Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّقْصِيرِ فِي السَّفَرِ
[٥٤٧] (٥٤٧) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ زَاذَانَ، عَنِ ابْنِ
سيرِينَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّهِ: خَرَجَ مِنَ المَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ لَا يَخَافُ إِلَّ الله
رَبَّ العَالَمِينَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ. [ن: ١٤٣٤، حم: ١٨٥٥].
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
[٥٤٧] قوله: (خرج من المدينة إلى مكة لا يخاف إلا الله رب العالمين فصلى ركعتين)
فيه: رد على من زعم: أن القصر مختص بالخوف، والذي قال ذلك تَمَسَّكَ بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا
ضَيُِّّ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ بُنَامُ أَنْ نَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَوَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْئِنَّكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [النساء: ١٠١]،
ج
ولم يأخذ الجمهور بهذا المفهوم. فقيل: لأن شرط مفهوم المخالفة أن لا يكون خرج مخرج
الغالب.
وقيل: هو من الأشياء التي شرع الحكم فيها بسبب، ثم زال السبب، وبقي الحكم؛
کالرمل.
وقيل: المراد بالقصر في الآية: قصر الصلاة بالخوف إلى ركعة؛ وفيه نظر؛ لما رواه
مسلم من طريق يعلى بن أمية وله صحبة؛ أنه سأل عمر عن قصر الصلاة في السفر. فقال:
إنه سأل رسول الله وَ﴿ عن ذلك فقال: ((صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ الله بها عليكم)). فهذا ظاهر في أن
الصحابة فهموا من ذلك قصر الصلاة في السفر مطلقًا، لا قصرها في الخوف خاصة. وفي
جواب عمر ◌ُبه إشارة إلى القول الثاني.
وروى السراج، عن أبي حنظلة قال: سألت ابن عمر عن الصلاة في السفر. فقال:
ركعتان. فقلت: إن الله - عز وجل - قال: ﴿إِنْ خِفْتُ﴾ [النساء: ١٠١] ونحن آمنون. فقال: سُنَّةُ
النبي وَلِّ. وهذا يُرَجِّح القول الثاني؛ كذا في ((فتح الباري)).
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) قال الحافظ في ((الفتح)): وصحَّحه النسائي.

١٤٢
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي كَمْ تُقْصَرُ الصَّلَاةُ
٣٩٢- بَابُ مَا جَاءَ في كَمْ تُقْصَرُ الصَّلَاةُ [ت٢٧٥، ٤٠٢]
[٥٤٨] (٥٤٨) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيع، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ
الحَضْرَمِيُّ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، قَالَّ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ بَّهِ مِنَ المَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ
فَصَلَّى رَكْعَتَيْنٍ، قَالَ: قُلْتُ لأَنَسٍٍ: كَمْ أَقَامَ رَسُولُ اللهِ وَلَهُ بِمَكَّةَ؟ قَالَ: عَشْراً.
[خ: ١٠٨١، م: ٦٩٣، ن: ١٤٣٧، جه: ١٠٧٧، حم: ١٢٥٣٣، مي: ١٥١٠].
٣٩٢ - بابُ ما جاء في كَمْ تُقْصَرُ الصَّلاةُ؟
يريد: بيان المدة التي إذا أراد المسافر الإقامة في موضع إلى تلك المدة يتم الصلاة،
وإذا أراد الإقامة إلى أَقَلَّ منها يقصر. وقد عَقَدَ البخاري في ((صحيحه)) بابًا بلفظ: باب: ((في
كم تقصر الصلاة)). لكنه أراد: بيان المسافة التي إذا أراد المسافر الوصول إليها جاز له
القصر، ولا يجوز له في أقل منها .
[٥٤٨] قوله: (خرجنا مع النبي ◌َّ- من المدينة إلى مكة) أي: متوجهين إلى ((مكة)) لحجة
الوداع.
(فصلى ركعتين) أي: في الرباعية.
وفي رواية ((الصحيحين)) على ما في ((المشكاة)): ((فكان يصلي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ حتى رجعنا
إلى المدینة».
(قال: عشرًا) أي: أقام بـ ((مكة)) عشرًا.
قال القاري في ((المرقاة)): الحديث بظاهره ينافي مذهب الشافعي؛ من أنه إذا أقام أربعة
أيام يجب الإتمام. انتهى.
قلت: قد نقل القاري عن ابن حجر الهيتمي ما لفظه: لم يقم العشر التي أقامها لحجة
الوداع بموضع واحد؛ لأنه دخلها يوم الأحد، وخرج منها صبيحة الخميس، فأقام بـ ((منى))،
والجمعة بـ ((نمرة)) و((عرفات))، ثم عاد السبت بـ ((منى)) لقضاء نسكه، ثم بـ ((مكة)) لطواف
الإفاضة، ثم بـ((منى)) يومه فأقام بها بقيته، والأحد والإثنين والثلاثاء إلى الزوال، ثم نفر فنزل
بالمُحَصَّبِ وطاف في ليلته للوداع، ثم رحل قبل صلاة الصبح. فلتفرُّق إقامته قصر في الكل.
وبهذا أخذنا أن للمسافر إذا دخل محلًّا أن يقصر فيه ما لم يصر مقيمًا، أو ينو إقامة أربعة أيام

١٤٣
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي كَمْ تُقْصَرُ الصَّلَاةُ
قَالَ: وَفِي البَابِ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَابِرٍ .
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ أَنَسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَِّيِّ بَِّ أَنَّهُ أَقَامَ فِي بَعْضٍ أَسْفَارِهِ
٠٠٠
غير يومي الدخول والخروج أو يقيمها، واستدلوا لذلك: بخبر ((الصحيحين))(١): ((يُقِيمُ
المُهَاجِرُ بعد قَضَاءِ نُسُكِهِ ثَلاثًا)». وكان يحرم على المهاجرين الإقامة بـ ((مكة)) ومساكنة
الكفار، كما روياه أيضًا. فالإذن في الثلاثة يدل على بقاء حكم السفر فيها، بخلاف الأربعة.
انتھی.
وقال الحافظ في ((فتح الباري)): قدم النبي ◌َّر وأصحابه لصبح رابعة، كما في حديث
ابن عباس، ولا شك أنه خرج صبح الرابع عشر؛ فتكون مدة الإقامة بـ ((مكة)) وضواحيها
عشرة أيام بلياليها؛ كما قال أنس ◌َُّه، وتكون مدة إقامته بـ ((مكة)) أربعة أيام سواء؛ لأنه
خرج منها في اليوم الثامن فصلى الظهر بـ ((منى)). ومن ثمَّ قال الشافعي: إن المسافر إذا أقام
ببلدة، قصر أربعة أيام. وقال أحمد: إحدى وعشرين صلاة. انتهى كلام الحافظ.
قوله: (وفي الباب عن ابن عباس، وجابر) .
أما حديث ابن عباس: فأخرجه البخاري، وأبو داود، وابن ماجه، وأخرجه الترمذي(٢)
في هذا الباب.
وأما حديث جابر: فأخرجه أبو داود(٣) .
قوله: (حديث أنس حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود،
والنسائي.
قوله: (وقد روي عن ابن عباس عن النبي ◌َ﴿ أنه أقام في بعض أسفاره) أي: في فتح
((مكة)). وأما حديث أنس المتقدم: فكان في حجة الوداع؛ قاله الحافظ ابن حجر. وحديث
ابن عباس هذا أخرجه البخاري في ((صحيحه)).
(١) البخاري، كتاب مناقب الأنصار. حديث ٣٩٣٣، ومسلم - واللفظ له - كتاب الحج. حديث (١٣٥٢).
(٢) البخاري، كتاب المغازي. حديث (٤٢٩٨)، والترمذي، كتاب الجمعة. حديث (٥٤٩)، وأبو داود، كتاب
الصلاة. حديث (١٢٣٠)، والنسائي، كتاب تقصير الصلاة في السفر. حديث (١٤٥٣)، وابن ماجه، كتاب
إقامة الصلاة والسنة فيها. حديث (١٠٧٥).
(٣) أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (١٢١٥).

