Indexed OCR Text

Pages 621-640

٦٢١
كتاب الأحكام عن رسول الله ﴿ / باب مَا جَاء في اليَمِينِ مَعَ الشَّاهِد
وَلَمْ يَرَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ مِن أهْلِ الكُوفَة وَغَيْرِهِمْ أنْ يُقضَى باليَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ
الوَاحِدِ.
وحجتهم: أنه جاءت أحاديث كثيرة في هذه المسألة، من رواية علي، وابن عباس،
وزيد بن ثابت، وجابر، وأبي هريرة، وعمارة بن حزم، وسعد بن عبادة، وعبد الله بن
عمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة. قال الحفاظ: أصُّ أحاديث الباب حديث ابن عباس.
قال ابن عبد البر: لا مطعن لأحد في إسناده، قال: ولا خلاف بين أهل المعرفة في صِحَّتِهِ،
قال: وحديث أبي هريرة، وجابر، وغيرهما حسان. انتهى.
(ولم ير بعض أهل العلم من أهل الكوفة، وغيرهم أن يقضى باليمين مع الشَّاهد الواحد)
وهو قول أبي حنيفة، والكوفيين، والشعبي، والحكم، والأوزاعي، والليث، والأندلسيين من
أصحاب مالك. قالوا: لا يحكم بشاهدٍ ويمين في شيءٍ من الأحكام، واحتجوا بقوله تعالى:
﴿وَأَسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِن رِجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَأَمْرَأَتَانٍ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وبقوله:
﴿وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، وقد حكى البخاري وقوعَ المراجعة ذلك ما بين
أبي الزناد، وابن شبرمة، فاحتج أبو الزناد على جَوَازِ القضاءِ بشاهد ويمين بالخبر الوارد في
ذلك، فأجاب عنه ابن شبرمة بقوله تعالى هذا.
قال الحافظ: وإنما تتمُّ له الحجة بذلك على أصْلٍ مختلفٍ فيه بين الفريقين، يعني
الكوفيين، والحجازيين، وهو أن الخبر إذا ورد متضمنًا لزيادة على ما في القرآن، هل يكون
نسخًا، والسنة لا تنسخُ القُرآن، أو لا يكون نَسْخًا، بل زيادة مستقلة بحكم مستقل، إذا ثبت
سنده، وجب القول به. والأولُ مذهبُ الكوفيين، والثاني مذهبُ الحجازيين. ومع قطع النظر
عن ذلك لا تنهض حجةُ ابن شبرمة؛ لأنها تصيرُ معارضة للنص بالرأي، وهو غير معتبر به،
وقد أجاب عنه الإسماعيلي فقال ما حاصله: إنه لا يلزم من التنصيص على الشيء نفيه عما
عَدَاهُ. قال الحافظ: بعد ذكر حاصل بحثه هذا: لكن مقتضى ما بحثه إنه لا يُقضى باليمين مع
الشَّاهد الواحد إلا عند فَقْدِ الشَّاهدين، أو ما قام مقامهما من الشاهد والمرأتين. وهو وجهٌ
للشافعية، وصحَّحه الحنابلة، ويؤيده ما روى الدارقطني (١) من حديث عمرو بن شعيب عن
أبيه عن جده مرفوعًا: ((قَضَى الله وَرَسَولُهُ فِي الْحَقِّ بِشَاهِدَيْنٍ، فَإِنْ جَاءَ بِشَاهِدَيْنِ أَخَذَ حَقَّهُ،
وَإِنْ جَاءَ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ حَلَفَ مَعَ شَاهِدِهِ».
(١) أخرجه الدارقطني (٢١٣/٤). حديث (٣٢).

٦٢٢
كتاب الأحكام عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاء في اليَمِينِ مَعَ الشَّاهِد
وأجاب بعضُ الحنفية، بأن الزيادة على القرآن نسخ، وأخبار الآحاد لا تنسخ المتواتر،
ولا تقبل الزيادة من الأحاديث إلا إذا كان الخبرُ بها مشهورًا. وأجيب بأن النسخَ رفعُ
الحكم، ولا رفع هنا، وأيضًا فالناسخُ والمنسوخُ لا بدَّ أن يتواردا على محل واحد، وهذا
غيرُ متحقِّق في الزيادة على النسخ، وغاية ما فيه أن تسميةَ الزيادة كالتخصيص نسخًا
اصطلاح، ولا يلزم منه نسخُ الكتاب بالسنة، لكن تخصيص الكتاب بالسنة جَائِزٌ، وكذلك
الزيادةُ عليه، كنا في قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَ لَكُمْ مَّا وَرَآءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، وأجمعوا على
تحريم نكاح العمة مع بنت أخيها، وسند الإجماع في ذلك السنة الثابتة، وكذلك قطع رِجْلٍ
السارق في المرة الثانية، ونحو ذلك.
وقد أخذ من رَدَّ الحكم بالشَّاهد واليمين؛ لكونه زيادة على ما في القُرآن بأحاديث كثيرة
في أحكام كثيرة كلها زائدة على ما في القرآن، كالوضوء بالنَّبيد، والوضوء من القهقهة، ومن
القيءٍ، واستبراء المسبية، وترك قطع من سرق ما يسرع إليه الفساد، وشهادة المرأة الواحدة
في الولادة، ولا قوة إلا بالسيف، ولا جمعة إلا في مصر جامع، ولا تقطع الأيدي في
الغزو، ولا يرث الكافرُ المسلمَ، ولا يُؤكل الطافي من السمك، ويحرم كُلُّ ذي ناب من
السباع، ومخلب من الطَّر، ولا يقتلُ الوالد بالولد، ولا يرث القاتلُ من القتيلِ، وغير ذلك
من الأمثلةِ التي تتضمن الزيادةَ على عُمُومِ الكتاب. وأجابوا بأن الأحاديث الواردةَ في هذه
المواضع المذكورة؛ أحاديث شهيرةٌ، فوجب العملُ بها لشهرتِها؛ فيقال لهم: وأحاديث
القضاء بالشَّاهد واليمينِ رَوَاهَا عن رسولِ الله ◌ِّله نيف وعشرون نفسًا، وفيها ما هو صحيحٌ،
فأي شُهرة على هذه الشُّهرة؟.
قال الشافعي: القضاءُ بشاهد ويمين لا يخالف ظاهرَ القرآن؛ لأنه لا يمنع أن يجوزَ أقل
مما نصَّ عليه، يعني: والمخالف لذلك لا يقولُ بالمفهوم أصلًا، فضلاً عن مفهومِ العددِ؛
كذا في ((النيل)).

٦٢٣
كتاب الأحكام عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاء في العَبْدِ يَكُونُ بَيْنَ الرَّجُليْنِ فَيَعْتِقُ أحَدُهُمَا نَصِيبَه
١٤ - باب مَا جَاء في العَبْدِ يَكُونُ بَيْنَ الزَّجُلیْنِ
فَيعْتِقُ أحَدُهُمَا نَصِيبَه [ت١٤، م١٤]
[١٣٤٦] (١٣٤٦) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بنُ إِبْرَاهِيمَ، عَن أيُّوبَ،
عَن نَافِعٍ، عنِ ابنِ عُمَرَ، عنِ النَّبِيِّ بَّهِ قَالَّ: ((مَن أَعْتَقَ نَصِيبًا، أَوْ قَالَ: شَقِيْصًا، أوْ
قَالَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ، فَكَانَ لَهُ مِنَ المَالِ مَا يَبْلِغُ ثَمَنَهُ بِقِيمَةِ العَدْلِ، فَهُوَ عَتِيقٌ، وإلا
فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ)). قَالَ أيُّوبُ: وَرُبَّمَا قَالَ نَافِعٌ في هذَا الحَدِيثِ، يَعْنِي: فَقَدْ عتَقَ
مِنْهُ مَا عَتَقَ. [م: ١٥٠١، ن: ٤٧١٢، د: ٤٩٤٠، جه: ٢٥٢٨، حم: ٤٦٢١، طا: ١٥٠٤].
قَالَ أبُو عِيْسَى: حديثُ ابْنِ عُمَرَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وَقَدْ رَوَاهُ
١٤ - باب مَا جَاءَ في العَبْدِ يَكُونُ بَيْنَ الرَّجُليْنِ، فَيَعْتِقُ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ
[١٣٤٦] قوله: (أو قال: شقيصًا) وفي بعض النسخ: ((شِقْصًا)). قال في ((النهاية)):
الشِّقْصُ والشقيص النصيبُ في المعين المشتركةِ من كُلِّ شيءٍ، (أو قال: شركًا) بكسر الشين
وسكون الراء، أي: حصة ونصيبًا، كذا في ((النهاية)). (فكان له) أي: للمعتق، وفي رواية
الشيخين: ((وَكَانَ لَّهُ))، (مَا يبلغ ثمنه) وفي رواية الشيخين ((مَا يَبْلُغُ ثمن الْعَبْدِ))، أي: قيمة
باقية، (بقيمة العدل) أي: تقويم عَدْلٍ من المقومين، أو المراد قيمة وسط، (فهو) أي:
العبد. (وإلا) أي: وإن لم يكن له من المال ما يبلغ ثمن العبد. (فقد عتق منه) أي: من
العبد، (ما عتق) من نصيب المعتق.
هذا الحديث بظاهره يدلُّ على أن المعتق إن كان موسرًا ضمن للشَّريك، وإن كان معسرًا
لا یستسعى العبد، بل عتق منه ما عتق، ورق ما رق. ومذهبُ أبي حنيفة إن كان موسرًا
ضمن، أو استسعى الشريك العبد، أو أعتق، وإن كان معسرًا لا يضمن، لكن الشريك، إما
أن يستسعى، أو يعتق، والولاء لهما؛ لأن الإعتاق يتجزى عنده، وقالا: أي: صاحباه: له
ضمانه غنيًا، والسعاية فقيرًا، والولاء للمعتق، لعدم تجزي الإعتاق عندهما .
ومعنى الاستسعاء أن العبدَ يكلف للاكتساب حتى يحصل قيمته للشَّريك، وقيل: هو أن
يَخْدُمَ الشريكَ بقدر ما له فيه من الملك، كذا في ((اللمعات)).
قوله: (حديث ابن عمر حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان، (وقد رواه) أي:

