Indexed OCR Text

Pages 601-620

٦٠١
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ الله ◌َّهِ ر بَابُ مَنْ أَكَلَ ثُمَّ خَرَجَ يُرِيدُ سَفَرًا
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ.
ويَزِيدُ هُوَ: ابْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، مَوْلَى سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ.
٧٦- بَابٌ مَنْ أَكَلَ ثُمَّ خَرَجَ يُرِيدُ سَفَرًا [ت٧٦، ٧٦٢]
[٧٩٩] (٧٩٩) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ زَيدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ
مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، أَنَّهُ قَالَ: أَتَيْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ فِي رَمَضَانَ
وَهُوَ يُرِيدُ سَفَرًا، وَقَدْ رُحِلَتْ لَهُ رَاحِلَتُهُ، وَلَبِسَ ثِيَابَ السَّفَرِ، فَدَعَا بِطَعَامٍ فَأَكَلَ،
قال الحافظ في ((الفتح)): قوله: ((يطوقونه)) بفتح الطاء، وتشديد الواو مبنيًّا للمفعول،
مخفف الطاء من: طوق بضم أوله بوزن: قطع، وهذه قراءة ابن مسعود أيضًا.
وقد وقع عند النسائي(١) من طريق ابن أبي نجيح، عن عمرو بن دينار: ((يطوقونه)):
يكلفونه، وهو تفسير حسن؛ أي: يكلفون إطاقته. انتهى.
وقال فيه أيضًا: ورجح ابن المنذر النسخ من جهة قوله: ﴿وَأَنْ تَصُومُواْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ قال:
لأنها لو كانت في الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصيام لم يناسب أن يقال له: ﴿وَأَن تَصُومُواْ
خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ مع أنه لا يطيق الصيام. انتهى.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح غريبٌ) وأخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي.
(ويزيد هو: ابن أبي عبيد مولى سلمة بن الأكوع) ثقة، من الرابعة.
٧٦- باب ما جاء مَنْ أَكَلَ ثُمَّ خَرَجَ يُرِيدُ سَفَرًا
[٧٩٩] قوله: (حدثنا عبد الله بن جعفر) بن نجيح السعدي، مولاهم أبو جعفر المدني
والد علي، بصري، أصله من ((المدينة)) ضعيف، من الثامنة، يقال: تغير حفظه بآخره؛ كذا
في ((التقريب)).
وقال الذهبي في ((الميزان)): متفق على ضعفه، لكنه لم يتفرد بهذا الحديث، بل تابعه
محمد بن جعفر في الرواية الآتية، وهو ثقة.
(وقد رحلت له راحلته) ؛ أي: وضع الرَّحْلُ على راحلته؛ لركوبه للسفر، والراحلة
هي: البعير القوي على الأسفار والأحمال، يستوي فيه الذكر وغيره، وهاؤه للمبالغة.
(١) النسائي في ((الكبرى)) (١١٠١٩).

٦٠٢
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَ﴿ رَ بَابُ مَنْ أَكَلَ ثُمَّ خَرَجَ يُرِيدُ سَفَرًا
فَقُلْتُ لَهُ: سُنَّةُ؟ فَقَالَ سُنَّةٌ، ثُمَّ رَكِبَ.
[٨٠٠] (٨٠٠) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ، عَنْ
مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: أَتَيْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ فِي رَمَضَانَ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌّ.
وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ هُوَ: ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ هُوَ مَدِينِيٍّ ثِقَةٌ وهُوَ: أَخُو إِسْمَاعِيلَ بْنِ
جَعْفَرٍ، وَعَبْدُ الله بْنُ جَعْفَرٍ: هُوَ ابْنُ نَجِيحِ، وَالِدُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللهِ المَدِينِيِّ، وَكَانَ
يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ يُضَعِّفُهُ. وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضَُّ أَهْلِ العِلْمِ إِلَى هَذَا الحَدِيثِ، وَقَالُوا:
لِلْمُسَافِرِ أَنْ يُفْطِرَ فِي بَيْتِهِ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْصُرَ الصَّلَاةَ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ
جِدَارِ المَدِينَةِ أَوِ القَرْيَةِ،
(فقلت له: سنة) أي: هذا سنة؟ (فقال: سُنّة) فيه: دليل لمن قال: إنه يجوز للمسافر أن
يفطر في بيته قبل أن يخرج.
وفي الباب حديث عبيد بن جبير، قال: كنت مع أبي بصرة الغفاري في سفينة من
الفسطاط في رمضان فدفع، ثم قرب غداءه قال: اقترب. قلت: ألست ترى البيوت؟ قال:
أترغب عن سُنَّةِ رسول الله وَلِّ؟ فأكل. أخرجه أبو داود(١) ، وسكت عنه هو والمنذري
والحافظ في ((التلخيص)).
وقال الشوكاني في ((النيل)): رجال إسناده ثقات.
قوله: (هذا حديث حسن) ولا بأس بكون عبد الله بن جعفر في الطريق الأولى؛ فإنه لم
يتفرد به، بل تابعه محمد بن جعفر في الطريق الثانية، وهو ثقة.
[٨٠٠] قوله: (وقد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا الحديث ... إلخ) قال الشوكاني في
((النيل)): وهذان الحديثان، يعني: حديث أنس، وحديث عبيد بن جبير يدلان على أنه يجوز
للمسافر أن يفطر قبل خروجه من الموضع الذي أراد السفر منه.
قال ابن العربي في ((العارضة)): هذا صحيح ولم يقل به إلا أحمد، أما علماؤنا فمنعوا
منه، لكن اختلفوا: إذا أكل هل عليه كفارة؟ فقال مالك: لا .. وقال أشهب: هو متأول.
(١) أبو داود، كتاب الصوم. حديث (٢٤١٢).

٦٠٣
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَِّ / بَابُ مَا جَاءَ فِي تُحْفَةِ الصَّائِم
وَهُوَ: قَوْلُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الحَنْظَليِّ.
٧٧- بَابٌ مَا جَاءَ في تُحْفَةِ الصَّائِمِ [ت٧٧، ٧٧٢]
[٨٠١] (٨٠١) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ سَعدِ بْنِ طَرِيفٍ،
عَنْ عُمَيْرِ بْنِ مَأْمُونٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((تُحْفَةُ الصَّائِم
الدُّهْنُ وَالمِجْمَرُ)). [موضوع، سعد بن طريف متروك].
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِذَاكَ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثٍ
وقال غيرهما: يكفِّر ونحب ألا يكفّر؛ لصحة الحديث، ولقول أحمد: عذر يبيح
الإفطار، فَسَرَيَانُهُ على الصوم يبيح الفطر كالمرض، وفرق بأن المرض لا يمكن دفعه؛
بخلاف السفر.
قال ابن العربي: وأما حديث أنس فصحيح، يقتضي جواز الفطر مع أهبة السفر، ثم ذكر
أن قوله: ((من السنة)) لابد من أن يرجع إلى التوقيف.
والخلاف في ذلك معروف في الأصول.
والحق أن قول الصحابي من السنة ينصرف إلى سنة الرسول 3 18، وقد صرح هذان
الصحابيان بأن الإفطار للمسافر قبل مجاوزة البيوت من السنة. انتهى ما في ((النيل)). (وهو
قول إسحاق بن إبراهيم) هو: إسحاق بن راهويه.
٧٧- باب ما جاء في تُحْفَةِ الصَّائِمِ
[٨٠١] قوله: (عن سعد بن طريف) الحنظلي الكوفي متروك، ورماه ابن حبان بالوضع،
وكان رافضيًّا؛ كذا في ((التقريب)).
(عن عمير بن مأمون) مقبول، من الرابعة.
قوله: (تحفة الصائم الدهن والمِجْمَر) بكسر الميم؛ هو: الذي يوضع فيه النار للبخور.
قال في ((النهاية)): يعني: أنه يذهب عنه مشقة الصوم وشدته، والتحفة: طرفة الفاكهة،
وقد تفتح الحاء، والجمع: التحف، ثم تستعمل في غير الفاكهة من الألطاف والنغص.
انتهى. فإذا زار أحدكم أخاه وهو صائم، فليتحفه بذلك.
قوله: (هذا حديث غريب ليس إسناده بذاك) أي: ليس إسناده بالقوي.

