Indexed OCR Text

Pages 501-520

٥٠١
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَِّ ر بَابُ مَا جَاءَ فِي إِفْطَارِ الصَّائِمِ المُتَطَوِّعِ
٣٤- بَابُ مَا جَاءَ في إِفْطَارِ الصَّائِمِ الْمُتَطَوِّعِ [ت٣٤، ٣٤٢]
[٧٣١] (٧٣١) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَخْوَصِ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنِ ابْنِ
أُمّ مانِيٍ، عَنْ أُمّ هانِيٍ، قَالَتْ: كُنْتُ قَاعِدَةً عِنْدَ النَّبِيِّ وَِّ، فَأَتِيَ بِشَرَابٍ فَشَرِبَ
مِنْهُ، ثُمَّ نَاوَلَنِي فَشَرِبْتُ مِنْهُ، فَقُلْتُ: إِنِّي أَذْنَبْتُ فَاسْتَغْفِرْ لِي، فَقَالَ: ((وَمَا ذَاكَ؟))
قَالَتْ: كُنْتُ صَائِمَةً فَأَقْطَرْتُ، فَقَالَ: (أَمِنْ قَضَاءٍ كُنْتِ تَقْضِينَهُ؟)) قَالَتْ: لَا، قَالَ:
فَلا
[د: ٢٤٥٦، حم: ٢٦٣٥٨، مي: ١٧٣٥].
يَضَرَّكِ)).
وأما حمله على نفي الكمال: فغير ظاهر، والظاهر: أن النفي متوجه إلى الصحة، أو إلى
نفي الذات الشرعية؛ هذا ما عندي. والله تعالى أعلم.
٣٤ - باب ما جاء في إِفْطَارِ الصَّائِمِ الْمُتَطَوِّعِ
[٧٣١] قوله: (عن ابن أم هانئ) قال الحافظ في ((تهذيب التهذيب)): هارون ابن أم هانئ،
ويقال: ابن ابن أم هانئ، ويقال: ابن بنت أم هانئ، والثالث وهم، روى حديثه سماك بن
حرب عنه، عن أم هانئ مرفوعًا: ((الصَّائِمُ المُتَطَوِّعُ أَمِيرُ نَفْسِهِ))(١).
ولأم هانئ [ابن](٢) يقال له: جعدة بن هبيرة. قال الحافظ: فيحتمل أن يكون هارون
هذا ولد جعدة بن هبيرة.
وأما أبو الحسن بن القطان فقال: لا يعرف. انتهى.
(عن أم هانئ) بهمزة بعد نون مكسورة: بنت أبي طالب.
قوله: (كنت قاعدة عند النبي ◌َّلفيه فأتي بشراب) أي: من ماء؛ فإنه المراد عند الإطلاق،
وفي رواية أبي داود قالت: لما كان يوم الفتح فتح ((مكة)) جاءت فاطمة، فجلست على يسار
رسول الله ◌َ وأم هانئ عن يمينه، فجاءت الوليدة بإناء فيه شراب. (ثم ناولني) أي: بقية
الشراب. (أمن قضاء كنت تقضينه؟) وفي رواية أبي داود(٣): ((أَكنتٍ تَقْضِينَ شَيْئًا)). (فلا
يضرك) أي: ليس عليك إثم في إفطارك، وفي رواية أبي داود: ((فلا يَضُرُّكِ إنْ كان تَطَوُّعًا)).
(١) سيأتي في الحديث التالي.
(٢) في الأصل: ((أن))، والتصويب من ((تهذيب التهذيب)).
(٣) أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (١٢٩٠).

٥٠٢
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَّهِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي إِفْطَارِ الصَّائِمِ المُتَطَوِّعِ
قَالَ: وَفِي البَابِ: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَعَائِشَةً.
قَالَ: وَحَدِيثُ أُمِّ هَانِيٍ فِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ.
وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ بَعْضٍ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ نَّهَ وَغَيْرِهِمْ، أَنَّ الصَّائِمَ
المُتَطَوِّعَ إِذَا أَفْطَرَ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، إِلَّا أَنْ يُحِبَّ أَنْ يَقْضِيَهُ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ،
وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَالشَّافِعِيِّ.
قوله: (وفي الباب عن أبي سعيد) أخرجه البيهقي(١) قال: صنعت للنبي نَّ طعامًا، فلما
وضع قال رجل: أنا صائم، فقال رسول الله وَّه: ((دَعَاكَ أَخُوكَ وتَكَلَّفَ لكَ، أَفْطِرْ فَصُمْ
مَكَانَهُ إِنْ شِئْتَ)).
قال الحافظ في ((الفتح)) بعد ذكر هذا الحديث: إسناده حسن.
(وعائشة) أخرجه الجماعة(٢) إلا البخاريَّ. قالت: دخل علي رسول الله وَّل ذات يوم
فقال: ((هل عِنْدَكُمْ من شَيْءٍ؟)) فَقُلْتُ: لا، فقال: ((فإِنِّي إِذَنْ صَائِمٌ)). ثم أتانا يومًا آخر،
فقلنا: يا رسول الله، أهدي لنا حيس، فقال: ((أَرِيِنِيهِ فلقد أَصْبَحْتُ صَائِمًا)). فأكل. انتهى.
وأحاديث الباب تدل على أنه يجوز لمن صام تطوعًا أن يفطر، لا سيما إذا كان في دعوة
إلى طعام أحد من المسلمين.
قوله: (في إسناده مقال) فإن في سنده سماك، وقد اختلف عليه فيه.
وقال النسائي: سماك ليس يعتمد عليه إذا انفرد، وفي إسناده أيضًا هارون ابن أم هانئ.
قال ابن القطّان: لا يعرف، وقال الحافظ في ((التقريب)): مجهول.
قوله: (إن الصائم المتطوع إذا أفطر فلا قضاء عليه، إلا أن يحب أن يقضيه؛ وهو قول
سفيان الثوري وأحمد وإسحاق والشافعي) وهو قول الجمهور من أهل العلم، واستدلوا بقوله
وَلَّهِ: ((وإنْ كان تَطَوُّعًا، فإنْ شِئْتِ فَاقْضِي، وإنْ شِئْتِ فلا تَقْضِي))(٣) في حديث أم هانئ،
وبقوله بَّهِ: ((أَفْطِرْ فَصُمْ مَكَانَهُ إن شِئْتَ))(٤) في حديث أبي سعيد الخدري. قال الحافظ: هو
دال على عدم الإيجاب. انتهى.
(١) البيهقي في ((الكبرى)). حديث (١٤٣١٤).
(٢) مسلم، كتاب الصيام. حديث (١١٥٤)، وأبو داود، كتاب الصوم. حديث (٢٤٥٥)، والنسائي، كتاب
الصيام. حديث (٢٣٢٦)، وأخرجه أحمد في ((مسنده)). حديث (٢٥٢٠٣).
(٣) أحمد. حديث (٢٦٩٥٥)، والدارمي. حديث (١٧٣٥).
(٤) الطبراني في ((الأوسط)) (٣٢٤٠)، والبيهقي في ((الكبرى)) (٨١٤٦).

