Indexed OCR Text
Pages 101-120
١٠١ كتاب الجنائز عن رسول الله وَإير باب مَا جَاءَ في الصَّلاةِ عَلَى المَيِّتِ في المَسْجِد عَن جَابِرِ عنِ النَّبِيِّ بَّهِ مَرْفُوعًا، ورَوَى أَشْعَتُ بنُ سَوَّارٍ وَغَيْرُ واحِدٍ عَن أبي الزُّبَيْرِ عَن جَابِرٍ مَوْقوفًا، وروى مُحمَّدُ بنُ إِسْحَاقَ، عَن عَطَاءِ بنِ أبي رَبَاحِ، عَن جابر موقوفًا، وكَأَنَّ هذا أصَحُّ مِنَ الحَدِيثِ المَرْفُوعِ، وقد ذَهَبَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ إلى هذا، قَالُوا: لا يُصَلَّى على الطِّفْلِ حَتَّى يَسْتَهِلَّ، وهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوَرِيِّ، والشَّافِعِيِّ. ٤٤- باب مَا جَاءَ في الصَّلاةِ عَلَى المَيِّتِ في المَسْجِد [ت٤٤، م٤٤] ١] (١٠٣٣) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بنُ حُجْرٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ مُحَمَّدٍ عَن والربيع ضعيفٌ، ورواه ابن أبي شيبة(١) من طريق أشعث بن سوار عن أبي الزبير موقوفًا، ورواه النسائي أيضًا، وابن حبان في ((صحيحه))، والحاكم(٢) من طريق إسحاق الأزرق، عن سفيان الثوري، عن أبي الزبير، عن جابر، وصححه الحاكم على شرط الشيخين ووهم؛ لأن أبا الزبير ليس من شرط البخاري وقد عنعن فهو علة هذا الخبر، إن كان محفوظًا عن سفيان الثوري، ورواه الحاكم أيضًا من طريق المغيرة بن مسلم عن أبي الزبير مرفوعًا، وقال: لا أعلم أحدًا رفعه عن أبي الزبير غير المغيرة، وقد وقفه ابن جريج وغيره، ورواه أيضًا من طريق بقية عن الأوزاعي عن أبي الزبير مرفوعًا. انتهى ما في ((التلخيص)). (وكأن هذا أصح من المرفوع) قال القاري في ((المرقاة)) - بعد ذكر كلام الترمذي هذا- ما لفظه: وأنت سمعت غير مرة أن المختار في تعارض الوقف والرفع تقديمُ الرفع لا الترجيح بالأحفظ والأكثر بعد وجود أصل الضبط والعدالة. انتهى كلام القاري. قلت: هذا ليس بمجمع عليه، ثم قد عرفت ما فيه من المقال. قوله: (وهو قول الثوري، والشافعي) وبه قال أصحاب الرأي، وهو قول مالك، والأوزاعي، كما عرفت في كلام الخطابي. وقال الشوكاني: هو الحق، وقد تقدم كَلَامُهُ. ٤٤ - بَابُ مَا جَاءَ في الصَّلَاةِ عَلَى الميِّتِ في المَسْجِدِ [١٠٣٣] (١) أخرجه ابن أبي شيبة (١١/٣)، حديث (١١٦٠٣). (٢) أخرجه ابن حبان (٣٩٢/١٣). حديث (٦٠٣٢)، والحاكم (٣٨٨/٤). حديث (٨٠٢٣)، والنسائي في «الكبرى» (٤/ ٧٧). حدیث (٦٣٥٨). ١٠٢ كتاب الجنائز عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاءَ في الصَّلاةِ عَلَى المَيِّتِ في المَسْجِد عَبْدِ الوَاحِدِ بنِ حَمْزَةَ عَن عَبَّادِ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ الزُّبَيْرِ عَن عَائِشَةَ قَالَت: صَلَّى رَسُولُ اللهِ وَّهِ عَلَى سُهَيْلٍ بِنِ بَيْضَاءَ في المَسجِدِ. [م: ٩٧٣، ن: ١٩٦٦، د: ٣١٨٩، جه: ١٥١٨، حم: ٢٣٩٧٨، طا: ٥٣٨]. قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ، والعملُ على هذا عِنْدَ بعضِ أهْلِ العِلْم، قَالَ الشَّافِعِيُّ: قَالَ مالِكٌ: لا يُصَلَّى على المَيِّتِ في المَسْجِدِ، وقالَ الشَّافِعِيُّ: يُصَلَّى عَلَى المَيِّتِ فِي المَسْجِدِ، واحْتَجَّ بِهَذَا الحَدِيثِ. قوله: (صلى رسول الله وَّ﴿ على سهيل بن البيضاء في المسجد) وفي رواية لمسلم: ((واللَّهِ، لقد صَلَّى رَسُولُ اللهِّهِ عَلَى ابْنَيْ بَيْضَاءَ في الْمَسْجِدِ: سُهَيْلٍ، وَأَخِيهِ». قال النووي: قال العلماء: بنو بيضاء ثلاثة إخوة: سهل، وسهيل، وصفوان، وأمهم: البيضاء، واسمها: دعد، والبيضاء وصف؛ وأبوهم: وهب بن ربيعة القرشي الفهري، وكان سهيل قديم الإسلام هاجر إلى ((الحبشة)) ثم عاد إلى ((مكة))، ثم هاجر إلى ((المدينة))، وشهد ((بدرًا)) وغيرها، توفي سنة تسع من الهجرة، انتهى كلام النووي. قوله: (هذا حديث حسن) أخرجه الجماعة إلا البخاري. قوله: (قال الشافعي: قال مالك: لا يصلى على الميت في المسجد) وهو قول ابن أبيٍ ذئب، وأبي حنيفة، وكل من قال بنجاسة الميت، واحتجوا بحديث أبي هريرة مرفوعًا: ((مَنْ صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَلَا شَيْءَ لَه)). رواه أبو داود(١)، وسيجيء بيان ما فيه من الكلام. واحتج بعضهم: بأن العمل استقر على ترك ذلك؛ لأن الذين أنكروا ذلك على عائشة - ﴿ُنا - كانوا من الصحابة. قال الحافظ ابن حجر: ورد بأن عائشة لما أنكرت ذلك الإنكار، سلَّمُوا لها، فدل على أنها حفظت ما نسوه. انتهى. قوله: (وقال الشافعي: يصلى على الميت في المسجد، واحتج بهذا الحديث) وبه قال أحمد، وإسحاق، وهو قول الجمهور، واستدلوا بحديث الباب، واستدل لهم أيضًا بأن النبي ونَ﴾ ((صَلَّى عَلَى النَّجَاشِيِّ بِالْمُصَلَّى))؛ كما في ((صحيح البخاري))(٢)، وللمصلى حكم المسجد فيما ينبغي أن يجتنب فيه، بدليل حديث أم عطية: ((ويعتزل الحيَّض المصلى)). (١) أخرجه أبو داود، كتاب الجنائز. حديث (٣١٩١). (٢) أخرجه البخاري، كتاب الجنائز. حديث (١٢٤٥). ١٠٣ كتاب الجنائز عن رسول الله وَل﴿ / باب مَا جَاءَ في الصَّلاةِ عَلَى المَيِّتِ في المَسْجِد قال الحافظ في ((فتح الباري)): وقد روى ابن أبي شيبة وغيره أن عمر صَلَّى على أبي بكر في المسجد، وأن صهيبًا صلى على عمر في المسجد، زاد في رواية: ((ووضعت الجنازة تُجَاهَ المنبر)). وهذا يقتضي الإجماعَ على جواز ذلك. انتهى. قلت: والحق هو الجوازُ. وأما حديث أبي داود المذكور، فأجيب عنه بأجوبة، قال النووي في ((شرح مسلم)): أجابوا عنه بأجوبة: أحدها: أنه ضعيف لا يصحُّ الاحتجاج به قال أحمد بن حنبل: هذا حديث ضعيف، تفرد به صالح مولى التوأمة وهو ضعيف. الثاني: أن الذي في النسخ المشهورة المحققة المسموعة من ((سنن أبي داود)): ((ومن صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَلَا شَيْءٍ عَلَيْهِ))، ولا حجة لهم حينئذ فيه. الثالث: أنه لو ثبت الحديث وثبت أنه قال: ((فلا شيء له)) لوجب تأويلُهُ على: ((فلا شيء عليه)) ليجمع بين الروايتين، وبين هذا الحديث وحديث سهيل بن بيضاء، وقد جاء ((له)) بمعنى ((عليه))، بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْمُ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧]. الرابع: أنه محمولٌ على نقص الأجر في حَقِّ من صَلَّى في المسجد، ورجع ولم يشيعها إلى المقبرة، لما فاته من تشييعه إلى المقبرة وحضور دفنه. انتهى كلام النووي. قلت: الظاهر: أن حديث أبي داود حسن. قال الحافظ في ((التقريب)): صالح بن نبهان المدني مولى التوأمة صدوق اختلط بآخره. قال ابن عدي: لا بأس برواية القدماء عنه كابن أبي ذئب، وابن جريج. انتهى. وروى أبو داود هذا الحديث من طريق ابن أبي ذئب، عن صالح مولى التوأمة، وقد ثبت أن عمر - ◌ُبه - صلى على أبي بكر في المسجد، وأن صهيبًا صلى على عمر - ◌َبه - في المسجد ولم ينكر أحد من الصحابة على عمر، ولا على صهيب، فوقع إجماع الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - على جواز الصلاة على الميت في المسجد، فلا بد من تأويل حديث أبي داود المذكور على تقدير أنه حسن، والله تعالى أعلم. ١٠٤ كتاب الجنائز عن رسول الله وَله / باب مَا جَاءَ أيْنَ يَقُومُ الإمَامُ مِن الرَّجُل والمَرأةِ؟ ٤٥- باب مَا جَاءَ أيْنَ يَقُومُ الإمَامُ مِن الرَّجُلِ والمَرأةِ؟ [ت٤٥، ٤٥٢] [١٠٣٤] (١٠٣٤) حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بنُ مُنِيرٍ، عَن سَعِيدِ بنِ عَامِرٍ، عَن هَمامٍ عَن أبي غَالِبٍ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ أنس بن مَالِكِ عَلَى جَنَازَةِ رَجُلٍ، فَقَامَ حِيَالَ رَأْسِهِ، ثُمَّ جَاؤُوا بِجَنَازَةِ امْرأة مِن قُرَيْشٍ، فقَالُوا: يا أبَا حَمْزَةً! صَلِّ عَلَيْهَا، فقَامَ حِيَالَ وَسَطِ السَّرِيرِ، فَقَالَ لَهُ العَلاءُ بنُ زِيَادٍ: هَكَذَا رَأيْتَ النبيَّ وَّهِقَامَ على الجَنَازَةِ مَقَامَكَ مِنْهَا، ومِنَ الرَّجُلِ مِقَامَكَ مِنْهُ؟ قَالَ: نَعَم، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: احْفَظُوا. [جه: ١٤٩٢، حم: ١٧٧٠، د بنحوه: ٣١٩٤]. وفي البابِ عَن سَمُرَةً. ٤٥ - باب مَا جَاءَ أَيْنَ يَقُومُ الْإِمَامُ مِنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ؟ [١٠٣٤] قوله: (على جنازة رجل) أي: عبد الله بن عمر - رَضْلُّه -، كما في رواية أبي داود. (فقام حيال رأسه) بكسر الحاء، أي: حذاءه ومقابله (بجنازة امرأة من قريش) وفي رواية أبي داود: المرأة الأنصارية. قال القاري: فالقضيةُ إما متعددة، وإما متحدة، فتكون المرأةُ قرشية، أنصارية. انتهى. (فقالوا) أي: أولياؤها (يا أبا حمزة) كنية أنس ظُبه (فقام حيال وسط السرير) بسكون السين وفتحه. قال الطيبي: الوسط بالسكون: يقال فيما كان متفرق الأجزاء، كالناس، والدواب، وغيره ذلك، وما كان متصل الأجزاء، كالدار، والرأس، فهو بالفتح. وقيل: كل منهما يقع موقع الآخر، وكأنه أشبه. وقال صاحب ((المغرب)): الوسط: بالفتح كالمركز للدائرة، وبالسكون داخل الدائرة. وقيل: ما يصلح فيه (بين)) فبالفتح، وما لا فبالسكون. انتھی. ووقع في رواية أبي داود ((فقام عِنْدَ عَجِيزَتِها)) قال في ((النهاية)): العجيزة: العَجُزُ، وهي للمرأة خاصَّة، والْعَجُزُ مُؤَخَّر الشيء. (هكذا رأيت) بحذف حرف الاستفهام. (قام على الجنازة) أي: من المرأة. قوله: (وفي الباب عن سمرة) (١) رواه الجماعة. (١) أخرجه البخاري، كتاب الحيض. حديث (٣٣٢)، ومسلم، كتاب الجنائز. حديث (٩٦٤)، والنسائي، كتاب = ١٠٥ كتاب الجنائز عن رسول الله وَليه / باب مَا جَاءَ أيْنَ يَقُومُ الإمَامُ مِن الرَّجُل والمَرأةِ؟ قَالَ أبُو عِيْسَى: حدِيثُ أنَسِ هذا، حديثٌ حسنٌّ، وقد رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ، عَن هَمَّامٍ مِثْلَ هذا، وَرَوَى وَكِيعٌ هذا الحَدِيثَ عَن هَمَّام فَوَهِمَ فيهِ فَقَالَ: عَن غَالِبٍ عَنِ أنَسٍ، والصَّحِيحُ عَن أبي غَالِبٍ، وَقَدْ رَوَى هَذَا الحَدِيثَ عَبْدُ الوَارِثِ بنُ سَعِيدٍ وغَيْرُ وَاحِدٍ عَن أبي غَالِبٍ مِثْلَ رِوَايَةِ هِمَّامٍ، واخْتَلَفوا في اسْم أبي غَالِبٍ هذا، فقَالَ بَعْضُهُم: يقال: اسمُهُ: نَافِعٌ ويُقَالُ: رَافِعٌ، وقد ذَهَبَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ إلى هَذَا، وهُوَ قَوْلُ أحمدَ، وإِسْحَاقَ. قوله: (حديث أنس حدیث حسن) وأخرجه أبو داود، وابن ماجه، وسكت عنه أبو داود، والمنذري، والحافظ في ((التلخيص))، قال الشوكاني: ورجال إسناده ثقات. قوله: (اختلفوا في اسم أبي غالب هذا ... إلخ) قال في ((التقريب)): أبو غالب الباهلي مولاهم الخياط، اسمه: نافع أو رافع، ثقة، من الخامسة، (وقد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا) أي: إلى أن الإمام يقوم حِذَاءَ رَأس الرجل، وحذاء عجيزة المرأة. (وهو قول أحمد، وإسحاق) وهو قول الشافعي، وهو الحق، وهو رواية عن أبي حنيفة. قال في ((الهداية)): وعن أبي حنيفة: أنه يقوم من الرجل بحذاء رأسه، ومن المرأة بحذاء وسطها؛ لأن أنسًا فعل كذلك، وقال: هو السنة. انتهى. ورجّح الطحاوي قول أبي حنيفة هذا على قوله المشهور، حيث قال في ((شرح الآثار)): قال أبو جعفر: والقول الأول أحب إلينا، لما قد شده الآثار التي روينا عن رسول الله اليه . انتھی. وذهب الحنفية: إلى أن الإمام يقوم بحذاء صدر الميت، رجلًا كان أو امرأة، وهو قولُ أبي حنيفة المشهور. قال مالك: يقوم حذاء الرأس منهما، ونقل عنه: أن يقوم عند وسط الرجل، وعند مَنْكبَي المرأة. وقال بعضُهم: حذاء رأس الرجل، وثدي المرأة، واستدل بفعل علي - ته - وقال بعضهم: إنه يستقبل صدر المرأة، وبينه وبين السُّرَّةِ من الرجل. الجنائز. حديث (١٩٧٦)، والترمذي، كتاب الجنائز. حديث (١٠٣٥)، وأبو داود، كتاب الجنائز. حديث (٣١٩٥)، وابن ماجه، كتاب ما جاء في الجنائز. حديث (١٤٩٣). ١٠٦ كتاب الجنائز عن رسول اللّه وَلِ / باب مَا جَاءَ في تَرْكِ الصَّلاةِ على الشَّهِيد [١٠٣٥] (١٠٣٥) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بنُ حُجْر، أْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بنُ المُبَارَكِ، والفَضْلُ بنُ مُوسَى عَن الحُسَيْنِ المُعَلَّم عَن عَبْدِ الله بن بُرَيْدَةَ، عَن سَمُرَةَ بنِ جُنْدُبِ: أنَّ النَّبِيَّ وَلـ صَلَّى على امْرَأةٍ فَقَامَ وَسَطَهَا. [خ: ٣٣٢، م: ٩٦٤، جه: ١٤٩٣، ن بنحوه: ٣٩١، د: ٣١٩٥]. قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وقد رَوَاه شُعْبَةُ عَن الحُسَيْنِ المُعَلِّمِ. ٤٦- باب مَا جَاءَ في تَرْكِ الصَّلاةِ على الشَّهِيد [ت٤٦، م٤٦] [١٠٣٦] (١٠٣٦) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بنُ سعيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَن ابنِ شِهَاب عَن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ كَعْبٍ بِنِ مَالِكِ أنَّ جَابِرَ بنَ عَبْدِ الله أخْبَرَهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌ََّ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِن قَتْلَى أُحُدٍ فِي الثَّوْبِ الوَاحِدِ، ثُمَّ يَقُولُ: وقال الشوكاني بعد ذكر هذه الأقوال: وقد عرفت أن الأدلة دلت على ما ذهب إليه الشافعي، وأن ما عداه لا مستند له من المرفوع إلا مجرد الخطأ في الاستدلال، أو التعويل على مَخْضٍ الرأي، أو ترجيح ما فعله الصحابي على ما فعله النبي وَّر، وإذا جاء نَهْرُ الله بَطَلَ نَهْرُ مَعْقِلٍ، نعم لا ينتهض مجرد الفعل دليلًا للوجوب، ولكن النزاع فيما هو الأولى والأحسن، ولا أولى ولا أحسن من الكيفية التي فعلها المصطفى بَّر . انتهى كلام الشوكاني. [١٠٣٥] قوله: (فقام وسطها) المراد بوسطها: عجيزتها، كما يدل عليه رواية أبي داود. وأما قول الشيخ ابن الهمام: هذا لا ينافي كونه الصدر، بل الصدر وسط، باعتبار توسط الأعضاء، إذ فوقه يداه ورأسه، وتحته بطنه وفخذاه، ويحتمل أنه وقف كما قلنا إلا أنه مال إلى العورة في حقها، فظن الراوي ذلك، لتقارب المحلين، فمما لا التفات إليه، بعد ما ثبت أنه وَّ ه كان يقوم حذاء رأس الرجل، وحذاء عجيزة المرأة. قوله: (هذا حديث حسن صحيح) أخرجه الجماعة. ٤٦ - بَابُ مَا جَاءَ في تَرْكِ الصَّلَاةِ عَلَى الشَّهِيدِ المرادُ بالشهيد: قتيل المعركة في حرب الكفار؛ ففي الصلاة عليه اختلاف مشهور؛ كما ستقف عليه . [١٠٣٦] قوله: (كان يجمع بين الرجلين من قتلى أُحُدٍ في الثوب الواحد) أي: للضرورة، ولا يلزم منه تلاقي بَشرتِهما؛ إذ يمكن حيلولتهما بنحو إذخر، مع احتمال أن ١٠٧ كتاب الجنائز عن رسول الله وَليه / باب مَا جَاءَ في تَرْكِ الصَّلاةِ على الشَّهِيد (أيُّهُمَا أكْثَرُ أَخْذًا لِلِقُرْآنِ؟)) فَإِذَا أُشِيرَ لهُ إلى أحَدِهِمَا قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ، وَقَالَ: ((أنَا شَهِيدٌ على هَؤُلاءِ يَوْمَ القِيَامَةِ)) وَأمَرَ بِدَفْنِهِمْ فِي دِمَائِهِمْ، ولَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِم، ولَمْ يُغَسَّلُوا. [خ: ١٣٤٣، ن: ١٩٥٤، د: ٣١٣٨، جه: ١٥١٤]. قال: وفي البابِ عَن أنَسٍ بنِ مَالِكٍ. قَالَ أبُو عِيْسَى: حديثُ جَابِرٍ، حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وقد رُوِيَ هذا الحَدِيثُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَن أَنَسٍ عنِ النَّبِيِّ وَّ، الثوب كان طويلًا، فأدرجا فيه، ولم يفصل بينهما؛ لكونهما في قبر واحد. (أيهما أكثر حفظًا للقرآن) وفي بعض النسخ، ((أخْذًا لِلْقُرآنِ)). (قدمه) أي: ذلك الأحد. (في اللحد) بفتح اللام، وسكون الحاء، أي: الشق في عرض القبر جانب القِبْلَةِ. (وقال: أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة) في ((المرقاة)) قال المظهر: أي: أنا شفيع لهم، وأشهد أنهم بذلوا أرواحهم في سبيل الله. انتهى. وأشار إلى أن ((على)) بمعنى ((اللام)). قال الطيبي: تعديته بـ ((على)) تدفع هذا المعنى، ويمكن دفعه بالتضمين؛ ومنه قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾ [البروج: ٩]. انتهى ما في ((المرقاة)) مختصرًا. (ولم يُصَلِّ عليهم) قال الحافظ في ((فتح الباري)): هو مضبوط في روايتنا بفتح اللام، وهو اللائق بقوله بعد ذلك: ((ولم يغسلوا))، وسيأتي بعد بابين من وجه آخر عن الليث بلفظ: (وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ))، وهذه بكسر اللام، والمعنى ولم يفعل ذلك بنفسه ولا بأمره. انتهى كلام الحافظ. قوله: (وفي الباب عن أنس بن مالك)(١) أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي، بلفظ: (إِنَّ شُهَدَاءَ أُحُدٍ لَمْ يُغَسَّلُوا، وَدُفِنُوا بِدِمَائِهِمْ، وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ)). قوله: (حديث جابر حديث حسن صحيح) أخرجه البخاري، والنسائي، وابن ماجه. قوله: (وقد روي هذا الحديث عن الزهري عن أنس)(٢) أخرجه أبو داود، والترمذي من طريق أسامة بن زيد الليثي، وأسامة سَيِّئُ الحفظ، وقد حكى الترمذي في ((العلل)) عن (١) أخرجه أبو داود، كتاب الجنائز. حديث (٣١٣٥)، والترمذي، كتاب الجنائز. حديث (١٠١٦). (٢) أخرجه أبو داود، كتاب الجنائز حديث (٣١٣٧)، والترمذي، كتاب الجنائز، حديث (١٠١٦). ١٠٨ كتاب الجنائز عن رسول الله وَه / باب مَا جَاءَ في تَرْكِ الصَّلاةِ على الشَّهِيد ورُوِيَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَن عَبْدِ الله بن ثَعْلَبَةَ بن أبي صُعَيْرٍ، عنِ النَّبِيِّ بََّ، ومِنْهُمْ مَن ذَكَرَهُ عَن جَابِرٍ، وقد اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْم في الصَّلاةِ على الشَّهِيدِ فقالَ بَعْضُهُمْ: لا يُصَلَّى على الشَّهِيدِ، وهُوَ قَوْلُ أهْلِ المَدِينَةِ، وبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ وأحمدُ. وقالَ بَعْضُهُمْ: يُصَلَّى على الشَّهِيدِ، واحْتَجُوا بِحَدِيثِ النَّبِّ وَِّ، أَنَّهُ صَلَّى على حَمْزَةَ وهو قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وأهْلِ الكُوفَةِ، وبِهِ يَقُولُ إِسْحَاقُ. البخاري؛ أن أسامة غلط في إسناده، كذا في ((فتح الباري)). (وروي عن الزهري عن عبد الله بن ثعلبة بن أبي صُعَيْر عن النبي وَلٍ ... إلخ) أخرجه