٦٠٤
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِوََّ ر بَابُ مَا جَاءَ فِي الْفِظْرِ وَالْأَضْحَى مَتَى يَكُونُ
سَعْدِ بْنِ طَرِيف. وَسَعْدُ بْنُ طَرِيفٍ يُضَعَّفُ، وَيُقَالُ: عُمَيْرُ بْنُ مَأْمُوم أَيْضًا.
٧٨- بَابُ مَا جَاءَ في الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى مَتَى يَكُونُ [ت٧٨، ٧٨٢]
[٨٠٢] (٨٠٢) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ الْيَمانِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ
مُحَمَّدٍ بْنِ المُنْكَدِرِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((الْفِطْرُ يَوْمَ يُفْطِرُ
النَّاسُ، وَالْأَضْحَى يَوْمَ يُضَحِّي النَّاسُ)). [جه بنحوه: ١٦٦٠].
قَالَ أَبُو عِيسَى: سَأَلْتُ مُحَمَّداً قُلْتُ لَهُ: مُحَمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ سَمِعَ مِنْ عَائِشَة؟
قَالَ: نَعَمْ يَقُولُ فِي حَدِيثِهِ: سَمِعْتُ عَائِشَة.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ مِن هَذَا الْوَجْهِ.
(وسعد ... يضعف) قال ابن معين: لا يحل لأحد أن يروي عنه.
وقال أحمد وأبو حاتم: ضعيف الحديث.
وقال النسائي والدارقطني: متروك.
وقال ابن حبان: كان يضع الحديث على الفور.
وقال البخاري: ليس بالقوي عندهم؛ كذا في ((الميزان))، وذكر الذهبي في حديث الباب
من منكراته.
قوله: (ويقال: عمير بن مأموم أيضًا) يعني: بالميم بدل النون.
٧٨ - باب ما جاء في الفِطْرِ والأَضْحَى مَتَى يَكُونُ؟
وقد بوَّب الترمذي فيما تقدم بلفظ: باب: ما جاء أن الفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم
تضحون، وذكر فيه حديث أبي هريرة مرفوعًا: ((الصَّوْمُ يومَ تَصُومُونَ، والفِظْرُ يومَ تُفْطِرُونَ،
والأَضْحَى يومَ تُضَخُونَ) وحَسَّنه (١).
[٨٠٢] قوله: (الفطر يوم يفطر الناس، والأضحى يوم يضحي الناس) قال الترمذي فيما
تقدم: فسر بعض أهل العلم هذا الحديث، فقال: الصوم والفطر مع الجماعة، وعظم
الناس. انتهى. قال في ((سبل السلام)): فيه دليل على أنه يعتبر في ثبوت العيد الموافقة
(١) الترمذي، كتاب الصوم. حديث (٦٩٧).

٦٠٥
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَهَ ر بَابُ مَا جَاءَ فِي الاعْتِكَافِ إِذَا خَرَجَ مِنْهُ
٧٩- بَابُ مَا جَاءَ في الاعْتِكَافِ إِذَا خَرَجَ مِنْهُ [ت٧٩، ٧٩٢]
[٨٠٣] (٨٠٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، قَالَ: أَنْبَأَنَا حُمَيْدٌ
الطَّوِيلُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ يَعْتَكِفُ فِي العَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ
رَمَضَانَ، فَلَمْ يَعتَكِفْ عَاماً، فَلَمَّا كَانَ فِي العَامِ المُقْبِلِ اعْتَكَفَ عِشْرِينَ. [٥: ٢٤٦٣،
جه: ١٧٧٠، حم: ٢٠٧٧٠].
للناس، وأن المنفرد بمعرفة يوم العيد بالرؤية يجب عليه موافقة غيره، ويلزمه حكمهم في
الصلاة والإفطار والأضحية. انتهى. وقد تقدم الكلام في هذا.
٧٩- باب ما جاء في الاعْتِكَافِ إذا خَرَجَ منه
قد عقد الترمذي فيما تقدم باب: الاعتكاف، ثم عقد عدة أبواب لا تعلق لها
بالاعتكاف، ثم عقد هذا الباب. وهذا ليس بمستحسن، وكان له أن يسوق أبواب الاعتكاف
كلها متوالية متناسقة.
[٨٠٣] قوله: (فلم يعتكف عامًا) قال القاري: لعله كان لعذر. انتهى.
قلت: الظاهر: أن عدم اعتكافه كان لعذر السفر، يدل عليه ما أخرجه النسائي، واللفظ
له، وأبو داود وصححه ابن حبان(١) وغيره من حديث أبي بن كعب؛ أن النبي ◌َّ و كان
يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فسافر عامًا فلم يعتكف، فلما كان العام المقبل اعتكف
عشرين؛ كذا في ((الفتح)).
(فلما كان في العام المقبل) اسم فاعل من الإقبال.
(اعتكف عشرين) بكسر العين والراء: وقيل: بفتحهما على التثنية.
قال في ((اللمعات)): أي: اهتمامًا ودلالة على التأكيد، لا لأن ما فات من النوافل
المؤقتة یقضی. انتهى.
ووجه المناسبة بالترجمة: أنه ◌ّ لما قضى الاعتكاف لمجرد النية، وكان لم يشرع فيه
بعد، فقضاؤه بعد الشروع أولى بالثبوت؛ كذا في بعض الحواشي.
(١) النسائي في ((الكبرى)). حديث (٣٣٤٤)، وأبو داود، كتاب الصوم. حديث (٢٤٦٣)، وابن حبان. حديث
(٣٦٦٣).

