Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤١
كتاب الفتن عن رسول الله وَ ◌ّ ر باب مَا جَاء سَتَكُونُ فتنٌ كَقِطِعِ اللَّيْلِ المُظْلِمِ
وهذا حديثٌ حسنٌّ، ورَوَى بَعْضُهُمْ هذا الحديثَ عَن الليث بْنِ سَعْدٍ، وزَادَ في
الإسنادِ رَجُلًا.
قَالَ أَبُو عِيْسَى: وقد رُوِيَ هذا الحديثُ عَن سَعْدٍ عَنِ النَّبيِّ وَّ من غيرِ هذا
الوَجْهِ .
٣٠- باب مَا جَاء سَتَكُونُ فتنٌّ كَقِطع اللَّيْلِ الُظْلِم [ت ٣٠، ٢ ٣٠]
[٢١٩٥] (٢١٩٥) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عبدُ العَزِيزِ بْنُ محمَّدٍ، عَن العَلَاءِ بْنِ
عبدِ الرحمنِ، عَن أبِيهِ، عَن أبي هُرَيْرَةَ؛ أنَّ رَسُوْلَ اللهِبَّوَ قَالَ: ((بَادِرُوا بِالأعْمَالِ
فِتَنَا كَقِطَعِ اللَّيْلِ المُظْلِمِ،
وأما حديث أبي واقد: فلينظر من أخرجه (١). وأما حديث أبي موسى: فأخرجه أحمد،
وأبو داود، وابن ماجه (٢)، وأما حديث خرشة: فأخرجه أحمد، وأبو يعلى(٣).
قوله: (هذا حديث حسن)، وأخرجه أحمد، وأبو داود في ((الفتن))، والحديث سَكَتَ عَنه
هو، والمنذريُّ.
٣٠ - بَابُ مَا جَاءَ سَتَكُونُ فِتَنٌّ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ
[٢١٩٥] قوله: (عن أبيه)، أي: عبد الرحمن بن يعقوب، الجهني، المدني، مولى
الحرقة، ثقة، من الثالثة.
قوله: (بادروا) أي: سابقوا، وسارعوا (بالأعمال)، أي بالاشتغال بالأعمال الصالحة
(فتنًا) أي: وقوع فتن (كقطع الليل المظلم) بكسر القاف، وفتح الطاء: جمع قطعة؛ وهي
طائفة؛ والمعنى: كقطع من الليل المظلم؛ لفرط سَوَادِهَا، وظلمتها، وعدم تبين الصَّلاحِ
والفساد فيها. وحاصل المعنى: تعجلوا بالأعمال الصالحة، قبل مجيء الفتن المظلمة من
القتل، والنهب، والاختلاف بين المسلمين في أمر الدنيا والدين؛ فإنكم لا تُطيقون الأعمال
على وجه الكمال فيها، والمراد من التشبيه: بيان حال الفتن؛ من حيث إنه بَشيعٌ فَظِيعٌ، ولا
(١) أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (٨٦٧٩).
(٢) أحمد. حديث (١٩٢٣١)، وأبو داود، كتاب الفتن والملاحم. حديث (٤٢٥٩)، وابن ماجه (٣٩٦١).
(٣) أحمد. حديث (١٦٥٢٦).

٤٤٢
كتاب الفتن عن رسول الله وََّ / باب مَا جَاء سَتَكُونُ فتنٌ حَقِطع اللَّيْلِ المُظْلِمِ
يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا ويُمْسِي كَافِرًا، ويُمْسِي مُؤْمِنًا ويُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ
الدُّنْيَا)). [م: ١١٨، حم: ٧٩٧٠].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
[٢١٩٦] (٢١٩٦) حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا عبدُ الله بْنُ المُبَارَكِ، أحْبَرَنَا
مَحَْرٌ، عَنِ الزَّهْرِيِّ، عَنِ هِنْدٍ بِنْتِ الحَارِثِ، عَن أُمِّ سَلَمَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ وَ اسْتَيْقَظَ
لَيْلَةً، فَقَالَ: «سُبْحَانَ الله،
يعرف سببها، ولا طريق الخلاص منها فالمبادرة: المسارعة بإدراك الشيء قبل فواته، أو
بدفعه قبل وقوعه. (يصبح الرجل مؤمنًا)، أي: موصوفًا بأصل الإيمان، أو بكماله؛ (ويمسي
كافرًا)، أي: حقيقة، أو كافرًا للنعمة، أو مشابهًا للكفرة، أو عاملًا عمل الكافر. وقيل:
المعنى: يصبح مُحَرِّمًا ما حَرَّمَهُ الله، ويمسي مُسْتَحِلًا إِياه، وبالعكس.
قلت: وهذا المعنى الأخير: اختاره الحسنُ البصريُّ، وقد ذكره الترمذيُّ في هذا الباب.
(يبيع أحدهم دينه) أي: يتركه. (بعرض) بفتحتين؛ أي: بأخذ متاع دنيء، وثمن رديء.
قال الطيبي - رحمه الله: قوله: ((يصبح)) استئناف بيان لحال المشبه؛ وهو قوله: ((فتنًا))
وقوله: ((يبيع ... إلخ)) بيان للبيان. وقال المظهر: وفيه وجوه:
أحدها: أن يكون بين طائفتين من المسلمين قِتَالٌ؛ لمجرد الْعَصَبِيَّةِ، والغضب؛
فيستحلُّون الدم والمال.
وثانيها: أن يكون ولاة المسلمين ظَلَمَةً؛ فيريقون دماء المسلمين ويأخذون أموالهم بغير
حَقِّ، ويزنون، ويشربون الخمر، فيعتقد بعض الناس أنهم على الحق، ويفتيهم بعضُ علماء
السوء على جواز ما يفعلون من المحرمات؛ من إراقة الدماء، وأخذ الأموال ونحوها.
وثالثها: ما يجري بين الناس مما يخالف الشَّرْعَ في المعاملاتِ، والمبايعات، وغيرها؛
فيستحلونها .
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد، ومسلم.
[٢١٩٦] قوله: (حدثنا سويد بن نصر) بن سويد المروزي؛ لقبه: الشاه، ثقة، من
العاشرة (عن هند بنت الحارث) الفراسية، ويقال: القرشية. ثقة، من الثالثة.
قوله: (إن النبي ◌َّ استيقظ ليلة) زاد البخاري في رواية ((فَزِعًا)) (فقال: سبحان الله)

٤٤٣
كتاب الفتن عن رسول الله وََّ / باب مَا جَاء سَتَكُونُ فتنْ كَقِطِعِ اللَّيْلِ المُظْلِم
مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنَ الفِتْنَةِ، مَاذَا أُنْزِلَ مِنَ الخَزَائِنِ؟ مَن يُوقِظُ صَوَاحِبَ الحُجُرَاتِ؟
يَا رُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا، عَارِيَةً في الآخِرَةِ)). [خ: ١١٥، حم: ٢٦٠٠٥].
بالنصب بفعل لازم الحذف. قاله تعجبًا، واستعظامًا. (ماذا) ((ما)) استفهامية متضمنة لمعنى
التعجب، والتعظيم (أنزل) بصيغة المجهول. وفي رواية للبخاري: ((أَنْزَلَ الله)) بإظهار الفاعل،
والمراد بالإنزال: إعلام الملائكة بالأمر المقدورِ، أو أن النبي ◌َّ أُوحِيَ إليه في نومه ذاك
بما سيقع بعده من الفتن؛ فعبر عنه بالإنزال، قاله الحافظ.
(الليلة من الفتنة؟ ماذا أنزل من الخزائن؟)، عبر عن الرحمة بالخزائن؛ كقوله تعالى:
﴿خَائِنُ رَحْمَةٍ رَبِّكَ﴾ [ص: ٩]. وعن العذاب بالفتنة، لأنها أسبابه. قاله الكرماني. (من يوقظ)
استفهام؛ أي: هل أحدٌ يوقِظُ؟ قال الحافظ: أراد بقوله: ((مَنْ يُوقِظُ بَعْضَ خَدَمِهِ)) كما قال
يوم الخندق: ((مَنْ يَأْتِيني بِخَبَرِ الْقَوْم؟)) وأراد: أصحابه. لكن هناك عرف الذي انتدب كما
تقدم، وهنا لم يذكر. (صواحب الحجرات؟) جمع: حجرة.
قال في ((الصراح)): حجرة: حظيرة شتروخانه خوره(١). والجمع: حُجَر، مثل غرفة،
وغرف. وحجرات بضم الجيم. انتهى؛ يعني ◌َّ بصواحب الحجرات: أزواجه، وإنما
خَصَّهُنَّ بالإيقاظ؛ لأنهن الحاضرات، أو من باب ابدأ بنفسك، ثم بمن تعول. (يا رب
كاسية) قيل: المنادى فيه محذوف، والتقدير: يا سامعين، ورب للتكثير. (عارية في
الآخرة)، قال عياض: الأكثر بالخفض؛ على الوصف للمجرور بِرُبَّ. وقال غيره: الأولى:
الرفع على إضمار مبتدأ، والجملة في موضع النعت؛ أي: هي عارية، والفعل الذي يتعلق به
(رب)) محذوف.
وقال السهيلي: الأحسنُ الخفض على النعت؛ لأن ((رب)) حرف جر يلزم صدر الكلام،
وهذا رأي سيبويه. وعند الكسائي. هو اسم مبتدأ، والمرفوع خبره، وإليه كان يذهب بعض
شيوخنا. انتهى. وأشار بَّله بذلك إلى موجب استيقاظ أزواجه؛ أي: ينبغي لهن ألا يتغافلن
عن العبادة، ويعتمدن على كونهن أزواج النبي وَله .
قال الحافظ: واختلف في المراد بقوله: ((كاسية))، و((عارية)) على أوجه:
أحدها: كاسية في الدنيا بالثياب؛ لوجود الغنى، عارية في الآخرة من الثواب؛ لعدم
العمل في الدنيا .
(١) حظيرة، شتر: كلمة فارسية بمعنى: حظيرة الجمل، وخانه خورد: كلمة فارسية بمعنى: منزل صغير.

