Indexed OCR Text
Pages 401-420
٤٠١ كتاب الفتن عن رسول الله ◌ِيَ / باب ما جاء في سُؤَالِ النَّبِيِّ مَ ثَلَاثًا في أُمَّتِهِ [٢١٧٦] (٢١٧٦) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَن أيُّوبَ، عَن أبي قِلَابَةَ، عَن أبي أسْمَاء الرَّحْبِيِّ، عَن ثَوْبَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َِّ: ((إنَّ الله زَوَى لِي الأرْضَ، فَرَأيْتُ مَشَارِقَها وَمَغَارِبَهَا، وإنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا، وَأُعْطِيتُ الكَنْزَيْنِ الأَحْمَرَ والأبيض، وَإِنِّي سَألْتُ رَبِّيَ لأُمَّتِي أنْ لا يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ عَامَّةٍ، وَأَلَّا يُسَلِّطَ عَلَيْهِم عَدُوًّا مِن سِوَى أنْفُسِهِمْ فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ، وإِنَّ رَبِّيَ قَالَ: يا مُحَمَّدُ، إنِّي ثقة من الثالثة، (عن ثوبان) الهاشمي، مولى النبي ◌َّل، صحبه ولازمه، ونزل بعده الشام، ومات بـ ((حمص)). [٢١٧٦] قوله: (إن الله زوى لي الأرض)، أي: جمعها لأجلي، قال التوربشتي: زَوَيْتُ الشَّيْءَ جَمَعْتُهُ وَقَبَضْتُهُ، يريد به: تقريب البعيد منها، حتى اطلع عليه اطلاعه على القريب منها، (فرأيت مشارقها ومغاربها) أي: جميعها، (وإن أمتي سيبلغ ملكُها ما زوي لي منها). قال الخطابي: توهم بعضُ الناس أنَّ ((من)) فِي ((مِنْها)) للتبعيض، وليس ذلك كما توهمه، بل هي: للتفصيل للجملة المتقدمة، والتفصيل لا يناقض الجملة، ومعناه: أن الأرض زُويتْ لِي جُمْلَتُهَا مرة واحدة، فرأيت مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، ثم هي تُفْتَحُ لأمتي جزءًا فجزءًا، حتى يَصِلَ ملكُ أمتي إلى كُلِّ أجزائها . قال القاري: ولعل وجه من قال بالتبعيض هو: أَنَّ ملكَ هذه الأمة مَا بَلَغَ جميع الأرض، فالمراد بالأرض: أرضُ الإسلام، وأن ضمير ((منها)): رَاجِعٌ إليها على سبيل الاستخدام، (وأعطيت الكنزين: الأحمر، والأبيض)، بدلان مما قبلهما، أي: كنز الذَّهب والفضة، قال التوربشتي: يريد بـ((الأحمر والأبيض)): خزائن كسرى، وقيصر، وذلك: أن الغالبَ على نقود ممالك كسرى الدنانير، والغالب على نقود ممالك قيصر الدراهم، (بسنة عامة)، أي: بِقَحْطٍ شَائِعٍ لجميع بلاد المسلمين، قال الطيبي: السَّنَةُ: القَحْطُ، والجدبُ، وهي من الأسماء الغالبة، (وألَّا يسلط عليهم عدوًّا)، وهم: الكفار. وقوله: (من سوى أنفسهم) صفة: ((عدوًّا))، أي: كائنًا من سوى أنفسهم، (فيستبيح)، أي: العدو، وهو مما يستوي فيه الجمع والمفرد، أي: يستأصل، (بيضتهم). قال الجزري في ((النهاية)): أي: مُجْتَمَعَهُمْ وَمَوْضِعَ سُلْطَانِهِمْ، وَمُسْتَقَرَّ دَعْوَتِهِمْ، وَبَيضةُ الدَّار: وَسَطُهَا وَمُعْظَمُهَا، أراد: عدوًّا يستأصلهم، ويهلكهم جميعهم، قيل: أراد إذا أهلك أصل البيضة؛ كان هلاكُ كُلِّ ما فيها من ٤٠٢ كتاب الفتن عن رسول الله رََّ / باب ما جاء في سُؤَالِ النَّبِّ وََّ ثَلَاثًا في أُمَّتِهِ إذا قَضَيْتُ قَضَاءً، فَإِنَّهُ لا يُرَدُّ، وإِنِّي أعْطَيْئُكَ لأُمَّتِكَ أنْ لا أُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ عَامَّةٍ، وأَلَّا أُسَلِّطَ عَلَيْهِم عَدُوًّا من سِوَى أنْفُسِهِمْ، فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ، وَلَوِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِم مَن بِأَقْطَارِهَا - أوْ قَالَ: مِن بَيْنِ أَقْطَارِهَا - حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا وَيَسْبِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا)). [م: ٢٨٨٩، د: ٤٢٥٢، جه: ٣٩٥٢، حم: ٢١٨٨٨]. طَعْمٍ أو فَرْخِ، وإذا لم يهلك أصل البيضة رُبَّما سَلِمَ بعضُ فراخها، وقيل: أراد بالبيضة الخوذة، فكأنه شبه مكان اجتماعهم والتآمهم ببيضة الحديد. انتهى ما في ((النهاية)). (إذا قضيت قضاء) أي: حكمت حكمًا مبرمًا، (فإنه لا يرد)، أي: بشيء؛ لخلاف الحكم المعلق بشرط وجود شيء أو عدمه، (وإني أعطيتك)، أي: عهدي وميثاقي، (لأمتك)، أي: لأجل أمة إجابتك، (ألا أهلكهم بسنة عامة)، أي: بحيث يعمهم القحط، ويهلكهم بالكلية، قال الطيبي: اللامُ في (الأُمَّتِكَ) هي التي في قوله سابقًا: ((سَأَلْتُ رَبِّي لأُمَّتِي))، أي: أَعْطَيْتُ سُؤَالَكَ لِدُعَائِكَ لِأُمَّتِكَ، والكافُ هو المفعولُ الأول، وقوله: ((ألَّا أهلكهم)) المفعول الثاني؛ كما هو في قوله: ((سَأَلْتُ رَبِّي أَلَّا يُهْلِكهَا)) هو المفعول الثاني، (ولو اجتمع عليهم من)، أي: الذين هم، (بأقطارها)، أي: بأطرافها - جمع قطر - وهو الجانبُ والناحيةُ، والمعنى: فَلا يَسْتَبِيحَ عَدُوٌّ مِنَ الْكُفَّارِ بَيْضَتَهُمْ، ولو اجتمع على مُحَارَبَتِهِمْ من أطراف بَيْضَتِهِمْ، وجواب (لو)) ما يدل عليه قوله: ((وألا أُسَلِّطَ))، (أو قال: من بين أقطارها) ((أو)): للشك من الراوي، ((ويسبي)) كـ((يرمي)) - بالرفع - عطف على ((يهلك))، أي: ويأسر (بعضهم) بوضع الظاهر موضع المضمر، (بعضًا)، أي: بعضًا آخر، قال الطيبي: حَتَّى بمعنى ((كَيْ)) أي: لِكَيْ يَكُونَ بَعْضُ أُمَّتِكَ يُهْلِكُ بَعْضًا، فقوله: (إِنِّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَلا يُرَدُّ) توطئة لهذا المعنى، ويدلُّ عليه: حديث خباب بن الأرت - يعني: حديثه المذكور في هذا الباب - قال المظهر: اعلم: أن الله تعالى في خَلْقِهِ قضاءين: مُبْرَمًا، وَمُعَلَّقًا بِفعْلٍ، كما قال: إن فَعَلَ الشيءَ الفلاني كان كذا وكذا، وإن لم يفعله، فلا يكون كذا وكذا، من قبيل ما يتطرق إليه المحو والإثبات، كما قال تعالى في مُحْكَمٍ كِتَابِهِ: ﴿يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُتْبِتٌ﴾ [الرعد: ٣٩]. وأما القضاء المُبْرَمُ فهو عبارةٌ عما قَدَّرَهُ سبحانه في الأَزَلِ، من غير أن يعلِّقه بِفِعْلٍ، فهو في الوقوع نافذ غاية النفاذ، بحيث لا يتغير بحال، ولا يتوقف على المقضى عليه، ولا المقضي له، لأنه من علمه بما كان وما يكون، وخلاف معلومه مستحيل قطعًا، وهذا من قبيل ما لا يتطرق إليه المحو والإثبات، قال تعالى: ﴿لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ﴾ [الرعد: ٤١] وقال النبي عليه السلام: ((لا مَرَدَّ لِقَضَائِهِ، وَلا مَرَدَّ لِحُكْمِهِ))، فقوله وََّ: ((إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَلا يُرَدُّ) من ٤٠٣ كتاب الفتن عن رسول الله وَلَه / باب مَا جَاء كيف يَكُونُ الرَّجُلُ في الفِتْنَةِ قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. ١٥ - باب مَا جَاء كيف يَكُونُ الرَّجُلُ في الفِتْنَةِ [ت ١٥، م ١٥] [٢١٧٧] (٢١٧٧) حَدَّثَنَا عِمْرانُ بْنُ مُوسَى القَزَّازُ البَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا عبدُ الوارِثِ بْنُ سعيدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جُحَادَةَ، عَن رَجُلٍ، عَن طَاوسٍ، عَن أَمِّ مَالِكِ البَهْزِيَّةِ، قَالَت: ذَكَرَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ فِتْنَةً، فَقَرَّبَهَا قَالَت: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، مَن خَيْرُ النَّاسِ فِيهَا؟ قَالَ: ((رَجُلٌ فِي مَاشِيتِهِ يُؤَدِّي حَقَّهَا وَيَعْبُدُ رَبَّهُ، وَرَجُلٌ آَخِذٌ بِرَأْسِ فَرَسِهِ يُخِيفُ العَدُوَّ ويُخِيفُونَهُ)). [حم: ٢٦٨٠٧] القبيل الثاني، ولذلك لم يجب إليه، وفيه: أن الأنبياء مُسْتَجَابو الدعوة، إلا في مثل هذا. قوله: (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه مسلم. ١٥ - بابُ مَا جَاءَ كَيْفَ يَكُونُ الرَّجُلُ في الْفِتْنَةِ؟ [٢١٧٧] قوله: (حدثنا عمران بن موسى) بن حبان، (القزاز)، الليثي أَبوَ عمرو، (البصري) صدوق، من العاشرة، (أخبرنا عبد الوارث بن سعيد) بن ذكوان العنبري، مولاهم أبو عبيدة التنوري البصري، ثقة، ثبت، رُمِيَ بِالْقَدَرِ، ولم يثبت عنه، من الثامنة، (عن أم مالك البهزية)، صحابية لها حديث الباب، كما في ((تهذيب التهذيب)). قوله: (ذكر رسول الله وَّ﴿ فتنة فقربها) - بتشديد الراء - أي: فَعَدَّهَا قريبة الوقوع، قال الأشرف: معناه: وصفها للصحابة وصفًا بليغًا؛ فإن من وصف عند أحد وصفًا بليغًا، فكأنه قرب ذلك الشيء إليه، (قال: رجل في ماشيته)، أي: من الغنم ونحوها، قال في ((المجمع)): الماشية: تقع على الإبل، والبقر، والغنم، والأخير أكثر، (يؤدي حقها)، أي: من زكاة، وغيرها . (ورجل آخذ) - الصيغة: اسم الفاعل - أي: ماسك، (يخيف العدو)، من الإخافة، بمعنى: التخويف، أي: يرتبط في بعض ثُغُورِ المسلمين، يُخَوِّفُ الْكُفَّارَ ويخوفونه، قال المظهر: يعني: رجل هَرَبَ من الفِتَن، وقتال المسلمين، وَقَصَد الْكُفَّارَ يحاربهم ويحاربونه، يعني: فيبقى سالمًا من الفتنة، وغانمًا للأجر والمثوبة. ٤٠٤ كتاب الفتن عن رسول الله (َاو / باب قَالَ أَبُو عِيْسَى: وفي البابِ: عَن أَمِّ مُبَشِّرٍ، وأبي سعيدِ الخُدريّ، وابن عبّاسٍ، وهذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ من هذا الوَجْهِ، وقد رَوَاهُ الليثُ بْنُ أبي سُلَيْمٍ، عَن وَال. طَاؤُوسٍ، عَن أُمِّ مَالِكِ البَهْزِيَّةِ، عَنِ النَّبِيِّ ١٦ - باب [ت ١٦، م ١٦] [٢١٧٨] (٢١٧٨) حَدَّثَنَا عبدُ الله بْنُ مُعَاوِيَةَ الجُمَحِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَن لَيْثٍ عَن طَاؤُوسٍ، عَن زِيَادِ بْنِ سِيمينَ كُوشَ، عَن عبدِ الله بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَالَ: قوله: (وفي الباب عن أم مبشر، وأبي سعيد الخدري، وابن عباس) أما حديث أم مبشر - وهي الأنصارية -: فأخرجه ابن أبي الدنيا، والطبراني(١)؛ كذا في ((الترغيب))؛ وأما حديث أبي سعيد الخدري: فأخرجه البخاري(٢) عنه مرفوعًا: ((يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ: غَنَمْ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ، وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ، يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ))، وأما حديث ابن عباس: فأخرجه الترمذي (٣) في باب: أَيُّ النَّاس خير، من أبواب فضائل الجهاد. قوله: (هذا حديث غريب)، وأخرجه أحمد. ١٦ - بابٌ [٢١٧٨] قوله: (عن الليث)، هو: ابن أبي سليم، (عن زياد بن سيمين كوش) قال في ((التقريب)): زياد بن سليم العبدي مولاهم، أبو أمامة المعروف بـ ((الأعجم)) الشّاعر، مقبول، من الثالثة، وقال في ((تهذيب التهذيب : - في ترجمته -: وهو زياد. سيمين كوش، مولى عبد القيس، روى عن عبد الله بن عمرو بن العاص وغيره، وعنه طاوس وغيره، روى له الثلاثة حديثًا واحدًا في ((الفتن))، وسيمين كوش - بكسر المهملة، والميم بينهما مثناة من تحت، وبعد الميم أخرى، ثم نون ساكنة وكاف مضمومة، وواو ساكنة ثم معجمة - ثم قيل: هو اسم والده، وقيل: بل لقبه. انتهى. (١) الطبراني في ((المعجم الكبير)) (١٠٤/٢٥) (٢٧١). (٢) البخاري، كتاب بدء الخلق. حديث (٣٣٠٠). (٣) الترمذي، كتاب فضائل الجهاد عن رسول الله. حديث (١٦٥٢). ٤٠٥ كتاب الفتن عن رسول الله (مَاد / باب ((تَكُونُ فِتْنَةٌ تَسْتَنْظِفُ العَرَبَ، قَتْلَاهَا في النَّارِ، اللِّسَانُ فِيهَا أشَدُّ مِنَ السَّيْفِ)). [ضعيف، ليث، ترك لضعفه، وزياد، لم يوثقه غير ابن حبان د: ٤٢٦٥، جه: ٣٩٦٧]. قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ، سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إسماعيلَ يَقُولُ: لا يُعْرَفُ لِزِيَادِ بْنِ سِيمِينَ كُوشَ غيرِ هذا الحديثِ، وَرَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَن لَيْثٍ، فَرَفَعَهُ، وَرَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَن لَيْثٍ فَأَوْقَفَهُ. قوله: (تكون فتنة تستنظف العرب)، أي: تستوعبهم هَلاكًا، يقال: اسْتَنْظَفْتُ الشَّيْءَ: إذا أخذته كُلَّهُ، ومنه قولهم: اسْتَنْظَفْتُ الْخَرَاجَ، ولا يقال: نظفته؛ كذا في ((النهاية))، قال القاري: وقيل: أي: تطهرهم من الأَرْذَالِ، وَأَهْلِ الْفِتَنِ، (قتلاها) جمع قتيل، بمعنى: مقتول، مبتدأ خبره قوله: (في النار)، أي: سَيَكُونُونَ في النَّارِ أو: هُمْ حِينئذ في النار، لأنهم يباشرون ما يُوجِبُ دخولهم في النار، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِى نَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣]. قال القاضي رحمه الله المرادُ بـ((قتلاها)): من قُتل في تلك الفتنة، وإنما هم من أهل النار؛ لأنهم مَا قَصَدُوا بِتِلْكَ الْمُقَاتَّلَة والخروج إليها إِعْلَاءَ دِينٍ، أَوْ دَفْعَ ظَالِمٍ، أو إِعَانَةً مُحِق وإنما كان قصدهم: التَّبَاغِي وَالتَّشَاجُر؛ طمعًا في المال والملك، (اللسانَ فيها) أي: وقعه وطعنه، على تقدير مضاف، ويدل عليه: رواية: ((إشرافُ اللِّسَانِ))، أي: إطلاقُهُ وإطالته، (أشد من السيف)، أي: وقع السيف، كما في رواية؛ لأن السيف إذا ضرب به أَثَّرَ في واحد، واللسان تضرب به في تلك الحالة ألف نسمة. قوله: (هذا حديث غريب)، وأخرجه أبو داود في ((باب كف اللسان)) من كتاب الفتن، والنسائي، وابن ماجه، (سمعت محمد بن إسماعيل يقول: لا نعرف لزياد بن سيمين كوش غير هذا الحديث ... إلخ)، قال المنذري: وذكر البخاري في ((تاريخه)): أن حماد بن سلمة رواه عن ليث ورفعه، ورواه حماد بن زيد وغيره عن عبد الله بن عمرو، وقوله: قال: وهذا أصح من الأول، وهكذا قال: فيه زياد بن سيمين كوش، وقال غيره: زياد سیمین کوش، واستشهد