Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
كتاب البر والصلة عن رسول الله ◌ٍَّ / باب مَا جَاء في التَّمَّامِ
قَالَ أَبُو عِيْسَى: وفي البابِ: عَن أنس وعمَّارٍ، وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
٧٩ - باب مَا جَاء في النَّمَّامِ [ت ٧٩، م ٧٩]
من أَشَرِّ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ اللهِ ذَا الْوَجْهَيْنِ، الَّذِي يَأْتِي هَؤُلاءِ بِوَجْهٍ، وَهَؤُلاءِ بِوَجْهٍ)). قال
القرطبي: إنما كان ذو الوجهين شَرَّ الناس؛ لأن حاله حال المنافق؛ إذ هو متملق بالباطل
وبالكذب، مدخل للفساد بين الناس. وقال النووي: هو الذي يأتي كُلَّ طائفة بما يرضيها،
فيظهر لها أنه منها ومخالف لِضِدّهَا، وصنيعه نفاق، ومحض كذب وخداع، وتحيل على
الاطلاع على أسرار الطائفتين، وهي مداهنة محرمة.
قال: فأما من يقصد بذلك الإصلاح بين الطائفتين فهو محمود. وقال غيره: الفرق بينهما
أن المذموم من يزين لكلِّ طائفة عملها، ويقبحه عند الأخرى، ويذم كل طائفة عند الأخرى.
والمحمودُ أن يأتي لكلِّ طائفة بكلام فيه صلاح الأخرى، ويعتذر لكل واحدة عن الأخرى.
وينقل إليه ما أمكنه من الجميل، ويستر القبيح، ويؤيد هذه التفرقة، روايةُ الإسماعيلي من
طريق ابن عمير عن الأعمش: ((الَّذِي يَأْتِي هَؤُلاءِ بِحَدِيثِ هَؤُلاءِ، وَهَؤُلاءِ بِحَدِيثِ هَؤُلاءِ)).
قوله: (وفي الباب عن عمار وأنس) أما حديث عمار،، فأخرجه أبو داود، وابن حبان (١)
في ((صحيحه)). وأما حديث أنس فأخرجه ابن أبي الدنيا(٢) في كتاب ((الصمت))، والطبراني،
والأصبهاني، وغيرهم؛ كذا في ((الترغيب)).
قوله: (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه الشيخان(٣) وغيرهما.
٧٩ - بابُ مَا جَاءَ في النَّمَّام
قال الجزري في ((النهاية)): النميمةُ نقِلُ الحديث من قوم إلى قوم على جهة الإفساد
والشر، وقد نَمَّ الحديثَ يَنِعُّهُ، وينُمه فهو نَمَّامٌ. والاسم النميمة، وَنَمَّ الحديثَ إذا ظهر، فهو
متعد ولازم. انتهى.

١٦٢
كتاب البر والصلة عن رسول الله وَل﴿ه / باب مَا جَاء في النَّمَّامِ
[٢٠٢٦] (٢٠٢٦) حَدَّثَنَا ابنُ أبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَن مَنْصُورٍ،
عَن إبراهيمَ، عَن هَمَّام بْنِ الحارِثِ، قَالَ: مَرَّ رَجُلٌ عَلَى حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ، فَقِيلَ
لَهُ: إنَّ هذا يُبَلِّغُ الأُمَرَاء الحديثَ عَنِ النَّاسِ، فَقَالَ خُذَيْفَةُ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله وَل
يَقُولُ: ((لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَتَّاتٌ))، قَالَ سُفْيَانُ: والقَتَّاتُ: النَّمَّامُ.
[٢٠٢٦] قوله: (فقيل له إن هذا يبلغ الأمراء الحديث عن الناس)، ولفظ البخاري(١):
فقيل له: إن رجلًا يرفع الحديث إلى عثمان، (لا يدخل الجنة) أي: في أول وهلة؛ كما في
نظائره (قتات) بقاف، ومثناة ثقيلة، وبعد الألف مثناة أخرى، ووقع بلفظ ((نمام)) في رواية
أبي وائل عن حذيفة عند مسلم (٢).
قال في ((النهاية)): القتاتُ هو النمامُ، يقال: قَتَّ الحديث يَقُتُّهُ إذا زوَّره، وهَيّأه، وسواه.
وقيل: النمام: الذي يكون مع القوم يتحدثون فينم عليهم، والقتات: الذي يتسمع على
القوم، وهم لا يعلمون ثم ينم، والقساس الذي يسأل عن الأخبار ثم ينمها. انتهى.
قال الحافظ في ((الفتح)): قال الغزالي ما ملخصه:
ينبغي لمن حملت إليه نميمة ألا يصدق من نَمَّ له، ولا يظن بمن نَمَّ عنه ما نقل عنه، ولا
يبحث عن تحقيق ما ذكر له، وأن ينهاه ويقبح له فعله، وأن يبغضه إن لم ينزجر، وألا يرضى
لنفسه ما نهى النمام عنه، فينم هو على النمام فيصير نمامًا، قال النووي: وهذا كله إذا لم
يكن في النقل مصلحة شرعية، وإلا فهي مستحبة أو واجبة. كمن اطلع من شخص أنه يريد
أن يؤذي شخصاً ظلمًا فحذَّره منه، وكذا من أخبر الإمام، أو من له ولاية بسيرة نائبه مثلًا،
فلا منع من ذلك.
وقال الغزالي ما ملخصه: النميمة في الأصل نقل القول إلى المقول فيه، ولا اختصاص
لها بذلك، بل ضابطها كشف ما يكره كشفه، سواء كرهه المنقول عنه، أو المنقول إليه، أو
غيرهما، وسواء كان المنقول قولًا أم فعلًا وسواء كان عيبًا أم لا، حتى لو رأى شَخْصًا يخفي
ماله فأفشى. كان نميمة. واختلف في الغيبة والنميمة، هل هما متغايرتان أو متحدتان؟
والراجح التغاير وأن بينهما عمومًا وخصوصًا وجهيًّا؛ وذلك لأن النميمة نقل حال الشّخص
لغيره على جهة الإفساد بغير رضاه، سواء كان بعلمه أم بغير علمه، والغيبة ذكره في غيبته بما
(١) البخاري، كتاب الأدب. حديث (٦٠٥٦).
(٢) مسلم، كتاب الإيمان. حديث (١٠٥).

١٦٣
كتاب البر والصلة عن رسول الله وَّو / باب مَا جَاء في العِيِّ
وهَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ صَحِيْحٌ. [خ: ٦٠٥٦، م: ١٠٥، د: ٤٨٧١، حم: ٢٢٧٣٦].
٨٠- باب مَا جَاء في العِيِّ [ت ٨٠، م ٨٠]
[٢٠٢٧] (٢٠٢٧) حَدَّثَنَا أحمدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَن أبِي غَسَّانَ
محمَّدِ بْنِ مُطَرِّفٍ، عَن حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ، عَن أبِي أَمامَةَ، عَنِ النَّبِّ وَ قَالَ: ((الحَيَاءُ
والعِيُّ :
لا يرضيه، فامتازت النميمةُ بقصدِ الإفسادِ، ولا يشترطُ ذلك في الغيبة، وامتازت الغيبةُ
بكونها في غيبةِ المقول فيه، واشتركتا فيما عدا ذلك. ومن العلماء من يشترط في الغيبة أن
يَكُونَ المقول فيه غائبًا. انتهى ما في ((الفتح)).
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان، وأبو داود.
٨٠ - بابُ مَا جَاءَ في الْعِيِّ
بكسر العين المهملة، وتشديد التحتية. قال في ((القاموس)): عَيِيَ في المَنْطِق - کَرَضِي -
عِيًّا بالكسر حَصِرَ. انتهى. وقال في ((الصراح)): عيّ بالكسر درما ندكي به سخن(١) وهو
خلاف البيان، يقال: عيّ في منطقه وعيي أيضًا فهو عيي على فعيلٍ، وعيّ أيضًا على فعلٍ
وهم أعياءُ وأعبياء. انتهى.
[٢٠٢٧] قوله: (عن أبي غسان محمد بن مطرف). قال الحافظ في ((تهذيب التهذيب)):
محمد بن مطرف بن داود بن مطرف بن عبد الله بن سارية التيمي الليثي، أبو غسان المدني،
يقال: إنه من موالي عمر، نزل عسقلان، أحد علماء الأثبات، روى عن حسان بن عطية
وغيره، وعنه يزيد بن هارون وغيره، (عن حسان بن عطية) المحاربي، مولاهم الدمشقي، ثقة
فقيه، عابد من الرابعة.
قوله: (الحياء والعي) أي: العجز في الكلام، والمرادُ به في هذا المقام هو السكوتُ
عما فيه إثم من النثر والشعر، لا ما يكون للخلل في اللسان؛ قاله القاري. وقال في
((المجمع)): الْعِيُّ التحيرُ في الكلام، وأراد به ما كان بسبب التأمل في المقال، والتحرز عن
الوبال. انتهى. قلت: وفسر الترمذي العي فيما بعد بقلةِ الكلامِ، يعني: حذرًا عن الوقوع في
(١) درما ندكي به سخن: كلمة فارسية بمعنى: العجز عن النطق والتلعثم ..

