Indexed OCR Text
Pages 681-700
٦٨١ كتاب الأحكام عن رسول الله وَلَّ ر باب مَا ذُكِرَ في إحْيَاءِ أرْضِ المَوَات ٣٨- باب مَا ذُكِرَ في إحْيَاءِ أرْضِ المَوَات [ت٣٨، ٣٨٢] [١٣٧٨] (١٣٧٨) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ، أْبَرَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، أَخْبَرَنَا أيُّوبُ، عَن هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ، عَن أَبِيهِ، عَن سَعِيد بنِ زَيْدٍ، عنِ النَّبِيِّ وَلَ قَالَ: ((مَن أُحْيَى أرْضًا مَيِّئَةً الحافظ: قوله: وقال بعض الناس .. إلخ، قال ابن التين: المراد ببعض الناس أبو حنيفة، قال الحافظ: ويحتملُ أن يريدُ به أبا حنيفة، وغيره من الكوفيين ممن قال بذلك. قال ابن بطال: ذهب أبو حنيفة، والثوري، وغيرهما إلى أن المعدنَ كالركاز، واحتجَّ لهم بقولِ العرب: أركز الرجلُ إذا أصاب رِكَازًا، وهي قِطَعٌ مِنَ الذَّهَبِ تخرجُ من المعادن، والحجةُ للجمهورِ تفرقة النبي ◌َّه بين الْمَعْدِنِ وَالرِّكَازِ بواو العطف، فَصَحَّ أنه غيره، وقال: وما ألزم به البخاري القائل المذكور قد يقال لمن وهب له الشيء، أو ربح ربحًا كثيرًا، أو كثر ثمره: أركزت؛ حجة بالغة؛ لأنه لا يلزمُ من الاشتراك في الأسماءِ الاشتراكُ في المعنى، إلا إن أوجب ذَلِكَ من يجبُ التَّسليم له، وقد أجمعوا على أن المال الموهوب لا يَجِبُ فيه الخمس، وإن كان يقال له: أَرْكَزَ، فكذلك الْمَعْدِنُ. وأما قوله: ثم ناقض ... إلخ فليس كما قال، وإنما أجاز له أبو حنيفة أن يكتمه، إذا كان محتاجًا، بمعنى: أنه يتأول أن له حَقًّا في بيت المال، ونصيبًا في الفَيْءِ، فأجاز له أن يأخذ الخمس لنفسه عِوَضًا عن ذلك، لا أنه أسقط الخمس عن المعدن. انتهى. وقد نقل الطّحاوي المسألة التي ذكرها ابنُ بطال، ونقل أيضًا أنه لو وجد في داره معدنًا، فليس عليه شَيْءٌ، وبهذا يتجه اعتراض البخاري، والفرق بين الْمَعْدِنِ والرِّكاز في الوجوب وعدمه؛ أن المعدنَ يحتاجُ إلى عملٍ ومؤنةٍ ومعالجة لاستخراجه، بخلاف الركاز، وقد جرت عادةُ الشَّرع أن ما غَلظت مؤنته ◌ُخُفِّفَ عنه في قَدْرِ الزكاةِ، وما خففت زِيدَ فيه، وقيل: إنما جعل في الركاز الخمس؛ لأنه مَالُ كافر، فنزل من وَجَدَهُ منزلة الغنائم، فكان له أربعة أخماسه. انتهى. ٣٨ - باب مَا جَاءَ في إِحْيَاءٍ أَرْضِ الْمَوَاتِ بفتح الميم، قال في ((النهاية)): المواتُ: الأرضُ التي لم تزرع ولم تعمر، ولا جرى عليه مِلْكُ أحد، وإحياؤها مباشرة عمارتها، وتأثير شيء فيها. [١٣٧٨] قوله: (من أحيى أرضًا ميتة) الأرضُ الميتة هي: التي لم تعمر، شبهت عمارتها ٦٨٢ كتاب الأحكام عن رسول الله وَيه / باب مَا ذُكِرَ في إحْيَاءِ أرْضِ المَوَات فَهِيَ لَهُ، وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ)). [د: ٣٠٧٣، طا: ١٤٥٦]. بالحياة، وتعطيلها بِالْمَوْتِ. قال الزرقاني: ميتة بالتشديد. قال العراقي: ولا يقال بالتخفيف؛ لأنه إذا خفف تحذف منه تاء التأنيث، والميتةُ والمواثُ والموتان بفتح الميم والواو: التي لم تُعمر؛ سميت بذلك تشبيهًا لها بالميتة التي لا يُنتفع بها؛ لعدم الانتفاع بها بزرع، أو غرس، أو بناء، أو نحوها. انتهى. (فهي له) أي: صارت تلك الأرضُ مملوكةً له، سواء كانت فيها قرب من العمران أم بُعد، سواء أذن له الإمامُ في ذلك، أم لم يأذن، وهذا قول الجمهور. وعن أبي حنيفة: لا بُدَّ من إذن الإمام مطلقًا، وعن مالك: فيما قرب، وضابط القرب بأهل العمران إليه حاجة من رَغْيٍ ونحوه، واحتج الطحاوي للجمهور مع حديث الباب بالقياس على مَاءِ البحر، والنهر، وما يصطاد من طير، وحيوان. فإنهم اتفقوا على أن مَنْ أخذه أو صاده يملكه، سواء قرب أو بعد، سواء أذن الإمام أو لم يأذن، كَذَا في ((الفتح)). قلت: خالف أبا حنيفة صاحباه، فقالا بقول الجمهور، وحجة الجمهور حديث الباب، وما في معناه، وهو الظاهر الراجح، وقد قال الترمذي: إنه أصح، واستدل لأبي حنيفة بحديث: ((الأَرْضُ للهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَكُمْ من بَعْدِي، فَمَنْ أَحْيَى شَيْئًا من موتات الأَرض فَلَهُ رَقَبَتُهَا)). أخرجه أبو يوسف(١) في كتاب ((الخراج)) فإنه أضافه إلى الله ورسوله، وكل ما أضيف إلى الله ورسوله لا يجوزُ أن يختصَّ به إلا بإذن الإمام. قلت: لم أقف على سند هذا الحديث، ولا أدري كيف هو، وعلى تقدير صحته فالكبرى ممنوعة، لحديث الباب، ولقوله في هذا الحديث: ((فَمَنْ أَحيَى شَيْئًا ... إلخ)) فتفكر. واستدلَّ له أيضًا بحديثٍ: (لَيْسَ لِلْمَرْءِ إلَّا مَا طَابَتْ بِهِ نَفْسُ إِمَامِهِ)(٢). قلت: هذا حديث ضعيف، قال الزيلعي في ((نصب الراية)) بعد ذكره: رواه الطبراني، وفيه ضعف من حديث معاذ. انتهى. (وليس لعرق) بكسر العين وسكون الراء، وهو: أحد عُرْوقِ الشجرةِ؛ (ظَالِم). قال الحافظ في ((الفتح)): في رواية الأكثر بتنوين ((عرق))، و((ظالم)) نعت له، وهو راجعٌ إلى صَاحِبِ العرقِ، أي: ليس لذي عرق ظالم، أو إلى العرق، أي: ليس لعرق ذي ظلم، يروى (١) أخرجه البيهقي عن ابن عباس (١٤٣/٦). حديث (١١٥٦٤). (٢) أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (٢٠/٤). حديث (٣٥٣٣). ٦٨٣ كتاب الأحكام عن رسول الله وَلغز / باب مَا ذُكِرَ في إحْيَاءِ أَرْضِ المَوَات قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غريب. وَقَدْ رَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَن أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ، مُرْسَلًا، والعَمَلُ عَلَى هَذَا الحديث عِنْدَ بَعْضٍ أهْلِ العلْمِ، وهو قَوْلُ أحْمَدَ وَإِسْحَاقَ، قَالُوا: لَهُ أنْ يُحْيِيَ الأرْضَ المَوَاتَ بِغَيْرِ إِذْنِ السُّلْطَانِ، وقد قَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ لَهُ أنْ يُحْيِيهَا إلَّا بِإِذْنِ السُّلْطَانِ وَالقَوْلُ الأوَّلُ أصَحُ. قَالَ: بالإضافة، يكون الظالم صَاحِبَ العرقِ، فيكون المرادُ بالعرق: الأرض، وبالأول جزم مالك، والشافعي، والأزهري، وابن فارس، وغيرهم، وبالغ الخطابي فَغَلَّطَ رواية الإضافة. انتھی . قال في ((النهاية)): هو أن يجيءَ الرجلُ إلى أرض قد أحياها رجلٌ قبله، فيغرس فيها غَرْسًا غَصْبًا، ليستوجب به الأرض، والرواية لـ ((عرق)) بالتنوين، وهو على حَذْفِ المضاف، أي: لذي عرق ظالم، فجعل العرق نفسه ظالمًا، والحق لصاحبه، أو يكون الّالم من صفة صَاحِب العرقِ، وإن روى ((عرق)) بالإضافة، فيكون الظالمُ صَاحِبَ العرقِ والحق للعرق وهو أحدُ عروق الشجرة. انتهى. قوله: (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه أبو داود، والنسائي، وسكت عنه أبو داود، وأقر المنذريُّ تحسين الترمذي. قوله: (هذا حديث صحيح) وأخرجه النسائي. قوله: (وقد رواه بعضُهم عن هشام بن عروة عن أبيه عن النبي وَليم مرسلًا) هذا المرسل أخرجه أبو داود، والنسائي، ومالك. قوله: (وهو قول أحمد، وإسحاق) وهو قول الجمهور كما تقدم. (وقالوا) أي: بعضُ أهل العلم من أصحاب النبي ◌َّ وغيرهم، (له) أي: يجوز لمن أراد إحياء الأرض الميتة، (وقال بعضهم: ليس له أن يحييها إلا بإذن السلطان) وهو قول أبي حنيفة - رحمه الله - قال محمد - رحمه الله - في ((الموطأ)) بعد ذكر حديث الباب مرسلًا، وأثر عن عمر - رَُّبه - بمثله ما لفظه: قال محمد: وبهذا نأخذ مَنْ أحيى أرضًا ميتة بإذن الإمام، أو بغير إذنه فهي لَّهُ، فأما أبو حنيفة - رحمه الله - فقال: لا يكونُ له إلا أن يجعلَها له الإمام، قال: وينبغي للإِمام إذا أَحْيَاهَا أن يجعلَها له، وإن لم يفعل لم تكن له. انتهى. ٦٨٤ كتاب الأحكام عن رسول الله وَيه / باب مَا ذُكِرَ في إحْيَاءِ أرْضِ المَوَات وفي البابِ عَن جَابِرٍ وعَمْرِو بْنِ عَوْفٍ المُزْنِي جَدِّ كَثِيرٍ وسَمُرَةَ. حَدَّثَنَا أبُو مُوسى مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى قَالَ: سَألْتُ أبَا الوَلِيدِ الطَّيَالِسِي عَنْ قَوْلِهِ، وَلَيْسَ لِعِرق ظَالِمٍ حَقٌّ، فَقَالَ: العِرْقُ الظَّالِمُ: الغَاصِبُ الَّذِي يَأْخُذُ مَا لَيْسَ لَهُ، قُلْتُ: هُوَ الرَّجُلُ الَّذِي يَغْرِسُ في أَرْضٍ غَيْرِهِ؟ وقَالَ: هو ذَاكَ. [١٣٧٩] (١٣٧٩) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَن وَهْبٍ بْنِ كَيْسَانَ، عَن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله، عنِ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ: ((مَن أَحْيَى أرْضًا مَيتَةً فَهِيَ لَهُ)). [حم: ١٤٢٢٦، مي بنحوه: ٢٦٠٧]. قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيح. قوله: (وفي الباب عن جابر(١) رَُّله) لعله أشار إلى ما أخرجه النسائي عنه بلفظ: ((مَنْ أَحيَى أَرْضًا مَيتَةً فَلَهُ فِيها أَجْرٌ، وَمَا أَكَلَتِ الْعَافِيَةُ مِنْهَا فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ))، (وعمرو بن عوف المزني جد كثير) (٢)، أخرجه ابن أبي شيبة، والبزار في ((مسنديهما)) والطبراني في ((معجمه)) عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده مرفوعًا، بلفظ حديث سعيد بن زيد، ورواه ابن عدي في ((الكامل)) وأعلَّه بـ((كثير))، وضعفه عن أحمد، والنسائي، وابن معين جدًّا؛ كذا في ((نصب الراية)). (وسمرة)(٣)، لينظر من أخرج حديثه. قوله: (قال: سألت أبا الوليد الطيالسي) هو: هشام بن عبد الملك الباهلي مولاهم البصري، الحافظ الإمام الحجة، قال أحمد: متقن. وهو اليوم شيخ الإسلام ما أقدم عليه أحدًا من المحدثين، قال البخاري: مات سنة سبع وعشرين ومئتين. (قلت: هو الرجل الذي يغرس في أرض غيره) بتقدير همزة الاستفهام، والقائل هو محمد بن المثنى، (قال) أي: أبو الوليد. (١) أخرجه الترمذي، كتاب الأحكام. حديث (١٣٧٩). (٢) أخرجه البزار (٣٢٠/٨). حديث (٣٣٩٣)، والطبراني في «الكبير)) (١٣/١٧). حديث (٤)، وابن عدي (٥٨/٦) في ترجمة كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني (١٥٩٩). (٣) أخرجه أبو داود، كتاب الخراج. حديث (٣٠٧٧). ٦٨٥ كتاب الأحكام عن رسول الله وَلاغير / باب مَا جَاء في القَطَائع ٣٩- باب مَا جَاء في القَطَائع [ت٣٩، ٣٩٢] [١٣٨٠] (١٣٨٠) قَالَ: قُلْتُ لِقُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ: حَدَّثَكُمْ مُحَمَّدُ بْنُ یَحْيَی بن قَيْسِ المَأرِبِيُّ، حَدَّثَنِي أبي عَن ثُمَّامَةَ بْنِ شُرَاحِيلَ، عَن سُمَي بنِ قَيْسٍ، عَن شُمَيْرٍ، عَن أَبْيَضَ بْنِ حَمَّالٍ، أَنَّهُ وفَدَ إلَى رسول الله ◌َِّ، فَاسْتَقْطَعَهُ المِلْحَ، فَقَطَعَ لَهُ، ٣٩ - باب مَا جَاءَ في الْقَطَائِعِ جمع: قطيعة تقول: أقطعته أَرْضًا جعلتُها له قَطيعةً، والمرادُ به ما يخصُّ به الإمام بعض الرعية من الأرض الْمَوَاتِ، فيختص به، ويصير أولى بإحيائه، ممن لم يسبق إلى إحيائه، واختصاص الإقطاع بالموات متفقٌ عليه في كَلَامِ الشافعيةِ، وحكى عياض أن الإقطاعَ تسويغُ الإمام من مال الله شيئًا لمن يراه أَهْلًا لذلك، قالَ: وأكثر ما يستعملُ الأرض، وهو أن يخرج منها لمن يراه ما يجوزه، إما بأن يملَّكه إياه فيعمره، وإما بأن يجعل له غلته مدة. انتهى؛ كذا في ((الفتح)). [١٣٨٠] قوله: (قلت لقتيبة بن سعيد: حدثكم محمد بن يحيى بن قيس) قرأ الترمذي هذا الحديثَ على شيخه قتيبة بالقراءة عليه، وهذا أحدُ وجوه التحمل. قال السيوطي في ((تدريب الراوي)): وإذا قرأ على الشَّيخ قائلًا: أخبرك فلان أو نحوه؛ كما قلت: أخبرنا فلان، والشيخ مصغ إليه، فاهم له، غير منكر، ولا مقر لفظ؛ صَحَّ السماع، وجازت الروايةُ به؛ اكتفاء بالقرائن الظاهرة، ولا يشترط نُطق الشيخ بالإقرار، كقوله: نعم، على الصحيح الذي قطع به جماهير أصحاب الفنون، وشرط بعضُ أصحاب الشافعية، والظاهريين نطقه به. انتهى كلام السيوطي. قلت: قد أقر قتيبة بعد قراءة الترمذي هذا الحديث عليه، ونطق بقوله: نعم، كما هو مصرح في آخر الحديث. (المأربي) منسوب إلى مَأْرِب، بفتح الميم وسكون الهمزة وكسر الراء، وقيل: بفتحها: موضع بـ ((اليمن))، (عن ثمامة) بضم المثلثة؛ (بن شراحيل) بفتح الشين المعجمة، (عن سمي) بضم السين المهملة وفتح الميم وتشديد الياء، (ابن قيس) قال الحافظ: مجهول (عن شمير) بضم الشين المعجمة وفتح الميم مصغرًا: ابن عبد الدار اليمامي، مقبول، من الثالثة، (عن أبيض بن حمال) بفتح الحاء المهملة وتشديد الميم، (وفد) أي: قدم، (استقطعه) أي: سأله أن يقطع إياه، (الملح) أي: معدن الملح، (فقطع له) ٦٨٦ كتاب الأحكام عن رسول الله وَلاخير / باب مَا جَاء في القَطَّائع فَلَمَّا أنْ وَلَّى قَالَ رَجُلٌ منَ المَجْلِس: أتَدْرِي مَا قَطَعْتَ لَهُ؟ إنَّما قَطعْتَ لهُ المَاءِ العِدَّ، قَالَ: فَانْتَزَعَهُ مِنْهُ، قَالَ، وَسألَهُ عَمَّا يُحْمَى مِنَ الأرَاكِ؟ قَالَ: مَا لَمْ تَغَلْهُ خِفَافُ الإِبِلِ: فَأَقَرَّ بِهِ قُتَيْبَةُ، وَقالَ: نَعَم. [د: ٣٠٦٤، جه: ٢٤٧٥، في: ٢٦٠٨]. لظنه وَّر أنه يخرج منه الملح بعمل وكَدِّ (فلما أن ولى) أي: أدبر. (قال رجل من المجلس). وهو الأقرع بن حابس التميمي، على ما ذكره الطيبي، وقيل: إنه العباس بن مرداس، (الماء العِد) بكسر العين وتشديد الدال المهملة، أي: الدائم الذي لا ينقطع، والعد: المهيأ، (قال) أي: الرجل، قال ابن الملك: والظاهر أنه أبيض الراوي، قال القاري: الأظهر أن فاعل ((قال)) هو الرجل، وإلا فكان حقه أن يقوله: فرجعه مني. انتهى. قلت: عندي أن فاعل قال هو شمير الراوي عن أبيض فتفكر، (قال) أي: شمير الراوي، (وسأله) أي: الرجل النبي بَّر؛ كذا في ((المرقاة))، وقال الشيخ عبد الحق في ((اللمعات)): أي: سأل أبيض رسولَ الله أَّ. قلت: الظاهر عندي هو ما قال الشيخ. (عما يحمى) بصيغة المجهول، (من الأراك) لبيان لـ ((ما))، وهو القطعةُ من الأرض على ما في ((القاموس))، ولعل المراد منه الأرض التي فيها الأراكُ، قال المظهر: المرادُ من الحمى هنا الإحياءُ؛ إذ الحمى المتعارف لا يجوز لأحد أن يخصه، (ما لم تنله) بفتح النون، أي: لم تصله، (خفاف الإبل) معناه: ما كان بمعزلٍ من المراعي والعمارات، وفيه دليلٌ على أن الإحياءَ لا يجوزُ بقرب العمارة؛ لاحتياج أهل البلد إليه لرعي مواشيهم، وإليه أشار بقوله: (مَا لَمْ تَتَلْهُ خِفَافُ الإِبِلِ) قال الأصمعي: الخفُّ: الجملُ المسنُّ، والمعنى: أن ما قرب من المرعى لا يحمى، بل يترك لمسانٌّ الإبل، وما في معناها من الضِّعاف التي لا تَقْوىَ على الإمعانِ في طَلَبِ المرعى. وقال الطيبي - رحمه الله -: وقيل: يحتمل أن يكونَ المرادُ به أنه لا يحمى ما تناله الأخفاف، ولا شيء منها إلا وتناله الأخفاف، كذا في ((المرقاة)). قوله: (فأقر به، وقال: نعم) هذا متعلّق بقوله: قلت لقتيبة بن سعيد: حدثكم محمد بن يحيى ... إلخ، أي: قال الترمذي لشيخه قتيبة: حدثكم محمد بن يحيى .... إلخ، فأقر به قتيبةٌ، وقال: نعم. وهذا أحد وجوه التحمل، وقد مر تفصيله في ابتداء الكتاب في شرح قوله: ((فأقر به الشيخ الثقة الأمين)). ٦٨٧ كتاب الأحكام عن رسول الله وَلاهو / باب مَا جَاء في القَطَّائع حَدَّثَنَا ابن أبي عَمْرو، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ قَيْسِ المَأرِبِيُّ، بهذا الإسناد نحْوَهُ. المأرب: ناحية من اليمن. قَالَ: وفي البابِ عَن وَائِلٍ وأسْماء ابنة أبي بَكْرٍ . قَالَ أَبُو عِيْسَى: حَدِيثُ أبْيَضَ بْنِ حمال حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ مِن أصْحَابِ النَّبِيِّ بَّهِ وَغَيْرِهِمْ، في القَطَائِعِ: يَرَوْنَ جَائِزًا أنْ يُقْطِعَ الإمَامُ لِمَنْ رأى ذَلِكَ. [١٣٨١] (١٣٨١) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاودَ، أُخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَن سِمَاكٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَلْقَمَة بْنَ وَائِلِ يُحَدِّثُ عَن أبِيهِ، أنَّ النَّبِيَّ وَّهِ أَقْطَعَهُ أَرْضًا بِحضْرَموتَ. [د: ٣٠٥٨، حم: ٢٦٦٩٧، مي بنحوه: ٢٦٠٩]. قَالَ مَحْمُودٌ: أَخْبَرَنَا النَّضْرُ عَن شُعْبَةَ، وَزَادَ فِيهِ: وَبَعَثَ له مُعَاوِيَةَ لِيُقْطِعَها إِيَّاهُ. قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حديثٌ حسنٌ صَحِيحٌ. قوله: (وفي الباب عن وائل، وأسماء ابنة أبي بكر) أما حديثُ وائل(١)، فأخرجه الترمذي في هذا الباب. وأما حديث أسماء(٢) فأخرجه أبو داود بلفظ: ((أن رسول الله وَليه أَقْطَعَ لِلزُّبَيْرِ نَخِيلًا)». قوله: (حديث أبيض بن حمال حديث حسن غريب) وأخرجه ابن ماجه، والدارمي. [١٣٨١] قوله: (أقطعه) أي: أعطى وائلًا، (أرضًا بحضر موت) بفتح الحاء المهملة وسكون الضاد وفتح الراء والميم: اسم بلد بـ ((اليمن)). وهما اسمان جُعلا اسمًا واحدًا، فهو غيرُ منصرفٍ بالعلمية والتركيب. وقال في ((القاموس)): بضم الميم: بلد، وقبيلة، (وبعث له) أي: مع وائل، (معاوية) الظاهر: أن المرادَ به هو ابنُ الحكم السَّلمي، وابنِ جاهمة السلمي، وأما معاوية بن أبي سفيان فهو وأبوه من مسلمة الفتح، ثم هو من المؤلّفة قلوبُهم، فهو غيرُ ملائم للمرام، وإن كان مطلق هذا الاسم ينصرف إليه في كُلِّ مقام؛ قاله القاري. قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الدارمي. (١) أخرجه الترمذي، كتاب الأحكام. حديث (١٣٨١). (٢) أخرجه أبو داود، كتاب الخراج. حديث (٣٠٦٩). ٦٨٨ كتاب الأحكام عن رسول الله وَيهِ / باب مَا جَاء في فَضْلِ الغرس ٤٠- باب مَا جَاء في فَضْلِ الغرس [ت٤٠، م٤٠] [١٣٨٢] (١٣٨٢) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَن قَتَادَةَ، عَن أَنَسٍ، عنِ النَّبِيِّ بَّهِ قَالَ: ((مَا مِن مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا، أوْ يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكلُ مِنْهُ إنسَانٌ، أوْ طَيْرٌ، أوْ بَهِيمَةٌ إلَّا كَانَتْ لَهُ صَدقَةٌ)). [خ: ٢٣٢٠، م: ١٥٥٣، حم: ١٢٩٧٦، مي: ٢٦١٠]. قَالَ: وفي البابِ عَن أبي أيُّوبَ وجَابٍ، وَأُمِّ مُبَشِّرٍ، وَزَيْدٍ بن خَالِد. ٤٠ - باب مَا جَاءَ في فَضْلِ الْغَرسِ بفتح الغين المعجمة وسكون الراء، قال في ((الصراح)) غرس بالفتح: نشاندن درخت. [١٣٨٢] قوله: (يغرس) بكسر الراء، قال في ((القاموس)): غَرَسَ الشجرَ يغرسه: أثبته في