به البخاري، وكان من العباد، ولکنه اختلط في آخر عُمُرِهِ، حتی کان لا يدري ما يحدث به، وتكلَّم فيه غيرُ واحدٍ. انتهى كلامُ المنذري. ٤٠٦ كتاب الفتن عن رسول الله وَ ل﴿ / باب مَا جَاء في رَفْعِ الأمَانَةِ ١٧- باب مَا جَاء في رَفْعِ الأَمَانَةِ [ت ١٧، م ١٧] [٢١٧٩] (٢١٧٩) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا أبو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأعْمَشِ، عَن زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَن حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِوَيَ حَدِيثَيْنِ قَدْ رَأيْتُ أحَدَهُمَا وَأنَا أَنْتَظِرُ الآخَرَ، حَدَّثَنَا: أنَّ الأمَانَةَ نَزَلَتْ في جذْرٍ قُلُوبِ الرِّجَالِ، ثُمَّ نَزَلَ القُرْآنُ فَعَلِمُوا من القرآن وعلموا مِنَ السُّنَّةِ، ثُمَّ حَدَّثَنَا عَن رَفْع الأمَانَةِ، فَقَالَ: ((يَنَامُ الرَّجُلُ ١٧ - بابُ مَا جَاءَ في رَفْعِ الأَمَانَةِ [٢١٧٩] قوله: (حدثنا رسول الله وَ ﴿ل حديثين)، أي: في أمر الأمانة الحادثة في زمن الفتنة، قال النووي رحمه الله: الأول: حدثنا أن الأمانة نزلت ... إلى آخره، والثاني: حدثنا عن رفعها، قد رأيت أحدهما، وهو نزولُ الأمانة، (وأنا أنتظر الآخر)، وهو رفع الأمانة، (حدثنا)، وهو الحديث الأول، (أن الأمانة) المذكورة في قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ [الأحزاب: ٧٢] وهي: عينُ الإيمان، أو: كل ما يخفي، ولا يعلمه إلا الله من المكلف، أو المراد بها التكليف الذي كلف الله تعالى به عباده، أو: العهد الذي أخذه عليهم. (نزلت في جذر قلوب الرجال) - بفتح الجيم ويكسر، وسكون الذال المعجمة، بعدها راء - أي: في أصل قلوبهم، وجذر كل شيء أصلُه، أي: أن الأمانة أول ما نزلت في قلوب الرجال واستولت عليها، فكانت هي الباعثة على الأخذ بالكتاب والسُّنة، وهذا هو المعنى بقوله: (ثم نزل القرآن فعلموا)، أي: بنور الإيمان، (من القرآن) أي: مما يتلقون عنه وَليت، واجبًا كان أو نفلًا، حرامًا أو مباحًا، مأخوذًا من الكتاب أو الحديث، (وعلموا من السنة)، وفي رواية البخاري (١): ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ، بإعادة ((ثم))، وفيه: إشارة إلى أنهم كانوا يَتَعَلَّمُونَ القرآن قبل أن يتعلَّموا السنة. (ثم حدثنا)، وهو: الحديث الثاني، (عن رفع الأمانة) أي: عن ذهابها أصلًا، حتى لا يبقى من يوصف بالأمانة إلا النادر، ولا يعكر على ذلك ما ذكره في آخر الحديث، مما يدل على قلة من ينسب للأمانة؛ فإن ذلك بالنسبة إلى حال الأولين، فالذين أشار إليهم بقوله: ((مَا كُنْتُ أُبَايِعُ إِلَّا فُلانًا وَفُلانًا)) هم: من أهل العصر الأخير الذي أدركه، والأمانة فيهم بالنسبة إلى العصر الأوَّل أقل، وأما الذي ينتظره؛ فإنه حيث تفقد الأمانة من الجميع إلا النادر؛ كذا (١) البخاري، كتاب الرقاق. حديث (٦٤٩٧). ٤٠٧ كتاب الفتن عن رسول الله وَّ/ باب مَا جَاء في رَفْع الأمَانَةِ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الأمَانَةُ من قلبِهِ، فَيَظَلُّ أَثَرُهَا مِثْلَ الوَكْتِ، ثُمَّ يَنَامُ نَوْمَةً فَتُقْبَضُ الأمَانَةُ مِن قَلبِهِ، فَيَظَلُّ أَثَرُهَا مِثْلَ المَجْلِ كَجَمْرٍ دَخْرَجْتَهُ عَلَى رِجْلِكَ فَنَفِطَتْ فَتَرَاهُ مُنْتَبِرًا وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ))، ثُمَّ أخَذَ حَصَاةً فَدَحْرَجَهَا عَلَى رِجْلِهِ، في (الفتح))، (فيظل أثرها) - بفتحات فَتَشْدِيدٍ لام - أي: فيصير، وأصل ظل: ما عُمِلَ بالنهار، ثُمَّ أُظْلِقَ على كُلِّ وقتٍ، وهي هنا: على بابها؛ لأنه ذكر الحالة التي تكون بعد النوم، وهي غالبًا تَقَعُ عند الصُّبح. والمعنى: أن الأمانة تذهب؛ حتى لا يبقى إلا الأثر الموصوف في الحديث، (مثل الوكت)، وفي رواية البخاري(١): ((مِثْلَ أَثَرِ الوَكْتِ))، وهي - بفتح الواو، وسكون الكاف، بعدها مثناة فوقية -: الأثر في الشيء كالنقطة من غير لونه، يقال: وَكَتَ البُسْرُ: إِذا بَدَتْ فيه نقطة الإِرْطَابِ، (ثم ينام نومة) أي: أخرى، (فتقبض الأمانة) أي: ما بقي منها، من قلبه. (فيظل أثرها مثل أثر المجل) - بفتح الميم، وسكون الجيم، وقد تفتح، بعدها لام - هو: أثر العمل في الْكَفِّ، قال في ((الفائق): الفرق بين الوَكْتِ والمَجْلِ: أن الوكت: النقطة في الشيء من غير لونه، والمَجْلُ: غِلَظُ الجلد من العمل لا غير (كجمر) بالجيم المفتوحة، والميم الساكنة أي: تأثير كتأثير جمر، وقيل: أبدل من مثل أثر المجل، أي: يكون أثرها في القلب كأثر جمر، أو خبر مبتدأ محذوف، أي: هو - يعني أثر المجل - كجمر، (دحرجته) أي: قَلَبْتَهُ وَدَوَّرْتَهُ، (على رجلك فنفطت) - بكسر الفاء بعد النون المفتوحة - قال في ((القاموس)): نَفِظْتُ كَفَرِحْتُ نَفْظًا وَنَفَطًا ونفيطًا: فَرِحَتْ عملًا أو مَجِلَتْ، (فتراه منتبرًا) . بنون، ثم مثناة مفتوحة ثم موحدة مكسورة - أي: مُنْتَفِخًا، وتذكير الضمير؛ على إِرَادَةِ المَوضِعِ المُدَخْرَجِ عليه الجمر. قيل: المعنى: يخيلُ إليك أن الرجل ذو أمانة، وهو في ذلك بمثابة: نفطة تراها منتفطة مرتفعة كبيرة، لا طائل تحتها، (وليس فيه شيء)، أي: صالح، بل ماء فاسد، وفي ((شرح مسلم)): قال صاحب ((التحرير)): معنى الحديث: أن الأمانة تَزُولُ عَنِ الْقُلُوبِ شيئًا فشيئًا، فَإِذَا زَالَ أول جزء منها زَالَ نُورُهَا، وخلفته ظلمة كالوكت وهو اعتراض لونٍ مخالف للون الذي قبله، فإذا زال شيء آخر صار كالمَجْلِ، وهو أثر محكم لا يكاد يَزُولُ إِلَّا بعد مُدَّة، وهذه الظلمة فوق التي قبلها، ثم شَبَّه زوال ذلك النور بعد وقوعه في القلب، وخروجه بعد (١) البخاري، كتاب الفتن. حديث (٧٠٨٦). ٤٠٨ كتاب الفتن عن رسول الله ◌ِيّة / باب مَا جَاء في رَفْعِ الأمَانَةِ قَالَ: ((فَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ، لا يكادُ أحَدهم يُؤَدِّي الأمَانَةَ حَتَّى يُقَالَ: إنَّ في بَنِي فُلَانٍ رَجُلًاً أمِينًا، وَحَتَّى يُقَالَ لِلرَّجُلِ: مَا أجْلَدَهُ وَأَظْرَفَهُ وَأَعْقَلَهُ، وَمَا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ مِن إِيمَانٍ))، قَالَ: وَلَقَدْ أَتَى عَلَيَّ زَمَانٌ وَمَا أُبَالِي أَيُّكُمْ بَايَعْتُ فِيهِ، لئنْ كَانَ مُسْلِمًا لَيَرُدَنَّهُ عَلَيَّ دِينُهُ، وَلَئِنْ كَانَ يَهُودِيًا أوْ نَصْرَانِيًّا اسْتِقْرَارِهِ فيه، واعتقاب الظُلمة إياه، بجمر يُدَحْرِجُهُ عَلَى رِجْلِهِ حتى يؤثر فيها، ثم يزول الجَمْرُ ويبقى النفط. انتهى. (قال: فيصبح الناس) أي: يدخلون في الصباح، (يتبايعون) أي: السلع ونحوها؛ بأن يشتريها أحدهم من الآخر، (لا يكاد أحد يؤدي الأمانة)؛ لأن من كان موصوفًا بالأمانة، سلبها