٦٢٤ كتاب الأحكام عن رسول الله وض ﴿ / باب مَا جَاء في العَبْدِ يَكُونُ بَيْنَ الرَّجُليْنِ فَيَعْتِقُ أحَدُهُمَا نَصِيبَه
سَالِمٌ عَن أبِيهِ، عنِ النَّبِيِّ وَلَ نحوه.
[١٣٤٧] (١٣٤٧) حَدَّثَنَا بِذلِكَ الحَسَنُ بنُ عَلِي الخَلالُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ،
أُخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عنِ الزُّهْرِي، عَن سَالِمٍ، عَن أبيهِ، عنِ النَّبِيِّ وَِّ قَالَ: ((مَن أَعْتَقَ
نَصِيبًا لَهُ فِي عَبْدٍ، فَكَانَ لَهُ مِنَ المَالِ مَّا يَبْلِغُ ثَمَنَهُ، فَهُوَ عَتِيقٌ مِن مَالِه)). [م: ١٥٠١،
ن: ٤٧١٣، د: ٣٩٤٦].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
[١٣٤٨] (١٣٤٨) حَدَّثَنَا عَليُّ بنُ خَشْرَم، أْبَرَنَا عِيسَى بنُ يُونُسَ، عَن سَعِيدٍ
ابنِ أبي عَرُوبَةَ، عَن قَتَادَةَ، عَنِ النَّضْرِ بنِ أَنَسٍ، عَن بَشِيرِ بنِ نَهِيكٍ عَن أبي هُرَيْرَةَ،
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ إِلَةِ: ((مَن أَعْتَقَ نَصِيبًا، أَوْ قَالَ شَقِيْصًا في مَمْلُوك، فَخَلاصُهُ
في مَالِهِ إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، فإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ، قُوِّمَ قِيمَةَ عَدْلٍ، ثُمَّ يُسْتَسْعَى في
نَصِيبِ الَّذِي لَمْ يُعْتَقْ، غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْه)). [خ: ٢٤٩٢، م: ١٥٠٣، د: ٣٩٣٧، جه: ٢٥٢٧،
حم: ٧٤١٩] .
الحديث المذكور. (سالم عن أبيه) أي: عن ابن عمر، كما رواه نافع عنه، ثم أسنده الترمذي
بقوله: حدّثنا بذلك ... إلخ.
[١٣٤٧] قوله: (هذا حديث صحيح) وأخرجه البخاري، وغيره.
قوله: (عن بشير بن نهيك) بفتح الموحدة وكسر الشين المعجمة وبفتح النون وكسر الهاء
وزنًا واحدًا، هو: أبو الشعثاء البصري، ثقة.
[١٣٤٨] قوله: (فخلاصه في ماله إن كان له مال) أي: يبلغ قيمة باقيه. وفي رواية
مسلم: (مَنْ عَتَقَ شِقْصًا فِي عَبْدٍ أُعْتِقَ كُلُّهُ، إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ)). (وإن لم يكن له) أي: للمعتق،
(قوم) بصيغة المجهول من التقويم. (قيمة عدل) أي: تقويم عدل من المقومين، أو المراد
قيمة وسط، (يستسعى) بصيغة المجهول. قال النووي : - رحمه الله -: معنى الاستسعاء: أنَّ
العبدَ يُكَلَّفُ بالاكتساب والطّلب، حتى يحصل قيمة نصيب الشريك الآخر، فإذا دفعها إليه
عتق، كذا فسره الجمهور. وقال بعضهم: هو أن يَخْدُمَ سيدَه الذي لم يعتق، بقدر ما له فيه
من الرِّقٌّ، (غير مشقوق عليه) أي: لا يكلف بما يشقُّ عليه.

٦٢٥
كتاب الأحكام عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاء في العَبْدِ يَكُونُ بَيْنَ الرَّجُليْنِ فَيَعْتِقُ أحَدُهُمَا نَصِيبَه
قَالَ: وفي الباب عَن عَبْدِ الله بنِ عَمْرٍو. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بِنُ
سَعِيدٍ عَن سَعِيدِ بنِ أبي عَرُوبَةَ نحْوَهُ. وقالَ: شقيصًا.
قَالَ أَبُو عِيْسَى: وهَذَا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وَهَكَذَا رَوَى أَبَّنُ بنُ يَزِيدَ عَن قَتَادَةَ
مِثْلَ رِوَايَةِ سَعِيدٍ بنِ أبي عَرُوبَةَ، وَرَوَى شُعْبَةُ هَذَا الحَدِيثَ، عَن قَتَادَةَ وَلَمْ يَذْكُرْ فيهِ
أمْرَ السِّعَايَةِ، واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في السِّعَايَةِ: فَرأى بَعْضُ أهْلِ العِلمِ السِّعَايَةَ في
هَذَا، وهُوَ: قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِي، وأهْلِ الكُوفَةِ، وبِهِ يَقُولُ إِسْحَاقُ، وقَدْ قَالَ بَعْضُ
أهْلِ العِلم: إذَا كانَ العَبدُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ، فَأَعْتَقَ أحَدُهمَا نَصِيبَهُ، فإنْ كانَ لَهُ مالٌ:
غَرِمَ نَصِيبَ صَاحِبِهِ وعَتَقَ العَبْدُ من ماله وإن لم يكن له مال عتق من العبد مَا عَتَقَ،
وَلا يُسْتَسْعَى، وقَالُوا بِمَا رُوِيَ عنِ ابن عُمَرَ، عنِ النَّبِيِّ ◌َِّ،
قوله: (وفي الباب عن عبد الله بن عمرو) لينظر من أخرجه.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) أخرجه الجماعة إلا النسائي، كذا في ((المنتقى)).
قوله: (وهكذا روى أبان بن يزيد عن قتادة مثل رواية سعيد بن أبي عروبة نحوه) يعني:
بذکر الاستسعاء.
قوله: (فرأى بعض أهل العلم السعاية في هذا، وهو قول سفيان الثوري، وأهل الكوفة،
وبه يقول إسحاق). قال الحافظ في ((الفتح)): وقد ذهب إلى الأخذ بالاستسعاء، إذا كان
المعتق معسرًا؛ أبو حنيفة وصاحباه، والأوزاعي، والثوري، وإسحاق، وأحمد في رواية،
وآخرون، ثم اختلفوا، فقال الأكثر: يعتق جميعُه في الحال، ويستسعى العبدُ في تَحْصِيل قيمة
نصيب الشريك، وزاد ابن أبي ليلى، فقال: ثم يرجعُ العبدُ على المعتق الأول بما أَدَّاهُ
للشريك.
وقال أبو حنيفة وحده: يتخير الشريك بين الاستسعاء، وبين عِثْقِ نصيبه. وهذا يدلُّ على
أنه لا يعتق عنده ابتداء إلا النصيب الأول فقط، وهو موافق لما جَنَحَ إِليه البخاريُّ من أنه
يصيرُ كالمكاتب، وعن عطاء: يتخير الشريك بين ذلك، وبين إبقاء حِصَّتِهِ في الرِّقِّ. وخالف
الجميعَ زفرُ، فقال: يعتق كله، وتقوم حِصَّةُ الشريك، فتؤخذ إن كان المعتقُ موسرًا، وترتب
في ذمته إن کان معسرًا. انتهى.
(وقالوا: بما روي عن ابن عمر عن النبي وَ(98)، يعني: حديثه المذكور في هذا الباب،

