Indexed OCR Text

Pages 641-660

٦٤١
كِتَابُ الحَجِّ عَنْ رَسُولِ اللهَِ / بَابُ مَا جَاءَ كَمْ قُرِضَ الحَيُّ؟
٥- بَابُ مَا جَاءَ كَمْ فُرِضَ الحَجُّ؟ [ت٥، ٥٢]
[٨١٤] (٨١٤) حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ وَرْدَانَ، عَنْ عَلِيٍّ بْنِ
عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنْ أَبِهِ، عَنْ أَبِي البَخْتَرِيِّ، عَنْ عَلِيٌّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: لمَّا نَزَلَتْ:
﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ مَّنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران: ٩٧]. قَالُوا: يَا رَسُولَ الله،
أَفِي كُلِّ عَامِ؟ فَسَكَتَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، فِي كُلِّ عَامِ؟ قَالَ: ((لَا، وَلَوْ قُلْتُ:
نَعَمْ لَوَجَبَتْ)).
فَأَنْزَلَ الله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسْئَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١].
[ضعيف، أَبُو علي ضعيف، جه: ٢٨٨٤، حم: ٩٠٧].
وقال الترمذي: حسن، وهو من رواية إبراهيم بن يزيد الخوزي.
وقد قال فيه أحمد والنسائي: متروك الحديث.
ورواه ابن ماجه والدارقطني من حديث ابن عباس، وسنده ضعيف أيضًا. ورواه ابن
المنذر من قول ابن عباس، ورواه الدارقطني من حديث جابر، ومن حديث علي بن
أبي طالب، ومن حديث ابن مسعود، ومن حديث عائشة، ومن حديث عمرو بن شعيب، عن
أبيه عن جده؛ وطرقها كلها ضعيفة؛ فقد قال عبد الحق: إن طرقه كلها ضعيفة.
وقال أبو بكر بن المنذر: لا يثبت الحديث في ذلك مسندًا. والصحيح من الروايات
رواية الحسن المرسلة. انتهى.
٥- باب ما جاء كَمْ فُرِضَ الحَجّ؟
[٨١٤] قوله: (عن أبي البَخْتَرِي) بفتح الموحدة، وسكون الخاء المعجمة، وفتح المثناة
الفوقية وكسر الراء، وشدة ياء تحتانية؛ وهو: سعيد بن فيروز بن أبي عمران الطائي مولاه،
ثم الكوفي، ثقة ثبت كثير الإرسال، من الثالثة.
قوله: (قال: لا) فيه: دليل على أن الحج لا يجب إلا مرة واحدة؛ وهو مجمع عليه؛
كما قال النووي والحافظ وغيرهما، وكذلك العمرة عند من قال بوجوبها، لا تجب إلا مرة،
إلا أن ينذر بالحج أو العمرة، وجب الوفاء بالنذر بشرطه.
(ولو قلت: نعم لوجبت) استدل به على أن النبي ◌َ ◌ّقر مفوض في شرع الأحكام، وفي
ذلك خلاف مبسوط في الأصول.

٦٤٢
كِتَابُ الحَجِّ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ / بَابُ مَا جَاءَ كَمْ قُرِضَ الحَجُّ؟
قَالَ: وَفِي البَابِ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ عَلِيِّ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
وَاسْمُ أَبِي البَخْتَرِيِّ: سَعِيدُ بْنُ أَبِي عِمْرَانَ، وَهُوَ سَعِيدُ بْنُ فَيْرُوزَ.
قوله: (وفي الباب عن ابن عباس) قال: خطبنا رسول الله وَله فقال: ((يا أيها الناس،
كتب عليكم الحج)) فقام الأقرع بن حابس، فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟ فقال: ((لو قلتها
لوجبت، ولو وجبت لم تعملوا بها، ولم تستطيعوا أن تعملوا بها. الحج مرة، فمن زاد فهو
تطوع)). رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والبيهقي والحاكم (١)؛ وقال: صحيح
على شرطهما .
(وأبي هريرة) أخرجه أحمد ومسلم والنسائي(٢)، وفي الباب أيضًا عن أنس، أخرجه ابن
ماجه(٣).
قال الحافظ في ((التلخيص)): رجاله ثقات.
قوله: (حديث علي حديث حسن غريب) قال الحافظ في ((التلخيص)): سنده منقطع.
انتھی.
قلت: قال الخزرجي في ((الخلاصة)»: سعيد بن فيروز أبو البختري الكوفي تابعي جليل
عن عمر وعلي مرسلًا. انتهى.
وقال ابن أبي حاتم في كتاب ((المراسيل)): قال علي بن المديني: أبو البختري لم يلق
عليًّا .
قال أبو زرعة: أبو البختري لم يسمع من علي شيئًا. انتهى.
(١) أحمد. حديث (٢٣٠٤)، وأبو داود، كتاب المناسك. حديث (١٧٢١)، والنسائي، كتاب مناسك الحج.
حديث (٢٦٢٠)، وابن ماجه، كتاب المناسك. حديث (٢٨٨٦)، والحاكم. حديث (٣١٥٥) وصححه على
شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وعنه البيهقي في ((الكبرى)). حديث (٨٤٠٠).
(٢) أحمد. حديث (١٠٢٢٩)، ومسلم، كتاب الحج. حديث (١٣٣٧)، والنسائي، کتاب مناسك الحج. حديث
(٢٦١٩).
(٣) ابن ماجه، کتاب المناسك. حديث (٢٨٨٥).

٦٤٣
كِتَابُ الحَجِّ عَنْ رَسُولِ اللهِوَ بَابُ مَا جَاءَ كَمْ حَجَّ النَّبِيُّ وَّ؟
٦- بَابُ مَا جَاءَ كَمْ حَجَّ النَّبِيُّ ◌ِ﴾؟ [ت٦، ٦٢]
[٨١٥] (٨١٥) حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ أَبِي زِيادٍ الْكُوفِيُّ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ حُبَابٍ، عَنْ
سُفْيَانَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله: أَنَّ النَّبِيَّ وَّهِ حَجَّ
ثَلاثَ حِجَجٍ: حَجَّتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ، وَحَجَّةً بَعْدَ مَا هَاجَرَ، وَمَعَهَا عُمْرَةٌ، فَسَاقَ
ثَلَاثَاً وَسِتِينَ بَدَنَةً، وَجَاءَ عَلِيٍّ مِنَ الْيَمَنِ بِبَقِيَّتِهَا، فِيهَا جَمَلٌ لأَبِي جَهْلٍ فِي أَنْفِهِ بُرَةٌ
مِنْ فِضَّةٍ، فَتَحَرَها رَسُولُ اللهِ وَّهِ وَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبَضْعَةٍ، فَطُبِخَتْ
وَشَرِبَ مِنْ مَرَقِهَا. [جه بنحوه: ٣٠٧٦].
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ
زَيْدِ بْنِ حُبَابٍ، وَرَأيْتُ عَبْدَ الله بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ رَوَى هَذَا الحَدِيثَ فِي كُتُبِهِ، عَنْ
عَبْدِ الله بْنِ أُبِي زِیَادٍ.
٦- باب ما جاء كَمْ حَجّ النَّبِيُّ ◌ِ﴾
[٨١٥] قوله: (فساق ثلاثًا وستين بدنة) بفتحتين؛ وهي: الإبل والبقر عند الحنفية،
والإبل فقط عند الشافعي؛ وسميت بها لكبر بدنها، والجمع: بدن بضم فسكون.
(وجاء علي من اليمن ببقيتها) أي: ببقية البدن التي ذبحها النبي ◌َله، أو ببقية المئة،
وإرجاع الضمير إلى المئة مع عدم ذكرها، لشهرتها .
قال النووي: ما أهدى به علي به اشتراه، لا أنه من السعاية على الصدقة.
(في أنفه برة) بضم الباء، وتخفيف الراء: الحلقة تكون في أنف البعير.
(من فضة) وفي رواية البيهقي: ((من ذهب))؛ قاله السيوطي. (بَضعَةٍ) بفتح الموحدة، وقد
تكسر: القطعة من اللحم. (وشرِبَ من مَرَقها) بفتح الميم والراء. النكتة في شربه وَلفه من
مرقها دون الأكل من اللحم: لما في المرق من الجمع لما خرج من البضعات كلها .
قوله: (ورأيت عبد الله بن عبد الرحمن ... إلخ) هو: عبد الله بن عبد الرحمن بن
الفضل بن بهرام السمرقندي أبو محمد الدارمي الحافظ، صاحب ((المسند)) ثقة فاضل متقن،
من الحادية عشرة؛ كذا في ((التقريب)).
وقال الخزرجي في ((الخلاصة)) في ترجمته: أحد الأعلام، وصاحب ((المسند))

