Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
كتاب البر والصلة عن رسول الله وَل﴿ / باب مَا جَاء فِي التَّنِّي وَالعَجَلَةِ
عَن أبِي جَمْرَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أنَّ النَّبِيَّ ◌َهِ قَالَ لأَشَجِّ عبدِ القَيْسِ: ((إنَّ فِيكَ
خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا الله: الحِلْمُ، وَالأَنَاةُ)). [م: ١٧، د: ٥٢٢٥، جه: ٤١٨٨].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ.
وفي البابِ: عَن الأَشَجِ العَصَرِيِّ.
السادسة، (عن أبي جمرة)، اسمه: نصر بن عمران.
قوله: (لأشج عبد القيس) بالإضافة، واسمه: المنذر بن عائذ، كان وافد عبد القيس،
وقائدهم ورئيسهم، وعبد القيس قبيلة. (إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم، والأناة)
ويجوز فيه وجهان: النصب على البدلية، والرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هما
الحلم والأناة.
قال النووي: الحلم هو العقل، والأناة هي التثبتُ، وترك الْعَجَلَةِ، وهي مقصورةٌ يعني:
[بوزن] نواة. وسببُ قول النبي وسير ذلك له ما جاء في حديث الوفد؛ أنهم لما وصلوا
المدينة، بادروا إلى النبي وَلِّ، وأقام الأَشَجُّ عند رحالهم، فجمعها وعقل ناقته، ولبس أحسن
ثيابه، ثم أقبل إلى النبي وَ ل﴿، فقربه النبي ◌َّليز، وأجلسه إلى جانبه، ثم قال لهم النبي ◌َلّ:
(تُبَايِعُونَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَقَوْمِكُمْ))، فقال القوم: نعم، فقال الأشج: يا رسول الله، إنك لم
تزاول الرجل عن شيء أشد عليه من دينه، نبايعك على أنفسنا، ونرسل إليهم من يدعوهم،
فمن اتبعنا كان منا، ومن أبى قاتلناه. قال: ((صَدَقْتَ، إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ ... )) الحديث.
قال القاضي عياض: فالأناة تربُّصه حتى ينظر في مصالحه، ولم يعجِّل. والحلمُ: هذا
القول الذي قاله الدال على صحة عقله، وجودة نظره للعواقب. انتهى. وحديث ابن عباس
هذا أخرجه مسلم(١) في ((صحیحه)).
قوله: (وفي الباب عن الأشج العصري) أخرجه أحمد (٢) في ((مسنده)) والعصري
بمهملتين، وهو أشج عبد القيس المذكور. قال في ((تهذيب التهذيب)): الأشج العصري،
اسمه: المنذر بن عائذ بن المنذر بن الحارث بن النعمان بن زياد بن عصر العصري، أشج
عبد القيس، كان سيد قومه، وفد على النبي ◌َّل﴿ فقال له: ((إِنَّ فِيكَ لَخَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا الله
تَعَالَى ... ))(٣) الحدیث. انتهى.
(١) مسلم، كتاب الإيمان. حديث (١٧).
(٢) أحمد (١٠٧٩١).
(٣) مسلم، كتاب الإيمان. حديث (١٨)، وابن ماجه. حديث (٤١٨٧).

١٤٢
كتاب البر والصلة عن رسول الله له / باب مَا جَاء فِي التَّنِّي وَالعَجَلَةِ
[٢٠١٢] (٢٠١٢) حَدَّثَنَا أَبُو مُصْعَبِ المَدَنِيُّ، حَدَّثَنَا عبدُ المُهَيْمِنِ بْنُ عَبَّاسِ بْنِ
سَهْلٍ بْنِ سَعْدِ السَّاعِدِيِّ، عَن أبِيه، عَن جَدِّه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَةِ: ((الأَنَاةُ
مِنَ الله، وَالعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ)). [ضعيف].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ غريبٌ، وقد تَكَلَّمَ بعض أهلِ الحديث في
عبدِ المُهَيْمِنِ بْنِ عَبَّاس بْنِ سَهلٍ، وَضَعَّفَهُ مِن قِبَلِ حِفْظِهِ، والأشجِ بْنُ عبد القيس
اسمه: المنذر بنُ عائذ.
[٢٠١٢] قوله: (حدثنا عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد الساعدي) الأنصاري،
المدني، ضعيف من الثامنة، (عن أبيه)، أي: عباس بن سهل، (عن جده)، أي: سهل بن
سعد .
قوله: (الأناة من الله، والعجلة من الشيطان). قال المناوي: في ((شرح الجامع
الصغير)): أي: هو الحاملُ عليها بوسوسته، لأن العجلة تمنعُ من التثبت، والنظر في
العواقب، وذلك موقع في المعاطب، وذلك من كيد الشيطان ووسوسته، ولذلك قال المرقش:
[الکامل]
إِنَّ النَّجَاحَ رَهِينٌ أَلَّا تَعْجَلا
يَا صَاحِبَيَّ تَلَوَّمَا لا تَعْجَلَا
وقال عمرو بن العاص: لا يزال المرءُ يجتني من ثمرة العجلة الندامة. ثم الْعَجَلَةُ
المذمومةُ ما كان في غير طاعة، ومع عدم التثبت، وعدم خوف الْفَوْتِ، ولهذا قيل
لأبي العيناء: لا تعجل، فالعجلةُ من الشيطان، فقال: لو كان كذلك لما قال موسى:
﴿وَعَِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَّضَى﴾ [طه: ٨٤] والحزم ما قال بعضهم: لا تعجل عجلة الأَخْرَقِ، ولا
تحجم إحجام الواني الفَرِق. انتهى.
قيل: ويستثنى من ذلك ما لا شبهة في خيريته، قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَرِعُونَ فِ
الْخَيْرَتِ﴾ [الأنبياء: ٩٠] قال القاري: ((بون بين المسارعة والمبادرة إلى الطاعات، وبين العجلة
في نفس العبادات، فالأول محمود، والثاني مذموم)). انتهى.
قوله: (هذا حديث غريب)، كذا في النسخ الموجودة، وكذا في ((المشكاة)). وقال
القاري: قال ميرك: وفي بعض النسخ: حسن غريب، (وقد تكلم بعض أهل الحديث في عبد
المهيمن بن عباس، وضعفه من قبل حفظه). قال القاري: أي: وقع طعن البعض فيه من جهة
حفظه، فإنه عدل ثقة، فأمره سهل. انتهى.

١٤٣
كتاب البر والصلة عن رسول الله وََّ ر باب مَا جَاء في الرِّفْقِ
٦٧ - باب مَا جَاء في الرِّفْقِ [ت ٦٧، م ٦٧]
[٢٠١٣] (٢٠١٣) حَدَّثَنَا ابْنُ أبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيينةَ، عَن عَمْرِو بْنِ
دينَارٍ، عَن ابنِ أبِي مُلَيْكَةَ، عَن يَعْلَى بْنِ مَمْلَكٍ، عَن أُمِّ الدَّرْدَاءِ، عَن أبِي الدَّرْدَاءِ،
عَنِ النَّبِيِّ بَّهَ: قَالَ: ((مَن أُعْطِيَ حَّهُ مِنَ الرِّفْقِ فَقَدْ أُعْطِيَ حَظّهُ مِنَ الخَيْرِ، وَمَنْ
حُرِمَ حَظّهُ مِنَ الرِّفْقِ فَقَدْ حُرِمَ حَظَّهُ مِنَ الخَيْرِ)). [حم: ٢٧٠٠٥].
قَالَ أبُو عِيْسَى: وفي البابِ: عَن عَائِشَةَ، وَجَرِيرِ بْنِ عبدِ الله، وأبي هُرَيْرَةَ،
قلت: في قول القاري: ((فإنه عدل ثقة)) نظر ظاهر، فقد عرفت آنفًا أن الحافظ قال في
((التقريب)): إنه ضعيف. وقال في ((تهذيب التهذيب)): قال البخاري: منكر الحديث. وقال
النسائي: ليس بثقة. وقال ابن حبان: لما فحش الوهم في روايته بطل الاحتجاجُ به. وقال
النسائي في موضع آخر: متروك الحديث. وقد ذكر الحافظ فيه أقوال غير هؤلاء، كلها تدلُّ
على أنه ليس بثقة.
٦٧ - بَابُ مَا جَاءَ في الرِّفْقِ
بالكسر: ضد العنف، وهو المداراةُ مع الرفقاء، ولين الجانب، واللطف في أخذ الأمر
بأحسن الوجوه وأيسرها .
[٢٠١٣] قوله: (مَنْ أَعْطِيَ) بصيغة المجهول، (حظه) بالنصب، على أنه مفعول ثان، أي
نصيبه (من الرفق)، أي: اللطف، (ومن حرم) على بناء المفعول، (حظه) بالنصب على أنه
مفعول ثان، (فقد حرم حظه من الخير)، إذ به تنال المطالب الدنيوية والأخروية، وبفوته
تفوتان، ففيه فضل الرفق والحث على التخلّق به وذم العنف. وقال في ((اللمعات)): يعني: أن
نصيب الرجل من الخير على قدر نصيبه من الرفق، وحرمانه منه على قدر حرمانه منه. انتهى.
قوله: (وفي الباب عن عائشة، وجرير بن عبد الله، وأبي هريرة). أما حديث عائشة:
فأخرجه الشيخان(١) عنها مرفوعًا: ((إِنَّ الله رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ». ولها أحاديثُ
أخرى في هذا الباب. أما حديثُ جرير بن عبد الله: فأخرجه مسلم، وأبو داود (٢)، كذا في
(١) البخاري، كتاب استتابة المرتدين. حديث (٦٩٢٧)، ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب. حديث (٢٥٩٣).
(٢) مسلم، كتاب البر والصلة والآداب. حديث (٢٥٩٢)، وأبو داود، كتاب الأدب. حديث (٤٨٠٩).