٦٢٦ كتاب الأحكام عن رسول الله وَاه / باب مَا جَاء في العَبْدِ يَكُونُ بَيْنَ الرَّجُليْنِ فَيَعْتِقُ أحَدُهُمَا نَصِيبَه
وهَذَا قَوْلُ أهْلِ المَدِينَةِ، وبِهِ يَقُولُ مَالِكُ بنُ أنَسٍ، والشَّافِعِيُّ، وأحْمَدُ.
(وهذا قولُ أهل المدينة، وبه يقول مالك بن أنس، والشافعي، وأحمد، وإسحاق). قال في
((الحاشية الأحمدية)): ليس في نسخة صحيحة ذكرُ إسحاق هاهنا، وهو الأنسب بما سبق.
انتھی .
واستدلَّ لهم بحديث ابن عمر المذكور في هذا الباب، وبأحاديث أخرى ذكرها الحافظ في
((الفتح)): وأجيب من قِبَلِهِمْ عن حديث أبي هريرة، بأن ذكرَ الاستسعاءِ فيه مدرج، ليس من كَلامِ
النبي ◌َّهه. وأجيب من جانب الأَوَّلِينَ عن حديث ابن عمر - رَ ◌ُبه -: بأن الذي يدلُّ فيه على تركَ
الاستسعاء هو قوله: ((وَإِلَّا فَقَدْ عُتِقَ مِنْهُ مَا عُتِقَ)). هو مدرجٌ، ليس من قول النبي ◌َّر .
قال الشوكاني في ((النيل)): والذي يظهرُ أن الحديثين صحيحان مرفوعان وفاقًا لصاحبي
الصحيح، ثم قال بعد ذكر مؤيدات لهاتين الزيادتين، فالواجبُ قبولُ الزيادتين المذكورتين في
حديث ابن عمر، وحديث أبي هريرة، وظاهرهما التعارضُ، والجمع ممكن، وقد جمعَ
البيهقيُّ بين الحديثين، بأن معناهما، أن المعسرَ إذا أعتق حِصَّتَهُ، لم يَسْرِ العتق في حِصَّةٍ
شريكه، بل تبقى حَصةُ شريكه على حالها وهي الرِّقُّ، ثم يستسعى العبد في عتق بقيته،
فيحصل ثمن الجزء الذي لشريك سيده، ويدفعه إليه، ويعتق، وجعلوه في ذلك كالمكاتب،
وهو الذي جزم به البخاري.
قال الحافظ: والذي يظهر أنه في ذلك باختياره، لقوله: ((غَيْر مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ))، فلو كان
ذلك على سبيل اللزوم، بأن يُكَلَّفَ العبدُ الاكتساب والطلب، حتى يحصل ذلك؛ لحصل له
غاية المشقة، وهي لا تلزمُ في الكتابة بذلك عند الجمهور؛ لأنها غير واجبة فهذه مثلها .
قال البيهقي: لا يبقى بين الحديثين بعد هذا الجمع معارضةٌ أصلًا. قال الحافظ: وهو
كما قال، إلا أنه يلزم منه أن يبقى الرِّقُّ في حِصَّةِ الشريك، إذا لم يختر العبدُ الاستسعاءَ،
فيعارضه حديثُ أبي المليح، يعني: بحديثه الذي يرويه عن أبيه، أن رجلًا من قومنا أعتق
شِقْصًا له من مملوكه، فرُفع ذلك إلى النبي بَّهِ، فجعل خلاصَهُ عليه في ماله، وقال: ((لَيْسَ لله
عَزَّ وَجَلَّ شَرِيكٌ))(١). رواه أحمد، وفي لفظ: ((هوَ حُرٌّ كُلَّهُ لَيْسَ لِلهِ شَرِيكٌ)). رواه أحمد،
ولأبي داود معناه(٢).
(١) أخرجه أحمد. حديث (٢٠١٨٦).
(٢) أخرجه أحمد. حديث (٢٠١٩٣)، وأبو داود، كتاب العتق. حديث (٣٩٣٣).

٦٢٧
كتاب الأحكام عن رسول الله وَيزر / باب مَا جَاء في العُمْرَى
١٥- باب مَا جَاء في العُمْرَى [ت١٥، ١٥٢]
[١٣٤٩] (١٣٤٩) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنّى، حَدَّثَنَا ابنُ أبي عَدِيٍّ، عَن سَعِيدٍ،
عَن قَتَادَةَ، عنِ الحَسَنِ، عَن سَمُرَةَ، أنَّ نَبِيَّ الله وَلِ قَالَ: ((العُمْرَى جَائِزَةٌ لأَهْلِهَا،
أُوْ مِيراثٌ لأهْلِهَا)). قَالَ:
قال الحافظ: ويمكن حمله على ما إذا كان المعتقُ غنيًا، أو على ما إذا كان جميعه له،
فأعتق بعضه. انتهى. وفي هذه المسألة كلام طويل من الجانبين، فإن شئتَ الوقوف عليه،
فعليك أن ترجع إلى «فتح الباري))، وغيره.
١٥ - باب مَا جَاءَ في العُمْرَى
بضم العين المهملة وسكون الميم مع القصر، قال الحافظ في ((الفتح)): وحُكي ضم
الميم مع ضم أوله، وحكي فتح أوله مع السكون. انتهى.
قال في ((النهاية)): يقال: أَعْمَرْتُهُ الدار عُمْرَى، أي: جعلتُها له يسكنها مدةَ عُمُرِهِ، فإذا
مات عَادَتْ إِليَّ، وكذا كانوا يفعلون في الجاهلية، فأبطل ذلك، وأعلمهم أن من أعمر شيئًا،
أو أرقبه في حياته فهو لورثته من بعده، وقد تعاضدت الرواياتُ على ذلك، والفقهاء فيها
مختلفون؛ فمنهم من يعملُ بظاهر الحديث، ويجعلها تمليكًا، ومنهم من يجعلها كالعارية،
ویتأول الحدیث. انتهى.
قلت: الجمهور على أن الْعُمْرَى إذا وقعت كانت ملكًا للآخذ، ولا ترجع إلى الأول،
إلا إن صرح باشتراط ذلك، ثم اختلفوا إلى ما يتوجه التمليك، فالجمهور أنه يتوجه إلى الرقبة
كسائر الْهِبَاتِ، حتى لو كان المعمرُ عبدًا، فأعتقه الموهوب له، نفذ بخلاف الواهب.
وقيل: يتوجه إلى المنفعة دون الرقبة، وهو قول مالك، والشافعي في القديم، وهل
يسلك به مسلك العارية، أو الوقف؟ روايتان عند المالكية. وعن الحنفية: التمليك في
العمرى يتوجّه إلى الرقبة، وفي الرقبى إلى المنفعة، وعنهم: إنها باطلة، كذا ذكره الحافظ.
قلت: ما ذهب إليه الجمهور هو الظاهرُ.
[١٣٤٩] قوله: (العمرى جائزة لأهلها) أي: لأهل العمرى، وهو المعمرُ له، (أو ميراث
لأهلها) شٌَّ من الراوي. وروى مسلم من حديث جابر مرفوعًا بلفظ: ((إِنَّ الْعُمرَى مِيرَاتٌ
لأَهْلِهَا)). وفيه دليلٌ على أن العمرى تمليكُ الرقبة والمنفعة، فهو حُجَّةٌ على مالك - رحمه الله

٦٢٨
كتاب الأحكام عن رسول الله وَّر / باب مَا جَاء في العُمْرَى
وفي الباب عَن زَيْدِ بنِ ثَابِتٍ، وجَابِرٍ، وأبي هُرَيْرَةَ، وعَائِشَةَ، وابنِ الزُّبَيْرِ، وَمُعَاوِيَةَ.
[م: ١٦٢٦، حم: ٩٩٧٢].
[١٣٥٠] (١٣٥٠) حَدَّثَنَا الأنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ عنِ ابنِ شِهَابٍ،
عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنِ جَابِرٍ، أنَّ النَّبِيَّ نَِّّهِ قَالَ: ((أيُّمَا رَجُلٍ أُعْمِرَ عُمْرَى لَهُ وَلِعَقِهِ،
فَإِنَّهَا لِلَّذِي يُعطَاهَا، لا تَرْجِعُ إلى الَّذِي أعْطَاهَا، لأنَّهُ أعْطَى عَطَاءً وَقَعَتْ فِيهِ
المَوَارِيثُ)). [م: ١٦٢٥، ن: ٣٧٤٨، د: ٣٥٥٣، جه بنحوه: ٢٣٨٠، حم: ١٤٦٥٩، طا: ١٤٧٩].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وهَكَذَا رَوَى مَعْمَرٌ وغَيرُ وَاحِدٍ عنِ
- في قوله: إن العمرى تمليكُ المنافع دون الرَّقَبَةِ. وحديث سمرة هذا أخرجه أحمد أيضًا،
وفي سماع الحسن من سمرة كَلَامٌ.
قوله: (وفي الباب عن زيد بن ثابت)(١)، أخرجه ابن حبان بلفظ: ((الْعُمْرَى سَبِيلُهَا سَبِيلُ
الْمِيرَاثِ)). (وجابر)(٢)، أخرجه مسلم، وغيره بألفاظ. (وأبي هريرة) (٣) أخرجه البخاري،
ومسلم بلفظ: ((الْعُمْرَى جَائِزَةٌ)). (وعائشة وابن الزبير، ومعاوية).
أما حديثُ ابن الزبيرُ(٤)، فأخرجه الطبراني، ذكره العيني في ((العمدة)»: وأما حديث
عائشة ومعاوية(٥) فلينظر من أخرجه.
[١٣٥٠] قوله: (أيما رجل أعمر) بصيغة المجهول، (عمرى) قال القاري: هو مفعولٌ
مطلق، (له) متعلق بـ ((أعمر))، والضمير للرجل، و(لعقبه) بكسر القاف، ويجوز إسكانها مع
فتح العين ومع كسرها، كما في نظائره، والعقب: هم أولادُ الإنسان ما تناسلوا، قاله
النووي. (فإنها) أي: العمرى، (للذي يعطاها) بصيغة المجهول؛ (لأنه أعطى) على بناء
الفاعل، وقيل: على بناء المفعول، (عطاء وقعت فيه المواريث) والمعنى: أنها صارت مِلْكًا
للمدفوع إليه، فيكون بعد موته لوارثه كسائر أملاكه، ولا ترجع إلى الدافع.
(١) أخرجه ابن حبان (٥٣٤/١١). حديث (٥١٣٢).
(٢) أخرجه مسلم، كتاب الهبات. حديث (١٦٢٥).
(٣) أخرجه البخاري، كتاب الهبة. حديث (٢٦٢٦)، ومسلم، كتاب الهبات. حديث (١٦٢٦).
(٤) أخرجه النسائي، كتاب العمرى. حديث (٣٧٤٣).
(٥) حديث معاوية، أخرجه أحمد. حديث (١٦٤٤١).