٥٠٣
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَهَ ر بَابُ مَا جَاءَ فِي إِفْطَارِ الصَّائِمِ المُتَطَوِّعِ
[٧٣٢] (٧٣٢) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ:
كُنْتُ أَسْمَعُ سِمَاكَ بْنَ حَرْبٍ، يَقُولُ: أَحَدُ بَنِي أُمِّ هَانِيٍ حَدَّثَنِي فَلَقِيتُ أَنَا أَفْضَلَهُمْ،
وَكَانَ اسْمُهُ: جَعْدَةُ، وَكَانَتْ أُمُّ هَانِيٍ جَدَّتَهُ، فَحَدَّثَنِي عَنْ جَدَّتِهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَاهـ
دَخَلَ عَلَيْهَا فَدَعَى بِشَرَابٍ فَشَرِبَ، ثُمَّ نَاوَلَها فَشَرِبَتْ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَمَا إِنِّي
كُنْتُ صَائِمَةً، فَقَالَ رَسُولُ الله ◌ِ: ((الصَّائِمُ المُتَطَوِّعُ أَمِينُ نَفْسِهِ، إِنْ شَاءَ صَامَ وَإِنْ
شَاءَ أَفْطَرَ)). [حم: ٢٦٣٥٣].
قَالَ شُعْبَةُ: فَقُلْتُ لَهُ: أَأَنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ أُمِّ هَانِيٍ؟ قَالَ: لَا، أَخْبَرَنِي
أَبُو صَالِحٍ، وَأَهْلُنَا عَنْ أَمِّ هَانِئٍ.
وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ هَذَا الحَدِيثَ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، فَقَالَ:
وقال أبو حنيفة: يلزمه القضاء، واحتج بحديث عائشة الآتي في الباب الآتي.
[٧٣٢] قوله: (فلقيت أنا أفضلهم) أي: أفضل بني أم هانئ، وهذا قول شعبة.
(وكان اسمه) أي: اسم أفضل بني أم هانئ. (جعدة) قال في ((التقريب)): جعدة
المخزومي من ولد أم هانئ، قيل: هو: ابن يحيى بن جعدة بن هبيرة، وهو مقبول، من
السادسة. انتهى.
وقال في ((الخلاصة)): جعدة المخزومي، عن أبي صالح مولى أم هانئ، وعنه شعبة.
قال البخاري: لا يعرف إلا بحديث: ((المُتَطَوِّعُ أَمِيرُ نَفْسِهِ))، وفيه نظر. انتهى.
وقال في ((التهذيب)): هو من ولد أم هانئ بنت أبي طالب أخو هارون، وهو ابن ابنها.
انتھی.
قوله: (أمين نفسه) بالنون، قال في ((المجمع)): معناه: أنه إذا كان أمين نفسه، فله أن
يتصرف في أمانة نفسه على ما يشاء. انتهى.
(فقلتُ له) أي: لجعدة. (أخبرني أبو صالح) اسمه: باذام بالذال المعجمة. ويقال:
آخره نون، مولى أم هانئ، ضعيف مدلس، من الثالثة؛ كذا في ((التقريب)). وقال في
((الخلاصة)): باذام بمعجمة بين ألفين: مولى أم هانئ أبو صالح، مدلس، يروي عن مولاته.
قال ابن معين: ليس به بأس.
قال النسائي: ليس بثقة.

٥٠٤
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ الله وَّهِ / بَابُ صِيَامِ التَّطوُّعِ بِغَيْرِ تَبِِّتٍ
عَنْ هَارُونَ ابْنِ بِنْتِ أُمِّ هَانِئٍ، عَنْ أَمِّ هَانِئٍ.
وَرِوَايَةُ شُعْبَةَ أَحْسَنُ، هَكَذَا حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، عَنْ أَبِي دَاوُدَ، فَقَالَ:
((أَمِينُ نَفْسِهِ)).
وَحَدَّثَنَا غَيْرُ مَحْمُودٍ، عَنْ أَبِي دَاوُدَ، فَقَالَ: ((أَمِيرُ نَفْسِهِ أَوْ أَمِينُ نَفْسِهِ)). عَلَى
الشَّكِّ، وَهَكَذَا رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، عَنْ شُعْبَةَ: ((أَمِينُ - أَوْ أَمْيرُ - نَفْسِهِ)). عَلَى
الشَّكِّ.
٣٥- بَابُ صِيَامِ التَّطَوُّعِ بِغَيْرٍ تَبِْيتٍ [ت٣٥، ٣٥٢]
[٧٣٣] (٧٣٣) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا وَكِيعُ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى، عَنْ عَمَّتِهِ عَائِشَةَ
بِنْتِ طَلْحَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أُمّ المُؤْمِنِينَ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ وَلَهِ يَوْماً فَقَالَ:
(هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟)) قَالَتْ: قُلْتُ: لَا، قَالَ: ((فَإِنِّي صَائِمٌ)). [ن: ٢٣٢٦].
قوله: (عن هارون ابن بنت أم هانئ) قال في ((الخلاصة)): هارون ابن أم هانئ، وقيل:
إنه حفيدها، عن أم هانئ؛ وعنه سماك، مجهول. وقد عرفت من عبارة ((تهذيب التهذيب)):
أن هارون ابن أم هانئ(١) يقال له: ابن أم هانئ، ويقال: ابن بنت أم هانئ، والثالث وهم.
قوله: (فقال: أمير نفسه، أو أمين نفسه) تقدم بيان معنى ((أمين نفسه))، ومعنى ((أمير
نفسه)): أنه أمير لنفسه بعد دخوله في الصوم، إن شاء صام، أي: أتم صومه، وإن شاء أفطر:
إما بعذر، أو بغيره.
٣٥ - باب صِيَامِ التَّطَوُّعِ بِغَيْرٍ تَبْييتٍ
[٧٣٣] قوله: (عن طلحة بن يحيى) بن طلحة بن عبيد الله التيمي المدني، نزيل
((الكوفة))، صدوق يخطئ، من السادسة. (عن عمته عائشة بنت طلحة) بن عبيد الله التيمية أم
عمران، كانت فائقة الجمال، وهي ثقة، من الثالثة.
(١) عبارة ((تهذيب التهذيب)): ابن ابن أم هانئ، ويقال: ابن أم هانئ ...

٥٠٥
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وََّ ر بَابُ مَا جَاءَ فِي إِجَابِ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ
[٧٣٤] (٧٣٤) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنْ سُفْيَان،
عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى، عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أُمّ المُؤْمِنِينَ قَالَتْ: كَانَ
النَّبِيُّ وَهِ يَأْتِينِي فَيَقُولُ: ((أَعِنْدَكِ غَدَاءٌ؟)) فَأَقُولُ: لَا، فَيَقُولُ: (إِنِّي صَائِمٌ)) قَالَتْ:
فَأَتَانِي يَوْماً، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ قَدْ أُهْدِيَتْ لَنَا هَدِيَّةٌ، قَالَ: ((وَمَا هِيَ؟))
قَالَتْ: قُلْتُ: حَيْسٌ، قَالَ: ((أَمَا إِنِّي قَدْ أَصْبَحْتُ صَائِماً، قَالَتْ: ثُمَّ أَكَلَ)).
[م: ١١٥٤، ن: ٢٣٢١، د: ٢٤٥٥].
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌّ.
٣٦- بَابٌ مَا جَاءَ في إِيجَابِ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ [ت٣٦، ٣٦٢]
[٧٣٥] (٧٣٥) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعِ، حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ هِشَام، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ
بُرْقَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كُنْتُ أَنَا وَحَفْصَةُ صَائمَتَيْنِ،
فَعُرِضَ لَنَا طَعَامٌ اشْتَهَيْنَاهُ فَأَكَلْنَا مِنْهُ، فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ وَّهُ
[٧٣٤] قوله: (أعندك غَدَاء) بفتح المعجمة والدال المهملة، وهو: ما يؤكل قبل الزوال.
(قلت: حَيْس) بفتح الحاء المهملة، وسكون الياء: تمر مخلوط بسمن وأقط.
وقيل: طعام يتخذ من الزبد والتمر والأقط، وقد يبدل الأقط بالدقيق، والزبد بالسمن،
وقد يبدل السمن بالزيت؛ قاله القاري.
(قالت: ثم أكل) قال ميرك: يدل هذا على جواز إفطار النفل؛ وبه قال الأكثرون.
قال أبو حنيفة: يجوز بعذر، وأما بدونه فلا.
قوله: (هذا حديث حسن) وأخرجه مسلم.
٣٦- باب ما جاء في إيجابِ القَضَاءِ عليه
٠
أي: على الصائم المتطوع الذي أفطر.
[٧٣٥] قوله: (جعفر بن برقان) بضم الموحدة، وسكون الراء بعدها قاف: أبو عبد الله
الرقي، صدوق يَهِمُ في حديث الزهري؛ كذا في ((التقريب)).
قوله: (كنت أنا وحفصة) بالرفع. (صائمتين) أي: نفلًا. (فعرض لنا طعام) بصيغة
المجهول، أو عرضه هنا أحد بطريق الهدية.