١٤٤
كتاب البر والصلة عن رسول الله رَّ / باب مَا جَاء في دَعْوةِ المَظْلُوم
وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
٦٨ - باب مَا جَاء في دَعْوةِ المظَّلُومِ [ت ٦٨، م ٦٨]
[٢٠١٤] (٢٠١٤) حَدَّثَنَا أبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَن زَكَرِيًّا بْنِ إِسْحَاقَ، عَن
يَحْيَى بْنِ عبدِ الله بْنِ صَيْفِيٍّ، عَن أبي مَعْبَدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أنَّ رَسُوْلَ اللهِ وَّهِ بَعَثَ
معاذ بْن جبل إلَى اليَمَنِ فَقَالَ: ((اتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ؛ فَإِنَّهَا لَيْسَ بَيْنَها وَبَيْنَ الله
حِجَابٌ)). [خ مطولًا: ١٤٩٦، م مطولًا: ١٩، ن مطولًا: ٢٤٣٤، د مطولًا: ١٥٨٤، جه مطولًا: ١٧٨٣،
حم: ٢٠٧٢، مي مطولًا: ١٦١٤].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: وفي البابِ: عَن أَنَسٍ، وأبي هُرَيْرَةَ، وعبدِ الله بْنِ عُمَرَ،
وأبِي سَعِيدٍ، وَهَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ صَحِيْحٌ، وَأَبُو مَعْبَدِ اسْمُهُ: نَافِذٌ.
((الترغيب)). وأما حديث أبي هريرة: فأخرجه البخاري(١)، وفيه: ((فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ
تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ)).
قوله: (هذا حديث حسن صحيح). وأخرجه أحمد.
٦٨ - بابُ مَا جَاءَ في دَعْوَةِ الْمَظْلُومِ
[٢٠١٤] قوله: (عن أبي معبد) اسمه: نافذ بفاء ومعجمة، مولى ابن عباس المكي، ثقة،
من الرابعة .
قوله: (بعث معاذًا)، بضم الميم، أي: أرسله أميرًا وقاضيًا، (اتق دعوة المظلوم)، أي:
اجتنب دعوة من تظلمه، وذلك مستلزمٌ لتجنُّب سائر أنواع الظلم. (فإنها) أي: الشأن، (ليس
بينها وبين الله) أي: قبوله لها، (حجاب)، أي: مانع، بل هي معروضةٌ عليه تعالى، وقيل:
هو كناية عن سرْعَة القبولِ. قال الطيبي رحمه الله: هذا تعليلٌ للاتقاءِ، وتمثيل للدعوة لمن
يقصد إلى السلطان متظلمًا، فلا یحجب عنه.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه الشيخان، وأبو داود، والنسائي، وابن
ماجه .
قوله: (وفي الباب عن أنس، وأبي هريرة، وعبد الله بن عمرو، وأبي سعيد). أما حديث
(١) البخاري، كتاب الوضوء. حديث (٢٢٠).

١٤٥
كتاب البر والصلة عن رسول الله وََّ / باب مَا جَاء في خُلُقِ النبيِّ وَيه
٦٩ - باب مَا جَاء في خُلُقِ النبيِّ وَلِ﴾ [ت ٦٩، م ٦٩]
[٢٠١٥] (٢٠١٥) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمانَ الضُّبِيُّ، عَن ثَابِتٍ،
عَن أَنَسٍ، قَالَ: خَدَمْتُ النبيِ وَِّ عَشْرَ سِنِينَ فَمَا قَالَ لِي أُفِّ قَط،
أنس: فأخرجه أحمد في ((مسنده))، وأبو يعلى، والضياء المقدسي(١) عنه مرفوعًا: ((اتَّقُوا
دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ وَإِنْ كَانَ كَافِرًا؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ دُونَهَا حِجَابٌ)) قال المناوي في ((التيسير)): إسناده
صحيح، وأما حديث أبي هريرة: فأخرجه الترمذي(٢) في: ((باب دعاء الوالدين))، وقد تقدم.
وأما حديث عبد الله بن عمرو (٣)، وحديث أبي سعيد(٤)، فلينظر من أخرجهما .
٦٩ - بَابُ مَا جَاءَ في خُلُقِ النَّبِيِّ ◌ِل
[٢٠١٥] قوله: (خدمت) من باب: ضرب ونصر، (عشر سنين)، وفي رواية مسلم(٥):
((تسع سنين)). قال النووي: معناه، أنها تسع سنين وأشهر، فإن النبي ◌ّ أقام بالمدينة عشر
سنين تحديدًا لا تزيد ولا تنقص، وخدمه أنس في أثناء السنة الأولى، ففي رواية التسع لم
يحسب الكسر، بل اعتبر السنين الكوامل. وفي رواية العشر حسبها سنة كاملةً، وكلاهما
صحیح. انتھی.
(فما قال لي أف)، بضم الهمز، وكسر الفاء المشددة، منونة وغير منونة، وفيها لغات
كثيرة، قال النووي في ((شرح مسلم)): ذكر القاضي، وغيره فيها عشر لغات: أف، بفتح الفاء
وضمها وكسرها بلا تنوين، وبالتنوين، فهذه ست، وأف: بضم الهمزة وإسكان الفاء، وإف:
بكسر الهمزة وفتح الفاء، وأفي، وأفه: بضم همزتهما. قالوا: وأصل الأف والتف: وسخُ
الأظفار، وتستعمل هذه الكلمة في كُلِّ ما يستقذر، وهي اسم فعل تستعملُ في الواحد
والاثنين والجمع، والمؤنث والمذكر بلفظ واحد، قال الله تعالى: ﴿فَلَا نَّقُل لَُّمَا أُنّ﴾
[الإسراء: ٢٣].
قال الهروي: يقال لكل ما يضجر منه، ويستثقل: أف له، وقيل: معناه الاحتقار مَأخُوذٌ
(١) أحمد (١٢١٤٠)، وأبو يعلى (٨٣٤٦ - إتحاف الخيرة- ط/ الرشيد)، والضياء في ((المختارة)) (٢٧٤٨).
(٢) الترمذي، كتاب البر والصلة. حديث (١٩٠٥).
(٣) أحمد (٦٧٥٣، ٦٧٩٨)، وأبو داود، كتاب الزكاة. حديث (١٦٩٨)؛ كلاهما من حديث ابن عمرو.
(٤) ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٢٩٣٧٢)، وأبو يعلى (١٣٣٧)، والبخاري في التاريخ الكبير (٦٢٤).
(٥) مسلم، كتاب الفضائل. حديث (٢٣٠٩).

١٤٦
كتاب البر والصلة عن رسول الله وَاه / باب مَا جَاء في خُلُقِ النبيِّ وَل
وَمَا قَالَ لِشَيءٍ صَنَعْتُهُ: لِمَ صَنَعْتَه؟ وَلا لِشَيءٍ تَرَكْتُهُ: لِمَ تَرَكْتَهُ؟ وكَانَ رَسُولُ اللهِ وَه
مِن أحْسَنِ النَّاسِ خُلُقًّا، ولا مَسسْتُ خَزَّا قَظُ وَلا حَرِيرًا وَلا شَيْئًا كَانَ أَلْيَنَ مِن كَفِّ
رَسُولِ اللهِ وََّ، وَلا شَمِمْتُ مِسْكًا قَطُ وَلا عِظْرًا كَانَ أَظْيَبَ مِن عَرَقِ النبي
وسِلم .
صَلىاللّهِ
[خ بنحوه: ٢٧٦٨، م بنحوه: ٢٣٠٩، د بنحوه: ٤٧٧٣، حم: ١١٥٧٧].
قَالَ أبُو عِيْسَى: وفي البابِ: عَن عَائِشَةَ، وَالْبَرَاءِ،
من الأَفَفِ، وهو القَلِيلُ. انتهى. وقال في ((القاموس)): أُفّ: كلمة تُكرِه، وَأَقَّفَ تَأْفِيفًا
وَتَأَقَّفَ، قالها، ولغاتها أربعون. ثم ذكرها .
(وما قال لشيء صنعته: لم صنعته؟ ولا لشيء تركته لم تركته؟) يعني: لم يقل لشيء
صنعته لم صنعته، ولا لشيء لم أصنعه، وكنت مأمورًا به لم لا صنعته. واعلم أن ترك
اعتراض النبي ◌ّلية على أنس رضي الله تعالى عنه: فيما خالف أمره، إنما يفرض فيما يتعلق
بالخدمة والآداب، لا فيما يتعلق بالتكاليف الشرعية، فإنه لا يجوز ترك الاعتراض فيه. وفيه
أيضًا مدحُ أنس، فإنه لم يرتكب أمرًا يتوجه إليه من النبي ◌َّ اعتراضُ ما.
(وما مسست) بكسر السين الأولى ويفتح، (خزًّا) قال في ((النهاية)): الخزُّ المعروف أولًا
ثياب تنسج من صوف وإبريسم، وهي مباحة، وقد لبسها الصحابة والتابعون، فيكون النهي
عنها، لأجل التشبه بالعجم، وزي المترفين. وإن أريد بـ ((الخز)) النوع الآخر، وهو المعروف
الآن، فهو حرام؛ لأن جميعه معمول من الإبريسم، وعليه يحمل الحديث الآخر: ((قَوْمٌ
يَسْتَحِلُونَ الْخَزَّ وَالْحَرِيرَ)). انتهى.
(ولا حريرًا)، أي: مطلقًا، (ولا شممت)، بكسر الميم ويفتح، قال الحافظ: مَسسْتُ،
بكسر المهملة الأولى على الأفصح، وكذا شممت، بكسر الميم وفتحها لغة، ويقال في
المضارع، أَمَسَّهُ وَأَشَمَّهُ، بالفتح فيهما على الأفصح، وبالضم على اللغةِ المذكورة، وفي
الحديث بيانُ كمالٍ خلقه وَّ وحسن عشرته، وحلمه وصفحه.
قوله: (وفي الباب عن عائشة، والبراء). أما حديثُ عائشة فأخرجه الشيخان(١) وغيرهما
بألفاظ من طرق متعددة.
وأما حديث البراء، فأخرجه البخاري (٢) في صفة النبي
(١) البخاري، كتاب المناقب. حديث (٣٥٤٩)، ومسلم. حديث (٢٣٣٧).
(٢) البخاري، كتاب المناقب. حديث (٣٥٤٩).

١٤٧
كتاب البر والصلة عن رسول الله ◌َله / باب مَا جَاء في حُسْنِ العَهد
وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
[٢٠١٦] (٢٠١٦) حَدَّثَنَا محمودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: أنْبَأْنَا شُعْبَةُ،
عَن أبي إسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ أبَا عَبْدِ الله الجَدَلِيَّ يَقُولُ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَن خُلُقٍ
رَسُولِ اللهِوَّةِ؟ فَقَالَت: لَمْ يَكُنْ فَاحِشًا، وَلا مُتَفَحِّشًا، وَلا صَخَّابًا في الأسْواقِ،
وَلا يجزي بالسَّيَِّةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِنْ يَعْفُو ويَصْفَحُ. [حم: ٢٤٨٨٩].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وأبو عَبْدِ الله الجَدَلِيُّ اسمُه: عَبْدُ بْنُ
عَبْدٍ، ويُقَالُ: عبدُ الرَّحمنِ بْنُ عَبْدٍ.
٧٠ - باب مَا جَاء في حُسْنِ العَهد [ت ٧٠، م ٧٠]
قوله: (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه الشيخان.
[٢٠١٦] قوله: (لم يكن فاحشًا)، أي: ذا فحش في أقواله وأفعاله، (ولا متفحشًا)،
أي: متكلفًا فيه ومتعمدًا؛ كذا في ((النهاية)). قال القاضي: نفت عنه تولي الفحش والتفوه به،
طبعًا وتكلفًا، (ولا صخابًا)، أي: صَيَّاحًا، (ولا يجزي بالسيئة السيئة)، بل بالحسنة، (ولكن
يعفو) ، أي: في الباطن، (ويصفح)، أي: يعرض في الظاهر عن صاحب السيئة لقوله تعالى:
﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَأَصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ١٣].
قوله: (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرج نحوه البخاري(١) من حديث عبد الله بن
عمرو.
قوله: (وأبو عبد الله الجدلي اسمه .. إلخ) قال الحافظ في ((التقريب)): أبو عبد الله
الجدلي اسمه: عبد أو عبد الرحمن بن عبد، ثقة، رمي بالتشيع، من كبار الثالثة.
٧٠ - بَابٌ مَا جَاءَ في حُسْنِ الْعَهْدِ
وفي ((صحيح البخاري)) باب حسن العهد من الإيمان. قال أبو عبيد: العهد هنا رعاية
الحرمة، وقال عياض: هو الاحتفاظ بالشيء والملازمة له. وقال الراغب: حفظ الشيء
ومراعاته، حالًا بعد حال.
(١) البخاري، كتاب المناقب. حديث (٣٧٦٠، ٦٠٢٩).

١٤٨
كتاب البر والصلة عن رسول الله وَ لّ / باب مَا جَاء في حُسْنِ العَهد
[٢٠١٧] (٢٠١٧) حَدَّثَنَا أَبُو هِشَام الرِّفاعيُّ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاتٍ، عَن
هِشَامِ، بْنِ عُرْوَةَ، عَن أبِيه، عَن عائِشَةَ، قَالَت: ما غِرْتُ عَلَى أحَدٍ مِن أَزْوَاجِ النبيِّ
وَ مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ، وَمَا بِي أنْ أكُونَ أدْرَكْتُهَا، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِكَثْرَةِ ذِكْرٍ
رَسُولِ اللهِ وَّلَها، وإِنْ كَانَ لَيَذْبَحُ الشَّاةَ فَيَتَبَّعُ بِهَا صَدَائِقَ خَدِيجَةَ فَيُهْدِيهَا لَهُنَّ. [خ:
٣٨١٦، م: ٢٤٣٥، جه بنحوه: ١٩٩٧، حم: ٢٣٧٨٩].
[٢٠١٧] قوله: (ما غرت على أحد من أزواج النبي ◌َّ) بكسر الغين المعجمة من غَارَ
يَغَارُ نحو خَافَ يَخَافُ، (ما غرت على خديجة) ((ما)) الأولى نافية، والثانية موصولة، أو
مصدرية، أي: ما غرت مثل التي غرتها، أو مثل غيرتي عليها، والغيرة الْحَمِيَّةُ والأنف. قال
الحافظ: قوله: ((عَلَى خَدِيجَةَ)) يريد ((من خديجة))، فأقام ((على)) مقام ((من))، وحروف الجر
تتناوب في رَأْي، أو ((على)) سببية، أو بسبب خديجة، وفيه ثبوتُ الغيرةِ، وأنها غير مستنكر
وقوعها من فاضلات النساء؛ فضلاً عمن دونهن. وأن عائشة كانت تَغَارُ من نساء النبي وَّه
لكن كانت تغار من خديجة أكثر. وقد بينت سبب ذلك؛ وإنه لكثرة ذكر النبي ◌َّ إياها،
وأصل غيرة المرأة من تَخَيُّلِ محبةٍ غيرها أكثر منها. وكثرة الذكر تدلُّ على كثرة المحبة.
وقال القرطبي: مرادها بالذكر لها مدحها، والثناء عليها. (وما بي أن أكون أدركتها)،
الجملة حالية، و((ما)) نافية وفي رواية للشيخين(١): ((وَمَا رَأَيْتُهَا))، وهي تقتضي عدم الغيرة؛
لعدم الباعث عليها غالبًا؛ ولذا قالت: (وما ذاك إلا لكثرة ذكر رسول الله وَطيقول لها) وفي رواية
للنسائي(٢): ((من كثرة ذكره إياها، وثنائه عليها)). (وإن) مخففة من المثقلة، (ليذبح الشاة)،
أي: شاة من الشياه، (فيتتبع)، أي: يتطلب. قال في ((القاموس)): تتبعه تطلبه، وقال فيه:
طلبه، وتطلبه، واطلبه كافتعله: حاول وجوده وأخذه. (بها)، أي: بالشاة المذبوحة يعني
بأعضائها .
وفي رواية للشيخين(٣): ((وربما ذَبَحَ الشَّاةَ ثم يقطعها أعضاءً، ثم يبعثها في صَدَائِقٍ
خديجةَ)). (صدائق خديجة)، أي: أصدقائها، جمع صديقة، وهي المحبوبة. (فيهديها لهن)
من الإهداء، أي: يتحفهن إياها، ومطابقة الحديث للباب في إهداء النبي وَلّ اللحم لأصدقاء
(١) البخاري، كتاب المناقب. حديث (٣٨١٨)، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة. حديث (٢٤٣٥).
(٢) السنن الكبرى. حديث (٨٣٦١).
(٣) البخاري، كتاب المناقب. حديث (٣٨١٨)، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة. حديث (٢٤٣٥).