١٤٤
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي كَمْ تُقْصَرُ الصَّلَاةُ
تِسْعَ عَشْرَةَ يُصَلِّ رَكْعَتَيْنٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَتَحْنُ إِذَا أَقَمْنَا مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ تِسْعَ عَشْرَةَ
صَلَّيْنَا رَكْعَتَيْنٍ، وَإِنْ زِدْنَا عَلَى ذَلِكَ أَتْمَمْنَا الصَّلَاةَ.
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، أَنَّهُ قَالَ: مَنْ أَقَامَ عَشْرَةَ أَيَّامٍ أَتَمَّ الصَّلَاةَ.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ: مَنْ أَقَامَ خَمْسَةً عَشَرَ يَوْماً أَتَمَّ الصَّلاةَ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ ثِنْشَيْ عَشْرَةَ.
(تسع عشرة يصلي ركعتين) وفي لفظ للبخاري: ((تسعة عشر يومًا)). وفي رواية
لأبي داود، عن ابن عباس: ((سبع عشرة)). وفي أخرى له عنه: ((خمس عشرة)). وفي حديث
عمران بن حصين: ((شهدت معه الفتح، فأقام بمكة ثمانية عشر لَيْلَةً لا يصلي إلا ركعتين،
ويقول: يا أَهْلَ الْبَلَدِ صَلُّوا أَرْبَعًا فإِنَّا قَوْمٌ سَفرٌ)). رواه أبو داود(١).
(قال ابن عباس: فنحن إذا أقمنا ما بيننا وبين تسع عشرة صلينا ركعتين، وإن زدنا على
ذلك أتممنا الصلاة) هذا: هو مذهب ابن عباس ها، وبه أخذ إسحاق بن راهويه ورآه أقوى
المذاهب.
(وروي عن علي أنه قال: من أقام عشرة أيام أتم الصلاة) أخرجه عبد الرزاق(٢)؛
بلفظ: ((إذا أقمت بأرض عشرًا فأتمم؛ فإن قلت: أَخْرُجُ اليوم أو غدًا، فصل ركعتين، وإن
أقمت شهرًا».
(وروي عن ابن عمر؛ أنه قال: من أقام خمسة عشر يومًا أتم الصلاة) أخرجه محمد بن
الحسن في كتاب ((الآثار))، أخبرنا أبو حنيفة، حدثنا موسى بن مسلم، عن مجاهد، عن
عبد الله بن عمر قال: ((إذا كنت مسافرًا فوطنت نفسك على إقامة خمسة عشر يومًا فأتمم
الصلاة، وإن كنت لا تدري فاقصر الصلاة))(٣).
وأخرج الطحاويُّ، عن ابن عباس وابن عمر؛ قالا: ((إذا قدمتَ بلدة وأنت مسافر، وفي
نفسك أن تقيم خمسة عشر يومًا أتم الصلاة)) (٤) . (وروي عنه ثنتي عشرة) أخرجه
عبد الرزاق(٥)؛ كذا في ((شرح الترمذي)) لسراج أحمد السرهندي.
(١) أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (١٢٢٩).
(٢) عبد الرزاق في ((المصنف)) (٤٣٤٠).
(٣) انظر ((نصب الراية)) (٢ / ١٢٨).
(٤) المصدر السابق.
(٥) عبد الرزاق في ((المصنف)) (٤٣٤٠).

١٤٥
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي كَمْ تُقْصَرُ الصَّلَاةُ
وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا أَقَامَ أَرْبَعاً صَلَّى أَرْبَعاً.
وَرَوَى عَنْهُ ذَلِكَ قَتَادَةُ، وَعَطَاءٌ الخُرَاسَانِيُّ.
وَرَوَى عَنْهُ دَاوُدُ بْنُ أَبِي مِنْدٍ خِلَافَ هَذَا.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ بَعْدُ فِي ذَلِكَ.
فَأَمَّا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَأَهْلُ الكُوفَةِ فَذَهَبُوا إِلَى تَوْقِيتِ خَمْسَ عَشْرَةَ، وَقَالُوا: إِذَا
أَجْمَعَ عَلَى إِقَامَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ أَتَمَّ الصَّلاةَ.
(وروى عنه داود بن أبي هند خلاف هذا) روى محمد بن الحسن في ((الحجج)) عن
سعيد بن المسيب قال: إذا قدمت بلدة؛ فأقمت خمسة عشر يومًا فأتم الصلاة.
(واختلف أهل العلم بَعْدُ) البناء على الضم؛ أي بعد ذلك.
(في ذلك) أي: فيما ذكر من مدة الإقامة.
(فأما سفيان الثوري وأهل ((الكوفة)): فذهبوا إلى توقيت خمس عشرة، وقالوا: إذا
أجمع) أي: نوی.
(على إقامة خمس عشرة أتم الصلاة) وهو قول أبي حنيفة. واستدلوا بما رواه أبو داود
من طريق محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس قال:
أقام رسول الله ◌َيّر بـ ((مكة)) عام الفتح خمس عشرة يقصر الصلاة(١).
قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه، وأخرجه النسائي بنحوه، وفي إسناده: محمد بن
إسحاق. واختلف على ابن إسحاق فيه: فروى منه مسندًا ومرسلًا، وروي عنه عن الزهري
من قوله. انتهى. وقد ضعَّف النوويُّ هذه الرواية. لكن تعقبه الحافظ في ((فتح الباري))؛
حيث قال: وأما رواية ((خمسة عشر)): فضعفها النوويُّ في ((الخلاصة))، وليس بجيد؛ لأن
رواتها ثقات، ولم ينفرد بها ابن إسحاق؛ فقد أخرجها النسائي من رواية عراك بن مالك، عن
عبيد الله كذلك؛ فهي صحيحة. انتهى كلام الحافظ.
واستدلوا أيضًا: بأثر ابن عمر المذكور، وقد روي عنه توقيت ثنتي عشرة؛ كما حكاه
الترمذي.
(١) أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (١٢٣١).