٦٤٤
كِتَابُ الحَجِّ عَنْ رَسُولِ الله ◌َِّ / بَابُ مَا جَاءَ كُمْ حَجَّ النَّبِيِّ ◌َِ؟
قَالَ: وَسَأَلْتُ مُحَمَّداً عَنْ هَذَا فَلَمْ يَعْرِفْهُ مِنْ حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ، وَرَأيْتُهُ لَمْ يَعُدَّ هَذَا الحَدِيثَ مَحْفُوظاً، وَقَالَ: إِنَّما
يُرْوَى عَنِ الثَّوْرِيّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ مُجَاهِدٍ مُرْسَلًا.
[٢٨١٥] (٨١٥م) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا حَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ، حَدَّثَنَا
هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، قَالَ: قُلْتُ لأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: كَمْ حَجَّ النَّبِيُّ وَّرَ؟ قَالَ حَجَّةً
وَاحِدَةً، وَاعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَر: عُمْرَةٌ فِي ذِي القَعْدَةِ، وَعُمْرَةُ الحُدَيْبِيَةِ، وَعُمْرَةٌ مَعَ
حَجَّتهِ، وعُمْرَةُ الْجِعْرَانَةِ، إِذْ قَسَّمَ غَنِيمَةَ حُنَيْنِ. [خ: ٤١٤٨، م: ١٢٥٣، حم بنحوه: ١٣١٥٢،
مي: ١٧٨٧].
و ((التفسير)) و((الجامع))، عن يزيد بن هارون، ويعلى بن عبيد، وجعفر بن عون، وأبي علي
الحنفي، وخلق، وعنه م وت والبخاري في غير الصحيح.
قال أحمد: إمام أهل زمانه.
وقال ابن حبان: كان ممن حفظ وجمع وتفقه وصنف، وحدث وأظهر السنة في بلده،
ودعا إليها، وَذَبَّ عن حريمها، وقمع مخالفيها .
قال أحمد بن سنان: مات سنة خمس وخمسين ومئتين. انتهى.
[٢/٨١٥] قوله: (حبان بن هلال) بفتح الحاء المهملة، وتشديد الموحدة، ثقة ثبت، من
التاسعة.
قوله: (حجة واحدة) بالنصب؛ أي: حج حجة واحدة؛ وهي حجة الوداع.
(عمرة في ذي القعدة) بالنصب على البدلية، وبالرفع على الخبرية؛ أي: إحداها عمرة
في ذي القعدة.
(وعمرة الحديبية) بضم الحاء المهملة، وفتح الدال المهملة، وسكون التحتية، وكسر
الموحدة، وشدة التحتية الثانية وخفتها: موضع بينه وبين ((مكة)) تسعة أميال.
(وعمرة الجعرانة) بكسر الجيم، وسكون العين. وقيل: بكسر العين، وتشديد الراء:
موضع بينه وبين ((مكة)) تسعة أميال، وقيل: ستة أميال.
(إذ قسم غنيمة حنين) بضم الحاء المهملة مصغرًا: موضع، وكان قسمة غنيمته بعد فتح
((مكة)) سنة ثمان.

٦٤٥
كِتَابُ الحَجِّ عَنْ رَسُولِ اللهِوَ / بَابُ مَا جَاءَ كَمِ اعْتَمَرَ النَّبِيُّ ◌َه
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَحَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ: هُوَ أَبُو حَبِيبِ الْبَصْرِيُّ، هُوَ جَلِيلٌ ثِقَةٌ، وَتَّقَهُ: يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ
القَطَّانُ.
٧- بَابُ مَا جَاءَ كَمِ اعْتَمَرَ النَّبِيُّ ◌ِ [ت٧، ٧٠]
[٨١٦] (٨١٦) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ العَطَّارُ، عَنْ عَمرِو بْنِ
دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِي وَّرِ اعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَرٍ: عُمْرَةَ الحُدَيْبِيَةِ،
وَعُمْرةَ الثَّانِيَةِ مِنْ قَابِلٍ، وَعُمْرَةَ القِصَاصِ فِي ذِي القَعْدَةِ، وَعُمْرَةَ الثَّالِثَةِ مِنَ
الجِعْرَانَةِ، وَالرَّابِعَةِ الَّتِي مَعَ حَجَّتِهِ. [٥: ١٩٩٣، جه: ٣٠٠٣، حم: ٢٢١٢، مي: ١٨٥٨].
قَالَ: وَفِي الْبَابِ: عَنْ أَنَسٍٍ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، وَابْنِ عُمَرَ.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري ومسلم.
٧ - باب ما جاء كَمِ اعْتَمَرَ النَّبِيُّ ◌ِ﴾
[٨١٦] قوله: (اعتمر أربع عُمر) بضم العين، وفتح الميم؛ جمع: عمرة.
(عمرة الحديبية) بتخفيف الياء وتشديدها. قيل: هي اسم بئر. وقيل: شجرة، وقيل:
قرية على تسعة أميال من ((مكة))، أكثرها في الحرم. ذهب رسول الله وَّر معتمرًا إلى هذا
الموضع، فاجتمعت قريش وصدوه من دخول ((مكة))، فصالحهم على أن يأتي من العام
المقبل، فرجع ولم يعتمر، ولكن عدوها من العمر؛ لترتب أحكامها من إرسال الهدي،
والخروج عن الإحرام فنحر وحلق، وكانت في ذي القعدة. (وعمرة الثانية) أي: عمرة السنة
الثانية .
(من قابل) أي: من عام قابل. (عمرة القصاص) أي: عمرة العوض، وفي بعض النسخ:
(عمرة القضاء))، وفي ((صحيح البخاري)(١) من حديث أنس: ((عمرة الحديبية في ذي القعدة
حيث صده المشركون، وعمرة من العام المقبل في ذي القعدة حيث صالحهم))، (والرابعة
التي مع حجته) أي: حجة الوداع.
قوله: (وفي الباب عن أنس، وعبد الله بن عمرو، وابن عمر) .
(١) البخاري، كتاب العمرة. حديث (١٧٧٨).