حتى صار خائنًا، (وحتى يقال للرجل) أي: من أَرْبَاب الدُّنْيَا، مِمَّنْ لَهُ عَقْلٌ فِي تَحْصِيل المَالِ وَالْجَاهِ، وَطَبْعٌ في الشِّعْرِ وَالنَّثْرِ، وفصاحة وبلاغة وصباحة، وقوة بدنية وشجاعة وشوكة، (ما أجلده) بالجيم، (وأظرفه) بالظاء المعجمة، (وأعقله) بالعين المهملة والقاف؛ تعجبًا من كماله، واستغرابًا من مقاله، واستبعادًا من جماله. وحاصلُه: أنهم يَمْدَحُونَهُ بِكَثْرَةِ العَقْلِ وَالَّرَافَةِ وَالْجَلَادَةِ، ويتعجَّبون منه، ولا يمدحون أحدًا بكثرة العلم النافع، والعمل الصالح، (وما في قلبه) حال من الرجل، أي: والحال أنه ليس في قلبه، (مثقال حبة)، أي: مقدار شيء قليل، (من خردل) ((من)) بيانية لـ ((حبة)) أي: هي خَرْدَلٌ، (من إيمان) أي: كائنًا منه، قال الطيبي: لعله إنما حملهم على تفسير الأمانة في قوله: ((إن الأمانة نزلت بالإيمان)) لقوله آخرًا: وما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، فَهَلَّا حملوها على حقيقتها؛ لقوله: وَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ، وَلا يَكَادُ أَحَدٌ يُؤَدِّي الأمانة، فيكون وضع الإيمان آخرًا موضعها؛ تفخيمًا لشأنها، وحَثًّا على أدائها، قال مِّ: ((لا دَيْنَ لِمَنْ لا أَمَانَةَ لَهُ)). قال القاري: إنما حملهم عليه ما ذكر آخرًا، وما صدر أولًا من قوله: (نَزَلَتْ فِي جِذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ))، فإن نزول الأمانة بمعنى الإيمان، هو المناسبُ لأصل قلوب المؤمنين، ثم يعلمون إيقانه وإيقانهم؛ بتتبع الكتاب والسنة. وأما الأمانة: فهي جُزْئيَّةٌ مِن كُلِّيَّةٍ مَا يَتَعَلَّقُّ بِالإِيمَانِ والقرآن. انتهى. (قال) أي: حذيفة - رَتُعنه. (ولقد أتى عليّ) بتشديد الياء (زمان) كنت أعلم فيه أن الأمانة موجودة في الناس (وما أبالي أيكم بايعت فيه) أي: بعت، أو اشتريت غير مبال بحاله (لئن) بفتح اللام، وكسر الهمزة (ليردنه علي) بتشديد التحتانية (دينه) بالرفع على الفاعلية؛ أي: فلا ٤٠٩ كتاب الفتن عن رسول الله وَّ / باب مَا جَاء لَتَرْكَبُنَّ سنَنَ مَن كَانَ قَبْلَكُم لَيَرُدَّنَّهُ عَلَيَّ سَاعِيهِ، فَأَمَّا اليَوْمَ فمَا كُنْتُ لأُبَايِعَ مِنْكُمْ إلَّا فُلَانًا وَفُلَانًا. [خ: ٦٤٩٧، م: ١٤٣، جه: ٤٠٥٣، حم: ٢٢٧٤٤]. قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. ١٨ - باب مَا جَاء لَتَرْكَبُنَّ سنَنَ مَن كَانَ قَبْلَكُم [ت ١٨، م ١٨] [٢١٨٠] (٢١٨٠) حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عبدِ الرحمنِ المخزُومِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَن الزُّهريِّ، عَن سِنَانِ بْنِ أبي سِنَانٍ، عَن يخونني؛ بل يحمله إسلامه على أَدَاءِ الأمانة؛ فأنا واثق بأمانته (ليردنه علي ساعيه) أي: الذي أقيم عليه؛ فهو يقوم بولايته، ويستخرج منه حقي. وقال في ((المجمع): أي: رئيسهم الذي يصدرون عن رأيه. وقيل: أي: الوالي الذي عليه أن ينصفني منه، وكل من ولي أمر قوم، فهو ساع عليهم؛ يعني: أن المسلمين كانوا مهتمين بالإسلام؛ فيحفظون بالصدق والأمانة، والملوك ذوو عَدْلٍ؛ فما كنت أبالي من أعامل إن كان مسلمًا رَدَّهُ إلى الخروج عن الحق عملُه بمقتضى الإسلام، وإن كان غير مسلم أنصفني منه عامله على الصَّدَقَةِ. انتهى. (فأما اليوم) فقد ذهبت الأمانة، وظهرت الخيانة؛ فلست أثق بأحد من بيع، ولا شراء. (فما كنت أبايع منكم إلا فلانًا وفلانًا) أي: أفرادًا من الناس قلائل ممن أثق بهم، فكان يثق بالمسلم لذاته، وبالكافر لوجود ساعيه؛ وهو الحاكم الذي يحكم عليه، وكانوا لا يستعملون في كُلِّ عمل، قل أو جل إلا المسلم؛ فكان واثقًا بإنصافه، وتخليصه حقه من الكافر إن خانه، بخلاف الوقت الأخير الذي أشار إليه؛ فإنه صار لا يبايع إلا أفرادًا من الناس يثق بهم. وفيه إشارة إلى أن حال الأمانة أَخَذَ في النقص من ذلك الزمان. وكانت وفاة حذيفة أول سنة ست وثلاثين بعد قتل عثمان بقليل؛ فأدرك بعض الزمن الذي وقع فيه التغير. وقال ابن العربي: قال حذيفة هذا القول؛ لما تغيرت الأحوالُ التي كان يعرفها على عهد النبوة والخليفتين؛ فأشار إلى ذلك بالمبايعة، وكنى عن الإيمان بالأمانة، وعما يخالف أحكامه بالخيانة. قوله: (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه الشيخان. ١٨ - بَابُ مَا جَاءَ لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ [٢١٨٠] قوله: (عن سنان بن أبي سنان) الديلي، المدني، ثقة، من الثالثة، (عن ٤١٠ كتاب الفتن عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاء لَتَرْكَبُنَّ سنَنَ مَن كَانَ قَبْلَكُم أبي وَاقِدِ اللَّيْئِيِّ: أنَّ رَسُوْلَ اللهِ وَّه لمّا خَرَجَ إِلَى حُنَينٍ مَرَّ بِشَجَرَةٍ لِلْمُشْرِكِينَ، يُقَالُ لَها: ذَاتُ أنْوَاطِ يُعَلِّقُونَ عَلَيْهَا أسْلِحَتَهُمْ، فقالوا: يَا رَسُولَ الله، اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطِ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أنْوَاطِ، فَقَالَ النبيُّ وَّهِ: ((سُبْحَانَ الله، هَذَا كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى: اجْعَلْ لَنَا إلهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ، وَالّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَتَرْكَبُنَّ سُنَّةَ مَن كَانَ قَبْلَكُمْ)). [حم: ٢١٣٩٠]. قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. أبي واقد الليثي) صحابي، قيل: اسمه: الحارث بن مالك، وقيل: ابن عوف، وقيل: عوف بن الحارث. قوله: (لما خرج) أي: عن ((مكة)) كما في رواية لأحمد (إلى حنين) كزبير: موضع بين ((الطائف)) و((مكة)) (يقال لها: ذات أنواط)، قال الجزري في ((النهاية)): هي اسمُ شجرة بعينها كانت للمشركين ينوطون بها سلاحهم؛ أي: يعلقونه بها، ويَعْكُفُونَ حولها؛ فسألوه أن يجعل لهم مثلها؛ فنهاهم عن ذلك، وأنواط: جمع نوط؛ وهو مصدر سمي به المنوط. انتهى. (سبحان الله) تنزيهًا وتعجبًا. (هذا) أي: هذا القول منكم (كما قال قوم موسى: اجعل لنا إلهًا؛ كما لهم آلهة) لكن لا يخفى ما بينهما من التفاوت المستفاد من التشبيه؛ حيث يكون المشبه به أقوى (لتركبن) بضم الموحدة؛ والمعنى: لتتبعن (سنة من كان قبلكم). وفي حديث أبي سعيد عند البخاري(١): (لَتَتْبَعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا شِبْرًا، وَذِرَاعًا ذِرَاعًا، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبِّ تبعْتُمُوهُمْ)) قُلْنَا: يَا رَسُولَ الله، الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى. قَالَ ((فَمَنْ؟))