١٤٦
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي كَمْ تُقْصَرُ الصَّلَاةُ
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: إِذَا أَجْمَعَ عَلَى إِقَامَةِ ثِنْتَيْ عَشْرَةٍ أَتَمَّ الصَّلَاةَ. وَقَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ،
وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ: إِذَا أَجْمَعَ عَلَى إِقَامَةِ أَرْبَعَةٍ أَتَمَّ الصَّلاةَ.
وَأَمَّا إِسْحَاقُ فَرَأَى أَقْوَى المَذَاهِبِ فِهِ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ.
قَالَ: لَأَنَّهُ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ ثُمَّ تَأَوَّلَهُ بَعْدَ النَّبِيِّ بَهَ إِذَا أَجْمَعَ عَلَى إِقَامَةِ تِسْعَ
عَشْرَةَ أَتَمَّ الصَّلَاةَ.
ثُمَّ أَجْمَعَ أَهْلُ العِلْمِ عَلَى أَنَّ لِلمُسَافِرِ أن يَقْصُرَ مَا لَمْ يُجْمِعْ إِقَامَةً، وَإِنْ أَتَى عَلَيْهِ
سنُونَ.
(وقال الأوزاعي: إذا أجمع على إقامة ثنتي عشرة أتم الصلاة)
قال الشوكاني في ((النيل)): لا يعرف له مستند فرعي، وإنما ذلك اجتهاد من نفسه.
انتھی .
قلت: لعله استند بما روي عن ابن عمر توقيت ثنتي عشرة.
(وقال مالك والشافعي وأحمد: إذا أجمع على إقامة أربع أتم الصلاة) . قال في ((السبل))
صفحة ١٥٦: وهو مروي عن عثمان، والمراد: غير يوم الدخول والخروج. واستدلوا بمَنْعِه
﴿ * *ّ المهاجرين بعد مضي النسك أن يزيدوا على ثلاثة أيام في (مكة))؛ فدل على أنه بأربعة
الأيام يصير مقيمًا. انتهى.
قلت: ورد هذا الاستدلال: بأن الثلاث قدر قضاء الحوائج لا لكونها غير إقامة،
واستدلوا أيضًا بما روى مالك، عن نافع، عن أسلم، عن عمر؛ أنه أجلى اليهود من
((الحجاز))، ثم أذن لمن قدم منهم تاجرًا أن يقيم ثلاثة أيام.
قال الحافظ في ((التلخيص)): صحَّحه أبو زُرعة.
(أما إسحاق) يعني ابن راهويه. (فرأى أقوى المذاهب فيه حديث ابن عباس) عن النبي
وَل؛ أنه أقام في بعض أسفاره تسع عشرة يصلي ركعتين.
(قال) أي: إسحاق. (لأَنه) أي: ابن عباس. (رَوى عن النبي ◌ِّ، ثم تأوله بعد النبي
وَل﴿) أي: أخذ به، وعمل عليه بعد وفاته وَله .
(ثم أجمع أهل العلم على أن للمسافر أن يقصر ما لم يجمع إقامةً، وإن أتى عليه سنون)

١٤٧
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي كَمْ تُقْصَرُ الصَّلَاةُ
[٥٤٩] (٥٤٩) حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ عَاصِم الْأَحْوَلِ،
عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: سَافَرَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ سَفَراً فَصَلَّى تِسْعَةَ عَشَرَ يَوْماً
رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَتَحْنُ نُصَلِّي فِيمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ تِسْعَ عَشْرَةَ رَكْعَتَيْنِ
رَكْعَتَيْنِ، فَإِذَا أَقَمْنَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ صَلَّيْنَا أَرْبَعاً. [خ: ١٠٨٠، جه: ١٠٧٥].
جمع: سَنَّةٍ. أخرج البيهقي (١)، عن أنس؛ أن أصحاب رسول الله وَ لهو أقاموا بـ ((رامهرمز))
تسعة أشهر يقصرون الصلاة.
قال النوويُّ: إسناده صحيح، وفيه عكرمة بن عمار. واختلفوا في الاحتجاج به، واحتج
به مسلم في ((صحيحه)). انتهى. وأخرج عبد الرزاق في ((مصنفه))(٢): أخبرنا عبد الله بن
عمر، عن نافع، عن ابن عمر: أقام بـ ((أذربيجان)) ستة أشهر يقصر الصلاة. انتهى.
وأخرج البيهقي في ((المعرفة))(٣) عن عبيد الله بن عمر، عن نافع أن ابن عمر قال: أرْتَجَ
علينا الثلج ونحن بـ ((أذربيجان)) ستة أشهر في غزاة، وكنا نصلي ركعتين. انتهى.
قال النووي: وهذا سند على شرط ((الصحيحين))؛ كذا في ((نصب الراية)). وذكر الزيلعي
فيه آثارًا أخرى.
[٥٤٩] قوله: (سافر رسول الله وَ ﴿ سفرًا) أي: في فتح ((مكة))؛ كما تقدم.
(فصلى) أي: فأقام فصلى. (تسعة عشر يومًا ركعتين ركعتين) وفي رواية للبخاري(٤):
((أقام النبيُّ ◌َّ﴿ تسعة عشر يقصر)). قال الحافظ في ((الفتح)): أي يومًا بليلة. زاد في
«المغازي)): بـ ((مكة)).
وأخرجه أبو داود(٥) بلفظ: ((سبعة عشر)) بتقديم السين.
وله أيضًا من حديث عمران بن حصين: غزوت مع رسول الله وَّر عام الفتح فأقام
بـ(مكة)) ثماني عشرة ليلة لا يصلي إلا ركعتين (٦).
(١) البيهقي في ((الكبرى)) (٥٢٦٧).
(٢) عبد الرزاق في ((المصنف)) (٤٣٣٩).
(٣) البيهقي في ((معرفة السنن والآثار)) (١٦٦١).
(٤) البخاري، كتاب تقصير الصلاة. حديث (١٠٨٠).
(٥) أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (١٢٣٠).
(٦) أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (١٢٢٩).

١٤٨
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي كَمْ تُقْصَرُ الصَّلَاةُ
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وله من طريق ابن إسحاق، عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس: أقام رسول الله
وَل * بـ ((مكة)) عام الفتح خمس عشرة يقصر الصلاة(١).
وجمع البيهقيُّ بين هذا الاختلاف: بأن من قال ((تسع عشرة)) عَدَّ يومي الدخول
والخروج، ومن قال: ((سبع عشرة)) حذفهما، ومن قال: ((ثماني عشرة)) عَدّ أحدَهُما. وأما
رواية: ((خمس عشرة)) فضعفها النوويُّ في ((الخلاصة)) وليس بجيد؛ لأن رواتها ثقات. ولم
ينفرد بها ابن إسحاق؛ فقد أخرجها النسائي من رواية عراك بن مالك، عن عبيد الله كذلك.
وإذا أثبت أنها صحيحة فليحمل على أن الراوي ظن أن الأصل رواية: ((سبع عشرة))، فحذف
منها يومي الدخول والخروج، فذكر أنها ((خمس عشرة))، واقتضى ذلك أن رواية: ((تسع
عشرة)) أرجح الروايات؛ وبهذا أخذ إسحاق بن راهويه.
ويرجحها أيضًا: أنها أكثر ما وردت به الروايات الصحيحة. انتهى كلام الحافظ.
وقال في ((التلخيص)) بعد ذكر الروايات المذكورة، ورواية عبد بن حميد عن ابن عباس
بلفظ: ((أن النبيَّ وَّ لما افتتح ((مكة)) أقام عشرين يومًا يقصر الصلاة)) ما لفظه: قال البيهقي:
أصح الروايات في ذلك رواية البخاري؛ وهي رواية ((تسع عشرة)).
وجمع إمام الحرمين والبيهقي بين الروايات السابقة: باحتمال أن يكون في بعضها لم يَعُدَّ
يومي الدخول والخروج؛ وهي رواية: ((سبعة عشر)) وعدَّها في بعضها؛ وهي رواية: ((تسع
عشرة) وعدَّ يوم الدخول ولم يَعُدَّ الخروج؛ وهي رواية: ((ثمانية عشر)).
قال الحافظ: وهو جمع مَتِينٌ. وتبقى رواية: ((خمسة عشر)) شاذة لمخالفتها، ورواية:
((عشرين))، وهي صحيحة الإسناد، إلا أنها شاذة أيضًا، اللَّهم إلا أن يحمل على جَبْرِ الكَسْرِ،
ورواية: ((ثمانية عشر)) ليست بصحيحة من حيث الإسناد. انتهى.
قوله: (هذا حديث حسن غريب صحيح) وأخرجه البخاري وابن ماجه وأحمد.