٥٠٦
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَهَ ر بَابُ مَا جَاءَ فِي إِجَابِ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ
فَبَدَرَتْنِي إِلَيْهِ حَفْصَةُ وَكَانَتِ ابْنَةَ أَبِيهَا، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا كُنَّا صَائِمَتَيْنِ فَعُرِضَ
لَنَا طَعَامُ اشْتَهَيْنَاهُ فَأْكَلْنَا مِنْهُ، قَالَ: ((اقْضِيَا يَوْماً آخَرَ مَكَانَهُ)). [ضعيف: جعفر يضعف فِي
روايته عن الزهري، د: ٢٤٥٧، حم: ٢٥٧٣٥، طا: ٦٨٢].
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَرَوَى صَالِحُ بْنُ أَبِي الْأَخْضَرِ وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ هَذَا
الحَدِيثَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ مِثْلَ هَذَا.
وَرَوَاهُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَمَعْمَرٌ، وَعُبَيْدُ الله بْنُ عُمَرَ، وَزِيَادُ بْنُ سَعْدٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ
مِنَ الحُفَّاظِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَائِشَةَ مُرْسَلًا، وَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ عَنْ عُرْوَةَ، وَهَذَا
أَصَحُ، لأَنَّهُ رُوِيَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: سَأَلْتُ الزُّهْرِيَّ، فَقُلْتُ لَهُ: أَحَدَّثَكَ عُرْوَةُ عَنْ
عَائِشَةَ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ عُرْوَةً فِي هَذَا شَيْئاً، وَلَكِنِي سَمِعْتُ فِي خِلَافَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ
عَبْدِ المَلِكِ مِنْ نَاسِ عَنْ بَعْضٍ مَنْ سَأَلَ عَائِشَة عَنْ هَذَا الحَدِيثِ.
حَدَّثَنَا بِذَلِكَ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى بْنُ يَزِيدَ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، عَنِ ابْنِ
جُرَيْجِ، فَذَكَرَ الحَدِيثَ.
وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ نَّهِ وَغَيْرِهِمْ إِلَى هَذَا الحَدِيثِ،
فَرَأَوْا عَلَيْهِ القَضَاءَ إِذَا أَقْطَر، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ.
(فبدرتني إليه حفصة) أي: سبقتني إليه ◌َّ في الكلام، من بدرت الشيء بدورًا: أسرعت
إليه. (وكانت ابنة أبيها) تعني: على خصال أبيها، أي: كانت جريئة كأبيها .
قوله: (ولم يذكروا فيه عن عروة، وهذا أصح) وقال النسائي: هذا خطأ .
وقال ابن عيينة في روايته: سئل الزهري عنه أهو عن عروة؟ فقال: لا .
وقال الخلال: اتفق الثقات على إرساله، وشذ من وصله، وتوارد الحفاظ على الحكم
بضعف حديث عائشة هذا؛ كذا في ((فتح الباري)).
قوله: (فرأوا عليه القضاء إذا أفطر؛ وهو قول مالك بن أنس) وهو قول الحنفية،
واستدلوا عليه بحديث الباب، وبحديث أبي سعيد الذي أشار إليه الترمذي في الباب المتقدم،
وقد ذكرنا لفظه .
وأجيب عن ذلك: بما في حديث أم هانئ: ((وإنْ كان تَطَوُّعًا فإنْ شِئْتِ فَاقْضِي، وإنْ

٥٠٧
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَهَ ر بَابُ مَا جَاءَ فِي وِصَالٍ شَعْبَانَ بِرَمَضَانَ
٣٧- بَابُ مَا جَاءَ فيْ وِصَالٍ شَعْبَانَ بِرَمَضَانَ [ت٣٧، ٣٧٢]
[٧٣٦] (٧٣٦) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ بُنْدَارٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ
سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الجَعْدِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ،
قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ النَِّيَّ ◌َِّ يَصُوْمُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ إِلَّا شَعْبَانَ وَرَمَضَانَ. [ن: ٢٣٥١].
شِئْتِ فلا تَقْضِي)). رواه أحمد وأبو داود(١) بمعناه؛ فيجمع بينه وبين حديث عائشة وأبي سعيد
بحمل القضاء على التخيير؛ وهو مذهب الجمهور من أهل العلم.
قال الشوكاني في ((النيل)) ص١٣١: ويدل على جواز الإفطار، وعدم وجوب القضاء
حديث أبي جحيفة؛ يعني: الذي فيه قصة زيارة سلمان أبا الدرداء؛ لأن النبي وَلفيه قرر ذلك،
ولم يبين لأبي الدرداء وجوب القضاء عليه، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
قال ابن المنير: ليس في تحريم الأكل في صوم النفل من غير عذر إلا الأدلة العامة؛
كقوله تعالى: ﴿وَلَ نُبْطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]؛ لأن الخاص يقدم على العام؛ كحديث
سلمان. وقال ابن عبد البر: من احتج في هذا بقوله تعالى: ﴿وَلَا نُبْطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ﴾ فهو جاهل
بأقوال أهل العلم؛ فإن الأكثر على أن المراد بذلك: النهي عن الرياء؛ كأنه قال: ﴿وَلَا نُبْطِلُواْ
أَعْمَلگز﴾ بالرياء، بل أخلصوها لله.
وقال آخرون: لا تبطلوا أعمالكم بارتكاب الكبائر، ولو كان المراد بذلك: النهي عن
إيطال ما لم يفرض الله عليه، ولا أوجب على نفسه بنذر أو غيره؛ لامتنع عليه الإفطار، إِلَّا
بما يبيح الفطر من الصوم الواجب، وهم لا يقولون بذلك. انتهى.
قال الشوكاني: ولا يخفى أن الآية عامة، والاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؛
كما تقرر في الأصول؛ فالصواب ما قال ابن المنير. انتهى.
٣٧- باب ما جاء في وِصَالٍ شَعْبَانَ برَمَضَانَ
[٧٣٦] قوله: (ما رأيت النبي ( * يصوم شهرين متتابعين ... إلخ) وفي رواية أبي داود(٢)
وغيره: ((أنه لم يكن يصوم من السنة شهرًا تامًّا، إلا شعبان يصله برمضان)). وهذا اللفظ أوفق
لما ترجم به الترمذي.
(١) أحمد. حديث (٢٦٣٧١)، وأبو داود، كتاب الصوم. حديث (٢٤٥٦).
(٢) أبو داود، كتاب الصوم. حديث (٢٣٣٦)، والنسائي، كتاب الصيام. حديث (٢٣٥٣).

٥٠٨
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ الله ◌ََّ ر بَابُ مَا جَاءَ فِي وِصَالِ شَعْبَانَ بِرَمَضَانَ
وَفِي الْبَابِ: عَنْ عَائِشَةَ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ أَيْضًا عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ
النَّبِيَّ وَّهِ فِي شَهْرٍ أَكْثَرَ صِيَاماً مِنْهُ فِي شَعْبَانَ، كَانَ يَصُومُهُ إِلَّا قَلِيلًا، بَلْ كَانَ يَصُومُهُ
كُلَّهُ. [خ: ١٩٧٠، ن: ٢٣٥٠، د: ٢٤٣٤، حم: ٢٤٢٣٦، طا: ٦٨٨].
قال الحافظ في ((الفتح)): بعد ذكر هذه الرواية: أي: كان يصوم معظمه. واستدل عليه
برواية عائشة عند مسلم(١) بلفظ: ((كان يصوم شعبان إلا قليلًا)). وسيجيء تحقيقه.
قوله: (حديث أم سلمة حديث حسن) وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه، وسكت
عنه أبو داود، ونقل المنذري تحسين الترمذي وأقره.
(وقد روي هذا الحديث أيضًا عن أبي سلمة عن عائشة) قال الحافظ في ((الفتح)): يحتمل
أن يكون أبو سلمة رواه عن كل من عائشة وأم سلمة، ويؤيده أن محمد بن إبراهيم التيمي
رواه عن أبي سلمة عن عائشة تارة، وعن أم سلمة تارة أخرى، أخرجهما النسائي. انتهى.
قوله: (ما رأيت النبي وَّر في شهر أكثر) بالنصب على أنه ثاني مفعول ((رأيت)).
(صيامًا) تمييز. (منه) أي: من النبي ◌َّه. (في شعبان) متعلق بـ ((صيامًا)). والمعنى: كان
رسول الله وَّيلة يصوم في شعبان، وفي غيره من الشهور سوى رمضان، وكان صيامه في شعبان
أكثر من صيامه فيما سواه؛ كذا ذكره الطيبيُّ.
وقال بعض الشراح: قوله: ((في شهر)) يعني به: غير شعبان، وهو حال من المستكن في
(أكثر)، وفي ((شعبان)) حال من المجرور في (منه)) العائد إلى الرسول وَيّر؛ أي: ما رأيته كائنًا
في غير شعبان أكثر صيامًا منه كائنًا في شعبان؛ مثل: زيد قائمًا أحسن منه قاعدًا، أو كلاهما
ظرف ((أكثر)) الأول باعتبار الزيادة، والثاني باعتبار أصل المعنى، ولا تعلق له برؤيته، وإلا
يلزم تفضيل الشيء على نفسه باعتبار حالة واحدة؛ كذا ذكره القاري.
(كان يصومه إلا قليلاً، بل كان يصومه كله) أي: لغاية القلة. وفي رواية مسلم(٢) من طريق
أبي لبيد، عن أبي سلمة، عن عائشة: ((كان يصوم شعبان كله، كان يصوم شعبان إلا قليلً))(٣).
(١) مسلم، كتاب الصيام. حديث (١١٥٦).
(٣) وأخرجه البخاري، كتاب الصوم. حديث (١٩٦٩).
(٢) مسلم، كتاب الصيام. حديث (١١٥٦).