٦٢٩
كتاب الأحكام عن رسول الله وَإيزر / باب مَا جَاء في العُمْرَى
الزُّهْرِي، مِثْلَ روَايَةٍ مَالِكٍ، ورَوَى بَعْضُهُمْ عنِ الزُّهْرِي، وَلمْ يَذْكُرْ فِيهِ، وَلِعَقْبِهِ،
وروى هذا الحديث من غير وجه عَن جابر عنِ النَّبِيِّ وَّ قَالَ: «العُمْرَى جَائِزَةٌ
لِأَهْلِهَا)) وليس فيها: (لعقبه).
وهذا حديث حسن صحيح، والعملُ على هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أهْلِ العِلم، قَالُوا: إذَا
قَالَ: هِيَ لَكَ، حَيَاتَكَ وَلِعَقِبِكَ، فإنها لِمَنْ أُعْمِرَهَا، لا تَرْجِعُ إِلَى الأَوَّلِ، وإِذَا لَمْ
يَقُلْ، لِعَقِبِكَ، فَهِيَ رَاجِعَةٌ إلى الأولِ، إذا مَاتَ المُعْمَرُ، وهُوَ قَوْلُ مَالِكِ بنِ أنسٍ
والشَّافِعِي، ورُوِيَ مِن غَيْرِ وَجْهٍ عَنِ النَّبِيِّ نَِّ قَالَ: ((العُمْرَى جَائِزَةٌ لأهْلِهَا)) والعَمَلُ
عَلى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أهْلِ العِلم قَالُوا: إذَا مَاتَ المُعْمَرُ فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ، وإنْ لمْ تَجْعَلْ
لِعَقِبِهِ، وهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِي، وأحْمَدَ، وإِسْحَاقَ.
قوله: (هذا حديث صحيح) وأخرجه مسلم.
قوله: (والعمل على هذا) أي: على حديث جابر المذكور، (هي لك حياتك) بالنصب،
أي: الدار لك مدة حياتك، (ولعقبك) ولأودلاك، (فإنها لمن أعمرها) بصيغة المجهول. (لا
ترجع إلى الأول) أي: المعمر، (إذا مات المعمر) أي: المعمر له، (وهو قول مالك بن
أنس، والشافعي) وهو قولُ الزهري. واحتجوا بحديث جابر المذكور، فإن مفهومَ الشرط
الذي تضمنه ((أيما))، والتعليلُ يدلُّ على أن من لم يعمر له كذلك، لم يورث منه العمرى، بل
يرجع إلى المعطي، وبما روى مسلم(١) عن جابر - رَظُبه - موقوفًا: قال: (إِنَّمَا الْعُمْرَى التي
أُجَازَ رسولُ اللهِ وَّهِ أن يقول: هِيَ لَكَ وَلِعَقِكَ، فأما إذا قال: هِيَ لَكَ مَا عِشْتَ، فَإِنَّهَا تَرْجِعُ
إِلَى صَاحِبِهَا».
واعلم أن قولَ الشافعي هذا في القديم، كما صرح به الحافظ في ((الفتح))، وأما قوله في
الجديد فكقول الجمهور.
(وروي من غير وجه عن النبي ( 8في قال: العمرى جائزة لأهلها) أي: بدون ذكر:
((وَلِعَقِبِهِ)). (وهو قول سفيان الثوري، وأحمد، وإسحاق) وهو قول أبي حنيفة - رحمه الله -
والجمهور. واحتجوا بما روى مسلم(٢) عن جابر مرفوعًا: (أَنَّ الْعُمْرَى مِيرَاثٌ لأَهْلِهَا)). وبما
(١) أخرجه مسلم، كتاب الهبات. حديث (١٦٢٥).
(٢) أخرجه مسلم، كتاب الهبات. حديث (١٦٢٥).

٦٣٠
كتاب الأحكام عن رسول الله وَل﴿ / باب مَا جَاء في العُمْرَى
روى(١) هو عنه مرفوعًا: ((أَمْسِكُوا أَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ، لَا تُفْسِدُوهَا، فَإِنَّهُ مَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى فَهِيَ
للذي أَعْمَرَ حَيَّ وَمَيْتًا، وَلِعَقِبِهِ)). قال النووي - رحمه الله -: والمرادُ به إعلامهم أن العمرى
هبة صحيحة ماضية، يملكها الموهوبُ له ملكًا تامًّا، لا يعود إلى الواهب أبدًا، فإذا علموا
ذلك فمن شاء أعمر، ودخل على بَصِيرَةٍ، ومن شاء ترك؛ لأنهم كانوا يتوهّمون أنها
كالعارية، ويرجع فيها. وهذا دليل للشافعي وموافقيه. انتهى.
قال الحافظ في ((الفتح)) - بعد ذكر روايات العمرى المختلفة ما لفظه: فيجتمع من هَذِهِ
الروايات ثلاثةُ أحوال:
أحدها: أن يقول: هي لك ولعقبك، فهذا صريح في أنها للموهوبٍ له ولعقبه. ثانيها :
أن يقولَ: هي لك ما عِشْتَ فإذا مثَّ رجعت إليَّ، فهذه عارية مؤقتةٌ وهي صحيحةٌ، فإذا مات
رَجَعَتْ إلى الذي أَعْطَى، وقد بينت هذه، والتي قبلها روايةُ الزهري، وبه قال أكثر العلماء،
ورجحه جماعةٌ من الشافعية، والأصح عند أكثرهم: لا ترجع إلى الواهب، واحتجُّوا بأنه
شرطٌ فاسدٌ فلغى. ثالثها: أن يقول: أعمرتكها، ويطلق. فرواية أبي الزبير هذه، - يعني بها -
ما رواه مسلم عنه عن جابر قال: ((جعل الأنصار يعمرون المهاجرين، فقال النبي وَطيار:
أمسكوا عليكم أموالكم ولا تفسدوها، فإنه من أعمر عمرى، فهي للذي أعمرها حيًّا وميتًا
ولعقبه))، تدلُّ على أن حكمها حكمُ الأول، وأنها لا ترجع إلى الواهب. وهو قولُ الشافعي
في الجديد، والجمهور، وقال في القديم: العقدُ باطلٌ من أصله، وعنه كقول مالك. وقيل:
القديم عن الشافعي كالجديد. وقد روى النسائي (٢)، أن قتادة حكى أن سليمان بن هشام بن
عبد الملك سأل الفقهاء عن هذه المسألة، أعني: صورة الإطلاق، فذكر له قتادة عن الحسن
وغيره، أنها جَائِزَةٌ، وذكر له حديث أبي هريرة بذلك، قال: وذكر له عن عطاء عن جابر عن
النبي ◌ّ﴾ مثل ذلك، قال: فقال الزهري: إنما العمرى، أي: الجائزة، إذا أعمر له وَلِعَقِهِ من
بعده، فإذا لم يجعل عقبه من بعده، كان للذي يجعل شرطه.
قال قتادة: واحتجَّ الزهري بأن الخلفاء لا يقضون بها، فقال عطاء: قَضَى بها
عبدُ الملك بن مروان. انتهى.
(١) أخرجه مسلم، كتاب الهبات. حديث (١٦٢٥).
(٢) أخرجه النسائي، كتاب العمرى. حديث (٣٧٥٥).