١٤٩
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّطَوُّعِ فِي السَّفَرِ
٣٩٣- بَابُ مَا جَاءَ في التَّطَوُّعِ في السَّفَرِ [ت٢٧٦، ٤١٢]
[٥٥٠] (٥٥٠) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ
سُلَيْم، عَنْ أَبِي بُسْرَةَ الغِفَارِيِّ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: صَحِبْتُ رَسُولَ اللهِ وَّة
ثَمَانِيَةً عَشَرَ سَفَراً، فَمَا رَأَيْتُهُ تَرَكَ الرَّكْعَتَيْنِ إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ الظُّهْرِ. [٥: ١٢٢٢،
حم: ١٨١١١].
٣٩٣ - بابُ ما جاء في التَّطَوَّعِ في السَّفَرِ
[٥٥٠] قوله: (عن صفوان بن سُلَيْمٍ) ، بضم السين مصغرًا ثقة.
(عن أبي بُسْرَةَ) بضم الباء الموحدة، وسكون السين المهملة: الغفاري، مقبول، من
الرابعة؛ كذا في ((التقريب)).
وقال في ((الخلاصة)): وثّقهُ ابن حبان.
وقال في ((قوت المغتذي)): بضم الموحدة، وسكون السين المهملة: تابعي لا يعرف
اسمه، ولم يرو عنه غير صفوان بن سليم، وليس له في الكتب إلا هذا الحديث عند المصنف
وابن ماجه. وربما اشتبه على من يتنبه له بأبي بَصْرَةَ الغِفَاري؛ بفتح الباء وبالصاد المهملة؛
وهو صحابي، اسمه: حُمَيْلٌ بضم الحاء المهملة مصغرًا. انتهى.
قوله: (ثمانية عشر سَفَرًا) بفتح السين المهملة والفاء.
قال الحافظ العراقي: كذا وقع في الأصول الصحيحة. قال: وقد وقع في بعض النسخ
بدله: شهرًا؛ وهو تصحيف؛ كذا في ((قوت المغتذي)).
(فما رأيته ترك الركعتين إذا زاغت الشمس قبل الظهر) الظاهر: أن هاتين الركعتين هما
سنة الظهر؛ فهذا الحديث دليل لمن قال بجواز الإتيان بالرواتب في السفر.
قال صاحب ((الهدي) لم يحفظ عن النبي وَّر أنه صلى سُنَّةَ الصلاة قبلها، ولا بعدها في
السفر، إلا ما كان من سنة الفجر. انتهى.
قال الحافظ في ((الفتح)) متعقبًا عليه: ويرد على إطلاقه ما رواه أبو داود، والترمذي(١)
من حديث البراء بن عازب قال: ((سافَرْتُ مع النبيِّ وَّ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَفَرًا، فلم أره تَرَكَ
(١) أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (١٢٢٢)، والترمذي، كتاب أبواب السفر. حديث (٥٥٠).

١٥٠
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّطُوُّعِ فِي السَّفَّرِ
٠
وَفِي الْبَابِ: عَنِ ابْنِ عُمَرَ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ البَرَاءِ حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
قَالَ: وَسَأَلْتُ مُحَمَّداً عَنْهُ فَلَمْ يَعْرِفْهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَلَمْ يَعْرِفِ
اسْمَ أَبِي بُسْرَةَ الغِفَارِيِّ، وَرَآهُ حَسَناً.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ بَِّّوَ كَانَ لَا يَتَطَوَُّ فِي السَّفَرِ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَلَا
بَعْدَهَا. وَرُوِيَ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ: أَنَّهُ كَانَ يَتَطَوَُّ فِي السَّفَرِ .
الركعتين إذا زَاغَتِ الشَّمْسُ قبل الظهر)). وكأنه لم يثبت عنده. لكن الترمذي استَغْرَبَهُ، ونقل
عن البخاري أنه رآه حَسَنًا. وقد حملَه بعض العلماء على سُنَّةِ الزوال، لا على الراتبة قبل
الظهر. انتهى.
قوله: (وفي الباب عن ابن عمر) وقد روى عنه في هذا الباب روايتان(١) وسيجيء
تخریجهما .
قوله: (حديث البراء حديث غريب) أخرجه أبو داود، وسكت عنه.
قوله: (وروي عن ابن عمر؛ أن النبي ◌َّ كان لا يتطوع في السفر قبل الصلاة، ولا بعدها)
أخرجه البخاري ومسلم(٢) من طريق حفص بن عاصم قال: ((صَحِبْتُ ابن عمر في طريق ((مكة))
فصلى لنا الظهر ركعتين، ثم جاء رَحْلَهُ وجلس فرأى ناسًا قيامًا. فقال: ما يصنع هؤلاء؟ قلت:
يُسَبِّحُونَ. قال: لو كنت مُسَبِّحًا أتممت صلاتي؛ صحبت رسولَ الله ◌َّ فكان لا يزاد في السفر
على ركعتين، وأبا بكر وعمر وعثمان كذلك)). وقد أخرجه الترمذي من وجه آخر.
(وروي عنه عن النبي ويقي: أنه يتطوع في السفر) أخرجه الترمذي في هذا الباب.
قال بعض العلماء: هذا محمول على التذكر، وما روي عنه: أنه وَّ ر كان لا يتطوع في
السفر محمول على النسيان. والله تعالى أعلم.
وروى مالك في ((الموطأ))(٣) بلاغًا عن نافع؛ أن عبد الله بن عمر كان يرى ابنه عبيد الله
يتنفل في السفر، فلا ينكر ذلك عليه.
(١) يأتي في كتاب الجمعة. حديث (٥٥١، ٥٥٢).
(٢) البخاري، كتاب الجمعة. حديث (١١٠٢)، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها. حديث (٦٨٩) واللفظ له.
(٣) مالك. تحت الحديث (٣٥٢).