٦٤٦
كِتَابُ الحَجِّ عَنْ رَسُولِ اللهِوَ بَابُ مَا جَاءَ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ أَخْرَمَ النَِّيُّ ◌َّـ
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاس حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
وَرَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ هَذَا الحَدِيثَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ◌َله
اعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَرٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ: حَدَّثَنَا بِذَلِكَ سَعِيدُ بْنُ
عَبْدِ الرَّحْمنِ المَخْزُومِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ،
أَنَّ النَّبِيِّ وَِِّّ، فَذَكَرَ نحْوَهُ.
٨- بَابُ مَا جَاءَ في أَيِّ مَوْضِعٍ أَحْرَمَ النَّبِيُّ ◌ِ﴾ [ت٨، ٨٢]
[٨١٧] (٨١٧) حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ
مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله، قَالَ: لمَّا أَرَادَ النَّبِيُّ ◌َِّ الحَجَّ أَذَّنَ فِي
النَّاسِ فَاجْتَمَعُوا،
أما حديث أنس: فأخرجه الترمذي في الباب المتقدم، وأخرجه البخاري ومسلم(١)
وغيرهم.
وأما حديث عبد الله بن عمرو: فلينظر من أخرجه(٢).
وأما حديث ابن عمر: فأخرجه البخاري(٣).
قوله: (حديث ابن عباس حديث غريب) أخرجه أبو داود وابن ماجه، وسكت عنه
أبو داود والمنذري، ورجاله كلهم ثقات.
٨- باب ما جاء في أَيِّ مَوْضِعٍ أَحْرَمَ النَّبِيُّ ◌ِ﴾
[٨١٧] قوله: (أُذن في الناس) لقوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِ النَّاسِ بِالْحَمْ﴾ [الحج: ٢٧] الآية
أي: ناد بينهم بأني أريد الحج؛ قاله ابن الملك، والأظهر: أنه أمر مناديًا بأنه وَّه يريد
الحج؛ كما في حديث جابر الطويل؛ قاله القاري.
(فاجتمعوا) أي: خلق كثير في ((المدينة)).
(١) الترمذي، كتاب الحج. حديث (٨١٥)، والبخاري، كتاب الحج. حديث (١٧٧٨)، ومسلم، كتاب الحج.
حدیث (١٢٥٣).
(٢) أحمد. حديث (٦٧٤٣، ٦٦٣١)، قال الهيثمي في ((المجمع)) (٢٥٩/٣): وفيه الحجاج بن أرطاة وفيه كلام.
(٣) البخاري، كتاب العمرة. حديث (١٧٧٦).

٦٤٧
كِتَابُ الحَجِّ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَِّ بَابُ مَا جَاءَ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ أَخْرَمَ النَّبِيُّ ◌َلَي
فَلَمَّا أَتَى البَيْدَاءَ أَخْرَمَ.
قَالَ: وَفِي الْبَابِ: عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَأَنَسٍ، وَالمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةً.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ جَابِرٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
(فلما أتى البيداء) وهي المفازة التي لا شيء فيها، وهي هنا اسم موضع مخصوص عند
ذي الحليفة .
(أحرم) أي: كرر إحرامه، أو أظهره وهو أظهر؛ لما ثبت أنه أحرم ابتداءً في مسجد ذي
الحليفة بعد ركعتي الإحرام؛ كذا في ((المرقاة)).
قلت: بل هو المتعين، ويدل عليه حديث أبي داود، وستقف عليه من قريب.
قوله: (وفي الباب عن ابن عمر) أخرجه الشيخان (١) عنه أنه يقول: ((ما أَهَلَّ رسول الله
وَل﴿ إلَّ من عند المسجد))؛ يعني: مسجد ذي الحليفة، هذا لفظ البخاري.
(وأنس) أخرجه الجماعة(٢)، ولفظ البخاري: ((صلى النبي ◌َّه بالمدينة أربعًا، وبذي
الحليفة ركعتين، ثم بات حتى أصبح بذي الحليفة، فلما ركب راحلته واستوت به أَهَلَّ».
وفي رواية لأبي داود: ((صلى الظهر، ثم ركب راحلته، فلما علا على جبل البيداء
أهلَّ».
(والمسور بن مخرمة) أخرجه البخاري، وأبو داود (٣) في قصة الحديبية، وفيه: «فلما كان
بذي الحليفة، قلد الهدي وأشعره، وأحرم منها)).
وفي الباب أيضًا: عن سعد بن أبي وقاص، أخرجه أبو داود(٤) عنه: ((كان نبي الله وَّ
إذا أخذ طريق الفرع أهل إذا استقلت به راحلته، وإذا أخذ طريق أحد أهل إذا أشرف على
جبل البيداء)).
قوله: (حديث جابر حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري.
(١) البخاري، كتاب الحج. حديث (١٥٤١)، ومسلم، كتاب الحج. حديث (١١٨٦).
(٢) البخاري، كتاب الحج. حديث (١٥٤٦)، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها. حديث (٦٩٠)،
وأبو داود (١٧٧٣)، والترمذي (٥٤٦)، والنسائي، كتاب مناسك الحج. حديث (٢٧٥٥)، وابن ماجه
(٢٩١٧).
(٣) البخاري، كتاب الحج. حديث (١٦٩٤)، وأبو داود، كتاب المناسك. حديث (١٧٥٤).
(٤) أبو داود، كتاب المناسك. حديث (١٧٧٥).

٦٤٨
كِتَابُ الحَجِّ عَنْ رَسُولِ اللهِوَّهِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ أَحْرَمَ النَّبِيُّ ◌َّهِ
[٨١٨] (٨١٨) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ مُوسَى بْنِ
عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: البَيْدَاءُ الَّتِي تَكْذِبُونَ فِيهَا
عَلَى رَسُولِ اللهِوََّ، وَالله، مَا أَهَلَّ رَسُولُ اللهِ وَّهِ إِلَّ مِنْ عِنْدِ المَسْجِدِ، مِنْ عِنْدِ
الشَّجَرَةِ. [خ مختصراً: ١٥٤١، م: ١١٨٦، ن: ٢٧٥٦، د: ١٧٧١، حم: ٦٣٩٢، طا: ٧٤٠].
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
[٨١٨] قوله: (البيداء التي تكذبون فيها ... إلخ) وفي رواية الشيخين: ((بيداؤكم هذه
تكذبون على رسول الله صلى فيها)).
وفي رواية لمسلم: ((كان ابن عمر إذا قيل له: الإحرام من البيداء، قال: البيداء التي
تكذبون فيها على رسول الله وَلات)).
قال النووي: قال العلماء: هذه البيداء هي الشرف الذي قُدَّام ذي الحليفة إلى جهة
((مكة))، وهي بقرب ذي الحليفة، وسميت بيداء؛ لأنه ليس فيها بناء ولا أثر، وكل مفازة
تسمی: بيداء.
وأما هَا هُنَا فالمراد بالبيداء ما ذكرناه.
وقوله: ((تكذبون فيها)) أي: تقولون: إنه ◌َّ أحرم منها، ولم يحرم منها، وإنما أحرم
قبلها من مسجد ذي الحليفة، ومن عند الشجرة التي كانت هناك، وكانت عند المسجد
وسماهم ابن عمر كاذبين؛ لأنهم أخبروا بالشيء على خلاف ما هو، والكذب عند أهل
السنة: هو الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو، سواء تعمده أم غلط فيه وسها .
وقال المعتزلة: يشترط فيه العمدية.
وعندنا: أن العمدية شرط لكونه إثمًا لا لكونه يسمى كذبًا، فقول ابن عمر جاء على
قاعدتنا . انتهى.
قوله: (والله ما أهل) أي: ما رفع صوته بالتلبية.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان.
اعلم: أن الصحابة ﴿ه اختلفوا في موضع إهلاله وَطير، وسبب اختلافهم: ما رواه
أبو داود في ((سننه)) (١) عن سعيد بن جبير قال: قلت لعبد الله بن عباس: يا أبا العباس،
(١) أبو داود، كتاب المناسك. حديث (١٧٧٠).