٦٠٦
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَّر بَابُ مَا جَاءَ فِي الاعْتِكَافِ إِذَا خَرَجَ مِنْهُ
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثٍ أَنَسِ بْنِ مَالِك.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ فِي المُعْتَكِفِ إِذَا قَطَعَ اعْتِكَافَهُ قَبْلَ أَنْ يُتِمَّهُ عَلَى مَا نَوَى، فَقَالَ
بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ: إِذَا نَقَضَ اعْتِكَافَهُ وَجَبَ عَلَيْهِ القَضَاءُ، وَاحْتَجُوا بِالحَدِيثِ: أَنَّ
النَّبِيَّ ◌َّةِ خَرَجَ مِنِ اعْتِكَافِهِ فَاعْتَكَفَ عَشْراً مِنْ شَوَّالٍ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ نَذْرُ اعْتِكَافٍ أَوْ شَيْءٌ أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَكَانَ
مُتَطَوِّعاً فَخَرَجَ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَقْضِيَ، إِلَّا أَنْ يُحِبَّ ذَلِكَ اخْتِيَاراً مِنْهُ، وَلَا يَجِبُ
ذَلِكَ عَلَيْهِ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
قَالَ الشَّافِيُّ: وَكُلُّ عَمَلٍ لَكَ أَلَّا تَدْخُلَ فِيهِ، فَإِذَا دَخَلْتَ فِيهِ فَخَرَجْتَ مِنْهُ فَلَيْسَ
عَلَيْكَ أَنْ تَقْضِيَ إِلَّ الحَجَّ وَالْعُمْرَةَ.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث أنس) وأخرجه النسائي وأبو داود من
حديث أبي بن كعب، وصحَّحه ابن حبان وغيره، كما تقدم.
قوله: (قبل أن يتمه على ما نوى) أي: قبل إتمامه على قدر ما نوى.
(فقال بعض أهل العلم: إذا نقض اعتكافه وجب عليه القضاء، واحتجوا بالحديث أن
النبي ﴿ خرج من اعتكافه، فاعتكف عشرًا من شوال) أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود
والنسائي وابن ماجه عن عائشة رضي الله تعالى عنها(١) .
وفي حديث البخاري: فترك الاعتكاف ذلك الشهر، ثم اعتكف عشرًا من شوال، ولفظ:
((خرج من اعتكافه)) ليس في واحد من هذه الكتب الخمسة، ولم أقف على من أخرج
الحديث بهذا اللفظ .
(وهو قول مالك) وبه قال الحنفية. (وهو قول الشافعي) وأجاب الشافعي، ومن تبعه عن
حديث عائشة المذكور؛ بأن قضاءه وير للاعتكاف كان على طريق الاستحباب؛ لأنه كان إذا
عمل عملا أثبته؛ ولهذا لم ينقل أن نساءه اعتكفن معه في شوال.
(وكل عمل) مبتدأ. (لك ألا تدخل فيه) صفة للمبتدأ، أو هو كناية عن أن يكون نفلًا.
(١) البخاري، كتاب الاعتكاف. حديث (٢٠٤١)، ومسلم، كتاب الاعتكاف. حديث (١١٧٣)، وأبو داود، كتاب
الصيام. حديث (٢٤٦٤)، والنسائي، كتاب المساجد. حديث (٧٠٩)، وابن ماجه، كتاب الصيام: حديث
(١٧٧١).

٦٠٧
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَهَ ر بَابُ المُعْتَكِفِ يَخْرُجُ لِحَاجَتِهِ أَمْ لَا؟
وَفِي الْبَابِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
٨٠- بَابُ الْمُغْتَكِفِ يَخْرُجُ لِحَاجَتِهِ أَمْ لَا؟ِ [ت٨٠، ٨٠٢]
[٨٠٤] (٨٠٤) حَدَّثَنَا أَبُو مُصْعَبِ المَدَنِيُّ قِرَاءَةً عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنِ ابْنِ
شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ وَعَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِنَّهِ إِذَا اعْتَكَفَ
أَدْنَى إِلَيَّ رَأْسَهُ فَأُرَجُلُهُ،
قوله: (وفي الباب عن أبي هريرة) لينظر من أخرجه(١).
٨٠- باب الْمُفْتَكِفِ يَخْرُجُ لحَاجَتِهِ أَمْ لا؟
[٨٠٤] قوله: (عن مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن عروة وعمرة؛ عن عائشة) كذا
وقع في النسخ الموجودة عندنا؛ عن عروة وعمرة؛ عن عائشة بالجمع بينهما، والصواب: أن
يكون عن عروة، عن عمرة، عن عائشة: يدل عليه قول الترمذي الآتي: وهكذا رواه غير
واحد عن مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عمرة، عن عائشة.
وقال الحافظ في ((الفتح)): ورواه مالك، يعني: عن ابن شهاب، عن الزهري، عن
عروة، عن عمرة.
قال أبو داود وغيره: لم يتابع عليه.
وذكر البخاري أن عبيد الله بن عمر تابع مالكًا، وذكر الدارقطني أن أبا أويس رواه كذلك
عن الزهري. انتهى ما في ((الفتح)).
(أدنى) أي: قرب. (إلي) بتشديد الياء. (رأسه) زاد الشيخان في روايتهما: ((وهو في
المسجد)). (فأرجله) من: الترجيل؛ وهو: تسريح الشعر، وهو استعمال المشط في الرأس؛
أي: أمشطه وأدهنه. قال الحافظ في ((الفتح)): وفي الحديث جواز التنظف والتطيب والغسل
والحلق والتزين إلحاقًا بالترجل.
والجمهور على أنه لا يكره فيه، إلا ما يكره في المسجد.
وعن مالك: تكره فيه الصنائع والحرف حتى طلب العلم. انتهى.
(١) البخاري، كتاب الصوم. حديث (٢٠٤٤)، والترمذي، كتاب الصوم. حديث (٧٩٠)، وابن ماجه، كتاب
الصيام. حديث (١٧٦٩).

٦٠٨
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّ ر بَابُ المُعْتَكِفِ يَخْرُجُ لِحَاجَتِهِ أَمْ لَا؟
وَكَانَ لَا يَدْخُلُ البَيْتَ إِلَّا لِحَاجَةِ الإِنْسَانِ. [خ: ٢٠٢٩، م: ٢٩٧، د: ٢٤٦٧، جه: ١٧٧٨،
حم: ٢٣٧١٨، طا: ٦٩٣] .
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، هَكَذَا رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ
أَنَسٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ.
[وَرَوَاهُ بعضهم عن مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَن عروة، عن عمرة، عن عَائِشَة].
وَالصَّحِيحُ عَنْ عُرْوَةَ وَعَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ. هَكَذَا رَوَى اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ
شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ وَعَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ.
وقال ابن الملك: فيه دليل على أن المعتكف لو أخرج بعض أجزائه من المسجد لا يبطل
اعتكافه .
(وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان) فسرها الزهري بالبول والغائط، وقد اتفقوا
على استثنائهما، واختلفوا في غيرهما من الحاجات، كالأكل والشرب، ولو خرج لهما
فتوضأ خارج المسجد لم يبطل، ويلتحق بهما القيء والفصد لمن احتاج إليه.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن
ما جه.
قوله: (والصحيح عن عروة وعمرة؛ عن عائشة، هكذا روى الليث بن سعد، عن ابن
شهاب، عن عروة وعمرة؛ عن عائشة) روى البخاري في ((صحيحه)) قال: حدثنا قتيبة، حدثنا
الليث، عن ابن شهاب، عن عروة، وعن عمرة بنت عبد الرحمن؛ أن عائشة ... إلخ.
قال الحافظ في ((الفتح)): قوله: ((عن عروة وعمرة)) كذا في رواية الليث جمع بينهما،
ورواه يونس، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن عروة وحده، ورواه مالك عنه، عن عروة،
عن عمرة ... إلى آخر ما نقلنا عبارته فيما تقدم، ثم قال: واتفقوا على أن الصواب: قول
الليث، وأن الباقين اختصروا منه ذكر عمرة، وأن ذكر عمرة في رواية مالك من المزيد في
متصل الأسانيد، وقد رواه بعضهم عن مالك، فوافق الليث. انتهى كلام الحافظ.