أحمد (١) من طريق محمد بن إسحاق، والطبراني من طريق عبد الرحمن بن إسحاق وعمرو بن الحارث؛ كلهم عن ابن شهاب عن عبد الله بن ثعلبة، وعبد الله له رواية، فحديثه من حيث السماع مرسل، وقد رواه عبد الرزاق عن معمر، فزاد فيه جابرًا، [وهو مما يقوي اختيار البخاري، فإن ابن شهاب صاحب حديث] فيحمل على أن الحديث عنده عن شيخين؛ كذا في ((فتح الباري)). والمراد بقوله: ((عن شيخين)): عبد الرحمن بن كعب ـ كما في رواية الباب - وعبد الله بن ثعلبة، كما في رواية أحمد والطبراني. (ومنهم من ذكره عن جابر)؛ كما في رواية عبد الرزاق. قوله: (فقال بعضهم: لا يصلَّى على الشهيد؛ وهو قول أهل المدينة، وبه يقول الشافعي، وأحمد). قال الشافعي في ((الأم)): جاءت الأخبار كأنها عيان من وجوه متواترة؛ أن النبي ◌َّ لم يُصَلِّ على قتلى ((أحد))، وما روي أنه صلى عليهم، وَكَبَّرَ على حمزة سبعين تكبيرة؛ لا يصح، وقد كان ينبغي لمن عارض بذلك هذه الأحاديث الصحيحة أن يستحي على نفسه، قال: وأما حديث عقبة بن عامر، فقد وقع في نفس الحديث؛ أن ذلك كان بعد ثَمَانِ سنين؛ يعني: والمخالف يقول: لا يُصَلَّى على القبر إذا طالت المدة قال: وكأنه ◌َّ دعا لهم، واستغفر لهم حين قرب أجلهُ مُوَدِّعًا لهم بذلك، ولا يدل ذلك على نسخ الحكم الثابت. انتهى. قلت: أخرج البخاري في ((صحيحه)) (٢) في غزوة ((أحد)) عن عقبة بن عامر قال: صَلَّى رَسُولُ اللهِ وَّهِ عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ بَعْدَ ثَمَانِ سِنِين؛ كَالْمُودِّعِ لِلأَحْيَاءِ وَالأَمْواتِ. (وقال بعضهم: يصلى على الشهيد، واحتجوا بحديث النبي وَلقر؛ أنه صلى على حمزة، وهو قول الثوري، وأهل الكوفة؛ وبه يقول إسحاق) حديث الصلاة على حمزة الذي أشار إليه (١) أخرجه أحمد. حديث (٢٣١٤٤). (٢) أخرجه البخاري، كتاب المغازي. حديث (٤٠٤٢). ١٠٩ كتاب الجنائز عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاءَ فِي تَرْكِ الصَّلاةِ على الشَّهِيد الترمذي: أخرجه الحاكم(١) من حديث جابر قال: ((فَقَدَ رَسُولُ اللهِوَهِ حَمْزَةَ حِينَ جَاءَ النَّاسُ مِنَ القِتَالِ. فَقَالَ رَجُلٌ: رَأَيْتُهُ عِنْدَ تِلْكَ الشُّجَيْرات، فلمَّا رَآهُ وَرَأى ما مُثِّلَ بِهِ شَهِقَ وَبكى، فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الأنصَارِ فَرَمَى عَلَيهِ بِثَوبٍ، ثُمَّ جِيءٍ بِحَمْزَةَ فَصَلَّى عليهِ ... )) الحديث، وفي إسناده: أبو حماد الحنفي وهو متروك. وأخرج أبو داود في ((المراسيل)) والحاكم (٢) من حديث أنس قال: ((مَرَّ النَّبِيُّ نَّ عَلَى حَمْزَةَ وَقَدْ مُثِّلَ بِهِ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الشُّهَدَاءِ غَيْرُهُ)). وأَعَلَّه البخاري، والترمذي، والدارقطني؛ بأنه غلط فيه أسامة بن زيد، فرواه عن الزهري عن أنس. ورجحوا رواية الليث، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن جابر. وأخرج ابن إسحاق(٣) عن ابن عباس قال: ((أَمَرَ رَسُولُ اللهِنَّهِ بِحَمْزَةَ فَسُجِّيَ بِرُدْةٍ، ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهِ وَكَبَّرَ سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ، ثُمَّ أَتِيَّ بِالْقَتْلَى، فيوضَعُون إِلَى حَمْزَةٍ، فَيُصَلِّي عَلَيْهِمْ وَعَلَيْهِ مَعَهُمْ، حَتَّى صَلَّى عَلَيْهِ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ صَلاةً)) وفي إسناده رجل مبهم؛ لأن ابن إسحاق قال: حدثني من لا أتهم عن مقسم - مولى ابن عباس - عن ابن عباس. قال السهيلي: إن كان الذي أبهمه ابن إسحاق هو الحسن بن عمارة فهو ضعيف، وإلا فهو مجهول لا حجة فيه. قال الحافظ: الحامل للسهيلي على ذلك ما وقع في ((مقدمة مسلم)) (٤) عن شعبة، أن الحسن بن عمارة حدثه عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس: ((أن النبيَّ ◌َلِّ صَلَّى عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ)) فَسَأَلْتُ الحَكَّمَ، فقال: لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ. انتهى. قال الشوكاني: لکن حديث ابن عباس رُوي من طرق أخرى فذكرها . واعلم: أن في الصلاة على قتلى أحد، وعلى حمزة أحاديث أخرى، لكن لا يخلو واحد منها عن كلام. قال ابن تيمية في ((المنتقى)): وقد رويت الصلاة عليهم - يعني: على شهداء ((أحد)) - بأسانيد لا تثبت. انتهى. (١) أخرجه الحاكم (١٣٠/٢). حديث (٢٥٥٧). (٢) أخرجه أبو داود في ((المراسيل)) (٤٠٢)، الحاكم (٥١٩/١). حديث (١٣٥١). (٣) انظر: ((سيرة ابن هشام)) (٤٦/٤)، و(«البداية والنهاية)) (٤٠/٤). (٤) مسلم في ((مقدمة صحيحه)) باب الإسناد من الدين. ١١٠ كتاب الجنائز عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاءَ في تَرْكِ الصَّلاةِ على الشَّهِيد ثم اعلم: أنه لم يرد في شيء من الأحاديث؛ أنه وَ جَ صلَّى على شهداء ((بدر))، ولا أنه لم يصل عليهم، وكذلك في شهداء سائر المشاهد النبوية، إلا ما روى النسائي في ((سننه))، والطحاوي عن شداد بن الهاد(١) - رَُّبه -: ((أنَّ رَجُلًا مِنَ الأَعْرَابِ جَاء إِلَى النَّبِيِّ وَِّ فَآمَنَ بِهِ وَاتَّبَعَهُ ... )) الحديث، وفيه: ولكني اتبعتك على أن أُرمى إلى ها هنا - وأشار إلى حَلْقه - بسهم، فأموت، فأدخل الجنة. فقال: ((إِنْ تَصْدُقِ الله يَصْدُفْكَ)) فلبثوا قليلًا، ثم نهضوا في قتال العدو، فأتي به النبي وَّلَم يحمل قد أصابه سهم حيث أشار، فقال النبي ◌ٍَّ: ((أَهُوَ هُوَ))؟ قالوا: نعم. قال: ((صَدَقَ الله فَصَدَقَهُ)). ثم كَفَّنَهُ النبيُّ ◌َهُ فِي جُبَّةِ النبيِّ وَّهِ ثُمَّ قَدَّمَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ، فكان مما ظهر من صلاته: ((اللهم هذَا عَبْدُكَ، خَرَجَ مُهَاجِرًا فِي سَبِيلكَ، فَقُتِلَ شهِيدًا، أَنَا شَهِيدٌ عَلَى ذلِكَ)). وما روى أبو داود في ((سننه))(٢) عن أبي سلام عن رجل من أصحاب النبي وَّ قال: ((أغرنا على حَيٍّ من جهينة)) فطلب رجل من المسلمين رجلًا منهم فضربه، فأخطأه وأصاب نفسه، فقال رسول الله وَله: ((أَخُوكم يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ))، فابتدره الناس، فوجدوه قد مات. فلقَّه رسول الله وَلّهِ بثيابه ودمائه، وصلّى عليه ودفنه. فقالوا: يا رسول الله، أشهيد هو؟ قال: (نَعَمْ وَأَنَا لَهُ شَهِيدٌ)) . قال الشوكاني في ((النيل)): سكت عنه أبو داود، والمنذري، وفي إسناده: سلام بن أبي سلام؛ وهو مجهول. وقال أبو داود - بعد إخراجه عن سلام المذكور -: إنما هو عن زيد بن سلام؛ عن جده: أبي سلام. انتهى. وزيد ثقة، انتهى ما في ((النيل)). وقد استدل بهذين الحديثين أيضًا لمن قال بالصلاة على الشهيد. قال الشوكاني: أما حديث أبي سلام: فلم أقف للمانعين من الصلاة على جواب عليه، وهو من أدلة المثبتين؛ لأنه قتل في المعركة بين يدي رسول الله وَ له، وسماه شهيدًا وصلى عليه، نعم لو كان النفي عامًّا غير مقيَّد بوقعة أحد، ولم يرد في الإثبات غير هذا الحديث؛ لكان مختصًّا بمن قتل مثل صفته. انتهى. وأما حديث شداد بن الهاد: فهو أيضًا من أدلة المثبتين؛ فإنه قتل في المعركة، وسماه شهيدًا وصلَّى عليه. ولكن حمل البيهقي هذا على أنه لم يَمُتْ في المعركة. (١) أخرجه النسائي، كتاب الجنائز. حديث (١٩٥٣)، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (١ / ٥٠٦). (٢) أخرجه أبو داود، كتاب الجهاد. حديث (٢٥٣٩). ١١١ كتاب الجنائز عن رسول الله وَّر / باب مَا جَاءَ في تَرْكِ الصَّلاةِ على الشَّهِيد قلت: والظاهر عندي: أن الصلاة على الشهيد ليست بواجبة، فيجوز أن يصلى عليها، ويجوز تركها. والله تعالى أعلم. وروى الماوردي عن أحمد: الصلاة على الشهيد أجود، وإن لم يصلوا عليه أَجْزَاً، ذكره الحافظ في ((الفتح)). واختار الشوكاني الصلاة على الشهيد، وأجاب عن كلام الإمام الشافعي الذي ذكره في ((الأم)). فائدة: قال الشوكاني في ((النيل)): قد اختلف في الشهيد الذي وقع الخلاف في غسله، والصلاة عليه، هل هو مختصٌّ بمن قتل في المعركة، أو أعم من ذلك؟ فعند الشافعي: أن المراد بـ ((الشهيد)) قتيل المعركة في حرب الكفار، وخرج بقوله: ((في المعركة)) مَنْ جُرح في المعركة، وعاش بعد ذلك حياة مستقرة، وخرج بـ ((حرب الكفار)) مَنْ مات في قتال المسلمين، كأهل البغي. وخرج بجميع ذلك مَنْ يُسَمَّى شهيدًا بسبب غير السبب المذكور. ولا خلاف أن من جمع هذه القیود شھید. وروي عن أبي حنيفة، وأبي يوسف ومحمد: أن من جرح في المعركة إن مات قبل الارتثاث؛ فشهيد. والارتثاث: أن يحمل، ويأكل أو يشرب، أو يوصي، أو يبقى في المعركة يومًا وليلة حيًّا . وذهبت الهادوية: إلى أن مَنْ جُرح في المعركة يقال له: شهيد، وإن مات بعد الارتثاث، وأما من قتل مدافعًا عن نفس أو مال أو في المصر ظُلْمًا: فقال أبو حنيفة، وأبو يوسف: إنه شهيد، وقال الشافعي: إنه وإن قيل له: شهيد، فليس من الشهداء الذين لا يغسَّلون. وذهبت العترة، والحنفية والشافعي في قول له: إن قتيل البغاةِ شهيد. قالوا: إذ لم يغسل عليٍّ أصحابه، وهو توقيف. انتهى كلام الشوكاني. ١١٢ كتاب الجنائز عن رسول الله وَليه / باب مَا جَاءَ في الصَّلاةِ عَلَى القَبْر ٤٧- باب مَا جَاءَ في الصَّلاةِ عَلَى القَبْرِ [ت٤٧، ٤٧٢] [١٠٣٧] (١٠٣٧) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بنُ مَنِيع، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أْبَرَنَا الشَّيْبَانِيُّ، حَدَّثَنَا الشّعْبِيُّ قال: أخْبَرَنِي مَن رأى النبيَّ بَّهِ وَرأى قَبْرًا مُنْتَبِذًا، فَصَفَّ أصْحَابَهُ خَلْفَهُ، فَصَلَّى عَلَيْهِ فَقِيلَ لَهُ: من أخْبَرَكَ؟ فَقَالَ: ابنُ عَبَّاسٍ. [خ: ٨٥٧، م بنحوه: ٩٥٤، ن: ٢٠٢٢، د بنحوه: ٣١٩٦، حم: ٣١٢٤]. قَالَ: وفي البابِ عَن أَنَسٍ، ويُرَيْدَةَ، ويَزِيدَ بنِ ثابِتٍ، وأبي هُرَيْرَةَ، ٤٧ - بَابُ مَا جَاءَ في الصَّلاةِ عَلَى الْقَبْرِ [١٠٣٧] قوله: (أخبرنا الشيباني) هو: سليمان بن أبي سليمان أبو إسحاق الشيباني. (أخبرنا الشعبي) هو: عامر بن شراحيل الشعبي من كبار التابعين. قال: أدركت خمس مئة من الصحابة. (ورأى قبرًا منتبذًا) قال في ((النهاية)): أي: مُنْفَرِدًا عن القبور بعيدًا عنها. (فصف أصحابه فصلى عليه) أي: على القبر، وفي رواية البخاري: ((فأمَّهم وصلُّوا خلفه» . (فقيل له) أي: للشعبي (من أخبرك) أي: بهذا الحديث. (فقال ابن عباس) أي: فقال الشعبي: أخبرني ابن عباس: وفي رواية البخاري: قلت: من حَدَّثَكَ هذا يا أبا عَمْرٍو؟ قال: ابن عباس. قال الحافظ في ((الفتح)): القائل هو: الشيباني، والمقول له هو الشعبي. قال: وسياق الطرق الصحيحة تدلُّ على أنه وَّهِ صَلَّى عليه في صبيحة دفنه. قوله: (وفي الباب عن أنس)(١): أخرجه البزار، (وبريدة)(٢): أخرجه البيهقي: (ويزيد بن ثابت)(٣)، أخرجه أحمد، والنسائي ص ٣٢٦. (وأبي هريرة) (٤) أخرجه البخاري، (١) لم أقف عليه. (٢) أخرجه البيهقي (٤٨/٤). حديث (٦٨١١). (٣) أخرجه أحمد. حديث (١٨٩٥٨)، والنسائي، كتاب الجنائز. حديث (٢٠٢٢). (٤) أخرجه البخاري، كتاب الجنائز. حديث (١٣٣٧)، ومسلم، كتاب الجنائز. حديث (٩٥٦). ١١٣ كتاب الجنائز عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاءَ في الصَّلاةِ عَلَى القَبْر وعَامِرٍ بنِ رَبِيعَةَ، وأبي قَتَادَةَ، وسَهْلِ بنِ خُنَيْفٍ. قَالَ أبُو عِيْسَى: حديثُ ابْنِ عَبَّاسٍ، حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، والعملُ على هذا عِنْدَ أكْثَرِ أهْلِ العِلْم مِن أصْحَابِ النَّبِيِّ نَّهِ وَغَيْرِهِمْ، وهُوَ قَوْلُ الشَّافِعيِّ وأحمد وإسحاقَ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: لا يُصَلَّى على القَبْرِ، وهُو قَوْلُ مَالِكِ بنِ أنَسٍ، ومسلم. (وعامر بن ربيعة)(١) أخرجه ابن ماجه، (وأبي قتادة)(٢) أخرجه البيهقي، أنه وَليه صلى على قبر البراء، وفي رواية: ((بعد شهر))، كذا في ((النيل)) (وسهل بن حنيف)(٣). أخرجه ابن عبد البر في كتاب ((التمهيد)). قال الإمام أحمد: رويت الصلاة على القبر من النبي ◌َّ ﴿ من ستة وجوه حسان، قال ابن عبد البر: بل من تسعة كلها حسان، وساقها كلها بأسانيده