٦٣١
كتاب الأحكام عن رسول الله وَّر / باب مَا جَاء في الرُّقْبَى
١٦ - باب مَا جَاء في الرُّقْبَى [ت١٦، ١٦٢]
[١٣٥١] (١٣٥١) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بنُ مَنِيع، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَن دَاوُدَ بنِ أبِي هِنْدٍ،
عَن أبي الزُّبَيْرِ، عَن جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((العُمْرَى جَائِزَة لِأهْلِهَا،
والرُّقْبَى جَائِزَةٌ لأهْلِهَا)). [جه بنحوه: ٢٣٨٣، ن: ٣٧٤٢، د: ٣٥٥٨، حم: ١٣٨٤٢].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حديثٌ حسنٌ، وقَدْ رَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَن أبي الزُّبَيْرِ بهذا
الإسناد، عَن جَابِرٍ مَوْقُونًا، ولم يرفعه، والعَمَلُ عَلى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أهْلِ العِلمِ مِن
أصْحَابِ النبيِ وَّهِ وغَيْرِهِمْ: أنَّ الرُّقْبَى جَائِزَةٌ مِثْلَ العُمْرَى، وهُوَ قَوْلُ أحْمَدَ،
وإِسْحَاقَ، وَفَرَّقَ بَعْضُ أهْلِ العِلمِ مِن أهْلِ الكُوفَةِ وغَيْرِهِمْ بَيْنَ العُمْرَى وَالرُّقْبَى،
فَأْجَازُوا العُمْرَى، وَلَمْ يُجِيزُوا الرُّقْبَى.
١٦ - باب مَا جَاءَ فيِ الرُّقْبَى
على وزن حُبْلَى، قال الجزري في ((النهاية)): الرقبى هو أن يقول الرجل للرجل: قد
وهبتُ لك هذا الدار، فإن مِثَّ قبلي رجعت إلى، وإن مِتُّ قبلك فهي لك، وهي فُعْلَى من
المراقبة؛ لأن كُلَّ واحد منهما يرقبُ موت صاحبه. انتهى.
قال القاري: الرقبى لا تصحّ عند أبي حنيفة ومحمد، وتصح عند أبي يوسف -
رحمهم الله. انتهى.
وقال الحافظ في ((الفتح)): العمرى والرقبى متحدا المعنى عند الجمهور. ومنع الرقبى
مالكٌ، وأبو حنيفة، ومحمد، ووافق أبو يوسف الجمهور. وقد روى النسائي (١) بإسناد
صحيح عن ابن عباس موقوفًا: ((الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى سَوَاء)). انتهى.
[١٣٥١] قوله: (العُمرى جائزة لأهلها) أي: لمن أعمر له، (والرقبى جائزة لأهلها) أي:
لمن أرقب له. وروى النسائي(٢) عن ابن عباس مرفوعًا بلفظ: ((الْعُمْرَى لِمَنْ أَعْمَرَهَا،
والرُّقْبَى لِمَنْ أَرْقَهَا، وَالْعَائِدُ فِي هِبَتِ كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ)).
قوله: (هذا حديث حسن) أخرجه الخمسة؛ كذا في ((المنتقى)).
قوله: (ولم يجيزوا الرقبى) وحديث الباب، وما في معناه حُجَّةٌ عليهم.
(١) أخرجه النسائي، كتاب الرقبى. حديث (٣٧١١). (٢) أخرجه النسائي، كتاب الرقبى. حديث (٣٧١٠).

٦٣٢
كتاب الأحكام عن رسول اللهوَ﴿ / باب مَا ذُكِرَ عَن رسولِ الله ◌َِّ فِي الصُّلْحِ بَيْنَ النَّاسِ
قَالَ أَبُو عِيْسَى: وَتَفْسِيرُ الرُّقْبَى أنْ يَقُولَ: هَذَا الشَّيءُ لَكَ مَا عِشْتَ، فَإِنْ مِثَّ
قَبْلِي فَهِيَ رَاجِعَةٌ إلَيَّ، وقالَ أحْمَدُ وإِسْحَاقُ: الرُّقْبَى مِثْلُ العُمْرَى، وهِيَ لِمَنْ
أُعْطِيَهَا، ولا تَرْجِعُ إِلَى الأوَّلِ.
١٧ - باب مَا ذُكِرَ عَن رسولِ الله ◌ِ في الصُّلْحِ بَيْنَ النَّاس [ت١٧، ١٧٢]
[١٣٥٢] (١٣٥٢) حَدَّثَنَا الحَسَنُ بنُ عَلِيٍّ الخَلالُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرِ العَقْدِيُّ،
حَدَّثَنَا كَثِيرُ بنُ عَبْدِ الله بنِ عَمْرِو بنِ عَوْفِ المُزنِيُّ عَن أَبِيهِ، عَن جَدِّهِ، أنَّ رَسُوْلَ الله
وَلِّ قَالَ: ((الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ المُسْلِمِينَ، إلَّا صُلْحًا حَرَّمَ حَلالًا أوْ أحَلَّ حَرَامًا،
والمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ، إلَّا شَرْطَا حَرَّمَ حَلالًا أوْ أحَلَّ حَرَامًا)). [جه مختصـ
٢٣٥٣، د مختصرًا: ٣٥٩٤، حم مختصرًا: ٨٥٦٦].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
قوله: (قال أحمد، وإسحاق: الرقبى، مثل العمرى، إلخ) وهو قولُ الجمهور، وهو
الظاهر، يدلُّ عليه حديثُ الباب، وفي الباب أحاديث ذكرها الزيلعي في ((نصب الراية)) في
باب «الرجوع في الهبة)).
١٧ - باب مَا ذْكِرَ عَنْ رَسُولِ اللـه ◌ُ لَه في الصُّلحِ بَيْنَ النَّاسِ
[١٣٥٢] قوله: (حدّثنا أبو عامر العقدي) بفتح العين المهملة والقاف، اسمه:
عبد الملك بن عمرو القيسي، ثقة، (حدّثنا كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني) قال
في ((التقريب)): ضعيف، من السابعة، منهم من كذَّبه.
قوله: (الصلح جائز بين المسلمين) خصهم، لا لإخراج غيرهم؛ بل لدخولهم في ذلك
دخولًا أوليًا؛ اهتمامًا بشأنهم، (إلا صلحًا حرم حلالًا) كمصالحة الزوجة للزوج على أَّا
يطلقها، أو لا يتزوج عليها، أو لا يبيت عند ضرَّتها، (أو أحل حرامًا) كالصلح على أكل مال
لا يحل أكله، أو نحو ذلك، (والمسلمون على شروطهم) أي: ثابتون عليها، لا يرجعون
عنها. (إلا شرطًا حرم حلالًا) فهو باطل، كأن يشترط ألا يطأ أمته أو زوجته، أو نحو ذلك،
(أو أحل حرامًا) كأن يشترط نصرة الظالم أو الباغي، أو غزو المسلمين.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه ابن ماجه، وأبو داود، وانتهت روايته عند

٦٣٣
كتاب الأحكام عن رسول الله وَلايز / باب مَا جَاء في الرَّجُلِ يَضَعُ عَلَى حَائِطِ جَارِهِ خَشَبًا
١٨ - باب مَا جَاء في الرَّجُلِ يَضَعُ عَلَى حَائِطِ جَارِهِ خَشَبًا [ت١٨، ١٨٢]
[١٣٥٣] (١٣٥٣) حَدَّثَنَا سَعِيدُ بنُ عَبْدِ الرَّحمنِ المَخْزُوْمِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بنُ
عُيَيْنَةَ عنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ الأعْرَجِ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ الله
وَّهِ: ((إِذَا اسْتَأْذَنَ أحَدَكُمْ جَارُهُ أنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً في جِدَارِهِ، فَلا يَمْنَعْهُ)). [خ بنحوه:
٢٤٦٣، م بنحوه: ١٦٠٩، د: ٣٦٣٤، جه: ٢٣٣٥، حم: ٧٢٣٦، طا بنحوه: ١٤٦٢].
فَلَمَّا حَدَّثَ أَبُو هُرَيْرَةَ، طَأَطَؤُوا رُؤُوسِهُمْ، فَقَالَ: مَا لِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ؟
قوله: ((شروطهم)). وفي تصحيح الترمذي هذا الحديث نظر؛ فإن في إسناده كثير بن عبد الله بن
عمرو بن عوف، وهو ضعيف جدًّا، قال فيه الشافعي، وأبو داود: هو ركنٌ من أركان
الكذب، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال ابن حبان: له عن أبيه عن جده نسخة موضوعة،
وتركه أحمد وقد نُوقش الترمذي في تصحيح حديثه، قال الذهبي: أما الترمذي فروى من
حديثه: الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وصحَّحه؛ فلهذا لا يعتمد العلماءُ على تصحيحه. وقال
ابن كثير في «إرشاده)): قد نوقش أبو عيسى، يعني: الترمذي في تصحيحه هذا الحديث وما
شاکله. انتھی.
واعتذر له الحافظ فقال: وكأنه اعتبر بكثرة طرقه؛ كذا قال الشوكاني في ((النيل)) وذكر فيه
طرقه، وقال بعد ذكرها: لا يخفى أن الأحاديثَ المذكورةَ والطرقَ يشهدُ بعضها لبعضٍ، فأقل
أحوالها أن يكونَ المتنُ الذي اجتمعت عليه حَسَنًا. انتهى.
١٨ - باب مَا جَاءَ في الرَّجُلِ يَضَعُ عَلَى حَائِطِ جَارِهِ خَشَبًا
[١٣٥٣] قوله: (أن يغرز) بكسر الراء، أي: يَضَعُ، (خشبة) بالإفراد، المراد به الجنس؛
لأنه قد وقع في «صحيح البخاري)) وغيره: خشبًا بالجمع، قال ابن عبد البر: روي اللفظان
في ((الموطإ)) والمعنى واحد؛ لأن المراد بالواحد الجنس. انتهى.
قال الحافظ: وهذا الذي يتعين للجمع بين الروايتين، وإلا فالمعنى قد يختلفُ باعتبار أن
أمرَ الخشبة الواحدة أخفُّ في مسامحة الجار بخلاف الخشب الكثير. انتهى.
(فلا يمنعه) بالجزم، استدلَّ به على أن الجدارَ إذا كان لواحد، وله جار فاستأذنه أن يَضَعَ
جذعه عليه، فليس له المنعُ. (فلما حدث أبو هريرة) أي: هذا الحديث (طأطؤوا) أي:
نكسوا، وفي رواية ابن عيينة عند أبي داود، ((فَتَكَّسُوا رُؤُوسَهُمْ)). (عَنْهَا) أي: عن هذه السنة،

