Indexed OCR Text
Pages 281-300
٢٨١
أبواب الصلاة عن رسول الله وَّهِ ر بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ الْأَرْضَ كُلَّهَا مَسْجِدٌ إِلَّ المَقْبَرَةَ وَالحَمَّامَ
قَالَ أَبُو عِيْسَى: وَحَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ
الزُّبَيْرِ نَحْوَ رِوَايَةِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ .
وَرَوَى سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ
عَمْرِو بْنِ سُلَيْمِ الزُّرَقِيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله، عَنِ النَّبِيِّ وَِّهَ. وَهَذَا حَدِيثٌ غَيْرُ
مَحْفُوظِ، وَالصَّحِيحُ حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةً.
وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا: اسْتَحَبُّوا إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ المَسْجِدَ أَلَّا
يَجْلِسَ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ؛ إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ عُذْرٌ.
قَالَ عَلِيُّ بْنُ المَدِينِيِّ: وَحَدِيثُ سُهَيْلٍ بْنِ أَبِي صَالِحِ خَطَأٌ؛ أَخْبَرَنِي بِذَلِكَ
إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلِيٍّ بْنِ المَدِينِيِّ.
٢٣٦ - بَابٌ مَا جَاءَ أَنَّ الْأَرْضَ كُلَّهَا مَسْجِدٌ إِنَّ الْمَقْبَرَةَ وَالحَمَّامَ [ت١٢٠، ١١٩٢]
[٣١٧] (٣١٧) حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ وَأَبُو عَمَّارِ الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ المَرْوَزِيُّ،
قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ
الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِّه:
قوله: (حديث أبي قتادة حديث حسن صحيح) أخرجه الأئمة الستة في كتبهم. (وروى
سهيل بن أبي صالح هذا الحديث عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن عمرو بن سليم، عن
جابر بن عبد الله) فذكر سهيل بن أبي صالح، عن جابر بن عبد الله بدل أبي قتادة، وخالف
غير واحد من أصحاب عامر بن عبد الله.
٢٣٦ - بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ الْأَرْضَ كُلَّهَا مَسْجِدٌ إلََّّ الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ
[٣١٧] قوله: (وأبو عمار: الحسين بن حريث) - بضم الحاء المهملة، وفتح الراء،
وسكون التحتية، وبالمثلثة - الخزاعي مولاهم المروزي، ثقة من العاشرة، روى عن الفضل بن
موسى، والنضر بن شميل، [وفضيل] بن عياض وخلق، وعنه: ((خ م د ت س)): و((د)):
بالإجازة، مات راجعًا من الحج سنة أربع وأربعين ومائتين.
٢٨٢
أبواب الصلاة عن رسول الله رَّيه / بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ الْأَرْضَ كُلَّهَا مَسْجِدٌ إِلَّ المَقْبَرَةَ وَالحَمَّمَ
((الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إِلَّ المَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ)). [د: ٤٩٢، جه: ٧٤٥، حم: ١١٣٧٥، مي: ١٣٩٠].
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَفِي الْبَابِ: عَنْ عَلِيٍّ، وَعَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو، وَأَبِي هُرَيْرَةَ،
وَجَابِرٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَحُذَيْفَةَ، وَأَنَسٍ، وَأَبِي أُمَامَةَ، وَأَبِي ذَرِّ، قَالُوا: إِنَّ النَّبِيَّ ◌َه
قَالَ: ((جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ [كُلها] مَسْجِداً وَطَهُوراً)). [خ: ٣٣٥، ن: ٤٣٥، حه: ٥٦٧،
جـ: ٢٠٣
٢٠/٣ مي. ٠٣٨٩ ١.
قوله: (الأرض بها -سحد)، أي: يجوز الصلاة فيها. (إلا المقبره) قال في
((القاموس)): المَقْبَرَةُ - مثلثة الباء، وكمكنسة -: موضع القبور. (والحمام) - بتشديد الميم
الأولى - هو: الموضع الذي يغتسل فيه بالحميم، وهو في الأصل الماء الحار، ثم قيل:
لموضع الاغتسال بأيِّ مَاءٍ كَانَ، والحديث: يدل على منع الصلاة في المَقْبَرَةِ والحَمَّام، وقد
اختلف الناس في ذلك، وأما المَقْبَرَةُ: فَذَهَبَ أحمد إلى تحريم الصلاة في المَقْبَرَةِ، ولم يفرق
بين المَنْبُوشَةِ وغيرها، ولا بين أن يَفْرِشَ عَلَيْهَا شيئًا يَقِيهِ مِنَ النَّجَاسَةِ أم لا، ولا بين أن يكون
في القُبُور أو في مكان مُنْفَردٍ منها كَالبَيْتِ، وإلى ذلك ذهبت الّاهِرِيَّةُ، ولم يُفَرِّقُوا بين مَقَابِر
المُسْلِمِينَ والْكُفَّارِ، وذهب الشَّافِعِيُّ إلى: الفرق بين المقبرة المَنْبُوشَةِ وغيرها، فقال: إِذَا
كَانَتْ مُخْتَلِطَةً بِلَحْمِ المَوْنَى وصديدهم، وما يخرج منهم، لم تَجُزْ الصلاة فيها؛ للنَّجَاسَةِ،
فَإِن صَلَّى رَجُلٌ في مكان طاهر منها أَجْزَأَتْهُ، وذهب الثَّوْرِيُّ، والأَوزَاعِيُّ، وأبو حَنِيفَةً إلى:
كراهة الصلاة في المَقْبَرَةِ، ولم يفرقوا كما فَرَّقَ الشَّافِعِيُّ ومن معه بين المَنْبُوشَةِ وغيرها،
وذهب مالك إلى: جواز الصلاة في المقبرة، وعدم الكَرَاهَةِ، وحدیث الباب يرد عليه،
والظاهر: ما ذهب إليه الظّاهِرِيَّةُ، والله تَعالى أَعْلَمُ، وأما الحَمَّامُ: فذهب أحمد إلى: عَدَمِ
صِحَّةِ الصَّلاةِ فيه، وذهب الجُمْهُورُ إلى: صِحَّة الصَّلاةِ فِي الْحَمَّامِ مع الطهارة، وتكون
مكروهة، وظاهر الحديث هو: المنع، والله تعالى أَعْلَمُ.