٦٠٩
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَِّ ر بَابُ المُعْتَكِفِ يَخْرُجُ لِحَاجَتِهِ أَمْ لَا؟
[٨٠٥] (٨٠٥) حَدَّثَنَا بِذَلِكَ قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ
عُرْوَةَ وَعَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ.
وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ، إِذَا اعْتَكَفَ الرَّجُلُ أَلَّا يَخْرُجَ مِنَ اعْتِكَافِهِ إِلَّا
لِحَاجَةِ الإنْسَانِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى هَذَا،َ أَنَّهُ يَخْرُجُ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ لِلْغَائِطِ وَالْبَوْلِ.
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ فِي عِيَادَةِ المَرِيضِ وَشُهُودِ الجُمُعَةِ وَالجَنَازَةِ لِلمُعْتَكِفِ،
فَرَأَى بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ نَّهِ وَغَيْرِهِمْ أَنْ يَعُودَ المَرِيضَ، وَيُشَيِّعَ
الْجَنَازَةَ، ويَشْهَدَ الْجُمُعَةَ إِذَا اشْتَرَطَ ذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَابْنِ المُبَارَكِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَفْعَلِ شَيْئاً مِنْ هَذَا،
[٨٠٥] قوله: (وأجمعوا على هذا أنه يخرج لقضاء حاجته للغائط والبول) وكذا لغسل
الجنابة إن لم يمكنه الاغتسال في المسجد.
(فرأى بعض أهل العلم من أصحاب النبي 83 8* وغيرهم أن يعود المريض، ويشبع
الجنازة، ويشهد الجمعة إذا اشترط ذلك) أي: في ابتداء اعتكافه. (وهو قول سفيان الثوري،
وابن المبارك) وهو قول إسحاق، كما بينه الترمذي فيما بعد.
قال الحافظ في ((الفتح)): وقال الثوري والشافعي وإسحاق: إن شرط شيئًا من ذلك؛
يعني: عيادة المريض، وتشييع الجنازة، وشهود الجمعة لم يبطل اعتكافه بفعله؛ وهو رواية
عن أحمد. انتهى. قلت: قولهم هذا محتاج إلى دليل صحيح.
(وقال بعضهم: ليس له أن يفعل شيئًا من هذا) واحتجوا بما روى أبو داود(١) من طريق
عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: السنة على المعتكف ألَّ
يعود مريضًا ولا يشهد جنازة، ولا يمس امرأة ولا يباشرها، ولا يخرج لحاجة إلا ما لا بد
منه، ولا اعتكاف إلا بصوم، ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع.
قال أبو داود: غير عبد الرحمن لا يقول فيه: ((السنة)).
وقال المنذري في ((مختصره)): وعبد الرحمن بن إسحاق أخرج له مسلم، ووثّقه یحیی بن
معين، وأثنى عليه غيره، وتكلم فيه بعضهم. انتهى.
(١) أبو داود، كتاب الصوم. حديث (٢٤٧٣).

٦١٠
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَِّ / بَابُ المُعْتَكِفِ يَخْرُجُ لِحَاجَتِهِ أَمْ لَا؟
وَرَأَوْا لِلِمُعْتَكِفِ إِذَا كَانَ فِي مِصْرٍ يُجَمَّعُ فِيهِ أَلَّا يَعْتَكِفَ إِلَّ فِي مَسْجِدِ الجَامِعِ لأَنَّهُمْ
كَرِهُوا الْخُرُوجَ لَهُ مِنْ مُعْتَكَفِهِ إِلَى الجُمُعَةِ، وَلَمْ يَرَوْا لَهُ أَنْ يَتْرُكَ الجُمُعَةَ، فَقَالُوا: لَا
يَعْتَكِفُ إِلَّ فِي مَسْجِدِ الْجَامِعِ، حَتَّى لَا يَحْتَاجَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ مُعْتَكَفِهِ لِغَيْرِ قَضَاءٍ
حَاجَةِ الإنْسَانِ، لأَنَّ خُرُوجَهُ لِغَيْرِ حَاجَةِ الإِنْسَانِ قَطْعٌ عِنْدَهُمْ لِلاْتِكَافِ، وَهُوَ: قَوْلُ
مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ.
وقال الحافظ في ((بلوغ المرام)) بعد ذكر هذا الحديث: لا بأس برجاله، إلا أن الراجح
وقف آخره.
وقال في ((فتح الباري)): وجزم الدارقطني بأن القدر الذي من حديث عائشة قولها: ((لا
يخرج إلا لحاجة))، وما عداه ممن دونها .
وروينا عن علي والنخعي والحسن البصري إن شهد المعتكف جنازة، أو عاد مريضًا، أو
خرج للجمعة بطل اعتكافه؛ وبه قال الكوفيون وابن المنذر، إلا في الجمعة. انتهى.
يعني: أن الكوفيين يقولون: إذا خرج المعتكف للجمعة لا يبطل اعتكافه، وإن شهد
الجنازة، أو عاد مريضًا يبطل.
قال صاحب ((شرح الوقاية)): ولا يخرج منه إلا لحاجة الإنسان، أو للجمعة وقت
الزوال. انتهى.
وقال الأمير اليماني في ((سبل السلام)) في شرح حديث عائشة قالت: السنة على
المعتكف ألا يعود مريضًا ... إلخ ما لفظه: فيه دلالة على أنه لا يخرج المعتكف لشيء مما
عينته هذه الرواية، وأيضًا لا يخرج لشهود الجمعة، وأنه إن فعل ذلك بطل اعتكافه.
وفي المسألة خلاف كبير، ولكن الدليل قائم على ما ذكرناه. انتهى كلام الأمير.
قلت: ويؤيده حديث عائشة: أن النبي ﴿ ﴿ كان لا يسأل عن المريض إلا مارًّا في
اعتكافه، ولا يعرج عليه. أخرجه أبو داود، وفيه: ليث بن أبي سليم؛ وهو ضعيف،
والصحيح عن عائشة من فعلها، وكذلك أخرجه مسلم وغيره.
وقال ابن حزم: صح ذلك عن علي؛ كذا في ((التلخيص)).
(ورأوا للمعتكف إذا كان في مصر يجمع فيه ألا يعتكف إلا في المسجد الجامع ...
إلخ) هذا هو المختار عندي. والله تعالى أعلم.