٦٣٤
كتاب الأحكام عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاء في الرَّجُلِ يَضَعُ عَلَى حَائِطِ جَارِهِ خَشَبًا
وَالله لأرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ، قَالَ: وفي البابِ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ وَمُجَمّع بنِ جَارِيَةَ.
قَالَ أَبُو عِيْسَى: حديثُ أبي هُرَيْرَةَ، حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، والعَمَلُ عَلَى هذَا عِنْدَ
بَعْضِ أهْلِ العِلم، وبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ، وَرُوِي عَن بَعْض أهْلِ العِلم مِنْهُمْ مَالِكُ بنُ
أَنَسٍ، قَالُوا: لَهُ أَنْ يَمْنَعَ جَارَهُ أنْ يَضَعَ خَشَبَهُ فِي جِدَارِهِ، وَالقَوْلُ الأَوَّلُ أَصَحُّ.
أو عن هذه المقالة؛ (لأرمين بها) وفي رواية أبي داود: ((لأَلقِيَنَّهَا))، أي: لأشيعن هذه المقالة
فيكم، وَلَأَقْرِ عَنْكُم بِهَا؛ كما يُضرب الإنسانُ بالشَّيء بين كتفيه؛ ليستيقظ من غفلته.
وقال الخطابي: معناه: إن لم تقبلوا هذا الحكم وتعملوا به راضين؛ لأجعلنها، أي:
الخشبة على رقابكم كارهين. قال: وأراد بذلك المبالغة، وبهذا التأويل جزم إمام الحرمين
تبعًا لغيره، وقال: إن ذلك وقع من أبي هريرة حين كان يلي إمرةً المدينة. وقد وقع عند ابن
عبد البر: لأرمين بها بين أعينكم وإن كرهتم. وهذا يرجح التأويل المتقدم؛ كذا في ((الفتح)).
قوله: (وفي الباب عن ابن عباس)(١)، أخرجه ابن ماجه، (ومجمع بن جارية)(٢)،
أخرجه ابن ماجه، والبيهقي.
قوله: (حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح) أخرجه الجماعة إلا النَّسائي.
قوله: (وبه يقول الشافعي) وبه يقول أحمد، وإسحاق، وغيرهما من أهل الحديث، وابن
حبيب من المالكية؛ قاله الحافظ. وقد صرَّح هو بأن قول الشافعيَّ هذا في القديم، قال:
وعنه في الجديدِ قولان: أحدهما: اشتراط إذن المالك، فإن امتنع لم يُجبر. وهو قولُ
الحنفية. وحملوا الأمر في الحديث على النَّذْبِ، والنهي عن التنزيه؛ جمعًا بينه وبين
الأحاديث الدالة على تحريم مال المسلم إلا برضاه. انتهى.
(ومنهم مالك بن أنس، قالوا ...... إلخ) وبه قال أبو حنيفة - رحمه الله - والكوفيون.
(والقولُ الأول أصح) لأحاديث الباب، وأما الأحاديثُ القاضيةُ بأنه لا يحلُّ مالُ امرئٍ مسلم
إلا بطيبةٍ من نَفْسِه فعمومات، قال البيهقي: لم نجد في السُّنن الصحيحة ما يعارضُ هذا
الحكم إلا عمومات لا يستنكر أن يخصها، وحمل بعضُهم الحديث على ما إذا تقدم استئذان
(١) أخرجه ابن ماجه، كتاب الأحكام. حديث (٢٣٣٧).
(٢) أخرجه ابن ماجه، كتاب الأحكام. حديث (٣٣٣٦)، والبيهقي في (معرفة السنن والآثار)) (٥٤١/٤). حديث
(٣٧٦٧).

٦٣٥
كتاب الأحكام عن رسول الله وَ ◌ّه / باب مَا جَاء أَنَّ اليَمِينَ عَلَى مَا يُصَدِّقُهُ صَاحِبُه
١٩- باب مَا جَاء أنَّ اليَمِينَ عَلَى مَا يُصَدِّقُّهُ صَاحِبُه [ت١٩، م١٩]
[١٣٥٤] (١٣٥٤) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ وأحْمَدُ بنُ مَنِيع - المَعْنَى وَاحِدٌ - قالا: حَدَّثَنَا
هُشَيْمٌ عَن عَبْدِ الله بنِ أبي صَالِحٍ، عَن أَبِيهِ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله
﴿: ((اليَمِينُ عَلَى مَا يُصَدِّقُّكَ بِهِ صَاحِبُكَ)). وقال قتيبة: ((عَلَى مَا صَدَّقَكَ عَلَيْهِ
صَاحِبُكَ)). [م: ١٦٥٣، د: ٣٢٥٥، جه: ١٢٢١، حم: ٧٠٧٩، مي: ٢٣٤٩].
الجار؛ كما وقع في رواية لأبي داود(١) بلفظ: ((إِذَا اسْتَأْذَنَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ)). وفي رواية
لأحمد(٢): (مَنْ سَأَلَهُ جَارُه))؛ وكذا في رواية لابن حبان. فإذا تقدم الاستئذان لم يكن للجار
المنع، لا إذا لم يتقدم.
١٩ - باب مَا جَاءَ أَنَّ اليَمِينَ عَلَى مَا يُصَدِّقُّهُ صَاحِبُهُ
[١٣٥٤] قوله: (المعنى واحد) أي: في لفظ قتيبة، وأحمد بن منيع اختلاف، ومعنى
حديثهما واحد، (اليمين) أي: الحلف مبتدأ خبره قوله: (على ما يصدقك به صاحبك) قال
القاري: أي: خصمك ومدعيك ومحاورك. والمعنى: أنه واقعٌ عليه لا يؤثر فيه التورية، فإن
العبرة في اليمين بقصد المستحلف إن كان مستحقًّا لها، وإلا فالعبرةُ بقصدِ الحالف فله
التوريةُ. قال: هذا خلاصةُ كلام علمائنا من الشُّراح. انتهى كلام القاري.
وقال النووي في ((شرح مسلم)): هذا الحديثُ محمولٌ على الحلف باستحلاف القاضي،
فإذا ادعى رجلٌ على رجل، فحلَّفه القاضي فحلف، وَوَرَّى، فنوى غير ما نوى القاضي؛
انعقدت يمينُه على ما نواه القاضي، ولا ينفعه التورية، وهذا مجمعٌ عليه، ودليله هذا
الحديث والإجماع.
فأما إذا حَلفَ بغير استحلاف القاضي، وَوَرَّى، فتنفعه التوريةُ، ولا يحنث، سواء حلف
ابتداء من غير تحليف، أو حلفه غير القاضي، وغير نائبه في ذلك، ولا اعتبار بنية المستحلف
غير القاضي، واعلم أن التوريةَ وإن كان لا يحنث بها، فلا يجوز فعلها؛ حيث يبطل بها حَقُّ
مستحقِّ، وهذا مجمعٌ عليه، هذا تفصيل مذهب الشافعي وأصحابه. انتهى كلامه مختصرًا.
(١) أخرجه أبو داود، كتاب الأقضية. حديث (٣٦٣٤).
(٢) أخرجه أحمد. حديث (٩٦٤٥).