٥٠٩
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ رَ بَابُ مَا جَاءَ فِي وِصَالٍ شَعْبَانَ بِرَمَضَانَ
[٧٣٧] (٧٣٧) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا أَبُو
سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ بِذَلِكَ.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ المُبَارَكِ، أَنَّهُ قَالَ فِي هَذا الحَدِيثِ قَالَ: هُوَ جَائِزٌ فِي كَلَامِ
الْعَرَبِ إِذَا صَامَ أَكْثَرَ الشَّهْرِ أَنْ يُقَالَ: صَامَ الشَّهْرَ كُلَّهُ، وَيُقَالَ: قَامَ فُلَانٌ لَيْلَتَهُ
أَجْمَعَ، وَلَعَلَّهُ تَعَشَّى وَاشْتَغَلَ بِبَعْضِ أَمْرِهِ، كَأَنَّ ابْنَ المُبَارَكِ قَدْ رَأَى كِلَا الحَدِيثَيْنِ
مُتَّفِقَيْنِ، يَقُولُ: إِنَّمَا مَعْنَى هَذَا الحَدِيثِ: أَنَّهُ كَانَ يَصُومُ أَكْثَرَ الشَّهْرِ.
[٧٣٧] قوله: (كأن ابن المبارك قد رأى كلا الحديثين متفقين، يقول: إنما معنى هذا
الحديث: أنه كان يصوم أكثر الشهر) المراد بـ ((كلا الحديثين)): الحديث الذي ورد فيه صوم
أکثر شعبان، والحديث الذي جاء فيه صوم شعبان کله.
قال الحافظ في ((الفتح)): حاصل ما قال ابن المبارك: أن الرواية الأولى مفسرة للثانية،
وأن المراد بالكل الأكثر، وهو مجاز قليل الاستعمال.
واستبعده الطيبيُّ قال: لأن الكل تأكيد لإرادة الشمول، ودفع التجوز؛ فتفسيره بالبعض
مُنَافٍ له. قال: فيحمل على أنه كان يصوم شعبان كله تارة؛ ويصوم معظمه أخرى؛ لئلا
یتوهم أنه واجب کله کرمضان.
وقيل: المراد بقولها: ((كله)) أنه كان يصوم من أوله تارة، ومن آخره أخرى، ومن أثنائه
طورًا، فلا يخلي شيئًا منه من صيام، ولا يخص ببعضه بصيام دون بعض.
وقال الزين بن المنير: إما أن يحمل قول عائشة على المبالغة؛ والمراد الأكثر، وإما أن
يجمع بأن قولها الثاني متأخر عن قولها الأول؛ فأخبرت عن أول أمره: أنه كان يصوم أكثر
شعبان، وأخبرت ثانيًا عن آخر أمره: أنه كان يصومه كله. انتهى. ولا يخفى تكلفه، والأول
هو الصواب.
ويؤيده: رواية عبد الله بن شقيق، عن عائشة عند مسلم وسعد بن هشام عنها عند
النسائي(١)، ولفظه: ((ولا صام شهرًا كاملًا قط منذ قدم المدينة غير رمضان)). انتهى كلام
الحافظ.
واختلف في الحكمة في إكثاره ◌َّه من صوم شعبان على أقوال قد ذكرها الحافظ في
(١) مسلم، كتاب الصيام. حديث (١١٥٦)، والنسائي، كتاب قيام الليل. حديث (١٦٤١).

٥١٠
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّ ر بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَّةِ الصَّوْمِ فِي النِّصْفِ البَاِي مِنْ شَعْبَانَ
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَقَدْ رَوَى سَالِمٌ أَبُو النَّضْرِ وَغَيْرُ وَاحِدٍ [هَذَا الحَدِيثَ] عَنْ
أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ نَحْوَ رِوَايَةٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو.
٣٨- بَابُ مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةِ الصَّوْمِ في النِّصْفِ البَاقِي
مِنْ شَعْبَانَ لِحَالِ رَمَضَانَ [ت٣٨، ٣٨٢]
[٧٣٨] (٧٣٨) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنِ العَلَاءِ بْنِ عَبْدٍ
الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِذَا بَقِيَ نِصْفٌ مِنْ
شَعْبَانَ فَلَا تَصُومُوا)). [د: ٢٣٣٧، جه بنحوه: ١٦٥١، حم بنحوه: ٩٤١٤، مي بنحوه: ١٧٤٠].
((الفتح))، وقد ذكر في تأييد بعضها بعض الأحاديث الضعاف، ثم قال: والأولى في ذلك ما
جاء في حديثٍ أصحَّ مما مضى أخرجه النسائي وأبو داود، وصحَّحه ابن خزيمة(١) ، عن
أسامة بن زيد قال: قلت: يا رسول الله، لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من
شعبان؟ قال: ((ذلكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عنه بين رَجَبٍ ورَمَضَانَ، وهو شَهْرٌ تُرْفَعُ فيه الأَعْمَالُ
إلى رَبِّ العَالَمِينَ؛ فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وأنا صَائِمٌ)). ونحوه من حديث عائشة عند
أبي يعلى(٢)، لكن قال فيه: ((إنَّ الله يَكْتُبُ كُلَّ نَفْسٍ مَيْتَةٍ تِلْكَ السَّنَّةَ؛ فَأُحِبُّ أَنْ يَأْتِيَنِي أَجَلِي
وأنا صَائِمٌ)).
قال: ولا تعارض بين هذا، وبين ما جاء من النهي عند تقدم رمضان بصوم يوم أو
يومين، وكذا ما جاء من النهي عن صوم نصف شعبان الثاني؛ فإن الجمع بينهما ظاهر؛ بأن
يحمل النهي على من لم يدخل تلك الأيام في صيام اعتاده. انتهى.
٣٨- باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةِ الصَّوْمِ في النِّصْفِ البَاقِي مِن شَعْبَانَ لِحَالِ رَمَضَانَ
[٧٣٨] قوله: (إذا بقي نصف من شعبان فلا تصوموا) وفي رواية أبي داود (٣) وغيره: ((إذا
انْتَصَفَ شَعْبَانُ ... ))، وفي رواية: ((فلا صِيَامَ حَتَّى يَكُونَ رَمَضَانُ)).
قال القاري في ((المرقاة)): والنهي للتنزيه؛ رحمة [الله] على الأمة أن يضعفوا عن حق
القيام بصيام رمضان على وجه النشاط.
(١) النسائي، كتاب الصيام. حديث (٢٣٥٧)، أحمد. حديث (٢١٨٥١).
(٢) أبو يعلى. حديث (٤٩١١).
(٣) أبو داود، كتاب الصوم. حديث (٢٣٣٧).