قوله: (وفي الباب عن علي، وعبد الله بن عمرو، وأبي هريرة، وجابر، وابن عباس،
وحذيفة، وأنس، وأبي أمامة، وأبي ذر؛ قالوا: إن النبي ◌َّ ر قال: ((جعلت لي الأرض
مسجدًا وطهورًا) يعني: أن هؤلاء الصحابة ◌َّه لم يذكروا الاستثناء، وأما حديث علي:
فأخرجه البَزَّارُ. وأما حديث عبد الله بن عمرو: فأخرجه أحمد (١). وأما حديث أبي هريرة:
(١) أحمد. حديث (٧٠٢٨).
٢٨٣
أبواب الصلاة عن رسول الله يَيةِ / بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ الْأَرْضَ كُلَّهَا مَسْجِدٌ إِلَّ المَقْبَرَةَ وَالحَمَّامَ
قَالَ أَبُو عِيْسَى: حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ قَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ رِوَايَتَيْنِ :
مِنْهُمْ مَنْ ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَذْكُرْهُ.
وَهَذَا حَدِيثٌ فِيهِ اضْطِرَابٌ.
رَوَى سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَبِهِ، عَنِ النَِّّ وَِّ مُرْسَلاً .
وَرَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ
وَلِِّ، وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: وَكَانَ عَامَّةُ
ڕِوَايَتِهِ عَنْ
فأخرجه مسلم، والترمذي(١). وأما حديث جابر: فأخرجه الشيخانُ(٢) ، والنسائي. وأما
حديث ابن عباس: فأخرجه أحمد(٣) . وأما حديث حذيفة: فأخرجه مسلم، والنسائي(٤) .
وأما حديث أنس: فأخرجه السراج في ((مسنده)) بإسناد قال العراقي: صحيح. وأما حديث
أبي أمامة: فأخرجه أحمد، والترمذي(٥) في كتاب ((السير))، وقال: حسن صحيح. وأما
حديث أبي ذر: فأخرجه أبو داود(٦) .
قلت: وفي الباب أيضًا عن أبي موسى: أخرجه أحمد، والطَبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ جيد. وعن ابن
عمر: أخرجه البزار والطبراني. وعن السائب بن يزيد: فأخرجه أيضًا الطبراني.
قوله: (حديث أبي .. ا :" روي عن عبد العزيز بن محمد روايتين) أي: روي عنه على
نحوين، فَبَعْضُ أَصْحَابِهِ رواه عنه موصولاً بذكر أبي سعيد، وَبَعْضُهُمْ رَوَاهُ عَنْهُ مُرْسَلًا، وبينه
الترمذي بقوله: منهم من [ذكره]٧) عن أبي سعيد، ومنهم من لم يَذكُرْهُ.
قوله: (ورواه محمد بن إسحاق، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه) يعني: لم يذكر أبا سعيد.
(قال) أي: أبو عيسى الترمذي. (وكان عامة روايته) أي: رواية محمد بن إسحاق. (عن
(١) مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة. حديث (٥٢٣)، والترمذي (١٥٥٣).
البخاري، كتاب التيمم. حديث (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١)، والنسائي (٤٣٢).
(٢)
(٣)
أحمد. حديث (٢٧٣٧).
مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة. حديث (٥٢٢)، والنسائي في ((الكبرى)) (٨٠٢٢) ..
(٤)
أحمد. حديث (٢١٦٣٢)، والترمذي، كتاب السير عن رسول اللَّلي. حديث (١٥٥٣).
(٥)
أبو داود، کتاب الصلاة. حديث (٤٨٩).
(٦٠)
في نسخة: ((ذكر).
(٧)
٢٨٤
أبواب الصلاة عن رسول الله عليه / بَابُ مَا جَاءَ فِي فَضْلٍ بُيَانِ المَسْجِدِ
أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِّ ◌َيهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِي ◌َلِهِ.
وَكَأَنَّ رِوَايَةَ الثَّوْرِيَّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَِّّوَّهِ أَثْبَتُ وَأَصَحُ
مُرْسَلًا.