في ((تمهيده))، من حديث سهل بن حنيف، وأبي هريرة وعامر بن ربيعة، وابن عباس، وزيد بن ثابت: الخمسة في صلاته على المسكينة. وسعد بن عبادة في صلاة المصطفى على أم سعد بعد دفنها بشهر. وحديث الحصين بن وحوح في صلاته على قبر طلحة بن البراء. وحديث أبي أمامة بن ثعلبة أنه وله رجع من ((بدر))، وقد توفيت أم أبي أمامة فَصَلَّى عليها، وحديث أنس أنه صَلَّى على امرأة بعد ما دفنت وهو محتملٌ للمسكينة وغيرها، وكذا ورد من حديث بريدة عند البيهقي، وسماها محجنة؛ كذا في ((التعليق الممجد)). قوله: (حديث ابن عباس حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري، ومسلم. قوله: (والعمل على هذا) أي على مشروعية الصلاة على القبر. (وهو قول الشافعي، وأحمد وإسحاق) سواء صلَّى على الميت، أو لا، وهو قول الجمهور. انتهى. واستدلوا بأحاديث الباب (وقال بعض أهل العلم: لا يصلى على القبر؛ وهو قول مالك بن أنس) قال ابن المنذر: ومنعه النخعي، ومالك، وأبو حنيفة، وعنهم: إن دفن قبل أن يصلى عليه شُرعَ، وإلا فلا. وأجابوا عن أحاديث الباب: بأن ذلك كان من خصائصه وَّيه، واستدلوا على هذا بقوله وَّ في حديث أبي هريرة عند مسلم(٤): ((إِنَّ هذِهِ الْقُبُور مَمْلُوءَةٌ ظلمةً عَلَى أَهْلِهَا، وَإِنَّ الله (١) أخرجه ابن ماجه، كتاب ما جاء في الجنائز. حديث (١٥٢٩). (٢) أخرجه البيهقي (٤٩/٤). حديث (٦٨١٤). (٣) أخرجه ابن عبد البر في ((التمهيد)) (٢٦٣/٦). (٤) أخرجه مسلم، كتاب الجنائز. حديث (٩٥٦). ١١٤ كتاب الجنائز عن رسول الله وَليه / باب مَا جَاءَ في الصَّلاةِ عَلَى القَبْر وقالَ عبد الله بنُ المُبَارَكِ: إذَا دُفِنَ المَيِّتُ ولَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ صُلَِّ عَلى القَبْرِ، ورأى ابنُ المُبارَكِ الصَّلاةَ على القَبْرِ، وقالَ أحمدُ وإسحاقُ: يُصَلَّى على القَبْرِ إِلى شَهْرٍ، وقالا: أكْثَرُ مَا سَمِعْنَا عَن ابنِ المُسَيِّبِ، أنَّ النَّبِيَّ وَّهِ صَلَّى على قَبْرِ أَمِّ سَعْدِ بنِ عُبَادَةَ بَعْدَ شَهْرٍ . يُنَوِّرُها لَهُمْ بِصَلَاتِي عَلَيْهِمْ)). قالوا: صلاته بَّه كانت لتنوير القبر، وَذَا لا يوجد في صلاة غيره، فلا تكون الصلاة على القبر مشروعًا. وأجاب ابنُ حبان عن ذلك: بأن في ترك إنكاره وَ ل جر على من صَلَّى معه على القبر - بيان جواز ذلك لغيره، وأنه ليس من خصائصه. وتعقب بأن الذي يقع بالتبعية لا ينهض دليلًا للأصالة. ومن جملة ما أجاب به الجمهور عن هذه الزيادة: أنها مدرجة في هذا الإسناد، وهي من مراسیل ثابت، بیّن ذلك غيرُ واحدٍ من أصحاب حماد بن زيد. قال الحافظ: وقد أوضحت ذلك بدلائله في كتاب ((بيان المدرج)) قال البيهقي: يغلب على الظن أن هذه الزيادة من مراسيل ثابت؛ كما قال أحمد. انتهى. قلت: وقع في حديث زيد بن ثابت عند النسائي(١) قال: ((لَا يَمُوتُ فِيكُمْ مَيِّتُ مَا دُمْتُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ إِلَّا آذَنْتُمُونِي بِهِ فَإِنَّ صَلَاتِي لَهُ رَحْمَةٌ)). وهذا ليس بمرسل. وأجاب الشوكاني: بأن الاختصاص لا يثبت إلا بدليل، ومجرد كون الله ينوِّر القبور بصلاته وَّ على أهلها؛ لا ينفي مشروعية الصلاة على القبر لغيره، لا سيما بعد قوله وَ له: ((صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُوني ◌ُصلِّي». انتھی. قوله: (وقال عبد الله بن المبارك: إذا دفن الميت ولم يصل عليه ... إلخ). فقال الشوكاني في ((النيل)): وأما من لم يصلَّ عليه، ففرض الصلاة عليه الثابت بالأدلة وإجماع الأمة باق، وجعل الدفن مُسْقطًا لهذا الفرض محتاجٌ إلى دليل. قال: وقد استدل بحديث الباب - يعني: حديث ابن عباس المذكور - على رد قول من فضَّل، فقال: يصلَّى على قبر من لم يكن قد صلي عليه قبل الدَّفن، لا من كان قد صلِّي عليه؛ لأن القصة وردت فيمن قد صلي عليه، والمفصل هو بعض المانعين. (١) أخرجه النسائي، كتاب الجنائز. حديث (٢٠٢٢). ١١٥ كتاب الجنائز عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاءَ فِي صَلاةِ النَّبِيِّ وَِّ على النَّجَاشِي [١٠٣٨] (١٠٣٨) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ بَشَارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بِنُ سَعِيدٍ عَن سَعِيدٍ بِنِ أبي عَروبَةَ، عَن قَتَادَةَ عَن سَعِيدٍ بِنِ المُسَيِّبِ: أنَّ أُمَّ سَعْدٍ، مَاتَتْ وَالنَّبِيُّ وَِّ غَائِبٌ، فَلَمَّا قَدِمَ صَلَّى عَلَيْهَا، وقد مَضَى لِذَلِكَ شَهْرٌ. [أرسله سعيد]. ٤٨- باب مَا جَاءَ في صَلاةِ النَّبِيِّ ◌َ ﴿ على النَّجَاشِي [ت٤٨، ٤٨٢] قوله: (وقال أحمد، وإسحاق: يصلى على القبر إلى شهر) قال الأمير اليماني في ((سبل السلام)) ص ١٩٤: واختلف القائلون بالصلاة على القبر في المدة التي شُرعت فيها الصلاة؛ فقيل: إلى شهر بعد دفنه. وقيل: إلى أن يبلى الميت؛ لأنه إذا بلي لم يبق ما يُصَلَّى عليه. وقيل: أبدًا؛ لأن المراد من الصلاة عليه: الدعاء، وهو جائز في كل وقت. قال: هذا هو الحق؛ إذ لا دليل على التحديد بمدة. انتهى. قلت: استدل أحمد، وإسحاق، وغيرهما - ممن قال: إلى شهر - بحديث سعيد بن المسيّب، الذي رواه الترمذي في هذا الباب. قال الحافظ في ((التلخيص)) بعد ذكره: ورواه البيهقي، وإسناده مرسل صحيح. انتهى. وروى الدارقطني(١) عن ابن عباس، ((أن النبي وَلفو صَلَّى عَلَى قَبْرٍ بَعْدَ شَهْرٍ)). وروي عنه أيضًا؛ ((أن النبي ◌َّهِ صَلَّى عَلَى مَيِّتٍ بَعْدَ ثَلَاثٍ)). قلت: الظاهر الاقتصار على المدة التي ثبتت عن رَسُولِ وَليه، وأما القياس على مطلق الدعاء، وتجويزه في كل وقت؛ ففيه نظر؛ كما لا يخفى. [١٠٣٨] قوله: (عن سعيد بن المسيب؛ أن أم سعد ماتت .. إلخ) هذا مرسل، وقد عرفت آنفًا أنه رواه البيهقي، وإسناده مرسل صحيح. ٤٨ - باب مَا جَاءَ في صَلَاةِ النَّبِيِّ عَلَى النَّجَاشِيِّ هو من سادات التابعين أسلم ولم يهاجر، وهاجر المسلمون إليه إلى ((الحبشة)) مرتین، وهو يحسن إليهم، وأرسل إليه رسول الله وَليل عمرو بن أمية بكتابين: أحدهما: يدعوه فيه إلى الإسلام، والثاني: يطلب منه تزويجه بأم حبيبة، فأخذ الكتاب ووضعه على عينيه وأسلم، وزَّوجَه أم حبيبة، وأسلم على يده عمرو بن العاص قبل أن يصحب النبي وَ﴿، فصار يُلْغَزُ به، فيقال: صحابي كثير الحديث أسلم على يد تابعي، كذا في ((ضياء الساري)). (١) أخرجه الدارقطني (٧٨/٢). حديث (٨). ١١٦ كتاب الجنائز عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاءَ فِي صَلاةِ النَّبِيِّوَّهِ على النَّجَاشِي [١٠٣٩] (١٠٣٩) حَدَّثَنَا أبو سَلَمَةَ يَحْيَى بن خَلَفٍ، وحُمَيْدُ بنُ مَسْعَدَةَ قالا: حَدَّثَنَا بِشْرُ بنُ المِفَضَّلِ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بنُ عُبَيْدٍ عَن مُحَمَّدٍ بنِ سِيرِينَ عَن أبي المُهَلَّبِ عَن عِمْرَانَ بن حُصَيْنٍ، قَالَ: قَالَ لنا رَسُولُ الله ◌ِِّ: ((إنَّ أخَاكُمُ النَّجَاشِيَّ قد مَاتَ فَقُومُوا فَصَلُّوا عَلَيْهِ)) قَالَ: فَقُمْنَا فَصَفَفْنَا كَمَا يُصَفُّ على المَيِّتِ، وَصَلَّيْنَا عَلَيْهِ كَمَا يُصَلَّى على المَيِّتِ. [م: ٩٥٣، جه: ١٥٣٥، ن: ١٩٧٤، حم: ١٩٣٨٩]. وقال الحافظ في ((الفتح)): هو بفتح النون وتخفيف الجيم، وبعد الألف شين، ثم ياء ثقيلة كياء النسب. وقيل بالتخفيف: لقب مَنْ ملك ((الحبشة)). وحكى المطرزي تشديد الجيم عن بعضهم وخَطَّأَهُ. انتهى. قلت: كما يقال لمن ملك الفرس: كسرى، ولمن ملك الروم: قيصر؛ كذلك يقال لمن ملك ((الحبشة)): النجاشي، وكان اسمه: أصحمة، ففي ((صحيح البخاري))(١) في هجرة ((الحبشة)) من طريق ابن عيينة عن ابن جريح: ((فَقُومُوا فَصَلَّوا عَلَى أَخِيكُمْ أصْحَمَةَ)). [١٠٣٩] قوله: (إن أخاكم النجاشي قد مات) وفي رواية البخاري: ((قَدْ تُوُفِّيَ الِيَوْمَ رَجُلٌ صَالِحٌ مِنَ الحَبَشِ))، وفي رواية أبي هريرة عند البخاري: ((نُعِي النَّجَاشِي فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ)) وفيه علم من أعلام النبوة؛ لأنه ◌َّرِ أعلمهم بموته في اليوم الذي مات فيه، مع بُعْدِ ما بين أرض ((الحبشة)) و((المدينة)). (وصلينا عليه؛ كما يصلى على الميت) استدل به على مشروعية الصلاة على الميت الغائبٍ عن البلد، وبذلك قال الشافعي، وأحمد، وجمهور السلف، حتى قال ابن حزم: لم يأت عن أحد من الصحابة منعه، وعن الحنفية، والمالكية: لا يُشرع ذلك. وقد اعتذر مَنْ لم يقل بالصلاة على الغائب عن قصة النجاشي بأمور: منها: أنه كان بأرض لم يُصَلِّ عليه أحد، فتعينت الصلاة عليه لذلك؛ ومن ثمَّ قال الخطابي: لا يُصَلَّى على الغائب إلا إذا وقع موته [بأرض] ليس بها من يُصّلِّي عليه، واستحسنه الروياني من الشافعية، وبه ترجم أبو داود في ((السنن)) ((الصلاة على المسلم، يليه أهل الشرك ببلد آخر)). قال الحافظ في ((الفتح)): [و] هذا محتمل، إلا أنني لم أقف في شيء من الأخبار على أنه لم يُصَلِّ عليه في بلده أحد. (١) أخرجه البخاري، كتاب المناقب. حديث (٣٨٧٧). ١١٧ كتاب الجنائز عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاءَ في صَلاةِ النَّبِيِّ لَهِ على النَّجَاشِي ومنها: أنه كشف له وَّ عنه، حتى رآه فتكون صَلَاتُهُ عليه؛ كصلاة الإمام على ميت رآه ولم يره المأمومون، ولا خلاف في جوازها . وأجيب عنه: بأن هذا يحتاج إلى نقل صحيح صريح، ولم يثبت. فإن قلت: قد روي عن ابن عباس قال: ((كُشِفَ لِلنَّبِّ بَّهِ عَنْ سَرِيرِ النَّجَاشِيِّ، حَتَّى رآهُ، وَصَلَّى عَلَيْهِ)) (١). وأخرج ابن حبان(٢) عن عمران بن حصين قصة الصلاة على النجاشي، وفي روايته: ((فَقَامَ وَصَفُّوا خَلْفَهُ، وَهُمْ لَا يَظُنُّونَ إِلَّا أَنْ جَنَازَتَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ)). أخرجه من طريق الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب عنه. ولأبي عوانة من طريق أَبَان وغيره عن يحيى: ((فَصَلَّيْنَا خَلْفَهُ، وَنَحْنُ لَا نَرَى إِلا أَنَّ الجَنَازَةَ قُدَّامَنَا)). قلت: أما رواية ابن عباس، فقد ذكرها الواقدي في ((أسبابه)) بغير إسناد، كما ذكرها الحافظ في ((فتح الباري)). وأما رواية عمران بن حصين بلفظ: ((وَهُمْ لا يَظُنُّونَ إِلَّ أنَّ جَنَازَتَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ)) ويلفظ: ((ونَحْنُ لا نرى إلا أن الجنازة قُدَّامنا)). فالمرادُ: أنهم صلوا عليه كما يصلون على الميت الحاضر من غير فرق. ويدل عليه حديث الباب بلفظ: ((فَقُمْنَا، فَصَفَفْنَا كَمَا يُصَفُّ على المَيِّتِ، وَصَلََّنْا عَلَيْهِ؛ كَمَا يُصَلَّى عَلَى المَيِّتِ)) وهو مرويٌّ عن عمران بن حصين. ومنها أن ذلك خَاصٌّ بالنجاشي؛ لأنه لم يثبت أنه وَّهِ صلى على ميت غائب؛ قاله المهلب. وأجاب عنه الحافظ في ((الفتح)) فقال: كأنه لم يثبت عنده قصة معاوية بن معاوية الليثي، وقد ذكرت في ترجمته في الصحابة: أن خبره قوي بالنظر إلى مجموع طرقه. انتهى. ولمن لم يقل بالصلاة على الغائب اعتذاراتٌ أخرى ضعيفة، لا حاجة إلى ذكرها والكلام عليها . قال الشوكاني - بعد البحث في هذه المسألة ما لفظه ـ: والحاصل: أنه لم يأت المانعون من الصلاة على الغائب بشيء يُعْتَدُّ به سوى الاعتذار؛ بأن ذلك مختص بمن كان في أرض لا يُصَلَّى عليه فيها، وهو أيضًا جمود على قصة النجاشي يدفعه الأثر والنظر. انتهى. (١) ذكره الثعلبي في تفسيره (١/ ٥٤١) بسنده الذي في أول الكتاب لابن عباس، وذكره الواحدي بلا إسناد، وانظر الفتح السماوي بتخريج أحاديث القاضي البيضاوي (٤٤٩/١) للمناوي. (٢) أخرجه ابن حبان (٣٦٩/٧). حديث (٣١٠٢). ١١٨ كتاب الجنائز عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاءَ في فَضْلِ الصَّلاةِ على الجَنَازَة وفي البابِ عَن أبي هُرَيْرَةَ، وجَابِرِ بنِ عَبْدِ الله، وأبي سَعِيدٍ، وحُذَيْفَةَ بنِ أسِيدٍ، وجَرِيرِ بنِ عَبْدِ الله. قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ مِن هذا الوَجْهِ، وقد رَوَاهُ أبُو قِلابَةَ عَن عَمِّهِ أبي المُهَلَّبِ عَن عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ، وأبو المُهَلّبِ اسْمُهُ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بن