Indexed OCR Text
Pages 281-300
٢٨١ كتاب الفرائض عن رسول الله وَ ﴿ / باب مَا جَاء في إِبْطَالِ المِيرَاثِ بَيْنَ المُسْلِمِ والكافِ وعَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَفانَ: هُوَ مَشْهُورٌ مِن وَلَدِ عُثْمانَ، ولا نعْرفُ عُمَرُ بْنُ عُثْمَانَ، والعملُ على هذا الحَدِيثِ عِندَ أهلِ العلم، واختلفَ بعض أهلِ العِلمِ في مِيرَاثِ المُرْتَدِّ، فَجَعَلَ أكثر أهلِ العلم مِن أصحابِ النبيِّ وَّلـ ((الفتح)): اتفق الرواةُ عن الزهري أن عمرو بن عثمان، بفتح أوله وسكون الميم، إلا أن مالكًا وحده قال: ((عمر))، بضم أوله وفتح الميم، وَشَذَّت رواياتٌ عن غير مالك على وفقه، وروايات عن مالك على وفق الجمهور. (وعمرو بن عثمان هو مشهورٌ من ولد عثمان، ولا نعرف عمر بن عثمان). قال الحافظ في (تهذيب التهذيب)): إن لعمر بن عثمان وجودًا في الجملة؛ كما قال ابن عبد البر: إن أهل النسب لا يختلفون أن لعثمان ابنًا يسمى عمر، وآخر يسمى عمرًا. وقد ذكر ابن سعد عمر بن عثمان، وقال: كان قليل الحديث، وذكر عمرو بن عثمان، وقال: كان ثقة، وله أحاديث وذكر الزبيرُ بن بكار؛ أن عثمان لما مات ورثه بنوه: عمرو، وأبان، وعمر، وخالد، والوليد، وسعيد، وبناته، وزوجتاه، لكن لا يدلُّ ذلك على أنه روى هذا الحديث عن أسامة بن زيد. انتھی . قوله: (والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم). قال النووي في ((شرح مسلم)): أجمع المسلمون على أن الكافرَ لا يرثُ المسلمَ، وأما المسلمُ فلا يَرِثُ الكافرَ أيضًا عند جماهير العلماء من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم. وذهبت طائفةٌ إلى توريث المسلم من الكافر، وهو مذهبُ معاذ بن جبل، ومعاوية، وسعيد بن المسيب، ومسروق وغيرهم، وروي أيضًا عن أبي الدرداء، والشعبي، والزهري، والنخعي نحوه على خلاف بينهم في ذلك. والصحيح عن هؤلاء كقولِ الجمهورِ، واحتجُّوا بحديث: ((الإِسْلامُ يَعْلُو وَلا يُعْلَى عَلَيْهِ)) (١)، وحجة الجمهور هذا الحديث الصحيح الصريح، ولا حجة في حديث: ((الإِسْلامُ يَعْلُو وَلا يُعْلَى عَلَيْهِ»، لأن المراد به فضل الإسلام على غيره، ولم يتعرَّض فيه الميراث، فكيف يترك به نَصُّ حديث: ((لا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ))(٢) ولعل هذه الطائفة لم يبلغها هذا الحديث. انتهى. (واختلف أهلُ العلم في ميراث المرتد، فجعل بعضُ أهل العلم من أصحاب النبي (وَّ (١) أخرجه البيهقي في ((الکبری)) (١١٩٣٥) وهو حديث حسن. (٢) البخاري، كتاب الفرائض. حديث (٦٧٦٤)، ومسلم، كتاب الفرائض أيضًا. حديث (١٦١٤). ٢٨٢ كتاب الفرائض عن رسول الله وَ لة / باب لا يَتَوَارَثُ أهْلُ مِلَّتَيْنِ وَغَيْرِهِمُ المَالَ لِوَرَثَتِهِ مِنَ المُسْلِمِينَ، وقالَ بعضُهم: لَا يَرِثُه ورَثَتُهُ مِن المُسْلِمِينَ، وَاحْتَجُّوا بِحَديثِ النبيِّ وَجَهَ: ((لا يَرِثُ المُسْلِمُ الكَافِرَ)) وهو قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. ١٦- باب لا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ [ت ١٦، م ١٦] [٢١٠٨] (٢١٠٨) حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، حَدَّثَنَا حُصَيْنُ بْنُ نُمَيْرٍ، عَن ابنِ أَبِي لَيْلَى، عَن أبِي الزُّبَيْرِ، عَن جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ بََّ، قَالَ: ((لا يَتَوَارَثُ أهْلُ مِلْتَيْنٍ)). [جه: ٢٧٣١، وغيرهم المال لورثته من المسلمين ... إلخ). قال النووي: والمرتدُّ لا يرثُ المسلم بالإجماع، وأما المسلمُ فلا يَرِثُ المرتد عند الشافعي، ومالك، وربيعة وابن أبي ليلى، وغيرهم، بل يكون مالُهُ فَيْئًا للمسلمين. وقال أبو حنيفة، والكوفيون، والأوزاعي، وإسحاق: يرثه ورثتُه من المسلمين، وروي ذلك عن علي، وابن مسعود، وجماعة من السلف، لكن قال الثوري، وأبو حنيفة: ما كسبه في رِدَّتِهِ فهو لبيت المال، وما كسبه في الإسلام فهو للمسلمين. وقال الآخرون: الجمیعُ لورثته من المسلمين. انتهى. ١٦ - بَابُ لا يَتَوَارَث أَهْلُ مِلَّتَيْنِ [٢١٠٨] قوله: (أخبرنا حصين بن نمير)، بالنون مصغرًا، الواسطي أبو محصن الضرير، كوفي الأصل، لا بأس به، رمي بالنَّصب، من الثامنة. قوله: (لا يتوارث أهل ملتين). قال ابن الملك: يدلُّ بظاهره على أن اختلافَ الْمِلَلِ في الكفر يمنع التَّوارث، كاليهود، والنصارى، والمجوس، وَعَبَدَةِ الأوثان؛ وإليه ذهب الشافعي. قلنا: المرادُ هنا الإسلامُ، والكفرُ، فإن الكفرةَ كلَّهم ملةٌ واحدةٌ عند مقابلتهم بالمسلمين، وإن كانوا أهل مِلَلٍ فيما يعتقدون. انتهى. وقال الإمام محمد رحمه الله في ((موطئه)) (١): ((لا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ، وَالْكُفْرُ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ يَتَوَارَثُونَ بِهِ، وَإِن اخْتَلَفَتْ مِلَلُهُمْ، فَيَرِثُ الْيَهُودِيُّ مِنَ النَّصْرَانِيِّ، وَالنَّصْرَانِيُّ مِنَ الْيَهُودِيِّ))، وهو قولُ أبي حنيفة رحمه الله والعامة من فقهائنا. انتهى. (١) الموطأ برواية محمد بن الحسن الشيباني (٧٢٧). ٢٨٣ كتاب الفرائض عن رسول الله وََّ / باب مَا جَاء في إبْطَالِ ميرَاثِ القَاتِلِ قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ لا نَعْرِفُهُ مِن حَدِيثِ جَابِرٍ، إلّا مِن حَدِيثٍ ابنِ أبِي لَيْلَی. ١٧ - باب مَا جَاء في إبْطَالٍ ميرَاثِ القَاتِلِ [ت ١٧، م ١٧] [٢١٠٩] (٢١٠٩) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَن إسحاقَ بْنِ عَبْدِ الله، عَن الزُّهْرِيِّ، عَن حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرحمنِ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَهِ قَالَ: ((القَاتِلُ لا يَرِثُ)). [جه: ٢٦٤٥]. وقال النووي في ((شرح مسلم)): توريثُ الكفّار بعضهم من بعض، كاليهودي من النصراني، وعكسه، والمجوسي منهما، وهما منه، قال به الشافعي رحمه الله، وأبو حنيفة رحمه الله. وآخرون، ومنعه مالك. قال الشافعي: لكن ((لا يرث حربي من ذمي ولا ذمي من حربي)). قال أصحابنا: وكذا لو كانا حربيين في بلدينٍ متحاربين لم يتوارثا. انتهى. وقال