٢٣٧ - بَابُ مَا جَاءَ في فَضْلٍ بُنْيَانِ المَسْجِدِ [ت١٢١، ١٢٠٢]
[٣١٨] (٣١٨) حَدَّثَنَا بُنْدَارُ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ الحَنَفِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيد بْرُ
أبي سعيد، عن النبي (وَ ل98) أي: كان عامة رواية محمد بن إسحاق عن عمرو بن يحيى، عن
أبيه، بذكر أبي سعيد موصولًا. (ولم يذكر فيه: عن أبي سعيد) أي: لكن أبا إسحاق لَمْ يَذْكُرْ
في حديث الباب: أبا سعيد، بل رواه مُرْسَلًا. (وكأن رواية الثوري، عن عمرو بن يحيى،
عن أبيه، عن النبي (ٍَّ﴿ أثبت وأصح) قال الحافظ في ((التلخيص)): وقال البزَّار: رواه
عبد الواحد بن زياد، وعبد الله بن عبد الرحمن، ومحمد بن إسحاق، عن عمرو بن يحيى
موصولًا، وقال الدارقطني في ((العلل)): المُرْسَلُ المَحْفُوظُ، وقال فيها: حدثنا جعفر بن
محمد المؤذن ثقة، حدثنا السري بن يحيى، حدثنا أبو نعيم، وقبيصة؛ حدثنا سفيان، عن
عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد به موصولًا، وقال: المرسل المحفوظ، وقال
الشافعي: وَجَدْتُهُ عِنْدِي عن ابن عيينة موصولًا ومرسلًا، ورجح البيهقي المرسل أيضًا، وقال
النووي في ((الخلاصة)): هو ضعيف، وقال صاحب ((الإمام)): حاصل ما علل به الإرسال،
وإذا كان الواصل له ثقة فهو مقبول، وَأَفْحَشَ ابن دحية فقال في كتاب ((التنوير)) له: هذا لا
يصح من طريق من الطرق - كذا قال - فلم يصب.
قلت: وله شواهد، منها: حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا: نَهَى عَنِ الصَّلاةِ فِي
المَقْبَرَةِ؛ أخرجه ابن حبان(١) ، ومنها: حديث عَلِيٍّ، أَنَّ حبِّيَ نَهَانِي أَنْ أُصَلِّيَ فِي المَقْبَرَةِ.
أخرجه أبو داود٢) . انتهى.
٢٣٧ - باب مَا جَاءَ فيْ فَضْلِ بُنْيَانِ المَسْجِدِ
[٣١٨] قوله: (أخبرنا أبو بكر الحنفي) اسمه: عبد الكبير بن عبد المجيد بن عبيد الله
البصري، وهو: أبو بكر الحنفي الصغير، روى عنه: بندار، وأحمد، وعلي بن المديني،
وغيرهم. قال في ((التقريب)): ثقة من التاسعة، مات سنة أربع ومائتين. انتهى.
(١) ابن حبان. حديث (٢٣١٩).
(٢) أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (٤٩٠).
٢٨٥
أبواب الصلاة عن رسول الله ◌َ﴿و / بَابُ ما جَاءَ فِي فَصَلِ بُنْيَانِ المَسْجِدِ
جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لِيدٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَمَّنٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيِّ ◌َيهِ
يَقُولُ: ((مَنْ بَنَى الله مَسْجِداً بَنَى اللهُ لَهُ مِثْلَهُ فِي الْجَنَّةِ)). [خ: ٤٥٠، م: ٥٣٣، جه: ٧٣٦،
حم: ٤٣٦، مي: ١٣٩٢] .
قلت: هو من رجال الكُتُبِ السِّةِ.
قوله: (من بنى الله مسجدًا) التنكير فيه: للشيوع، فيدخل فيه الكبير والصغير، كما في
الرواية الآتية: ((صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا))، وقوله: ((لله)) يعني: يبتغي به وجه الله، قال ابن
الجوزي: مَنْ كَتَبَ اسْمَهُ عَلَى المَسْجِدِ الذي يبنيه كَانَ بَعِيدًا مِنَ الإِخْلاصِ. انتهى. وَمَنْ بَنَاهُ
بالأُجْرَةِ لا يَحْصُلُ لَهُ هذا الوعد المخصوص؛ لعدم الإخلاص -وإن كان يُؤْجَرُ في الجملة-
كذا في ((الفتح)). (بنى الله له مثله) - صفة لمصدر محذوف - أي بنى بناء مثله، قال النووي:
يحتمل قوله: (مثله) أمرين:
أحدهما: أَنْ يَكُونَ معناه: بنى الله تعالى مثله في مُسَمَّى البَيْتِ، وأما صفته في السعة
وغيرها، فمعلوم فضلها، وأنها مما لا عين رَأَتْ، وَلا أُذُنُ سَمِعَتْ، وَلا خَطَرَ عَلَى قَلْبٍ
بَشَرٍ .