٥١١
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ الله وَّهِ بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ الصَّوْمِ فِي النّصْفِ البَاقِي مِنْ شَعْبَانَ
وأما من صام شعبان كله، فيتعود بالصوم، ويزول عنه الكلفة، ولذا قيده بالانتصاف أو
نهى عنه؛ لأنه نوع من التقدم. والله أعلم.
قال القاضي: المقصود: استجمام من لا يقوى على تتابع الصيام، فاستحب الإفطار؛
كما استحب إفطار ((عرفة)) ليتقوى على الدعاء، فأما من قدر فلا نهي له؛ ولذلك جمع النبي
وَ * بين الشهرين في الصوم. انتهى.
وقال الحافظ في ((فتح الباري)): قال كثير من الشافعية بمنع الصوم من أول السادس عشر
من شعبان؛ لحديث العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعًا: ((إذا انْتَصَفَ
شَعْبَانُ فلا تَصُومُوا)). أخرجه أصحاب السنن، وصحَّحه ابن حبان وغيره.
وقال الروياني من الشافعية: يحرم التقدم بيوم أو يومين؛ لحديث: ((لا يَتَقدَّمَنَّ أَحَدُكُم
رَمَضَانَ بِصَوْمٍ يَوْمٍ أو يَوْمَيْنٍ))(١) . ويكره التقدم من نصف شعبان؛ للحديث الآخر.
وقال جمهور العلماء: يجوز الصوم تطوعًا بعد النصف من شعبان، وضعفوا الحديث
الوارد فيه. وقال أحمد وابن معين: إنه منكر، واستدل البيهقي (٢) بحديث الباب؛ يعني: ((لا
يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدُكُم شَعْبَانَ بِصَوْمٍ يَوْمٍ أو يَوْمَيْنٍ)) على ضعفه فقال: الرخصة في ذلك بما هو أصح
من حدیث العلاء.
وكذا منع قبله الطحاوي (٣)، واستظهر بحديث ثابت عن أنس مرفوعًا: ((أَفْضَلُ الصِّيَامِ
بَعْدَ رَمَضَانَ شَعْبَانُ)). لكن إسناده ضعيف.
واستظهر أيضًا (٤) بحديث عمران بن حصين؛ أن رسول الله وَّيٍ قال الرجل: ((هل صُمْتَ من
سَرْدٍ شَعْبَانَ شَيْئًا؟)) قال: لا. قال: ((فإذا أَفْطَرْتَ من رَمَضَانَ فَصُمْ يَوْمَيْنِ)). ثم جمع بین
الحديثين، يعني: بين حديث العلاء بن عبد الرحمن، وبين حديث: ((لا يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدُكُم رَمَضَانَ
بَصَوْمٍ يَوْمٍ أو يَوْمَيْنٍ))؛ بأن حديث العلاء على من يضعفه الصوم، وحديث التقدم بصوم يوم أو
يومين مخصوص بمن يحتاط بزعمه لرمضان، وهو جمع حسن. انتهى كلام الحافظ.
(١) البخاري، كتاب الصوم. حديث (١٩١٤)، ومسلم، كتاب الصيام. حديث (١٠٨٢).
(٢) البيهقي في ((الكبرى)). حديث (٧٧٣١).
(٣) الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)). حديث (٣٠٨٣).
(٤) الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)). حديث (٣٠٨٥).

٥١٢
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ الصَّوْمِ فِي النَّصْفِ البَاقِي مِنْ شَعْبَانَ
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا
الْوَجْهِ عَلَى هَذَا اللَّفْظِ.
وَمَعْنَى هَذَا الحَدِيثِ عِنْدَ بَعْضٍ أَهْلِ العِلْمِ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ مُفْطِراً، فَإِذَا بَقِيَ مِنْ
شَعْبَانَ شَيْءٌ أَخَذَ فِي الصَّوْمِ لِحَالِ شَهْرِ رَمَضَانَ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وََّ مَا يُشْبِهُ قَوْلَهُمْ، حَيْثُ قَالَ النَّبِيُّ ◌َلِهِ:
((لَا تَقَدَّمُوا شَهْرَ رَمَضَانَ بِصِيَامٍ إِلَّا أَنْ يُوَافِقَ ذَلِكَ صَوْماً كَانَ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ)).
[خ: ١٩١٤، م: ١٠٨٢، ن: ٢١٧١، د: ٢٣٣٥، جه: ١٦٥٠، حم: ٩٨٢٨، مي: ١٦٨٩].
وَقَدْ دَلَّ فِي هَذَا الحَدِيثِ إِنَّمَا الْكَرَاهِيَةُ عَلَى مَنْ يَتَعَمَّدُ الصِّيَامَ لِحَالِ رَمَضَانَ.
قوله: (حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح) وصحَّحه ابن حبان وغيره.
وقال أحمد وابن معين: إنه منكر؛ كما قال الحافظ في ((الفتح)): قال أبو داود في
(سننه)): وكان عبد الرحمن لا يحدث به. قلت لأحمد: لم؟ قال: لأنه كان عنده أن النبي
وَّ* كان يصل شعبان برمضان. وقال عن النبي ◌ُّر خلافه.
قال أبو داود: وليس هذا عندي خلافه، ولم يجيء به غير العلاء عن أبيه. انتهى. وقال
المنذري في ((تلخيصه)): حكى أبو داود عن الإمام أحمد؛ أنه قال: هذا حديث منكر. قال:
وكان عبد الرحمن؛ يعني: ابن مهدي لا يحدث به، ويحتمل أن يكون الإمام أحمد إنما
أنكره من جهة العلاء بن عبد الرحمن؛ فإن فيه مقالًا لأئمة هذا الشأن.
قال: والعلاء بن عبد الرحمن - وإن كان فيه مقال - فقد حدث عنه الإمام مالك مع شدة
انتقاده للرجال، وتحريه في ذلك، وقد احتج به مسلم في ((صحيحه))، وذكر له أحاديث انفرد
بها رواتها، وكذلك فعل البخاري أيضًا، وللحفاظ في الرجال مذاهب، فعل كل منهم ما أدى
إليه اجتهاده من القبول والرد چه. انتهى كلام المنذري.
قلت: الحق عندي أن الحديث صحيح. والله تعالى أعلم.
قوله: (ما يشبه قولهم) أي: قول بعض أهل العلم، والمعنى: أنه قد روي عن النبي ◌َّ
مثل قوله هذا (حيث قال النبي وَظاهر ... إلخ) أي: ما قلنا من أنه روي عن النبي بَّ مثل
قوله، فلأنه ◌َّه قال ... إلخ، فهذا إشارة إلى قوله: ((وقد روي ... )) إلخ، و((حيث))
تعليلية، وقال بعضهم: ((وهذا))؛ أي: كراهة الأخذ في الصوم لحال رمضان؛ لأنه وَّقه