٦٤٩
كِتَابُ الحَجِّ عَنْ رَسُولِ الله ◌ِوَِّ ر بَابُ مَا جَاءَ مَتَّى أَحْرَمَ النَّبِيُّ ◌َّ؟
٩- بَابُ مَا جَاءَ مَتَى أَخْرَمَ النَّبِيُّ ◌ِّهِ؟ [ت٩، م٩]
[٨١٩] (٨١٩) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ
خُصَيْفٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ نَّهِ أَهَلَّ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ.
[خصيف، قال أحمد: ليس بحجة، ولا قوي، ن: ٢٧٥٣، مي: ١٨٠٧].
عجبت لاختلاف أصحاب رسول الله يسير في إهلال رسول الله وَّلله حين أوجب، فقال: إني
لأعلم الناس بذلك، إنها إنما كانت من رسول الله وَله حجة واحدة، فمن هناك اختلفوا؛
خرج رسول الله بيّي حاجًّا، فلما صلى في مسجده بذي الحليفة ركعتيه أوجب في مجلسه،
فأهل بالحج حين فرغ من ركعتيه، فسمع ذلك منه أقوام فحفظته عنه، ثم ركب فلما استقلت
به ناقته أهلَّ، وأدرك ذلك منه أقوام؛ وذلك أن الناس إنما كانوا يأتون أرسالًا فسمعوه حين
استقلت به ناقته يهل. فقالوا: إنما أهلَّ رسول الله وَ لقر حين استقلت به ناقته، ثم مضى
رسول الله ◌َيٍ فلما علا على شرف البيداء أهل، وأدرك ذلك منه أقوام؛ فقالوا: إنما أهل
حين علا على شرف البيداء، وايم الله، لقد أوجب في مصلاه، وأهلَّ حين استقلت به ناقته،
وأهلَّ حين علا على شرف البيداء. انتهى.
قال المنذري: في إسناده: خصيف بن عبد الرحمن الحراني؛ وهو ضعيف.
وقال الطحاوي بعد ذكر هذه الرواية بتمامها: فبين ابن عباس الوجه الذي جاء فيه
اختلافهم، وأن إهلال النبي وَلهو الذي ابتدأ الحج، ودخل فيه كان في مصلاه؛ فبهذا نأخذ؛
وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ومالك والشافعي وأحمد وأصحابهم.
وقال الأوزاعي وعطاء وقتادة: المستحب الإحرام من البيداء.
قال البكري: البيداء هذه فوق علمي ذي الحليفة لمن صعد من الوادي، وفي أول البيداء
بئر ماء؛ كذا في ((عمدة القاري)).
٩- باب ما جاء مَتَى أَحْرَمَ النَّبِيُّ ◌ِ﴾؟
أي: في أي وقت أحرم.
[٨١٩] قوله: (عن خصيف) بالخاء المعجمة، والصاد المهملة مصغرًا: ابن عبد الرحمن
الجزري أبو عون، صدوق سيئ الحفظ، خلط بآخره، ورمي بالإرجاء، من الخامسة؛ كذا في
((التقریب)).
قوله: (أهل في دبر الصلاة) بضم الدال المهملة والموحدة؛ أي: عقيبها .

٦٥٠
كِتَابُ الحَجِّ عَنْ رَسُولِ اللهِوََّ ر بَابُ مَا جَاءَ مَتَّى أَحْرَمَ النَِّيِّ ◌َِّ؟
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُ أَحَداً رَوَاهُ غَيْرَ عَبْدِ السَّلامِ بْنِ
حَرْبٍ، وَهُوَ الَّذِي يَسْتَحِبُّهُ أَهْلُ العِلْمِ: أَنْ يُحْرِمَ الرّجُلُ فِي دُبُرِ الصّلاةِ.
قوله: (هذا حديث غريب ... إلخ) قال الزيلعي في ((نصب الراية)): أخرجه الترمذي
والنسائي، قال في ((الإمام)): وعبد السلام بن حرب أخرج له الشيخان في ((صحيحيهما)).
وخصيف بن عبد الرحمن الجزري ضعفه بعضهم. انتهى.
وقال الحافظ في ((الدراية)»: فيه خصيف؛ وهو لين الحديث.
قوله: (وهو الذي يستحبه أهل العلم أن يحرم الرجل في دبر الصلاة) قال النووي: قال
مالك والشافعي والجمهور: إن الأفضل أن يحرم إذا انبعثت به راحلته.
وقال أبو حنيفة: يحرم عقيب الصلاة، وهو جالس قبل ركوب دابته، وقبل قيامه، وهو
قول ضعيف للشافعي، وفيه حديث من رواية ابن عباس، لكنه ضعيف. انتهى.
قلت: يشير إلى حديث الباب، قال الحافظ في ((الدراية)): قوله: ((ولو لبى بعدما استوت
به راحلته جاز؛ ولكن الأول أفضل؛ لما رويناه)»؛ کذا قال، والأحاديث في أنه لبی بعدما
استوت به راحلته أكثر وأشهر من الحديث الذي احتج به؛ ففي ((الصحيحين)) عن ابن عمر:
أنه آل حین استوت به راحلته.
وفي لفظ لمسلم(١): ((كان ◌ََّ إذا وضع رجله في الغرز وانبعثت به راحلته قائمة،
أهلّ)). وفي لفظ: ((لم أره يهل حتى تنبعث به راحلته)).
وللبخاري(٢) عن أنس: ((فلما ركب راحلته واستوت به، أهلّ)).
وله عن جابر(٣): إن إهلال رسول الله ◌َّلتر من ذي الحليفة حين استوت به راحلته.
ولمسلم(٤) عن ابن عباس: ((ثم ركب راحلته، فلما استوت به على البيداء، أهلّ)).
قال الحافظ: وقد ورد ما يجمع بين هذه الأحاديث من حديث ابن عباس عند أبي داود،
والحاكم، ثم ذكر الحديث؛ وقد تقدم.
قال: لو ثبت، لرجح ابتداء الإهلال عقيب الصلاة، إلا أنه من رواية خصيف، وفيه
ضعف، انتهى.
(١) مسلم، كتاب الحج. حديث (١١٨٧).
(٢) البخاري، كتاب الحج. حديث (١٥٤٦).
(٣) البخاري، كتاب الحج. حديث (١٥١٥).
(٤) مسلم، كتاب الحج. حديث (١٢٤٣).