الثاني: أَنَّ فَضْلَهُ على بيوت الجنة - كفضل المَسْجِدِ على بُيُوتِ الدُّنْيَا. انتهى كلام
النووي. وقيل: أي: مثل المسجد في القَدْرِ والمساحة، لكنه أَنفس منه بزيادات كثيرة. وقال
الحافظ في ((الفتح)): لَفْظُ المِثْلِ لَه اسْتِعْمَالانِ: أحدهما: الإفْرَادُ مُظْلَقًا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿فَقَالُواْ أَنْوَِّنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا﴾ [المؤمنون: ٤٧]، والآخر: المُطَابَقَةُ، كقوله تعالى: ﴿أُمُّمُ أَمْثَالُكُمْ﴾
[الأنعام: ٣٨] فعلى الأول: لا يمتنع أن يكون الجزاء أبنية متعددة، فيحصل جواب من استشكل
التقيد بقوله: مثله، مع أن الحسنة بعشر أمثالها؛ لاحتمالها أن يكون المراد: بنى الله له عشرة
أبنية مثله، والأصل: أن ثواب الحسنة الواحدة واحد؛ بحكم العدل، والزيادة عليه بحكم
الفضل. ومن الأجوبة المرضية: أن المِثْليَّةَ - ها هنا - بحسب الكمية، والزيادة الحاصلة
بحسب الكيفية، فكم من بيت خير من عشرة، بل من مائة؟! أو أن المقصود من المثلية: أن
جزاء هذه الحسنة من جنس البناء، لا من غيره مع قطع النظر عن غير ذلك، مع أن التفاوتَ
حَاصِلٌ - قطعًا - بالنسبة إلى ضيق الدنيا، وسعة الجنة؛ إذ مَوْضِعُ شِبْرٍ فيها خير من الدنيا
وما فيها، كما ثبت في ((الصحيح))، وقد روي من حديث واثلة بلفظ: بَنَى الله لَهُ فِي الْجَنَّةِ
٢٨٦
أبواب الصلاة عن رسول الله يَّةٍ / بَابُ مَا جَاءَ فِي فَضْلِ بُنْيَانِ المَسْجِدِ
قَالَ: وَفِي الْبَابِ: عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَعَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو، وَأَنَس،
وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةَ، وَأَم حَبِيبَةَ، وَأَبِي ذَرٍّ، وَعَمْرٍو بْنِ عَبَسَةَ، وَوَائِلَةَ بْنِ الأَسْقَعِ،
وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله.
أَفْضَلَ مِنْهُ"، والطبراني"؛ من حديث أبي أمامة بلفظ أوسع منه، وهذا يشعر: بأن المِثْلِيَّة
لم يقصد بها المساواة من كل ، جه. انتهى
قوله: ( وفي الباب عن أبي بكر، وعمر، وعلِي، وعبد الله بن عمرو، ومس، وابن
عباس، وعائشة، وأم حبيبة، وأبي ذر، وعمرو بن عمسة، وواثلة من الأسقع، وأبي هريرة،
وجابر بن عبد الله) .
أما حديث أبي بكر: فأخرجه الطبراني في ((الأوسط(٣) مرفوعًا بلفظ: ((مَنْ بَنَى لِله
مَسْجِدًا بَنَى الله لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ».
قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)): فيه وَهَبُ بْنُ حَفْصٍ، وهو ضعيف. انتهى.
وأما حديث عمر: فأخرجه ابن حبان(٤) بلفظ: ((مَنْ بَنَى الله مَسْجِدًا؛ يُذْكَرُ فِيهِ اسْمُ الله،
بَنَى الله له بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ)). وأما حديث علِيٍّ: فأخرجه ابن ماجه (٥) مرفوعًا بلفظ: ((مَنْ بَنَى
مَسْجِدًا لِلَّهِ بَنَى الله له بَيْئًا فِي الْجَنَّةِ))، وإسناده ضعيف. أما حديث عبد الله بن عمرو:
فأخرجه أبو نعيم") ، من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، نحو حديث عَلِيٍّ،
وزاد: (أَوسَعَ مِنْهُ))، وروى أحمد أيضًا نحوه. وأما حديث أنس: فأخرجه الترمذي(٧) في هذا
الباب. وأما حديث ابن عباسُ(٨) فأخرجه أبو مسلم الكجي مثل حديث أنس وزاد: ((وَلو
كَمَفْحَص قطاة))، وأما حديث عائشة٩ٌ) فأخرجه مسدد في ((مسنده الكبير)) عنها قَالت: قَالَ
(١ ) أحمد. حديث (١٥٥٧٥).
(٢)
الطبراني في «الكبير». حديث (٧٨٨٩).
(٣)
الطبراني في «الأوسط)). (٧١١٤).
ابن حبان. حديث (١٦٠٨).
(٤)
ابن ماجه، كتاب المساجد والجماعات. حديث (٧٣٧).
(٥)
أحمد. حديث (٧٠١٦).
(٦)
الترمذي، كتاب الصلاة. حديث (٣١٩).
(٧)
أحمد. حديث (٢١٥٨).
(٨)
(٩) الطبراني في ((الأوسط)) (٦٥٨٦)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٢١٩/٤) موقوفًا.