٥١٣
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ الله وَِّ ر بَابُ مَا جَاءَ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ
٣٩- بَابُ مَا جَاءَ فيِ لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ [ت٣٩، ٣٩٠]
[٧٣٩] (٧٣٩) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا الحَجَّاجُ بْنُ
أَرْطَاةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: فَقَدْتُ رَسُولَ اللهِ وَه
لَيْلَةً، فَخَرَجْتُ فَإِذَا هُوَ بِالبَقِيعِ، فَقَالَ: ((أَكُنْتِ تَخَافِينَ أَنْ يَحِيْفَ اللهُ عَلَيْكِ وَرَسُولُهُ؟))
قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، ظَنَنْتُ أَنَّكَ أَتَيْتَ بَعْضَ نِسَائِكَ، فَقَالَ: ((إِنَّ الله عزَّ وَجَلَّ يَنْزِلُ
لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ
قال ... إلخ. وقيل: و((هذا))؛ أي: دليل كراهة الأخذ في الصوم لحال رمضان حيث قال
النبي ◌َّ إلخ. والظاهر هو ما قلنا. والله تعالى أعلم.
٣٩- باب ما جاء في لَيْلَةِ النِّصْفِ من شَعْبَانَ
هي الليلة الخامسة عشرة من شعبان، وتسمى: ليلة البراءة. وذكر هذا الباب هنا استطراد
لذكر شعبان، وإلا فالكلام في الصيام؛ قاله أبو الطيب المدني.
[٧٣٩] قوله: (فقدت) أي: لم أجده. قال في ((النهاية)): فقدت الشيء أفقده: إذا غاب
عنك. (ليلة) من: ليالي؛ تعني: الليلة التي كان فيها عندي.
(فإذا هو بالبقيع) أي: واقف فيه، والمراد بـ ((البقيع)): بقيع الغرقد؛ وهو موضع بظاهر
((المدينة)) فيه قبور أهلها، كان به شجر الغرقد، فذهب وبقي اسمه؛ كذا في ((النهاية)).
(أن يحيف) أي: يجور ويظلم. (الله عليك ورسوله) ذكر ((الله)) تنويهًا لعظم شأنه عند ربه
على حد ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠] قال الطيبيُّ: أو تزيينًا للكلام
وتحسينًا، أو حكاية لما وقع في الآية: ﴿أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِفَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولٌ﴾ [النور: ٥٠]،
وإشارة إلى التلازم بينهما كالإطاعة والمحبة. قال: يعني: ظننت أني ظلمتك بأن جعلت من
نوبتك لغيرك، وذلك مناف لمن تصدى بمنصب الرسالة.
(قلت: يا رسول الله! إِنِّي ظننت أنك أتيت بعض نسائك) أي: زوجاتك لبعض مهماتك،
فأردت تحقيقها، وحملني على هذا الغيرة الحاصلة للنساء التي تخرجهن عن دائرة العقل،
وحائزة التدبر للعاقبة من المعاتبة أو المعاقبة. والحاصل: أني ما ظننت أن يحيف الله
ورسوله علي، أو على غيري، بل ظننت أنك بأمر من الله، أو باجتهاد منك خرجت من
عندي لبعض نسائك؛ لأن عادتك أن تصلي التوافل في بيتك؛ كذا في ((المرقاة)).

٥١٤
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِ بَّهِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ
إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَغْفِرُ لأَكْثَرَ مِنْ عَدَدِ شَعْرٍ غَنَمِ کَلْبٍ». [ضعيف،
حم: ٢٥٤٨٧].
[ضعيف، جه: ١٣٨٩،
وَفِي الْبَابِ: عَنْ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ عَائِشَةَ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ حَدِيثِ الحَجَّاجِ،
وسَمِعْتُ مُحَمَّداً، يَقُولُ: يُضَعَّفُ هَذَا الحَدِيثَ.
وَقَالَ: يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عُرْوَةَ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَالحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ .
(إلى سماء الدنيا) وفي رواية ابن ماجه: ((إلى السَّمَاءِ الدُّنْيَا)).
(فيغفر لأكثر من عدد شعر غنم كلب) أي: قبيلة بني كلب، وخصهم؛ لأنهم أكثر غنمًا
من سائر العرب. نقل الأبهري عن ((الأزهار)): أن المراد بغفران أكثر عدد الذنوب المغفورة
لا عدد أصحابها؛ وهكذا رواه البيهقي(١). انتهى. ذكره القاري.
وفي ((المشكاة)) زاد رزين: ((مِمَّنِ اسْتَحَقَّ النَّارَ)).
قوله: (وفي الباب عن أبي بكر الصديق) أخرجه البزار والبيهقي(٢)؛ بإسناد لا بأس به؛
كذا في ((الترغيب والترهيب)) للمنذري في باب: ((الترهيب من التهاجر)).
قوله: (حديث عائشة لا نعرفه إلا من هذا الوجه) وأخرجه ابن ماجه والبيهقي. (وقال:
يحيى بن أبي كثير: لم يسمع من عروة ... إلخ) فالحديث منقطع في موضعين:
أحدهما: ما بين الحجاج ويحيى، والآخر: ما بين يحيى وعروة.
اعلم: أنه قد ورد في فضيلة ليلة النصف من شعبان عدة أحاديث، مجموعها يدل على
أن لها أصلًا:
فمنها : حديث الباب؛ وهو منقطع.
ومنها: حديث عائشة قالت: قام رسول الله وَ لي من الليل، فصلى فأطال السجود؛ حتى
ظننت أنه قد قبض. فلما رأيت ذلك قمت حتى حركت إبهامه، فتحرك فرجع، فلما رفع رأسه
من السجود، وفرغ من صلاته قال: ((يا عَائِشَةُ، أو يَا حُمَيْرَاءُ! أَظَنَنَنْتِ أَنَّ النَّبِيِّ ◌َّهِ قَد خَاسَ
(١) البيهقي في ((الكبرى)). حديث (٣٨٢٤).
(٢) البزار. حديث (٦٢، ١١٤)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)). حديث (٣٨٢٧).

٥١٥
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَِّ / بَابُ مَا جَاءَ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ
بِكِ؟)) قلت: لا والله يا رسول الله، ولكنني ظننت أنك قبضت لطول سجودك. فقال:
([أَتَدِرينَ](١) أَيَّ لَيْلَةٍ هَذِهِ؟)) قلت: الله ورسوله أعلم. قال: ((هذه لَيْلَةُ النِّصْفِ من شَعْبَانَ،
إِنَّ الله عَزَّ وَجَلَّ يَطَّلِعُ على عِبَادِهِ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ من شَعْبَانَ فَيَغْفِرُ للمُسْتَغْفِرِينَ ويَرْحَمُ
المُسْتَرْحِمِينَ ويُؤَخِّرُ أَهْلَ الحِقْدِ كما هُمْ)). رواه البيهقي(٢)، وقال: هذا مرسل جيد،
ويحتمل أن يكون العلاء أخذه من مکحول.
قال الأزهري: يقال للرجل إذا غدر بصاحبه فلم يؤته حقه: قد خاس به؛ كذا في
((الترغيب والترهيب)) للحافظ المنذري.
عن النبي ◌َّر قال: ((يَطَّلِعُ الله إلى جَمِيعِ خَلْقِهِ لَيْلَةَ
ومنها: حديث معاذ بن جبل
النِّصْفِ من شَعْبَانَ فَيَغْفِرُ لِجَمِيعٍ خَلْقِهِ إِلَّا لِمُشْرِكٍ أو مُشَاحِنٍ)). قال المنذري في ((الترغيب))
بعد ذكره: رواه الطبراني في ((الأوسط))، وابن حبان في ((صحيحه))، والبيهقي (٣) ، ورواه ابن
ماجه(٤) بلفظه من حديث أبي موسى الأشعري، والبزار والبيهقي من حديث أبي بكر الصديق
، بنحوه بإسناد لا بأس به. انتهى كلام المنذري.
قلت: في سند حديث أبي موسى الأشعري عند ابن ماجه ابن لهيعة؛ وهو ضعيف.
ومنها: حديث عبد الله بن عمرو ها أن رسول الله وَّه قال: ((يَطَّلِعُ الله عَزَّ وَجَلَّ إلى
خَلْقِهِ لَيْلَةَ النِّصْفِ من شَعْبَانَ، فَيَغْفِرُ لِعِبَادِهِ إِلَّا اثْنَيْنِ: مُشَاحِنٍ، وقَاتِلِ نَفْسٍ)). قال المنذري:
رواه أحمد(٥) بإسناد لین. انتھی.
ومنها: حديث مكحول عن كثير بن مرة، عن النبي ◌َّر في ليلة النصف من شعبان:
(يَغْفِرُ الله عَزَّ وَجَلَّ لأَهْلِ الأَرْضِ إِلَّا مُشْرِكٍ أو مُشَاحِنٍ))(٦).
قال المنذري: رواه البيهقي، وقال: هذا مرسل جيد. قال: ورواه الطبراني والبيهقي (٧)
(١) في نسخة: ((أتدري))، والمثبت هو الصواب، وهو الموافق لما في ((الشعب)).
(٢) البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٣٨٣٥).
(٣) الطبراني في ((الأوسط)). حديث (٦٧٧٦)، وابن حبان. حديث (٥٦٦٥)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)).
حدیث (٦٦٢٨).
(٤) ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها. حديث (١٣٩٠).
(٥) أحمد. حديث (٦٦٠٤).
(٦) عبد الرزاق. حديث (٧٩٢٣).
(٧) البيهقي في ((الكبرى)). حديث (٣٨٣١).