١٥١
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّطَوُّعِ فِي السَّفَرِ
ثُمَّ اخْتَلِفَ أَهْلُ العِلْمِ بَعْدَ النَّبِيِّ ◌َّ:
فَرَأَى بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ◌َِّ أَنْ يَتَطَوَّعَ الرَّجُلُ فِي السَّفَرِ. وَبِهِ يَقُولُ أَحْمَدُ،
وَإِسْحَاقُ.
وَلَمْ تَرَ طَائِقَةٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ أَنْ يُصَلَّى قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا.
وَمَعْنَى مَنْ لَمْ يَتَطَوَّعْ فِي السَّفَرِ قَبُولُ الرُّخْصَةِ، وَمَنْ تَطَوَّعَ فَلَهُ فِي ذَلِكَ فَضْلٌ
کثیرٌ.
وَهُوَ: قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ العِلْمِ، يَخْتَارُونَ التَّطُوُّعَ فِي السَّفَرِ.
قوله: (فرأى بعض أصحاب النبي وط﴿ أن يتطوع الرجل في السفر؛ وبه يقول أحمد
وإسحاق) .
المراد من التطوع: النوافل الراتبة. وأما النوافل المطلقة: فقد اتفق العلماء على
استحبابها. (ومعنى من لم يتطوع في السفر: قبول الرخصة) يعني: أن من قال بعدم التطوع
في السفر مراده: أن التطوع رخصة في السفر؛ فقبل الرخصة ولم يتطوع، وليس مراده: أن
التطوع في السفر ممنوع.
(وهو قول أكثر أهل العلم يختارون التطوع في السفر) ، قال النوويُّ في ((شرح مسلم)):
قد اتفق العلماء على استحباب النوافل المطلقة في السفر، واختلفوا في استحباب النوافل
الراتبة، فكرهها ابن عمر وآخرون، واستحبها الشافعي والجمهور، ودليله: الأحاديث العامة
المطلقة في ندب الرواتب، وحديث صلاته ويّيقر الضحى يوم الفتح بـ ((مكة))، وركعتي الصبح
حين ناموا حتى تطلع الشمس، وأحاديث أخرى صحيحة، ذكرها أصحاب السنن. والقياس
على النوافل المطلقة، ولعل النبي ◌َّير كان يصلي الرواتب في رحله، ولا يراه ابن عمر؛ فإن
النافلة في البيت أفضل. ولعله تركها في بعض الأوقات؛ تنبيهًا على جواز تركها .
وأما ما يحتج به القائلون بتركها: من أنها لو شرعت؛ لكان إتمام الفريضة أولى.
فجوابه: أن الفريضة متحتمة، فلو شرعت تامة لتحتم إتمامها. وأما النافلة: فهي إلى
خيرَةِ المكلف، فالرفق به أن تكون مشروعة، ويتخير إن شاء فعلها وحصل ثوابها، وإن شاء
ترکها ولا شيء عليه. انتھی.
قال الحافظ في ((الفتح)): تُعُقِّبَ هذا الجوابُ بأن مراد ابن عمر بقوله: ((لو كنت مسبحًا

١٥٢
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّطَوَّعِ فِي السَّفَرِ
[٥٥١] (٥٥١) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِياتٍ، عَنِ الحَجَّاجِ،
عَنْ عَطِيَّةَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ وَِّ الظّهْرَ فِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ،
وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنٍ. [ضعيف الإسناد، فِيهِ الحجاجِ، وَقَد دلَّسه، وعطيّة العوفي ضعيف، ثم إنَّهُ مخالف
للأحاديث الصحيحة].
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عَطِيَّةَ وَنَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ.
[٥٥٢] (٥٥٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيدِ المُحَارِبِيُّ - يَعْنِي الْكُوفِيَّ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ
هَاشِمٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عَطِيَّةَ وَنَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ
وَّهِ فِي الحَضَرِ وَالسَّفَرِ، فَصَلَّيْتُ مَعَهُ فِي الحَضَرِ الظُّهْرَ أَرْبَعاً وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ،
لأتممت)) يعني: أنه لو كان مخيرًا بين الإتمام وصلاة الراتبة؛ لكان الإتمام أحب عليه، لكنه
فهم من القصر التخفيف؛ فلذلك كان لا يصلي الراتبة، ولا يتم. انتهى.
قلت: المختار عندي: المسافر في سعة؛ إن شاء صلى الرواتب، وإن شاء تركها. والله
تعالى أعلم.
[٥٥١] قوله: (عن حجاج) ، هو: ابن أرطاة الكوفي القاضي، صدوق، كثير الخطأ
والتدليس.
(عن عطية) هو: ابن سعد بن جنادة الكوفي أبو الحسن، صدوق يخطئ كثيرًا، كان
شيعيًّا مدلِّسًا من الثالثة؛ كذا في ((التقريب)).
وقال في ((الميزان)): عطية بن سعد العوفي الكوفي تابعي شهير ضعيف، عن ابن عباس
وأبي سعيد وابن عمر، وعنه مسعر وحجاج بن أرطاة وطائفة.
قوله: (الظهر في السفر ركعتين) ، أي: فرضًا. (وبعدها) أي: بعد صلاة الظهر.
(ركعتين) أي: سنة الظهر.
قوله: (هذا حديث حسن) إنما حسَّن الترمذي هذا الحديث؛ مع أن في سنده: حجاج بن
أرطاة وعطية؛ وكلاهما مدلِّس، وروياه بالعنعنة؛ فإنه قد تابع حجاجًا ابنُ أبي ليلى في
الطريق الآتية، وكذلك تابع عَطِيَّةَ نافعٌ فيها .
[٥٥٢] قوله:

١٥٣
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي الَجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ (أَيْ فِي السَّفَرِ)
وَصَلَّيْتُ مَعَهُ فِي السَّفَرِ الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ، وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنٍ، وَالْعَصْرَ رَكْعَتَيْنٍ وَلَمْ يُصَلِّ
بَعْدَهَا شَيْئاً، وَالمَغْرِبَ فِي الحَضَرِ وَالسَّفَرِ سَواءٌ ثَلاَثَ رَكَعَاتٍ، وَلَا يَنْقُصُ فِي حَضَرٍ
وَلَا فِي سَفَرٍ، وَهِيَ وِتْرُ النَّهَارِ، وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنٍ. [ضعيف الإسناد، منكر المتن، وانظر ما قبله.
حم: ٥٦٠٢].
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ.
سَمِعْتُ مُحَمَّداً يَقُولُ: مَا رَوَى ابْنُ أَبِي لَيْلَى حَدِيثاً أَعْجَبَ إِلَيَّ مِنْ هَذَا، وَلَا
أَرْوِي عَنْهُ شَيْئاً .
٣٩٤- بَابٌ مَا جَاءَ في الجَمْعِ بَيْنَ الصَّلاَتَيْنِ (أَيّ في السَّفَرِ) [ت٢٧٧، ٤٢٢]
[٥٥٣] (٥٥٣) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ
أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الظُّفَيْلِ - هُوَ عَامِرُ بْنُ وَاثِلَةَ - عَنْ مُعَاذٍ بْنِ جَبَلٍ: أَنَّ النَّبِيَّ وَّى
كَانَ فِي غَزْوَةٍ تَبُوكَ إِذَا ارْتَحَلَ
(والمغرب في الحضر والسفر: سواء) حال؛ أي: مستويًا عددها فيهما.
و قوله: (ثلاث ركعات) بیان لها .
(ولا ينقص في حضر ولا سفر) على البناء للفاعل، أي: لا ينقص رسول الله وَفي
المغرب عن ثلاث ركعات في الحضر، ولا في السفر؛ لأن القصر منحصر في الرباعية.
(وهي وتر النهار) جملة حالية؛ كالتعليل لعدم جواز النقصان؛ قاله الطبييُّ. وحديث ابن
عمر هذا يدل على جواز الإتيان بالرواتب في السفر.
٣٩٤ - باب ما جاء في الجَمْعِ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ، أي: في السَّفَرِ
[٥٥٣] قوله: (عن أبي الطفيل) اسمه: عامر بن واثلة بن عبد الله الليثي، وربما سمي
عمرًا، ولد عام أحد، ورأى النبيَّ ◌َّهِ، وروى عن أبي بكر وعمَّن بعده، وعمّر إلى أن مات
سنة عشر ومئة على الصحيح، وهو آخر من مات من الصحابة، قالَه مسلمٌ وغيره؛ كذا في
((التقریب)).
قوله: (كان في غزوة تبوك) ، غير منصرف على المشهور؛ وهو موضع قريب من ((الشام))