٢٨٧
أبواب الصلاة عن رسول الله مَ له / بَابُ مَا جَاءَ فِي فَضْلِ بُنْيَانِ المَسْجِدِ
رَسُولُ اللهِ وَّةُ: (مَنْ بَنَى لِله مَسْجِدًا بَنَى اللّه لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّة)) قلت: يا رَسُولَ الله، وهَذِهِ
المَسَاجِدُ الَّتِي فِي طَرِيقٍ مَثَّةَ؟ قال: ((وَتِلْكَ)). وأما حديث أم حبيبة (١) فأخرجه الطبراني في
((الأوسط)). وأما حديث أبي ذر: فأخرجه البزار(٢). وأما حديث عمرو بن عبسة: فأخرجه
النسائي (٣). وأما حديث واثلة بن الأسقع: فأخرجه الطبراني(٤) في ((معجمه الكبير)) بلفظ:
مَنْ بَنَى مَسْجِدًا يُصَلَّى فِيهِ، بَنَى الله لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ أَفْضَلَ مِنْهُ)). وأما حديث أبي هريرة:
فأخرجه الطبراني في ((الأوسط))، والبيهقي (٥) في ((شعب الإيمان)): بِلَفْظِ: ((مَنْ بَنَى الله بَيْتًا
يُعْبَدُ الله فِيهِ حَلالًا، بَنَى اللهِ لَهُ بَيْتَا فِي الْجَنَّةِ مِنَ الدُّرِّ واليَاقُوتِ)). وأما حديث جابر: فأخرجه
ابن خزيمة (٦) بلفظ: ((مَنْ حَفَرَ مَاءٌ لَمْ يَشْرَبْ مِنْهُ كَبدٌ حَرَّى من جِنٍّ، وَلا إنْسٍ، وَلا طَائِرٍ إلَّا
آجَرَهُ الله يَوْمَ القِيَامَةِ، وَمَنْ بَنَى مُسِجِدًا كَمَفْخَصٍ قَطَاةٍ، أَوْ أَصْغَرِ، بَنَى الله لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ)).
قلت: وفي الباب أيضًا عن أبي قرصافة، ونبيط بن شريط، وعمر بن مالك، وأسماء بنت
يزيد، ومعاذ، وأبي أمامة، وعبد الله بن أبي أوفى، وأبي موسى، وعبد الله بن عمر بن
الخطاب ښہ.
فأما حديث أبي قرصافة، واسمه: جندرة بن خيشنة، فأخرجه الطبراني في ((الكبير))(٧):
أنه سمع النبي ◌َّهِ يقول: ((ابْنُوا المَسَاجِدَ وَأَخْرِجُوا الْقُمَامَةَ مِنْهَا، فَمَنْ بَنَى ... )) فذكره،
وزاد: قال رجل: يا رسول الله، وهذه المساجد التي تُبنى في الطريق؟ قال: ((نَعَمْ، وَإِخْرَاجُ
الْقُمَامَةِ مِنْهَا مُهُورُ حُورِ الْعِينِ))، وفي إسناده جهالة.
وأما حديث نبيط، فأخرجه الطبراني أيضًا في ((الصغير)). وأما حديث عمر بن مالك،
فأخرجه أبو موسى المديني في كتاب ((الصحابة))، ولفظه: ((مَنْ بَنَى اللهِ مَسْجِدًا بَنَى اللهِ لَهُ بَيْتًا
فِي الْجَنَّةِ)). وأما حديث أسماء بنت يزيد، فأخرجه الطبراني نحوه. وأما حديث معاذ،
(١) أخرجه ابن عدي في ((الكامل)) (٣٢٧/٣).
(٢) البزار . حديث (٣٤٠٠ - زخار).
(٣) النسائي، كتاب المساجد. حديث (٦٨٨).
(٤) الطبراني في «الكبير» (٨٨/٢٢). حديث (٢١٣).
(٥) الطبراني في «الأوسط)) (٥٠٥٩)، والبيهقي في ((الشعب)). حديث (٢٩٣٧).
(٦) (٢٦٩/٢) (١٢٩٢).
(٧) (١٩/٣) (٢٥٢١).
٢٨٨
أبواب الصلاة عن رسول الله وَّهه / بَابُ مَا جَاءَ فِي فَضْلٍ بُنْيَانِ المَسْجِدِ
قَالَ أَبُو عِيْسَى: حَدِيثُ عُثْمَانَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَمَحْمُودُ بْنُ لَبِيدٍ قَدْ أَدْرَكَ النَّبِيَّ وَّهَ وَمَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيع قَدْ رَأَى النَّبِيَّ وَّهِ وَهُمَا
غُلَامَانِ صَغِيرَانِ مَدَنِيَّانِ.
[٣١٩] (٣١٩) وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ وََّ أَنَّهُ قَالَ: ((مَنْ بَنَى الله مَسْجِداً صَغِيراً كَانَ
أَوْ كَبِيراً، بَنَى الله لَهُ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ)). [ضعيف، زياد ضعيف، وعبد الرحمن مجهول].
فأخرجه أبو الفرج في كتاب ((العلل))(١): ((مَنْ بَنَى اللهِ مَسْجِدًا بَنَى الله لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ، وَمَنْ
عَلَّقَ فِيهِ قِنْدِيلًا صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُطْفَأَ ذَلِكَ الْقِنْدِيلُ، وَمَنْ بَسَطَ فِيهِ حَصِيرًا،
صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكِ، حَتَّى يَنْقَطِعَ ذَلِكَ الْحَصِيرُ، وَمَنْ أَخْرَجَ مِنْهُ قَذَاةً كَانَ لَهُ كِفْلان
مِنَ الأَجْرِ))، وفيه كلام کثیر .
وأما حديث أبي أمامة، فأخرجه أبو نعيم، وأما حديث عبد الله بن أبي أوفى، فأخرجه
الحافظ عبد المؤمن بن خلف الدمياطي في جزء جمعه. وحديث أبي موسى كذلك.
وأما حديث عبد الله بن عمر، فأخرجه البزار، والطبراني في ((الأوسط)) من رواية
الحكم بن ظهير، وهو متروك عن ابن أبي ليلى، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره، وزاد فيه
الطبراني: ((وَلَوْ كَمَفَحَصٍ قَطَاقٍ))؛ كذا في ((عمدة القاري)).