٦٥١
كِتَابُ الحَجِّ عَنْ رَسُولِ الله ◌َّهِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي إِفْرَادِ الحَجِّ
١٠- بَابُ مَا جَاءَ في إِفْرَادِ الحَجّ [ت١٠، ١٠٢]
[٨٢٠] (٨٢٠) حَدَّثَنَا أَبُو مُصْعَبٍ قِرَاءَةً عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ
الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ أَفْرَدَ الحَجَّ. [م: ١٢١١، ن: ٢٧١٤،
د: ١٧٧٧، جه: ٢٩٦٤، حم: ٢٤٢٠٨، طا: ٧٤٧، مي: ١٨١٢].
قَالَ: وَفِي البَابِ: عَنْ جَابٍِ،
وقال في ((فتح الباري)): وقد اتفق فقهاء الأمصار على جواز جميع ذلك، وإنما الخلاف
في الأفضل. انتهى.
١٠ - باب ما جاء في إِفْرَادِ الحَجّ
اعلم أن الحج على ثلاثة أقسام: الإفراد، والتمتع، والقِران.
أما الإفراد: فهو الإهلال بالحج وحده في أشهره عند الجميع، وفي غير أشهره أيضًا من
يجيزه.
والاعتمار بعد الفراغ من أعمال الحج لمن شاء.
وأما التمتع: فالمعروف أنه الاعتمار في أشهر الحج، ثم التحلل من تلك العمرة
والإهلال بالحج في تلك السنة، ويطلق التمتع في عرف السلف على القِران أيضًا.
قال ابن عبد البر: لا خلاف بين العلماء أن التمتع المراد بقوله تعالى: ﴿فَنَ تَمَنَّعَ بِلْمُبْرَةِ
إِلَى الْخَيْ﴾ [البقرة: ١٩٦] أنه الاعتمار في أشهر الحج قبل الحج.
قال: ومن التمتع أيضًا القِران؛ لأنه تمتع بسقوط سفر النسك الآخر من بلده، ومن
التمتع فسخ الحج أيضًا إلى العمرة. انتهى.
وأما القِران: فصورته الإهلال بالحج والعمرة معًا، وهذا لا خلاف في جوازه، أو
الإهلال بالعمرة، ثم يدخل عليها الحج أو عكسه؛ هذا مختلف فيه؛ قاله الحافظ في
((الفتح)).
[٨٢٠] قوله: (أفرد الحج) أي: أحرم بالحج وحده.
قوله: (وفي الباب عن جابر) أخرجه مسلم (١).
(١) مسلم، كتاب الحج. حديث (١٢١٣).

٦٥٢
كِتَابُ الحَجِّ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَِّ / بَابُ مَا جَاءَ فِي إِفْرَادِ الحَجِّ
وَابْنِ عُمَرَ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ عَائِشَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضٍ أَهْلِ العِلْمِ.
وَرُوِي عَنِ ابْنٍ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ وَ أَفْرَدَ الحَجَّ، وَأَفرَدَ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ،
وَعُثْمَانُ. حَدَّثَنَا بِذَلِكَ قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ نافِعِ الصَّائِغُ، عَنْ عُبَيْدِ الله بْنِ عُمَرَ،
عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِهَذَا.
(وابن عمر) أخرجه أحمد ومسلم(١) .
وفي الباب أيضًا عن ابن عباس أخرجه مسلم(٢)، وعن عائشة أخرجه الشيخان(٣).
قوله: (حديث عائشة حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن
ماجه .
قوله: (وروي عن ابن عمر أن النبي ◌ّ﴾ أفرد الحج ... إلخ) لهذا الحديث دليل لمن
قال: إن الإفراد أفضل من القِران والتمتع.
اعلم: أنه قد اختلف في حجه وَّ هل كان قِرانًا أو تمتعًا أو إفرادًا؟
وقد اختلفت الأحاديث في ذلك: فروي عن عدة من الصحابة؛ أنه حج إفرادًا؛ كما
عرفت.
وروي عن جماعة منهم؛ أنه حج قرانًا .
وروي عن طائفة منهم؛ أنه حج تمتعًا؛ كما ستعرف.
وقد اختلفت الأنظار، واضطربت الأقوال، لاختلاف الأحاديث: فمن أهل العلم من
جمع بين الروايات؛ كالخطابي فقال: إن كان أضاف إلى النبي ◌ََّ ما أمر به اتساعًا، ثم
رجح أنه ◌ّ أفرد الحج.
وكذا قال عياض، وزاد فقال: وأما إحرامه فقد تضافرت الروايات الصحيحة بأنه كان
مفردًا .
(١) أحمد. حديث (٥٦٨٦)، ومسلم، كتاب الحج. حديث (١٢٣١).
(٢) مسلم، كتاب الحج. حديث (١٢٣٩).
(٣) البخاري، كتاب الحج. حديث (١٥٦٢)، ومسلم، كتاب الحج. حديث (١٢١١).

٦٥٣
كِتَابُ الحَجِّ عَنْ رَسُولِ اللهِوَلِ رَ بَابُ مَا جَاءَ فِي إِفْرَادِ الحَجِّ
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: إِنْ أَفْرَدْتَ الحَجَّ فَحَسَنٌ، وَإِنْ قَرَنْتَ فَحَسَنٌّ، وَإِنْ
تَمَتَّعْتَ فَحَسَنٌ.
وأما رواية من روى التمتع؛ فمعناه: أنه أمر به؛ لأنه صرح بقوله: ((ولولا أَنَّ مَعِيَ الهَدْيَ
لِأَحْلَلْتُ)) (١) ، فصح أنه لم يتحلل.
وأما رواية من روى القران: فهو إخبار عن آخر أحواله؛ لأنه أدخل العمرة على الحج،
لما جاء إلى الوادي. وقيل: ((قُلْ عمرة في حجة)).
قال الحافظ: هذا الجمع هو المعتمد، وقد سبق إلیه قدیمًا ابن المنذر، وبینه ابن حزم
في حجة الوداع بيانًا شافيًا، ومهده المحب الطبري تمهيدًا بالغًا يطول ذكره.
ومحصله: أن كل من روى عنه الإفراد، حمل على ما أهل به في أول الحال، وكل من
روى عنه التمتع أراد ما أمر به أصحابه، وكل من روى عنه القران أراد ما استقر عليه الأمر،
وجمع شيخ الإسلام ابن تيمية جمعًا حسنًا؛ فقال ما حاصله: إن التمتع عند الصحابة يتناول
القران؛ فتحمل عليه رواية من روى أنه وِّل إر حج تمتعًا، وكل من روى الإفراد قد روى أنه وَّـ
حج تمتعًا وقرانًا، فتعين الحمل على القران، وأنه أفرد أعمال الحج ثم فرغ منها، وأتى
بالعمرة.
ومن أهل العلم: من صار إلى التعارض، فرجح نوعًا وأجاب عن الأحاديث القاضية بما
يخالفه، وهي جوابات طويلة أكثرها متعسفة.
وأورد كل منهم لما اختاره مرجحات: أقواها وأولاها مرجحات القران، لا يقاومها
شيء من مرجحات غيره.
وقد ذكر صاحب ((الهدي)) مرجحات كثيرة، ولكنها مرجحات باعتبار أفضلية القران على
التمتع والإفراد، لا باعتبار أنه وَلتر حج قرانًا، وهو بحث آخر؛ كذا في ((النيل)).
قوله: (وقال الثوري: إن أفردت الحج فحسن، وإن قرنت فحسن، وإن تمتعت فحسن)
الظاهر من كلام الثوري هذا: أن الأنواع الثلاثة عنده سواء، لا فضيلة لبعضها على بعض.
قال الحافظ في ((الفتح)): حكى عياض عن بعض العلماء: أن الصور الثلاثة في الفضل
سواء، وهو مقتضى تصرف ابن خزيمة في ((صحيحه)). انتهى.
(١) البخاري، كتاب الحج. حديث (١٥٥٨)، ومسلم، كتاب الحج. حديث (١٢٥٠).