، ورواه الحاكم(٢)، عن ابن عباس، وفي آخره: ((وَحَتَّى لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ جَامَعَ امْرَأَتَّهُ فِي الطَّرِيقِ لَفَعَلْتُمُوهُ)) قال المناوي: إسناده صحيح، والسنة: لغة الطريقة، حسنة كانت أو سيئة، والمراد هنا: طريقة أهل الأهواء، والبدع التي ابتدعوها من تلقاء أنفسهم، بعد أنبيائهم من تغيير دينهم، وتحريف كتابهم؛ كما أتى على بني إسرائيل ((حذو النعل بالنعل)) وقال النووي: المراد: الموافقة في المعاصي والمخالفات، لا في الكفر، وفي هذا معجزة ظاهرة لرسول الله وَل فقد وقع ما أخبر به الله. انتهى. قوله: (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه أحمد(٣) في ((مسنده)). (١) البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة. حديث (٧٣٢٠). (٢) الحاكم. حديث (٨٤٠٤)، وصححه، ووافقه الذهبي. (٣) أحمد. حديث (٢١٣٩٠). ٤١١ كتاب الفتن عن رسول الله وَّ/ باب مَا جَاء في كَلامِ السِّبَاعِ وأبو وَاقِدِ الليْيُّ اسمُه: الحارثُ بْنُ عَوْفٍ، وفي البابِ: عَن أبي سَعِيدٍ، وأبي هُرَيْرَةَ. ١٩ - باب مَا جَاء في كَلامِ السِّبَاعِ [ت ١٩، م ١٩] [٢١٨١] (٢١٨١) حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيع، حَدَّثَنَا أبِي، عَن القَاسِمِ بْنِ الفَضْلِ، حَدَّثَنَا أبو نَضْرَةَ العَبْدِيُّ، عن أبي سعيدِ الخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَله: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُكَلِّمَ السِّبَاعُ الإنْسَ، وَحَتَّى تُكَلِّمَ الرَّجُلَ عَذَبَةُ سَوْطِهِ، وَشِرَاكُ نَعْلِهِ، وَتُخْبِرُهُ فَخِذُهُ بِمَا أَحْدَثَ أهْلُهُ من بَعْدِهِ)). [حم: ١١٣٨٣]. قَالَ أَبُو عِيْسَى: وفي البابِ: عَن أبي هُرَيْرَةَ، قوله: (وفي الباب عن أبي سعيد، وأبي هريرة). أما حديث أبي سعيد: فأخرجه الشيخان(١)، وقد تقدم لفظه. وأما حديث أبي هريرة، فأخرجه البخاري (٢) عنه مرفوعًا: ((لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَأْخُذَ أُمَّتِي بِأَخْذِ الْقُرُونِ قَبْلَهَا شِبْرًا بِشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ الله، كَفَارِس وَالرُّومِ؟ قَالَ: ((وَمَنِ النَّاسُ إِلَّ أُولَئِكَ؟)). ١٩ - بَابُ مَا جَاءَ في كَلامِ السِّبَاعِ جمع: السبع؛ وهو بضم الباء، وفتحها، وسكونها: المفترس من الحيوان. [٢١٨١] قوله: (حتى تكلم السباع) أي: سباع الوحش؛ كالأسد، أو سباع الطير؛ كالبازي، ولا منع من الجمع. (الإنس) أي: جنس الإنسان من المؤمن والكافر. (وحتى يكلم الرجل) بالنصب على المفعولية (عذبة سوطه) بالرفع على الفاعلية، والعذبة؛ بفتح العين المهملة، والذال المعجمة؛ أي: طَرَفُهُ على ما في ((القاموس)) وغيره. وقال في ((المجمع)): هو قد في طَرفِ السوط. (وشراك نعله) بكسر الشين المعجمة: أحد سيور النعل تكون على وجهها . قوله: (وفي الباب عن أبي هريرة)(٣)، لينظر من أخرجه. (١) البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة. حديث (٧٣٢٠)، ومسلم، كتاب العلم. حديث (٢٦٦٩). (٢) البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة. حديث (٧٣١٩). (٣) أخرجه الطبراني في ((مسند الشاميين)) (٢٧٦٠). ٤١٢ كتاب الفتن عن رسول الله وَ لَّ / باب مَا جَاء في انْشِقَاقِ القَمَرِ وهذا حَدِيثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ، لا نَعْرِفُهُ إلَّا مِن حَدِيثِ القَاسِمِ بْنِ الفَضْلِ، والقاسمُ بْنُ الفَضْلِ ثِقَة مَأمُونٌ عِنْدَ أهلِ الحديثِ، وَثَّقَّهُ يَحْيَى بْنُ سعيدِ القطان، وعبدُ الرحمنِ بْنُ مَهْدِيٍّ. ٢٠ - باب مَا جَاء في انْشِقَاقِ القَمَرِ [ت ٢٠، م ٢٠] [٢١٨٢] (٢١٨٢) حَدَّثَنَا محمودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا أبو دَاوُدَ، عَن شُعْبَةَ، عَن الأعمَشِ، عَن مُجَاهِدٍ، عَن ابنٍ عُمَرَ، قَالَ: انْفَلَقَ القَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ وَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَةِ: ((اشْهَدُوا)). [م: ٢٨٠١]. قوله: (وهذا حديث حسن صحيح غريب) في سنده سفيان بن وكيع؛ وهو صدوق، إلا أنه ابتلي بوراقه؛ فأدخل عليه ما ليس من حديثه؛ فنصح؛ فلم يقبل؛ فسقط حديثه؛ قاله الحافظ. وأخرجه الحاكم(١)، وصححه. قوله: (والقاسم بن الفضل ثقة .. إلخ). قال في ((التقريب)): القاسم بن الفضل بن معدان الحداني؛ بضم المهملة والتشديد: أبو المغيرة، البصري، ثقة، من السابعة، رمي بالإرجاء. ٢٠ - بابُ مَا جَاءَ في انْشِقَاقِ الْقَمَرِ أي: في زمن النبي ◌َّ- على سبيل المعجزة له. [٢١٨٢] قوله: (انفلق القمر)، أي: انشق، وفي حديث ابن مسعود، عند البخاري(٢) في ((التفسير)): ((انْشَقَّ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله ◌َِّ فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةٌ فَوْقَ الْجَبَلِ وَفِرْقَةٌ دُونَهُ))، وفي حديث أنس، عند البخاري(٣) في ((باب انشقاق القمر))؛ أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ سَأَلُوا رَسُولَ الله وَ أَنْ يُرِيهِم آيَةً، فَأَرَاهُمُ الْقَمَرَ شقتين حَتَّى رَأَوا حِرَاءَ بَيْنَهُمَا)). قال الحافظ: قوله: ((شقتين)) بكسر المعجمة، أي: نصفين. وقوله: ((حتى رأوا حراء)) أي: جبل حراء بينهما؛ أي: بين الفرقتين. وجبل حراء على يسار السائر من مكة إلى منى. وقال: وجدت في بعض طرق حديث ابن عباس بيان صورة السؤال؛ وهو وإن كان لم يدرك القصة؛ لكن في بعض طرقه ما (١) الحاكم. حديث (٨٤٤٢)، وقال: على شرط مسلم، ووافقه الذهبي. (٢) البخاري، كتاب تفسير القرآن. حديث (٤٨٦٤). (٣) البخاري، كتاب المناقب. حديث (٣٨٦٨). ٤١٣ كتاب الفتن عن رسول الله وَ لَ / باب مَا جَاء في انْشِقَاقِ القَمَرِ قَالَ أَبُو عِيْسَى: وفي البابِ: عَن ابنِ مسعودٍ، وَأَنَسٍٍ، وَجُبَيْرِ بْنِ مُطْعِم، وهذا حَدِيثٌ حسنٌ صحيحٌ. يشعر بأنه حمل الحديث عن ابن مسعود؛ فأخرج أبو نعيم(١) في ((الدلائل)) من وجه ضعيف، عن ابن عباس قال: ((اجْتَمَعَ الْمُشْرِكُونَ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّةِ مِنْهُمُ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، وَأبو جَهْل بْنُ هِشَامٍ، وَالْعَاصُ بْنُ وَائِلٍ وَالأَسْوَدُ بْنُ الْمُطَلِبٍ، وَالنَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ، وَنُظَرَاؤُهُمْ، فَقَالُوا لِلَنَّبِيِّ نَِّ: إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَشُقَّ لَنَا الْقَمَرَ فِرْقَتَيْنٍ، فَسَأَلَ رَبَّهُ فَانْشَقَّ))، (اشهدوا) أي: على نبوتي، أو معجزتي، من الشهادة، وقيل: معناه احضروا، وانظروا، من الشهود. قوله: (وفي الباب عن ابن مسعود(٢)، وأنس، وجبير بن مطعم) أخرج الترمذي أحاديث هؤلاء الصحابة رضي الله تعالى