٦٣٦
كتاب الأحكام عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاء في الطَّرِيقِ إِذَا اخْتُلِفَ فِيهِ، كَمْ يُجْعَلُ؟
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حديثٌ حسنٌ غريبٌ، وَعَبْدُ الله بْنُ أبِي صَالِحِ هُوَ أخُو
سُهَيْلِ بْنِ أبِي صَالِح لا نَعْرِفُهُ إلَّا مِن حدِيثٍ هُشَيْم عَن عَبْدِ الله بنِ أبي صَالِحٍ،
والعَمَلُ عَلَى هذَا عِنْدَ بَعْضِ أهْلِ العِلم، وَبِهِ يَقولُ أحْمَدُ وَإِسْحَاقُ، وَرُوِيَ عَنِ
إبْرَاهِيمَ النَّخَعِي أَنَّهُ قَالَ: إِذَا كَانَ المُسْتَحِلِفُ ظَالمًا، فَالنِّيَّةُ نِيَّةُ الحَالِفِ، وإِذَا كَانَ
المُسْتَحْلِفُ مَظْلُومًا، فالنيَّةُ نِيَّةُ الّذِي اسْتَحْلَفَ.
٢٠ - باب مَا جَاء في الطَّرِيقِ إذَا اخْتُلِفَ فِيهِ، كَمْ يُجْعَلُ؟ [ت٢٠، ٢٠٢]
[١٣٥٥] (١٣٥٥) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَن المُثَنَّى بنِ سَعِيدِ الضُّبَعِيِّ،
عَن قَتَادَةَ عَن بَشِيرٍ بنِ نَهِيكٍ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((اجْعَلُوا
الطَّرِيقِ سَبْعَةَ أَذْرُع)). [جه: ٢٣٣٨].
[١٣٥٦] (١٣٥٦) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ بَشّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا
المُثَنَّى بِنُ سَعِيدٍ، عَن قَتَادَةَ، عَن بُشَيْرِ بنِ كَعْبِ العَدَوِيِّ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ
قوله: (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه مسلم، وأحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وفي
رواية لمسلم: ((الْيَمِينُ عَلَى نِيَّةِ الْمُسْتَحلفِ))، وهو بكسر اللام.
٢٠ - باب مَا جَاءَ في الطَّرِيقِ إِذَا اخْتُلِفَ فِيهِ، كَمْ يُجْعَل؟
[١٣٥٥] قوله: (عن بشير بن نهيك) بفتح النون وكسر الهاء وآخره كاف، وبشير بفتح
الموحدة، ثقة، من الثالثة.
قوله: (اجعلوا الطريق سبعة أذرع) قال الحافظ: الذي يظهر أن المراد بالذراع ذراع
الآدمي، فيعتبر ذلك بالمعتدل، وقيل: المرادُ بالذراع ذراع البنيان المتعارف. قال الطبري:
معناه أن يجعلَ قدر الطريق المشتركة سبعة أذرع، ثم يبقى بعد ذلك لكلِّ واحد من الشُّركاء
في الأرض قدر ما ينتفع به، ولا يضر غيره. والحكمةُ في جعلها سبعة أذرع؛ لتسلكها
الأحمال والأثقال، دخولًا وخروجًا، ولبيع ما لا بد لهم من طرحه عند الأبواب، والتحق
بأهل البنيان من قعد للبيع في حانة الطريق. فإن كانت الطريقُ أزيد من سبعة أذرع، لم يمنع
من القعود في الزائد، وإن كان أقل منع؛ لئلا يضيق الطريق على غيره. انتهى.
[١٣٥٦] قوله: (عن بشير بن كعب) بضم الموحدة وفتح الشين مصغرًا، مخضرم وثَّقه النسائي.

٦٣٧
كتاب الأحكام عن رسول الله وَاهِ / باب مَا جَاء في الطّرِيقِ إِذَا اخْتُلِفَ فِيهِ، كَمْ يُجْعَلُ؟
رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِذَا تَشَاجَرْتُمْ فِي الطَّرِيقِ فَاجْعَلُوه سَبْعَةً أُخْرُع)).
[خ بنحوه: ٢٤٧٣،
م بنحوه: ١٦١٣، د بنحوه: ٣٦٣٣، جه بنحوه: ٢٣٣٩، حم: ٩٧٨٥].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: وهَذَا أُصَحُّ مِن حَدِيثٍ وَكِيعٍ، قَالَ: وفِي البَابِ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ.
قَالَ أَبُو عِيْسَى: حديثُ بُشَيْرِ بنِ كَعْبِ العَدَوِي عَن أبي هُرَيْرَةَ، حديثٌ حسنٌ
صحيحٌ، وَرَوَى بَعْضُهُمْ هذَا عَن قَتَادَةَ، عَن بَشِيرٍ بنِ نَهيكٍ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، وَهُوَ
غَيْرُ مَحْفُوظٍ.
قوله: (إذا تشاجرتم) من المشاجرة بالمعجمة والجيم، أي: تنازعتم، وفي رواية مسلم:
((إِذَا اخْتَلَفْتُمْ)).
قوله: (فاجعلوه سبعة أذرع). قال النووي: أما قدر الطريق، فإن جعلَ الرجلُ بعض
أرضه المملوكة طريقًا مسبلة للمارين؛ فقدرها إلى خيرته، والأفضلُ توسيعها، وليس هذه
الصورة مرادة الحديث. وإن كان الطريقُ بين أرض لقوم، وأرادوا إحياءها، فإن اتفقوا على
شيء فذاك، وإن اختلفوا في قدره جعل سبعة أذرع؛ هذا مراد الحديث: أما إذا وجدنا طريقًا
مسلوكًا وهو أكثر من سبعة أذرع؛ فلا يجوز لأحد أن يستولي على شيء منه وإن قَلَّ. لكن له
عمارة ما حواليه من الموات، ويملكه بالإحياء، بحيث لا يضر الْمَارِّينَ. انتهى.
قوله: (وفي الباب عن ابن عباس)(١) أخرجه عبد الرزاق مرفوعًا بلفظ: ((إِذا اخْتَلَفْتُمْ فِي
الطَّرِيقِ الْمَيْتَاءِ، فَاجْعَلُوهَا سَبْعَةَ أَذْرُع)). وفي الباب عن عبادة بن الصامت(٢)، أخرجه
عبد الله بن أحمد في زيادات ((المسند)) والطبراني. وعن أنس، أخرجه ابن عدي(٣)، وفي كُلِّ
من الأسانيد الثلاثة مقال؛ قاله الحافظ.
قوله: (حديث بشير بن كعب، عن أبي هريرة حديث حسن صحيح) أخرجه الجماعة إلا
النَّسائي.
(١) أخرجه البيهقي (٦٩/٦). حديث (١١١٦٣).
(٢) أخرجه عبد الله بن أحمد في ((زوائد أحمد)). حديث (٢٢٢٧٢).
(٣) أخرجه ابن عدي (٣٣٩/٤) في ترجمة عباد بن منصور الناجي (١١٦٧).

٦٣٨
كتاب الأحكام عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاء في تَخْبِير الغُلام بَيْنَ أَبَوَيْهِ إِذَا افْتَرَقًا
٢١ - باب مَا جَاء في تَخْيير الغُلام بَيْنَ أبَوَيْهِ إذَا افْتَرَقًا [٢١٥، ٢١٢]
[١٣٥٧] (١٣٥٧) حَدَّثَنَا نَصْرُ بنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ زِيَادِ بنِ سَعْدٍ، عَن
هِلالِ بنِ أبي مَيْمُونَةَ الثَّعْلَبِيِّ، عَن أبي مَيْمُونَةَ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، أنَّ النَّبِيَّ وَّ خَيَّرَ
غُلامًا بَيْنَ أبِيهِ وَأَمِّهِ. قَالَ: وفي الباب عَن عَبْدِ الله بنِ عَمْرٍو، وجَدِّ عَبْدِ الحَمِيدِ بنِ
جَعْفَرٍ. [ن مطولًا: ٣٤٩٦، د مطولًا: ٢٢٧٧، جه: ٢٣٥١، حم بنحوه: ٩٤٧٩، مي مطولًا: ٢٢٩٣] .
٢١ - باب مَا جَاءَ في تَخْيِيرِ الْغُلاَمِ بَيْنَ أَبَوَيْهِ إذَا افْتَرَقًا
أي: بالطلاق.
[١٣٥٧] قوله: (خيَّر غلامًا) قال القاري: أي: ولدًا بلغ سِنَّ البلوغ، وتسميته غُلامًا
باعتبار ما كان، كقوله تعالى: ﴿وَءَاتُواْ الْيَّ أَمْوَهُمْ﴾ [النساء: ٢] وقيل: غلامًا مميزًا. انتهى.
قلت الظاهر: أن المراد الغلام المميز.
(بين أبيه وأمه) قال القاري: وهو مذهبُ الشافعي: وأما عندنا فالولدُ إذا صَارَ مستغنيًا،
بأن يأكل وحده، ويشرب وحده، ويلبس وحده، قيل: ويستنجي وحده، فالأب أحَقُّ به،
والخصاف قدَّر الاستغناء بسبع سنين، وعليه الفتوى.
قال ابن الهمام: إذا بلغ الغلامُ السنَّ الذي يكون الأبُ أحق به كسبع مثلًا؛ أخذه الأب،
ولا يتوقف على اختيار الغلام ذلك، وعند الشافعي: يخير الغلامُ في سبع أو ثمان، وعند
أحمد، وإسحاق، يخير في سبع، لهذا الحديث. انتهى.
قوله: (وفي الباب عن عبد الله بن عمرو)(١)، أخرجه أحمد، وأبو داود بلفظ: ((أن امرأة
قالت: يا رسول الله، إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وحجري له حواء،
وإن أباه طلقني، وأراد أن ينزعه مني، فقال رسول الله وَّةٍ: ((أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي)).
ورواه الحاكم وصحَّحه، (وجد عبد الحميد بن جعفر)(٢)، أخرجه أبو داود في الطلاق،
والنسائي في ((الفرائض)) عن عبد الحميد بن جعفر عن أبيه عن جده رافع بن سنان، أنه
(١) أخرجه أبو داود، كتاب الطلاق. حديث (٢٢٧٦)، وأحمد. حديث (٦٦٦٨)، والحاكم (٢٢٥/٢). حديث
(٢٨٣٠) وصححه، ووافقه الذهبي.
(٢) أخرجه أبو داود، كتاب الطلاق. حديث (٢٢٤٤)، والنسائي في ((الكبرى)) (٣٨١/٣). حديث (٥٦٨٩)،
وأحمد. حدیث (٢٢٢٤٥).