٤٤٤
كتاب الفتن عن رسول الله وَّ / باب مَا جَاء سَتَكُونُ فتنٌّ كَقِطِعِ اللَّيْلِ المُظْلِمِ
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
[٢١٩٧] (٢١٩٧) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْتُ بْنُ سَعْدٍ، عَن يَزِيدَ بْنِ أبي حَبِيبٍ،
عَن سَعْدِ بْنِ سِنَانٍ، عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، عَن رَسُولِ اللهِ وَلِّ قَالَ: (تَكُونُ بَيْنَ يَدَي
السَّاعَةِ فِتَنْ كَقِطَعِ اللَّيْلِ المُظْلِمِ يُصْبِحُ الرَّجُلُ
ثانيها: كاسية بالثياب، لكنها شفافة، لا تستر عورتها، فتعاقب في الآخرة بالعري جزاء
على ذلك.
ثالثها : كاسية من نعم الله، عارية من الشكل التي تظهر ثمرته في الآخرة بالثواب.
رابعها: كاسية جسدها؛ لكنها تشد خمارها من ورائها؛ فيبدو صدرها؛ فتصير عارية؛
فتعاقب في الآخرة.
خامسها: كاسية من خلعة التزوج بالرجل الصالح، عارية في الآخرة من العمل؛ فلا
ينفعها صلاحُ زوجها؛ كما قال تعالى: ﴿فَلَا أَنَابَ يَنْنَهُمْ﴾ [المؤمنون: ١٠١] ذكر هذا الأخير
الطيبي، ورجحه لمناسبة المقام. واللفظة وإن وردت في أزواج النبي ◌َّ لكن العبرة بعموم
اللفظ .
قال ابن بطال في هذا الحديث: إن الفتوح في الخزائن؛ تنشأ عنه فتنة المال؛ بأن
يتنافس فيه؛ فيقع القتال بسببه، وأن يبخل به؛ فيمنع الحق، أو يبطر صاحبه، فيسرف؛ فأراد
وَ* تحذير أزواجه من ذلك كله، وكذا غيرهن ممن بلغه ذلك. وفي الحديث الندب إلى
الدعاء، والتضرع عند نُزُولِ الفتنةِ، ولا سيَّما في الليل؛ لرجاء وقت الإجابة؛ لتكشف، أو
يسلم الداعي، ومن دَعًا له. انتهى كلام الحافظ.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد، والبخاري.
[٢١٩٧] قوله: (عن سعد بن سنان) قال في ((التقريب)): سعد بن سنان، ويقال: سنان
بن سعد الكندي، المصري، وصوب الثاني البخاري، وابن يونس. صدوق، له أفراد، من
الخامسة.
قوله: (تكون بين يدي الساعة) أي: قُدَّامهَا من أشراطها. (فتن)، أي: فتن عظام،
ومحن جسام. (كقطع الليل المظلم) بكسر القاف، وفتح الطاء، ويسكن؛ أي: كل فتنة
كقطعة من الليل المظلم في شدتها، وظلمتها، وعدم تَبَيُّنِ أمرها .
قال الطيبي: يريد بذلك: التباسها، وفظاعتها، وشيوعها، واستمرارها. (يصبح الرجل

٤٤٥
كتاب الفتن عن رسول الله وَ له / باب مَا جَاء سَتَكُونُ فتنٌ كَقِطِعِ اللَّيْلِ المُظْلِم
فِيهَا مُؤْمِنًا ويُمْسِي كَافِرًا، ويُمْسِي مُؤْمِنًا، ويُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ أقْوَامُ دِينَهُمْ بِعَرَض من
الدُّنْيَا)).
قَالَ أَبُو عِيْسَى: وفي البابِ: عَن أبي هُرَيْرَةَ، وَجُنْدَبٍ، وَالثَّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ،
وأبي مُوسَى، وهذا حَدِيثٌ غريبٌ مِن هذا الوَجْهِ.
[٢١٩٨] (٢١٩٨) حَدَّثَنَا صَالحُ بْنُ عَبْدِ الله، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمانَ، عَن
هِشَامِ، عَن الحَسَنِ، قَالَ: كَانَ يَقُولُ في هَذَا الحَدِيثِ: ((يُصْبحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا ويُمْسِي
كَافِرًاً، ويُمْسِي مُؤْمِنًا ويُصْبِحُ كَافِرًا، قَالَ: يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُحَرِّمًا لِدَم أخِيهِ وَعِرْضِهِ
وَمَالِهِ ويُمْسِي مُسْتَحِلَّا لَهُ، ويُمْسِي مُحَرِّمًا لِدَم أخِيهِ وَعِرْضِهِ وَمَالِهِ ويُصْبِحُ مُسْتَحِلًا
لَهُ».
فيها)، أي: في تلك الفتن. والظاهر أن المراد بالإصباح والإمساء: تَقَلَّبَ الناس فيها، وقتًا
دون وقت، لا بخصوص الزمانين؛ فكأنه كناية عن تردد أحوالهم، وتذبذب أقوالهم، وتنوع
أفعالهم من عهد ونقض، وأمانة وخيانة، ومعروف ومنكر، وسنة وبدعة، وإيمان وكفر.
(بعرض الدنيا) أي: بقليل من حُطَامِهَا. والعرضُ: ما عرض لك من منافع الدنيا .
قوله: (وفي الباب عن أبي هريرة، وجندب، والنعمان بن بشير، وأبي موسى) أما حديث
أبي هريرة: فلعل الترمذي(١) أشار إلى حديث له آخر، غير الحديث المذكور وأما حديث
جندب: فلينظر من أخرجه. وأما حديث النعمان بن بشير: فأخرجه أحمد(٢). وأما حديث
أبي موسى(٣): فتقدم تخريجُه في الباب المتقدم.
قوله: (هذا حديث غريب) لم يحسنه الترمذي، والظاهر: أنه حسن. والله تعالى أعلم.
والحديث أخرجه أيضًا أحمد.
[٢١٩٨] قوله: (عن هشام) هو: ابن حسان. (عن الحسن) هو: الحسن البصري.
(١) الترمذي، كتاب الفتن. حديث (٢١٩٥).
(٢) أحمد. حديث (١٧٩٣٧).
(٣) أحمد (١٩٢٣١) وجماعة تقدم ذكرهم في الحديث (٢١٩١).