قوله: (حديث عثمان حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان.
[٣١٩] قوله: (من بنى الله مسجدًا صغيرًا كان أو كبيرًا)، وفي رواية ابن أبي شيبة (٢) من
حديث عثمان: ((مَنْ بَنَى مَسْجِدًا وَلَوْ كَمَفْحَصٍ قَطَاقٍ)»، وهذه الزيادةُ أيضًا عند ابن حبان،
والبزار من حديث أبي ذر، وعند أَبي مسلم الكجي من حديث ابن عباس، وعند الطبراني في
((الأوسط)) من حديث أنس، وابن عمر، وعند أبي نعيم في ((الحلية)) من حديث أبي بكر
الصدیق .
حمل أكثرُ العلماءِ ذلك على المبالغة؛ لأن المكان الذي تفحص القطاة عنه لتضع فيه
بيضها، وترقد عليه، لا يكفي مقداره للصلاة فيه؛ كذا في ((الفتح)).
قلت: للعلماء في توجيه قوله: ((وَلَوْ كَمَفْخَصٍ قَطَاقٍ))، قولان:
(١) حديث (٦٠٢).
(٢) (٢٧٥/١) (٣١٥٨).
٢٨٩
أبواب الصلاة عن رسول الله ﴿ / بَابُ مَا جَاءَ فِي فَضْلِ بُنْيَانِ المَسْجِدِ
حَدَّثَنَا بِذَلِكَ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا نُوحُ بْنُ قَيْسٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلَى قَيْسٍ،
عَنْ زِيَادِ النُّمَيْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِّ لَهُ بِهَذَا .
الأول: أنه مَحْمُولٌ على المبالغة، وهو قولُ الأكثر، وقال آخرون: هو على ظاهره،
فالمعنى على هذا أن يزيد في مسجدٍ قدرًا يحتاج إليه، وتكون هذه الزيادةُ على هذا القدر، أو
يشترك جماعة في بناء مسجد فتقع حِصَّةُ كُلِّ واحد منهم ذلك القدر.
قيل: هذا كله بناء على أن المرادَ بالمسجد ما يتبادرُ إليه الذِّهْنُ، وهو المكانُ الذي يتخذ
للصلاة فيه، فإن كان المراد بالمسجد موضع السجود، وهو ما يسع الجبهة، فلا يحتاج إلى
شيء مما ذكر.
قلت: قوله : ((من بنى)) يقتضي وجود بناء على الحقيقة، فيحمل على المسجد
المعهود بين الناس، ويؤيد ذلك حديثُ أم حبيبة: ((مَنْ بَنَى اللهِ بَيْتًا))، وقد تقدم، وحديث عمر
﴿ُه أيضًا: ((مَنْ بَنَى اللهِ مَسْجِدًا يُذْكَرُ فِيهِ اسْمُ الله))، وقد تقدم أيضًا.
(حدثنا نوح بن قيس) بن رباح الأزدي، أبو روح البصري، أخو خالد، صدوق، رمي
بالتشيع .
(عن عبد الرحمن مولى قيس) مجهول؛ كذا في ((التقريب))، و((الخلاصة)).
(عن زياد النميري) بضم النون وفتح الميم، مصغرًا، وزياد هذا هو: زياد بن عبد الله
النميري البصري، قال الحافظ في ((التقريب)): ضعيف، وقال الذهبي في ((الميزان)): ضعفه
ابن معين. وقال أبو حاتم: لا يحتجُّ به، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وذكره في ((الضعفاء))
أيضًا، فقال: لا يجوز الاحتجاجُ به.
قال الذهبي: فهذا تناقض، له في بناء المساجد. انتهى. (عن أنس عن النبي 18 به
أي: بهذا الحديث المذكور، وهو حديث ضعيف؛ لأن في سنده راويًا مجهولًا، وراويًا
ضعيفًا .
ولكن الأحاديث التي فيها زيادة: ((وَلَوْ كَمَفْحَصٍ قَطَاقٍ)) تعضده.
قوله: (وهما غلامان صغيران) قال في ((التقريب))، في ترجمة محمود بن لبيد: صحابي
صغير، وجل روايته عن الصحابة، وكذلك قال في ترجمة محمود بن الربيع.
٢٩٠
أبواب الصلاة عن رسول الله ﴿ / بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةٍ أَنْ يَتَّخِذَ عَلَى الْقَبْرِ مَسْجِداً
٢٣٨ - بَابُ مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةٍ أَنْ يَتَّخِذَ عَلَى الْقَبْرِ مَسْجِداً [ت١٢٢، ١٢١٢]
[٣٢٠] (٣٢٠) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ
جُحَادَةَ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ زَائِرَاتِ الْقُبُورِ
وَالمتَّخِذِينَ عَلَيْهَا المسَاجِدَ وَالسُّرُجَ. [ضعيف، أَبُو صالح ضعيف يرسل: ن: ٢٠٤٢، د: ٣٢٣٦،
جه مختصراً: ١٥٧٥، حم: ٢٠٣١].