٦٣٩
كتاب الأحكام عن رسول الله وَالـ / باب مَا جَاء في تَخْبِير الغُلام بَيْنَ أَبَوَيْهِ إِذَا افْتَرَقًا
قَالَ أبُو عِيْسَى: حَدِيثُ أبي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وأبُو مَيْمُونَةَ اسْمُهُ:
سُلَيْمٌ، وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ مِن أَصْحَابِ النَّبِيِّ نَّهِ وَغَيْرِهِمْ،
قَالُوا: يُخَيَّرُ الغُلامُ بَيْنَ أبَوَيْهِ إذَا وَقَعَتْ بَيْنَهُمَا المُنَازَعة في الوَلَدِ، وَهُوَ قَوْلُ أحْمدَ
وإِسْحَاقَ، وَقالا: مَا كَانَ الوَلَدُ صَغِيرًا فَالأُمُّ أحَقُّ، فإذَا بَلَغَ الغُلامُ سَبْعَ سِنِينَ خُيْرَ
بَيْنَ ابَوَيْهِ.
أسلم، وأبت امرأته أن تسلم، فجاء بابن له صغير لم يبلغ، فأجلس النبي وّ ر الأب هاهنا،
والأم هاهنا ثم خَيَّرَهُ وقال: ((اللهم اهدِهِ)) فذهب إلى أبيه، ورواه أحمد والنسائي.
وفي رواية عن عبد الحميد بن جعفر قال: أخبرني أبي عن جدي رافع بن سنان، أنه
أسلم وأبت امرأتُه أن تسلم، فأتت النبي ◌َّ فقال: ابنتي وهي فطيم، أو شبههه. وقال رافع:
ابنتي، فقال رسول الله وَّهِ: ((اقعُدْ نَاحِيَةً)) وقال لها: ((اقعُدي نَاحِيَةً)) فأقعدت الصبية بينهما،
ثم قال: ((ادْعُوهَا)) - فمالت إلى أمها - فقال النبي ◌َّ: ((اللهم اهْدِهَا)) فمالت إلى أبيها،
فَأَخَذَهَا، رواه أحمد، وأبو داود. وعبد الحميد هذا هو: عبد الحميد بن جعفر بن عبد الله بن
رافع بن سنان الأنصاري.
قوله: (حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه،
وصحَّحه ابن حبان، وابن القطان.
قوله: (وأبو ميمونة اسمه: سُليم) بالتصغير، قال في ((التقريب)): أبو ميمونة الفارسي
المدني الأبار، قيل: اسمه سليم، أو سلمان، أو سلمى، وقيل: أسامة، ثقة، من الثالثة،
ومنهم من فرق بين الفارسي والأبار، وكل منهما مدني، يروي عن أبي هريرة، وقال في
((تهذيب التهذيب)): وقيل: إنه والد هلال بن أبي ميمونة، ولا يصحُّ، روى عن أبي هريرة
وغيره، وعنه هلال بن أبي ميمونة وغيره. وذكر الحافظ أسماء من فرق بين الفارسي، والأبار.
قوله: (والعمل على هذا عند بعض أهل العلم ... إلخ) قال الشوكاني في ((النيل)) تحت
حديث الباب: فيه دليلٌ على أنه إذا تنازع الأب والأم في ابن لهما كان الواجبُ هو تخييره،
فمن اختاره ذهب به.
وقد أخرج البيهقي(١) عن عمر: أنه خير غُلامًا بين أبيه وأمه، وأخرج أيضًا (٢) عن علي
(١) أخرجه البيهقي (٤/٨) حديث (١٥٥٤٠).
(٢) أخرجه البيهقي (٤/٨) حديث (١٥٥٣٩).

٦٤٠
كتاب الأحكام عن رسول الله ربَّه / باب مَا جَاء أنَّ الوَالِدَ بَأْخُذُ مِن مَالٍ وَلَدِه
هِلالُ بنُ أبي مَيْمُونَةَ هُوَ هِلالُ بنُ عَلِي بنٍ أُسَامَةَ، وهُوَ مَدَنِيٌّ، وقَدْ رَوَى عَنْهُ
يَحْيَى بنُ أبي كَثِيرٍ، ومَالِكُ بنُ أَنَسٍ، وفُلَيْحُ بنُ سُلَيْمَانَ.
٢٢ - باب مَا جَاء أنَّ الوَالِدَ يَأْخُذُ مِن مَالٍ وَلَدِه [ت٢٢، ٢٢٢]
[١٣٥٨] (١٣٥٨) حَدَّثَنَا أحْمَدُ بنُ مَنيع، حَدَّثَنَا يَحْيَى بنُ زَكَّرِيًّا بنِ أبي زَائِدَةَ،
حَدَّثَنَا الأعْمَشُ عَن عُمَارَةَ بنِ عُمَيْرٍ، عَن عَمَّتِهِ، عَن عَائِشَةَ، قَالَت: قَالَ رَسُولُ الله
وَلَه: ((إِنَّ أْيَبَ مَا أَكَلْتُمْ مِن كَسْبِكُمْ، وإنَّ أوْلادَكُمْ مِن كَسْبِكُمْ)). [ن بنحوه: ٤٤٦٢،
د بنحوه: ٣٥٢٨، جه: ٢٢٩٠، حم: ٢٤٧٦٨، مي بنحوه: ٢٥٣٧ ].
أنه خَيَّر عمارة الجدامي بين أمه وعمته، وكان ابن سبع، أو ثمان سنين، وقد ذهب إلى هذا
الشافعيُّ وأصحابه، وإسحاق بن راهويه، وقال: أحب أن يكون مع الأم إلى سبع سنين، ثم
يخير، وقيل: إلى خمس، وذهب أحمدُ إلى أن الصغير إلى دون سبع سنين؛ أمه أَوْلَى به،
وإن بلغ سبعَ سنين، فالذكر فيه ثلاث روايات: يخير، وهو المشهور عن أصحابه، وإن لم
يختر أُقرع بينهما. والثانية: أن الأب أحقُّ به. والثالثة: أن الأب أحق بالذكر، والأم بالأنثى
إلى تسع، ثم يكون الأب أحق بها، والظاهر من أحاديث الباب أن التخيير في حقِّ من بلغ
من الأولاد إلى سن التمييز هو الواجب، من غير فرق بين الذكر والأنثى، انتهى.
قوله: (وهلال بن أبي ميمونة هو هلال بن علي بن أسامة، وهو مدني) قال في ((تهذيب
التهذيب)): ويقال: هلال بن أبي ميمونة، وهلال بن أبي هلال العامري، مولاهم المدني،
وبعضهم نسبه إلى جده، فقال: ابن أسامة، وقال في ((التقريب)): ثقة، من الخامسة.
٢٢ - باب مَا جَاءَ أَنَّ الْوَالِدَ يَأْخُذُ من مَالٍ وَلَدِهِ
[١٣٥٨] قوله: (عن عمارة) بضم المهملة وخفة الميم المفتوحة؛ (بن عمير) بالتصغير،
التيمي: كوفي، ثقة، ثبت، من الرابعة، (عن عمته) لا تعرف، قاله ابن حبان، وسيأتي
كلامه. (إن أطيب ما أكلتم) أي: أحله وأهنأه، (من كسبكم) أي: مما كسبتموه من غير
واسطة، لقربه للتوكل، وكذا بواسطة أولادكم كما بينه بقوله: (وإن أولادكم من كسبكم)؛
لأن ولد الرجل بعضه، وحكم بعضه حكم نفسه، وسمي الولد كسبًا مجازًا، قاله المناوي،
وفي رواية عند أحمد: ((أَنَّ وَلدَ الرَّجُلِ من أَظْيَبٍ كَسْبِهِ، فَكُلُوا من أَمْوَالِهِمْ هَنيًا)» (١). وفي
(١) أخرجه أحمد، حديث (٢٤٩٩٥).