١٤٩
كتاب البر والصلة عن رسول الله وَّر / باب مَا جَاء في مَعَالِي الأَخْلَاقِ
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ صحيحٌ.
٧١- باب مَا جَاء في مَعَالِي الأخْلَاقِ (ت ٧١، م ٧١]
[٢٠١٨] (٢٠١٨) حَدَّثَنَا أحمدُ بْنُ الحَسَنِ بْنِ خِرَاشِ البَغْدَادِي، حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ
هِلَالٍ، حَدَّثَنَا مُبَارَكُ بْنُ فَضَالةَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ رَبِّهِ بْنُ سَعِيدٍ، عَن محمَّدِ بْنِ المُنْكَِرِ،
عَن جابِرٍ؛ أنَّ رَسُوْلَ اللهِ وَّهِ قَالَ: ((إنَّ مِن أَحَبُّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّ مَجْلِسًا يَوْمَ
خديجة وخلائلها؛ رعيًا منه لذمامها، وحفظًا لعهدها. وقد أخرج الحاكم، والبيهقي(١) في
((الشعب)) من طريق صالح بن رستم عن ابن أبي مليكة عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت:
جَاءَتْ عَجُوزٌ إِلَى رَسُولِ اللهِوَّهِ فَقَالَ: ((كَيْفَ أَنْتُمْ، كَيْفَ حَالُكُمْ، كَيْفَ كُنْتُمْ بَعْدَنَا؟))،
قالت: بخير، بأبي أنت وأمي يا رسول الله. فلما خرجت، قلت: يا رسول الله، تقبل على
هذه العجوز هذا الإقبال؟ فقال: ((يَا عَائِشَةُ، إِنَّهَا كَانَتْ تَأْتِينَا زَمَانَ خَدِيجَةَ، وَإِنَّ حُسْنَ الْعَهْدِ
مِنَ الإِيْمَانِ)).
قوله: (هذا حديث حسن صحيح غريب). وأخرجه الشيخان.
٧١ - بَابُ مَا جَاءَ في مَعَالِي الأَخْلاقِ
جمع المعلاة، قال في ((القاموس)): الْمَعْلاةُ كسبُ الشَّرف، وقال في ((الصراح)): علاء
بالفتح والمد بلندي در قدر (٢)، ونزلت عُلى بالضم والقصر معلاة بالفتح كذلك، والجمع
الْمَعَالِي.
[٢٠١٨] قوله: (حدثنا أحمد بن الحسن بن خراش البغدادي)، أبو جعفر، صَدُوقٌ من
الحادية عشرة، (حدثنا حبان بن هلال)، بفتح الحاء المهملة وتشديد الموحدة، أبو حبيب
البصري، ثقة ثبت، من التاسعة، (حدثنا مبارك بن فضالة)، بفتح الفاء وتخفيف المعجمة،
أبو فضالة البصري، صدوق يدلِّس ويسوي، من السادسة، (حدثني عبد ربه بن سعيد) بن
قيس الأنصاري، أخو يحيى المدني، ثقة من الخامسة.
قوله: (إن من أحبكم إلي)، أي: في الدنيا .
(١) الحاكم. حديث (٤٠) وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، والبيهقي (٩١٢٢).
(٢) بلندي در قدر: كلمة فارسية بمعنى الرفعة في المقام.

١٥٠
كتاب البر والصلة عن رسول اللّه ◌َ لّه / باب مَا جَاء في مَعَالِي الأخْلَاقِ
القِيَامَةِ أحَاسِنَكُمْ أخْلَاقًا، وإنَّ أبْغَضَكُمْ إِلَيَّ وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي مجلسًا يَوْمَ القِيَامَةِ
الثَّرْثَارُونَ وَالمُتَشَدِّقُونَ وَالمُتَفَيْهِقُونَ))، قالوا: يَا رَسُولَ الله، قَدْ عَلِمْنَا الثَّرْثَارُونَ
وَالمُتَشَدِّقُونَ، فَمَا المُتَفَيْهِقُونَ؟ قَالَ: ((المُتَكَبِّرُونَ)).
(أحاسنكم أخلاقاً)، نصبه على التمييز؛ وجمعه لإرادة الأنواع، أو لمقابلة الجمع بالجمع،
(وإن من أبغضكم إلي) ، أي: في الدنيا، (وأبعدكم مني يوم القيامة الثرثارون) . وفي حديث
أبي ثعلبة الخشني عند البيهقي(١): ((وَأَبْعَدُكُمْ مِنِّي مَسَاوِيكُمْ أَخْلاقًا الثَّرْثَارُونَ ... )) الحديث.
قال القاري: يروى أساويكم جمع أسوأ، كأحاسن جمع أحسن، وهو مطابق لما في أصل
((المصابيح)). وقال القاضي: افعلُ التفضيل إذا أضيف على معنى أن المراد به زائد على
المضاف إليهم في الخَصْلَةِ التي هو وَهُمْ مشتركون فيها؛ جاز الإفراد والتذكير في الحالات
كلها، وتطبقه لما هو وصف له لفظًا ومعنى. وقد جمع الوجهان في الحديث، فأفرد أحب،
وأبغض، وجمع أحاسن وأساوئ، في رواية من روى ((أساويكم)) بدل ((مساويكم))، وهو
جمع مسوئ كمحاسن في جمع محسن. وهو إما مصدر ميمي نعت به ثم جمع، أو اسم
مكان بمعنى الأمر الذي فيه السوءُ فأطلق على المنعوت به مجازًا.
وقال الدارقطني: أراد بـ ((أبغضكم)) بغيضكم، وبـ ((أحبكم)) التفضيل، فلا يكون
المخاطبون بأجمعهم مشتركين في البغض والمحبة. وقال الحاجبي: تقديره أحب المحبوبين
منكم، وأبغض المبغوضين منكم، ويجوز إطلاق العام، وإرادة الخاص للقرينة. قال الطيبي:
إذا جعل الخطاب خاصًّا بالمؤمنين، فكما لا يجوز ((أبغضكم)) لا يجوز ((بغيضكم)) لاشتراكهم
في المحبة، فالقولُ ما ذهب إليه ابن الحاجب؛ لأن الخطابَ عامٌّ يدخل فيه البر والفاجر،
والموافق والمنافق، فإذا أريد به المنافق الحقيقي فالكلام ظاهر، وإذا أريد به غير الحقيقي -
كما سبق في باب علامات النفاق - فمستقيم أيضًا، كما يدل عليه قوله: ((الثرثارون)) وفي
((النهاية)): الثرثارون هم الذين يُكْثِرُون الكلام تكلفًا وخروجًا عن الحقِّ، والثرثرة كثرة الكلام
وترديده. (والمتشدقون) قال في ((النهاية)): المتشدقون هم المتوسّعون في الكلام من غير
احتياط واحتراز. وقيل: أراد بالمتشدِّق المستهزئ بالناس، يلوي شدقه بهم وعليهم. انتهى.
والشِّدْقُ جانبُ الفم. (والمتفيهقون) هم الذين يتوسّعون في الكلام، ويفتحون به أفواههم،
مأخوذ من الفهق وهو الامتلاءُ والاتساعُ؛ كذا في ((النهاية)).
(١) السنن الكبرى له (٢٠٥٨٨)، وشعب الإيمان (٤٩٦٩).