٦٥٤
كِتَابُ الحَجِّ عَنْ رَسُولِ الله ◌َّهِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي الجَمْعِ بَيْنَ الحَجِّ وَالعُمْرَة
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ مِثْلَهُ.
وَقَالَ: أَحَبُّ إِلَيْنَا الْإِفْرَادُ، ثُمَّ التَّمَتُّعُ، ثُمَّ الْقِرَانُ.
١١- بَابُ مَا جَاءَ في الجَمْعِ بَيْنَ الحَجِّ وَالعُمْرَة [ت١١، ١١٢]
[٨٢١] (٨٢١) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ:
سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَّهِ يَقُولُ: ((لَبَّيْكَ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ)). [خ: ١٥٦٣، م: ١٥٢١، ن: ٢٧٢٨، د: ١٧٩٥،
جه: ٢٩١٧، حم: ١١٦٨١، مي: ١٩٢٤].
قوله: (وقال الشافعي مثله، وقال: أحب إلينا الإفراد، ثم التمتع، ثم القران) .
وعند الحنفية: القران أفضل من التمتع والإفراد، والتمتع أفضل من الإفراد.
قال الحافظ في ((الفتح)): ذهب جماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى أن التمتع
أفضل؛ لكونه وَّر تمناه، فقال: ((لَوْلا أَنِّي سُقْتُ الهَدْيَ لأَحْلَلْتُ))، ولا يتمنى إلا الأفضل؛
وهو قول أحمد بن حنبل في المشهور عنه. وأجيب: بأنه إنما تمناه؛ تطييبًا لقلوب أصحابه؛
لحزنهم على فوات موافقته، وإلا فالأفضل ما اختاره الله له واستمر عليه.
وقال ابن قدامة: يترجح التمتع بأن الذي يفرد إن اعتمر بعدها فهي عمرة مختلف في
إجزائها عن حجة الإسلام، بخلاف عمرة التمتع، فهي مجزئة بلا خلاف؛ فيترجح التمتع
على الإفراد، ويليه القران.
وقال من رجح القران: هو أشق من التمتع، وعمرته مجزئة بلا خلاف، فيكون أفضل منهما .
وعن أبي يوسف: القران والتمتع في الفضل سواء، وهما أفضل من الإفراد.
وعن أحمد: من ساق الهدي، فالقران أفضل له، ليوافق فعل النبي ◌َّر، ومن لم يسق
الهدي، فالتمتع أفضل له؛ ليوافق ما تمناه وأمر به أصحابه؛ كذا في ((فتح الباري)).
١١ - باب ما جاء في الجَمْعِ بَيْنَ الحَجّ والعُمْرَةِ
أَي: القِرَانُ.
[٨٢١] قوله: (يقول: لبيك بعمرة وحجة) وفي رواية الشيخين: ((يلبي بالحج والعمرة
جميعًا، يقول: لبيك عمرة وحجًا)). وهو من أدلة القائلين بأن حجه وَليل كان قرانًا.
وقد رواه عن أنس جماعة من التابعين؛ منهم: الحسن البصري، وأبو قلابة، وحميد بن

٦٥٥
كِتَابُ الحَجِّ عَنْ رَسُولِ اللهِوَهِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّمَتُّعِ
قَالَ: وَفِي البَابِ: عَنْ عُمَرَ، وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ أَنَسِ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ إِلَى هَذَا، وَاخْتَارُوهُ مِنْ أَهْلِ الكُوفَةِ وَغَيْرِهِمْ.
١٢- بَابُ مَا جَاءَ في التَّمَتُّعِ (ت١٢، م١٢]
[٨٢٢] (٨٢٢) حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ إِدْرِيسَ،
عَنْ لَيْثٍ، عَنْ طَاؤُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: تَمَتَّعَ رَسُولُ الله ◌َ، وَأَبُو بَكْرٍ،
وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَأَوَّلُ مَنْ نَهَى عَنْهُ مُعَاوِيَةُ. [مُحَمَّد بن عبد الله، لم يوثقه غير ابن حبان].
هلال، وحميد بن عبد الرحمن الطويل، وقتادة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وثابت البناني،
وعبد العزيز بن صهيب وغيرهم.
قوله: (وفي الباب عن عمر) بن الخطاب قال: سمعت رسول الله وَ له وهو بوادي العقيق
يقول: ((أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ من رَبِّي فقال: صَلِّ في الوَادِي المُبَارَكِ، وقُلْ: عُمْرَةٌ في حَجَّةٍ)).
أخرجه أحمد والبخاري وأبو داود وابن ماجه(١) .
وفي رواية للبخاري: ((وقُلْ: عُمْرَةٌ وحَجَّة)).
(وعمران بن حصين) أخرجه مسلم(٢).
وفي الباب أيضًا عن ابن عمر عند الشيخين(٣). وعن عائشة عندهما أيضًا (٤)، وعن
جماعة من الصحابة
١٢ - باب ما جاء في التَّمَتُّعِ
[٨٢٢] قوله: (تمتع رسول الله وَلفي وأبو بكر وعمر وعثمان ... إلخ) يعارضه ما في
((صحيح مسلم))، قال عبد الله بن شقيق: كان عثمان ينهى عن المتعة، وكان علي يأمر بها،
(١) أحمد. حديث (١٦٢)، والبخاري، كتاب الحج. حديث (١٥٣٤)، وأبو داود، كتاب المناسك. حديث
(١٨٠٠)، وابن ماجه، كتاب المناسك. حديث (٢٩٧٦).
(٢) مسلم، كتاب الحج. حديث (١٢٢٦).
(٣) البخاري، كتاب الحج. حديث (١٥٦٦)، ومسلم، كتاب الحج. حديث (١٢٢٩).
(٤) البخاري، كتاب الحج. حديث (١٥٥٦)، ومسلم، كتاب الحج. حديث (١٢١١).