١٦٤
كتاب البر والصلة عن رسول الله رَّ / باب مَا جَاء في العِيِّ
شُعْبَتَانِ مِنَ الإِيمَانِ، وَالبَذَاءُ وَالْبَيَانُ: شُعْبَتَانِ مِنَ النِّفَاقِ)). [حم: ٢١٨٠٩].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ؛ إنَّمَا نَعْرِفُهُ من حديثٍ أبِي غَسَّانَ
محمَّدِ بْنِ مُطَرِّفٍ، قَالَ: وَالعِيُّ: قِلَّهُ الكلام، وَالبَذَاءُ: هُوَ الفُحْشُ في الكَلامِ،
وَالبَيَانُ: هُوَ كَثْرَةُ الكلام، مِثْلُ هَؤْلَاءِ الخُطَبَاءِ الّذِينَ يَخْطُبُونَ فَيُوسِّعُونَ في الكلامِ،
ويتَفَصَّحُونَ فِيهِ مِن مَدْحِ النَّاسِ فِيمَا لا يُرْضِى الله.
الإثم، أو في ما لا يعني. (شعبتان من الإيمان)، أي: أثران من آثاره، فإن المؤمن يحمله
الإيمان على الحياء، فيترك القبائح؛ حياء من الله تعالى، ويمنعه عن الاجتراء على الكلام،
شفقة عن عثرة اللسان، فهما شعبتان من شُعَب الإيمان. والحاصل أن الإيمانَ منشأهما
ومنشأُ كلِّ معروفٍ وإحسان. (والبذاء)، بفتح موحدة فذال معجمة: فحش الكلام، أو خلاف
الحياء، (والبيان)، أي: الفصاحة الزائدة عن مقدار حاجة الإنسان من التعمق في النطق،
وإظهار التفاصح؛ للتقدم على الأعيان. وقال في ((المجمع)): أراد بالبيان ما يكون سببه
الاجتراء، وعدم المبالاة بالطغيان، والتحرز عن الزور والبهتان. انتهى.
(شعبتان من النفاق)، قال في ((التيسير)): أي: هما خصلتان منشأهما النفاق، أو مؤديان
إليه، وأراد بالبيان هنا كثرة الكلام، والتكلف للناس بكثرة التملَّقِ والثناء عليهم، وإظهار
التفصُّح، وذلك ليس من شأن أهل الإيمان، وقد يتملَّق الإنسانُ إلى حَدِّ يخرجه إلى صريح
النفاق وحقيقته. انتهى.
قوله: (هذا حديث حسن غريب). قال القاري في ((المرقاة)): رجاله رجال الصحيح؛
كذا نقله ميرك عن التصحيح. وقد رواه الإمام أحمد في ((مسنده))، والحاكم في
((مستدركه)) (١). انتهى. وقال المناوي في ((شرح الجامع الصغير)): قال الترمذي: حسن،
وقال غيره: صحيح. انتهى. (قال: والعي قلة الكلام .. إلخ)، أي: قال الترمذي في تفسير
هذه الألفاظ: وأراد بقوله: العي قلةُ الكلام، أي: تحرزًا عن الوقوع في الإثم، أو في ما لا
ينبغي.
(١) أحمد في ((المسند)) (٢٢٣١٢) والحاكم. حديث (١٧) وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.

١٦٥
كتاب البر والصلة عن رسول الله وََّ / باب مَا جَاء في إنَّ مِنَ البَيَانِ سِحْرًا
٨١- باب مَا جَاء في إنَّ مِنَ البَيانِ سِحْرًا [ت ٨١، م ٨١]
[٢٠٢٨] (٢٠٢٨) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عبدُ العَزِيزِ بْنُ محمَّدٍ عَن زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ،
عَن ابنِ عمَرَ، أنَّ رَجُلَيْنِ قَدِمَا في زَمَانِ رَسُولِ اللهِ وَّلـ
٨١ - بابُ مَا جَاءَ فيْ إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْرًا
[٢٠٢٨] قوله: (أن رجلين) قال الحافظ في ((الفتح)): لم أقف على تسميتهما صريحًا،
وقد زعم جماعة أنهما الزبرقان، بكسر الزاي والراء بينهما موحدة ساكنة وبالقاف، واسمه:
الحصين، ولقب الزبرقان لحسنه، والزبرقان من أسماء القمر، وهو ابن بدر بن امرئ
القيس بن خلف وعمرو بن الأهتم، واسم الأهتم: سنان بن سمي، يجتمع مع الزبرقان في
كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم، فهما تميميان قَدِمَا في وفد بني تميم على النبي ◌َّ سنة
تسع من الهجرة، واستندوا في تعيينهما إلى ما أخرجه البيهقي (١) في ((الدلائل))، وغيره من
طريق مقسم عن ابن عباس قال: جلس إلى رَسُول الله وَّر الزبرقان بن بدر، وعمرو بن
الأهتم وقيس بن عاصم، ففخر الزبرقان فقال: يا رسول الله، أنا سيدُ بني تميم، والمطاع
فيهم والمجاب، أمنعهم من الظلم وآخذ منهم بحقوقهم، وهذا يعلم ذلك، يعني: عمرو بن
الأهتم. فقال عمرو: إنه لشديد العارضة، مانع لجانبه مطاعٌ في أُذنَيْهِ، فقال الزبرقان: والله
يا رسول الله، لقد علم من غير ما قال، وما منعه أن يتكلم إلا الحسد. فقال عمرو: أنا
أحسدُك؟ والله يا رسول الله، إنه لئيم الخال، حديث المال، أحمق الوالد، مضيع في
العشيرة، والله يا رسول الله، لقد صدقتُ في الأولى وما كذبت في الآخرة، ولكني رجل إذا
رضيتُ، قلت أحسن ما علمت، وإذا غضبت قلت أقبح ما وجدت، فقال النبي ◌ََّ: ((إِنَّ مِنَ
الْبَيَانِ سِحْرًا».
وأخرجه الطبراني من حديث أبي بكرة قال: كنا عند النبي ◌َّ، فقدم عليه وفد بني
تميم، عليهم قيس بن عاصم، والزبرقان، وعمرو بن الأهتم، فقال النبي وَّوَ لعمرو: ((مَا
تَقُولُ فِي الزّبْرِقَانِ؟)) فذكر نحوه، وهذا لا يلزم منه أن يكون الزبرقان وعمرو هما المراد
بحديث ابن عمر، فإن المتكلم إنما هو عمرو بن الأهتم وحده، وكان كلامه في مراجعته
الزبرقان، فلا يصح نسبةُ الخطبةِ إليهما، إلا على طريق التجوز. انتهى ما في ((الفتح)).
(١) دلائل النبوة للبيهقي (٢٠٦١).