الشَّوكاني في ((النيل)): ظاهر قوله: ((لا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنٍ)). أنه لا يرثُ ملة كفرية من أهل مِلَّةٍ كفريةٍ أخرى؛ وبه قال الأوزاعي، ومالك، وأحمد، والهادوية. وحمله الجمهورُ على أن المرادَ بإحدى الملتين: الإسلام. وبالأخری الكفر، ولا يخفى بعد ذلك. انتهى. قوله: (هذا حديثٌ لا نعرفه من حديث جابر، إلا من حديث ابن أبي ليلى)، هو: محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال في ((التقريب)): صدوق، سيء الحفظ جدًّا. وأخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه(١)، من حديث عبد الله بن عمرو، قال في ((النيل)): وسندُ أبي داود فيه إلى عمرو بن شعيب صحيح. ١٧ - بَابُ مَا جَاءَ في إِبْطَالِ مِيرَاثِ الْقَاتِلِ [٢١٠٩] قوله: (عن إسحاق بن عبد الله) قال في ((التقريب)): إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة الأموي، مولاهم المدني، متروك، من الرابعة. قوله: (القاتل لا يرث) فيه دَلِيلٌ على أن القاتل لا يرث من المقتول، سواء كان قتل خطأ أو عمدًا، وإليه ذهب أكثر أهل العلم. (١) أحمد. حديث (٦٦٢٦، ٦٨٠٥)، وأبو داود، كتاب الفرائض. حديث (٢٩١١)، وابن ماجه كتاب الفرائض. حديث (٢٧٣١). ٢٨٤ كتاب الفرائض عن رسول الله وَّوَ / باب مَا جَاء في إبْطَالِ ميرَاثِ القَاتِلِ قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ لا يَصِحُ، لا يُعْرَفُ إِلَّ مِن هذَا الوَجْهِ، وإسحاقُ بْنُ عَبْدِ الله بْنِ أبِي فَرْوَةَ قد تَرَكَهُ بَعْضُ أهْلِ العلم، منهم أحمدُ بْنُ حَنْبَلٍ، والعَمَلُ على هذا ◌ِنْدَ أهْلِ العِلمِ: أنَّ القَاتِلَ لا يَرِثُ، كَانَ القَتْلُ خطَأَ أو عَمْدًا، وقالَ بَعْضُهُمْ: إِذَا كَانَ القَتْلُ خَطَأَ ؛ فَإِنَّهُ يَرِثُ، وهو: قَوْلُ مَالِكِ. قوله: (هذا حديث لا يصح). وأخرجه ابن ماجه، والنسائي(١) في ((السنن الكبرى))، وقال إسحاق: متروك. قوله: (والعملُ على هذا عند أهل العلم أن القاتلَ لا يرثُ، كان القتلُ خطأ أو عمدًا ... إلخ). قال الشوكاني في ((النيل)) تحت حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا: ((لا يَرِثُ الْقَاتِلُ شَيْئًا))، أخرجه أبو داود، والنسائي(٢): استدلَّ به من قال بأن القاتلَ لا يرث، سواء كان القتلُ عمدًا أو خطأ؛ وإليه ذهب الشافعي، وأبو حنيفة، وأصحابه، وأكثر أهل العلم قالوا: ولا يرثُ من المال، ولا من الدِّية. وقال مالك، والنخعي، والهادوية: إن قاتلَ الخطأ يرثُ من المال دون الدِّيَةِ، ولا يخفى أن التخصيص لا يقبلُ إلا بدليل، وحديث عمر بن شيبة بن أبي كثير الأشجعي عند الطبراني، نصٌّ في مَحَلِّ النزاع، فإن النبيَّ وََّ قال له: ((اعْقِلْهَا وَلا تَرِثُهَا)). وقد كان قتل امرأته خطأ، وكذلك حديثُ عدي الجذامي عند البيهقي (٣) في ((سننه)) بلفظ: أن عَدِيًّا كانت له امرأتان اقتتلتا، فرمى إحداهما فماتت، فلما قدم رسولُ الله ◌َّ﴿ أتاه، فذكر له ذلك، فقال له: ((اعْقِلْهَا وَلا تَرِثُهَا)). وأخرج البيهقي(٤) أيضًا ((أن رجلًا رمى بحجرٍ، فَأَصَابَ أُمَّهُ، فماتت من ذلك، فأراد نَصِيبَهُ من ميراثها، فقال له إخوته: لا حَقَّ لك، فارتفعوا إلى علي نَُّه، فقال له: حَقُّك من ميراثها الحجر، وغرَّمه الدية، ولم يعطه من ميراثها شَيْئًا)). وأخرج أيضًا عن جابر بن زيد، أنه قال: ((أيما رجل قَتَلَ رجلًا، أو امرأةً عَمْدًا، أو خطأ، فَلا مِيرَاثَ لَهُ منهما، وأيما امرأةٍ قتلت رَجُلًا أَوِ امْرَأَةً عَمْدًا، أو خطأ، فلا ميراث لهما منهما))، وقال: قضى بذلك عمرُ بن (١) ابن ماجه، كتاب الديات. حديث (٢٦٤٥)، والنسائي في ((الكبرى)) (٦٣٦٧). (٢) أبو داود، كتاب الديات. حديث (٤٥٦٤)، والنسائي في ((الكبرى)) (٦٣٦٧) من حديث ابن عمرو. (٣) السنن الكبرى (١٢٠١٨). (٤) السنن الكبرى (١٢٠٢٦). ٢٨٥ كتاب الفرائض عن رسول الله وَّ﴿و / باب مَا جَاء في مِيراثِ المَرأةِ من دِيةِ زَوْجِهَا ١٨ - باب مَا جَاء في مِيراثِ المرأةِ من دِيةٍ زَوْجِهَا [ت ١٨، م ١٨] [٢١١٠] (٢١١٠) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ وأحمدُ بْنُ مَنِيعِ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، قالُوا: حَدَّثَنَا سفيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَن سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ قَالَ: قَالَ عُمَرُ: الدِّيَةُ عَلَى العَاقِلَةِ، ولا تَرِثُ المرأةُ مِن دِيَةِ زَوْجِهَا شيئًا، فَأَخْبَرَهُ الضَّحَّاكُ بْنُ سفيانَ الكِلَابيُّ: أنَّ رَسُوْلَ اللهِ وَّهَ كَتَبَ إلَيْهِ: أنْ وَرِّثِ امْرأةَ أشْيمِ الضَّبَابِيِّ من دِيَةِ زَوْجِهَا. [د: ٢٩٢٧، جه: ٢٦٤٢، حم: ١٥٣١٨، طا: ١٦١٩]. قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. الخطاب، وعلي، وشريح، وغيرهم من قضاة المسلمين، وقد ساق البيهقيُّ في الباب آثارًا عن عمر، وابن عباس، وغيرهما، تفيدُ كلها أنه لا ميراث للقاتل مطلقًا. انتهى. ١٨ - بَابُ مَا جَاءَ في مِيرَاثِ الْمَزْأَةِ من دِيَةٍ زَوْچِهَا [٢١١٠] قوله: (كتب إليه أن ورث امرأة أشيم الضِّبابي)، بكسر الضاد المعجمة وتخفيف الباء الموحدة الأولى، منسوب إلى ضِبَاب بن كلابٍ، قُتل في حَياة النبي ◌َّ خَطَّأَ. قال الشوكاني في ((النيل)): فيه دليلٌ على أن الزوجة ترثُ من دية زوجها، كما ترث من ماله. وكذلك يدلُّ على ذلك حديثُ عمرو بن شعيب، لعموم قوله فيه: ((بين ورثة القتيل))، والزوجةُ من جُمْلَتِهِمْ، وكذلك قولُه في حديث قرة بن دعموص: ((هَلْ لأُمِّي فِيهَا حَقٌّ؟ قال: نعم)). انتھی. قلت: حديثُ عمرو بن شعيب الذي أشار إليه الشوكاني. أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه(١) عنه عن أبيه عن جده؛ أن النبي ◌َّهُ: (قَضَى أَنَّ الْعَقْلَ مِيرَاثٌ بَيْنَ وَرَثَةِ الْقَتِيلِ عَلَى فَرَائِضِهِمْ)) . وحديث قرة بن دعموص، أخرجه البخاري(٢) في ((تاريخه)) عنه قال: أتيتُ النبيَّ ◌َّ أنا وعمِّي، قلت: يا رسول الله، عند هذا ديةُ أبي فَمُرْهُ يُعْطِنِيهَا، وكان قُتل في الجاهلية، فقال: ((أَعْطِهِ دِيَةَ أَبِهِ))، فقلت: هل لأمِّي فيها حَقٌّ؟ قال: ((نعم)). وكانت ديتُه مائةً من الإبل. (١) أحمد (٧٠٥١)، وأبو داود، كتاب الديات. حديث (٤٥٦٤)، والنسائي، في كتاب القسامة. حديث (٤٨٠١)، وابن ماجه، کتاب الدیات. حدیث (٢٦٤٢). (٢) التاريخ الكبير (٧/ ١٨٠) (٨٠٨). ٢٨٦ كتاب الفرائض عن رسول الله وَ له / باب مَا جَاء أنَّ الميراث [الأموَالَ] لِلْوَرَثَةِ والعَقْلَ على العَصَبَةِ ١٩- باب مَا جَاء أنَّ الميراث [الأموَالَ] لِلْوَرَثَةِ والعَقْلَ على العَصَبَةِ [ت ١٩، م ١٩] [٢١١١] (٢١١١) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَن ابنِ شِهَابٍ، عَن سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَن أبي هُرَيْرَةَ: أنَّ رَسُوْلَ اللهِ لهِ قَضَى فِي جَنِينِ امْرَأَةٍ مِن بَني لحْيَانَ سَقَطَ مَيِّتًا بِغُرَّةٍ عَبْدٍ أوْ أمَةٍ، ثُمَّ إنَّ المرأةَ الَّتِي قُضِي عليها بِالغُرَّةِ تُؤُفِيَتْ، فَقَضَى رَسُولُ اللهِ وَّهِ أَنَّ مِيرَاثَهَا لِبَنِيهَا وَزَوْجِهَا، وأنَّ مَقْلَهَا عَلَى عَصَبَتِهَا. [خ: ٦٩٠٩، م: ١٦٨١، ن: ٤٨٣٢، د: ٤٥٧٧، حم: ٧١٧٦، طا: ١٦٠٨]. وحديث سعيد بن المسيِّب المذكور في الباب أخرجه الترمذي(١) أيضًا، في ((باب المرأة تَرِثُ مِن دِيَةِ زَوْجِهَا)» من أبواب الديات، وتقدم هناك شَرْحُهُ. ١٩ - بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ المِيرَاثَ لِلْوَرَثَةِ، وَالْعَقْلُ للعَصَبَةِ وفي بعض النسخ على العصبة، وهو الظاهر. [٢١١١] قوله: (قضى)، أي: حكم، (في جنين امرأة من بني لحيان). قال النووي: المشهور كسر اللام في لِحيان، وروي فتحُها، ولحيان بَطْنٌ من هُذَيْلٍ، (بغرة)، بضم الغين المعجمة، وشدة الراء منونًا، (عبد، أو أمة)، بدل من ((غرة))، و((أو)) للتنويع لا للشَّكِّ، وقد تقدَّم تفسيرُ الغرةِ في (باب دية الجنين)) من أبواب الدِّيَاتِ، (ثم إن المرأة التي قُضي عليها)، بصيغة المجهول، أي: حُكِمَ عليها، وهي المرأة الجانيةُ، (توفيت)، أي: ماتت. قال في ((اللمعات)): في شرح هذه العبارة كَلامٌ، وهو أن الظاهر أن يكونَ المرادُ بالمرأة التي قُضِيَ عليها، أي: على عاقلتها بِغُرَّةِ المرأة الجانية، فيكون الضمائر في بنيها وزوجها لها، وكذا في قوله: ((والعقل على عصبتها))، وتخصيصُ التوريث لبنيها وزوجها؛ لأنهم هم كانوا من وَرَثَتِهَا، وإلا فالظّاهرُ أن ميراثَها لورثتها أيًّا ما كان، ويردُّ عليه أن بيان وفاة الجانية ليس بكثير المناسبةِ في هذا المقام، بل المرادُ موتُ الجنينِ مع أمها، كما ورد في رواية: ((فَقَتَلتَهَا وَمَا فِي بَظْنِهَا))، فقال الطيبي في ((توجيهه)): إن ((علي)) في قوله: قضي عليها وضع موضع اللَّام، كما في قوله تعالى: ﴿لِّنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]، فيكون المرادُ بالمرأة (١) الترمذي، كتاب الديات عن رسول الله. حديث (١٤١٥)، وكتاب الفرائض. حديث (٢١١٠). كتاب الفرائض عن رسول الله وَل ﴿ه / باب مَا جَاء أنَّ الميراث [الأموَالَ] لِلْوَرَثَةِ والعَقْلَ على العَصَبَةِ ٢٨٧ قَالَ أَبُو عِيْسَى: وَرَوَى يُونُسُ هذا الحَدِيثَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَن سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، وَأَبِي سَلَمَةَ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، عَن النبيِّ وَّهَ: نَحْوَهُ، ورواه مَالِكٌّ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَن أبِي سَلَمَةَ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، وَمَالِكٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَن سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنِ النَّبِيِّ وَله: مرسلًا. المجني عليها، والضَّمائر لها إلا في قوله: ((عَلَى عَصَبَتِهَا))؛ فإنه للجاني، وهذا إذا كانت القضيةُ واحدةً. قال الطيبي: وهو الظاهر. انتهى. وقال النووي: في ((شرح مسلم)): قال العلماءُ: هذا الكلامُ، (يعني: قوله ثم إن المرأة التي قضي عليها بالغرة توفيت ... إلخ). قد يوهم خلاف مراده. فالصوابُ أن المرأة التي ماتت هي المجنيُّ عليها أمُّ الجنين، لا الجانية. وقد صرح به في الحديث بعده بقوله: فَقَتَلَتْهَا وما في بطنها، فيكون المرادُ بقوله: ((التي قضي عليها بالغرة)) أي هي التي قُضِي لها بالغرة، فعبر بـ ((عليها)) عن (لها)). وأما قوله والعقل على عصبتها، فالمرادُ القاتلة، أي: على عَصَبَةِ القاتلة. انتهى. وحديث أبي هريرة المذكور في هذا الباب. أخرجه البخاريُّ في الفرائضٍ، وفي الديات، ومسلم، وأبو داود، والنسائي(١)، في الدِّيَاتِ. قوله: (وروى يونس هذا الحديث عن الزهري عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي (وَّهه نحوه). روى البخاري(٢) في ((صحيحه)) قال: حدثنا أحمد بن صالح حدثنا ابن وهب حدثنا يونس عن ابن شهاب عن ابن المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن؛ أن أبا هريرة قال: اقتتلت امرأتان من هُذَيْلٍ، فرمت إحداهما الأخرى بحجر فَقَتَلَهَا وَمَا في بَظْنِهَا. فاختصموا إلى النبي ◌َّفَقَضَى: ((أَنَّ دَيَةَ جَنِينِهَا غُرَّةُ عَبْدٍ أَوْ وَلِيدَةٍ، وَقَضَى دِيَةً الْمَرأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا))، وقد رواه مسلم (٣) أيضًا قال: حدثني أبو طاهر، قال: أخبرنا ابن وهب رحمه الله قال: وأخبرنا حرملة بن يحيى التجيبي، قال: أنبأنا ابن وهب قال: أخبرني يونس بهذا الإسناد، (عن أبي سلمة عن أبي هريرة، ومالك عن الزهري). قال في ((هامش النسخة الأحمدية)): هذه العبارة لا توجد في النسخ الدهلوية، ولكن وجدتها في النسخة الصحيحة التي جِئْتُ بها من العرب. انتهى. (١) تقدم ذكرهم، وأخرجه أبو داود، كتاب الديات. حديث (٤٥٧٦). (٢) البخاري، كتاب الديات. حديث (٦٩١٠). (٣) مسلم، كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات. حديث (١٦٨١). ٢٨٨ كتاب الفرائض عن رسول الله وَ ل﴿ / باب مَا جَاء في ميراث الذي يُسلِمُ عَلَى يَدَيِ الرَّجُلِ ٢٠ - باب مَا جَاء في ميراث الذي يُسلِمُ عَلَى يَدَي الرَّجُلِ [ت ٢٠، م ٢٠] [٢١١٢] (٢١١٢) حَدَّثَنَا أبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، وابنُ نُمَيْرٍ، ووَكِيعٌ عَن عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العزِيزِ، عَن عَبْدِ الله بْنِ مَوْهِبٍ، وقالَ بعضُهم: عَن عَبْدِ الله بْنِ وَهْبٍ، عَن تَميم الدَّارِيِّ، قَالَ: سَألْتُ رَسُولَ اللهِ وَلَّهِ: ما السُّنَّة في الرَّجُلِ مِن أهْلِ الشِّرْكِ يُسْلِمُ عَلَى يَدِ رَجُلٍ مِن المُسْلِمِينَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَةِ: ((هُوَ أَوْلَى النَّاسِ بِمَحْيَاهُ وَمَمَاتِهِ)). [د: ٢٩١٨، جه: ٢٧٥٢، حم: ١٦٤٩٧، مي: ٣٠٣٣]. قلت: ويدلُّ على صحة هذه النسخة، أن مالكًا روى هذا الحديث موصولًا ومرسلًا. ففي ((صحيح البخاري))(١) في باب الكهانة من ((كتاب الطِّبِّ)): حدثنا قتيبةٌ عن مالك عن ابن شهاب عن أبي سلمة عن أبي هريرة، أن امرأتين رَمَتْ إحداهما الأخرى، فطرحت جنينها، فَقَضَى فيه رسولُ الله ◌َ ((بِغُرَّةِ عَبْدٍ أَوْ وَلِيدَةٍ)). وعن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب، أن رسول الله وَ ل﴿ قضى فِي الْجَنِينِ يُقْتَلُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ بِغُرَّةِ عَبْدٍ أَوْ وَلِيدَةٍ ... )) الحديث. ٢٠ - بَابُ مَا جَاءَ في مِيرَاثِ الرَّجُلِ الَّذِي يُسْلِمُ عَلَى يَدَي الرَّجُلِ [٢١١٢] قوله: (عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز) بن مروان الأموي المدني، نزيل الكوفة، صدوق يخطئ، من السابعة. (عن عبد الله بن موهب). قال في ((التقريب)): عبد الله بن موهب الشامي أبو خالد، قاضي فلسطين لعمر بن عبد العزيز، ثقة، لكن لم يسمع من تميم الداري، من الثالثة. (وقال بعضهم عن عبد الله بن وهب) قال في ((التقريب)): عبد الله بن وهب عن تميم الداري صَوَابُهُ: عبد الله بن موهب. قوله: (ما السنة في الرجل)، أي: ما حكم الشّرع في شأن الرجل، (من أهل الشرك)، أي: الكفر، (يسلم على يد رجل)، وفي رواية: ((عَلَى يَدَي الرَّجُلِ))، أي: هل يصيرُ مولى له أم لا؟ (هو)، أي: الرجل المسلم الذي أسلم على يَدَيْهِ الكافرُ، (أولى الناس بمحياه ومماته)، أي: بمن أسلم في حياته ومماته، يعني: يصير مولى له. قال المظهر: فعند أبي حنيفة، والشافعي، ومالك، والثوري رحمهم الله: لا يصير مولى، ويصيرُ مولى عند عمر بن عبد العزيز، وسعيد بن المسيب، وعمرو بن الليث، لهذا (١) البخاري، كتاب الطب. حديث (٥٧٦٠). ٢٨٩ كتاب الفرائض عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاء في ميراث الذي يُسلِمُ عَلَى يَدَيِ الرَّجُلِ قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حَدِيثٌ لا نَعْرِفُهُ إلَّا مِن حَدِيثٍ عَبْدِ الله بْنٍ وَهْبٍ، وَيُقَالُ: ابنُ مَوْهِبٍ عَن تميم الدَّارِيِّ، وقد أدْخَلَ بعضهم بين عبد الله بْنِ مَوْهبٍ وبين تَميم الدَّارِيِّ قَبِيصَةَ بْنَ ذُؤَّيْبٍ، ولا يَصِحُّ، رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ عَن عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ عُمَرَ وَزَادَ فيهِ : قَبِيصَةَ بْنَ ذُؤَيْبٍ، الحديث، ودليلُ الشافعي وأتباعه قولُه عليه الصلاة والسلام: ((الْوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ))، وحديث تميم الدَّاري يحتملُ أنه كان في بدء الإسلام؛ لأنهم كانوا يتوارثون بالإسلام والنصرة ثم نسخ ذلك، ويحتمل أن يكون قوله عليه الصلاة والسلام: ((هُوَ أَوْلَى النَّاسِ بِمَحْيَاهُ وَمَمَاتِهِ)). يعني: بالنصرة في حال الحياة، وبالصَّلاة بعد الموت، فلا يكون حجة. انتهى، كذا في ((المرقاة)). وقال الخطابي: قد يحتجُّ به من يرى توريثَ الرجل ممن يُسْلِمُ على يَدِهِ من الكفّار، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه، إلا أنهم قد زادوا في ذلك شَرْطًا، وهو أن يعاقده ويواليه، فإن أسلمَ على يَدِهِ ولم يعاقده، ولم يواله فلا شيء له. وقال إسحاق بن راهويه كقول أصحاب الرأي، إلا أنه لم يذكر الموالاة. قال الخطابي: ودلالةُ الحديثِ مهمةٌ، وليس فيه أنه يرثه، وإنما فيه أنه أَوْلَى الناس بمحياه ومماته، وقد يحتملُ أن يكونَ ذلك في الميراثِ، وقد يحتملُ أن يكون ذلك في رعي الذمام والإيثار، بالبر والصلة، وما أشبههما من الأمور، وقد عارضه قولُهُ وَّهِ: ((الْوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ)). وقال أكثر الفقهاء: لا يرثه، وضعَّف أحمدُ بن حنبل حديثَ تميمِ الدَّاري هذا، وقال: عبد العزيز راويه ليس من أهل الحفظ والإتقان. انتهى. قوله: (هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن موهب ... إلخ). أخرجه أحمد، والدارمي، والنسائي، وابن ماجه(١). (وقد أدخل بعضهم بين عبد الله بن موهب، وبين تم والداري قبيصة بن ذؤيب. ورواه يحيى بن حمزة عن عبد العزيز بن عمر، وزاد فيه عر قبيصة بن ذؤيب). قال البخاري في ((صحيحه)) في باب: إذا أسلم على يَدَيْهِ من ((كتاب الفرائض))، ويذكر عن تميم الداري رفعه قال: ((هُوَ أَوْلَى النَّاسِ بِمَحْيَاهُ وَمَمَاتِهِ)). قال الحافظ في ((الفتح)): قد وصله البخاري في ((تاريخه))، وأبو داود، وابن أبي عاصم، والطبراني، والباغندي(٢) في ((مسند عمر بن عبد العزيز))، بالعنعنة؛ كلهم من طريق عبد العزيز بن عمر بن (١) تقدم ذكرهم، وأخرجه النسائي في (الكبرى)) (٦٤١١). (٢) التاريخ الكبير (١٩٨/٥) (٦٢٥)، وأبو داود (٢٩١٨)، والطبراني في ((الكبير)) (١٢٧٣)، والباغندي في مسند عمر بن عبد العزيز (٦٥)، وابن أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني)) (٢٥٤٦) ٢٩٠ كتاب الفرائض عن رسول الله وَ له / باب مَا جَاءَ فِي إِنْطَالِ مِيْرَاتِ وَلَدِ الرِّنَا وهو عندي ليسَ بِمُتَّصلٍ، والعَمَلُ على هذا الحديث عِنْدَ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ، وقَالَ بعضُهُمْ: يُجْعَلُ مِيرَاثُهُ في بَيْتِ المَالِ، وهو قَولُ الشَّافِعِيِّ، وَاحْتَجَّ بحَدِيثِ النبيِّ وَه : ((أنَّ الوَلَاء لِمَنْ أَعْتَقَ)». ٢١ - باب مَا جَاءَ في إبْطَالِ مِيْرَاثٍ وَلَدِ الزِّنَا [ت ٢١، ٢١٢] [٢١١٣] (٢١١٣) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا ابنُ لَهِيعَةَ، عَن عَمْرو بْنِ شُعَيْبٍ، عَن عبد العزيز قال: ((سمعتُ عبد الله بن موهب يحدث عمر بن عبد العزيز عن قبيصة بن ذؤيب عن تميم الداري قال: قلت: يا رَسُولَ الله، مَا السُّنة في الرجل؟ ... )) الحديث. (وهو عندي لیس بمتصل). قال البخاري في ((صحيحه)): واختلفوا في صِحَّةٍ هذا الخبر. انتهى. وقد بسط الحافظُ الكلامَ على هذا الحديث في ((الفتح))، والعيني في ((العمدة)). قوله: (والعملُ على هذا عند بعض أهل العلم)، كإسحاق بن راهويه، وغيره (وقال بعضهم: يجعل ميراثه في بيت المال، وهو قولُ الشافعي، واحتجَّ بحديث النبي ◌َّ أن الولاء لمن أعتق). وقول الشافعي، ومن تبعه هو الظاهر؛ لأن حديثَ تميم الداري المذكور في الباب - على تقدير صحته - لا يقاوم حديث عائشة: ((إِنَّمَا الْوَلاءُ لِمَنْ أَعتَقَ)(١). وعلى التنزل فتردد في الجمع، هل يخصُّ عموم الحديث المتفق على صحته بهذا، فيستثني منه من أسلم، أو تؤول الأولوية في قوله: ((أَوْلَى النَّاسِ)) بمعنى النُّصرة والمعاونة، وما أشبه ذلك، لا بالميراث، ويبقى الحديثُ المتفقُ على صِحَّتِهِ على عمومه؟ . جنح الجمهورُ إلى الثاني، ورجحانُهُ ظاهر، وبه جزم ابنُ القصار في ما حكاه ابن بطال، فقال: لو صحَّ الحديثُ لكان تأويلُه أنه أحقُّ بموالاته في النصر والإعانة، والصَّلاة عليه إذا مات، ونحو ذلك، ولو جاء الحديثُ بلفظ: أحق بميراثه لوجب تخصيص الأول. والله أعلم . ٢١ - بَابُ مَا جَاءَ في إِبْطَالِ مِيرَاثٍ وَلَدِ الزِّنَا [٢١١٣] قوله : (١) البخاري، كتاب البيوع. حديث (٢١٥٦)، ومسلم، كتاب العتق. حديث (١٥٠٤). ٢٩١ كتاب الفرائض عن رسول الله ◌َّو / باب ما جاء فيمَن يَرِثُ الوَلَاءَ أبِيه، عَن جَدِّهِ؛ أنَّ رَسُوْلَ اللهُ بَّهِ قَالَ: ((أيُّمَا رَجُلٌ عَاهَرَ بِخُرَّةٍ أَوْ أَمَةٍ، فالوَلَدُ وَلَدُ زِنَى، لا يَرِثُ وَلا يُورَثُ)). [جه: ٢٧٤٥]. قَالَ أبُو عِيْسَى: وقد رَوَى غَيْرُ ابنِ لَهِيعَةَ هذا الحديثَ عَن عمرو بْنِ شُعَيْبٍ، والعملُ على هذا عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ: أنَّ وَلَدَ الزِّنَا لَا يَرِثُ مِن أبِيه. ٢٢ - باب ما جاء فيمَن يَرِثُ الوَلَاءَ [ت ٢٢، م ٢٢] [٢١١٤] (٢١١٤) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَن عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَن أبِيه، عَن جَدِّه؛ أنَّ رَسُوْلَ الله ◌َّه قَالَ: (يَرِثُ الوَلاءِ مَن يَرِثُ المَالَ)). [ضعيف]. قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ لَيْسَ إسْنَادُهُ بِالقَوِيِّ. (أيما رجل عاهر)، بصيغة الماضي من باب المفاعلة، أي: زَنًا. قال الجزري في ((النهاية)): العاهرُ الزَّاني، وقد عهر يعهر عهرًا وعهورًا، إذا أتى المرأة ليلًا للفجور بها، ثم غلب على الزنا مطلقًا. (فالولد ولد زنا لا يرث)، أي: من الأب، (ولا يورث)، بفتح الراء وقيل بكسرها، قال ابن الملك: أي: لا يرثُ ذلك الولد من الواطئ، ولا من أقاربه، إذ الوراثةُ بالنَّسب، ولا نسب بينه وبين الزاني، ولا يرثُ الواطئُ ولا أقاربهُ من ذلك الولد. والحديث في سنده ابن لهيعة، وفيه مقال معروف، ولكن قال الترمذي: رواه غيره عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جَدِّهِ. ٢٢ - بَابُ مَا جَاءَ فِيمَنْ يَرِثُ الْوَلاءَ بفتح الواو، يعني: ولاء العتق، وهو إذا مَاتَ المعتقُ ورثه معتقه، أو ورثه معتقه. [٢١١٤] قوله: (يرث الولاء) أي: مال العتيق، (من يرث المال)، أي من العصبات الذُّكور، والمراد العصبة بنفسه. قال المظهر: هذا مخصوصٌ، أي: يرث الولاء كل عصبةٍ يرث مال الميت، والمرأة وإن كانت ترث، إلا أنها ليست بِعَصَبَةٍ، بل العصبةُ الذُّكُور دون الإناث. ولا ينتقلُ الولاءُ إلى بيت المال، ولا ترث النِّساء بالولاء، إلا إذا أعتقن، أو أعتق عتيقهن أحدًا. انتهى. وقال في ((اللمعات)): أي: إذا مات عتيقُ الأب، أو عتيقُ عتيقه، يرث الابن ذلك الولاء، وهذا مخصوصٌ بِالْعَصَبَةِ، ولا ترث النِّسَاءُ الولاءَ إِلَّ ممن أعتقته، أو أعتق من أعتقته. انتهى. قوله: (هذا حديث ليس إسناده بالقوي) ؛ لأن فيه ابن لهيعة. ٢٣- باب مَا جَاءَ مَا يَرِثُ النِّسَاءَ مِنَ الوَلاءِ [ت ٢٣، م٢٣] [٢١١٥] (٢١١٥) حَدَّثَنَا هَارُونُ أبُو مُوسَى المُسْتَمِلِيُّ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ رُوبَةَ التَّغْلبيُّ، عَن عبد الواحدِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ بُسْرِ النَّصْرِيِّ، عَن وَاثِلَةَ بْنِ الأسْقَعِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((المَرأةُ تَجُوزُ ثَلَاثَةَ مَوَارِيثَ: عَتِيقَها، وَلَقِيطَها، ٢٣ - بَابُ مَا جَاءَ مَا يَرِثُ النِّسَاءَ مِنَ الْوَلاءِ [٢١١٥] قوله: (حدثنا هارون أبو موسى المستملي البغدادي)، هو: هارون بن عبد الله البزاز الحافظ، المعروف بالحمال، (أخبرنا محمد بن حرب) الخولاني الحمصي الأبرش، ثقة، من التاسعة، (أخبرنا عمر بن روبة)، بضم الراء وسكون الواو بعدها موحدة، (التغلبي)، بمثناة، الحمصي، صدوق من الرابعة. (عن عبد الواحد بن عبد الله بن بسر النصري). قال في ((التقريب)): عبدُ الواحد بن عبد الله بن كعب بن عمير النصري بالنون، أبو بسر بضم الموحدة وسكون المهملة، الدمشقي، ويقال: الحمصي، ثقة، من الخامسة. وقال في ((تهذيب التهذيب)): في ترجمته: ويعرف أبوه بابن بسر، أي: بضم الموحدة وبالمهملة. قوله: (المرأة تحوز)، أي: تجمع وتحيط، (ثلاثة مواريث)، جمع ميراث، (عتيقها)، أي: ميراث عتيقها، فإنه إذا أعتقت عبدًا، ومات، ولم يكن له وارث، ترث مالَهُ بِالْوَلاءِ، (لقيطها)، أي: ملقوطها، فإن الملتقط يرثُ من اللقيط على مذهب إسحاق بن راهويه، وعامة العلماء على أنه لا وَلاءَ للملتقط، لأنه عليه الصلاة والسلام خَصَّهُ بالمعتق بقوله: ((لا وَلاءَ إِلَّ وَلاءَ الْعَتَاقِةِ»(١). قال الخطابي: أما اللقيطُ فإنه في قَوْلِ عامَّة الفقهاء حُرٌّ، فإذا كان حُرًّا فلا ولاء عليه لأحدٍ. والميراثُ إنما يستحقُّ بنسبٍ أو