٢٣٨ - بَابُ مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةٍ أَنْ يَتَّخِذَ عَلَى الْقَبْرِ مَسْجِدًا
[٣٢٠] قوله: (أخبرنا عبد الوارث بن سعيد) بن ذكوان العنبري، مولاهم البصري، ثقة،
ثبت. (عن محمد بن جحادة) بضم الجيم وتخفيف المهملة، ثقة.
قوله: (لعن رسول الله ( ﴿ زائرات القبور). قال الترمذي في كتاب ((الجنائز)): قد رأى
بعضُ أهل العلم أن هَذَا كان قبل أن يُرَخِّصَ النبيُّ وَّه في زيارة القبور، فلما رَأَخَّصَ دَخَلَ في
رخصته الرجالُ والنساء، وقال بعضهم: إنما كره زيارة القبور في النساء، لقلة صَبْرِهِنَّ، وكثرة
جَزَعِهِنَّ. انتهى. ونذكر هناك ما هو الراجحُ في هذه المسألة.
(والمتخذين عليها المساجد) قال ابن الملك: إنما حرم اتخاذ المساجد عليها؛ لأن في
الصَّلاة فيها استناناً بسنة اليهود. انتهى. قال القاري في ((المرقاة)): وقيد ((عليها)) يفيد أن
اتخاذَ المساجدِ بجنبها لا بَأُسَ به، ويدل عليه قوله عليه السلام: ((لَعَنَ الله الْيَهُودَ والنَّصَارَى؛
اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِیهِمْ مَسَاجِدَ». انتهى.
قلت: إن كان اتخاذُّ المساجد بجنب القبور، لتعظيمها، أو لنية أخرى فاسدة، فليس
بجائز، كما ستقف عليه.
(والسرج) جمع سِرَاج، قال في ((مجمع البحار)): نهى عن الإسراج؛ لأنه تضييع مال بلا
تمع، أو احترازًا عن تعظيم القبور كاتخاذها مساجد.
تنبيه: قال في ((مجمع البحار)): وحديث: ((لَعَنَ اللهِ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؛ انَّخذُوا قُبُورَ
أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ)»، كانوا يجعلونها قبلةً يَسْجُدُون إليها في الصلاة كالوثن، وأما من اتخذ
مَسْجِدًا في جوار صالح، أو صلَّى في مقبرة؛ قاصدًا به الاستظهار بروحه، أو وصول أثر من
آثار عبادته إلَيه، لا التوجه نحوه والتعظيم له، فلا حرج فيه، ألا يرى أن مرقد إسماعيل في
الحجر في المسجد الحرام، والصلاة فيه أفضل. انتهى.
٢٩١
أبواب الصلاة عن رسول الله وَ﴿ / بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةٍ أَنْ يَتَّخِذَ عَلَى الْقَبْرِ مَسْجِداً
وقال الشيخ عبد الحق الدهلوي في ((اللمعات))، في شرح هذا الحديث: لما أعلمه
بقرب أجله، فخشي أن يفعل بَعْضُ أمته بقبره الشريف ما فعلته اليهود والنصارى بقبور
أنبيائهم، فنهى عن ذلك. قال التوربشتي: هو مخرجٌ على الوجهين:
أحدهما: كانوا يَسْجُدُونَ لقبور الأنبياء تعظيمًا لهم، وقصد العبادة في ذلك.
وثانيهما: أنهم كانوا يتحرون الصَّلاةَ في مدافن الأنبياء، والتوجه إلى قبورهم في حالة
الصلاة والعبادة لله، نظرًا منهم أن ذلك الصَّنيع أعظمُ موقعًا عند الله؛ لاشتماله على الأمرين:
العبادة، والمبالغة في تَعْظِيم الأنبياءِ، وكلا الطريقين غير مرضية، وأما الأول: فَشِرْكٌ جَلِيٌّ،
وأما الثانية: فلما فيها منَ معنى الإشراك بالله عزَّ وجلَّ وإن كان خَفِيًّا. والدليلُ على ذَمِّ
الوجهين قوله ◌َّيه: ((اللهم لا تَجْعَلْ قَبري وَثَنّا، اشْتَدَّ غَضَبُ الله عَلَى قَوْمِ اتَّخَذُوا قُبُورَ
أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ».
والوجهُ الأولُ أظهر وأشبه؛ كذا قال التوربشتي. وفي شرح الشيخ: فعلم منه أنه يحرم
الصلاة إلى قبر نَبيٍّ أو صالح؛ تبركًا وإعظامًا، قال: وبذلك صرح النووي، وقال التوريشتي:
وأما إذا وجد بقربها موضعٌ بني للصلاة، أو مكان يَسْلَمُ فيه المصلي عن التوجه إلى القبور،
فإنه في نُدْحَةٍ من الأمر، وكذلك إذا صَلَّى في موضعٍ قد اشتهر بأن فيه مدفن نبيّ لم ير للقبر
فيه عَلَمًا ولم يكن قصده ما ذكرناه من العمل المتلبس بالشرك الخفيِّ.
وفي شرح الشيخ مثله؛ حيث قال: وخرج بذلك اتخاذ مسجد بجوار نبي أو صالح،
والصلاة عند قبره، لا لتعظيمه والتوجه نحوه؛ بل لحصول مدد منه حتى يكملَ عبادته ببركة
مجاورته لتلك الروح الطاهرة، فلا حرج في ذلك، لما ورد أن قبر إسماعيل عليه السلام في
الحجر تحت الميزاب، وأن في الحطيم - بين الحجر الأسود وزمزم - قبر سبعين نبيًّا، ولم يُنه
أحد عن الصلاة فيه. انتهى. وكلام الشارحين مطابقٌ في ذلك. انتهى ما في ((اللمعات)).