١٥١
كتاب البر والصلة عن رسول الله وَلجر / باب مَا جَاء في مَعَالِي الأخْلَاقِ
قَالَ أَبُو عِيْسَى: وفي البابِ: عَن أبي هُرَيْرَةَ. وهذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ من هذا
الوَجْهِ، وَرَوَى بَعْضُهُمْ هذا الحديثَ عَنِ المُبَارَكِ بْنِ فَضَالَةَ، عَن محمدٍ بْنِ المُنْكَدِرِ ،
عَن جابِرٍ، عَن النبيِّ ◌ََّ، ولم يَذْكُرْ فِيهِ: عَن عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ؛ وهذا أصُ،
والثَّرْثَارُ: هُوَ الكَثِيرُ الكَلامِ، وَالمُتَشَدِّقُ: الَّذِي يَتَطاوَلُ عَلَى النَّاسِ في الكَلامِ ويَبْذُو
عَلَيْهِم.
قيل: وهذا من الكبر والرعونة. وقال المنذري في ((الترغيب)): الثرثار بثائين مثلثين
مفتوحتين [وتكرير الراء] هو الكثير الكلام تكلُّفًا، و((المتشدِّق)): هو المتكلِّم بملئ شدقيه،
تفاصحًا وتعظيمًا لكلامه، والمتفيهق أصله من الفهق وهو الامتلاءُ، وهو بمعنى المتشدِّق؛
لأنه الذي يملأ فمه بالكلام، ويتوسَّع فيه؛ إظهارًا لفصاحته وفضله، واستعلاء على غيره؛
د ◌َ ه بالمتكبر. انتهى.
ولهذا فسره النبي
قوله: (وفي الباب عن أبي هريرة). أخرجه الطبراني(١) في ((الصغير))، و((الأوسط)) عنه
مرفوعًا: ((إِنَّ أَحَبَّكُمْ إِلَيَّ أَحَاسِنُكُمْ أَخْلاقًا، الْمُوَّئُونَ أَكْنَافًا الَّذِينَ يَأْلَفُونَ وَيُؤْلَفُونَ، وَإِنَّ
أَبغضَكُمْ إِليَّ الْمَشَّاؤُونَ بِالنَّمِيمَةِ، الْمُفَرِّقُونَ بَيْنَ الأَحِبَّةِ، الْمُلْتَمِسُونَ للبراءِ العيبَ))؛ كذا في
((الترغيب)).
قوله: (هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه) - وأخرجه أحمد، والطبراني، وابن
حبان(٢) في ((صحيحه)) عن أبي ثعلبة الخشني، كذا في ((الترغيب)).
قوله: (والمتشدق هو الذي يتطاول على الناس في الكلام، ويبذو عليهم) ؛ كذا فسره
الترمذي، وتفسيره المشهور هو ما ذكره المنذري، وصاحب ((النهاية)). (وهذا أصح) قال
الحافظ في ((تهذيب التهذيب)) في ترجمة مبارك بن فضالة: روى عن ابن المنكدر، وعبد
ربه بن سعيد، وغيرهما. انتهى. فالظاهر أن مبارك بن فضالة روى هذا الحديث أولًا عن ابن
المنكدر بواسطة عبد ربه بن سعيد، ثم لقيه، فرواه عنه بغير واسطة.
(١) المعجم الصغير (٨٣٥)، والأوسط (٧٦٩٧).
(٢) أحمد (١٧٢٧٨، ١٧٢٨٩)، والطبراني في ((الكبير)) (٥٨٨)، وابن حبان (٤٨٢، ٥٥٥٧).

١٥٢
كتاب البر والصلة عن رسول الله وَ له / باب مَا جَاء في اللَّعْنِ وَالطّعْنِ
٧٢ - باب مَا جَاء في اللَّعْنِ وَالطِّعْنِ [ت ٧٢، م ٧٢]
[٢٠١٩] (٢٠١٩) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، حَدَّثَنَا أبُو عامِرٍ، عَن كَثِيرِ بْنِ زَيْدٍ،
عَن سَالِمٍ، عَن ابنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ النبيُّ وَّهِ: ((لا يَكُونُ المُؤْمِنُ لَغَّانَا)).
قَالَ أبُو عِيْسَى: وفي الباب: عَن عبد الله بْنِ مَسعودٍ، وهذا حديثٌ حسنٌ
غريبٌ، وروى بَعْضُهُمْ بهذا الإسناد عَن النبي وَّهِ قَالَ:
٧٢ - بَابُ مَا جَاءَ في اللَّعْنِ، وَالطَّعْنِ
قال في ((القاموس)): لَعَنَّهُ كمنعه: طرده وأبعده. وقال في ((المجمع)): اللعنةُ هي الطردُ
والإبعاد، ولعن الكافر إبعاده عن الرحمة كل الإبعاد، ولعن الفاسق إبعاده عن رحمة تَخْصُّ
المطيعين. انتهى. وقال في ((القاموس)): طَعَنَهُ بالرمح كمنعه ونصره طعنًا: ضربه ووخزه،
فهو مطعونٌ وطعينٌ، وفيه بالقول طعنًا وطعنانًا. انتهى.
وقال في ((النهاية)): لا يكون المؤمن طَعَّانًا، أي: وقاعًا في أعراض الناس بِالذَّمّ والغيبة
ونحوهما. وهو فعال من طعن فيه وعليه بالقول يَطْعَنُ، بالفتح والضم، إذا عابه، ومنه الطعن
في النسب. انتهى.
[٢٠١٩] قوله: (عن كثير بن زيد) الأسلمي، ثم السهمي مولاهم المدني، يقال له: ابن
صافنة وهي أمه. روى عن سالم بن عبد الله بن عمر وغيره، وعنه أبو عامر العقدي وغيره
صدوق يخطئ، من السابعة.
قوله: (لا يكون المؤمن لعانًا)، أي: كثير اللعن، وهو الطردُ، والمراد به هنا الدعاء بالْبُعْدِ
عن رحمة الله تعالى، وإنما أتى بصيغة المبالغة؛ لأن الاحتراز عن قليله نادر الوقوع في
المؤمنين. قال ابن الملك: وفي صيغة المبالغة إيذانٌ بأن هذا الذم لا يكونُ لمن يَصْدُرُ منه اللعن
مرة أو مرتين. وفي حديث أبي هريرة عند مسلم مرفوعًا: ((لا يَنْبَغِي لِصِدِّيقٍ أَنْ يَكُونَ لَغَّانًا)).
قوله: (وفي الباب عن ابن مسعود) أخرجه الترمذي(١) في باب ما جاء في اللَّعنة.
قوله: (هذا حديث حسن غريب)، ذكر المنذري هذا الحديث في ((ترغيبه))، ونقل تحسين
الترمذي وسكت عنه.
(١) الترمذي، كتاب البر والصلة. حديث (١٩٧٧).