٦١١
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ الله ◌َِّ / بَابُ مَا جَاءَ فِي قِيَامِ شَهْرٍ رَمَضَانَ
وَقَالَ أَحْمَدُ: لَا يَعُودُ المَرِيضَ، وَلَا يَتْبَعُ الْجَنَازَةَ، عَلَى حَدِيثٍ عَائِشَةً.
وَقَالَ إِسْحَاقُ: إِنِ اشْتَرَطَ ذَلِكَ، فَلَهُ أَنْ يَتْبَعَ الْجَنَازَةَ، وَيَعُودَ المَرِيضَ.
٨١- بَابُ مَا جَاءَ في قِيَامٍ شَهْرٍ رَمَضَانَ [ت٨١، ٨١٢]
[٨٠٦] (٨٠٦) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الفُضَيْلِ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ،
عَنِ الوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الجُرَشِيِّ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: صُمْنَا
مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ فَلَمْ يُصَلِّ بِنَا حَتَّى بَقِيَ سَبْعٌ مِنَ الشَّهْرِ، فَقَامَ بِنَا حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثُ
اللَّيْلِ، ثُمَّ لَمْ يَقُمْ بِنَا فِي السَّادِسَةِ، وَقَامَ بِنَا فِي الخَامِسَةِ حَتَّى ذَهَبَ شَطْرُ اللَّيْلِ،
فَقُلْنَا لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَو نقَّلْتَنَا بَقِيَّةَ لَيْلَئِنَا هَذِهِ؟ فَقَالَ: ((إِنَّهُ مَنْ قَامَ مَعَ الْإِمَامِ
٨١- باب ما جاء في قِيَامٍ شَهْرٍ رَمَضَانَ
[٨٠٦] قوله: (صمنا مع رسول الله {َ ﴿) أي: في رمضان. (فلم يصل بنا) أي: لم
يصل بنا غير الفريضة من ليالي شهر رمضان، وكان إذا صلى الفريضة دخل حجرته.
(حتى بقي سبع من الشهر) أي: ومضى اثنان وعشرون.
قال الطيبيُّ: أي: سبع ليال؛ نظرًا إلى المتيقن، وهو أن الشهر تسع وعشرون، فيكون
القيام في قوله: (فقام بنا) أي: ليلة الثالثة والعشرين. والمراد بالقيام: صلاة الليل.
(حتى ذهب ثلث الليل) أي: صلى بنا بالجماعة صلاة الليل إلى ثلث الليل.
وفيه: ثبوت صلاة التراويح بالجماعة في المسجد، أو الليل.
(ثم لم يقم بنا في السادسة) أي: مما بقي، وهي الليلة الرابعة والعشرون.
(وقام بنا في الخامسة) وهي الليلة الخامسة والعشرون.
(حتى ذهب شطر الليل) أي: نصفه. (لو نفلتنا) من: التنفيل. (بقية ليلتنا هذه) أي: لو
جعلت بقية الليل زيادة لنا على قيام الشطر.
وفي ((النهاية)): لو زدتنا من الصلاة النافلة، سميت بها النوافل؛ لأنها زائدة على
الفرائض.
قال المظهر: تقديره: لو زدت قيام الليل على نصفه، لكان خيرًا لنا، و((لو)) للتمني.
(إنه) ضمير الشأن. (من قام مع الإمام) أي: من صلى الفرض معه.

٦١٢
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ الله وَّهِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي قِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ
حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ)).
ثُمَّ لَمْ يُصَلِّ بِنَا حَتَّى بَقِيَ ثَلَاثٌ مِنَ الشَّهْرِ، وَصَلَّى بِنَا فِي الثَّالِثَةِ وَدَعَا أَهْلَهُ
وَنِسَاءَهُ، فَقَامَ بِنَا حَتَّى تَخَوَّقْنَا الْفَلَاَحَ.
قُلْتُ لَهُ: وَمَا الْفَلَاحُ؟ قَالَ: السُّحورُ. [ن: ١٦٠٣، د: ١٣٧٥، جه: ١٣٢٧، حم: ٢٠٩١٠،
مي: ١٧٧٧].
(حتى ينصرف) أي: الإمام. (كتب له قيام ليلة) أي: حصل له قيام ليلة تامة، يعني: أن
الأجر حاصل بالفرض، وزيادة النوافل مبنية على قدر النشاط؛ لأن الله تعالى لا يمل حتى
تملوا، والظاهر: أن المراد بالفرض: العشاء والصبح؛ لحديث ورد بذلك.
(حتى بقي ثلاث من الشهر) أي: الليلة السابعة والعشرون، والثامنة والعشرون، والتاسعة
والعشرون.
(وصلى بنا في الثالثة) وهي الليلة السابعة والعشرون.
(ودعا أهله ونساءه) وفي رواية أبي داود: ((جمع أهله ونساءه والناس)).
(قلت) قائله جبير بن نفير. (له) أي: لأبي ذر. (ما الفلاح؟ قال: السُّحُور) بالضم
والفتح.
قال في ((النهاية)): السحور بالفتح: اسم ما يتسحر به من الطعام والشراب، وبالضم:
المصدر والفعل نفسه، وأكثر ما يروى بالفتح، وقيل: الصواب بالضم؛ لأنه بالفتح الطعام،
والبركة والأجر والثواب في الفعل، لا في الطعام. انتهى.
قال القاضي: الفلاح: الفوز بالبغية، سمي السحور به؛ لأنه يعين على إتمام الصوم،
وهو الفوز بما كسبه ونواه، والموجب للفلاح في الآخرة.
وقال الخطابي: أصل الفلاح: البقاء، وسمي السحور فلاحًا؛ إذ كان سببًا لبقاء الصوم،
ومعينًا علیه. انتهى.
تنبيه: اعلم أنه لم يرد في حديث أبي ذر هذا بيان عدد الركعات التي صلاها رسول الله
وَسير في تلك الليالي، لكن قد ورد بيانه في حديث جابر نظراته وهو أنه رَّ صلى في تلك
الليالي ثمان ركعات، ثم أوتر؛ كما ستقف عليه.