٦٥٦
كِتَابُ الحَجِّ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّمَتُّعِ
قَالَ: وَفِي الْبَابِ: عَنْ عَلِيٍّ، وَعُثْمَانَ، وَجَابِرٍ، وَسَعدٍ، وَأَسْمَاءَ ابنة أَبِي بَكْرٍ،
وَابْنِ عُمَرَ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاس حَدِيثٌ حَسَنٌّ.
وَقَدِ اخْتَارَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ بَّهَ وَغَيْرِهِم التَّمتُّعَ بِالْعُمْرَةِ،
وَالتَّمَتُّعُ: أَنْ يَدْخُلَ الرَّجُلُ بِعُمْرَةٍ فِي أَشْهُرِ الحَجِّ، ثُمَّ يُقِيم حَتَّى يَحِجَّ، فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ،
وَعَلَيْهِ دَمُّ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ،
وقد تقدم نهي عمر رظلُّه، فيمكن أن يجاب: أن نهيهما محمول على التنزيه، ونهي معاوية
رَُّه على التحريم؛ فأوَّليته باعتبار التحريم.
قال النووي رحمه الله: وكان عمر وعثمان ينهيان عنها نهي تنزيه لا تحريم. انتهى.
ويمكن الجمع بين فعلهما ونهيهما: بأن الفعل كان متأخرًا لما علما جواز ذلك، ويحتمل
أن يكون لبيان الجواز؛ كذا في ((شرح أبي الطيب)).
قوله: (وفي الباب عن علي وعثمان) أخرج مسلم وأحمد (١) عن عبد الله بن شقيق: أن
عليًّا كان يأمر بالمتعة، وعثمان ينهي عنها، فقال عثمان كلمة، فقال علي: لقد علمت أنا
تمتعنا مع رسول الله وَله، فقال عثمان: أجل، ولكنا كنا خائفين.
(وجابر) أخرجه مسلم(٢) . (وسعد) بن أبي وقاص أخرجه أحمد ومسلم(٣) ، عن
غنيم بن قيس المازني قال: سألت سعد بن أبي وقاص عن المتعة في الحج، فقال: فعلناها
وهذا يومئذ كافر بالعروش، يعني: بيوت ((مكة))، يعني: معاوية. انتهى. (وأسماء ابنة
أبي بكر (٤) وابن عمر) أخرجه الشيخان(٥)، وفي الباب أيضًا عن عائشة أخرجه الشيخان(٦).
قوله: (حديث ابن عباس حديث حسن) وأخرجه أحمد أيضًا.
قوله: (فإن لم يجد) أي: الهدي، ويتحقق ذلك بأن يعدم الهدي، أو يعدم ثمنه حينئذ،
(١) أحمد. حديث (٧٥٨)، ومسلم، كتاب الحج. حديث (١٢٢٣).
(٢) مسلم، كتاب الحج. حديث (١٢١٦).
(٣) أحمد. حديث (١٥٠٦)، ومسلم، كتاب الحج. حديث (١٢٢٥).
(٤) البخاري، كتاب الحج. حديث (١٧٩٦)، ومسلم، كتاب الحج. حديث (١٢٣٧).
(٥) البخاري، كتاب الحج. حديث (١٦٩١)، ومسلم، كتاب الحج. حديث (١٢٢٧).
(٦) البخاري، كتاب الحج. حديث (١٦٩٢)، ومسلم، كتاب الحج. حديث (١٢٢٧).

٦٥٧
كِتَابُ الحَجِّ عَنْ رَسُولِ الله وَِّ / بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّمَتُّعِ
وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ إِلَى أهْلِهِ، وَيُسْتَحَبُّ لِلمُتَمِّعِ، إِذَا صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ، أَنْ
يَصُومَ فِي العَشْرِ، وَيَكُون آخِرُهَا يَوْمَ عَرَفَةَ، فَإِنْ لَمْ يَصُمْ فِي العَشْرِ، صَامَ أَيَّامَ
التَّشْرِيقِ، فِي قَوْلِ بَعْضٍ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ وَّهِ، مِنْهُمْ: ابْنُ عُمَرَ،
وَعَائِشَةَ، وَبِهِ يَقُولُ: مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ.
أو يجد ثمنه لكن يحتاج إليه لأهم من ذلك، أو يجده لكن يمتنع صاحبه من بيعه، أو يمتنع من
بيعه إلا بغلائه، فينقل إلى الصوم؛ كما هو نص القرآن: ﴿فَصِيَامُ ثَلَكَةِ أَيَّامٍ فِي لَلْيَجْ﴾ [البقرة: ١٩٦]
أي: بعد الإحرام به.
. وقال النووي: هذا هو الأفضل؛ فإن صامها قبل الإهلال بالحج، أجزأه على الصحيح،
وأما قبل التحلل من العمرة، فلا على الصحيح، قاله مالك، وجوزه الثوري، وأصحاب
الرأي.
وعلى الأول: فمن استحب صيام عرفة بعرفة قال: يحرم يوم السابع ليصوم السابع
والثامن والتاسع، وإلا فيحرم يوم السادس ليفطر بعرفة.
(وسبعة إذا رجع إلى أهله) أشار إلى أن المراد بقوله تعالى: ﴿إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦]:
الرجوع إلى الأمصار، وبذلك فسر ابن عباس ظه كما في ((صحيح البخاري)).
ووقع في حديث ابن عمر المرفوع: ((فَمَنْ لم يَجِدْ هَذْيًا فليَصُمْ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ في الحَجِّ،
وسَبْعَةً إذا رَجَعَ إلى أَهْلِهِ)). أخرجه البخاري(١) في باب: مَنْ سَاقَ البدن معه؛ وهذا هو قول
الجمهور.
وعن الشافعي معناه: الرجوع إلى ((مكة))، وعبر عنه مرة بالفراغ من أعمال الحج. ومعنى
الرجوع: التوجه من ((مكة))، فيصومها في الطريق إن شاء، وبه قال إسحاق بن راهويه؛ قاله
الحافظ.
(ومنهم ابن عمر وعائشة؛ وبه يقول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق) قال الحافظ في
(الفتح)): روي عن ابن عمر وعائشة موقوفًا ((أَنَّ آخِرَها يَوْمُ عَرَفَةَ، فإنْ لم يَفْعَلْ صامَ أَيَّامَ
مِنى))(٢) ؛ أي: الثلاثة التي بعد يوم النحر، وهي أيام التشريق؛ وبه قال الزهري والأوزاعي
(١) البخاري، كتاب الحج. حديث (١٦٩١).
(٢) البخاري، كتاب الصوم. حديث (١٩٩٩).

٦٥٨
كِتَابُ الحَجِّ عَنْ رَسُولِ الله وَِّ / بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّمَتُّعِ
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَصُومُ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ، وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْكُوفَةِ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَأَهْلُ الحَدِيثِ يَخْتَارُونَ التَّمَتُّعَ بِالعُمْرَةِ فِي الحَجِّ، وَهُوَ قَوْلُ
الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ.
ومالك والشافعي في القديم، ثم رجع عنه، وأخذ بعموم النهي عن صيام أيام التشريق.
انتھی.
(وقال بعضهم: لا يصوم أيام التشريق، وهو قول أهل الكوفة) وهو قول الحنفية،
وحجتهم: نبيشة الهذلي عند مسلم مرفوعًا: ((أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وشُرْبٍ)) (١).
وله من حديث كعب بن مالك: ((أَيَّامُ مِنِى أَيَّامُ أَكْلٍ وشُرْبٍ))(٢).
ومنها: حديث عمرو بن العاص أنه قال لابنه عبد الله في أيام التشريق: ((إِنَّهَا الأيام التي
نهى رسول الله وَّل عن صومهن، وأمر بفطرهن))، أخرجه أبو داود وابن المنذر، وصحَّحه ابن
خزيمة والحاكم(٣).
وحجة من قال: إنه يجوز للمتمتع أن يصوم أيام التشريق: ما رواه البخاري عن عروة،
عن عائشة، وعن سالم، عن ابن عمر؛ قالا: لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن
لم يجد الهدي.
قال الحافظ في ((الفتح)): كذا رواه الحفاظ من أصحاب شعبة، بضم أوله على البناء لغير
معین .
ووقع في رواية يحيى بن سلام عن شعبة عند الدارقطني(٤) - واللفظ له - والطحاوي:
رخص رسول الله وَّ للمتمتع إذا لم يجد الهدي، أن يصوم أيام التشريق.
وقال: إن يحيى بن سلام ليس بالقوي، ولم يذكر طريق عائشة، وأخرجه من وجه آخر
ضعيف عن الزهري، عن عروة، عن عائشة.
وإذا لم تصح هذه الطرق المصرحة بالرفع، بقي الأمر على الاحتمال.
(١) مسلم، كتاب الصيام. حديث (١١٤١).
(٢) الطبراني في ((الصغير)) (٨٠).
(٣) مالك. حديث (٨٤٦)، وأبو داود، كتاب الصوم. حديث (٢٤١٨)، وابن خزيمة (٢٩٦١)، والحاكم. حديث
(١٥٨٩).
(٤) الدارقطني (١٨٦/٢) (٢٩).