١٥٣
كتاب البر والصلة عن رسول الله وَّهِ / باب مَا جَاء في كَثْرَةِ الغضَبِ
((لا يَنْبَغِي لِلمُؤمِنِ أنْ يَكُونَ لَعَّانًا))، وهذا الحديثُ مُفسِّرٌ.
٧٣- باب مَا جَاء في كَثْرَةِ الغضَبِ [ت ٧٣، م ٧٣]
[٢٠٢٠] (٢٠٢٠) حَدَّثَنَا أبو كُرَيْبٍ، وَحَدَّثَنَا أبو بَكْرِ بْنُ عَيّاشٍ، عَن
أبِي حُصَيْنٍ، عَن أبِي صالِحٍ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ وَِّ قَالَ:
عَلِّمْنِي شَيْئًا وَلا تُكْثِرْ عَلَيَّ لَعُلِّي أعِيهُ، قَالَ: ((لا تَغْضَبْ))
قوله: (لا ينبغي للمؤمن)، أي: لا يجوز له، وقد جاء في الكتاب والسنة: لا ينبغي
بمعنى: لا يجوز؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِى لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم: ٩٢]، وتقدم
تحقيقه في ((المقدمة)). ووقع في بعض نسخ الترمذي بعد هذا: وهذا الحديث مفسر، يعني:
أن هذه الرواية بهذا اللفظ مفسِّرة للرواية السابقة بلفظ: ((لا يَكُونُ الْمُؤْمِنُ لَغَّانًا)). يعني: أن
النفي فيها بمعنى النهي.
تنبيه: اعلم أن الترمذي رحمه الله قد عقد فيما تقدم بابًا بلفظ: باب ما جاء في اللعنة،
ثم عقد هاهنا هذا الباب، ففيه تكرار، فلو أدخل حديث هذا الباب المتقدم، وأسقط هذا
الباب لكان أولى.
٧٣ - بَابُ مَا جَاءَ في كَثْرَةِ الْغَضَبِ
قال في ((القاموس)): الْغَضَبُ بالتحريك: ضد الرضا كالمغضبة، غضب كسمع عليه، وله
إذا كان حيًّا وغضب به إذا كان ميتًا. وقال بعضُ المحققين: الغضب فوران دم القلب، أو
عرض يتبعه ذلك لدفع المؤذيات، وللانتقام بعد وقوعها .
[٢٠٢٠] قوله: (علمني شيئًا)، أي: أرشدني بخصوصي إلى عموم ما ينفعني دينًا ودنيا
ويقربني إلى الله زُلْفَى، (ولا تكثر عليّ) من الإكثار و((عليّ)) صلة له، والمعنى لا تعلِّمني أشياء
كثيرة (لعلي أعيه)، أي: أحفظه. قال في ((القاموس)): وَعَاهُ يَعِيهُ: حَفِظَهُ وَجَمَعَهُ. (لا
تغضب) قيل: لعل السائل كان غضوبًا، وكان النبي ◌ََّ يأمر كُلَّ أحدٍ بما هو أولى به؛ فلهذا
اقتصر في وصيته له على ترك الغضب.
وقال الخطابي معنى قوله: ((لا تغضب)) اجتنب أسبابَ الغضبِ، ولا تتعرض لما يجلبه.
وأما نفس الغضب فلا يتأتى النهي عنه، لأنه أمر طَبَعي لا يزولُ من الجبلة. وقيل: معناه لا
تغضب؛ لأن أعظم ما ينشأ عنه الغضب الكبر؛ لكونه يقع عند مخالفة أمر يريده، فيحمله

١٥٤
كتاب البر والصلة عن رسول الله وَّ / باب مَا جَاء في كَثْرَةِ الغضَبِ
فَرَدَّدَ ذَلِكَ مِرَارًا، كلُّ ذَلِكَ يَقُولُ: ((لا تَغْضَبْ)). [خ: ٦١١٦، حم: ٢٧٣١١].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: وفي البابِ: عَن أبِي سَعِيدٍ، وَسُلَيْمانَ بْنِ صُرَدٍ، وهذا حديثٌ
حسنٌ صحيحٌ غريبٌ من هذا الوَجْهِ، وأبو حَصِينٍ اسمُه: عُثْمانُ بْنُ عاصِم الأسَدِيُّ.
الكبر على الغضب. فالذي يتواضَعُ حتى يُذْهِبَ عنه عزة النفس يسلم من شَرِّ الغضب. وقيل:
معناه: لا تفعل ما يأمرك به الغضب. وقال ابن التين: جمع وَّ في قوله: ((لا تغضب)) خيرَ
الدنيا والآخرة؛ لأن الغضب يؤول إلى التقاطع ومنع الرفق، وربما آل إلى أن يؤذي
المغضوب عليه، فينتقص ذلك من الدين.
(فردد ذلك)، أي: الرجل السؤال يلتمس أنفع من ذلك، أو أبلغ أو أعم، فلم يزده على
ذلك، (مرارًا)، أي: مرة بعد أخرى. (كل ذلك يقول: لا تغضب) في رواية عثمان بن
أبي شيبة قال: لا تَغْضَبْ، ثلاث مرات، وفيها بيان عدد المرار؛ قاله الحافظ.
فإن قلت: هذا الحديث لا يطابق الباب؛ فإن قوله: لا تغضب يدلُّ على النهي عن مطلق
الغضب، لا عن كثرة الغضب. قلت: الظاهر أن المراد بقوله: ((لا تغضب)) النهي عن كثرة
الغضب؛ لأن مطلق الغضب غريزة لا يمكن الاجتناب عنه، فالمطابقة ظاهرة. (وفي الباب
عن أبي سعيد، وسليمان بن صرد). أما حديث أبي سعيد، فأخرجه الترمذي (١) في باب خبر
النبي ◌ُّ بما هو كائن إلى يوم القيامة من أبواب الفتن. وأما حديث سليمان بن صرد،
فأخرجه الشيخان(٢) .
قوله: (هذا حديث حسن صحيح غريب)، وأخرجه أحمد، والبخاري(٣)، (وأبو حصين
اسمه: عثمان بن عاصم الأسدي). قال في ((التقريب)): عثمان بن عاصم بن حصين الأسدي
الكوفي، أبو حصين بفتح المهملة. ثقة ثبت، سني، وربما دلس، من الرابعة.
(١) الترمذي، كتاب الفتن. حديث (٢١٩١).
(٢) البخاري، كتاب الأدب. حديث (٦١١٥)، ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب. حديث (٢٦١٠).
(٣) أحمد (٢٧٣١١، ٩٦٨٢)، والبخاري، كتاب الأدب. حديث (٦١١٦).

١٥٥
كتاب البر والصلة عن رسول الله وَ ﴿/ باب في كَظْمِ الغَيْظِ
٧٤ - باب في كَظّمِ الغَيْظِ [ت ٧٤، م ٧٤]
[٢٠٢١] (٢٠٢١) حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بن محمد الدُّورِيُّ وغَيْرُ وَاحِدٍ، قالوا: حَدَّثَنَا
عبدُ الله بْنُ يَزِيدَ المُقْرِئُ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أبِي أيُّوبَ، حَدَّثَنِي أبو مَرْحُومٍ
عبدُ الرَّحِيمِ بْنُ مَيْمُونٍ، عَن سَهْلِ بنِ معَاذِ بْنِ أَنَسِ الجُهَنِيِّ، عَن أبِيه، عَنِ النَّبِّ
قَالَ: ((مَن كَظَمَ غيْظًا وَهُوَ يَسْتَطِيعُ أنْ يُنَفِّذَهُ، دَعَاهُ الله يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى رُؤوس
الخَلَائقِ، حَتَّى يُخَيِّرَهُ فِي أيِّ الحُورِ شاءَ)).
وَسِم
٧٤ - بَابٌ في كَظْمِ الْغَيْظِ
قد سقط هذا الباب من بعض النُّسخ.
[٢٠٢١] قوله: (حدثنا سعيد بن أبي أيوب) الخزاعي، مولاهم المصري، أبو يحيى بن
مقلاص، ثقة ثبت، من السابعة، (عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني) نزيل مصر، لا بأس به
إلا في روايات زبان عنه، من الرابعة، (عن أبيه، أي: معاذ بن أنس الجهني الأنصاري،
صحابي نزل مصر، وبقي إلى خلافة عبد الملك.
قوله: (من كظم غيظًا﴾ أي: اجترع غضبًا كامنًا منه. قال في ((النهاية)): كَظْمُ الغيظ
تجرُّعه واحتمال سببه، والصبر عليه. انتهى. (وهو يستطيع أن ينفذه)، بتشديد الفاء، أي:
يمضيه. وفي حديث أبي هريرة عند ابن أبي الدنيا: ((وهو يقدر على إنفاذه))، فيجوز تخفيف
الفاء، والجملة حالية. وجواب الشرط: (دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق﴾ أي:
شهرة بين الناس، وأثنى عليه، وتباهى به، ويقال في حقه: هذا الذي صدرت منه هذه
الخصلةُ العظيمةُ، (حتى يخيره) أي: يجعله مخيرًا (في أي الحور شاء) أي: في أخذ أيهن
شاء، وهو كناية عن إدخاله الجنة المنيعة، وإيصاله الدرجة الرفيعة. قال الطيبي: وإنما حمد
الكظم؛ لأنه قهر للنفس الأمارة بالسوء؛ ولذلك مدحهم الله تعالى بقوله: ﴿وَالْكَظِمِينَ
اٌلْفَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسُِ﴾ [آل عمران: ١٣٤]. ومن نهى النفس عن هواه، فإن الجنة مأواه،
والحور العين جزاه.
قال القاري: وهذا الثناء الجميلُ، والجزاء الجزيل، إذا ترتب على مجرد كظم الغيظ،
فكيف إذا انضم العفو إليه، أو زاد بالإحسان عليه.