١٦٦
كتاب البر والصلة عن رسول الله وَّهُ / باب مَا جَاء في إنَّ مِنَ البَيَانِ سِحْرًا
فَخَطَبَا فَعَجِبَ النَّاسُ مِن كلامِهِمَا، فَالتَّفَتَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللهِ بَّهِ فَقَالَ: ((إِنَّ مِنَ البَيَانِ
سِحْرًا، أو إنَّ بَعْضَ البَيَانِ سِحْرٌ)). [خ: ٥٧٦٧، د: ٥٠٠٧، حم: ٤٦٣٧، طا: ١٨٥٠].
قَالَ أبُو عِيْسَى: وفي البابِ: عَن عَمَّارٍ، وابنِ مسعودٍ، وعبدِ الله بْنِ الشِّخِّر،
(فخطبا) أي: كلمات محسنات جامعة البلاغة والفصاحة.
(إن من البيان سحرًا، أو إن بعض البيان سحر) أو: للشك من الراوي، قال الخطابي:
البيان اثنان، أحدهما ما تقع به الإبانةُ عن المراد بأيِّ وجه كان، والآخر ما دخلته الصنعةُ
بحيث يروق للسامعين، ويستميل قلوبهم، وهو الذي يشبه بالسحر إذا خلب القلب، وغلب
على النفس، حتى يحول الشيء عن حقيقته، ويصرفه عن جهته. فيلوح للناظر في معرض
غيره، وهذا إذا صرف إلى الحقِّ يمدحُ، وإذا صرف إلى الباطل يُذَمُّ، قال: فعلى هذا فالذي
يشبه بالسحر منه هو المذمومُ، وتعقب بأنه لا مانع من تسمية الآخر سحرًا؛ لأن السحر يطلق
على الاستمالة؛ وقد حمل بعضُهم الحديث على المدح، والحثِّ على تحسين الكلام،
وتحبير الألفاظ، وحمله بعضُهم على الذَّمِّ لمن تَصَنَّعَ في الكلام، وتكلّف لتحسينه، وصرف
الشيء عن ظاهره، فشبه بالسِّحر الذي هو تخييل الغير حقيقة، وإلى هذا أشار مالك؛ حيث
أدخل هذا الحديث في ((الموطأ)) في باب: ما يكره من الكلام بغير ذكر الله، وحمل الحديث
على هذا صحيح، لكن لا يمنع حمله على المعنى الآخر، إذا كان في تزيين الحقِّ؛ وبهذا
جزم ابن العربي، وغيره من فضلاء المالكية.
قوله: (وفي الباب عن عمار، وابن مسعود، وعبد الله بن الشخير). أما حديث عمار،
فأخرجه أحمد في ((مسنده))، ومسلم(١) في ((صحيحه))، وأما حديث ابن مسعود، فأخرجه
مسلم(٢) عنه مرفوعًا: ((هَلَكَ الْمُتَنَطّعُونَ)) قالها ثلاثًا. وأما حديث عبد الله بن الشخير، فلينظر
من أخرجه، وفي الباب أيضًا عند أحمد، وأبي داود(٣)، عن ابن عباس مرفوعًا: ((إِنَّ مِنَ
الْبَيّانِ سِحْرًا، وَإِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكَمًا)). قال المناوي: إسناده صحيح. وعند أبي داود(٤) عن
بريدة بن الحصيب مرفوعًا: ((إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْرًا، وَإِنَّ مِنَ الْعِلْمِ جَهْلًا، وَإِنَّ مِنَ الشِّعْرِ
حِكَمًا، وَإِنَّ مِنَ الْقَوْلِ عَيْبًا)). قال المناوي: في إسناده من يجهلُ.
(١) أحمد (١٧٨٥٣)، ومسلم، كتاب الجمعة. حديث (٨٦٩).
(٢) مسلم، كتاب العلم. حديث (٢٦٧٠).
(٣) أحمد (٢٧٥٦)، وأبو داود، كتاب الأدب. حديث (٥٠١١).
(٤) أبو داود، كتاب الأدب. حديث (٥٠١٢).

١٦٧
كتاب البر والصلة عن رسول الله وَ لَه / باب مَا جَاء في التَّوَاضُعِ
وهذا حَدِيثٌ حسنٌ صحيحٌ.
٨٢- باب مَا جَاء في التَّوَاضُعِ [ت ٨٢، م ٨٢]
[٢٠٢٩] (٢٠٢٩) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عبدُ العَزِيزِ بْنُ محمَّدٍ، عَن العَلَاءِ بْنِ
عَبْدِ الرَّحمنِ، عَن أبِيه، عَن أبي هُرَيْرَةَ؛ أنَّ رَسُوْلَ اللهِ وَّهِ قَالَ: ((مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ
مِن مالٍ، وَمَا زَادَ اللهُ رَجُلًا بِعَفْوٍ إلَّا عِزًّا، أو مَا تَوَاضَعَ أحَدٌ للهِ إلَّا رَفَعَهُ اللهُ)).
[م: ٢٥٨٨، حم: ٧١٦٥، مي: ١٦٧٦].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: وفي البابِ: عَن عبدِ الرَّحمنِ بْنِ عَوْفٍ، وابنِ عَبَّاسٍ،
وأبِي كَبْشَةَ الأنمَارِيِّ،
قوله: (هذا حديث حسن صحيح). وأخرجه البخاري، ومالك، وأحمد، وأبو داود(١).
٨٢ - بابُ مَا جَاءَ في التَّوَاضُعِ
قال في ((القاموس)): تواضع: تَذَلَّلَ وَتَخَاشَعَ.
[٢٠٢٩] قوله: (مَا نَقصت صدقة)، ((ما)) نافية، و((من)) في قوله: (من مال) زائدة، أو
تبعيضية، أو بيانية، أي: ما نقصت صدقة مالًا، أو بعض مال، أو شيئًا من مال، بل تزيد
أضعاف ما يعطى منه، بأن ينجبر بالبركة الخفية، أو بالعطية الجلية، أو بالمثوبة العلية، (وما
زاد الله رجلًا بعفو) أي: بسبب عفوه عن شيء، مع قدرته على الانتقام، (إلا عزَّا) في الدنيا،
فإن من عُرف بالعفو عَظُمَ في القلوب، أو في الآخرة: بأن يعظم ثوابه أو فيهما، (وما توافر
أحد لله)، بأن أنزل نفسه عن مرتبة يستحقُّها لرجاء التقرب إلى الله دون غرض غيره (!
رفعه الله) في الدنيا والآخرة.
قوله: (وفي الباب عن عبد الرحمن بن عوف، وابن عباس، وأبي كبشة الأنماري). أما
حديث عبد الرحمن بن عوف (٢)، وحديث أبي كبشة الأنماري(٣): فلينظر من أخرجهما. وأما
حديث ابن عباس: فأخرجه الطبراني(٤) عنه مرفوعًا: ((مَا من آدَمِيٍّ إِلَّا فِي رَأْسِهِ حِكْمَةٌ بِيَدِ
(١) مالك (١٨٥٠)، وأحمد (٤٦٣٧، ٥٢١٠، ٥٢٦٩).
(٢) أحمد (١٦٧٧)، وعبد بن حميد (١٥٩).
(٣) أحمد (١٧٥٧٠)، والترمذي، كتاب الزهد. حديث (٢٣٢٥).
(٤) المعجم الكبير (١٢٩٣٩)، وقال الهيثمي: وإسناده حسن ((مجمع الزوائد» (٣٩٩/٧).