٥١٦
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَِّ ر بَابُ مَا جَاءَ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ
أيضًا عن مكحول عن أبي ثعلبة عظاته: أن النبي ◌َِّ قال: ((يَطَّلِعُ الله إلى عِبَادِهِ لَيْلَةَ النِّصْفِ من
شَعْبَانَ، فَيَغْفِرُ للمُؤْمِنِينَ ويُمْهِلُ الكافِرِينَ ويَدَعُ أَهْلَ الحِقْدِ بِحِقْدِهِم حَتَّى يَدَعُوهُ))(١). قال
البيهقي (٢): وهو أيضًا بين مكحول وأبي ثعلبة مرسل جيد. انتهى.
ومنها: حديث علي نظُّه قال: قال رسول الله وَّهُ: ((إذا كانت لَيْلَةُ النِّصْفِ من شَعْبَانَ
فَقُومُوا لَيْلَها وصُومُوا نَهَارَها؛ فإِنَّ الله يَنْزِلُ فيها لِغُرُوبِ الشَّمْسِ إلى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ: ألا
من مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرُ له، ألا مُسْتَرْزِقٌ فَأَرْزُقَهُ، ألا مُبْتَلَى فَأُعَافِيَهُ، ألا كذا ألا كذا حَتَّى يَظْلُعَ
الفَجْرُ))، رواه ابن ماجه(٣)، وفي سنده: أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن أبي سبرة القرشي
العامري المدني. قيل: اسمه عبد الله. وقيل: محمد، وقد ینسب إلى جده، رموه بالوضع؛
كذا في ((التقريب)).
وقال الذهبي في ((الميزان)): ضعفه البخاري وغيره. وروى عبد الله وصالح ابنا أحمد عن
أبيهما، قال: كان يضع الحديث. وقال النسائي: متروك. انتهى.
فهذه الأحاديث بمجموعها حجة على من زعم أنه لم يثبت في فضيلة ليلة النصف من
شعبان شيء. والله تعالى أعلم.
تنبيه: اعلم. أن المراد من ((ليلة مباركة)) في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِى لَيْلَةٍ مُّبَرَّكَةٍ إِنَّا
فِيَهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٣ - ٤] عند الجمهور هي ليلة القدر. وقيل: هي
كُنَّا مُنذِرِينَ
ليلة النصف من شعبان؛ وقول الجمهور هو الحق.
قال الحافظ ابن كثير: من قال: إنها ليلة النصف من شعبان، فقد أبعد؛ فإن نص القرآن
أنها في رمضان. انتهى.
وفي ((المرقاة شرح المشكاة)): قال جماعة من السلف: إن المراد في الآية: هي ليلة
النصف من شعبان، إلا أن ظاهر القرآن بل صريحه يرده؛ لإفادته في آية أنه نزل في رمضان،
وفي أخرى أنه نزل في ليلة القدر، ولا تَخَالُفَ بينهما؛ لأن ليلة القدر من جملة رمضان.
(١) الطبراني في «الكبير)) (٢٢٣/٢٢). حديث (٥٩٠)، والبيهقي في (شعب الإيمان)). حديث (٣٨٣٢)، قال
الهيثمي في ((المجمع)) (٦٥/٨): وفيه الأحوص بن حكيم وهو ضعيف.
(٢) البيهقي في ((شعب الإيمان)) تحت رقم (٣٨٣١).
(٣) ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها. حديث (١٣٨٨).

٥١٧
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ ر بَابُ مَا جَاءَ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ
وإذا ثبت أن هذا النزول ليلة القدر، ثبت أن الليلة التي يفرق فيها كل أمر حكيم في
الآية؛ هي ليلة القدر، لا ليلة النصف من شعبان، ولا نزاع في أن ليلة نصف شعبان يقع فيها
فرق؛ كما صرح به الحديث، وإنما النزاع في أنها المرادة من الآية، والصواب: أنها ليست
مرادة منها؛ وحينئذ يستفاد من الحديث والآية وقوع ذلك الفرق في كل من الليلتين؛ إعلامًا
لمزيد شرفهما، ويحتمل أن يكون الفرق في أحدهما إجمالًا، وفي الأخرى تفصيلًاً، أو
تخص إحداهما بالأمور الدنيوية، والأخرى بالأمور الأخروية، وغير ذلك من الاحتمالات
العقلية. انتهى.
تنبيه آخر: قال القاري في ((المرقاة)): اعلم أن المذكور في ((اللآلئ)) أن مئة ركعة في
نصف شعبان بالإخلاص عشر مرات في كل ركعة مع طول فضله للديلمي وغيره موضوع.
وفي بعض الرسائل: قال علي بن إبراهيم: ومما أَحْدِثَ في ليلة النصف من شعبان الصلاة
الألفية مئة ركعة بالإخلاص عشرًا عشرًا بالجماعة، واهتموا بها أكثر من الجُمَعِ والأعياد، لم
يأت بها خبر، ولا أثر إلا ضعيف أو موضوع، ولا تغتر بذكر صاحب «القوت)) و((الإحياء))
وغيرهما، وكان للعوام بهذه الصلاة افتتان عظيم؛ حتى التزم بسببها كثرة الوقيد، وترتب عليه
من الفسوق، وانتهاك المحارم ما يغني عن وصفه حتى خشي الأولياء من الخسف، وهربوا
فيها إلى البراري.
وأول حدوث لهذه الصلاة بـ ((بيت المقدس)) سنة ثمان وأربعين وأربع مئة. قال: وقد
جعلها جهلة أئمة المساجد مع صلاة الرغائب ونحوهما شبكة لجمع العوام، وطلبًا لرياسة
التقدم، وتحصيل الحُطَّامِ، ثم إنه أقام الله أئمة الهدى في سعي إبطالها، فتلاشى أمرها،
وتكامل إبطالها في البلاد المصرية والشامية في أوائل سني المئة الثامنة. قيل: أول حدوث
الوقيد من البرامكة، وكانوا عبدة النار؛ فلما أسلموا أدخلوا في الإسلام ما يوهمون أنه من
سنن الدين، ومقصودهم عبادة النيران، حيث ركعوا وسجدوا مع المسلمين إلى تلك النيران،
ولم يأت في الشرع استحباب زيادة الوقيد على الحاجة في موضع، وما يفعله عوام الحجاج
من الوقيد بجبل ((عرفات)) وبالمشعر الحرام وبـ ((منى)) فهو من هذا القبيل.
وقد أنكر الطَّرَسُوسِي الاجتماع ليلة الختم في التراويح، ونصب المنابر، وبَيَّنَ أنه بدعة
منكرة.
قال القاري رحمه الله: ما أفطنه، وقد ابتلي به أهل الحرمين الشريفين حتى في ليالي