عَمْرٍو، ويُقَالُ لَهُ: مُعَاوِيَةُ بنُ عَمْرٍو. ٤٩- باب مَا جَاءَ في فَضْلِ الصَّلاةِ على الجَنَازَة [ت٤٩، ٤٩٣] [١٠٤٠] (١٠٤٠) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بنُ سُلَيْمَانَ عَن مُحَمَّدٍ بنِ عَمْرو، حَدَّثَنَا أبو سَلَمَةَ عَن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَليهِ: ((مَن صَلَّى على جَنَازَةٍ فَلَهُ قِرَاطٌ، ومَنْ تَبَعَهَا قلت: الكلام في هذه المسألة طويل مذكور في ((فتح الباري))، وغيره؛ فعليك أن تراجعه . قوله: (وفي الباب عن أبي هريرة، وجابر بن عبد الله، وأبي سعيد، وحذيفة بن أسيد، وجرير بن عبد الله). أما حديث أبي هريرة: فأخرجه الجماعة. وأما حديث جابر(١): فأخرجه الشيخان. وأما حديث أبي سعيد(٢) وحذيفة(٣)، وجرير (٤) فلينظر من أخرجه. قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد، والنسائي. (وأبو المهلب اسمه: عبد الرحمن بن عمرو ... إلخ). قال الحافظ في ((التقريب)): أبو المهلب الجرمي البصري عم أبي قلابة؛ فذكر الاختلاف في اسمه، ثم قال: ثقة، من الثانية. ٤٩ - باب مَا جَاءَ فيٍ فَضْلِ الصَّلاَةِ عَلَى الجَنَازَةِ [١٠٤٠] قوله: (فله قِيرَاط) بكسر القاف؛ قال الجوهري: أصله: قِرَاطُ بالتشديد؛ لأن (١) أخرجه البخاري، كتاب الجنائز. حديث (١٣٢٠)، ومسلم، كتاب الجنائز. حديث (٩٥٢). (٢) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨٣/٣): رواه الطبراني في الأوسط (٥١/٥) حديث (٤٦٤٥) وفيه عبد الرحمن بن أبي الزناد وهو ضعيف. (٣) أخرجه ابن ماجه، كتاب ما جاء في الجنائز. حديث (١٥٣٧)، وأحمد. حديث (١٥٧١٢). (٤) أخرجه أحمد. حديث (١٨٧٠٤). ١١٩ كتاب الجنائز عن رسول الله وَليه / باب مَا جَاءَ في فَضْلِ الصَّلاةِ على الجَنَازَة حَتَّى يُقْضَى دَفْنُهَا فَلَهُ قِيرَاطَانٍ، أحَدُهُمَا أوْ أصْغَرُهُمَا مِثْلُ أُحُدٍ)) فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لابنِ عُمرَ فَأَرْسَل إلى عَائِشَةَ فسَأَلَها عَن ذَلِكَ؟ فَقَالَت: صَدَقَ أَبُو هُرَيْرَةَ، فَقَالَ ابْنُ عُمَر: لَقَدْ فَرَّطْنَا في قَرَارِيطَ کَثِيرَةٍ. [خ بنحوه: ١٣٢٥، م: ٩٤٥، ن بنحوه: ١٩٩٣، د بنحوه: ٣١٦٨، جه بنحوه: ١٥٣٩، حم: ٩٧٢٩]. وفي البابِ عَنِ البَرَاءِ، وعَبْدِ الله بنِ مُغَفّلٍ، وعَبْدِ الله بنِ مَسْعُودٍ، وأبي سَعِيدٍ، وَأُبِي بِنِ كَعْبٍ، وابنِ عُمَر، وتَوْبَانَ. جمعه ((قَرَارِيط))، فأبدل من أحد حرفي تضعيفه ياء، قال: والقيراط: نصف دانق، والدانق: سدس الدرهم؛ فعلى هذا يكون القيراط جزءًا من اثني عشر جزءًا من الدرهم. وأما صاحب ((النهاية)) فقال: القيراط: جُزء من أجزاء الدِّينار، وهو نُصف معُشره في أكثر البلاد [وأهلُ] ((الشام)) [يجعلونه] جزءًا من أربعة وعشرين جزءًا . (حتى يقضى دفنها) أي: يفرغ من دفنها (أحدهما أو أصغرهما) شك من الراوي (مثل أحد) هذا تفسير للمراد هاهنا لا للفظ. (فذكرت ذلك) هذا مقول أبي سلمة: (فرطنا) من التفريط، أي: ضيعنا كما في رواية لمسلم . (في قراريط كثيرة) جمع قيراط، أي: ضيَّعنا قراريط كثيرة من عدم المواظبة على حضور الدفن. بيَّن ذلك مسلم في روايته من طريق ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله قال: كان ابن عمر يصلِّي على الجنازة، ثم ينصرف، فلما بلغه حديث أبي هريرة قال ... فذكره. قوله: (وفي الباب عن البراء ..... إلخ) قال الحافظ في ((الفتح)): وقع لي حديث الباب، يعني: حديث أبي هريرة الذي ذكره الترمذي في هذا الباب، من رواية عشرة من الصحابة غير أبي هريرة، وعائشة من حديث ثوبان(١) عند مسلم، والبراء (٢) وعبد الله بن مغفل(٣) عند النسائي، وأبي سعيد(٤) عند أحمد، وابن مسعود عند أبي عوانة. وأسانيد هؤلاء الخمسة (١) أخرجه مسلم، كتاب الجنائز. حديث (٩٤٦). (٢) أخرجه مسلم، كتاب الجنائز. حديث (١٩٤٠). (٣) أخرجه النسائي، كتاب الجنائز. حديث (١٩٤١). (٤) أخرجه أحمد. حديث (١٠٧٦٨). ١٢٠ كتاب الجنائز عن رسول الله وَل﴿ / باب آخَر قَالَ أبُو عِيْسَى: حديثُ أبي هُرَيْرَةَ، حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، قد رُويَ عَنْهُ مِن غَيْرٍ وَجْهٍ. ٥٠- باب آخَر [ت٥٠، م٥٠] [١٠٤١] (١٠٤١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بنُ مَنْصُورٍ قال: سَمِعْتُ أبَا المُهَزَّم قَالَ: صَحِبْتُ أبَا هُرَيْرَةَ، عَشْرَ سِنِينَ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ: ((مَن تَبِعَ جَنَازَةً، وحَمَلَهَا ثلاثَ مَرَّاتٍ، فَقَدْ قَضَى مَا عَلَيْهِ مِن حَقِّهَا)). [ضعيف]. صِحَاحٌ، ومن حديث أبي بن كعب(١) عند ابن ماجه، وابن عباس عند البيهقي(٢) في ((الشُّعب)) وأنس عند الطبراني(٣) في ((الأوسط)) وواثلة بن الأسقع عند ابن عدي(٤)، وحفصة عند حميد بن زنجويه في ((فضائل الأعمال)) وفي كل من أسانيد هؤلاء الخمسة ضعف. انتهى. قوله: (حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان وغيرهما . ٥٠ - بَابٌّ آخَرُ [١٠٤١] قوله: (أخبرنا رَوُْ بن عبادة) بفتح الراء، وسكون الواو، ثقة فاضل، له تصانيف، من التاسعة. (سمعت أبا المهزم) قال في ((المغني)): بمضمومة، وفتح هاء، وفتح زاي مشددة، وهو یزید بن سفيان. انتهى. وقال في ((التقريب)): بتشديد الزاي المكسورة التميمي البصري، اسمه: يزيد، وقيل: عبد الرحمن بن سفيان، متروك، من الثالثة. قوله: (وحملها ثلاث مرات) قال ابن الملك: يعني: يعاون الحاملين في الطريق، ثم يتركها ليستريح، ثم يحملها في بعض الطريق، يفعل كذلك ثلاث مرات (فقد قضى ما عليه من حقها) أي: من حَقِّ الجنازة بيان لما قال ميرك، أي: من جهة المعاونة، لا من دين وغيبة ونحوهما. انتهى. (١) أخرجه ابن ماجه، كتاب ما جاء في الجنائز. حديث (١٥٤١). (٢) أخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٤/٧). حديث (٩٢٤٥). (٣) أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) (١٥١/٧). حديث (٧١٢٨). (٤) أخرجه ابن عدي (٣٢٦/٦) ترجمة معروف بن عبد الله الخياط (١٨٠٧).