الأرض كأغرسه، وَالْغَرْسُ: المغروسُ، (أو يزرع) أو للتنويع؛ لأن الزرعَ غيرُ الغرسِ، (زرعًا) نصبه وكذا نصب ((غرسًا)) على المصدرية، أو على المفعولية، (فيأكل منه) أي: مما ذكر من المغروس أو المزروع، (إنسان) ولو بالتعدِّي، (أو طير، أو بهيمة) أي: ولو بغير اختياره، (إلا كانت له صدقة) قال الطيبي: الرواية برفع ((الصدقة)) على أنَّ ((كانت)) تامة. انتهى. قال القاري: وفي نسخة - يعني: من ((المشكاة)) - بالنصب على أن الضمير راجعٌ إلى المأكول، وأنث التأنيث الخبر. انتهى. والحديث رواه مسلم (١) عن جابر وفيه: ((وَمَا سُرِقَ مِنْهُ لَهُ صَدَقَة)»، وفي رواية له عنه: ((لَا يَغْرِسُ غَرْسًا، فَيَأْكُلُ مِنْهُ إِنْسَانٌ، وَلَا دَابَّةٌ، وَلَا طَيْرٌ؛ إلا كان لَّهُ صَدَقَّةً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)) (٢) . قوله: (وفي الباب عن أبي أيوب)(٣)، أخرجه أحمد عنه مرفوعًا: ((ما من رَجُلٍ يَغْرِسُ غَرْسًا؛ إِلَّا كَتَبَ الله من الأَجْرِ، قَدْرَ مَا يَخْرُجُ من ذلِكَ الْغَرسِ))، قال المنذري: رواته محتجّ بهم في الصحيح، إلا عبد الله بن عبد العزيز الليثي، (وأم مبشر) (٤)، بضم الميم وفتح الموحدة وكسر الشين المشددة: صحابية مشهورة، امرأة زيد بن حارثة، وحديثها أخرجه مسلم (وجابر)(٥)، أخرجه مسلم، (وزيد بن خالد) لينظر من أخرجه، وفي الباب أحاديث أخرى ذكرها المنذري في ((الترغيب)) في باب ((الزرع، وغرس الأشجار المثمرة)). (١) أخرجه مسلم، كتاب المساقاة. حديث (١٥٥٢). (٢) أخرجه مسلم، كتاب المساقاة. حديث (١٥٥٢). (٣) أخرجه أحمد. حديث (٢٢٠٠٩). (٤) أخرجه مسلم، كتاب المساقاة. حديث (١٥٥٢). (٥) أخرجه مسلم، كتاب المساقاة. حديث (١٥٥٢). ٦٨٩ كتاب الأحكام عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا ذُكِرَ في المُزَارَعة قَالَ أَبُو عِيْسَى: حدِيثُ أنسٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. ٤١- باب مَا ذُكِرَ في المُزَارَعة [ت٤١، ٤١٢] [١٣٨٣] (١٣٨٣) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بنُ مَنْصور، أخْبَرَنَا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ، عَن عُبِيدِ الله بْن عُمَرَ، عَن نَافِعٍ، عَن ابنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ وَّرْ عَامَلَ أهْلَ خَيْبَر بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِن ثَمَرٍ أُوْ زَرْعِ. قال: وفي الباب عَن أَنَسٍ، وابنِ عبَّاس، وزيدِ بنِ ثَابتٍ، وجَابٍ. [خ: ٢٣٢٩، م: ١٥٥١، د: ٣٤٠٨، جه: ٢٤٦٧، مي: ٢٦١٤، حم: ٤٦٤٩]. قوله: (حديث أنس حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري، ومسلم. ٤١ - باب مَا جَاءَ في الْمُزَارَعَةِ المزارعةُ هي: أن يعامل إنسانًا على أرض، ليتعهدها بالسقي، والتربية على أن ما رزق الله تعالى من الحبوب يكون بينهما بجزء معينٍ، كذا في ((المرقاة)). والمرادُ بقوله: (جزء معين)) كالنصف، والربع، والثلث. [١٣٨٣] قوله: (عامل أهل خيبر) وهم يهودُ خيبر، وهو موضعٌ قريب من المدينة، غير منصرف، (بشطر ما يخرج) أي: بنصفه، فالشطر هنا بمعنى النِّصُفِ، وقد يأتي بمعنى النحو، كقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطَرَ الْمَسْجِدِ الْحَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤] أي: نحوه، (منها) أي: من خيبر، يعني: من نَخْلِهَا وَزَرْعِهَا. والحديثُ دليلٌ على جَوَازِ المزارعة بالجزء المعلوم من نِصْفٍ، أو ربع، أو ثمن، وهو الحقُّ. قوله: (وفي الباب عن أنس)(١)، لينظر من أخرجه. (وابن عباس)(٢)، أن النبي ◌َّ- دفع إلى خيبر أرضها ونخلها، مقاسمة على النصف، أخرجه أحمد، وابن ماجه، (وزيد بن ثابت)(٣)، أخرجه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وسيأتي لفظه في الباب الذي بعده. (وجابر)(٤)، لينظر من أخرجه. (١) أخرجه ابن ماجه، كتاب الرهون. حديث (١٤٦٩). (٢) أخرجه أبو داود، كتاب البيوع. حديث (٣٤١٠)، وابن ماجه، كتاب الزكاة. حديث (١٨٢٠). (٣) أخرجه أبو داود، كتاب البيوع. حديث (٣٣٩٠)، والنسائي، كتاب الأيمان. حديث (٣٩٢٧)، وابن ماجه، کتاب الأحكام. حدیث (٢٤٦١). (٤) أخرجه النسائي، كتاب الأيمان. حديث (٣٩٢١). ٦٩٠ كتاب الأحكام عن رسول الله وَليهِ / باب مَا ذُكِرَ في المُزَارَعة قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، والعَمَلُ عَلَى هذَا عِنْدَ بَعْضِ أهْلٍ العِلْمِ مِن أصْحَابِ النَّبِيِّ وَِّ وَغَيْرِهِمْ، لَمْ يَرَوْا بِالمُزَارَعَةِ بَأْسًا عَلَى النِّصْفِ والثُّلُثِ والرُّبُعِ. قوله: (هذا حديث حسن صحيح) أخرجه الجماعة. قوله: (لم يروا بالمزارعة بأسًا على النصف، والثلث، والربع ... إلخ) وهو قولُ الجمهور. قال الشيخ عبد الحق الدهلوي: المساقاةُ أن يدفع الرجلُ أشجاره إلى غيره، ليعمل فيه، ويصلحها بالسَّقي والتربية على سَهْم معين كنصف أو ثلث، والمزارعةُ عقدٌ على الأرض ببعض الخارج كذلك، والمساقاةُ تكون في الأشجار، والمزارعة في الأراضي، وحكمها واحد، وهما فاسدان عند أبي حنيفة. وعند صاحبيه، والآخرين من الأئمة جائزٌ، وقيل: لا نرى أحدًا من أهل العلم منع عنهما إلا أبو حنيفة، وقيل: زفر معه. وقال في ((الهداية)): الفتوى على قولهما، والدليل للأئمة ما روي: ((أن النبي ◌َّهِ عَامَلَ أهلَ خَيْبَرَ على نِصْفِ ما يخرج من ثمَرٍ أو زرعٍ)»(١). ولأبي حنيفة ما روى أنه و ◌ّ نَهَى عن المخابرة، وهي المزارعة. انتهى كلامه. قلت: أحاديث النهي عن المخابرة محمولة على التنزيه، أو على ما إذا اشترط صَاحِبُ الأرض ناحيةً منها معينة؛ كما يدلُّ عليه أحاديث ذكرها صاحب ((المنتقى))، وقال بعد ذكرها: وما ورد من النهي المطلق عن المخابرة، والمزارعة يحملُ على ما فيه مفسدةٌ، كما بينته هذه الأحاديثُ، أو يحمل على اجتنابها نَذْبًا واستحبابًا، فقد جاء ما يدلُّ على ذلك، ثم ذكر أحاديثَ تدلُّ على أن النَّهي عن المخابرة، والمزارعة ليس للتحريم، بل هو للتنزيه، قال الشوكاني في ((النيل)): كلام المصنف - يعني: صاحب ((المنتقى)) هذا - كلام حسن، ولا بد من المصير إليه؛ للجمع بين الأحاديث المختلفة، وهو الذي رجَّحناه فيما سلف. انتهى. قلت: الأمرُ كما قال الشوكاني. وقال الحافظ في ((الفتح)): هذا الحديث، يعني: حديث الباب هو عمدةُ من أجازَ المزارعة والمخابرة؛ لتقرير النبي 18ّ لذلك، واستمراره على عهد أبي بكر إلى أن أَجْلَاهُمْ عمرُ، واستدلَّ به على جواز المساقاة في النخل، والكرم، وجميع الشجر، الذي من شأنه أن يثمر بجزء معلوم، يجعل للعامل من الثمرة؛ وبه قال الجمهور، وخصه الشافعي في الجديد (١) أخرجه أحمد. حديث (١٥٩٨٢). ٦٩١ كتاب الأحكام عن رسول الله وَله / باب مَا ذُكِرَ في المُزَارَعة واخْتَار بَعْضُهُمْ: أنْ يَكُونَ البَذْرُ مِن رَبِّ الأرْضِ، وهو قَوْلُ أحْمَدَ وإِسْحاقَ، وكرِهَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ المُزَارَعَة بِالثُّلُثِ والرُّبُعِ، ولَمْ يَرَوْا بِمُسَافَاةِ النَّخِيلِ بِالقُّلُثِ والرُّبُعِ بَأْسًا، وهُوَ قَوْلُ مالِكِ بنِ أَنَسٍ والشَّافِعِي، ولمْ يَرَ بَعْضُهُمْ أنْ يَصِحَّ شَيْءٌ مِنَ المُزَارَعَةِ، إِلَّا أنْ يَسْتأجِرَ الأرْضَ بِالذَّهبِ والفِضَّةِ. بالنَّخْلِ وَالْكَرْمِ، وألحق المُقْلَ بالنخل لشبهه به، وخصّه أبو داود بالنخل، وقال أبو حنيفة، وزفر: لا يجوزُ بحال؛ لأنها إجارةٌ بثمرة معدومةٍ أو مجهولةٍ. وأجاب من جوَّزه بأنه عقدٌ على عمل في المال ببعض نَمَائِهِ، فهو كالمضاربة؛ لأن المضارب يعمل في المال بجزء من نمائه، وهو معدوم ومجهول، وقد صَحَّ عقدُ الإجارة مع أن المنافع معدومة، فكذلك هنا، وأيضًا فالقياسُ في إبطال نَصٍّ أو إجماع؛ مردود، وأجاب بعضُهم عن قصة خيبر، بأنها فتحت صُلحًا، وأقروا على أن الأرض ملكهم، بشرط أن يعطوا نِصْفَ الثمرة، فكان ذلك يؤخذ بحقِّ الجزية، فلا يدل على جواز الْمُسَاقَاةِ، وتعقب بأن معظم خيبر فتح عُنْوَةً، وبأن كثيرًا منها قسم بين الغانمين، وبأن عمر أجلاهم منها، فلو كانت الأرضُ ملكهَم ما أَجْلَاهُمْ عنها، واستدلَ من أَجَازه في جميع الثمر بأن في بَعْضٍ طرق حديث الباب: بشطر ما يخرج منها من نَخْلٍ وَشَجَرٍ. وفي رواية عند البيهقي: على أن لهم الشَّظْرَ من كُلِّ زرع، ونخل، وشجر، انتهى. (واختار بعضهم أن يكون البذر من رب الأرض) أي: مالكها، قال الحافظ في ((الفتح)) واستدل به، يعني: بحديث الباب على جَوَازِ البذر من العامل، أو المالك، لعدم تقييده في الحديث بشيء من ذلك، واحتجَّ من مَنَعَ بأن العاملَ حينئذٍ كأنه بَاعَ البذرَ من صاحب الأرض بمجهول من الطعام نسيئةً، وهو لا يجوز. وأجاب من أجازه، بأنه مستثنى من النَّهي عن بَيْعِ الطَّعام بالطعام نسيئةً؛ جمعًا بين الحديثين، وهو أولى من إلغاء أحدهما. انتهى. (وهو قولُ مالك بن أنس، والشافعي) والراجح: أن المزارعة بالثلث والربع، والمساقاة بالثلث والربع؛ كلاهما جائز غير مكروه؛ كما عرفت، (ولم ير بعضُهم أن يصحَّ شيءٍ من المزارعة ... إلخ) قال الحافظُ في ((الفتح)): وبالغ ربيعة، فقال: لا يجوزُ كراءها إلا بالذَّهَب أو الفضة، وقال طاوس، وطائفةٌ قليلةٌ: لا يجوزُ كِرَاءُ الأرض مطلقًا، وذهب إليه ابنُ حزم وَقَوَّاهُ، واحتجَّ له بالأحاديث المطلقةِ في ذلك. انتهى. ٦٩٢ كتاب الأحكام عن رسول الله وَلقد / باب من المزارعة ٤٢- باب من المزارعة [ت٤٢، م٤٢] [١٣٨٤] (١٣٨٤) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بنُ عَيَّاشٍ، عَن أبي حُصَيْنٍ، عَن مُجَاهِدٍ، عَن رَافِعِ بنِ خَدِيجٍ، قَالَ: نَهَانَا رَسُولُ اللهِ نَّهِ عَنْ أَمْرٍ كَانَ لَنَا نَافِعًا، إِذَا كَانَت لأحَدِنَا أرْضُ أنْ يُعْطِيهَا بِبَعْضٍ خَرَاجِهَا أَوْ بَدَرَاهِمَ، وقالَ: ((إذَا كَانَت لأَحَدِكُمْ أرْضٌ فَلْيَمْنَحْهَا أخَاهُ أُوْ لِيَزْرَعْهَا)). [م: ١٥٣٦، ذكر الدراهم شاذاً. [١٣٨٥] (١٣٨٥) حَدَّثَنَا مَحْمودُ بنُ غَيْلانَ، أخْبَرَنَا الفَضْلُ بنُ مُوسى الشَّيْبَانِيُّ، أْبَرَنَا شَرِيكٌ عَن شُعْبَةَ، عَن عمْرو بنِ دِينارٍ، عَن طَاؤُسٍ، عنِ ابنِ عبَّاسٍ، أنَّ رَسُوْلَ الله ◌ِّهِ لَمْ يُحَرِّمِ المُزَارَعَةَ، ٤٢ - بابٌ: [من الْمُزَارَعَةِ] [١٣٨٤] قوله: (أن يعطيها) أي: نهى عن أن يعطيها، (ببعض خراجها) أي: ببعض ما يخرج من الأرض، (أو بدراهم) احتجَّ به من قال بعدم جواز كرَاءِ الأرض مطلقًا، لكن هذا الحديث ضعيف، قال الحافظ في ((الفتح)): وأما ما رواه الترمذيُّ من طريق مجاهد عن رافع بن خديج في النهي عن كراء الأرض ببعض خَرَاجِهَا أو بدراهم؛ فقد أعلَّه النسائيُّ بأن مجاهدًا لم يَسْمَعْهُ من رافع، قال الحافظ: وروايةُ أبي بكر بن عياش في حفظه مقال، وقد رواه أبو عوانة، وهو أحفظ منه عن شيخه فيه، فلم يذكر: ((الدراهم»، وقد روى مسلم من طريق سليمان بن يسار عن رافع بن خديج في حديثه: ((ولم يَكُن يَوْمَئِذٍ ذَهَبٌ وَلَا فِضَّةٌ))(١). انتھی. (فليمنحها) بفتح التحتية وسكون الميم وفتح النون بعدها حاء مهملة، ويجوز كسر النون، والمراد: يجعلها منيحةً وعارية، أي: ليعطها مَجَّانًا، (أخاه) ليزرعها هو، (أو لیزرعها) أي: أحدكم نفسه. [١٣٨٥] قوله: (لم يحرم المزارعة ... إلخ) فيه دليلٌ على أن النهي في حديث النهي عن المزارعة ليس للتحريم، بل للتنزيه كما تقدم، ويدلُّ على ذلك أيضًا ما رواه البخاريُّ (٢) (١) أخرجه النسائي، كتاب المزارعة، حديث (٣٩٠٢)، ومسلم نحوه، كتاب البيوع، حديث (١٥٤٨). (٢) أخرجه البخاري، كتاب المزارعة. حديث (٢٣٣٠). ٦٩٣ كتاب الأحكام عن رسول الله وَلاغير / باب من المزارعة وَلكنْ أمَرَ أنْ يَرْفُقَ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ. [ن: ٣٨٧٥، د: ٣٣٨٩ بنحوه، حم: ١٣٨٣٠، مي: ٢٦١٥]. قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وحديثُ رَافِعٍ فِيهِ اضْطِرابٌ، يُرْوَی هذَا الحديثُ عَن رَافِعِ بنِ خَديج، عَن عُمُومَتِهِ، ويُرْوَى عَنْهُ عَنْ ظُهَيْرِ بنِ رَافِعٍ، وهُوَ أحَدُ عُمُومَتَهِ، وقَدْ رُوِيَ هذَا الْحَدِيثُ عَنْهُ عَلَى رِوَايَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، وفي الباب عَن زَيْدِ بنِ ثَابتٍ وجابر ◌َّا. وغيره عن عمرو بن دينار قال: قلت لطاوس: لو تَرَكْتَ المخابرة، فإنهم يزعمون أن النبي وَ﴿ نَهَى عنها، فقال: إن أعلمهم - يعني ابن عباس - أخبرني أن النبي ◌َّ لم ينه عنها، وقال: ((لأَنْ يَمْنَحَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ خَيْرٌ لَهُ من أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهَا خَرَاجًا مَعْلُومًا)). (لكن أمر أن يرفق) من الرفق وهو اللطفُ من باب نَصَرَ، قال في ((الصراح)): رفق بالكسر نرمي كردن ضد العنف صلته بالباء، انتهى. وقال في ((القاموس)): الرفق بالكسر: ما استعين به، رفق به وعليه مثلثة رفقًا ومرفقًا؛ کمجلس، ومقعد، ومنبر، انتهى. قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري بلفظ آخر، وقد تقدم. قوله: (وفي الباب عن زيد بن ثابت)(١)، أخرجه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه عن عروة بن الزبير قال: قال زيد بن ثابت: يغفر الله لرافع بن خديج، أنا والله أعلم بالحديث منه، إنما أتى رجلان قد اقتتلا، فقال عليه السلام: ((إِنْ كَانَ هَذَا شَأْنُكُم فَلَا تَكْروا طَريق الْمَزَارِعِ» فسمع رافع قوله: لا تكرُوا المَزَارِعَ، وهذا حديث حسن، كذا في ((نصب الراية)). قوله: (حديث رافع حديث فيه اضطراب ... إلخ) روى مسلم وغيره حديث رافع بألفاظ مختلفة بعضها مختصرة، وبعضها مطولة، وفي الباب عن جابر(٢) قال: كانوا يزرعونها بالثلث، والربع والنصف، فقال النبي ◌ِّهِ: (مَنْ كَانَت لَّهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا أَوْ لِيَمْنَحْهَا، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلْيُمْسِكْ أَرْضَهُ)) رواه البخاري وغيره عن أبي هريرة مرفوعًا: ((مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا أَوْ لِيَمْنَحْهَا أَخَاهُ، فَإِن أَبِى فَلْيُمْسِكُ أَرْضَهُ))، رواه البخاري وغيره. قال الحافظ في ((فتح الباري)): قد استظهر البخاري لحديث رافع بحديث جابر وأبي هريرة رَادًّا على من زعم أن حديث رافع فرد، وأنه مضطرب، وأشار إلى صِحَّةٍ (١) أخرجه أبو داود، كتاب البيوع. حديث (٣٣٩٠)، والنسائي، كتاب الأيمان. حديث (٣٩٢٧)، وابن ماجه، کتاب الرهون. حدیث (٢٤٦١). (٢) أخرجه البخاري، كتاب المزارعة. حديث (٢٣٤٠). ٦٩٤ كتاب الأحكام عن رسول الله وَاقوى / باب من المزارعة الطريقين عنه، حيث روى عن عمه عن النبي بَّ، وقد روى عن عَمِّهِ عن النبي ◌َّ، وأشار إلى أن روايته بغير واسطةٍ مقتصرةٌ على النهي عن كِرَاءِ الأرضِ، وروايته عن عَمِّهِ مفسرة للمراد، وهو ما بينه ابْنُ عباس في روايته من إرادة الرفق والتفضيل، وأن النهيَ عن ذلك ليس للتحریم. انتھی. ٦٩٥ كتاب الديات عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاء في الدِّيَةِ كَم هِيَ مِنَ الإبل؟ 醬 (١٤) كتاب الديات عن رسول الله ١- باب مَا جَاء في الدِّيَةِ كَم هِيَ مِنَ الإبِل؟ [ت١، م١] [١٣٨٦] (١٣٨٦) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بنُ سَعِيدِ الكِنْدِيُّ الكُوفِيُّ، أخْبَرَنَا ابنُ أبي زَائِدَةَ عَن الحَجَّاجِ عَن زَيْدِ بنِ جُبَيْرٍ عَن خَشْفِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابنَ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَضَى رَسُولُ اللهِ وَّهُ فِي دِيَةِ الخَطَأ ١٤ _ كِتَابُ الدِّيَّاتِ عَنْ رَسُولِ الله الديات جمع دية: قال في ((المغرب)): الدية مصدر ودي القاتل [و] المقتول، إذا أعطى وليه المال الذي هو بَدَلُ النفس، ثم قيل لذلك المال: الدية تسمية بالمصدر، ولذا جمعت، وهي مثلُ عدة في حذف الفاء، قال الشمني: وأصلُ هذا اللفظ يدلُّ على الجري، ومنه الوادي؛ لأن الماء يدى فيه، أي: يجري وهي ثابتة بالكتاب، وهو قوله تعالى: ﴿وَدِيَةٌ ◌ُسَلَّمَةُ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢] وبالسنة، وهي أحاديث كثيرة، وبإجماع أهل العلم على وجوبها في الجملة، كذا في ((المرقاة)). وقال في ((النهاية)) يقال: وديت القتيل أديه دية، إذا أعطيت دیته واتدیته، أي: أخذت دیته. انتهى. ١ - باب مَا جَاءَ في الدِّيَّةِ كَمْ هِيَ مِنَ الإِبِلِ؟ [١٣٨٦] قوله: (عن خشف) بكسر الخاء وسكون الشين المعجمتين وبالفاء، (ابن مالك) الطائي، وثقه النسائي، من الثالثة، قاله الحافظ. قوله: (في دية الخطإ) أي: في دية القتل الخطإ. اعلم أن القتل على ثلاثة أضرب: عمد، وخطأ، وشبه عمد؛ وإليه ذهب الشافعية، والحنفية، والأوزاعي، والثوري، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وجماهير من العلماء من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم، فجعلوا في العمد الْقِصَاصَ؛ وفي الخطإ الديةَ المذكورة في حديث الباب، وفي شبه العمد وهو ما كان بما مثله لا يقتل في العادة، كالعصا، والسوط، والإبرة، مع كونه قاصدًا للقتل؛ دية مغلظة، وهي مئة من الإبل، أربعون منها في بطونها أولادها، وقال مالك، والليث، وغيرهما: إن القتل ضربان: عمد، وخطأ، فالخطأ ما وقع ٦٩٦ كتاب الديات عن رسول الله وَليزر / باب مَا جَاء في الدِّيَةِ كَم هِيَ مِنَ الإبل؟ عِشْرِينَ بنتَ مَخَاضٍ، وعِشْرِينَ بنِي مَخَاضٍ ذُكُورًا، وعِشْرِينَ بِنْتَ لَبُونٍ، وعِشْرِينَ جَذَعَةً، وعِشْرِينَ حِقَّةً. [الحجاج، مدلّس، ن: ٤٨١٦، د: ٤٥٤٥، جه: ٢٦٣١، حم: ٤٢٩١]. قال: وفي الباب عَن عبد الله بن عمرو، أخْبَرَنَا أبو هشام الرِّفاعي، أخْبَرَنَا ابنُ أبي زَائِدَةَ، وأَبُو خَالِدِ الأحْمَرُ عَنِ الحَجَّاجِ بنِ أرْطَاةَ نحْوَهُ. بسبب من الأسباب، أو من غير مكلَّفٍ، أو غير قاصد للمقتول، أو للقتل بما مثلُه لا يقتلُ في العادة، والعمد ما عَدَاهُ، والأول: لا وقود فيه، والثاني: فيه القود، ولا يخفى أن الأحاديث التي تدلُّ على القسم الثالث، وهو شبهُ العمد صالحةٌ للاحتجاج بها، وإيجاب دية مغلظة على فاعله، قاله الشوكاني. (عشرين ابنة مخاض) هي التي تطعن في السنة الثانية من الإبل. (وعشرين بني مخاض ذكورًا) بالنصب، كذا في النسخ الحاضرة، وفي ((المشكاة)): ذكور بالجر، قال القاري: بالجر على الجوار؛ كما في المثل: ((جُحْرُ ضَبِّ خَرِب))، كذا في الترمذي، وأبي داود، و((شرح السنة)) وبعض نسخ ((المصابيح)) وفي بعضها: ((ذكورًا)) بالنصب وهو ظاهر. انتهى كلام القاري. فظهر من كلامه هذا أن نسخة الترمذي التي كانت عند القاري كان فيها ((ذُكُورٍ)) بالجر. (وعشرين بنت لبون) قال في ((مجمع البحار)): بنتُ اللَّبُونِ، وابْنُ اللَّبُون، وهو من الإبل: ما أتى عليه سنتان، ودخل في الثالثة، فصارت أمه لَبُونًا، أي: ذات لَبَنِ بولد آخر. (وعشرين جذعة) هو: من الإبل ما تَمَّ له أربعُ سنين، (وعشرين حقة) بكسر الحاء المهملة، وتشديد القاف، وهي: الداخلةُ في الرابعة. قوله: (أبو هشام الرفاعي) بكسر الراء، اسمه: محمد بن يزيد بن محمد بن كثير العجلي الكوفي، قاضي المدائن ليس بالقويِّ. قوله: (وفي الباب عن عبد الله بن عمرو)(١)، أخرجه الخمسة إلا الترمذي بلفظ: ((أَنَّ النَّبِيِّ وَِّ قَضَى أَنَّ مَنْ قُتِلَ خَطَأَ، فَدِيَتُّهُ مِئَةٌ مِنَ الإبل: ثلاثُون بنْتَ مَخَاضٍ، وَثَلاثُونَ بِنْتَ لَبُونٍ، وَثَلاثُونَ حِقّةً، وعَشْرَةٌ بَنِي لَبُونٍ ذُكُورٍ))، وسكت عنه أبو داود وقال المنذريُّ: في إسناده عمرو بن شعيب، وقد تقدم الكلامُ عليه، ومن دون عمرو بن شعيب ثقات، إلا (١) أخرجه أبو داود، كتاب الديات. حديث (٤٥٤١)، والنسائي، كتاب القسامة. حديث (٤٨٠١)، وابن ماجه، کتاب الدیات. حديث (٢٦٣٠) وأحمد. حديث (٧٠٤٨). ٦٩٧ كتاب الديات عن رسول الله وَل﴿ / باب مَا جَاء في الدِّبَةِ كَم هِيَ مِنَ الإِبِل؟ قَالَ أَبُو عِيْسَى: حدِيثُ ابنِ مَسْعُودٍ لا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إلَّا مِن هَذَا الوَجْهِ، وقدْ رُوِيَ عَن عَبْدِ الله مَوْقُوفًا، وقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ إِلَى هَذَا، وهُوَ قَوْلُ أحْمَدَ وإِسْحَاقَ، وقَدْ أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ عَلَى أنَّ الدِّيَةَ تُؤْخَذُ فَي ثَلاثٍ سِنِينَ: فِي كُلِّ سَنَةٍ ثُلُثُ الدِّیَةِ، محمد بن راشد المكحولي، وقد وثّقه أحمد، وابن معين، والنسائي، وضعفه ابن حبان، وأبو زرعة. وقال الخطابي: هذا الحديثُ لا أعرف أحدًا قال به من الفقهاء. قوله: (حديث ابن مسعود لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه، وقد روي عن عبد الله موقوفًا) قال الحافظ في ((التلخيص)): رواه أحمد وأصحاب السُّنن، والبزار، والدارقطني، والبيهقي(١) من حديث ابن مسعود مرفوعًا، لكن فيه: ((بني مخاض)) بدل ((ابْن لَبُونٍ))، وبسط الدارقطني القول في ((السنن)) في هذا الحديث، ورواه من طريق أبي عبيدة عن أبيه موقوفًا، وفيه: عِشْرُونَ بَنِي لَبُونٍ))، وقال: هذا إسناد حسن، وضعف الأول من أوجه عديدة، وقوى رواية أبي عبيدة بما رواه عن إبراهيم النخعي عن ابن مسعود على وقفه، وتعقبه البيهقي بأن الدار قطني وهم فيه، والجواد قد يعثر. قال: وقد رأيته في ((جامع سفيان الثوري)) عن منصور عن إبراهيم عن عبد الله، وعن أبي إسحاق عن علقمة عن عبد الله، وعن عبد الرحمن بن مهدي بن يزيد بن هارون عن سليمان التيمي عن أبي مجلز عن أبي عبيدة عن عبد الله، وعند الجميع: ((بني مخاض)). قال الحافظ ابن حجر: وقد رد على نفسه بنفسه، فقال: وقد رأيته في ((كتاب ابن خزيمة)) وهو إمام، من رواية وكيع عن سفيان، فقال: ((بني لبون))، كما قال الدارقطني. قال الحافظ: فانتفى أن يكون الدارقطني غيره، فلعل الخلاف فيه من فوق. انتهى. قوله: (وقد أجمع أهلُ العلم على أن الدية تُؤخذ في ثَلَاثٍ سنين) روى ابن أبي شيبة (٢) من طريق إبراهيم النخعي قال: أول من فرض العطاء عمرُ، وفرض فيه الدية كاملةً في ثلاث سنين: ثلثا الدية في سنتين، والنصف في سنتين، والثلث في سنة، وما دون ذلك في عامه، وأخرجه عبد الرزاق من طريق عن عمر، كذا في ((الدراية)). (١) أخرجه الدارقطني (١٧٢/٣)، حديث (٢٦٢)، والبزار، حديث (١٩٢٢)، والبيهقي (٨/ ٧٥)، حديث (١٥٩٣٩). (٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٤٠٦/٥). حديث (٢٧٤٣٨). ٦٩٨ كتاب الديات عن رسول اللّه وَي / باب مَا جَاء في الدِّيَةِ كَم هِيَ مِنَ الإبل؟ ورأوْا أنَّ دِيَةَ الخَطَإِ عَلَى العَاقِلَةِ، ورأى بَعْضُهُمْ أنَّ العَاقِلَةَ، قَرَابَةُ الرَّجُلِ مِن قِبَلٍ أَبِيهِ، وهُوَ قَوْلُ مَالِكِ، والشَّافِعِي، وقالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا الدِّيَةُ عَلَى الرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ والصِّبْيَانِ مِنَ العَصَبَةِ، ولفظ عبد الرزاق في طريق؛ أن عمر بن الخطاب جَعَلَ الديةَ الكاملة في ثلاث سنين، وجعل نِصْفَ الدية في سنتين، وما دون النصف في سَنَةٍ. ولفظه في طريقٍ أُخرى: إن عمر جعل الدِّيَةَ في الأعطية في ثلاث سنين، والنصف والثلثين في سنتين، والثلث في سنة، وما دون الثلث فهو في عامه، ولفظه في رواية أخرى ((وقضى بالدِّية في ثلاث سنين، وفي كُلِّ سنة ثلث على أهل الديون في عطياتهم، وقضى بالثّلثين في سنتين، وثلاث في سنة، وما كان أقل من الثلث فهو في عَامِهِ ذلك(١)، كذا في ((نصب الراية)). (ورأوا أن دية الخطإ على العاقلة) بكسر القاف: جمع عاقل، وهو رافعُ الدِّيَةِ، وسميت الديةُ عَقْلًا تسميةً بالمصدر؛ لأن الإبل كانت تُعقل بفناء وَلِيِّ القتيل، ثم كثر الاستعمالُ حتى أُطلق العقلُ على الدية، ولو لم تكن إبلًا، وعاقلة الرجل قراباته من قِبَلِ الأب، وهم عصبته، وهم الذين كانوا يعقلون الإبل على باب وَلِيِّ المقتول، وتحمل العاقلة الدية ثابتٌ بالسنة. وأجمع أهلُ العلم على ذلك، وهو مخالف لظاهر قوله تعالى: ﴿وَلَ نَِّرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىَّ﴾ [فاطر: ١٨] لكنه خص من عمومها ذلك، لما فيه من المصلحة؛ لأن القاتل لو أخذ بالدية لأوشك أن تأتي على جميع ماله؛ لأن تتابع الخطإ منه لا يؤمن، ولو ترك بغير تغريم لأهدر دَمَ المقتولِ، قال