١٥٤
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي الجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ (أَيْ فِي السَّفَرِ)
قَبْلَ زَيْغِ الشَّمْسِ أَخَرَ الظُّهْرَ إِلَى أَنْ يَجْمَعَهَا إِلَى الْعَصْرِ فَيُصَلِّيَهُمَا جَمِيعاً، وَإِذَا
ارْتَحَلَ بَعْدَ زَيغ الشَّمْسِ عَجَّلَ العَصْرَ إِلَى الظُّهْرِ، وَصَلَّى الُهْرَ وَالعَصْرَ جَمِيعاً، ثُمَّ
سَارَ، وَكَانَ إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ المَغْرِبِ أَخَّرَ المَغْرِبَ حَتَّى يُصَلِّيَهَا مَعَ العِشَاءِ، وَإِذَا
ارْتَخَلَ بَعْدَ المَغْرِبِ عَجَّلَ العِشَاءَ فَصَلَاهَا مَعَ المَغْرِبِ. [م مختصراً: ٧٠٦، ن بنحوه: ٥٨٦،
د: ١٢٠٨، جه مختصراً: ١٠٧٠، حم: ٢١٥٨٩، طا بنحوه: ٣٣٠، مي مختصراً: ١٥١٥].
قَالَ: وَفِي البَابِ: عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عُمَرَ، وَأَنَسٍ، وَعَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو، وَعَائِشَةً،
وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله.
(قبل زيغ الشمس) أي: قبل الزوال؛ فإنَّ زيغَ الشمسِ هو ميلُها عن وسط السماء إلى
جانب المغرب.
(عجل العصر إلى الظهر وصَلَّى الظهر والعصر جميعًا) فيه: دلالة على جواز جمع
التقديم في السفر؛ وهو نص صريح فيه لا يحتمل تأويلًا.
قوله: (وفي الباب عن علي، وابن عمر، وأنس، وعبد الله بن عمرو، وعائشة، وابن
عباس، وأسامة بن زيد، وجابر) .
أما حديث علي: فأخرجه الدارقطني(١) عن ابن عقدة بسند له؛ من حديث أهل البيت،
وفي إسناده من لا يعرف.
وفيه أيضًا: المنذر الكابُوسِيُّ؛ وهو ضعيف، وروى عبد الله بن أحمد في ((زيادات
المسند» بإسناد آخر عن علي؛ أنه كان يفعل ذلك.
وأما حديث ابن عمر: فأخرجه الجماعة(٢) إلا ابن ماجه.
وأما حديث أنس: فأخرجه الشيخان(٣) عنه قال: ((كان رسولُ الله ◌َّهِ إذا رَحَلَ قبل أن
تَزِيغَ الشمسُ أَخَّرَ الظهر إلى وَقْتِ العصر، ثم نزل يجمع بينهما، فإذا زاغت قبل أن يَرْتَحِلَ،
صلى الظهر، ثم ركب)).
(١) الدارقطني (٣٩١/١) (١٠)، واسم ابن عقدة: أحمد بن محمد بن سعيد.
(٢) البخاري، كتاب الجمعة. حديث (١٠٩٢)، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها. حديث (٧٠٣)،
والنسائي (٦٠٠)، وأبو داود (١٢٠٧)، والترمذي (٥٥٥).
(٣) البخاري، كتاب تقصير الصلاة. حديث (١١١١)، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها. حديث (٧٠٤).

١٥٥
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي الجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ (أَيْ فِي السَّفَرِ)
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَالصَّحِيحُ عَنْ أُسَامَةَ.
وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ المَدِينِيِّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، عَنْ قُتَيْبةَ هَذَا الحَدِيثَ.
وفي رواية لمسلم: ((كان إذا أراد أن يَجْمَعَ بين الصَّلاتَيْنِ في السفر يؤخِّر الظّهْرَ حتى
يَدْخُلَ أول وقت العصر، ثم يجمع بينهما)).
قال الحافظ في ((فتح الباري)): قوله: ((صلى الظهر ثم ركب)) كذا فيه الظهر فقط؛ وهو
المحفوظ عن عقيل في الكتب المشهورة، ومقتضاه: أنه كان لا يجمع بين الصلاتين إلا في
وقت الثانية منهما. وبه احتج من أَبَى جَمْعَ التقديم. لكن روی إسحاق بن راهويه هذا
الحديث عن شبابة؛ فقال: ((كان إذا كان في سفر؛ فزالت الشمسُ، صلى الظهر والعصرَ
جميعًا، ثم ارتحل)). أخرجه الإسماعيلي.
وأعل بتفرد إسحاق بذلك عن شبابة، ثم تفرد جعفر الفريابي به عن إسحاق.
وليس ذلك بقادح؛ فإنهما إمامان حافظان. انتهى.
وقال في ((بلوغ المرام)) بعد ذكر حديث أنس هذا: وفي رواية الحاكم في ((الأربعين)
بإسنادِ الصحيحِ: ((صلى الظهر والعصر، ثم ركب)).
ولأبي نُعَيْمٍ في ((مستخرج مسلم)): ((كان إذا كان في سَفَرٍ؛ فزالت الشمس، صلى الظهر
والعصر جمیعًا، ثم ارتحل)). انتهى.
وقال في ((التلخيص)): وحديث أنس رواه الإسماعيلي والبيهقي من حديث إسحاق بن
راهويه، عن شبابة بن سوار، عن الليث، عن عقيل، عن الزهري، عن أنس قال: ((كان
رسول الله ◌َّ إذا كان في سفر؛ فزالت الشمس، صلى الظهر والعصر جميعًا، ثم ارتحل)).
وإسناده صحيح، [قاله](١) النووي.
وفي ذهني أن أبا داود أنكره على إسحاق، ولكن له متابع رواه الحاكم في ((الأربعين)) له
عن أبي العباس: محمد بن يعقوب، عن محمد بن إسحاق الصغاني، عن حسان بن عبد الله،
عن المفضل بن فضالة، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن أنس: ((أن النبي ◌َّ كان إذا ارتحل
قبل أن تزيغ الشمس، أخر الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل فجمع بينهما، فإن زاغت الشمس
قبل أن يرتحل، صلى الظهر والعصر، ثم ركب)).
(١) وفي نسخة: ((قال))، وهو خطأ، والتصويب من التلخيص.