١٦٨
كتاب البر والصلة عن رسول الله وَلَه / باب مَا جَاء في الُلْمِ
واسمُه: عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ، وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
٨٣- باب مَا جَاء في الظُّلْم [ت ٨٣، م ٨٣]
[٢٠٣٠] (٣٠ ٢) حَدَّثَنَا عَبَّاسُ العَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أبو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، عَن
عبدِ العزِيزِ بْنِ عبدِ الله بْنِ أبِي سَلَمَةَ، عَن عبدِ الله بْنِ دِينَارٍ، عَن ابنِ عُمَرَ، عَنِ
النَّبِيِّ ◌ِ قال: ((الظَّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ القِيَامَةِ)). [خ: ٢٤٤٧، م: ٢٥٧٩، حم: ٥٦٢٩].
مَلَكٍ، فَإِذَا تَوَاضَعَ قِيلَ لِلْمَلَكِ: ارْفَعْ حِكْمَتَهُ، وَإِذَا تَكَبَّرَ قِيلَ لِلْمَلَكِ ضَعْ حِكْمَتَهُ)).
قوله: (واسمه عمر بن سعد) قال الحافظ في ((تهذيب التهذيب)): جزم الترمذي في
((الجامع))، بأن اسمه عمر بن سعد، وحكى البخاري الخلاف فيمن اسمه عمر. انتهى.
وقال في ((التقريب)): أبو كبشة الأنماري، هو: سعيد بن عمرو، أو عمرو بن سعيد،
وقيل: عمر، أو عامر بن سعد، صحابي نزل الشام، له حديث، وروى عن أبي بكر. انتهى.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح). وأخرجه أحمد في ((مسنده))، ومسلم.
٨٣ - بَابُ مَا جَاءَ في الظُّلْمِ
قال الراغب: الظلمُ عند أهل اللغة: وضعُ الشَّيء في غير موضعه المختص به، إما
بنقصان أو بزيادة، وإما بعدول عن وقته أو مكانه.
[٢٠٣٠] قوله: (عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة) الماجشون المدني، نزيل
بغداد، مولى آل الهدير، ثقة فقيه، مصنف، من السابعة. (الظلم) أي: جنسه الشَّامل
للمتعدي والقاصر، الصَّادر من الكافر والفاجر. (ظلمات) أي: أسباب ظلمة لمرتكبه، أو
موجبات شدة لصاحبه يوم القيامة. ومفهومه: أن العدل بأنواعه أنوار. (يوم القيامة)؛ لأن
الدنيا مزرعةُ الآخرة. وفي ((شرح مسلم)) للنووي قال القاضي: هو على ظَاهِرِهِ، فيكون
ظلمات على صاحبه، لا يهتدي يوم القيامة، بسبب ظلمه في الدنيا، كما أن المؤمن يسعى
بنور هو مسبب عن إيمانه في الدنيا. قال تعالى: ﴿يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْفَتِهِمْ﴾ [الحديد: ١٢].
ويحتمل أن يراد بـ ((الظلمات)) هنا الشدائدُ، وبه فسروا قوله تعالى: ﴿قُلْ مَن يُنَجِّيَكُم مِّن ظُلُتِ
اُلْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٦٣]، أي: شدائدهما، ويحتمل أنها عبارة عن الأنكال والعقوبات.
وقال ابن الجوزي: الظلم يشتمل على معصيتين: أخذ مال الغير بغير حق، ومبارزة
الرب بالمخالفة والمعصية فيه أشد من غيرها، لأنه لا يقع غالبًا إلا بالضعيف، الذي لا يقدر

١٦٩
كتاب البر والصلة عن رسول الله وََّ / باب مَا جَاء في تَرْكِ العَيبِ للنِّعْمَةِ
قَالَ أَبُو عِيْسَى: وفي البابِ: عَن عبدِ الله بْنِ عَمْرٍو، وعائِشَةَ، وأبِي مُوسَى،
وأبي هُرَيْرَةَ، وجَابِرٍ، وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ من حديثِ ابنِ عُمَرَ.
٨٤- باب مَا جَاء في تَرْكِ العَيبِ للنِّعْمَةِ [ت ٨٤، م ٨٤]
[٢٠٣١] (٢٠٣١) حَدَّثَنَا أحمدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أخْبَرَنَا عبدُ الله بْنُ المُبَارَكِ، عَن
سُفْيَانَ، عَن الأعمَشِ، عَن أبِي حازِمِ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: ما عابَ رَسُولُ اللهِ وَه
طَعَامًا قَظُ، كَانَ إِذَا اشْتَهَاهُ أَكَلَهُ
على الانتصار. وإنما ينشأ الظلمُ عن ظلمة القلب، لأنه لو استنار بنور الهدى لاعتبر. فإذا
سعى المتقون بنورهم - الذي حَصَلَ لهم بسبب التقوى - اكتنفت ظلمات الظّلم الظَّالمَ، حيث
لا يغني عنه ظلمهُ شيئًا .
قوله: (وفي الباب عن عبد الله بن عمرو، وعائشة، وأبي موسى، وأبي هريرة). أما
حديث عبد الله بن عمرو: فأخرجه أحمد (١) في ((مسنده)). وأما حديث عائشة: فأخرجه
البخاري (٢) في ((كتاب المظالم)) وغيره، ومسلم في ((كتاب البيوع))، وأما حديث أبي موسى:
فأخرجه الترمذي(٣) في تفسير ((سورة هود))، وأما حديث أبي هريرة: فأخرجه الترمذي(4) في
باب شأن الحساب والقصاص من أبواب صفة القيامة.
قوله: (هذا حديث حسن غريب من حديث ابن عمر). وأخرجه الشيخان.
٨٤ - بَابُ مَا جَاءَ في تَرْكِ الْعَيْبِ لِلنَّعْمَةِ
[٢٠٣١] قوله: (ما عاب رسول الله وَ ﴿ طعامًا قط) قال الحافظ، أي: مباحًا. أما
الحرام فكان يعيبه ويذمه، وينهى عنه. وذهب بعضُهم إلى أن العيبَ إن كان من جهةِ الْخِلْقَةِ
كره وإن كان من جهة الصنعة لم يكره؛ لأن صنعة الله لا تعاب وصنعة الآدميين تعاب.
قال الحافظ: والذي يظهر التعميم؛ فإن فيه كسر قلب الصانع، قال النووي: من آداب
(١) أحمد (٦٤٥١)، والدارمي، كتاب السير. حديث (٢٥١٦).
(٢) البخاري، كتاب المظالم والغصب. حديث (٢٤٥٣)، ومسلم، كتاب المساقاة. حديث (١٦١٢).
(٣) الترمذي، كتاب تفسير القرآن عن رسول الله. حديث (٣١١٠).
(٤) الترمذي، كتاب صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله. حديث (٢٤١٩).

١٧٠
كتاب البر والصلة عن رسول الله وَّ / باب مَا جَاء في تَعْظِيم المُؤمِنِ
وإلَّا تَرَكَهُ. [خ: ٣٥٦٣، م: ٢٠٦٤، د: ٣٧٦٣، جه: ٣٢٥٩، حم: ٩٧٩١].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وأبو حازِمٍ هُوَ: الأشْجَعِيُّ الكُوفيُّ،
واسمُه: سَلْمَانُ مَوْلَى عَزَّةَ الأشْجَعِيَّةِ.
٨٥- باب مَا جَاء في تَعْظِيمِ المُؤْمِنِ [ت ٨٥، م ٨٥]
[٢٠٣٢] (٢٠٣٢) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أكْثَمَ والجارُودُ بْنُ مُعَاذٍ، قالا: حَدَّثَنَا
الفَضْلُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا الحُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ، عَن أَوْفَى بْنِ دَلْهَمٍ، عَن نَافِعٍ، عَن ابنِ
عُمَرَ، قَالَ: صَعِدَ رَسُولُ اللهِ وَّهَ المِنْبَرَ، فَنَادَى بِصَوتٍ رَفِيعٍ، فَقَالَ: ((يَا مَعْشَرَ مَن
قد أسْلَمَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يُفْضِ الإِيمَانُ إِلَى قَلْبِهِ، لَا تُؤْذُوا المُسْلِمِينَ،
الطعام المتأكدة ألا يعاب كقوله: مالح حامض، قليل الملح، غليظ، رقيق، غير ناضج،
وغير ذلك. (وإلا) أي: وإن لم يشتهه (تركه)، يعني: مثل ما وقع له في الضّبِّ.
قال ابن بطال: هذا من حسن الأدب؛ لأن المرء قد لا يشتهي الشيء، ويشتهيه غيره،
وكل مأذون في أكله من قبل الشرع ليس فيه عَيْبٌ.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان.
قوله: (وأبو حازم هو الأشجعي .. إلخ) قال الحافظ في ((تهذيب التهذيب)): سلمان
أبو حازم الأشجعي الكوفي، روى عن مولاته غزة الأشجعية، وأبي هريرة، وغيرهما، وعنه
الأعمش وغيره وقال في ((التقريب)): ثقة، من الثالثة.
٨٥ - بَابُ مَا جَاءَ فيٍ تَعْظِيمِ الْمُؤْمنِ
[٢٠٣٢] قوله: (عن أوفى بن دلهم) البصري العدوي، صدوق من السابعة.
قوله: (صعد) بكسر العين، أي: طلع، (فنادى بصوت رفيع) أي: عال، (قال) بيان
لقوله: فنادى: (يا معشر من أسلم بلسانه)، يشترك فيه المؤمن والمنافق، (ولم يفض) من
الإفضاء، أي لم يصل (الإيمان)، أي: أصله وكماله، (إلى قلبه)، فيشمل الفاسق وهو
الأظهر، كما سيأتي من قوله: ((تتبع عورة أخيه المسلم))، ولا أخوة بين المسلم والمنافق.
فما اختار الطيبي من حَصْر حكم الحديث على المنافق خلاف الظاهر الموافق، والحكم
بالأعمِّ هو الوجه الأتم؛ قاله القاري: وفيه ما فيه فتأمل. (لا تؤذوا المسلمينْ)، أي:

١٧١
كتاب البر والصلة عن رسول الله وَ ﴿ / باب مَا جَاء في تَعْظِيمِ المُؤْمِنِ
وَلا تُعَيِّرُوهُمْ، وَلا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ؛ فَإِنَّهُ مَن تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أخيهِ المُسْلِمِ تَتَبَّعَ اللهُ عَوْرَتَهُ،
وَمَنْ تَتَبَّعَ اللهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ وَلَوْ فِي جَوْفِ رَحْلِهِ)). قَالَ: وَنَظَرَ ابْن ◌ُعُمَرَ يَوْمًا إلَى
البَيْتِ أوْ إلَى الكَعْبَةِ، فَقَالَ: ما أعْظَمَكِ وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكِ، وَالمُؤْمِنُ أعْظَمُ حُرْمَةً
عِنْدَ الله مِنْكِ.
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ، لا نَعْرِفُهُ إلَّا من حديثِ الحُسَيْنِ بْنِ
وَاقِدٍ، ورَوَى إِسْحَاقُ بْنُ إبراهيمَ السَّمَرْ قَنْدِيُّ، عَن حُسَينِ بْنِ وَاقِدٍ: نَحْوَهُ،
الكاملين في الإسلام، وهم الذين أَسْلَمُوا بلسانهم، وآمنوا بقلوبهم (ولا تعيروهم) من التعبير
وهو التوبيخُ والتعييبُ على ذنب سبق لهم من قديم العهد، سواء علم توبتهم منه أم لا، وأما
التعبير في حال المباشرة أو بعيده، قبل ظهور التوبة، فواجب لمن قدر عليه. وربما يجب
الحدُّ أو التعزير، فهو من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. (ولا تتبعوا) من باب
الافتعال، أي: لا تجسسوا. (عوراتهم) فيما تجهلونها، ولا تكشفوها فيما تعرفونها. (فإنه)
أي: الشأن، (من تتبع) بصيغة الماضي المعلوم من باب التفعُّل، أي: من طلب. وفي بعض
النسخ (يتبع)) بصيغة المضارع المعلوم من باب الافتعال هنا، وفيما بعد من الموضعين.
(عورة أخيه)، أي: ظهور عيب أخيه (المسلم)، أي: الكامل بخلاف الفاسق؛ فإنه
يجب الحذر والتحذير عنه، (تَتَبَّعَ الله عورته). ذكره على سبيل المشاكلة، أي: كشف عيوبه،
ومن أقبحها تتبع عورة الأخ المسلم. وهذا في الآخرة. (ومن يتبع الله عورته يفضحه)، من
فَضَحِ كَمَنَعَ، أي: يكشف مساويه، (ولو في جوف رحله)، أي: ولو كان في وسط منزله
مخفيًّا من الناس. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِى الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النور: ١٩] (ما أعظمك وأعظم حرمتك)، هما
صيغتا التعجب، والحرمة بالضم وبضمتين وكهمزة: ما لا يحل انتهاكه؛ كذا في ((القاموس))،
(والمؤمن) أي: الكامل.
قوله: (هذا حديث حسن غريب). وأخرجه ابن حبان(١) في ((صحيحه)). قال الحافظ في
((تهذيب التهذيب)) في ترجمة أوفى بن دلهم: حسن الترمذي حديثه: ((يا معشر من آمن بقلبه)):
(١) صحيح ابن حبان. حديث (٥٧٦٣).

١٧٢
كتاب البر والصلة عن رسول الله وَل﴿ / باب مَا جَاء في التَّجَارِبِ
ورُوِيَ عَن أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ، عَن النبيِّ وَ لَ نَحْو هذا.
٨٦- باب مَا جَاء في التَّجَارِبِ [ت ٨٦، م ٨٦]
[٢٠٣٣] (٢٠٣٣) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عبدُ الله بْنُ وَهْبٍ، عَن عَمْرِو بْنِ
الحَارِثِ، عَن دَرَّاجِ، عَن أبِي الهَيْئم، عَن أبِي سَعيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَالَ: ((لا
حَلِيمَ إلَّا ذُو عَثْرَةٍ، وَلا حَكِيمَ إلَّا ذُو تَجْرِبَةٍ)). [ضعيف، دراج عن أبي الهيثم، روايته ضعيفة
حم: ١١٢٦٤].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ غَريبٌ لا نَعْرِفُهُ إلَّا من هذا الوَجْهِ.
وليس له عنده غيره انتهى. (وقد روي عن أبي برزة الأسلمي .. إلخ) رواه أحمد(١) في
((مسنده)) ٤٢١ ج٤، وأبو داود، ورواه أبو يعلى بإسناد حسن من حديث البراء، كما في
((الترغيب)).
٨٦ - بَابُ مَا جَاءَ في التَّجَارِبِ
جمع التجربة قال في ((القاموس)): جَرَّبَهُ تَجْرِبَةً: اخْتَبَرَهُ.
[٢٠٣٣] قوله: (لا حليم إلا ذو عثرة) بفتح العين وسكون المثلثة، قال القاري: أي
صاحب زَلَّة قدم، أو لغزة قلم، في تقريره، أو تحريره، وقيل: أي: لا حليم كاملًا، إلا من
وقع في زلة، وحصل منه الخطأ والتخجل، فعفى عنه، فعرف به رتبة العفو، فيحلم عند عثرة
غيره، لأنه عند ذلك يصير ثابت القدم. انتهى.
(ولا حكيم إلا ذو تجربة)، أي: صاحب امتحان في نفسه وفي غيره. قال القاري: قال
الشارح. أي: لا حكيم كاملًا إلا من جَرَّبَ الأمورَ، وعلم المصالح والمفاسد، فإنه لا يفعل
فعلًا إلا عن حكمة، إذ الحكمةُ إحكام الشيء، وإصلاحه عن الخلل. انتهى. قال: ويمكن
أن يقال: المعنى: لا حليم إلا وقد يعثر كما قيل: نعوذ بالله من غضب الحليم، ولا حكيم
من الحكماء الطبية إلا صاحب التجربة في الأمور الدائبة والذاتية.
قوله: (هذا حديث حسن غريب)، وأخرجه أحمد في ((مسنده))، وابن حبان(٢) في
(١) أحمد (١٩٢٧٧، ١٩٣٠٢)، وأبو داود. حديث (٤٨٨٠)، وأبو يعلى (٧٤٢٣).
(٢) أحمد (١١٦٦١)، وابن حبان. حديث (١٩٣)، والحاكم. حديث (٧٧٩٩).