عنهم في تفسير ((سورة القمر))، قال الحافظ: وقد ورد انشقاق القمر أيضًا من حديث علي، وحذيفة، وجبير بن مطعم، وابن عمر، وغيرهم، فأما أنس، وابن عباس فلم يحضرا ذلك؛ لأنه كان بـ ((مكة)) قبل الهجرة بنحو خمس سنين، وكان ابن عباس إذ ذاك لم يولد. وأما أنس فكان [ابن] أربع، أو خمس بـ((المدينة)). وأما غيرهما فيمكن أن يكون شاهد ذلك، وممن صرح برؤيته ذلك: ابن مسعود. قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم. اعلم أن أحاديث الباب صحيحة، صريحة في ثبوت معجزة انشقاق القمر. قال ابن عبد البر: قد روى هذا الحديث جماعة كثيرة من الصحابة، وروى ذلك عنهم أمثالهم من التابعين، ثم نقله عنهم الجم الغفير إلى أن انتهى إلينا. ويؤيد ذلك بالآية الكريمة؛ فلم يبق لاستبعاد من استبعد وقوعه عُذْرٌ. وقد يطلع على قوم قبل طلوعه على آخرين. وأيضًا فإن زمن الانشقاق لم يَظُلْ، ولم تتوفر الدواعي على الاعتناء بالنظر إليه، ومع ذلك، فقد بعث أهل مكة إلى آفاق مكة يسألون عن ذلك؛ فجاءت السفار، وأخبروا بأنهم عاينوا ذلك؛ وذلك لأن المسافرين في الليل غالبًا يكونون سائرين في ضوء القمر، ولا يخفى عليهم ذلك. وقال أبو إسحاق الزجاج في ((معاني القرآن)): أنكر بعض المبتدعة الموافقين لمخالفي الملة انشقاق القمر، ولا إنكار للعقل فيه؛ لأن القمر مخلوق لله يفعل فيه ما يشاء؛ كما يكوره (١) دلائل النبوة. حديث (٤) مختصرًا. (٢) الترمذي، كتاب تفسير القرآن. حديث (٣٢٨٥). ٤١٤ كتاب الفتن عن رسول الله وَّو / باب مَا جَاء في انْشِقَاقِ القَمَرِ يوم البعث ويفنيه. وأما قول بعضهم: لو وقع لجاء متواترًا، واشترك أهل الأرض في معرفته، ولما اختص بها أهل مكة؛ فجوابه: أن ذلك وقع ليلًا، وأكثر الناس نيام، والأبواب مغلقة، وَقَلَّ من يُرَاصِدُ السماء إلا النادر، وقد يقع بالمشاهدة في العادة أن ينكسف القمر، وتبدو الكواكب العظام، وغير ذلك في الليل، ولا يشاهدها إلا الآحاد؛ فكذلك الانشقاق كان آية وقعت في الليل لقوم سألوا واقترحوا؛ فلم يتأهب غيرهم لها، ويحتمل أن يكون القمر لَيْلَتئذ، كان في بعض المنازل التي تظهر لبعض أهل الأفاق دون بعض؛ كما يظهر الكسوفُ لقوم دون قوم. وقال الخطابي: انشقاق القمر آية عظيمة، لا يكاد يعدلها شيء من آيات الأنبياء؛ وذلك أنه ظهر في ملكوت السماء خارجًا من جملة طباع ما في هذا العالم المركَّب من الطبائع؛ فليس مما يطمع في الوصول إليه بحيلة؛ فلذلك صار البرهان به أظهر. وقد أنكر ذلك بعضهم؛ فقال: لو وقع ذلك لم يجز أن يخفى أمره على عوام الناس؛ لأنه أمر صدر عن حِسِّ ومشاهدة؛ فالناس فيه شركاء، والدواعي متوفرة على رؤية كل غريب، ونقل ما لم يعهد؛ فلو كان لذلك أصل لخلد في كتب أهل التسيير والتنجيم؛ إذ لا يجوز إطباقهم على تركه، وإغفاله مع جلالة شأنه، ووضوح أمره. والجواب عن ذلك: أن هذه القصة خرجت عن بقية الأمور التي ذكروها؛ لأنه شيء طلبه خاص من الناس، فوقع ليلًا؛ لأن القمر لا سلطان له بالنهار، ومن شأن الليل أن يكون أكثر الناس فيه نيامًا، ومستكنين بالأبنية، والبارز بالصحراء منهم إذا كان يقظان، يحتمل أنه كان في ذلك الوقت مشغولًا بما يلهيه من سَمَرٍ وغيره، ومن المستبعد أن يقصدوا إلى مراصد مركز القمر ناظرين إليه لا يغفلون عنه؛ فقد يجوز أنه وقع ولم يشعر به أكثر الناس، وإنما رآه من تصدى لرؤيته ممن اقترح وقوعه؛ ولعل ذلك إنما كان في قدر اللحظة التي هي مدرك البصر. وقال الحافظ: ذهب بعض أهل العلم من القدماء أن المراد بقوله: ﴿وَأُنشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١]، أي: سينشق كما قال تعالى: ﴿أَفَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١] أي: سيأتي. والنكتة في ذلك: إرادة المبالغة في تحقق وقوع ذلك، فنزل منزلة الواقع، والذي ذهب إليه الجمهور أصح؛ كما جزم به ابن مسعود، وحذيفة، وغيرهما، ويؤيده قوله تعالى بعد ذلك: ﴿وَإِن يَرَوْأ ءَايَةً يُعْرِضُواْ وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُّسْتَمٌِّ﴾ [القمر: ٢]. فإن ذلك ظاهر في أن المراد بقوله: ﴿وَأَنشَقَ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١] وقوع انشقاقه؛ لأن الكفار لا يقولون ذلك يوم القيامة، وإذا ٤١٥ كتاب الفتن عن رسول الله وَ لَّ / باب مَا جَاء في الخَسْفِ ٢١ - باب مَا جَاء في الخَسْفِ [ت ٢١، م ٢١] [٢١٨٣] (٢١٨٣) حَدَّثَنَا بُنْدَارٌ، حَدَّثَنَا عبدُ الرحمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ فُرَاتِ القَزَّازِ، عَن أبي الظُّفَيْلِ، عَن حُذَيْفَةَ بْنِ أسِيْدٍ، قَالَ: أَشْرَفَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ وَِّ مِن غُرْفَةٍ وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ السَّاعَةَ، فَقَالَ النبيِ نَّهِ: ((لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَرَوْا عَشْرَ آيَاتٍ: ◌ُلُوعَ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِهَا، وَيَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَالدَّابَّةَ، تبين أن قولهم ذلك إنما هو في الدنيا، تبين وقوعُ الانشقاقِ، وأنه المراد بالآية التي زعموا أنها سحر. انتهى. وقال الرازي في ((تفسيره الكبير)) بعد ما أثبت هذه المعجزة ما لفظه: وأما المؤرخون تركوه؛ لأن التواريخ في أكثر الأمر يستعملها المنجم، وهو لما وقع الأمر قالوا بأنه مثل خسوف القمر. وظهور شيء في الجو على شَكْلٍ نِصْفِ القمر في موضع آخر؛ فتركوا حكايته في تواريخهم. والقرآن أدل دليل، وأقوى مثبت له، وإمكانه لا يشك فيه، وقد أخبر عنه الصادق؛ فيجب اعتقاد وقوعه. وحديث امتناع الخرق، والالتئام حديث اللئام. وقد ثبت جوازُ الخرق، والتخريب على السموات، وذكرناه مرارًا؛ فلا نعيده. انتهى. ٢١ - بَابُ مَا جَاءَ في الْخَسْفِ [٢١٨٣] قوله: (عن فرات القزاز) هو: فرات بن أبي عبد الرحمن القزاز، الكوفي، ثقة، من الخامسة. (عن حذيفة بن أسيد) بفتح الهمزة، وكسر السين: الغفاري، صحابي، من أصحاب الشجرة، وكنيته: أبو سريحة؛ بفتح السين المهملة، وكسر الراء، وبالحاء المهملة. قوله: (أشرف علينا)، وفي رواية مسلم(١): ((اطَّلَعَ عَلَيْنَا)). قال في ((القاموس)): أشرف عليه: اطَّلَعَ من فوق. (من غرقة) بالضم العلية؛ وهي بالفارسية: بالاخانة. وحجره بالاي حجره .... (ونحن نتذاكر)، أي: فيما بيننا (الساعة)، أي: أمر القيامة، واحتمال قيامها في كل ساعة. (عشر آيات)، أي: علامات (ويأجوج ومأجوج) بألف فيهما، ويهمز؛ أي: خروجهما، ويأتي الكلام عليهما في باب خروج يأجوج ومأجوج. (والدابة) وهي المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَمُمْ دَآبَةً مِّنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ [النمل: ٨٢] الآية. قال المفسرون: هي دابة عظيمة، تخرج من صدع في الصفا. وعن ابن عمرو بن العاص: (١) مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة. حديث (٢٩٠١). ٤١٦ كتاب الفتن عن رسول الله عَل د / باب مَا جَاء في الخَسْفِ وَثَلَاثَةَ خُسُوفٍ: خَسْفٌ بِالمَشْرِقِ، وَخَسْفٌ بالمَغْرِبِ، وَخَسْفٌ بِجَزِيرَةِ العَرَبِ، وَنَارٌ تَخْرُجُ مِن قَعْرٍ عَدَنَ تَسُوقُ النَّاسَ - أوْ تَحْشُرُ النَّاسَ - فَتَبِيتُ مَعَهُمْ حَيْثُ بَاتُوا، ٫٢٩٠٠ ٥: ٠:٣١١ ٠٤ ٢٠ ١٥٧٠٨]. ٠٤١ وَتَقِيلُ مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا)). ام حَدَّثَنَا محمودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا وَكِيعُ، عَن سُفْيَانَ، عَن فُرَاتٍ: نَحْوَهُ، وَزَادَ فِيهِ : الدُّخَان. إنها الجساسة المذكورة في حديث الدجال، قاله النووي. وقال الجزري في ((النهاية)): دابة الأرض، قيل: طولها ستون ذراعًا، ذات قوائم ووبر. وقيل: هي مختلفة الخلقة، تشبه عدة من الحيوانات، ينصدع جبل الصفا؛ فتخرج منه ليلة جَمْعٍ، والناس سائرون إلى ((منى))، وقيل: من أرض الطائف، ومعها عصا موسى، وخاتم سليمان عليهما السلام، لا يدركها طالب، ولا يعجزها هارب، تضرب المؤمن بالعصا، وتكتب في وجهه: مؤمن، وتطبع الکافر بالخاتم، وتکتب في وجهه کافر. انتهى. اعلم أن المفسرين قد ذكروا لدابة الأرض أوصافًا كثيرة، من غير ذكر ما يدل على ثبوتها؛ فكل ما ثبت بالكتاب، أو السنة الصحيحة؛ فهو المعتمد، وما لا فلا اعتماد عليه. (وثلاث خسوف)، قال ابن الملك: قد وجد الخسف في مواضع؛ لكن يحتمل أن يكون المراد بالخسوف الثلاثة: قدرًا زائدًا على ما وجد؛ كأن يكون أعظم مكانًا وقدرًا. (خسف) بالجر على أنه بدل مما قبله. وبالرفع على تقدير: أحدها، أو منها. (من قعر عدن)، أي: أقصى أرضها؛ وهو غير منصرف، وقيل: منصرف باعتبار البقعة والموضع؛ ففي ((المشارق)): عدن: مدينة مشهورة باليمن. وفي ((القاموس)): عدن: محركة: جزيرة باليمن. وفي رواية: ((تَخْرُجُ من أَرْضِ الْحِجَازِ)). قال القاضي عياض: لعلها ناران تجتمعان، تحشران الناس، أو يكون ابتداء خروجها من اليمن، وظهورها من الحجاز، ذكره القرطبي رحمه الله تعالى. (تسوق) أي: تطرد النار. (أو تحشر) ((أو)) للشك من الراوي، في رواية مسلم: (تَسُوقُ النَّاسَ إِلَى الْمَحْشَرِ)» أي: إلى المجمع والموقف. قيل: المراد من المحشر: أرض الشام؛ إذ صح في الخبر أن الحشر يكون في أرض الشام؛ ولكن الظاهر أن المراد: أن يكون مبتدؤه منها، أو تجعل واسعة تسع خلق العالم فيها؛ قاله القاري. (وتقيل) قال في ((القاموس)): قَالَ قَيْلًا وَقَائِلَةً وَقَيْلُولَةً وَمَقَالًا وَمَقِيلًا، وَتَقِيل: نام في نصف النهار. انتهى. قوله: (وزاد فيه: والدخان) قال الطيبي: هو الذي ذكر في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِى السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠]، وذلك كان في عهد رسول الله رَّة. انتهى. ٤١٧ كتاب الفتن عن رسول الله وَّة / باب مَا جَاء في الخَسْفِ حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا أبو الأحْوَصِ، عَن فُرَاتِ القَزَّازِ: نَحْوَ حديثٍ وَكِيعٍ عَن سُفْيَانَ. حَدَّثَنَا محمودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا أبو دَاوُدَ الطََّالِسِيُّ، عَن شُعْبَةَ وَالمَسْعُودِيِّ، سَمِعَا من فرات القَزَّازِ: نَحْوَ حديثِ عبدِ الرحمنِ، عَن سُفْيانَ، عَن فُرَاتٍ، وزادَ فِيهِ: الدَّجَّالَ أوِ الدُّخَانَ. حَدَّثَنَا أبو مُوسَى مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا أبو النُّعْمَانِ الحَكَمُ بْنُ عبدِ الله العِجْلِيُّ، عَن شُعْبَةَ، عَنِ فُرَاتٍ: نَحْوَ حَدِيثٍ أبي داود، عَن شُعْبَةَ، وَزَادَ فِيهِ: قَالَ: وقال النووي في شرح هذا الحديث: إنه يؤيد قول من قال: إن الدخان دخان يأخذ بأنفاس الكفار، ويأخذ المؤمن منه كهيئة الزكام، وإنه لم يأت بعد؛ وإنما يكون قريبًا من قيام الساعة، وقال ابن مسعود: إنما هو عبارة عما نال قريشًا من القحط؛ حتى كانوا يرون بينهم وبين السماء كهيئة الدخان. وقد وافق ابن مسعود جماعة، وقال بالقول الآخر: حذيفة، وابن عمر، والحسن، ورواه حذيفة عن النبي وَّرَ، ((وَأَنَّهُ يَمْكُثُ فِي الأرْضِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا)) ويحتمل أنهما دخانان؛ للجمع بين هذه الآثار. انتهى. وقال القرطبي في ((التذكرة)) قال ابن دحية: والذي يقتضيه النظر الصحيح: حمل ذلك على قضيتين: إحداهما: وقعت، وكانت الأخرى ستقع وتكون. فأما التي كانت فهي التي كانوا يرون فيها كهيئة الدخان، غير الدخان الحقيقي الذي يكون عند ظهور الآيات، التي هي من الأشراط والعلامات، ولا يمتنع إذا ظهرت هذه العلامة أن يقولوا: ﴿رَبَّنَا أَكْثِفْ عَنَّا اُلْعَذَابِ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١٢] فيكشف عنهم، ثم يعودون لقرب الساعة. وقول ابن مسعود لم يسنده إلى النبي صلّ، إنما هو من تفسيره، وقد جاء النص، عن رسول الله وَّة بخلافه. قال القرطبي: وقد روي عن ابن مسعود: أنهما دخانان. قال مجاهد: كان ابن مسعود يقول: هما دخانان. قد مضى أحدهما، والذي بقي يملأ بين السماء والأرض. انتهى. قوله: (حدثنا أبو النعمان الحكم بن عبد الله العجلي) قال في ((التقريب)): الحكم بن عبد الله: أبو النعمان، البصري، قيل: إنه قيسي، أو أنصاري، أو عجلي، ثقة، له أوهام، من التاسعة. ٤١٨ كتاب الفتن عن رسول الله وَل ◌َو / باب مَا جَاء في الخَسْفِ والعَاشِرَةُ إمَّا رِيحٌ تَطْرَحُهُمْ فِي البَحْرِ، وإِمَّا نُزُولُ عيسَى ابن مَرْيم. قَالَ أَبُو عِيْسَى: وفي البَابِ: عَن عَلِيٍّ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَمِّ سَلَمَةَ، وَصَفِيَّةَ بِنتِ حُيَيٍّ، وهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ. قوله: (إما ربح تطرحهم في البحر)، أي: تلقيهم فيه. قوله: (وفي الباب عن علي، وأبي هريرة، وأم سلمة، وصفية) وأما حديث علي، وحديث أبي هريرة فأخرجهما الترمذي(١) في الباب الذي بعد باب ((أشراط الساعة)). وأما حديث أم سلمة فأخرجه مسلم(٢) في ((كتاب الفتن)). وأما حديث صفية فأخرجه الترمذي(٣) في هذا الباب. اعلم أن الروايات قد اختلفت في ترتيب الآيات العشر؛ ولذا اختلف أهلُ العلم في ترتيبها؛ فقد قيل: إن أول الآيات: الدخان، ثم خروج الدجال، ثم نزول عيسى عليه السلام، ثم خروج يأجوج ومأجوج، ثم خروج الدابة، ثم طلوع الشمس من مغربها؛ فإن الكفار يسلمون في زمن عيسى عليه السلام حتى تكون الدعوةُ واحدةً. ولو كانت الشمس طلعت من مغربها قبل خروج الدجال، ونزوله لم يكن الإيمان