١٥٦
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي الجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ (أَيْ فِي السَّفَرِ)
وهو في ((الصحيحين)) من هذا الوجه بهذا السياق، وليس فيهما: ((والعصر)). وهي زيادة
غريبة صحيحة الإسناد.
وقد صحّحه المنذري من هذا الوجه، والعلائي، وتعجب من الحاكم كونه لم يورده في
((المستدرك)).
وله طريق أخرى رواها الطبراني في ((الأوسط))، ثم ذكرها الحافظ بسندها ومتنها .
وأما حديث عبد الله بن عمرو: فلينظر من أخرجه(١) . وأما حديث عائشة: فأخرجه
الطحاوي وأحمد (٢) والحاكم عنها قالت: ((كان رسولُ اللهِ وَّهِ فِي السَّفَرِ يُؤَخِرُ الُّهْرَ ويُقَدِّمُ
العَصْرَ، ويؤخر المَغْرِبَ ويقدم العِشَاء)»
وأما حديث ابن عباس: فأخرجه أحمد (٣) وآخرون؛ بلفظ: ((أن النبي ◌َّ- كان في السفر
إذا زَاغَتِ الشَّمْسُ في منزله؛ جمع بين الظهر والعصر قبل أن يَرْكَبَ، فإذا لم تَزِعْ في منزله،
سار حتى إذا حانت العصر، نزل فجمع بين الظهر والعصر. وإذا حانت له المغرب في منزله،
جمع بينها وبين العشاء، وإذا لم تَحِنْ في منزله ركب حتى إذا كانت العشاء نزل فجمع بينهما)).
قال الحافظ في ((الفتح)): في إسناده: حسين بن عبد الله الهاشمي؛ وهو ضعيف. لكن له
شواهد من طريق حماد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن ابن عباس، لا أعلمه إلا مرفوعًا:
(أنه كان إذا نَزَلَ مَنْزِلًا في السَّفَرِ فأعجبه أقام فيه حتى يَجْمَعَ بين الظُّهْرِ والعصر، ثم يَرْتَحِل،
فإذا لم يَتَهَيَُّ له المنزل مَدَّ في السير فسار، حتى ينزل فيجمع بين الظهر والعصر)). أخرجه
البيهقي (٤). ورجاله ثقات، إلا أنه مشكوك في رفعه، والمحفوظ أنه موقوف.
وقد أخرجه البيهقي من وجه آخر مَجْزُومًا بوقفه على ابن عباس؛ ولفظه: ((إذا كنتم
سائِرِينَ ... )) فذكر نحوه. انتهى كلام الحافظ.
وأما حديث أسامة بن زيد: فأخرجه البخاري ومسلم(٥) ؛ وفيه بيان الجمع بـ ((مزدلفة)).
(١) أحمد. حديث (٦٦٤٤).
(٢) أحمد. حديث (٢٤٥١٨)، والطحاوي في ((معاني الآثار)) (٩٠٠).
(٣) أحمد. حديث (٣٤٧٠).
(٤) البيهقي في ((الكبرى)) (٥٣٢٢).
(٥) البخاري، كتاب الوضوء. حديث (١٣٩)، ومسلم، كتاب الحج. حديث (١٢٨٠).

١٥٧
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي الجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ (أَيْ فِي السَّفَرِ)
[٥٥٤] (٥٥٤) حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا زَكَريَّا اللُّؤْلُؤْيُّ، حَدَّثَنَا
أَبُو بَكْرِ الأعْيَنُ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ المَدِينِيِّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بِهَذَا
الحَدِيثِ، يَعْنِي حَدِيثَ مُعَاذٍ.
وَحَدِيثُ مُعَاذٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، تَفَرَّدَ بِهِ قُتَبِيَةُ، لَا نَعْرِفُ أَحَداً رَوَاهُ عَنِ اللَّيْثِ
غَيْرَهُ.
وَحَدِيثُ اللَّيْثِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الُّفَيْلِ، عَنْ مُعَاذٍ حَدِيثٌ
غَرِيبٌ. وَالمَعْرُوفُ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ حَدِيثُ مُعَاذٍ مِنْ حَدِيثٍ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ
أَبِي الظُّفَيْلِ، عَنْ مُعَاذٍ: أَنَّ النَّبِيِّ بَّهِ جَمَعَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ بَيْنَ الظَّهْرِ وَالعَصْرِ، وَبَيْنَ
المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ.
رَوَاهُ قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ
المکِيِّ.
وأما حديث جابر - وهو: جابر بن عبد الله - فأخرجه مسلم(١) في حديث طويل في
حجة النبي ◌َّ، وفيه: ((ثم أذن، ثم أقام فصَلَّى الظهر، ثم أقام فصَلَّى العصر، ولم يُصَلِّ
بینھما شيئًا)).
قوله: (ورَوَى(٢) علي بن المديني، عن أحمد بن حنبل عن [قتيبة](٣) هذا الحديث)؛
أي: حديث معاذ المذكور في الباب.
[٥٥٤] قوله: (وحديث معاذ حديث حسن غريب تفرد به قتيبة ... إلخ) . قال الحافظ
في ((التلخيص)) بعد نقل كلام الترمذي هذا: وقال أبو داود: هذا حديث منكر، وليس في
جمع التقديم حديث قائم.
وقال أبو سعيد بن يونس: لم يحدث بهذا الحديث إلا قتيبة. ويقال: إنه غلط فيه فغير
بعض الأسماء، وأن موضع يزيد بن حبيب أبو الزبير.
(١) مسلم، كتاب الحج. حديث (١٢١٨).
(٢) في نسخة: ((ورُوي عن)).
(٣) سقطت من بعض النسخ؛ والصواب إثباتها، كما هو في المتن.

١٥٨
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي الَجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ (أَيْ فِي السَّفَرِ)
وَبِهَذَا الحَدِيثِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، يَقُولَانِ: لَا بَأسَ أَنْ يَجْمَعَ
بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي السَّفَرِ فِي وَقْتِ إِحْدَاهُمَا .
وقال ابن أبي حاتم في ((العلل)) عن أبيه: لا أعرفه من حديث يزيد، والذي عندي أنه
دخل له حدیث في حديث.
وأطنب الحاكم في ((علوم الحديث)) في بيان علة هذا الخبر، فيراجع منه.
قال: وله طريق أخرى عن معاذ بن جبل، أخرجها أبو داود من رواية هشام بن سعد،
عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل. وهشام مختلف فيه، وقد خالفه الحفاظ من أصحاب
أبي الزبير؛ كمالك والثوري وقرة بن خالد وغيرهم؛ فلم يذكروا في روايتهم جمع التقديم.
انتھی .
قوله: (وبهذا الحديث يقول الشافعي وأحمد وإسحاق) قال الحافظ في ((الفتح)): قال
بإطلاق جواز الجمع كثير من الصحابة والتابعين، ومن الفقهاء الثوري والشافعي وأحمد
وإسحاق وأشهب. انتهى.
يعني: قالوا به بجواز الجمع في السفر مطلقًا، سواء كان سائرًا أم لا، وسواء كان سيرًا
مجدًّا أم لا .
قال الحافظ: وقال قوم: لا يجوز الجَمْعُ مطلقًا إلا بـ ((عرفة)) و((مزدلفة))؛ وهو قول
الحسن والنخعي وأبي حنيفة وصاحبیه. انتهى.
وقيل: يختص الجمع بمن يجد في السير؛ قاله الليث، وهو القول المشهور عن مالك.
وقيل: يختص بالمسافر دون النازل؛ وهو قول ابن حبيب.
وقيل: يختص بمن له عذر. حكي عن الأوزاعي.
وقيل: يجوز جمع التأخير دون التقديم؛ وهو: مروي عن مالك وأحمد، واختاره ابن
حزم. انتھی.
(يقولان: لا بأس أن يجمع بين الصلاتين في السفر في وقت إحداهما) كذا في النسخ
(يقولان)) بصيغة التثنية، والظاهر: أن يقول: ((يقولون)) بصيغة الجمع؛ والمعنى: يقول
الشافعي وأحمد وإسحاق: يجوز الجمع بين الصلاتين في السفر بجمعي التقديم والتأخير،
وهو الحق.