١٧٣
كتاب البر والصلة عن رسول الله وَّله / باب مَا جَاء في المُتَشَبِّعِ بِمَا لَمْ يُعْطّه
٨٧- باب مَا جَاء في الْمُتَشَبِّعِ بِمَا لَمْ يُعْطَّه [ت ٨٧، م ٨٧]
[٢٠٣٤] (٢٠٣٤) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْر، أخْبَرَنَا إسماعيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَن عُمَارَةَ
بْنِ غَزِيَّةَ، عَن أبِي الزُّبَيْرِ، عَن جابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ قال: ((مَن أعْطِي عَطَاءً فَوَجَدَ
فَلْيَجْزِ بِهِ، وَمَن لَمْ يَجِدْ فَلْيُثْنِ، فَإِنَّ مَن أَثْنَى فَقَدْ شَكَرَ، وَمَنْ كَتَمَ فَقَدْ كَفَرَ، وَمَنْ
تَحَلَّى بِمَا لَمْ يُعْطَّهُ كَانَ كلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ)). [٥: ٤٨١٣].
((صحيحه))، والحاكم في ((مستدركه)). قال المناوي في ((شرح الجامع الصغير)): إسناده
صحيح.
٨٧ - بَابُ مَا جَاءَ في الْمُتَشَبِّعِ بِمَا لَمْ يُقْطَهُ
قال الزمخشري في ((الفائق)): المتشبع، أي: المتشبه بالشبعان، وليس به، واستعير
للتحلِي بفضيلة لم يرزقها .
[٢٠٣٤] قوله: (من أعطي) بصيغة المجهول (عطاء) مفعول مطلق أو عطية، وفي رواية:
شيئًا، فهو مفعولٌ ثان، (فوجد)، أي: سعة مالية. (فلیجز) بسکون الجيم، أي: فلیکافئ (به)
أي: بالعطاء (ومن لم يجد) أي: سعة من المال (فليئن) بضم الياء أي عليه، وفي رواية: به،
أي فليمدحه أو فليدع له، (فإن من أثنى)، وفي رواية: فإن أثنى به، (فقد شكر)، وفي رواية:
((شكره))، أي: جازاه في الجملة. (ومن كتم)، أي: النعمة بعدم المكافأة بالعطاء، أو
المجازاة بالثناء (فقد كفر) أي: النعمة من الكفران، أي: ترك أداء حقه. وفي رواية: ((وَإِنْ
كَتَمَهُ فَقَدْ كَفَرَهُ».
(ومن تحلى) أي: تزين وتلبس (بما لم يعطه) بفتح الطاء، والضمير المرفوع يرجع إلى
((من))، والمنصوب إلى ((ما))، (كان كلابس ثوبي زور)، وفي رواية: ((فإنه كلابس ثَوْبَيْ
زور))(١)، أي: كمن كذب كِذْبَتَيْن أو أَظْهَرَ شَيْئَيْنِ كَاذِبَيْنِ، قاله ◌َلِّ لمن قالت: يا رسول الله
إن لي ضَرَّةً، فَهَلْ علي جُنَاحٌ أَنْ أَتَشَبَّعَ بما لم يُعْطِني زَوْجي، أي: أظهر الشبع، فأحد
الكذبين قولها: ((أعطاني زوجي)). والثاني: إظهارها؛ ((أن زَوْجِي يحبني أشد من ضَرَّتي)) قال
الخطابي: كان رجل في العرب يلبس ثوبين من ثياب المعاريف، ليظنه الناس أنه رجل
معروف محترم؛ لأن المعاريف لا يكذبون، فإذا رآه الناس على هذه الهيئة، يعتمدون على
(١) أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)) (٢١٥).

١٧٤
كتاب البر والصلة عن رسول الله وَ ل﴿ / باب مَا جَاء في المُتَشَبِّعِ بِمَا لَمْ يُعْطَّه
وفي البابِ عَن أسْمَاء بِنْتِ أبِي بَكْرٍ وعائشَةَ.
٠
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حَدِيثٌ حسنٌ غريبٌ.
قوله، وشهادته على الزور؛ لأجل تشبيهه نفسه بالصّادقین، وکان ثوباه سبب زوره، فسمیا
ثوبي زور. أو لأنهما ليسا لأجله، وثني باعتبار الرداء والإزار، فشبه هذه المرأة بذلك
الرجل.
وقال الزمخشري في ((الفائق)): شبه المتشبع بلابس ثوبي زور، أي: ذي زور. وهو الذي
يتزيا بزي أهل الصلاح رياء. وأضاف الثَّوْبين إليه؛ لأنهما كالملبوسين. وأراد بالتثنية أن
المتحلي بما ليس فيه كمن لبس ثوبي الزور ارتدى بأحدهما، واتَّزَرَ بالآخَر؛ كما قيل.
قال القاري في ((المرقاة)): إذا هو بالمجد ارتدى وتأزرا، فالإشارة بالإزار والرداء إلى أنه
متصفٌ بالزور من رأسه إلى قَدَمِهِ.
ويحتملُ أن تكونَ التثنيةُ إشارة إلى أنه حصل بالتشبع حالتان مذمومتان: فقدان ما تتشبع
به، وإظهار الباطل، كذا في ((الفتح)). وقال أبو عبيدة: هو المرائي يلبس ثياب الزهاد، ويرى
أنه زاهد. وقال غيره: هو أن يلبس قميصًا يصل بكميه كمين آخرين، يرى أنه لابس
قميصين، فكأنه يسخر من نفسه، ومعناه إنه بمنزلة الكاذب القائل ما لم يكن. وقيل: إنما شبه
بالثوبين؛ لأنه المتحلي كذب كذبين: فوصف نفسه بصفة ليست فيه، ووصف غيره بأنه خصه
بصلة، فجمع بهذا القول بين كذبين. قال القاري: وبهذا تظهر المناسبةُ بين الفصلين في
الحديث، مع موافقته لسبب وروده، فكأنه قال: ومن لم يعط وأظهر أنه قد أعطى، كان
مزورًا مرتين. انتهى.
قوله: (وفي الباب عن أسماء بنت أبي بكر، وعائشة). أما حديث أسماء: فأخرجه
البخاري في باب المتشبع بما لم ينل، وما ينهى من افتخار الضرة من ((كتاب النكاح))،
ومسلم(١) في ((كتاب اللباس)). وأما حديث عائشة: فأخرجه مسلم (٢) في ((كتاب اللباس)).
قوله: (هذا حديث حسن غريب). وأخرجه البخاري في ((الأدب المفرد))، وأبو داود،
وابن حبان(٣) في ((صحيحه)). قال المناوي في ((التيسير)): إسناده صحيح.
(١). البخاري، كتاب النكاح. حديث (٥٢١٩)، ومسلم، كتاب اللباس والزينة. حديث (٢١٣٠).
(٢) مسلم، كتاب اللباس. حديث (٢١٢٩).
(٣) البخاري في ((الأدب المفرد)). حديث (٢١٥)، وأبو داود، كتاب الأدب. حديث (٤٨١٣)، وابن حبان
(٣٤١٥).

١٧٥
كتاب البر والصلة عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاء في الثََّاءِ بالمَعْرُوفِ
ومعنَى قَوْلِهِ: ((وَمَنْ كَتَمَ فَقَدْ كَفَرَ !، يَقُولُ: قد كَفَرَ تِلْكَ النِّعْمَةَ.
، ٠١٠- باب مَا جَاء في الثَّنَاءِ بالمَعْرُوفِ [ت ٨٨، م ٨٧]
[٢٠٣٥] (٢٠٣٥) حَدَّثَنَا الحُسَيْنُ بْنُ الحَسَنِ المَرْوَزِيُّ بِمَكَّةَ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ
الجَوْهَرِيُّ، قالا: حَدَّثَنَا الأَحْوَصُ بْنُ جَوَّابٍ، عَن تُعَيْرِ بْنِ الخِمْسِ، عَن سُلَيْمانَ
التَّيْميِّ، عَن أبِي عُثمانَ النَّهْدِيِّ، عَن أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهُ: ((مَنْ
صُنِعَ إِلَيْهِ معروفٌ فَقَالَ لِفَاعِلِه: جَزَاكَ الله خَيْرًا، فَقَدْ أَبْلَغَ فِي النََّاءِ».
قَالَ أَبُو عِيْسَی :
...- بَابُ مَا جَاءَ في الثَّنَاءِ بِالْمَعْرُوفِ
[٢٠٣٥] قوله: (حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري) أبو إسحاق الطبري، نزيل بغداد، ثقة
حافظ، تكلم فيه بلا حجة، من العاشرة (والحسين بن الحسن المروزي) قال في ((التقريب)):
الحسين بن الحسن بن حرب السلمي، أبو عبد الله المروزي، نزيل مكة، صدوق من
العاشرة، (بمكة)، وفي بعض النسخ: وكان سكن بمكة، (حدثنا الأحوص بن جواب)، بفتح
الجيم وتشديد الواو، الضبي، يكنى: أبا الجواب كوفي، صدوق ربما وهم، مْن التاسعة،
(عن سعير بن الخمس) قال في ((التقريب)): سعير آخره راء، مصغر ابن الخمس، بكسر
المعجمة وسكون الميم، ثم مهملة، التميمي أبو مالك، وأبو الأحوص: صدوق، من
السابعة.
قوله: (من صنع)، بصيغة المجهول، (معروفًا)؛ كذا وقع في النسخ الموجودة بالنصب،
ووقع في ((المشكاة))، و((الجامع الصغير)): معروف بالرفع.
قال القاري في ((المرقاة)) وفي نسخة: يعني من ((المشكاة)) معروفًا بالنصب، أي: أعطى
عطاء، (فقال لفاعله)، أي: بعد عجزه عن إثابته، أو مطلقًا: (جزاك الله خيرًا)، أي: خير
الجزاء، أو أعطاك خيرًا من خَيْرَي الدنيا والآخرة. (فقد أبلغ في الثناء)، أي: بالغ في أداء
شكره؛ وذلك أنه اعترف بالتقصير، وأنه ممن عجز عن جزائه وثنائه، ففوض جزاءه إلى الله؛
ليجزيه الجزاء الأوفى.
قال بعضهم: إذا قَصُرَتْ يَدَاكَ بِالْمُكَافَأَةِ، فَلْيَظُلْ لِسَانُكَ بِالشُّكْرِ وَالدُّعَاءِ.