٦١٣
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ الله ◌َِّ / بَابُ مَا جَاءَ فِي قِيَامِ شَهْرٍ رَمَضَانَ
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ، فَرَأَى بَعْضُهُمْ أَنْ يُصَلِّيَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ
رَكْعَةٌ مَعَ الوِتْرِ، وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ المَدِينَةِ، وَالْعَمَلُ عَلَى هذَا عِنْدَهُمْ بِالمَدِينَةِ.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه، وسكت عنه
أبو داود.
ونقل المنذري تصحیح الترمذي وأقره.
وقال ابن حجر المكي: هذا الحديث صحَّحه الترمذي والحاكم. انتهى.
قوله: (واختلف أهل العلم في قيام رمضان) أي: في عدد ركعات التراويح.
(فرأى بعضهم أن يصلي إحدى وأربعين ركعة مع الوتر) وهو قول أهل ((المدينة))، ولم أر
فيه حديثًا مرفوعًا، لا صحيحًا ولا ضعيفًا. وروي فيه آثار: فأخرج محمد بن نصر في ((قيام
الليل)) عن محمد بن سيرين؛ أن معاذًا أبا حليمة القاري كان يصلي بالناس في رمضان إحدى
وأربعين ركعة.
وعن ابن أبي ذئب، عن صالح مولى التوأمة قال: أدركت الناس قبل الحرة يقومون
بإحدى وأربعين يوترون منها بخمس. انتهى.
قال العيني: قال شيخنا، يعني: الحافظ العراقي: وهو أكثر ما قيل فيه.
قال العيني: وذكر ابن عبد البر في ((الاستذكار))(١) عن الأسود بن يزيد: كان يصلي
أربعين ركعة، ويوتر بسبع؛ هكذا ذكره.
ولم يقل: إن الوتر من الأربعين.
(والعمل على هذا عندهم بالمدينة) قول الترمذي هذا يخالف ما رواه محمد بن نصر من
طریق ابن أیمن.
قال مالك: استحب أن يقوم الناس في رمضان بثمان وثلاثين ركعة، ثم يسلم الإمام
والناس، ثم يوتر بهم بواحدة، وهذا العمل بـ ((المدينة)) قبل الحرة منذ بضع ومئة سنة إلى
اليوم. انتهى.
قال العيني بعد ذكر هذه الرواية: هكذا روى ابن أيمن عن مالك، وكأنه جمع ركعتين من
(١) ابن عبد البر في ((الاستذكار)) (٢/ ٧٠).

٦١٤
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَّهِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي قِيَامِ شَهْرٍ رَمَضَانَ
الوتر مع قيام رمضان، وإلا فالمشهور عن مالك: ست وثلاثون، والوتر بثلاث، والعدد
واحد. انتهى كلام العيني.
قلت: تأويل العيني رواية ابن أيمن بقوله: ((وكأنه جمع ... )) إلخ يرده لفظ رواية ابن
أيمن؛ فتفكر.
اعلم: أن الترمذي رحمه الله ذكر في قيام رمضان قولين.
الأول: إحدى وأربعون ركعة مع الوتر.
والثاني: عشرون ركعة.
وفيه أقوال كثيرة لم يذكرها الترمذي. [قلنا] (١) أن نذكرها.
قال العيني في ((عمدة القاري)) بعد ذكر القول الأول: ورواية ابن أيمن عن مالك
المذكورة ما لفظه: وقيل: ست وثلاثون؛ وهو الذي عليه عمل أهل ((المدينة)) وروى ابن
وهب قال: سمعت عبد الله بن عمر يحدث عن نافع قال: لم أدرك الناس إلا وهم يصلون
تسعًا وثلاثين رکعة، ویوترون منها بثلاث.
وقيل: أربع وثلاثون على ما حكي عن زرارة بن أوفى؛ أنه كذلك كان يصلي بهم في
العشر الأخير.
وقيل: ثمان وعشرون؛ وهو المروي عن زرارة بن أوفى في العشرين الأولين من الشهر،
وكان سعيد بن جبير يفعله في العشر الأخير.
وقيل: أربع وعشرون؛ وهو مروي عن سعيد بن جبير.
وقيل: عشرون، وحكاه الترمذي عن أكثر أهل العلم؛ فإنه مروي عن عمر وعلي
وغيرهما من الصحابة، وهو قول أصحابنا الحنفية.
وقيل: إحدى عشرة ركعة؛ وهو اختيار مالك لنفسه، واختاره أبو بكر بن العربي. انتهى
كلام العيني.
وقال الحافظ جلال الدين السيوطي في رسالته: ((المصابيح في صلاة التراويح)): قال
الجوري - من أصحابنا - عن مالك أنَّه قال: الذي جمع عليه الناس عمر بن الخطاب أحب إلي؛
(١) هكذا في نسخ ((التحفة))، ولعل الصواب: ((فلنا)).

٦١٥
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّ ر بَابُ مَا جَاءَ فِي قِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ
وهو إحدى عشرة ركعة؛ وهي صلاة رسول الله ويّظاهر، قيل له: إحدى عشرة ركعة بالوتر؟ قال:
نعم، وثلاث عشرة قريب، قال: ولا أدري من أين أحدث هذا الركوع الكثير؟ انتهى.
قلت: القول الراجح المختار الأقوى من حيث الدليل هو هذا القول الأخير الذي اختاره
مالك لنفسه؛ أعني: إحدى عشرة ركعة؛ وهو الثابت عن رسول الله وَ طله بالسند الصحيح، بها
أمر عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه.
وأما الأقوال الباقية: فلم يثبت واحد منها عن رسول الله وَ ليه بسند صحيح، ولا ثبت
الأمر به عن أحد من الخلفاء الراشدين بسند صحيح خال عن الكلام.
فأما ما قلنا من أن إحدى عشرة ركعة هي الثابتة عن رسول الله يطير فلما روى البخاري
ومسلم(١) وغيرهما من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن؛ أنه سأل عائشة كيف كانت صلاة
رسول الله ﴿ في رمضان؟ فقالت: ما كان يزيد في رمضان، ولا في غيره على إحدى عشرة
ركعة، يصلي أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعًا فلا تسأل عن حسنهن
وطولهن، ثم يصلي ثلاثًا ... الحديث. فهذا الحديث الصحيح نص صريح في أن رسول الله
وَ* ما كان يزيد في رمضان، ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة.
تنبيه: قد ذكر العيني رحمه الله في ((عمدة القاري)) تحت هذا الحديث أسئلة مع أجوبتها،
وهي مفيدة؛ فلنا أن نذكرها، قال: الأسئلة والأجوبة منها: أنه ثبت في ((الصحيح))(٢) من
حديث عائشة: ((أنه *** كان إذا دخل العشر الأواخر يجتهد فيه ما لا يجتهد في غيره))، وفي
((الصحيح))(٣) أيضًا من حديثها: ((كان إذا دخل العشر أحيا الليل، وأيقظ أهله، وجد وشد
مئزره))، وهذا يدل على أنه كان يزيد في العشر الأواخر على عادته؛ فكيف يجمع بينه وبين
حدیث الباب؟!
فالجواب: أن الزيادة في العشر الأواخر يحمل على التطويل دون الزيادة في العدد.
ومنها: أن الروايات اختلفت عن عائشة ﴿ا في عدد ركعات صلاة النبي ◌َّلي بالليل،
ففي حديث الباب: إحدى عشرة ركعة. وفي رواية هشام بن عروة عن أبيه: كان يصلي من
(١) البخاري، كتاب التراويح. حديث (٢٠١٣)، ومسلم، صلاة المسافرين وقصرها. حديث (٧٣٨).
(٢) مسلم، كتاب الاعتكاف. حديث (١١٧٥).
(٣) البخاري، كتاب الاعتكاف. حديث (٢٠٢٤).