٤٤٦
كتاب الفتن عن رسول الله وََّ / باب مَا جَاء سَتَكُونُ فتنٌ كَقِطعِ اللَّيْلِ المُظْلِمِ
[٢١٩٩] (٢١٩٩) حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الخَلَّالُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ،
أخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَن سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَن عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ، عَن أبِيهِ، قَالَ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ وَرَجُلٌ سَألَهُ، فَقَالَ: أرأيْتَ إِنْ كَانَ عَلَيْنَا أُمَرَاءٌ يَمْنَعُونَا حَقَّنَا،
ويَسْألُونَا حَقَّهُمْ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّه: ((اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا؛ فَإِنَّمَا عَلَيْهِم مَا حُمِّلُوا
وإِنَّمَا عَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ)). [م: ١٨٤٦].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
[٢١٩٩] قوله: (ورجل يسأله) جملة حالية. وفي رواية مسلم(١)، عن وائل بن حجر
قال: ((سَأَلَ سَلَمَةُ بْنُ يَزِيدَ الْجُعَفِيُّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ الله، أَرَأَيْتَ ... إلخ)).
(يمنعونا) بتشديد النون: صفة ((أمراء)) (حقنا) أي: من العدل، وإعطاء الغنيمة. (ويسألونا)
أي: يطلبوننا (حقهم) من الطاعة، والخدمة. (اسمعوا) أي: ظاهرًا (وأطيعوا) أي: باطنًا،
أو اسمعوا قولًا، وأطيعوا فعلًا. (فإنما عليهم ما حملوا) بتشديد الميم؛ أي: ما كُلِّفُوا من
العدل، وإعطاء حَقِّ الرعية. (وعليكم ما حملتم). وفي بعض النسخ: ((وَإِنَّمَا عَلَيْكُمْ مَا
حُمِّلْتُمْ))، أي: من الطاعة، والصبر على البلية. وكأن الحديث مقتبس من قوله تعالى: ﴿قُلّ
أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولِّ فَإِنْ تَوَلَّوْ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُلَ وَعَلَيْهِكُمْ مَّا حُمِلْتُرٌّ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ وَمَا عَلَى
الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَغُ الْمُبِينُ﴾ [النور: ٥٤]. وحاصله: أنه يجب على كُلِّ أحد ما كُلِّفَ به، ولم يتعد
حده .
قال الطيبي: قدم الجار والمجرور على عامله للاختصاص؛ أي: ليس على الأمراءِ إلا
ما حمله الله، وكلفه عليهم من العدل والتَّسوية؛ فإذا لم يقيموا بذلك فعليهم الوزرُ والوبالُ؛
وأما أنتم؛ فعليكم ما كُلِّفْتُمْ به من السمع والطاعة، وأداء الحقوق؛ فإذا قمتم بما عليكم،
فالله تعالی یتفضل علیکم، ویثییکم به.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم.
(١) مسلم، كتاب الإمارة. حديث (١٨٤٦).

٤٤٧
كتاب الفتن عن رسول الله وَلَّ / باب مَا جَاء فِي الَرْجِ وَالعِبَادَةِ فِيْهِ
٣١- باب مَا جَاء في الهَرْجِ وَالعِبَادَةِ فِيْهِ [ت ٣١، ٣١٢]
[٢٢٠٠] (٢٢٠٠) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا أبو مُعَاوِيَةَ، عَن الأعمَشِ، عَن شَقِيق بْنِ
سَلَمَةَ، عَن أبي مُوسَى، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إنَّ مِن وَرَائِكُمْ أيَّامًا يُرْفَعُ فِيهَا
العِلْمُ، وَيَكْثُرُ فِيهَا الهَرْجُ))، قالوا: يَا رَسُولَ الله، ما الهَرْجُ؟ قَالَ: ((القَتْلُ)).
قَالَ أَبُو عِيْسَى: وفي البابِ: عَن أبي هُرَيْرَةَ، وَخَالِدِ بْنِ الوليد، وَمَعْقِلِ بْنِ
بَسَارٍ،
٣١ - بَابُ مَا جَاءَ في الْهَرْجِ وَالْعِبَادَةِ فِيهِ
بفتح الهاء وسكون الراء.
قال في ((النهاية)): الْهَرْجُ: القتالُ، والاختلاطُ، وقد هَرَجَ الناس يَهْرِجُونَ هَرْجًا: إذا
اختلفوا. وأصل الْهَرْج: الكثرة في الشيء، والاتساع. وفي ((القاموس)): هَرَجَ الناس
يَهْرِجُونَ: وقعوا في فتنة، واختلاط، وقتل. انتهى.
[٢٢٠٠] قوله: (عن شقيق) هو: ابن سلمة الأسدي، أبو وائل الكوفي، ثقة، مخضرم،
مات في خلافة عمر بن عبد العزيز.
قوله: (إن من ورائكم أيامًا). وفي رواية البخاري في ((الْفِتَنِ)): ((إِنَّ بَيْنَ يَدَي السَّاعَة
أَيَّامًا). (يرفع فيها العلم) زاد البخاري: ((وَيَنْزِلُ فِيهَا الْجَهْل)). قال الحافظ: معناه: أن العلمَ
يرتفعُ؛ بموت العلماء؛ فكلما مات عالم - ينقص العلم بالنسبة إلى فَقْد حامله، وينشأ عن
ذلك الجهلُ؛ بما كان ذلك العالم ينفرد به عن بقية العلماء. (ويكثر فيها الهرج. قالوا:
يا رسول الله ما الهرج؟ قال: القتل). قال الحافظ: وجاء تفسير أيام الهرج فيما أخرجه
أحمد (١)، والطَّبراني بسندٍ حَسَنٍ، من حديث خالد بن الوليد: ((أَنَّ رَجُلًا قَالَ لَهُ:
يَا أَبَا سُلَيْمَانَ، اتَّقِ اللهِ، فَإِنَّ الْفِتَنَ قَدْ ظَهَرَتْ؛ فَقَالَ: أَمَا وَابْنُ الْخَطَّابِ حِيٍّ فَلا، إِنَّمَا تكونُ
بَعْدَهُ؛ فَيَنْظُرُ الرَّجُلُ؛ فَيُفَكِّرُ هَلْ يَجِدُ مَكَانًا لَمْ يَنْزِلْ بِهِ مِثْلُ مَا نَزَلَ بِمَكَانِهِ الَّذِي هُوَ بِهِ مِنَ الْفِتْنَةِ
وَالشَّرِّ فَلا يَجِدُ؛ فَتِلْكَ الأَيَّامُ الَّتِي ذَكَرَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ بَيْنَ يَدِي السَّاعَة أَيَّامَ الْهَرْجِ)). انتهى.
قوله: (وفي الباب عن أبي هريرة، وخالد بن الوليد، ومعقل بن يسار) أما حديث
(١) أحمد. حديث (١٦٣٧٩)، والطبراني في ((الكبير)) (٣٨٤١).