١٥٩
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي الجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ (أَيْ فِي السَّفَرِ)
واستدلوا على جواز جمع التقديم: بحديث معاذ المذكور في الباب، وبحديث أنس،
وبحديث ابن عباس، وبحديث جابر. وقد ذكرنا ألفاظ هذه الأحاديث، واستدلوا على جواز
جمع التأخير: بحديث ابن عمر الآتي في هذا الباب، وبحديث أنس الذي تقدم لفظه.
وأجاب الحنفية عن هذه الأحاديث: بأنها محمولة على الجَمْعِ الصوري.
وردّ هذا الجواب: بأن الأحاديث الواردة في الجمع، بعضها نصوص صريحة في جمع
التقديم، وفي جمع التأخير، لا تحتمل تأويلاً.
قال صاحب ((التعليق الممجد)): حمل أصحابنا - يعني: الحنفية - الأحاديث الواردة في
الجمع على الجمع الصوري. وقد بسط الطحاوي الكلام فيه في ((شرح معاني الآثار))، لكن
لا أدري ماذا يفعل بالروايات التي وردت صريحة؛ بأن الجمع كان بعد ذهاب الوقت، وهي
مروية في (صحيح البخاري))، و((سنن أبي داود))، و((صحيح مسلم)) وغيرها من الكتب
المعتمدة على ما لا يخفى من نظر فيها. فإن حمل على أن الرواة لم يحصل التميز لهم،
فظنوا قرب خروج الوقت، فهذا أمر بعيد عن الصحابة الناهين على ذلك، وإن اختير ترك
تلك الروايات بإبداء الخلل في الإسناد، فهو أبعد وأبعد مع إخراج الأئمة لها، وشهادتهم
بتصحيحها. وإن عورض بالأحاديث التي صرحت بأن الجمع كان بالتأخير إلى آخر الوقت
والتقديم في أول الوقت، فهو أعجب، فإن الجمع بينها بحملها على اختلاف الأحوال
ممكن، بل هو الظاهر. انتهى كلام صاحب ((التعليق الممجد)).
وقال إمام الحرمين: ثبت في الجمع أحاديث ونصوص لا يتطرق إليها تأويل، ودليله من
حيث المعنى: الاستنباط من الجمع بـ ((عرفة)) و((مزدلفة))، فإن سببه احتياج الحاج إليه؛
الاشتغالهم بمناسكهم، وهذا المعنى موجود في كل الأسفار ولم تتقيد الرُّخَص؛ كالقصر
والفطر بالنسك. إلى أن قال: ولا يخفى على منصف أن الجمع أرفق من القصر، فإن القائم
إلى الصلاة لا يشق عليه ركعتان يضمهما إلى ركعتيه، ورفق الجمع واضح؛ لمشقة النزول
على المسافر. انتهى. كذا نقل كلام إمام الحرمين الحافظ في ((الفتح)).
وتعقب الخطابي وغيره عليه من حمل أحاديث الجمع على الجمع الصوري: بأن الجمع
رخصة، فلو كان على ما ذكروه، لكان أعظم ضيقًا من الإتيان بكل صلاة في وقتها؛ لأن
أوائل الأوقات وأواخرها مما لا يدركه أكثر الخاصة، فضلًا عن العامة.

١٦٠
أَبْوَابُ السَّفَرِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي الجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ (أَيْ فِي السَّفَرِ)
[٥٥٥] (٥٥٥) حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عُبَيْدِ الله بْنِ
عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ اسْتُغِيثَ عَلَى بَعْضِ أَهْلِهِ فَجَدَّ بِهِ السَّيرُ وَأَخَّرَ
المَغْرِبَ حَتَّى غّابَ الشَّفَقُ، ثُمَّ نَزَلَ فَجَمَعَ بَيْنَهُما، ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللهِوَّلَ كَانَ
يَفْعَلُ ذَلِكَ إِذَا جَدَّ بِهِ السَّيرُ. [خ: ١٨٠٥، م: ٧٠٣، ن: ٥٩٥، د: ١٢١٧، حم: ٥١٤١، مي: ١٥١٧].
ومن الدليل على أن الجمع رخصة قَوْلُ ابن عباس: ((أن لا يُحرج أمته)). أخرجه
مسلم (١).
[٥٥٥] قوله: (أنه استغيث على بعض أهله) أي: طلب منه الإغاثة على بعض أهله؛
وذلك أن صفية بنت أبي عبيد زوجة ابن عمر كانت لها حالة الاحتضار، فأخبر بذلك وهو
خارج ((المدينة))؛ فَجَدَّ به السير، وعجل في الوصول؛ كذا في بعض الحواشي.
قلت: في ((صحيح البخاري))(٢) في باب: (يصلي المغرب ثلاثًا في السفر)) قال سالم:
وأخر ابن عمر المغرب، وكان اسْتُصْرِخَ على امرأته: صفية بنت أبي عبيد ... إلخ)).
قال الحافظ في ((الفتح)): قوله: ((استصرخ)) بالضم؛ أي: استغيث بصوت مرتفع، وهو
من الصراخ. والمُصْرخ: المغيث. انتهى.
(فجد به السير) أي: اهتم به، وأسرع فيه. يقال: جَدَّ يَجِدُّ ويجد بالضم والكسر، وجدَّ
به الأمر وأجد وجد فيه وأجد. إذا اجتهد؛ كذا في ((النهاية)).
(وأخر المغرب حتى غاب الشفق، ثم نزل فجمع بينهما) .
وفي رواية البخاري في باب: ((السرعة في السير)) من كتاب: ((الجهاد))(٣) من طريق أسلم
عن أبيه. قال: كنت مع عبد الله بن عمر بطريق ((مكة))، فبلغه عن صفية بنت أبي عبيد شدة
وجع؛ فأسرع السير، حتى إذا كان بعد غروب الشفق، ثم نزل؛ فصلى المغرب والعَثَمَةَ؛
جمع بينهما .
(كان يفعل ذلك إذا جَدَّ به السير) استدل بهذا الحديث من قال باختصاص رُخْصَةٍ
الجمع في السفر بِمَنْ كان سائرًا لا نازلًا .
(١) مسلم، كتاب صلاة المسافرين. حديث (٧٠٥).
(٢) البخاري، كتاب تقصير الصلاة. حديث (١٠٩٢).
(٣) البخاري، كتاب الجهاد. حديث (٣٠٠٠).