٦١٦
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ بَابُ مَا جَاءَ فِي قِيَامِ شَهْرٍ رَمَضَانَ
الليل ثلاث عشرة ركعة، وفي رواية مسروق: أنه سألها عن صلاة رسول الله ويقول فقالت: سبع
وتسع وإحدى عشرة، سوى ركعتي الفجر، وفي رواية إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة: أنه
کان يصلي بالليل تسع ركعات، رواه البخاري والنسائي وابن ماجه.
والجواب: أن من عدها ثلاث عشرة، أراد ركعتي الفجر، وصرح بذلك في رواية
القاسم عن عائشة #: ((كانت صلاته بالليل عشر ركعات، ويوتر بسجدة، ويركع بركعتي
الفجر، فتلك ثلاث عشرة ركعة)).
وأما رواية سبع وتسع: فهي في حالة كبره؛ وكما سيأتي إن شاء الله تعالى. انتهى كلام
العيني.
قلت: الأمر كما قال العيني رحمه الله في الجواب عن السؤال الثاني.
وأما الجواب عن السؤال الأول ففيه: أنه قد ثبت أن رسول الله وَ ﴿ كان [قد](١) يصلي
ثلاث عشرة ركعة سوى ركعتي الفجر، فروى مسلم في ((صحيحه)) (٢) من حديث زيد بن خالد
الجهني؛ أنه قال: لأرمقن صلاة رسول الله ◌َو الليلة، فصلى ركعتين خفيفتين، ثم صلى
ركعتين طويلتين طويلتين طويلتين، ثم صلى ركعتين؛ وهما دون اللتين قبلهما، ثم صلى
ركعتين؛ وهما دون اللتين قبلهما، ثم صلى ركعتين؛ وهما دون اللتين قبلهما، ثم أوتر،
فذلك ثلاث عشرة ركعة.
فالأحسن في الجواب أن يقال: إنه ◌َّ و كان يفتتح صلاته بالليل بركعتين خفيفتين؛ كما
في هذا الحديث، وروى مسلم عن عائشة ﴿ّا قالت: كان رسول الله وَلّ إذا قام من الليل،
افتتح صلاته برکیتین خفيفتين.
وروي أيضًا عن أبي هريرة، عن النبي ◌َّهِ قال: ((إذا قَامَ أَحَدُكُم مِنَ اللَّيْلِ فليَفْتَحْ صَلاتَهُ
بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ))(٣).
فقد عدت هاتان الركعتان الخفيفتان؛ فصار قيام الليل ثلاث عشرة ركعة، ولما لم تعد
لما كان رسول الله ◌َّ يخففهما صار إحدى عشرة ركعة. والله تعالى أعلم.
(١) هكذا في نسخ ((التحفة)) ولعل الصواب حذفها.
(٢) مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها. حديث (٧٦٨).
(٣) مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها. حديث (٧٦٥).

٦١٧
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ الله وَّهِ ر بَابُ مَا جَاءَ فِي فِيَامِ شَهْرٍ رَمَضَانَ
ويدل على هذا القول الأخير الذي اختاره مالك لنفسه؛ أعني: إحدى عشرة ركعة حديث
جابر ظُبه، قال: صلى بنا رسول الله وَّر في شهر رمضان ثمان ركعات وأوتر، فلما كانت
القابلة اجتمعنا في المسجد، ورجونا أن يخرج، فلم نزل فيه حتى أصبحنا، ثم دخلنا فقلنا :
يا رسول الله، اجتمعنا البارحة في المسجد، ورجونا أن تصلي بنا. فقال: ((إنِّي خَشِيتُ أَنْ
يُكْتَبَ عَلَيْكُم» رواه الطبراني في ((الصغير))، ومحمد بن نصر المروزي في ((قيام الليل))، وابن
خزيمة وابن حبان في ((صحيحيهما))(١) .
قال الحافظ الذهبي في ((ميزان الاعتدال)) بعد ذكر هذا الحديث: إسناده وسط. انتهى.
وهذا الحديث صحيح عند ابن خزيمة وابن حبان؛ ولذا أخرجاه في ((صحيحيهما)).
وقد ذكر الحافظ ابن حجر هذا الحديث في ((فتح الباري)) لبيان عدد الركعات التي
صلاها النبي ◌َّ﴿ بالناس في شهر رمضان، فهو صحيح عنده أو حسن؛ فإنه قد قال في مقدمة
((الفتح)): فأسوق إن شاء الله تعالى الباب وحديثه أولًا، ثم أذكر وجه المناسبة بينهما إن كانت
خفية، ثم أستخرج ثانيًا ما يتعلق به غرض صحيح في ذلك الحديث، من الفوائد المتنية
والإسنادية، من تتمات وزيادات وكشف غامض، وتصريح مدلس بسماع، ومتابعة سامع من
شيخ اختلط قبل ذلك، كل من أمهات المسانيد والجوامع والمستخرجات والأجزاء والفوائد،
بشرط الصحة أو الحسن فيما أورده من ذلك. انتهى.
فإن قلت: قال النيموي في ((آثار السنن)) بعد ذكر حديث جابر المذكور: في إسناده لين،
وقال في تعليقه: مداره على عيسى بن جارية، ثم ذكر جرح ابن معين والنسائي وأبي داود،
وتوثيق أبي زرعة وابن حبان. ثم قال: قول الذهبي: ((إسناده وسط)) ليس بصواب، بل إسناده
دون وسط. انتهى.
قلت: قال الحافظ ابن حجر في ((شرح النخبة)): الذهبي من أهل الاستقراء التام في نقد
الرجال. انتهى.
فلما حكم الذهبي بأن إسناده وسط بعد ذكر الجرح والتعديل في عيسى بن جارية؛ وهو
من أهل الاستقرار التام في نقد الرجال، فحكمه بأن إسناده وسط هو الصواب. ويؤيده
(١) الطبراني في ((الصغير)). حديث (٥٢٥)، وابن خزيمة. حديث (١٠٧٠)، ومحمد بن نصر المروزي في (قيام
رمضان) (١٣)، وابن حبان. حديث (٢٤١٥).