١٧٦
كتاب البر والصلة عن رسول الله وَيَّ / باب مَا جَاء في الثَّنَاءِ بالمَعْرُوفِ
هذا حديثٌ حسنٌ جَيِّدٌ غريبٌ، لا نَعْرِفُهُ من حديْثِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ إلَّا من هذا
الوَجْهِ، وقد رُويَ عَن أبي هُرَيْرَةَ، عَن النبيِّ ◌ََّ بِمِثْلِهِ، وَسَأَلْتُ مُحَمَّدًا، فَلَمْ يَعْرِفْهُ.
حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ حَازِمِ البَلْخِيُّ، قَال: سَمِعْتُ المَكِّيَّ بْنَ إِبْرَاهِيمَ يَقُولُ:
كُنَّا عِنْدَ ابْنِ جُرَيْجِ المَكِّيِّ، فَجَاء سَائِلٌ فَسَأْلَهُ؟ فَقَالَ ابْنُ جُرَيْجِ لِخَازِنِهِ: أعْطِهِ
دِينَارًا، فَقَالَ: مَا عِنْدِي إِلَّ دِينَارٌ، إِنْ أعْطَيْتُهُ لَجُعْتَ وَعِيَالُكَ، قَالَ: فَغَضِبَ وَقَالَ:
أعْطِهِ، قَالَ المَكِّيُّ: فَنَحْنُ عِنْدَ ابْنِ جُرَيْجِ إِذْ جَاءهُ رَجُلٌ بِكِتَابٍ وَصُرَّةٍ، وَقَدْ بَعَثَ
إِلَيْهِ بَعْضُ إِخْوَانِهِ وَفِي الكِتَابِ: إِّي قَدْ بَعَثْتُ خَمْسِينَ دِينَارًا، قَالَ: فَحَلَّ ابْنُ جُرَيْج
الصُّرَّةَ فَعَدَّهَا فَإِذَا هِيَ أحَدٌ وَخَمْسُونَ دِينَارًا، قَالَ: فَقَالَ ابْنُ جُرَيْج لِخَازِنِهِ: قَدْ
أَعْطَيْتَ وَاحِدًا فَرَدَّهُ اللهُ عَلَيْكَ وَزَادَكَ خَمْسِينَ دِينَارًا .
(تمَّ كتابُ البِرّ والصِّلةِ، ويليهِ كِتابُ الطّبّ)
قوله: (هذا حديث حسن جيد غريب)، وأخرجه النسائي، وابن حبان(١). قال المناوي
في ((شرح الجامع الصغير)): إسناده صحيح. (وقد روي عن أبي هريرة عن النبي (ّ مثله)،
لم أقف على ما روي عن أبي هريرة بمثل حديث الباب، نعم روى الترمذي، وغيره عنه قال:
قال رسول الله مَّر: ((مَنْ لَمْ يَشْكُرِ النَّاسَ، لَمْ يُشْكُرِ الله))(٢) .
آخِرُ أبوابِ الْبِرِّ وَالصِّلَةِ
(١) السنن الكبرى للنسائي (١٠٠٠٨)، وصحيح ابن حبان (٣٤١٣).
(٢) أخرجه الترمذي، كتاب البر والصلة عن رسول الله. حديث (١٩٥٥)، من حديث أبي سعيد

١٧٧
كتاب الطب عن رسول الله الَّ / باب مَا جَاء في الحِمْيَة
(٢٩) كِتابُ الطَّبّ عَن رَسُولِ الله ◌ِالرّ
١- باب مَا جَاء في الحِمْيَة [ت ١، م ١]
[٢٠٣٦] (٢٠٣٧) حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدِ الدُّورِيُّ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ،
حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَن عُثمانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ التيمي، عَن يَعْقُوبَ بْنِ
أَبِي يَعْقُوبَ، عَن أُمِّ المُنْذِرِ، قَالَت: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِبِّهَ وَمَعَهُ عَلِيٍّ وَلَنَا دَوَالٍ
مُعَلّقَةٌ، قَالَت: فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ بَّهَ يَأْكُلُ وعليٌّ مَعهُ يَأْكُلُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَه
لِعَلِيٍّ: ((مَهْ مَهْ يا عَلِيُّ؛ فإنَّكَ نَاقِهٌ)) قَالَ: فَجَلَسَ عَلِيٍّ وَالنبيُّ ◌َّهِ يَأْكُلُ، قَالَت:
فَجَعَلَتْ لَهُمْ سِلْقًا وَشعيرًا، فَقَالَ النبيُّ بَّثَهُ: ((يا عَلِيُّ، مِن هَذَا فَأْصِبْ؛ فَإِنَّهُ أوْفَقُ
لَكَ)). [د: ٣٨٥٦، جه: ٣٤٤٢].
٢٩ _ كِتَابُ الطَّبِّ عَن رَسُولِ اللَّه
صَلىالله
وَسَة
١ - بَابُ مَا جَاءَ في الْحِمْيَةِ
بالكسر بالفارسية: برهيز كردن (١). حمي المريض: ما يضره منعه إياه فاحتمى، وتحمى
امتنع. وقال فيه: الحمية بالكسر ما حمي من شَيْءٍ.
[٢٠٣٦] قوله: (عن يعقوب بن أبي يعقوب) المدني، صدوق من الثالثة.
قوله: (ولنا دوال معلقة) جمع دالية، وهي العذق من البسر يعلق، فإذا أرطب أكل. (مه
مه) أي: اكفف، وهو اسم فعل، (فإنك ناقه). قال في ((القاموس)): نَقِهَ كَفَرِحَ ومنع نَقَهَا
وَنُقُوهًا: صَحَّ وفيه ضعف، وأناق فهو نَاقِهُ. (فجعلت لهم سلقًا وشعيرًا). وفي رواية
أبي داود: ((وصنعت شعيرًا وسلقًا، فجئت به)). والمعنى: طبخت لهم سلقًا وشعيرًا. والسِّلْقُ
بالكسر بالفارسية: جقندر، يعني: (من هذا فأصب) من الإصابة، أي: أدرك من هذا أو كل
منه .
(١) برهيز كردن: كلمة فارسية بمعنى: التطهر والنقاء.

١٧٨
كتاب الطب عن رسول الله وَّ / باب مَا جَاء في الحِمْيَة
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِن حَدِيثِ فُلَيْحٍ بن
سُلَيمان، وَيُرْوَى عَنِ فُلَيْحِ بنِ سُليمَان، عَن أَيُّوبَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ.
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ وَأَبُو دَاوُدَ، قَالَا: حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ
سُلَيْمانَ، عَن أيُّوبَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عَن يَعْقُوبَ بن أبي يَعقوب، عَن أُمِّ المُنْذِرِ
الأنْصَارِيَّةِ فِي حَدِيْثِهِ، قَالَت: دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ وَه، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ يُونُسَ بْنِ
مُحَمَّدٍ إِلَّا أنَّهُ قَالَ: ((أَنْفَعُ لَكَ)). وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ في حديثه: وحَدَّثَنِيْه أيُّوبُ بْنُ
عَبْدِ الرَّحْمنِ، هذا حَدِيثٌ جَيِّدٌ غريبٌ.
[٢٠٣٧] (٢٠٣٦) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدِ الفَرْوِيُّ،
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَن عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ، عَن عَاصِمٍ بْنِ عُمَرَ بْنِ فَتَادَةَ، عَن
قوله: (هذا حديث حسن غريب). وأخرجه أبو داود، وابن ماجه، وسكت عنه أبو داود،
ونقل المنذري تحسين الترمذي وأقره (لا نعرفه إلا من حديث فليح بن سليمان) قال
المنذري: في قول الترمذي هذا نظر. فقد رواه غير فليح، ذكره الحافظ أبو القاسم
الدمشقي. انتهى. قوله: (وأبو داود) هو الطيالسي.
(عن أيوب بن عبد الرحمن) قال في ((التقريب)): أيوب بن عبد الرحمن بن صعصعة،
وقيل: أيوب بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي صعصعة، صدوق، من السادسة. (عن أم
المنذر الأنصارية) قال الحافظ في ((تهذيب التهذيب)»: أم المنذر الأنصارية إحدى خالات
النبي بَّه، صلَّت معه القبلتين، وهي التي دخل عليها ومعه عَلِيٍّ في قصة الدوالي، والسلق
والشعير. روى عنها يعقوب بن أبي يعقوب المدني.
قال الطبراني: اسمها سلمى بنت قيس. وقال الترمذي: هي أم المنذر بنت قيس بن
عمرو بن عبيد بن [عامر بن] غنم بن عدي بن النجار، ويقال: هي سلمى بنت قيس أخت
سليط من بني مازن بن النجار. انتهى.
(وقال محمد بن بشار في حديثه: وحدثنيه أيوب بن عبد الرحمن)، في كلام الترمذي
هذا نظر، فتفكر وتأمل.
[٢٠٣٧] قوله: (حدثنا محمد بن يحيى)، هو: الإمام الذهلي، (حدثنا إسحاق بن محمد
الفروي)، قال في ((التقريب)): إسحاق بن محمد بن إسماعيل بن عبد الله بن أبي فروة الفروي
المدني الأموي مولاهم، صدوق، كُفَّ فَسَاءَ حفظه، من العاشرة. انتهى.