٤٤٨
كتاب الفتن عن رسول الله وَّ / باب مَا جَاء فِي الھَرْجِ وَالعِبَادَةِ فِيْهِ
وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
[٢٢٠١] (٢٢٠١) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَن المُعَلَّى بْنِ زِیَادٍ رَدَّهُ
إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، رَدَّهُ إِلَى مَعْقِلٍ بْنِ يَسَارٍ، رَدَّهُ إِلى النَّبِيِّ بَّ قَالَ: ((العِبَادَةُ في
الهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ)). [م: ٢٩٤٨، جه: ٣٩٨٥، حم: ١٩٧٨٧].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ صحيحٌ غريبٌ؛ إنَّمَا نعرفُه من حديثٍ حماد بْنِ زيد
عَن المُعَلَّى.
أبي هريرة: فأخرجه البخاري في ((الأدب))، وفي ((الفتن))، ومسلم في ((العلم))، وأبو داود،
وابن ماجه(١) في ((الفتن)). وأما حديث خالد بن الوليد: فأخرجه أحمد، والطبراني(٢) في
((الكبير)). وأما حديث معقل بن يسار: فأخرجه الترمذي (٣) في هذا الباب.
قوله: (وهذا حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري في ((الفتن))، ومسلم في ((العلم))
وابن ماجه في ((الفتن)).
[٢٢٠١] قوله: (عن المعلى بن زياد) القردوسي؛ بضم القاف: أبي الحسن البصري،
صدوق، قليل الحديث، زاهد، اختلف قول ابن معين فيه، من السابعة. (فرده) وفي بعض
النسخ ((رَدَّهُ)) بغير الفاء؛ أي: رفعه (إلى معقل بن يسار) المزني، صحابي، ممن بايع تحت
الشجرة، وكنيته: أبو علي على المشهور؛ وهو الذي ينسب إليه نهر معقل بـ ((البصرة))؛ كذا
في ((التقريب))، وقال في ((تهذيب التهذيب)): هو الذي فجر نهر معقل بـ ((البصرة)). انتهى.
قوله: (العبادة في الهرج)، أي: الفتنة، واختلاط أمور الناس (كهجرة إليّ) قال النووي:
وسبب كثرة فضل العبادة فيه: أن النَّاسَ يَغْفُلُونَ عنها، ويشتغلون عنها، ولا يتفرغ لها إلا
أفراد. انتهى.
قوله: (هذا حديث صحيح غريب) وأخرجه أحمد، ومسلم، وابن ماجه (٤).
(١) البخاري، كتاب الأدب. حديث (٧٠٦١)، ومسلم (١٥٧)، وأبو داود (٤٢٥٥)، وابن ماجه (٤٠٥٢).
(٢) تقدم ذكرهم.
(٣) الترمذي، كتاب الفتن. حديث (٢٢٠١).
(٤) تقدم ذكرهم، وأخرجه أحمد في مسنده (١٩٧٨٧، ١٩٨٠٠).

٤٤٩
كتاب الفتن عن رسول الله وَّوَ / باب ما جَاءَ في اتّخاذٍ سَيفٍ مِن خَشَبٍ في الفِتَنَةِ
٣٢ - باب [ت ٣٢، م ٣٢]
[٢٢٠٢] (٢٢٠٢) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَن أيُّوبَ، عَن أبي قِلَابَةَ،
عَن أبي أسْمَاء، عَن ثَوْبَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهَ: ((إِذَا وُضِعَ السَّيْفُ في أُمَّتِي
لَمْ يُرْفَعْ عَنْهَا إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ)). [جه مطولًا: ٣٩٥٢، حم: ٢١٨٨٨].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
٣٣- باب ما جَاءَ في اتِّخاذِ سَيفٍ مِن خَشَبٍ في الفِتنَةِ [ت ٣٣، م ٣٣]
[٢٢٠٣] (٢٢٠٣) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، حَدَّثَنَا إسماعيلُ بْنُ إبراهيمَ، عَن
عبدِ الله بْنِ عُبَيْدٍ، عَن عُدَيْسَةَ بِنْتِ أَهْبَانَ بْنِ صَيْفيٍّ الغِفَارِيِّ، قَالَت: جَاء عَلِيُّ بْنُ
أبِي طَالِبٍ إِلَى أَبِي فَدَعَاهُ إِلَى الخُرُوجِ مَعَهُ، فَقَالَ له أبِي: إنَّ خَلِيلي وابنَ
٣٢ - بَابٌ
كناية عن ترك القتال.
[٢٢٠٢] قوله: (عن أبي أسماء) هو: الرحبي.
قوله: (إذا وضع) بالبناء للمفعول (السيف) أي: المقاتلة به، والمراد: وقع القتال
بسيف، أو غيره، كرمح، ونار، ومنجنيق، وخص السيف بغلبة القتال به. (في أمتي) أمة
الإجابة. (لم يرفع عنها إلى يوم القيامة) أي: يبقى إلى يوم القيامة؛ إن لم يكن في بلد يكون
في آخر.
قوله: (هذا حديث صحيح). وأخرجه أبو داود مطولًا.
٣٣ - بَابُ مَا جَاءَ في اتِّخَاذِ سَيْفٍ من خَشَبٍ في الْفِتْنَةِ
[٢٢٠٣] قوله: (عن عبد الله بن عبيد) الحميري البصري، المؤذن، ثقة، من السابعة.
(عن عديسة) بضم العين، وفتح الدال المهملتين مصغرًا. (بنت أهبان) بضم الهمزة، وسكون
الهاء. (بن صيفي) بفتح الصاد المهملة، وتحتانية ساكنة، وفاء. (الغفاري) بمكسورة وخفة
فاء. قال في ((التقريب)): هي مقبولة، من الثالثة. (إلى أبي)، أي: أهبان؛ وهو صحابي،
يكنى: أبا مسلم، مات بالبصرة (فدعاه إلى الخروج معه)، أي: للقتال (إن خليلي وابن

٤٥٠
كتاب الفتن عن رسول الله وَ﴿ / باب ما جَاءَ في اتّخاذٍ سَيفٍ مِن خَشَبٍ في الفِتَنَةِ
عَمِّكَ عَهِدَ إلَيَّ إِذَا اخْتَلَفَ النَّاسُ أنْ أَتَّخِذَ سَيْفًا مِن خَشَبٍ فَقَدِ اتَّخَذْتُهُ، فَإِنْ شِئْتَ
خَرَجْتُ بِهِ مَعَكَ، قَالَت: فَتَرِكَهُ. [جه بنحوه: ٣٩٦٠، حم: ٢٠١٤٧].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: وفي البابِ: عَن محمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ، وهذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ،
لا نعرفُه إلَّا من حديثِ عبدِ الله بْنِ عُبَيْدٍ.
[٢٢٠٤] (٢٢٠٤) حَدَّثَنَا عبدُ الله بْنُ عبدِ الرحمَنِ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا
هُمَامٌ، حَدَّثَنَا محمَّدُ بْنُ جُحَادَةَ، عَن عبدِ الرحمنِ بْنِ ثَرْوَانَ، عَن هُزَيْلِ بْنِ
شُرَحْبِيلَ، عَن أبي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ وَلِّ أنَّهُ قَالَ في الفِتْنَةِ: ((كَسِّرُوا فِيهَا قِسِيَّكُمْ،
وَقَطِّعُوا فِيهَا أَوْتَارَكُمْ، وَالزَمُوا فِيهَا أَجْوَافَ بُيُوتِكُمْ، وكُونُوا كَابْنِ آدَمَ)). [د بنحوه:
٤٢٥٩، جه بنحوه: ٣٩٦١].
عمك). يعني: النبي وَلَّ (عهد إليّ) أي: أَوْصَانِي. قال في ((القاموس)): عهد إليه: أوصاه.
(أن أتخذ) مفعول لقوله: (عهد). (سيفًا من خشب) المرادُ باتخاذ السيف من الخشب:
الامتناعُ عن القتال.
قوله: (وفي الباب عن محمد بن مسلمة) أخرجه أحمد (١) في ((مسنده)) ص٢٢٥ ج. ٤.
قوله: (هذا حديث غريب) وأخرجه أحمد في ((مسنده)) ص٦٩ ج. ٥.
[٢٢٠٤] قوله: (حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن) هو: الإمام الدارمي. (أخبرنا سهل بن
حماد) أبو عتاب الدلال، البصري، صدوق، من التاسعة. (أخبرنا همام) بن يحيى بن دينار
العوذي، أبو عبد الله، ويقال: أبو بكر البصري، ثقة، ربما وهم، من السابعة. (عن
عبد الرحمن بن ثروان) بمثلثة مفتوحة، وراء ساكنة. كنيته: أبو قيس الأودي، الكوفي،
صدوق، ربما خالف، من السادسة.
قوله: (وقال في الفتنة)، أي: في أيامها، وزمنها، وهو ظرف لقوله: (كسروا فيها
قسيكم) بكسرتين، وتشديد التحتية: جمع القوس. وفي العدول عن الكسر إلى التكسير
مبالغة؛ لأن باب التفعيل للتكثير.
وكذا قوله: (وقطعوا) أمر من التقطيع. (فيها أوتاركم) جمع: الوتر؛ بفتحتين؛ وهو
(١) أحمد. حديث (١٧٥١٨).

٤٥١
كتاب الفتن عن رسول الله وَّ / باب مَا جَاء في أشْرَاطِ السَّاعَةِ
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ صحيحٌ، وعبدُ الرحمنِ بْن ثَرْوَانَ هُوَ
أبو قَيْسِ الأوْدِيُّ.
٣٤- باب مَا جَاء في أشْرَاطِ السَّاعَةِ [ت ٣٤، م ٣٤]
[٢٢٠٥] (٢٢٠٥) حَدَّثَنَا محمودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، حَدَّثَنَا
شُعْبَةُ، عَن قَتَادَةَ، عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكِ؛ أنَّه قَالَ: أُحَدِّئُكُمْ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِن رَسُولِ الله
وَلَه لا يُحَدِّثُكُمْ أحَدٌ بَعْدِي أنَّهُ سَمِعَهُ مِن رَسُولِ اللهِ وَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَله:
((إنَّ مِن أشْرَاطِ السَّاعَةِ:
بالفارسية: زه؛ يعني: حله كمان(١). وفيه زيادة من المبالغة؛ إذ لا منفعة لوجود الأوتار، مع
كسر القسي. أو المراد به: أنه لا ينتفع بها الغير، ولا يستعملها في دون الخير. (والزموا"
فيها أجواف بيوتكم) أي: كونوا ملازميها؛ لئلا تقعوا في الفتنة، والمحاربين فيها. (وكونوا
كابن آدم) وهو: هابيل حين استسلم للقتل، وقال لأخيه قابيل: ﴿لَيِنْ بَسَطَتَ إِلَىَّ يَدَكَ لِنَقْتُلِ مَآَ
إِنّ أُرِيدُ أَن تَبُوَاَ بِثْمِى وَإِّكَ﴾
٨
أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِىَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنَّ أَخَافُ اَللَّهَ رَبَّ الْعَلَمِينَ(
[المائدة: ٢٨ - ٢٩] الآية.
قوله: (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه.
٣٤ - بَابُ مَا جَاءَ في أَشْرَاطِ السَّاعَةِ
أي: علاماتها. ففي ((النهاية)): الأشراط العلامات. واحدتها: شَرَطً بالتحريك، وبه
سميت شرط السلطان؛ لأنهم جعلوا لأنفسهم علامات يعرفون بها؛ هكذا قال أبو عبيد.
انتھی.
[٢٢٠٥] قوله: (لا يحدثكم أحد بعدي أنه سمعه من رسول الله وَ ظله) قال الحافظ: عرف
أنس أنه لم يبق أحد ممن سَمِعَهُ من رسول الله وَّل غيره؛ لأنه كان آخر من مات بـ ((البصرة))
من الصحابة؛ فلعل الخطاب بذلك كان لأهل البصرة، أو كان عامًّا، وكان تحديثُه بذلك في
آخر عمره؛ لأنه لم يبق بعده من الصحابة من ثَبَتَ سَمَاعُهُ من النبي ◌ِِّ إلا النَّادر، ممن لم
یکن هذا المتن من مَرْوِبِّهِ. انتھی.
(١) زه: كلمة فارسية تعني الوتر، وتر القوس: ((حله كمان)) وتر القوس.

٤٥٢
كتاب الفتن عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاء في أشْرَاطِ السَّاعَةِ
أَنْ يُرْفَعَ العِلْمُ، وَيَظْهَرَ الجَهْلُ، وَيَفْشُوَ الزِّنَا، وَيُشْرَبَ الخَمْرُ، وَيَكْثُرَ النِّسَاءُ، وَيَقِلَّ
الرِّجَالُ حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرأةٍ قَيِّمٌ وَاحِدٌ)). [خ: ٨١، م: ٢٦٧١، جه: ٤٠٤٥،
حم: ١٢١١٨].
(أن يرفع العلم) هو في محل النصب؛ لأنه اسم ((إن))، والمراد برفعه: موت حملته.
وفي رواية للبخاري: ((أَنْ يَقِلَّ الْعِلْمُ)). قال الحافظ: يحتمل أن يكون بقلَّته: أول العلامة،
وبرفعه: آخرها أو أطلقت القلة، وأريد بها العدم؛ كما يطلق العدم، ويراد به القلة. وهذا
أليق؛ لاتحاد المخرج. انتهى. (ويفشو الزنا) بالقصر على لغة أهل الحجاز، وبها جاء
التنزيل، وبالمد لأهل نجد، والنسبة إلى الأول زنوي، وإلى الآخر زناوي (ويشرب الخمر)
بضم أوله، وفتح الموحدة على العطف، والمراد: كثرة ذلك، واشتهاره. (وتكثر النساء)
قيل: سببه أن الفتن تكثر؛ فيكثر القتلُ في الرجال؛ لأنهم أهلُ الحرب دون النساء. وقال ابن
عبد الملك: هو إشارة إلى كثرة الفتوح؛ فتكثر السبايا؛ فيتخذ الرجل الواحد عِدَّةَ مَوْطُؤَاتٍ.
قال الحافظ: فيه نظر؛ لأنه صرح بالقلة في حديث أبي موسى الآتي؛ يعني: في الزكاة
عند البخاري(١): ((فَقَالَ: من قِلَّةِ الرِّجَالِ، وَكَثْرَةِ النِّسَاءِ)). والظاهر: أنها علامة محضة، لا
بسبب آخر، بل يقدر الله في آخر الزمان أن يقلَّ من يولد من الذكور، ويكثر من يولد من
الإناث، وكون كثرة النساء من العلامات؛ مناسب لظهور الجهل، ورفع العلم. انتهى. (ويقل)
بكسر القاف: من القلة (لخمسين) يحتمل أن يراد به: حقيقة هذا العدد، أو يكون مجازًا عن
الكثرة، ويؤيده أن في حديث أبي موسى: ((وَيُرَى الرَّجُلُ الْوَاحِدُ يَتْبَعُهُ أَرْبَعُونَ امْرَأَةً)). (قيم
واحد) بالرفع: صفة لـ(قيم))؛ أي: من يقومُ بأمرهن، واللام للعهد؛ إشعارًا بما هو معهودٌ من
كون الرجال قوامين على النساء، وكأن هذه الأمور الخمسة خصت بالذكر؛ لكونها مشعرةً
باختلالِ الأمور التي يَحْصُلُ بحفظها صَلاحُ المعاش والمعاد، وهي الدين؛ لأن رفع العلم
يخلُّ به. والعقل؛ لأن شرب الخمر يخل به. والنسب؛ لأن الزنا يخل به. والنفس والمال؛
لأن كثرة الفتن تخل بهما .
قال الكرماني: وإنما كان اختلال هذه الأمور مُؤْذِنًا بخراب العالم؛ لأن الخلقَ لا
يتركون هملًا، ولا نبي بعد نبينا صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فيتعين ذلك.
(١) البخاري، كتاب الزكاة. حديث (١٤١٤).

٤٥٣
كتاب الفتن عن رسول الله وَل﴿ / باب مِنْهُ
قَالَ أَبُو عِيْسَى: وفي البابِ: عَن أبي مُوسَى، وأبي هُرَيْرَةَ، وهذا حديثٌ حسنٌ
صحيحٌ.
٣٥- باب مِنْهُ [ت ٣٥، م ٣٥]
١
[٢٢٠٦] (٢٢٠٦) حَدَّثَنَا محمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَن سُفْيَانَ
الثَّوْرِيِّ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ، قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: فَشَكَوْنَا إِلَيْهِ مَا
نَلْقَى مِنَ الحَجَّاجِ، فَقَالَ: مَا مِن عَامٍ إِلَّ الَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ، حَتَّى تَلْقَوْا رَبَّكُمْ؛
سَمِعْتُ هَذَا من نَبِيِّكُمْ وَلِلِّ. [خ: ٧٠٦٨، حم: ١١٩٣٨].
قوله: (وفي الباب عن أبي موسى، وأبي هريرة). أما حديث أبي موسى: فأخرجه
أحمد، والشيخان(١). وأما حديث أبي هريرة: فأخرجه الشيخان.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد، والشيخان، والنسائي، وابن
ماجه(٢).
٣٥ - بَابٌ مِنْهُ
.[٢٢٠٦] قوله: (عن الزبير بن عدي) الهمداني، اليامي بالتحتانية؛ كنيته: أبو عدي
الكوفي، ولي قضاء الري، ثقة، من الخامسة. وقال في ((الفتح)): وهو من صغار التابعين،
وليس له في البخاري سوى هذا الحديث؛ يعني: حديث الباب.
قوله: (من الحجاج) أي: ابن يوسف الثقفي، الأمير المشهور، والمراد: شكواهم ما
يلقون من ظلمه لهم وتعديه. قد ذكر الزبير في ((الموفقيات)) من طريق مجالد، عن الشعبي
قال: ((كان عمر فمن بعده؛ إذا أخذوا العاصي أقاموه للناس، ونزعوا عمامته؛ فلما كان زياد
ضرب في الجناياتِ بالسِّيَاطِ، ثم زاد مصعب بن الزبير: حَلْقَ اللحية؛ فلما كان بشر بن
مروان سمّر كف الجاني بمسمار؛ فلما قدم الحجاج قال: هذا كله لعب؛ فقتله بالسيف))؛
كذا في ((الفتح)). (فقال: ما من عام إلا والذي بعده شر منه). وفي رواية للبخاري(٣):
((فَقَالَ: اصْبِرُوا فَإِنَّهُ لا يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ إِلَّ وَالَّذِي بَعْدَهُ أَشَرُّ مِنْهُ)). (حتى تلقوا ربكم)، أي:
(١) البخاري، كتاب الزكاة. حديث (١٤١٤)، ومسلم، كتاب الزكاة أيضًا. حديث (١٠١٢).
(٢) تقدم ذكرهم، وأخرجه أحمد (١٢١١٨)، وابن ماجه، كتاب الفتن. حديث (٤٠٤٥).
(٣) البخاري، كتاب الفتن. حديث (٧٠٦٨).