١٥٦
كتاب البر والصلة عن رسول الله وَمايو / باب مَا جَاء في إِجْلالِ الگِيرِ
قَالَ: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ.
٧٥- باب مَا جَاء في إِجْلالِ الكَبِيرِ [ت ٧٥، م ٧٥]
[٢٠٢٢] (٢٠٢٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَزِيد بْنُ بَيَانِ العُقَيليُّ، حَدَّثَنَا
أبو الرَّحَّالِ الأنصَارِيُّ، عَن أنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةٍ:
قوله: (هذا حديث حسن غريب)، وأخرجه أحمد(١) في ((مسنده))، وأبو داود، وابن
ما جه .
٧٥ - بَابُ مَا جَاءَ في إِجْلالِ الْكَبِيرِ
أي: تعظيمه، والمصدر مضاف إلى المفعول.
[٢٠٢٢] قوله: (حدثنا يزيد بن بيان العقيلي) بالضم، أبو خالد البصري، ضعيف، من
التاسعة. وقال في ((تهذيب التهذيب)): يزيد بن بيان العقيلي، أبو خالد البصري، المعلم
الضرير المؤذن، روى عن أبي الرحال الأنصاري، عن أنس حديث: ((مَا أَكْرَمَ شَابٌّ شَيْخًا
لِسِنِّهِ ... )) (٢) الحديث. (حدثني أبو الرحال الأنصاري)، بفتح الراء، وتشديد الحاء
المهملة، البصري، اسمه: محمد بن خالد، وقيل: خالد بن محمد.
اعلم أن كون أبي الرحال، بفتح الراء وتشديد الحاء المهملة، هو الصواب في هذا
السند. وأما قول الترمذي في آخر هذا الباب وأبو الرجال الأنصاري آخر، فهو بكسر الراء
وتخفيف الجيم فاحفظ هذا. وقد وقع في النسخة الأحمدية في هذا السند أبو الرجال بكسر
الراء وتخفيف الجيم، قال في ((هامشها)): قوله أبو الرجال، بالجيم، وفي آخر الباب بالحاء،
هذا ما وجدته في الكتب الدهلوية، وفي نسخة صحيحة منقولة من العرب عكسه، وعليهما
فيها علامة الصحة. انتهى.
قلت: ما في النسخة الصحيحةِ المنقولة من العرب من كون أبي الرحال بالحاء المهملة
في هذا السند، وكون أبي الرجال، بالجيم، في آخر الباب هو الصواب؛ لما عرفت آنفًا في
عبارة ((تهذيب التهذيب))، من أن يزيد بن بيان العقيلي روى حديث الباب عن أبي الرحال؛
(١) أحمد (١٥١٩٢، ١٥٢١٠)، وأبو داود، كتاب الأدب. حديث (٤٧٧٧)، وابن ماجه، كتاب الزهد. حديث
(٤١٨٦).
(٢) أخرجه الترمذي، كتاب البر والصلة. حديث (٢٠٢٢).

١٥٧
كتاب البر والصلة عن رسول الله وَّهِ / بابُ مَا جَاء في المُتَهَاجِرَیْن
((مَا أَكْرَمَ شَابٌّ شَيْخًا لِسِنِّهِ إِلَّا قَيَّضَ اللهُ لَهُ مَن يُكْرِمُهُ عِنْدَ سِنِّهِ)). [ضعيف، يزيد،
وأبو الرَّحال، ضعيفان] .
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ غريبٌ، لا نَعْرِفُهُ إلَّا من حديثٍ هذا الشَّيْخِ يَزِيدَ بْنِ
بَيَانٍ، وأبو الرِّجَالِ الأنصَارِيُّ آخَرُ.
٧٦- بابُ مَا جَاء في المُتَّهَاجِرَيْن [ت ٧٦، م ٧٦]
[٢٠٢٣] (٢٠٢٣) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عبدُ العَزِيزِ بْنُ محمَّدٍ، عَن سُهَيْلِ بْنِ
أبي صالحٍ، عَن أبِيه، عَن أبي هُرَيْرَةَ، أنَّ رَسُوْلَ اللهِوَ قَالَ:
ولأن الحافظ رمز على أبي الرحال، بفتح الراء وتشديد الحاء المهملة، بحرف ت، ورمز
على أبي الرجال بكسر الراء وتخفيف الجيم بحروف خ م س ق؛ ولأن الحافظ قال في
ترجمة أبي الرحال بالحاء المهملة: روى عن أنس وغيره، وعنه يزيد بن بيان العقيلي وغيره.
فهذه الوجوه الثلاثة تدلُّ بمجموعها على أن هذا السَّند أبا الرحال بالحاء المهملة دون
أبي الرجال بالجيم، وأبو الرحال بفتح الراء وتشديد الحاء المهملة الأنصاري البصري، اسمه
محمد بن خالد، وقيل: خالد بن محمد، ضعيف، من الخامسة. وأما أبو الرجال فقال في
((التقريب)): محمد بن عبد الرحمن بن حارثة الأنصاري أبو الرجال بكسر الراء، وتخفيف
الجيم، مشهور بهذه الكنية، وهي لَقَبُهُ، وكنيته في الأصل: أبو عبد الرحمن، ثقة، من السابعة.
قوله: (ما أكرم)، أي: ما أعظم ووقر (لسنه)، أي: لأجل سنه، لا لأجل أمر آخر؛ قاله
المناوي. وقال القاري: أي كبر عمره؛ لأن الغالب عليه زيادةُ علم وعمل، مع سبق إيمانه.
انتهى. (إلا قيض الله) بتشديد التحتية، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ
شَيْطَنَّا فَهُوَ لَهُ، فَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦]، أي: سلط ووكل، (له)، أي: للشاب (من يكرمه) أي:
قريبًا يعظمه ويخدمه؛ لأن من خَدَمَ خُدِمَ، (عند سنه)، أي: حال كبره؛ مجازاة له على فعله
بأن يقدر له عمرًا يبلغ به إلى الشيخوخة، ويقدر له من یکرمه.
قوله: (هذا حديث غريب) في سنده ضعيفان كما عرفت، فالحديث ضعيف.
٧٦ - بابُ مَا جَاءَ في الْمُتَّهَاجِرَيْنِ
[٢٠٢٣] قوله: (عن سهل بن أبي صالح) ذكوان السمان أبي يزيد المدني، صدوق، تغير
حفظه بآخره، روى له البخاري مقرونًا وتعليقًا، من السادسة.

١٥٨
كتاب البر والصلة عن رسول الله وَ﴿/ بابُ مَا جَاء في المُتَهَاجِرَيْن
(«تُفَتَّحُ أبْوَابُ الجَنَّةِ يَوْمَ الإِثْنَيْنِ وَالخَمِيسِ فَيُغْفَرُ فِيهِمَا لِمَنْ لا يُشْرِكُ بالله شيئًا إِلَّا
المُهتجِريْنِ، يُقَالُ: رُدُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا)). [م: ٢٥٦٥، د: ٤٩١٦، حم: ٧٥٨٣،
طا : ١٦٨٦ ].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، ويُروَى في بعضِ الحديثِ: ((ذَرُوا
هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا)) قَالَ: ومعنَى قَوْلِهِ: المُهتجِرَيْن: يَعْنِي المُتَصَارِمَيْنِ، وهذا مِثْلُ
مَا رُوي ◌َعَن النبيِّ نَلَ أنه قَالَ: ((لا يَحِلُّ لِمُسْلِمِ أنْ يَهْجُرَ أخَاهُ فَوقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ)).
قوله: (تفتح أبواب الجنة)، أي: حقيقة؛ لأن الجنة مخلوفة الآن، وفتح أبوابها ممكن،
أو هو بمعنى إزالة المانع ورفع الحجب، وفي ((شرح مسلم)): قال القاضي: قال الباجي:
معنى فتحها كثرة الصفح والغفران، ورفع المنازل، وإعطاء الثواب الجزيل. قال القاضي:
ويحتملُ أن يَكُونَ على ظاهره، وأن فتح أبوابها علامةٌ لذلك. انتهى. قلت: هذا الاحتمالُ
هو الظاهر، فالأولى أن يحمل الحديث على ظاهره (يوم الإثنين والخميس)، أي: لكثرة
الرحمة النازلة فيهما، الباعثة على الغفران (إلا المهتجرين)، أي: المتقاطعين، (يقول:
ردوا)، وفي رواية مسلم: ((انظروا)): أي: أمهلوا، أي: لا تعطوا منها أنصباء هذين
المتهاجرين المتعاديين، وأخروا مغفرتهما من ذنوبهما مطلقًا؛ زجرًا لهما أو من ذنب الهجران
فقط. (حتى يصطلحا)، أي: يتصالحا ويزول عنهما الشحناء، فلا يفيد التصالح للسمعة
والرياء. والظاهر أن مغفرةَ كُلِّ واحدٍ متوقفةٌ على صفائه، وزوال عداوته، سواء صفا لصاحبه
أم لا. قال الطيبي: وأتى باسم الإشارة بدل الضمير؛ لمزيد التمييز والتعيين.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم والبخاري في ((الأدب المفرد)»
وأبو داود (١).
قوله: (ذروا هذين) أي دعوهما (ومعنى قوله: المهتجرين، يعني: المتصارمين﴾ أي:
المتقاطعين، قال في ((القاموس)): صَرَمَهُ يَصْرِمُهُ صَرْمًا، ويضم: قطعه قطعًا بائنًا، وفلانًا قطع
كلامه. انتھی.
قوله: (وهذا مثل ما روي عن النبي (وَ ل38) قال: ((لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة
(١) البخاري في ((الأدب المفرد))، وأبو داود، كتاب الأدب. حديث (٤٩١٦).

