، والأهوال
التي تقع عند النَّزْعِ والموت، وفي القبر، ويوم القيامة، ومناسبةُ كثرة البكاء وقلة الضحك في
(١) أخرجه ابن خزيمة في صحيحه، حدیث (١٣٩٥) وابن حبان في صحيحه، حديث (٢٨٤٥، ٢٨٤٦)
(٢) أخرجه ابن عَدي في ((الكامل)) (٧٥/٦).
(٣) الترمذي، كتاب الزهد، حديث (٢٣١٣).
(٤) البخاري، كتاب الرقاق، حديث (٦٤٨٦) ومسلم، كتاب الفضائل، حديث (٢٣٥٩) والترمذي، كتاب
التفسير، حديث (٣٠٥٦) والنسائي (١٣٦٣) وابن ماجه (٤١٩١).
(٥) أحمد، حديث (٢١٠٠٥).

هذا حديثٌ صحيحٌ.
١٠- باب فيمَن تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ يُضْحِكَ بِهَا النَّاس [ت١٠، م١٠]
[٢٣١٤] (٢٣١٤) حَدَّثَنَا محمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابنُ أبِي عَدِيٍّ، عَن محمَّدِ بْنِ
إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي محمَّدُ بْنُ إبراهيمَ عَن عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنِ أبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((إنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ لا يَرَى بِهَا بَأْسًا يَهْوِي بِهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا
في النَّارِ)). [خ بنحوه: ٦٤٧٧، م بنحوه: ٢٩٨٨، جه: ٣٩٧٠، حم: ٧١٧٤، طا: ١٨٤٩].
قَالَ: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ من هذا الوَجْهِ.
هذا المقام واضحةٌ، والمراد به التخويف، وقد جاء لهذا الحديث سببٌ، أخرجه سنيد في
((تفسيره)) بسند واهٍ، والطبراني عن ابن عمر: خَرَجَ رسول اللهِ وَّهِ إلى المسجدِ، فإذا بقومٍ
يَتَحَدَّثُونَ، ويضحكون، فقال: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ... ))، فذكر هذا الحديث، وعن حسن
البصري: مَنْ عَلِمَ أن الموتَ موردُهُ، والقيامةَ مَوْعِدُهُ، والوقوف بين يدي الله مشهده، فحقه
أن يطول في الدنيا حزنه. انتهى.
قوله: (هذا حديث صحيح) وأخرجه البخاري، والنسائي.
.3,
١٠ - باب مَا جَاءَ فِيمَنْ تَكَلَّمَ بِالْكَلِمَةِ لِيُضْحِكَ النَّاسَ
[٢٣١٤] قوله: (إن الرجل) يعني: الإنسان، (بالكلمة) أي: الواحدة، (لا يرى بها بأسًا)
أي: سُوءًا، يعني: لا يظن أنها ذنبٌ يُؤَاخذ به، (يهوي بها) أي: يسقط بسبب تلك الكلمة،
يقال: هوى يهوي، كرمى يرمي، هَوِيًّا - بالفتح - سقط إلى أسفل، كذا في ((مختار
الصحاح))، (سبعين خريفا في النار) لما فيها من الأوزار التي غفل عنها، والمراد: أنه يكون
دائمًا في صعودٍ وهويٍّ، فالسبعين للتكثير، لا للتحديد.
قوله: (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه ابن ماجه، والحاكم(١).
(١) الحاكم، حديث (٨٧٦٩) وقال: على شرط مسلم وأقره الذهبي.