٤٥٤
كتاب الفتن عن رسول الله وَله / باب مِنْهُ
حتى تَمُوتُوا. وقد ثبت في ((صحيح مسلم)) (١) في حديث آخر: ((وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ لَنْ تَرَوْا رَبَّكُمْ
حَتَّى تَمُوتُوا)).
قال الحافظ في ((الفتح)): قال ابن بطال: هذا الخبر من أعلام النبوة؛ لإخباره وصله بفساد
الأحوال، وذلك من الغيب الذي لا يُعلم بالرأي؛ وإنما يُعلم بالوحي. انتهى.
وقد استشكل هذا الإطلاق؛ مع أن بعض الأزمنة تكون في الشَّرِّ دون التي قبلها؛ ولو لم
يكن في ذلك إلا زمن عمر بن عبد العزيز؛ وهو بعد زمن الحجاج بيسير، وقد اشتهر الخبر
الذي كان في زمن عمر بن عبد العزيز؛ بل لو قيل: إن الشر اضْمَحَلَّ في زمانه؛ لما كان
بعيدًا؛ فضلًا على أن يكون شرًّا من الزمن الذي قبله. وقد حَمَلَهُ الْحَسَنُ البصريُّ على الأكثر
الأغلب؛ فسئل عن وجود عمر بن عبد العزيز بعد الحجاج؛ فقال: لا بد للناس من تنفيس.
وأجاب بعضُهم: أن المرادَ بالتفضيل تفضيلُ مجموع العصر على مجموع العصر؛ فإن
عصر الحجاج كان فيه كثير من الصحابة في الأحياء، وفي عصر عمر بن عبد العزيز
انقرضوا، والزمان الذي فيه الصحابة خير من الزمان الذي بعده؛ لقوله وَله: ((خَيْرُ الْقُرُونِ
قَرْنِي)). وهو في ((الصحيحين))(٢).
قال الحافظ: ثم وجدت عن عبد الله بن مسعود التصريح بالمراد؛ وهو أَوْلَى بالاتباع،
فأخرج يعقوب بن شيبة، من طريق الحارث بن حصيرة، عن زيد بن وهب قال: سمعتُ
عبد الله بن مسعود يقول: لا يأتي عليكم يوم إلا وهو شَرٌّ من اليوم الذي كان قَبْلَهُ؛ حتى تَقُومَ
السَّاعَةُ، لست أعني: رَخَاءً من الْعَيْش يصيبُه، ولا مالًا يفيده؛ ولكن لا يأتي عليكم يوم إلا
وهو أقل عِلْمًا من اليوم الذي مَضَى قَبْلَهُ؛ فإذا ذهب العلماء استوى النَّاس؛ فلا يأمرون
بالمعروف، ولا ينهون عن المنكر؛ فعند ذلك يهلكون. ومن طريق الشعبي، عن مسروق،
عنه قال: ((لا يأتي عليكم زمان إلا وهو شَرٌّ مما كان قبله، أما إني لا أعني: أميرًا خيرًا من
أمير، ولا عامًا خيرًا من عام؛ ولكن علماؤكم وفقهاؤكم يذهبون، ثم لا تجدون منهم خلفًا
ويجيء قوم يفتون برأيهم)). وفي لفظ عنه من هذا الوجه: ((وما ذاك بكثرة الأمطار، وقلّتها؛
(١) ليس هذا الحديث في صحيح مسلم بهذا اللفظ، فالله أعلم.
(٢) لا أصل له في الصحيحين بهذا اللفظ. إنما بلفظ: ((خيرُ أمتي قرني ... )) البخاري (٣٦٥٠)، ومسلم
(٢٥٣٣)، وبلفظ: ((خيرُ الناس قرني ... )) البخاري (٢٦٥٢) ومسلم (٢٥٣٣).

٤٥٥
كتاب الفتن عن رسول الله وَلاَ / باب مِنْهُ
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حَديثٌ حَسنٌ صَحيحٌ.
[٢٢٠٧] (٢٢٠٧) حَدَّثَنَا محمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابنُ أبي عَدِيٍّ، عَن حُمَيْدٍ، عَن
أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: (( لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لا يُقَالَ في الأَرْضِ: الله الله)).
[م: ١٤٨، حم: ١١٦٣٢].
ولكن بذهاب العلماء، ثم يحدث قوم يفتون في الأمور برأيهم؛ فيثلمون الإسلام،
ويهدمونه)» .
واستشكلوا أيضًا زمان عيسى ابن مريم بعد زمان الدَّجَّال، وأجاب الكرماني بأن المراد
الزمان الذي يكون بعد عيسى، والمراد: جنسُ الزمان الذي فيه الأمراءُ؛ وإلا فمعلومٌ من
الدين بالضرورة أن زمان النبي المعصوم - لا شَرَّ فيه.
قال الحافظ: ويحتملُ أن يكون المرادُ بالأزمنة ما قبل وجود العلامات الْعِظَام؛ كالدجال
وما بعده. ويكون المرادُ بالأزمنة المتفاضلة في الشر من زمن الحجاج، فما بعده إلَى زمن
الدجال. وأما زمن عيسى عليه السلام فله حكم مستأنف، ويحتمل أن يكون المراد بالأزمنة
المذكورة: أزمنة الصحابة؛ بناء على أنهم هم المخاطبون بذلك؛ فيختص بهم؛ فأما من
بعدهم فلم يقصد في الخبر المذكور؛ لكن الصحابي فَهِمَ التَّعميمَ؛ فلذلك أجاب مَنْ شَكًا إليه
الحجاج بذلك، وأمرهم بالصبر وهم أو جلهم من التَّابعين. انتهى ما في ((الفتح)).
قوله: (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه البخاري في ((الفتن)).
[٢٢٠٧] قوله: (حدثنا ابن أبي عدي)، اسمه: محمد بن إبراهيم بن أبي عدي. ويقال:
إن كنيته: إبراهيم أبو عدي السلمي، مولاهم، القسملي، أنزل فيهم أبو عمرو البصري، ثقة،
من التاسعة .
قوله: (لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله الله)، بالرفع فيهما، وكرر للتأكید.
قال النووي: معنى الحديث: أن القيامةَ إنما تَقُومُ على شِرَارِ الخلقِ؛ كما جاء في الرواية
الأخرى؛ يعني: حديث عبد الله بن مسعود عند مسلم (١): ((وَتَأْتِي الرِّيحُ من قِبَلِ الْيَمَنِ فَتُقْبَضُ
أَرْوَاحُ المُؤْمِنِينَ عِنْدَ قُرْبِ السَّاعَةِ)). انتهى. وقال الطيبي: معنى ((حتى لا يقال)): حتى لا
یذکر اسم الله، ولا يُعبد.
(١) مسلم. حديث (٢٩٣٧) عن النواس بن سمعان بنحوه.