الحافظ: ويحتمل أن يكون السر فيه أنه لو أفرد بالتغريم حتى يفتقر؛ لآل الأمر إلى الإهدار بعد الافتقار، فجعل على عاقلته؛ لأن احتمال فقر الواحد أكثر من احتمال فقر الجماعة، ولأنه إذا تكرر ذلك منه كان تحذيره من العود إلى مثل ذلك من جماعة؛ أدعى إلى القبول مع تحذيره نفسه، والعلم عند الله تعالى. وعاقلة الرجل عشيرتُه: فيبدأ بفخذه الأدنى، فإن عجزوا ضمَّ إليهم الأقرب إليهم، وهي على الرجال الأحرار البالغين أُولي اليسار منهم. انتهى. (وقال بعضهم: إنما الدية على الرجال دون النساء والصبيان من العصبة). قال في ((الهداية)) من كتب الحنفية: وليس على النساء والذرية ممن كان له حَظّ في الديوان عقل، لقول عمر - رَظُبه - لا يعقل مع العاقلة صبيٍّ، ولا امرأة. انتهى. (١) أخرجه عبد الرزاق (٤٢٠/٩) الأحاديث (١٧٨٥٧، ١٧٨٥٨، ١٧٨٥٩). ٦٩٩ كتاب الديات عن رسول الله وَليه / باب مَا جَاء في الدِّيَةِ كَم هِيَ مِنَ الإِل؟ وَيُحَمّلُ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ رُبُعَ دِينَارٍ، وقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ إِلَى نِصْفِ دِينَارٍ، فإن تَمَّتِ الدِّيَّةُ، وإلا نُظِرَ إِلَّى أقْرَبِ القَبَائِلِ مِنْهُمْ فَأُلزِمُوا ذَلِكَ. [١٣٨٧] (١٣٨٧) حَدَّثَنَا أحْمَدُ بنُ سَعِيدِ الدَّارِمِيُّ، أخْبَرَنَا حَبَّانُ - وهو ابنُ هلالٍ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ رَاشِدٍ، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بنُ مُوسَى عَن عمرو بن شعيب، عَن أبيه عَن جَدِّهِ أنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: ((مَن قَتَلَ مؤمنًا مُتَعَمِدًا دُفِعَ إلَى أَوْلِيَاءِ المَقْتُولِ، فَإِنْ شَاؤُوا قَتَلُوا، وَإِنْ شَاؤُوا أَخَذُوا الدِّيَةَ، وَهِيَ: ثَلاثُونَ حِقَّةً، وثلاثُونَ جَذَعَةً، وأرْبَعُونَ خَلِفَةً، ومَا صَالَحُوا عَلَيْهِ فَهُوَ لَهُمْ)). قلت: قال الحافظ الزيلعي في ((تخريج الهداية)). غريب. انتهى. وقال الحافظ في ((الدراية)): لم أجده. انتهى. قال في ((الهداية)): ولأن العقلَ إنما يَجِبُ على أهل النصرة، لتركهم مراقبته، والناس لا يتناصرون بالنساء والصبيان؛ ولهذا لا يوضع عليهم ما هو خلف عن النصرة وهو الجزیةُ، انتهى. (ويحمل) بصيغة المجهول عن التحميل، (كل رجل منهم ربع دينار، وقد قال بعضهم: إلى نصف دينار) قال صاحب ((الهداية)): وتقسم عليهم في ثلاث سنين، لا يزاد الواحدُ على أربعة دراهم في كُلِّ سنة، وينقص منها، كذا ذكره القدوري في ((مختصره)). وهذا إشارة إلى أنه يزاد على أربعة من جميع الدية، وقد نص محمد رحمه الله على أنه لا يزادُ على كُلِّ واحد من جميع الدية في الثلاث سنين على ثلاثة أو أربعة، فلا يؤخذ من كُلِّ واحد في كل سنة إلا درهمًا، أو درهمًا وثلث درهم، وهو الأصحُّ، وعند الشافعي - رحمه الله -: يجبُ على كُلِّ واحدٍ نصفُ دينار؛ لأنه صلة، فيعتبر بالزكاة وأدناها ذلك؛ إذ خمسة دراهم عندهم نصف دینار. انتهى. (فإن تمت الدية) أي: فيها. (وإلا) أي: وإن لم تتمَّ الديةُ. (نظر إلى أقرب القبائل منهم، فألزموا) بصيغة المجهول من الإلزام. [١٣٨٧] قوله: (من قتل) بصيغة المعلوم؛ (دفع) بصيغة المجهول، أي: القاتل، (وهي ثلاثون حقة) بكسر الحاء، وهي من الإبل: ما دَخَلَتْ في السَّنة الرابعة؛ لأنها استحقت الركوب والحمل، (وثلاثون جذعة) بفتحتين، وهي ما دخلت في السنة الخامسة، (وأربعون خلفة) بفتح الخاء المعجمة وكسر اللام وبعدها فاء، وهي: الحاملُ، وتجمع خَلِفَات، ٧٠٠ كتاب الديات عن رسول الله وَلّهِ / باب مَا جَاء فِي الدِّيَةِ كَم هِيَ مِنَ الدَّرَاهِم وَذَلِكَ لِتَشْدِيدِ العَقْلِ. [د مختصرًا: ٤٥٠٦، جه: ٢٦٢٦، حم: ٦٦٧٨]. قَالَ أبُو عِيْسَى: حدِيثُ عَبْدِ الله بنِ عَمْرو حَدِيثٌ حسنٌ غَرِيبٌ. ٢ - باب مَا جَاء في الدِّيَّةِ كَم هِيَ مِنَ الدَّرَاهِم [ت٢، م٢] [١٣٨٨] (١٣٨٨) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ بَشَارٍ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بنُ هَانِئٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ مُسْلِم هُوَ الطَّائِفِيُّ، عَن عَمْرِو بنِ دِينَارٍ عَن عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عنِ النَّبِيِّ بََّ، أنَّهُ جِّعَلَ الدِّيَةَ اثْنَي عَشَرَ ألفًا. [مُحَمَّد بن مسلم، صدوق يخطئ في حديثه، ن: ٤٨١٨، د: ٤٥٤٦، مي: ٢٣٦٣، جه: ٢٦٢٩]. [١٣٨٩] (١٣٨٩) حَدَّثَنَا سَعِيدُ بنُ عَبْدِ الرَّحمنِ المَخزُومِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ عَن عَمْرٍو بنِ دِينَارٍ عَن عِكْرِمَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ نحْوَهُ، ولَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وفِي حَدِيثِ ابنِ عُيَيْنَةَ كَلامٌ أكْثَرُ مِن هذا. قَالَ أبُو عِيْسَى: ولا نعلم أحدًا يذكر في هذا الحديث عن ابن عباس غير مُحمَّد ابن مُسْلِمٍ. وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا الحَدِيثِ عِنْدَ بَعضِ أهلِ العِلْمِ وهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ وإسْحَاقَ، وخَلَائِفَ، وزاد في رواية ابن ماجه: في بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا. (وذلك لتشديد العقل) بفتح العين وسكون القاف، أي: الدیة. قوله: (حديث عبد الله بن عمرو حديث حسن غريب) وأخرجه ابن ماجه، وذكره الحافظ في ((التلخيص) وسكت عنه. ٢ - باب مَا جَاءَ في الدِّيَّةِ كَمْ هي مِنَ الدَّراهم؟ [١٣٨٨] قوله: (إنه جعل الدية اثني عشر ألفًا) أي: من الدراهم. قوله: (وفي حديث ابن عيينة كلام أكثر من هذا) روى أبو داود من ((سُنِهِ)) (١) عن عكرمة عن ابن عباس، أن رجلًا من بني عدي قُتل، فجعل النبي بَّ ديته اثني عشر ألفًا. [١٣٨٩] قوله: (والعمل على هذا الحديث عند بعض أهل العلم، وهو قول أحمد، وإسحاق) قال الشوكاني في ((النيل)): اختلفوا في الفضة، فذهب الهادي، والمؤيد بالله إلى (١) أخرجه أبو داود، کتاب الدیات. حديث (٤٥٤٦).