٥١٨
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللهِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي صَوْمِ المُحَرَّمِ
٤٠- بَابُ مَا جَاءَ في صَوْمِ المُحَزَّمِ [ت٤٠، ٤٠٢]
٠ ٧٤] (٧٤٠) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ الحِمْيَرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((أَفْضَلُ الصِّيَامِ
بَعْدَ صِيَامٍ شَهْرِ رَمَضَانَ شَهْرُ الله المُحَرَّمُ)). [م: ١١٦٣، ن: ١٦١٢، د: ٢٤٢٩، جه: ١٧٤٢،
حم: ٨٣٢٩].
الختم يحصل اجتماع من الرجال والنساء، والصغار والعبيد ما لا يحصل في الجمعة
والكسوف والعيد، ويستقبلون النار، ويستدبرون بيت الله الملك الجبار، ويقفون على هيئة
عبدة النيران في نفس المطاف؛ حتى يضيق على الطائفين المكان، ويشوشون عليهم وعلى
غيرهم من الذاكرين والمصلين، وقراء القرآن في ذلك الزمان؛ فنسأل الله العفو والعافية
والغفران والرضوان. انتهى كلام القاري مختصرًا.
تنبيه آخر: لم أجد في صوم يوم ليلة النصف من شعبان حديثًا مرفوعًا صحيحًا.
وأما حديث علي تظنه الذي رواه ابن ماجه (١) بلفظ: ((إذا كانت لَيْلَةُ النِّصْفِ من شَعْبَانَ
فَقُومُوا لَيْلَها وصُومُوا نَهَارَها ... )) إلخ، فقد عرفت أنه ضعيف جدًّا.
ولعلي - رَظُهُ - فيه حديث آخر وفيه: ((فإِنْ أَصْبَحَ في ذلكَ اليَوْمِ صَائِمًا كان كصِيَامٍ ستِِّنَ
سَنَة مَاضِيَةً وسِتِّينَ سَنَةً مُسْتَقْبَلَةً)). رواه ابن الجوزي في ((الموضوعات))(٢). وقال: موضوع،
وإسناده مظلم.
٤٠- باب ما جاء في صَوْمِ الْمُحرَّمِ
[٧٤٠] قوله: (أفضل الصيام بعد صيام شهر رمضان شهر الله المحرم) أي: صيام شهر الله
المحرم، وأضاف الشهر إلى الله تعظيمًا .
فإن قلت: قد ثبت إكثار النبي ◌َّليّ من الصوم في شعبان، وهذا الحديث يدل على أن أفضل
الصيام بعد صيام رمضان صيام المحرم؛ فكيف أكثر النبي ◌َّليل منه في شعبان دون المحرم؟
قلت: لعله لم يعلم فضل المحرم إلا في آخر الحياة قبل التمكن من صومه، أو لعله كان
(١) ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها. حديث (١٣٨٨).
(٢) ((الموضوعات)) لابن الجوزي (٢/ ١٣٠).

٥١٩
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ الله وَّهِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي صَوْمٍ يَوْمِ الجُمُعَةِ
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ.
[٧٤١] (٧٤١) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: سَأَلَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ:
أَيُّ شَهْرٍ تَأْمُرُنِي أَنْ أَصُومَ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ؟ قَالَ لَهُ: مَا سَمِعْتُ أَحَداً يَسْأَلُ عَنْ هَذَا
إِلَّا رَجُلًا سَمِعْتُهُ يَسْأَلُ رَسُولَ اللهِ نَّهِ وَأَنَا قَاعِدٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، أَيُّ شَهْرٍ
تَأْمُرُنِي أَنْ أَصُومَ بَعْدَ شَهْرٍ رَمَضَانَ؟ قَالَ: ((إِنْ كُنْتَ صَائِماً بَعْدَ شَهْرٍ رَمَضَانَ فَصُمِ
المُحَرَّمَ فَإِنَّهُ شَهْرُ الله، فِيهِ يَوْمُ تَابَ اللهُ فِيهِ عَلَى قَوْمٍ وَيَتُوبُ فِيهِ عَلَى قَوْمٍ آخَرِينَ».
[ضعيف، عبد الرحمن ضعيف باتفاق، حم: ١٣٢٤، مي: ١٧٥٦].
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
٤١- بَابُ مَا جَاءَ في صَوْمٍ يَوْمِ الجُمُعَةِ [ت٤١، ٤١٢]
[٧٤٢] (٧٤٢) حَدَّثَنَا القَاسِمُ بْنُ دِينَارٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله بْنُ مُوسَى وَطَلْقُ بْنُ
غَنَّام، عَنْ شَيْبَانَ، عَنْ عَاصِم، عَنْ زِرِّ، عَنْ عَبْدِ الله، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَله
يَصُومُ مِنْ غُرَّةٍ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ،
يعرض فيه أعذار تمنع من إكثار الصوم فيه؛ كسفر ومرض وغيرهما؛ كذا أفاد النووي
رحمه الله في ((شرح مسلم)).
قوله: (حديث أبي هريرة حديث حسن) وأخرجه مسلم في ((صحيحه)) بسند الترمذي،
وزاد: ((وَأَفْضَلُ الصَّلاةِ بَعْدَ الفَرِيضَةِ صَلاةُ اللَّيْلِ)).
[٧٤١] قوله: (فيه يوم تاب الله فيه على قوم) هم قوم موسى بنو إسرائيل، نجاهم الله من
فرعون وأغرقه.
(هذا حديث حسن غريب) وأخرجه عبد الله ابن الإمام أحمد عن غير أبيه؛ قاله المنذري
في ((الترغيب))، ونقل تحسين الترمذي وأقره.
٤١- باب ما جاء في صَوْمٍ يَوْمِ الجُمُعَةِ
[٧٤٢] قوله: (من غرة كل شهر) قال العراقي: يحتمل أن يراد بغرة الشهر: أوله، وأن
يراد بها: الأيام الغر؛ وهي البيض؛ كذا في ((قوت المغتذي)).

٥٢٠
كِتَابُ الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ الله ◌َّهَ / بَابُ مَا جَاءَ فِي صَوْمٍ يَوْمِ الجُمُعَةِ
وَقَلَّمَا كَانَ يُفْطِرُ يَوْمَ الجُمُعَةِ. [د مختصراً: ٢٤٥٠].
قَالَ: وَفِي البَابِ: عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ.
(قلَّما كان يفطر يوم الجمعة) قال المظهر: تأويله: أنه كان يصومه منضمًا إلى ما قبله،
أو إلى ما بعده، أو أنه مختص بالنبي بَّ كالوصال. انتهى.
قلت: وجه تأويله: أنه قد ثبت النهي عن إفراد يوم الجمعة بالصيام، وقد ذهب الجمهور
إلى كراهته، وذهب أبو حنيفة ومالك إلى أنه لا كراهة فيه، واستدل لهما بهذا الحديث.
قال الحافظ في ((فتح الباري)): واستدل الحنفية بحديث ابن مسعود؛ يعني: الذي ذكره
الترمذي في هذا الباب، وليس فيه حجة؛ لأنه يحتمل أن يريد: كان لا يتعمد فطره إذا وقع
في الأيام التي كان يصومها، ولا يضاد ذلك كراهة إفراده بالصوم؛ جمعًا بين الحديثين.
انتهى كلام الحافظ.
وقال العيني رحمه الله: فإن قلت: يعارض هذه الأحاديث؛ يعني: الأحاديث التي تدل
على كراهة إفراد يوم الجمعة بالصوم ما رواه الترمذي من حديث [عاصم، عن ذر، عن]
عبد الله؛ يعني: الحديث الذي ذكره الترمذي في هذا الباب.
قلت: لا نسلم هذه المعارضة؛ لأنه لا دلالة فيه على أنه وَلقر صام يوم الجمعة وحده؛
فنهيه ◌َّر في هذه الأحاديث يدل على أن صومه يوم الجمعة لم يكن في يوم الجمعة وحده،
بل إنما كان بيوم قبله، أو بيوم بعده؛ وذلك لأنه لا يجوز أن يحمل فعله على مخالفة أمره
إلا بنص صحيح صريح؛ فحينئذٍ يكون نسخًا أو تخصيصًا، وكل واحد منها مُنْتَفٍ. انتهى
كلام العيني ملخصًا.
قلت: حاصل كلام العيني هذا هو ما قال الحافظ؛ فالعجب كل العجب من العيني أنه
نقل قول الحافظ، ثم اعترض عليه وقال: والعجب من هذا القائل يترك ما يدل عليه ظاهر
الحديث، ويدفع حجيته بالاحتمال الناشئ من غير دليل. لا يعتبر ولا يعمل به، وهذا كله
عَسَفٌ ومُكَابَرَةٌ. انتهى.
فاعتراض العيني هذا إن كان صحيحًا، فهو واقع على نفسه؛ فإن حاصل كلامهما واحد؛
فتفكر.
قوله: (وفي الباب عن ابن عمر وأبي هريرة) أما حديث ابن عمر: فأخرجه ابن
أبي شيبة(١) عنه قال: ما رأيت رسول الله وَله مفطرًا يوم جمعة قط؛ كذا في ((عمدة القاري)).
(١) ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٩٢٦٠).