٤٥٦
كتاب الفتن عن رسول الله وَال﴿ / بابٌ مِنْهُ
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ.
حَدَّثَنَا محمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الحَارِثِ، عَن حُمَيْدٍ، عَن أَنَسٍ: نحْوَهُ
ولم يَرْفَعْهُ، وهذا أصحُ مِنَ الحديثِ الأوَّلِ.
٣٦- بابٌ مِنْهُ [ت ٣٦، م ٣٦]
[٢٢٠٨] (٢٢٠٨) حَدَّثَنَا وَاصِلُ بْنُ عبدِ الأَعْلَى الكُوفِيُّ، حَدَّثَنَا محمَّدُ بْنُ
فُضَيْلٍ، عَن أبِيهِ، عَن أبي حازم، عَن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّ: ((تَقِيءُ
الأرْضُ أفْلَاذَ كَبِدِهَا أمْثَالَ الأسْطُوَانِ مِنَ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ)) قَالَ: ((فَيَجِيءُ السَّارِقُ
فَيَقُولُ: في مثل هَذَا قُطِعَتْ يَدِي، ويَجِيءُ القَاتِلُ فَيَقُولُ: في هَذَا
قوله: (هذا حديث حسن). وأخرجه أحمد، ومسلم(١).
١٠٠ - قوله: (وهذا أصح من الحديث الأول)؛ لأن خالد بن الحارث أوثق من ابن
أبي عدي.
٣٦ - بابٌ مِنْهُ
[٢٢٠٨] قوله: (تقيء الأرض) مضارع من القيء؛ أي: تلقي الأرض. (أفلاذ كبدها)
قال القاري: بفتح الهمزة؛ جمع: الفلذة؛ وهي: القطعةُ المقطوعةُ طولًا، وسمي ما في
الأرض كبدًا؛ تشبيهًا بالكبد التي في بطن البعير؛ لأنها أحب ما هو مخبأ فيها؛ كما أن الكبد
أطيب ما في بطن الجزور، وأحبه إلى العرب. وإنما قلنا: في بطن البعير؛ لأن ابن الأعرابي
قال: الفلذة لا تكون إلا للبعير. فالمعنى: تظهر كنوزها، وتخرجها من بطونها إلى ظهورها .
انتهى. (أمثال الأسطوان) بضم الهمزة، والطاء.
وقوله: (من الذهب والفضة)؛ لبيان مجمل الحال.
قال القاضي رحمه الله: معناه: أن الأرض تلقي من بَطْنِهَا ما فيه من الكنوزِ، وقيل: ما
رسخ فيها من العروق المعدنية، ويدلُّ عليه قوله: ((أمثال الأسطوانة)). وشبهها بأفلاذ الكباد؛
هيئةً وَشَكْلًا؛ فإنها قطع الكبد المقطوعة طولًا (قطعت يدي)، بصيغة المجهول، (ويجيء
القاتل)، أي: قاتل النفس، (في هذا) أي: في طلب هذا الغرض ولأجل تحصيل هذا
(١) تقدم ذكر أحمد، وأخرجه مسلم، كتاب الإيمان. حديث (١٤٨).

٤٥٧
كتاب الفتن عن رسول الله وَل﴿و / بابٌ مِنْهُ
قَتَلْتُ، ويَجِيءُ القَاطِعُ فَيَقُولُ: في هَذَا قَطَعْتُ رَحِمِي، ثُمَّ يَدَعُونَهُ فَلا يَأْخُذُونَ مِنْهُ
شَيْئًا)). [م: ١٠١٣].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ، لا نعرفُه إلَّا من هذا الوَجْهِ.
٣٧- بابٌ مِنْهُ [ت ٣٧، م ٣٧]
[٢٢٠٩] (٢٢٠٩) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عبدُ العَزِيزِ بْنُ محمَّدٍ، عَن
عَمْرِو بْنِ أبي عَمْرٍو، قال: وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، أْبَرَنَا إسماعيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَن
عَمْرِو بْنِ أبي عَمْرٍو، عَن عبدِ الله - وَهُو ابنُ عبدِ الرحمنِ - الأَنْصَارِيُّ الأَشْهَلِيُّ، عَن
خُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكُونَ أَسْعَدَ
النَّاسِ بالدُّنْيَا لُكَعُ بنُ لُكَعٍ)). [حم: ٢٢٧٩٢].
المقصود (قتلت) أي: من قتلت من الأنفس. (ويجيء القاطع) أي: قاطع الرحم. (ثم
يدعونه) بفتح الدال؛ أي: يتركون ما قاءته الأرض من الكنز، أو الْمَعْدِنِ.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح غريب). وأخرجه مسلم.
٣٧ - بَابٌ مِنْهُ
[٢٢٠٩] قوله: (عن عمرو بن أبي عمرو) اسمه: ميسرة، مولى المطلب، المدني،
أبو عثمان، ثقة، ربما وهم، من الخامسة.
قوله: (حتى يكون أسعد الناس) بنصب ((أسعد))، ويرفع؛ أي: أكثرهم مالًا، وأطيبهم
عيشًا، وأرفعهم منصبًا، وأنفذهم حكمًا (بالدنيا) أي: بأمورها، أو فيها. (لكع بن لكع) بضم
اللام، وفتح الكاف، غير مصروف، أي: لئيم بن لئيم؛ أي: رديء النَّسَبِ، دنيء الْحَسَبِ،
وقيل: أراد به من لا يُعرف له أصلٌ، ولا يحمد له خلق، قاله القاري.
وقال في ((النهاية)): اللكع عند العرب: العبد. ثم استعمل في الْحُمْقِ وَالذَّمِّ. يقال
للرجل: لكع. وللمرأة: لكاع، وقد لَكِعَ الرجل يَلْكُعُ لَكْعًا؛ فهو أَلْكَعُ. وأكثر ما يقع في
النداء، وهو: اللئيم. وقيل: الْوَسِخُ، وقد يُطلق على الصغير. ومنه الحديث: ((إِنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ
جَاءَ يَطْلُبُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ قَالَ: أَثَمَّ لُكَعُ؟)) فإن أُطلق على الكبير أريد به الصغير العلم
والعقل. ومنه حديث الحسن قال الرجل: ((يَا لُكَعُ)). يريد: يا صغيرًا في العلم والعقل. انتهى.

٤٥٨
كتاب الفتن عن رسول الله وَالَ / باب مَا جَاء في عَلامَةِ حلُولِ المَسْخِ والخَسْفِ
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ، إنَّمَا نَعْرِفُه من حديثٍ عَمْرِو بْنِ
أبي عَمْرِو.
٣٨- باب مَا جَاء في عَلامَةِ حلُولِ المَسْخِ والخَسْفِ [ت ٣٨، م ٣٨]
[٢٢١٠] (٢٢١٠) حَدَّثَنَا صَالحُ بْنُ عبدِ الله التِّرمِذِي، حَدَّثَنَا الفَرَجُ بْنُ فَضَالَةَ -
أبو فضالة الشَّامِيُّ -، عَن يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَن محمَّدِ بْنِ عمر بْنِ عَلِيٍّ، عَن عَلِيٍّ بْنِ
أبِي طَالِبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إذَا فَعَلَتْ أُمَّتِي خَمْسَ عَشْرَةَ خَصْلَةً حَلَّ بِهَا
البَلَاءُ))، فَقِيلَ: وَمَا هُنَّ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: ((إِذَا كَانَ المَغْنَمُ دُوَلًا،
وحذف ألف ((ابن)) لإجراء اللفظين مجرى عَلَمَيْنِ لشخصين خسيسين لئيمين.
قال ابن الملك رحمه الله: في بعض النسخ؛ يعني من ((المشكاة)) بنصب ((أسعد)) على أنه
خبر ((يكون))، وفي بعضها برفعه؛ على أن الضمير في ((يكون)) للشَّأنِ. والجملة بعده تفسير
للضمير المذكور. انتهى. ولا يجوز أن يكون ((أسعد)) اسمًا و((لكع)) بنصب على الخبرية؛
لفساد المعنى؛ كما لا يخفى.
قوله: (هذا حديث حسن) وأخرجه أحمد، والبيهقي في ((دلائل النبوة))، والضياء
المقدسي(١) .
٣٨ - بابُ مَا جَاءَ في عَلامَةِ حُلُولِ الْمَسْخِ وَالْخَسْفِ
[٢٢١٠] قوله: (حدثنا الفرج أبو فضالة الشامي) التنوخي، ضعيف، من الثامنة. (عن
محمد بن عمر بن علي) قال في ((التقريب)): محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، صدوق،
من السادسة، وروايته عن جده مرسلة.
قوله: (خصلة) بالفتح؛ أي: خلة، (حل) أي: نزل، أو وجب (إذا كان المغنم)، أي:
الغنيمة. (دُوَلًا) بكسر الدال، وفتح الواو، ويضم أوله جمع: دولة؛ بالضم، والفتح؛ وهو:
ما يتداول من المال؛ فيكون لقوم دون قوم.
قال التوربشتي: أي: إذا كان الأغنياءُ، وأصحابُ المناصب يَسْتَأْثِرُونَ بحقوق الفقراء،
أو يكون المراد منه؛ أن أموال الفيء تؤخذ غلبة وأثرة، صنيع أهل الجاهلية، وذوي
(١) البيهقي في ((الدلائل (٢٦٨٢)))، وأخرجه الضياء المقدسي في ((المختارة)) (٢٧٢٧) من حديث أنس.