٦١٨
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَهَ ر بَابُ مَا جَاءَ فِي فِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ
إخراج ابن خزيمة وابن حبان هذا الحديث في ((صحيحيهما))، ولا يلتفت إلى ما قال
النيموي، ويشهد لحديث جابر هذا حديث عائشة المذكور: ((ما كان يزيد في رمضان، ولا
في غيره على إحدى عشرة ركعة)).
ويدل على هذا القول الأخير الذي اختاره مالك؛ أعني: إحدى عشرة ركعة، ما رواه
أبو يعلى(١) من حديث جابر بن عبد الله قال: جاء أبي بن كعب إلى رسول الله وَ ل ◌ٍ فقال:
يا رسول الله، إنه كان مني الليلة شيء، يعني: في رمضان، قال: ((وما ذاكَ يا أُبي؟)) قال:
نسوة في داري، قلن: إنا لا نقرأ القرآن، فنصلي بصلاتك. قال: فصليت بهن ثمان ركعات،
وأوترت، فكانت سنة الرضا، ولم يقل شيئًا .
قال الهيثمي في «مجمع الزوائد»: إسناده حسن.
وأما ما قلنا من أن بإحدى عشرة ركعة أمر عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، فلأن
الإمام مالك رحمه الله روى في ((موطئه))(٢) عن محمد بن يوسف، عن السائب بن يزيد؛ أنه
قال: أمر عمر بن الخطاب ظ له أبي بن كعب رُبه وتميمًا الداري أن يقوما للناس بإحدى
عشرة ركعة، وكان القارئ يقرأ بالمئين، حتى كنا نعتمد على العصي من طول القيام، وما كنا
ننصرف إلا في فروع الفجر.
ورواه أيضًا سعيد بن منصور، وأبو بكر بن أبي شيبة، قال النيموي في ((آثار السنن)):
إسناده صحيح.
فإن قلت: قال الحافظ في ((الفتح)) بعد ذكر أثر عمر تظلله: هذا: ورواه عبد الرزاق من
وجه آخر عن محمد بن يوسف، فقال: إحدى وعشرين. انتهى.
وقال الزرقاني في ((شرح الموطأ)): قال ابن عبد البر: روى غير مالك في هذا إحدى
وعشرون؛ وهو الصحيح، ولا أعلم أحدًا قال فيه: إحدى عشرة إلا مالك.
ويحتمل أن يكون ذلك أولًا، ثم خفف عنهم طول القيام، ونقلهم إلى إحدى وعشرين،
إلا أن الأغلب عندي أن قوله: ((إحدى عشرة)) وهم. انتهى.
قلت: قول ابن عبد البر: إن الأغلب عندي أن قوله: ((إحدى عشرة)) وهم، باطل جدًّا.
(١) أبو يعلى. حديث (١٨٠١).
(٢) مالك. حديث (٢٥٣).

٦١٩
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ الله وَّهِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي قِيَامِ شَهْرٍ رَمَضَانَ
قال الزرقاني في ((شرح الموطأ)) بعد ذكر قول ابن عبد البر هذا ما لفظه: ولا وهم،
وقوله: ((إن مالكًا انفرد به)) ليس كما قال؛ فقد رواه سعيد بن منصور من وجه آخر، عن
محمد بن يوسف فقال: إحدى عشرة؛ كما قال مالك. انتهى كلام الزرقاني.
وقال النيموي في ((آثار السنن)): ما قاله ابن عبد البر من وهم مالك، فغلط جدًّا؛ لأن
مالكًا قد تابعه عبد العزيز بن محمد عند سعيد بن منصور في ((سننه))، ويحيى بن سعيد القطان
عند أبي بكر بن أبي شيبة في ((مصنفه))(١)؛ كلاهما عن محمد بن يوسف، وقالا: إحدى
عشرة؛ كما رواه مالك عن محمد بن يوسف.
وأخرج محمد بن نصر المروزي في ((قيام الليل)) من طريق محمد بن إسحاق، حدثني
محمد بن يوسف، عن جده السائب بن يزيد، قال: كنا نصلي في زمن عمر رَظ ◌ُبه في رمضان
ثلاث عشرة ركعة.
قال النيموي: هذا قريب مما رواه مالك، عن محمد بن يوسف؛ أي: مع الركعتين بعد
العشاء. انتهى كلام النيموي.
قلت: فلما ثبت أن الإمام مالكًا لم ينفرد بقوله: ((إحدى عشرة))، بل تابعه عليه
عبد العزيز بن محمد؛ وهو ثقة، ويحيى بن سعيد القطان إمام الجرح والتعديل.
قال الحافظ في ((التقريب)): ثقة متقن حافظ إمام، ظهر لك حق الظهور أن قول ابن
عبد البر: ((إن الأغلب أن قوله: إحدى عشرة وهم))؛ ليس بصحيح، بل لو تدبرت ظهر لك
أن الأمر على خلاف ما قال ابن عبد البر؛ أعني: أن الأغلب أن قول غير مالك في هذا
الأثر - إحدى وعشرون؛ كما في رواية عبد الرزاق - وهم؛ فإنه قد انفرد هو بإخراج هذا
الأثر بهذا اللفظ، ولم يخرجه به أحد غيره فيما أعلم.
وعبد الرزاق وإن كان ثقة حافظًا لكنه قد عمي في آخر عمره فتغير؛ كما صرح به الحافظ
في ((التقريب)).
وأما الإمام مالك: فقال الحافظ في ((التقريب)): إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير
المثبتين، حتى قال البخاري: أصح الأسانيد كلها مالك، عن نافع، عن ابن عمر. انتهى.
ومع هذا لم ينفرد هو بإخراج هذا الأثر؛ بلفظ: ((إحدى عشرة))، بل أخرجه أيضًا بهذا
اللفظ سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة؛ كما عرفت.
(١) ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٧٦٧١).

٦٢٠
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ الله ◌َّهِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي ◌ِيَامِ شَهْرٍ رَمَضَانَ
وَأَكْثَرُ أَهْلِ العِلْمِ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ
مَلُ عِشْرِينَ رَكْعَةً،
فالحاصل: أن لفظ: ((إحدى عشرة)) في أثر عمر بن الخطاب المذكور، صحيح ثابت
محفوظ، ولفظ ((إحدى وعشرون)) في هذا الأثر غير محفوظ، والأغلب أنه وهم. والله تعالى
أعلم.
قوله: (وأكثر أهل العلم على ما روي عن عمر، وعلي وغيرهما من أصحاب النبي (وَّ
عشرين ركعة) أما أثر علي ره فأخرجه البيهقي في ((سننه))، وابن أبي شيبة(١) عن
أبي الحسناء؛ أن علي بن أبي طالب ر ◌ُه أمر رجلًا أن يصلي بالناس خمس ترويحات
عشرين ركعة.
قال النيموي في ((تعليق آثار السنن)): مدار هذا الأثر على أبي الحسناء؛ وهو لا يعرف. انتهى.
قلت: الأمر كما قال النيموي، قال الحافظ في ((التقريب)) في ترجمة أبي الحسناء: إنه
مجهول. وقال الذهبي في ميزانه: لا يعرف. انتهى.
وروي عن علي أثر آخر؛ فروى البيهقي في ((سننه))(٢) من طريق حماد بن شعيب، عن
عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي - رضي الله تعالى عنه - ودعا
القراء في رمضان، فأمر منهم رجلًا يصلي بالناس عشرين ركعة. قال: وكان علي - رضي الله
تعالى عنه - یوتر بهم.
وروي ذلك من وجه آخر عن علي. قال النيموي بعد ذكر هذا الأثر: حماد بن شعيب
ضعيف.
قال الذهبي في ((الميزان)): ضعَّفه ابن معين وغيره.
وقال يحيى مرة: لا یکتب حديثه.
وقال البخاري: فيه نظر.
وقال النسائي: ضعيف.
وقال ابن عدي: أكثر حديثه مما لا يتابع عليه. انتهى كلام النيموي. قلت: الأمر كما
قال النيموي.
(١) البيهقي في ((الكبرى)) (٤٣٩٧)، وابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٧٦٨١).
(٢) البيهقي في ((الكبرى)) (٤٣٩٦).