مقبولًا من الكفار؛ فالواو لمطلق الجمع؛ فلا يرد أن نزوله قبل طلوعها، ولا ما ورد أن طلوع الشمس أول الآيات. وقال في ((فتح الودود)): قيل: أول الآيات الخسوفات، ثم خروج الدجال، ثم نزول عيسى عليه السلام، ثم خروج يأجوج ومأجوج، ثم الريح التي تقبض عندها أرواح أهل الإيمان، فعند ذلك تخرج الشَّمس من مغربها، ثم تخرج دابة الأرض، ثم يأتي الدخان. قال صاحب ((فتح الودود)): والأقرب في مثله التوقف، والتفويض إلى عالمه. انتهى. قلت: ذكر القرطبي في ((تذكرته)) مثل هذا الترتيب، إلا أنه جعل الدجال مكان الدخان. وذكر البيهقي عن الحاكم مثل ترتيب القرطبي، وجعل خروج الدابة قبل طلوع الشمس من مغربها؛ فالظاهر؛ بل المتعين هو ما قال صاحب ((فتح الودود)) من أن الأقرب في مثله، هو التوقف، والتفويض إلى عالمه. قوله: (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه (٤). (١) الترمذي، كتاب الفتن. جدين) (١٠ ٪)، وجُديث (٢٢١١) تباعًا . (٢) مسلك، كتاب الفتن وأشراط الساعة. حديث (٢٨٨٢).؟ " (٣) الترمذي، كتاب الفتن. حديث (٢١٨٤). (٤) تقدم ذكرهم، وأخرجه النسائي في ((الكبرى)) (١١٣٨٠). ٤١٩ كتاب الفتن عن رسول الله وَّ / باب مَا جَاء في الخَسْفِ [٢١٨٤] (٢١٨٤) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيم، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَن سَلَمَةَ بْنِ كُهِيْلٍ، عَن أبِي إِدْرِيسَ المرْهِبِيِّ، عَن مُسْلِمٍ بْنِ صَفْوَانَ، عَن صَفِيَّةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ بَ: ((لا يَنْتَهِي النَّاسُ عَن غَزْوِ هَذَّا البَيْتِ، حَتَّى يَغْزُوَ جَيْشٌ حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالبَيْدَاءِ أوْ بِبَيْدَاءَ مِنَ الأَرْضِ خُسِفَ بِأوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ، وَلَمْ يَنْجُ أَوْسَطُهُمْ))، قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، فَمَنْ كَرِهَ مِنْهُمْ؟ قَالَ: ((يَبْعَثُهُمُ اللهُ عَلَى مَا فِي أَنْفُسِهِمْ)). [جه: ٤٠٦٤، حم: ٢٦٣١٨]. قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. [٢١٨٤] قوله: (عن سلمة بن كهيل) الحضرمي، أبي يحيى، الكوفي، ثقة، من الرابعة. (عن أبي إدريس المرهبي)، بضم أوله، وكسر الهاء، بعدها موحدة، الكوفي، اسمه: سوار، أو مساور، صدوق، يتشيع، من الرابعة. (عن مسلم بن صفوان) مجهول، من الثالثة؛ كذا في ((التقريب)). وقال في هامش ((الخلاصة)) نقلًا عن ((التهذيب)): وثَّقه ابنُ حبان. قوله: (حتى إذا كانوا بالبيداء)، بفتح الموحدة، وسكون التحتية (أو ببيداء من الأرض) شكٌّ من الراوي، وفي حديث حفصة عند مسلم(١): ((حَتَّى إِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنَ الأَرْضِ)) من غَيْرٍ شَك. قال النووي: قال العلماء: البيداء: كل أرض ملساء، لا شيء بها. (خسف بأولهم، وآخرهم، ولم ينج أوسطهم) أي: يقع الهلاك في الدنيا على جميعهم. (فمن كره منهم قال: يبعثهم الله على ما في أنفسهم)، وفي حديث أم سلمة عند مسلم(٢): ((فَكَيْفَ بِمَنْ كَانَ كَارِهًا؟ قَالَ: يُخْسَفُ بِهِ مَعَهُمْ وَلَكِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى نِيَّتِهِ». قال النووي: أي: يبعثون مختلفين على قدر نياتهم؛ فيجازون بحسبها. وفي هذا الحديث من الفقه التباعد من أهل الظلم، والتحذير من مجالستهم، ومجالسة البغاة، ونحوهم من المبطلين؛ لئلا يناله ما يعاقبون به، وفيه: ((إِنَّ مَنْ كَثَّرَ سَوَادَ قَوْمٍ - جَرَى عَلَيْهِمْ حُكْمُهُمْ فِي ظَاهِرٍ عُقُوبَاتِ الدُّنْيَا)) انتھی . قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد، وابن ماجه قال الحافظ في ((تهذيب التهذيب)) في ترجمة مسلم بن صفوان: روى عن صفية بنت حيي عن النبي ◌َّر: ((لا ينتهي (١) مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة. حديث (٢٨٨٣). (٢) مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة. حديث (٢٨٨٢). ٤٢٠ كتاب الفتن عن رسول الله وَل﴿ / باب مَا جَاء في الخَسْفِ [٢١٨٥] (٢١٨٥) حَدَّثَنَا أبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا صَيْفيُّ بْنُ رِبْعِيٍّ، عَن عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ، عَنِ عُبَيدِ الله بْنِ عُمَرَ، عنِ القَاسِمِ بْنِ محمدٍ، عَن عَائِشَةَ، قَالَت: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((يَكُونُ في آخِرِ هَذِهِ الأُمَّةِ خَسْفٌ وَمَسْخٌ وَقَذْفٌ))، قَالَت: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أَنُهْلَكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: ((نَعَم، إذَا ظَهَرَ الخَبَثُ)). قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ غَرِيبٌ من حديثٍ عَائِشَةَ، لَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِن هَذَا الوَجْهِ، وَعَبْدُ الله بْنُ عُمرَ تَكَلَّمَ فِيهِ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ مِن قِبَلِ حِفْظِهِ. الناسُ عن غَزْوِ هذا البيت))، وروى عنه أبو إدريس المرهبي، صحح الترمذي حديثه. قال الحافظ: وهو معلول. انتهى. قلت: لم يذكر وجه كونه معلولًا؛ فإن كان وجهه جهالة مسلم بن صفوان؛ فقد عرفت أن ابن حبان وثقه، والله تعالى أعلم. [٢١٨٥] قوله: (أخبرنا صيفي بن ربعي)، بكسر الراء الأنصاري، أبو هشام، الكوفي، صدوق، يهم، من التاسعة (عن عبيد الله بن عمر) هو عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري المدني: أبو عثمان، ثقة، ثبت، قدمه أحمد بن صالح على مالك في نافع، وقدمه ابن معين في القاسم، عن عائشة على الزهري، عن عروة عنها، من الخامسة، قاله الحافظ في ((التقريب)). وقال في ((تهذيب التهذيب)) في ترجمته: روى عن القاسم بن محمد بن أبي بكر، وغيره، وعنه أخوه عبد الله، وغيره. (عن القاسم بن محمد) ابن أبي بكر الصديق، التيمي، ثقة، أحد الفقهاء بـ(المدينة))، قال أيوب: ما رأيت أفضل منه. من كبار الثالثة. قوله: (خسف، ومسخ، وقذف). قال في ((القاموس)): خسفُ المكان يخسف خسوفًا : ذهب في الأرض. وقال: مسخه كمنعه: حَوَّلَ صورتَهُ إلى أخرى أَقْبَحَ. وقال: قذف بالحجارة يقذف: رمي بها. (أنهلك) بفتح اللام: من الإهلاك، أو بكسر اللام من الهلاك، (وفينا الصالحون) جملة حالية (إذا ظهر الخبث) هو بفتح الخاء، والباء، وفسَّره الجمهور بالفسوق، والفجور. وقيل: المراد: الزنا خاصة، وقيل: أولاد الزنا. والظاهر: أنه المعاصي مطلقًا. ومعنى الحديث: أن الخبث؛ إذا كثر فقد يحصُّل الهلاكُ العامُّ، وإن كان هناك صالحون، قاله النووي. قوله: (وعبد الله بن عمر تكلم فيه يحيى بن سعيد من قبل حفظه)، اعلم أن عبد الله بن