٤٥٩
كتاب الفتن عن رسول الله وَاه / باب مَا جَاء في عَلامَةِ حلُولِ المَسْخِ والخَسْفِ
وَالأَمَانَةُ مَغْنَمًا، وَالزكَاةُ مَغْرَمًا، وَأَطَاعَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ وَعَقَّ أُمَّهُ، وَبَرَّ صَدِيقَة وَجَفَا
أَبَاهُ، وَارْتَفَعَتِ الأصْوَاتُ فِي المَساجدِ، وكانَ زَعِيمُ القَوْمِ أرْذَلَهُمْ، وَأُكْرِمَ الرَّجُلُ
مَخَافَةَ شَرِّهِ، وَشُرِبَتِ الخُمُورُ وَلُبِسَ الحَرِيرُ، وَاتَّخِذَتِ القَيْنَاتُ وَالمَعَازِفُ، وَلَعَنَ
آخِرُ هَذِهِ الأُمَّةِ أوَّلَهَا،
العدوان. (والأمانة مغنمًا)، أي: بأن يذهب الناس بودائع بعضهم وأماناتهم؛ فيتخذونها
كالمغانم يغنمونها .
(والزكاة مغرمًا) أي: بأن يشق عليهم أداؤها؛ بحيث يَعُدُّونَ إخراجها غرامة. (وأطاع
الرجل زوجته)، أي: فيما تأمره، وتهواه؛ مخالفًا لأمر الله. (وعق أمه) أي: خالفها؛ فيما
تأمره وتنهاه (وبر صديقه)، أي: أحسن إليه، وأدناه وحباه. (وجفا أباه) أي: أبعده وأقصاه.
وفي حديث أبي هريرة الآتي: ((وَأَدْنَى صَدِيقَهُ، وَأَقْصَى أَبَاهُ)). قال ابن الملك: خص عقوق
الأم بالذكر؛ وإن كان عقوق كل واحد من الأبوين معدودًا من الكبائر؛ لتأكد حقها؛ أو لكون
قوله: ((وَأَقْصَى أَبَاهُ)) بمنزلة وعق أباه؛ فيكون عقوقهما مذكورًا. (وارتفعت الأصوات)، أي:
علت أصواتُ الناس. (في المساجد) بنحو الخصومات والمبايعات، واللهو واللعب.
قال القاري: وهذا مما كَثُرَ في هذا الزمان، وقد نَصَّ بعضُ علمائنا؛ يعني: العلماء
الحنفية؛ بأن رفع الصوت في المسجد، ولو بالذكر حرام. انتهى. (وكان زعيم القوم) أي:
المتكفِّل بأمرهم. قال في ((القاموس)): الزعيم الكفيلُ، وسيد القوم، ورئيسهم، والمتكلم
عنهم. انتهى. (أرذلهم) في ((القاموس)): الرَّذْلُ والرُّذَال، والرَّذِيل، والأَرْذَل: الدُّونُ
الْخَسِيسُ، أو الرديءُ من كُلِّ شيء. (وأكرم الرجل) بالبناء للمفعول؛ أي عَّمَ النَّاسُ الإنسان
(مخافة شره) أي: خشية من تَعَدِّي شره إليهم. (وشربت) بصيغة المجهول (الخمور)
جميعها؛ لاختلاف أنواعها؛ إذ كُلُّ مُسْكِر خَمْرٌ؛ أي: أكثر الناس من شُرْبِهَا، أو تجاهروا
به. (ولبس الحرير) أي لبسه الرجال؛ بلا ضرورة (واتخذت القيان) أي: الإماء المغنيات
جمع: القينة (والمعازف) بفتح الميم، وكسر الزاي؛ وهي: الدُّغُوفُ، وغيرها مما يضرب؛
كذا في ((النهاية)). وقال في ((القاموس)): المعازفُ: الملاهي؛ كالعود، والطنبور: الواحد:
عزف، أو معزف؛ كمنبر، ومكنسة. انتهى.
(ولعن آخر هذه الأمة أولها) أي: اشتغل الخلف بالطّعن في السَّلف الصالحين، والأئمة
المهدیین .

٤٦٠
كتاب الفتن عن رسول الله و ◌َجه / باب مَا جَاء في عَلامَةِ حُلُولِ المَسْخِ والخَسْفِ
فَلْيَرْتَقِبُوا عِنْدَ ذَلِكَ رِيحًا حَمْرَاء، أوْ خَسْفًا ومَسْخًا)). [ضعيف].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ غريبٌ، لَا نَعْرِفُهُ مِن حَدِيثٍ عَلِيٍّ بْنِ أبي طالبٍ إلَّا
مِن هَذَا الوَجْهِ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا رواه عَن يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ الأنْصَارِيِّ غَيْرَ الفَرَجِ بْنِ
فَضَالَةً .
والفَرَجُ بْنُ فَضالَةَ قَدْ تَكلّمَ فِيهِ بَعْضُ أهْلِ الحَديثِ، وَضَعَّفَهُ مِن قِبَلِ حِفْظِهِ، وَقَدْ
رَوَاهُ عَنْهُ وَكِيعٌ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الأَئِمةِ.
قال الطيبي: أي طعن الخلف في السلف، وذكروهم بالسوء، ولم يقتدوا بهم في
الأعمال الصالحة؛ فكأنه لعنهم.
قال القاري: إذا كانت الحقيقةُ متحققةٌ؛ فما المحوجُ إلى العدولِ عنها إلى المعنى
المجازي؟ وقد كثرت كثرة لا تَخْفَى في العالم. قال: وقد ظهرت طائفة لاعنة ملعونة؛ إما
كافرة، أو مجنونة؛ حيث لم يكتفوا باللعن، والطعن في حَقِّهِم، بل نَسَبُوهُمْ إلى الكفر،
بمجرد أوهامهم الفاسدة، وأفهامهم الكاسدة. من: أن أبا بكر، وعمر، وعثمان رضي الله
تعالى عنهم أخذوا الخلافة؛ وهي حَقُّ عليٍّ بغير حَقِّ .
والحال أن هذا: باطل بالإجماع سلفًا وخلفًا، ولا اعتبار بإنكار المنكرين. وأيّ دليل
لهم من الكتاب والسنة يكون نصًّا على خلافة علي؟ انتهى. (فليرتقبوا) جواب ((إذا)) أي:
فلينتظروا. (عند ذلك) أي: عند وجود ما ذكر. (ريحًا حمراء)، أي: حدوث هبوب ريح
حمراء. (وخسفًا) أي: ذهابًا في الأرض، وغورًا بهم فيها. (أو مسخًا) أي: قلب خِلْقَةٍ من
صورة إلى أخرى.
قوله: (وقد تكلم فيه بعضُ أهل الحديث، وضعفه من قبل حفظه). قال الحافظ في
((تهذيب التهذيب)) في ترجمته: قال أبو داود عن أحمد: إذا حدث عن شاميين؛ فليس به
بأس، ولكنه حدث عن يحيى بن سعيد مناكير، وقال أيضًا عنه: يحدث عن ثقات أحاديث
مناکیر. انتهى.
قلت: وفي الحديث انقطاع؛ لأن رواية محمد بن عمر بن علي، عن جده علي مرسلة؛
كما عرفت.