٦٥٩
كِتَابُ الحَجّ عَنْ رَسُولِ اللهِوَِّ / بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّمَتُّعِ
[٨٢٣] (٨٢٣) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ
عَبْدِ الله بْنِ الحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ، أَنَّهُ سَمِعَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ، وَالضَّحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ،
وَهُمَا يَذْكُرَان التَّمَتُّعَ بِالعُمْرَةِ إِلَى الحَجِّ، فَقَالَ الضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ: لَا يَصْنَعُ ذَلِكَ إِلَّ
مَنْ جَهِلَ أَمرَ الله تَعَالَى، فَقَالَ سَعْدٌ: بِئْسَ مَا قُلْتَ يَا ابْنَ أخِي، فَقَالَ الضَّحَّاكُ بْنُ
وقد اختلف علماء الحديث في قول الصحابي: أمرنا بكذا، ونهينا عن كذا، هل له حكم
الرفع؟
على أقوال: ثالثها: إن أضافه إلى عهد النبي ◌َّهِ فله حكم الرفع، وإلا فلا.
واختلف الترجيح فيما إذا لم يضفه ويلتحق به: رخص لنا في كذا، وعزم علينا ألا نفعل
كذا، كل في الحكم سواء؛ فمن يقول: إن له حكم الرفع، فغاية ما وقع في رواية يحيى بن
سلام، أنه روى بالمعنى، لكن قال الطحاوي: إن قول ابن عمر وعائشة: ((لم يرخص)) أخذاه
من عموم قوله تعالى: ﴿فَ لَمْ يَجِدْ فَضِيَامُ ثَةٍ أََّمٍ فِي ◌َّ﴾ [البقرة: ١٩٦]؛ لأن قوله: ((في الحج))
يعم ما قبل يوم النحر وما بعده؛ فيدخل أيام التشريق.
فعلى هذا فليسٍ بمرفوع، بل هو بطريق الاستنباط منهما عما [فهماه] من عموم الآية،
وقد ثبت نهيه ◌َّيه عن صوم أيام التشريق، وهو عامّ في حق المتمتع وغيره، وعلى هذا فقد
تعارض عموم الآية المشعر بالإذن، وعموم الحديث المشعر بالنهي.
وفي تخصيص عموم المتواتر بعموم الآحاد نظر لو كان الحديث مرفوعًا، فكيف وفي
كونه مرفوعًا نظر؛ فعلى هذا يترجح القول بالجواز؛ وإلى هذا جنح البخاري؛ كذا في ((فتح
الباري)).
[٨٢٣] قوله: (إنه سمع سعد بن أبي وقاص) أحد العشرة المبشرة بالجنة، مناقبه كثيرة
مضرعنه .
(والضحاك بن قيس) بن خالد بن وهب الفهري أبو أنيس الأمير المشهور صحابي صغير،
قتل في وقعة ((مرج راهط)) سنة أربع وستين؛ كذا في ((التقريب)).
وقال الخزرجي في ((الخلاصة)): شهد فتح ((دمشق))، وتغلب عليها بعد موت يزيد، ودعا
إلى البيعة، وعسكر بظاهرها، فالتقاه مروان بـ((مرج راهط)) سنة أربع وستين فقتل، قيل: ولد
قبل وفاة النبي ◌َّ بست سنين.
قوله: (لا يصنع ذلك) أي: التمتع. (إلا من جهل أمر الله تعالى) أي: لأنه تعالى قال:

٦٦٠
كِتَابُ الحَجِّ عَنْ رَسُولِ الله ◌ِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّمَتُّعِ
قيسٍ: فَإِنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ قَدْ نَهَى عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ سَعْدٌ: قَدْ صَنَعَها رَسُولُ الله ◌َيَ
وَصَنَعْنَاهَا مَعَهُ.
قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
[٨٢٤] (٨٢٤) حَدَّثَنَا عَبْدُ بن حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا
أَبِي، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ الله، حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ
رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الشَّامِ وَهُوَ يَسْأَلُ عَبْدَ الله بْنَ عُمَرَ عَنِ التَّمَتُّعِ بِالعُمْرَةِ إِلَى الحَجِّ، فَقَالَ
عَبْدُ الله بْنُ عُمَرَ: هِي حَلَالٌ، فَقَالَ الشَّامِيُّ: إِنَّ أَبَاكَ قَدْ نَهَى عَنْهَا، فَقَالَ عَبْدُ الله بْنُ
عُمَرَ: أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ أَبِي نَهَى عَنْهَا، وَصَنَعَهَا رَسُولُ الله ◌ِ، أَأَمْرُ أَبِي يُتَّبَعُ أَمْ أَمرُ
رَسُولِ الله ◌ِ؟ فَقَالَ الرَّجُلُ: بَلْ أَمْرِ رَسُولِ الله ◌ِهِ، فَقَالَ: لَقَدْ صَنَعَهَا رَسُولُ اللهِ وَهِ.
﴿وَأَتِّقُواْ الْحَجَّ وَالْعُبْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فأمره بالإتمام يقتضي استمرار الإحرام إلى فراغ الحج،
ومنع التحلل، والتمتع يحلل.
(فإن عمر بن الخطاب قد نهى عن ذلك) قال الباجي: إنما نهى عنه؛ لأنه رأى الإفراد
أفضل منها، ولم ينه عنه تحریمًا .
قال عياض: إنه نهى عن الفسخ، ولهذا كان يضرب الناس عليها؛ كما في ((مسلم))؛ بناء
على معتقده: إن الفسخ خاص بتلك السنة.
قال النووي: والمختار أن عمر وعثمان وغيرهما إنما نهوا عن المتعة المعروفة التي هي
الاعتمار في أشهر الحج، ثم الحج في عامه؛ وهو على التنزيه للترغيب في الإفراد، [لكونه
أفضل]، ثم انعقد الإجماع على جواز [الإفراد والتمتع والقران] من غير كراهة، وبقي
الخلاف في الأفضل؛ كذا في ((المحلى شرح الموطأ)).
(قد صنعها رسول الله( 18) أي: المتعة اللغوية؛ وهي: الجمع بين الحج والعمرة،
وحكم القران والمتعة واحد؛ قاله القاري.
(وصنعناها معه) قال: أي: المتعة اللغوية أو الشرعية، إذ تقدم أن بعض الصحابة تمتعوا
في حجة الوداع، والحاصل: أن القران وقع منه وَّر، والتمتع من بعض أصحابه.
قوله: (هذا حديث صحيح) وأخرجه مالك في ((الموطأ)).
[٨٢٤] (أمر أبي) بتقدير همزة الاستفهام، وفي بعض النسخ: ((أأمر أبي)) بذكر الهمزة.
(يتبع) بصيغة المجهول.