١٥٩
كتاب البر والصلة عن رسول الله وَ ﴿ / باب مَا جَاء في الصَّبْرِ
٧٧ - باب مَا جَاء في الصَّبْرِ [ت ٧٧، م ٧٧]
[٢٠٢٤] (٢٠٢٤) حَدَّثَنَا الأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا مَعْنِ، حَدَّثَنَا مالِكُ بْنُ أنَسٍ، عَن
الزُّهْرِيِّ، عَن عَطاءِ بْنِ يَزِيدَ، عَن أبِي سَعِيدٍ: أَنَّ نَاسًا مِنَ الأنْصَارِ سَألُوا النبيَّ ◌َل
فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوه فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ قَالَ: ((مَا يَكُونُ عِنْدِي مِن خَيْرِ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ،
وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ الله، وَمَنْ يستعفف يُعِفَّهُ الله، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ
أيام)) رواه مسلم(١) عن عبد الله بن عمر، ورواه الترمذي(٢) من حديث أبي أيوب الأنصاري
في باب كراهية الهجرة.
٧٧ - بابُ مَا جَاءَ في الصَّبْرِ
[٢٠٢٤] قوله: (سألوا النبي وَ ﴾)، أي: شيئًا (فأعطاهم)، أي: إياه، (ثم سألوه
فأعطاهم) زاد في رواية الشيخين(٣) حتى نفذ ما عنده فقال: (ما يكون عندي من خير)، أي:
مال، و((من)) بيان لـ((ما)) و((ما)) خبرية متضمنة للشرط، أي: كل شيء من المال موجود عندي
أعطيكم. (فلن أدخره عنكم)، أي: أحبسه وأخبؤه وأمنعكم إياه منفردًا به عنكم، (ومن
يستغن)، أي: يظهر الغنى بالاستغناء عن أموال الناس، والتعفف عن السؤال حتى يحسبه
الجاهلُ غنيًّا من التعفف، (يغنه الله)، أي: يجعله غنيًّا، أي: بالقلب، ففي الحديث: ((لَيْسَ
الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ، إِنَّمَا الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ)). أو يعطيه ما يغنيه عن الخلق. (ومن
يستعفف) قال الجزري في ((النهاية)): الاستعفافُ طلب العفاف والتعفف، وهو الكفُّ عن
الحرام، والسؤال من الناس، أي: من طلب العفة، وتكلَّفها أعطاه الله إياها .
وقيل: الاستعفاف الصبرُ والنزاهةُ عن الشيء يقال: عَفَّ يعف عِفَّةً فهو عفيفٌ. انتهى.
(يعفه الله) أي: يجعله عفيفًا من الإعفاف، وهو إعطاء العفة، وهي الحفظُ عن المناهي،
يعني: من قنع بأدنى قوت، وترك السؤال تسهل عليه القناعة، وهي كنز لا يفنى. وقال في
((المجمع)): يعفه من الإعفاف، ويفتح فاء مشددة، وضمه بعضهم إتباعًا بضم الهاء. انتهى.
(ومن يتصبر)، أي: يطلب توفيق الصبر من الله؛ لأنه قال تعالى: ﴿وَأَصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ
(١) مسلم، كتاب البر والصلة. حديث (٢٥٦١).
(٢) الترمذي، كتاب البر والصلة عن رسول الله. حديث (١٩٣٢).
(٣) البخاري، كتاب الزكاة. حديث (١٤٦٩)، ومسلم، كتاب الزكاة. حديث (١٠٥٣).

١٦٠
كتاب البر والصلة عن رسول الله وَّ / باب مَا جَاء في ذِي الوَجْهيْنِ
يُصَبِّرْهُ الله، وَمَا أَعْطِيَ أحَدٌ شَيْئًا هُوَ خَيْرٌ وأوْسَعُ مِنَ الصَّبْرِ)). [خ: ١٤٦٩، م: ١٠٥٣،
د: ١٦٤٤، ن: ٢٥٨٧، حم: ١٠٦٠٦، طا: ١٨٨٠، مي: ١٦٤٦].
قَالَ أَبُو عِيْسَی: وفي البابِ: عَن أنَسٍ، وهذا حديث حسن صحيح، وقد روي عن
مالِكٍ هذا الحديث: (فَلَنْ أَدَّخِرَه عَنْكُمْ)). والمعنَى فِيهِ وَاحِدٌ، يَقُولُ: ((لَنْ أحْبِسَهُ عَنْكُمْ)).
٧٨- باب مَا جَاء في ذِي الوَجْهِيْنِ [ت ٧٨، م ٧٨]
[٢٠٢٥] (٢٠٢٥) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا أبو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأعْمَشِ، عَن
أبِي صالحٍ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((إنَّ مِن شَرِّ النَّاسِ عِنْدَ الله
يَومَ القِيامَةِ ذَا الوَجْهَيْنِ)). [خ: ٧١٧٩، م: ٢٥٢٦، د: ٤٨٧٢، حم: ٧٢٩٦، طا: ١٨٦٤].
إِلَّا بِالَّهِ﴾ [النحل: ١٢٧]. أو يأمر نفسه بالصبر، ويتكلف في التحمل عن مَشَاقِّهِ، وهو تعميم
بعد تخصيص؛ لأن الصبر يشتملُ على صَبْرِ الطاعة والمعصية والبلية، أو من يتصبَّر عن
السؤال، والتطلع إلى ما في أيدي الناس؛ بأن يتجرع مرارة ذلك، ولا يشكو حاله لغير ربه.
(يصبره الله) بالتشديد: أي: يسهل عليه الصبر، فتكون الجملُ مؤكدات، ويؤيد إرادة معنى
العموم قوله: (وما أعطي أحد شيئًا هو خير) أي: أفضل، (وأوسع من الصبر).
قال القاري: وذلك لأن مقام الصبر أعلى المقامات؛ لأنه جامعٌ لمكارم الصفات
والحالات؛ ولذا قدم على الصلاة في قوله تعالى: ﴿وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَةِ﴾ [البقرة: ٤٥].
ومعنى كونه أوسع؛ أنه تتسع به المعارف والمشاهد، والأعمال والمقاصد. انتهى.
قوله: (في الباب عن أنس). أخرجه الطبراني، والحاكم(١)؛ كذا في ((الترغيب)).
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري في الزكاة، وفي الرقاق، ومسلم،
وأبو داود، في الزكاة، والنسائي في الزكاة، وفي الرقاق.
قوله: (ويروى) بصيغة المجهول، وفي بعض النسخ: وقد روي. (فلن أدخره عنكم).
وفي بعض النسخ بالذال المعجمة.
٧٨ - بابُ مَا جَاءَ فيِ ذِي الْوَجْهَيْنِ
[٢٠٢٥] قوله: (إن من شر الناس عند الله يوم القيامة ذا الوجهين) ولفظ البخاري: ((تَجِدُ
(١) المعجم الكبير (٣٠٩٣) لكن من حديث حكيم بن حزام، ولم أجده عند الحاكم.