ولاءٍ، وليس بين اللقيط وملتقطه واحدٌ منهما. وكان إسحاق بن راهويه يقول: ولاءُ اللقيط لملتقطه، ويحتجّ بحديث واثلة، وهذا الحديثُ غيرُ ثَابِتٍ عند أهل النقل، فإذا لم يثبت الحديثُ لم يلزم القولُ به، فكان ما ذهب إليه عامةٌ العلماء أولی. انتهى. (١) لم أجده مرفوعًا إلى النبي ◌َّل بهذا اللفظ. ٢٩٣ كتاب الفرائض عن رسول الله وَّوَ ر باب مَا جَاءَ مَا يَرِثُ النِّسَاءَ مِنَ الوَلاءِ وَوَلَدَهَا الَّذِي لَا عَنَتْ عليه)). [فيه ضعف، عمر بن رؤبة، قال البخاري: فيه نظر، وقال ابن عدي: أنكروا أحاديثه عن عبد الواحد البصري، وقال ابن حجر: مجهول: د: ٢٩٠٦، جه: ٢٧٤٢]. هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ، لا يُعْرَفُ إلَّا من هذا الوَجْهِ، من حَدِيثِ محمدِ بْنِ حَرْبٍ. تَمَّ کِتابُ الفَرائِضِ وَيَليهِ كِتابُ الوَصَايَا (وولدها الذي لاعنت عنه)، أي: من قبله، ومن أجله. في ((شرح السنة)): هذا الحديثُ غيرُ ثابتٍ عند أهل النقل، واتفق أهل العلم على أنها تأخذ ميراثَ عتيقها، وأما الولدُ الذي نَفَاهُ الرجُلُ باللِّعَانِ فلا خلافَ أن أَحَدَهُمَا لا يرثُ الآخر؛ لأن التوارث بسبب النَّسب انتفى باللِّعان، وأما نسبه من جهة الأم فثابت، ويتوارثان. قال القاضي رحمه الله: وحيازةُ الملتقطة ميراثَ لقيطها محمولةٌ على أنها أَوْلَى بأن يصرَف إليها ما خلفه من غيرها صرف مال بيت المال إلى آحادِ المسلمين، فإن تركته لهم، لا أنها ترثه وارثة المعتقة من معتقها، وأما حكمُ ولد الزنا فحكم المنفي بلا فرق. انتهى. قوله: (هذا حديث حسن غريب) قال الحافظ في ((الفتح)): بعد ذكر هذا الحديث: حسَّنه الترمذي، وصحَّحه الحاكم(١)، وليس فيه سوى عمر بن رؤبة مختلف فيه، قال البخاريُّ: فيه نظر، ووثقه جماعة. انتهى. وحديثُ واثلة هذا أخرجه أيضًا أبو داود، والنسائي، وابن ما جه(٢). -- (١) الحاكم. حديث (٧٩٨٦) وصححه. (٢) تقدم ذكرهم، وأخرجه النسائي في ((الكبرى)) (٦٣٦١). ٢٩٥ كتاب الوصايا عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاء في الوَصِيَّةِ بالثُّلُثِ (٣١) كِتابُ الوصايا عن رسول اللّه صَ لّه وَسْتِلم ١- باب مَا جَاء في الوَصِيَّةِ بالثُّلُثِ [ت ١، ٢ ١] [٢١١٦] (٢١١٦) حَدَّثَنَا ابنُ أبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيينَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أبِي وَقَّاصٍ، عَن أبِيه، قَالَ: مَرِضْتُ عَامَ الفَتْحِ مَرَضًا أَشْفَيْتُ مِنْهُ على المَوْتِ، فَأَتَانِي رَسُولُ اللهِ نَّهِ يَعُودُنِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، إنَّ لِي مَالًا كَثِيرًا، وَلَيْسَ يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَتِي ٣١ _ كِتَابُ الْوَّضَايَا قال في ((الْفَتْحِ)): (الْوَصَايَا) جمعُ وصية كالهدايا، وتطلقُ على فعل الموصي، وعلى ما يوصي به من مال، أو غيره من عَهْدٍ ونحوه، فتكون بمعنى المصدر، وهو الإيصاءُ، وتكون بمعنى المفعول وهو الاسم. وفي الشرع: عَهْدٌ خَاصٌّ مضاف إلى ما بعد الموت، وقد يصحبه التبرع. قال الأزهري: الوصية من وصيت الشيء بالتخفيف أوصيه، إذا وصلته، وسميت وَصيَّةً؛ لأن الميت يَصِلُ. بها ما كان في حياته بعد مماته، ويقال: وَصِيَّة بالتشديد، ووصاة بالتخفيف بغير همز، وتطلق شَرْعًا أيضًا على ما يَقَعُ به الزجرُ عن المنهياتِ، والحثِّ على المأمورات. انتهى. ١ - بابُ مَا جَاءَ في الْوَصِيَّةِ بِالْثُلُثِ [٢١١٦] قوله: (مرضت عام الفتح)، صوابه: عام حجة الوداع. قال الحافظ في ((فتح الباري)): اتفق أصحابُ الزهري على أن ذلك كان في حجة الوداع إلا ابن عيينة، فقال في فتح مكة. أخرجه الترمذي، وغيره من طريقه. واتفق الحفاظ على أنه وهم فيه، قال: ويمكن الجمعُ بين الروايتين، بأن يكون ذلك وقعَ له مرَّتين، مرة عام الفتح، ومرة عام حجة الوداع، ففي الأولى لم يكن له وَارِثٌ من الأولادِ أَضْلًا، وفي الثانية كانت له ابنة فقط. انتهى. (أشفيت منه)، أي: أَشْرَفْتُ، يقال: أَشْفَى على كذا، أي: قاربه وصار على شَفَاهُ، ولا يكادُ يستعملُ إلا في الشَّرِّ، (يعودني) حال، (وليس يرثني)، أي: من أصحاب الفروض، (إلا ابنتي) ؛ لأنه كان له عَصَبَةٌ كثيرة، ذكره المظهر. ٢٩٦ كتاب الوصايا عن رسول اللّهِوَ ﴿ / باب مَا جَاء في الوَصِيَّةِ بالقُّلُثِ أَفَأُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ؟ قَالَ: ((لَا))، قُلْتُ فَتُلُثَيْ مَالِي؟ قَالَ: ((لا))، قُلْتُ: فالشَّطْرُ؟ قَالَ: ((لا))، قُلْتُ: فالثُّلُثُ؟ قَالَ: ((الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إِنَّكَ إِنْ تَذْر وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاء خَيْرٌ مِن أنْ تَذرهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ، وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً إلَّا أُجِرْتَ فِيهَا، حَتَّى اللَّقْمَةَ تَرْفَعُهَا إِلَى فِي امْرَأتِكَ))، قَالَ: قُلتُ: يَا رَسُولَ الله، أُخَلَّفُ عَن ◌ِجْرَتِي؟ قال الطيبي: ويؤيد هذا التأويل قوله: ورثتك، ولعل تخصيصَ البنت بالذكر؛ لعجزها . والمعنى: ليس يرثُني مما أخافُ عليه إلا ابنتي. (أفأوصي)، بالتخفيف، والتشديد. (بمالي كله)، أي: بتصدُّقه للفقراء، (فالشطر) بالجر، أي: فبالنصف. قال ابن الملك: يجوز نصبُه عطفًا على الجار والمجرور ورفعه، أي: فالشطر كافٍ، وجره عطفًا على مجرور الباء (قلت: فالثلث) بالجر، وجوز النصب، والرفع على ما سبق، (قال: الثلث) بالنصب. قال النووي رحمه الله: يجوزُ نصبُ ((الثلث)) الأول، ورفعه أما النصب، على الإغراء، أو على تقدير فعل أي: أَعْطِ الثَّلُثَ، وأما الرفعُ، فعلى أنه فاعل، أي: يكفيك الثلثُ، أو أنه مبتدأ محذوف الخبر أو عكسه. (والثلث) بالرفع، لا غير على الابتداء خبره (كثير). قال السيوطي: روي بالمثلثة والموحدة وكلاهما صَحِيحٌ. قال ابن الملك: فيه بيان أن الإيصاءَ بالثُّلث جائزٌ له، وأن النقص منه أَوْلَى (إنك) استئناف تعليل، (إن تذر)، بفتح الهمزة والراء، ويكسر الهمزة وسكون الراء، أي: تترك (ورثتك أغنياء)، أي: مستغنين عن الناس، (عالة)، أي: فقراء، (يتكففون الناس)، أي: يسألونهم بالأَكُفِّ، ومدها إليهم، وفيه إشارةٌ إلى أن ورثته كانوا فقراءَ، وهم أَوْلَى بالخير من غَيْرِهِمْ. قال النووي رحمه الله: ((أن تذر)) بفتح الهمزة، وكسرها: روايتان صحيحتان، وفي ((الفائق)): ((إن تذر)) مرفوع المحلِّ على الابتداء، أي: تركك أولادك أغنياء خير، والجملة بأسرها خبر ((إنك)). (لن تنفق نفقة)، مفعول به، أو مطلق، (إلا أجرت فيها) بصيغة المجهول، أي: صرت مأجورًا، بسبب تلك النفقة. (حتى اللقمة) بالنصب، وبالجر، وحكي بالرفع. (ترفعها إلى في امرأتك). وفي رواية: ((حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِك))، أي: في فَمِهَا. والمعنى: أن المنفقَ لابتغاء رضائه تعالى يؤجر، وإن كان مَحَلُّ الإنفاقِ محلَّ الشهوة وحظ النفس، لأن الأعمال بالنياتِ، ونية المؤمن خير من عمله، كذا في ((المرقاة)). (أخلف عن هجرتي)، أي: أبقى بسبب المرض خلفًا بمكة؛ قاله تَحَسُّرًا، وكانوا يكرهون المقام بمكة ٢٩٧ كتاب الوصايا عن رسول الله وَّ / باب مَا جَاء في الوَصِيَّةِ بالثُّلُثِ قَالَ: ((إنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ بَعْدِي فَتَعْمَلَ عَمَلًا تُرِيدُ بِهِ وَجْهَ الله إلَّا ازْدَدْتَ بِه رِفْعَةً، وَدَرَجَةً، وَلَعَلَّكَ أنْ تُخَلَّفِ حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أقْوامٌ ويُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ، اللَّهِمَّ، أمْضٍ لأصحَابِي هِجْرَتَهُمْ، ولا تَرُدّهُمْ على أعْقَابِهِمْ))، لَكِنِ البَائِسُ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ: يَرْنِي لَهُ رَسُولُ اللهِ وَلِ أَنْ مَاتَ بِمَكّةَ. [خ: ٢٧٤٢، م: ١٦٢٨، ن: ٣٦٢٨، د: ٢٨٦٤، جه: ٢٧٠٨، حم: ١٤٤٣، طا: ١٤٩٥، مي: ٣١٩٦]. بعدما هاجروا منها، وتركوها لله. (إنك لن تخلف بعدي، فتعمل عملًا ... إلخ)، يعني: أن كونك مخلفًا لا يضرُّك مع العمل الصالح. (لعلك أن تخلف)، أي: بأن يطول عمرك، (حتى ينتفع بك أقوام)، أي: من المسلمين بالغنائم، مما سيفتح الله على يديك من بلاد الشِّركِ، ((ويضر)) مبني للمفعول، (بك آخرون) من المشركين الذين يَهْلَكُونَ على يديك، وقد وقع ذلك الذي ترجى رسول الله وَ لّ، فَشَفِيَ سعدٌ من ذلك المرض، وطال عمرُه، حتى انتفع به أقوامٌ من المسلمين، واستضر به آخرون من الكفار، حتى مات سنة خمسين على المشهور، وقيل غير ذلك. قال النووي: هذا الحديثُ من المعجزات، فإن سعدًا رُبه عاش حتى فتح العراق، وغيره وانتفع به أقوامٌ في دينهم ودنياهم، وتضرَّر به الكفارُ في دينهم ودنياهم، فإنهم قتلوا وصاروا إلى جهنم وسُبيت نساؤهم وأولادهم، وغنمت أموالهم وديارهم، وولي العراق فاهتدى على يَدَيْهِ خَلائِقُ وتضرر به خلائق بإقامة الحق فيهم من الكفار ونحوهم. انتهى. (اللهم امض لأصحابي هجرتهم)، أي: تممها لهم ولا تنقصها، (لكن البائس سعد بن خولة)، البائس: من أصابه بؤسّ، أي: ضرر، وهو يصلُح للذم والترحم. قيل: إنه لم يهاجر من مكة حتى مات بها، فهو ذَمُّ، والأكثر أنه هاجر، ومات بها في حجّة الوداع فهو ترُم، (يرثي له)، من: رثيت الميتَ مرئية إذا عَدَّدَت محاسنه. ورثأت بالهمز لغة فيه، فإن قيل: نهى رسولُ اللهِ وَّ عن المراثي، كما رواه أحمد، وابن ماجه، وصححّه الحاكم(١)، فإذا نهى عنه، كيف يفعله؟ فالجوابُ أنِ المرئيةَ المنهيَّ عنها ما فيه مدحُ الميت، وذكر محاسنه الباعث على تهييج الحزن، وتجديد اللّوعة، أو فعلها مع الاجتماع لها، أو على الإكثار منها دون ما عدا ذلك، والمراد هُنا توجعه عليه السلام وتحزنه على سعد؛ لكونه مات بمكة بعد الهجرة منها، لا مدح الميت لتهييج الحزن، كذا ذكره القسطلاني. (أن مات بمكة)، بفتح الهمزة، أي: لأجل موته بأرض هاجر منها، وكان يكره موته بها فلم يُعْطَ ما تمنَّى. قال ابنُ بطال: (١) أحمد. حديث (١٨٦٥٩)، وابن ماجه، كتاب ما جاء في الجنائز. حديث (١٥٩٢)، والحاكم (١٣٣٠). ٢٩٨ كتاب الوصايا عن رسول الله وَّه / بَاب مَا جَاءَ فِي الضِّرَارِ فِي الوَصِيَّةِ قَالَ أَبُو عِيْسَى: وفي البابِ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وقد رُوِيَ هذا الحديثُ مِن غَيْرِ وَجْهٍ، عَن سَعدِ بْنِ أبِي وَقَّاصٍ، والعَمَلُ على هذا عِنْدَ أهْلِ العلمِ؛ أنَّهُ لَيْسَ لِلرَّجُلِ أنْ يُوصِيَ بأكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ، وقد اسْتَحَبَّ بَعْضُ أهلِ العِلم أنْ ينقصَ مِنَ الثُّلُثِ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ وَه ((وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ)). ٢- بَاب مَا جَاءَ في الضِّرَارِ في الوَصِيَّةِ [ت ٢، م٢] [٢١١٧] (٢١١٧) حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ الجهضميُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الوَارِثِ، حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ - وَهُوَ جَدُّ هذا النَّصْرِ - وأما قوله: ((يرثي له)). فهو من كلام الزهري تفسير لقوله وَّ: (لكن البائس ... )) إلخ، أي: رئي له حين مات بمكة، وكان يهوى أن يموت بغيرها . قوله: (وفي الباب عن ابن عباس) أخرجه الشيخان(١). قوله: (هذا حديث حسن صحيح). أخرجه الجماعة. قوله: (والعمل على هذا عند أهل العلم، أنه ليس للرجل أن يوصي بأكثر من الثلث). قال الحافظ في ((الفتح)): استقرَّ الإجماعُ على منع الوصيةِ بأزيد من الثُّلُثِ، لكن اختلف فيمن ليس له وارث خَاصٌ، فذهب الجمهور إلى منعه من الزيادة على الثُّلث، وجوَّز له الزيادة الحنفيةُ، وإسحاق، وشريك، وأحمد في رواية، وهو قولُ علي، وابن مسعود، واحتجُّوا بأن الوصية مطلقةٌ في الآية، فقيَّدتها السُّنة بمن له وارث، فيبقى من لا وارث له على الإطلاق. (وقد استحب بعض أهل العلم أن ينقص من الثلث ... إلخ). قال الشوكاني في ((النيل)): المعروف من مذهب الشافعي استحبابُ النقصٍ عن الثلث. وفي ((شرح مسلم)) للنووي: إن كان الورثةُ فقراء استحب أن ينقص منه، وإن كانوا أغنياء استحب أن يوصي بالثلث تَبَرُّعًا . ٢ - بَابُ مَا جَاءَ في الضِّرَارِ في الْوَصِيَّةِ [٢١١٧] قوله: (حدثنا نصر بن علي) بن نصر بن علي الجهضمي، حفيد نصر بن علي الآتي في هذا السند، ثقة ثبت، طلب للقضاء فامتنع، من العاشرة. (حدثنا نصر بن علي) بن (١) البخاري، كتاب الوصايا. حديث (٢٧٤٣)، ومسلم، كتاب الوصية. حديث (١٦٢٩). ٢٩٩ كتاب الوصايا عن رسول الله وَّ ر بَاب مَا جَاءَ فِي الضِّرَارِ فِي الوَصِيَّةِ حَدَّثَنَا الأَشْعَثُ بْنُ جَابِرٍ، عَن شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَن أبي هُرَيْرَةَ؛ أنَّهُ حَدَّثَهُ عَن رَسُولِ اللهِ وَّ قَالَ: ((إن الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ وَالمَرأة بِطَاعَةِ الله سِتِينَ سَنَةً، ثُمَّ يَحْضُرُهُمَا المَوْتُ فَيُضَارَّانِ في الوَصِيَّةِ فَتَجِبُ لهما النَّارُ))، ثُمَّ قَرأ عَلَيَّ أَبُو هُرَيْرَةَ: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيٍَّ يُوصَى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ وَصِيَّةً مِّنَ اللَّهِ﴾ - إلَى قَوْلِهِ - ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ اُلْعَظِيمُ﴾. [النساء: ١٢-١٣]. [في إسناده شهر، وفيه كلام: د: ٢٨٦٧، جه: ٢٧٠٤]. صهبان الأزدي الجهضمي البصري، ثقة، من السابعة. (أخبرنا الأشعث بن جابر). قال في .. ((التقريب)): أشعث بن عبد الله بن جابر الحُدَّاني الأزدي بصري، يكنى أبا عبد الله، وقد. ينسب إلى جده، وهو الحُمْلي، صدوق، من الخامسة. (قال: إن الرجل ليعمل)، أي: ليعبد (والمرأة) بالنصب، عطفًا على اسم إن، وخبر المعطوف مَحْذُوفٌ بدلالة خبر المعطوف عليه، ويجوز الرفع، وخبره كذلك، وقد تنازع في قوله: (بطاعة الله) المحذوف، والمذكور، (ستين سنة)، أي: مثلًا، أو المراد منه التكثير: (ثم يحضرهم الموتٍ)، وفي رواية: (يحضرهما) بضمير التثنية، وهو الظاهر، أي: عَلامَتُهُ. (فيضاران في الوصية). من المضارة، أي: يوصلان الضَّرَرَ إلى الوارث؛ بسبب الوصية للأجنبي بأكثر من الثُّلث، أو بأن يهب جميعَ ماله لواحد من الورثة، كيلا يرث وأرَث آخر من ماله شيئًا، فهذا مكروه، وفّرار عن حكم الله تعالى، ذكره ابنُ الملك. وقال بعضهم: كأن يوصي لغير أهل الوصية، أو يوصي بعدم إمضاء ما أوصى به حَقًّا، بأن ندم من وصيته، أو ينقض بعض الوصية (فيجب لهما النار)، أي: فتثبت. والمعنى: يستحقّان العقوبة، ولكنهما تحت المشيئة. (ثم قرأ علي) بتشديد الياء، قائله شهر بن حوشِب، أي: قرأ عليَّ أبو هريرةٍ استشهادًا، واعتضادًا: (﴿مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّكْ﴾ [النساء: ١٢]). متعلِّق بما تقدم من قسمة المواريث. (﴿يُوصِ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢])، ببناء المجهول، (﴿غَيْرَ مُضَآرٍ﴾ [النساء: ١٢])، حال عن ((يوصى)) مقدر، لأنه لما قيل: يوصى علم أن ثم موصيًا، أي: غير موصل الضرر إلى ورثته بسبب الوصية. إلى قوله: (﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ اُلْعَظِيمُ﴾ [النساء: ١٣])، يعني ﴿وَصِيَّةٌ مِّنَ اللَّهُ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ ﴾ تِلْكَ حُدُودُ اَللَه وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تُجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَلِدِينَ فِيهَاْ وَذَلِكَ الْفَوْزُ اُلْعَظِيمُ﴾ [النساء: ١٢ -١٣] إلى آخر الآية. والشَّاهد إنما هو الآيةُ الأولى، وإنما قرأ الآية الثانية، لأنها تؤكد الأولى، وكذا ما بعدها من الثالثة، وكأنه اكتفى بالثانية عن الثالثة؛ قاله القاري. ٣٠٠ كتاب الوصايا عن رسول الله وَله / باب مَا جَاء في الحَثِّ عَلَى الوَصِيَّةِ قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ، ونَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الذي رَوَى عَن الأَشْعَثِ بْنِ جَابِرٍ هُوَ: جَدُّ نَصْرِ بْنِ عليٍّ الجَهْضَمِيِّ. ٣- باب مَا جَاء في الحَثِّ عَلَى الوَصِيَّةِ [ت ٣، ٣٢] [٢١١٨] (٢١١٨) حَدَّثَنَا ابنُ أبي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَن أيُّوبَ، عَن نَافِع، عَن ابنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ النبيِ وَالَ: «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِم يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ وَلَهُ مَا يُوصِي فيه إلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ)). [خ: ٢٧٣٨، م: ١٦٢٧، ن: ٣٦١٧، د: ٢٨٦٢، جه: ٢٦٩٩، حم: ٤٤٥٥، طا: ١٤٩٢، مى: ٣١٧٥]. قوله: (هذا حديثٌ حسن غريب). وأخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه. قال المنذري - بعد نقل تحسين الترمذي -: وشهر بن حوشب قد تكلّم فيه غيرُ واحدٍ من الأئمة، ووثقه أحمد بن حنبل، ویحیی بن معین. ٣ - بَابُ مَا جَاءَ في الْحَثِّ عَلَى الْوَصِيَّةِ [٢١١٨] قوله: (ما حق امرئ مسلم). كلمة ((ما)) بمعنى: ليس، (يبيت ليلتين) جملة فعلية وقعت صفة أخرى لـ((امرئ)). (وله ما يوصى فيه) جملة حالية، أي: وله شيء يريدُ أن يوصي فيه. (إلا ووصيته مكتوبة عنده) مستثنى، خبر ليس، والواو فيه للحال، قاله العيني تبعًا للطيبي. وقال الحافظ: قولُه: ((يبيت)) كأن فيه حَذْفًا. تقديره: أن يَبِيتَ، وهو كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ يُرِيكُمُ الْبَّقَ﴾ [الروم: ٢٤] الآية. ويجوز أن يكون ((يبيت)) صفة لـ ((مسلم))، وبه جزم الطيبيُّ: قال: هي صفة ثانية. انتهى. قال العيني معترضًا عليه: هذا قياس فاسد، وفيه تغيير المعنى أيضًا، وإنما قدر أن في قوله: ﴿يُرِيكُمُ﴾ [الروم: ٢٤]، لأنه في موضع الابتداء، لأن قوله: ﴿وَمِنْ ءَئِهِ=﴾ [الروم: ٢٤] في موضع الخبر، والفعل لا يقعُ مبتدأ، فيقدر ((أن)) فيه، حتى يكونَ في معنى المصدر، فيصح حينئذٍ وقوعُه مبتدأ. فمن له ذوق من العربية يفهم هذا. ويعلم تغيير المعنى فيما قال. انتهى. قلت: قال القسطلاني: لم يجب الحافظ عن ذلك في انتقاض الاعتراض بشيء، بل بيض له ككثير من الاعتراضات التي أوردها العينيُّ عليه، لكن يدلُّ لما قاله روايةُ النَّسائي(١) (١) النسائي، كتاب الوصايا. حديث (٣٦١٥).