١٧٩
كتاب الطب عن رسول الله وَه / باب مَا جَاء في الدَّوَاءِ والحَثِّ عَلَيْه
محمودٍ مْنٍ لَبِيدٍ، عَن قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ؛ أنَّ رَسُوْلَ الله ◌َّهِ قَالَ: ((إِذَا أَحَبَّ الله عَبْدًا
حَمَاهُ الدُّنْيَا، كَمَا يَظَلُّ أحَدُكُمْ يَحْمِي سَقِيمَهُ المَاء)). [حم: ٢٣١١١].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: وفي البابِ: عَن صُهَيْبٍ، وَأَم المنذرِ، وهذا حديثٌ حسنٌ
غريبٌ، وقد رُوِيَ هَذَا الحدِيثُ عَن محمود بْنِ لَبِيدٍ، عَن النبيِّ وَّهِ: مُرْسَلًا.
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنِ عَمْرٍو بن أبي عمرو، عَن
عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَن محمودٍ بْنِ لَبِيدٍ، عَنِ النَِّّ ◌َّهَ: نَحْوَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيْهِ:
عَنْ قَتَادَةَ بنِ النُّعْمَانِ.
قَالَ أبُو عِيْسَى: وَقَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ الظُّفْرِيُّ: هُوَ أخُو أبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ لأمِّهِ،
وَمحمودُ بْنُ لَبِيدٍ قَدْ أدْرَكَ النبيَّ وَّهِ، وَرَآهُ وَهُوَ غُلَامٌ صَغِيرٌ.
٢ - باب مَا جَاء في الدَّوَاءِ والحَثِّ عَلَيْه [ت ٢، ٢ ٢]
[٢٠٣٨] (٢٠٣٨) حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذِ العُقَدِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَن زِيَادِ بْنِ
عِلَاقَةَ، عَن أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ، قَالَ: قَالَت الأعْرَابُ: يَا رَسُولَ الله، ألا نَتَدَاوَى؟
قوله: (إذا أحب الله عبدًا حماه الدنيا) أي: حفظه من متاع الدنيا ومناصبها، أي: حال
بينه وبين ذلك بأن يبعده عنه، ويعسر عليه حصوله. (كما يظل أحدكم يحمي سقيمه الماء)
أي: شربه إذا كان يضره، والأطباء تحمي شُرْبَ الماءِ في أمراض معروفة.
قوله: (وفي الباب عن صهيب) أخرجه ابن ماجه(١) في باب الحمية.
قوله: (هذا حديث حسن غريب). وأخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان))، والحاكم
وقال: صحيح، ووهم ابن الجوزي، قاله المناوي.
قوله: (وقتادة بن النعمان الظفري) بمعجمة وفاء مفتوحتين، صحابي، شهد بدرًا.
٢ - بَابُ مَا جَاءَ في الدَّوَاءِ وَالْحَثِّ عَلَيْهِ
[٢٠٣٨] قوله: (قال: قالت الأعراب: يا رسول الله، ألا نتداوى). وفي رواية
أبي داود(٢): قال: أتيت النبي وَ له وأصحابه؛ كأنما على رؤوسهم الطير، فسلمت ثم قعدت،
(١) ابن ماجه، كتاب الطب. حديث (٣٤٤٣)، والحاكم. حديث (٧٤٦٤)، وصححه، ووافقه الذهبي.
(٢) أبو داود، كتاب الطب. حديث (٣٨٥٥).

١٨٠
كتاب الطب عن رسول الله وَله / باب مَا جَاء في الدَّوَاءِ والحَبِّ عَلَيْه
قَالَ: (نَعَم، يَا عِبَادَ الله، تَدَاوَوْا؛ فَإِنَّ اللهَ لَمْ يَضَعْ دَاءَ إلَّا وَضَعَ لَهُ شِفَاءً - أوْ قال:
دَوَاءً - إلَّا دَاءً وَاحِدًا))، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: ((الهَرَمُ)). [ر: ٣٨٥٥،
جه: ٣٤٣٦].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: وفي البابِ: عَن ابنِ مَسْعُودٍ، وأبِي هُرَيْرَةَ، وأبِي خُزَامةَ عَن
أبِه، وابنِ عَبَّاس،
فجاء الأعراب من ههنا وههنا، فقالوا: يا رسول الله، أنتداوى؟ (قَالَ: نَعَمْ يَا عِبَادَ الله،
تَدَاوَوْا). فيه إثبات الطب والعلاج، وأن التداوي مباح غير مكروه، كما ذهب إليه بعض
الناس، قاله الخطابي. وقال العيني: فيه إباحة التداوي، وجواز الطب، وهو ردٌّ على
الصوفية: أن الولاية لا تتم إلا إذا رضِيَ بجميع ما نزل به من البلاء، ولا يجوزُ له مداواته.
وهو خلافُ ما أباحه الشارع. انتهى.
(فإنه لم يضع)، أي: لم يخلق (داء إلا وضع له شفاء أو دواء). شَكٌّ من الراوي.
(قال: الهرم)، بفتح الهاء والراء، أي: هو الهرم. قال الخطابي: جعل الهرم داء، وإنما هو
ضعفُ الكبر، وليس هو من الأدواء التي هي أسقام عارضة للأبدان، من قبل اختلاف الطبائع
وتغير الأمزجة، وإنما شبهه بالداء؛ لأنه جالب للتلف كالأدواء التي قد يتعقبها الموتُ
والهلاك. انتهى.
قوله: (وفي الباب عن ابن مسعود، وأبي هريرة، وأبي خزامة عن أبيه، وابن عباس) أما
حديث ابن مسعود، فأخرجه النسائي، وابن حبان في ((صحيحه))، والحاكم، والطحاوي(١)
ص٣٨٨ ج٢. وأما حديث أبي هريرة، فأخرجه البخاري(٢) بلفظ: ((مَا أَنْزَلَ اللهِ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ
لَهُ شِفَاءً)). وأما حديث أبي خزامة، عن أبيه، فأخرجه أحمد، وابن ماجه، وأخرجه
الترمذي(٣) أيضًا في باب: لا ترد الرقى والدواء من قَدَرِ الله شيئًا. وأما حديث ابن عباس،
فأخرجه الطحاوي ٣٨٦ ج٢، وأبو نُعيم (٤).
(١) النسائي في ((الكبرى)) (٦٨٦٣)، وابن حبان (٦٠٦١، ٦٠٦٤)، والحاكم. حديث (٤١٦)، والطحاوي (٦٤٤٦).
(٢) البخاري، كتاب الطب. حديث (٥٦٧٨).
(٣) أحمد (١٥٠٤٦، ١٥٠٤٧، ١٥٠٤٨)، وابن ماجه، كتاب الطب. حديث (٣٤٣٧)، والترمذي، كتاب الطب
عن رسول الله. حديث (٢٠٦٥)، والقدر. حديث (٢١٤٨).
(٤) شرح معاني الآثار. حديث (٦٦٤٧).