قلت: ذكر صاحبُ ((الدين الخالص)) عبارة ((اللمعات)) هذه كلها، ثم قال ردًّا عليها ما
لفظه: ما أرد هذا التحرير والاستدلال عليه بذلك التقرير؛ لأن كون قبر إسماعيل عليه
السلام، وغيره من الأنبياء، سواء كانوا سبعين، أو أقل أو أكثر، ليس من فعل هذه الأمة
المحمدية، ولا هو وهم دفنوا لهذا الغرض هناك، ولا نبه على ذلك رَسُولُ اللهِ وَلِتٍ، ولا
علامات لقبورهم منذ عهد النبي ﴿، ولا تحرى نبينا عليه الصلاة والسلام قبرًا من تلك
القبور على قَصْدِ المجاورة بهذه الأرواح المباركة، ولا أمر به أحدًا، ولا تلبس بذلك أحدٌ
قَالَ: وَفِي الْبَابِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَائِشَةَ.
قَالَ أَبُو عِيْسَى: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَأَبُو صَالِحِ هَذَا: هُوَ مَوْلَى أُمِّ هَانِىءٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ، وَاسْمُهُ: بَاذَانُ، وَيُقَالُ:
بَاذَامُ أَيْضاً .
من سَلَفِ هذه الأمة وأَئمتها، بل الذي أرشدنا إليه، وَحثَّنَا عليه أَلَّا نتخذ قبور الأنبياء
مَسَاجِدَ؛ كما اتخذت اليهودُ والنَّصارى، وقد لعنهم على هذا الاتخاذ.
فالحديث برهان قاطع لمواد النزاع، وحجة نَيِّرَةٌ على كون هذه الأفعال جالبة للَّعْنِ،
واللعنُ أمارة الكبيرة المحرمة أشد التحريم. فمن اتخذ مسجدًا بجوار نبي أو صالح، رجاء
بركته في العبادة، ومجاورة روح ذلك الميت، فقد شمله الحديثُ شمولًا واضحًا كشمس
النهار، ومن توجَّه إليه، واستمد منه. فلا شك أنه أَشْرَكَ باللهِ، وخالف أمر رسول اللهلنَّ في
هذا الحديث، وما ورد في معناه. ولم يشرع الزيارة في مِلَّةِ الإسلام إلا للعبرة، والزهد في
الدنيا، والدعاء بالمغفرة للموتى. وأما هذه الأغراضُ التي ذكرها بعضُ من يعزى إلى الفقه،
والرأي، والقياس، فإنها ليست عليها أَثَارَةٌ من علم، ولم يقل بها - فيما علمت - أَحَدٌ من
السلف، بل السلف أكثر الناس إنكارًا على مثل هذه البدع، الشِّرْكِيَّةِ. انتهى.
قوله: (وفي الباب عن أبي هريرة، وعائشة) أما حديث أبي هريرة: فأخرجه الشيخان (١)
عنه، أن رسول الله وَّه قال: ((قَاتَلَ الله الَْهُودَ والنَّصَارَى؛ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ)).
وفي رواية لمسلم(٢) (لَعَنَ اللهِ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ)).
وأما حديث عائشة: فأخرجه الشيخان(٣) أيضًا بلفظ: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَ ◌ّ قَالَ فِي مَرَضِهِ
الَّذِي لَمْ يَقُمْ مِنْهُ: ((لَعَنَ اللهِ الْيَّهُودَ والنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ)). وفي الباب أيضًا
عن جندب قال: سمعتُ النبيِوَّهُ يقول: ((أَلا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ
وَصَالِحِيهِم مَسَاجِدَ، أَلا فَلا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ؛ إنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ))؛ أخرجه مسلم(٤) .
قوله: (حديث ابن عباس حديث حسن) . وأخرجه أبو داود، والنسائي.
(٢)
(١) البخاري، كتاب الصلاة. حديث (٤٣٧)، ومسلم (٥٣٠).
مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة. حديث (٥٣٠).
(٣) البخاري، كتاب الصلاة. حديث (٤٣٥)، ومسلم (٥٢٨).
(٤) مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة . حديث (٥٣٢).
٢٩٣
أبواب الصلاة عن رسول الله وله / بَابُ مَا جَاءَ فِي النَّوْمِ فِي المَسْجِدِ
٢٣٩ - بَابُ مَا جَاءَ في النَّوْمِ في المَسْجِدِ [ت١٢٣، ١٢٢٢]
[٣٢١] (٣٢١) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرُ، عَنِ
الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِم، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: كُنَّا نَنَامُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهَِ ◌ِّ فِي
المَسْجِدِ وَنَحْنُ شَبَابٌ. [ن: ٧٢١، جه: ٧٥١، حم: ٤٥٩٣].
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ ابْن عُمَرَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَقَدْ رَشَّصَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي النَّوْمِ فِي المَسْجِدِ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا يَتَّخِذُهُ مَبِيْتاً وَلَا مَقِيلًا.
وَقَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ذَهَبُوا إِلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
٢٣٩ - بَابُ مَا جَاءَ في النَّوْمِ في المَسْجِدِ
[٣٢١] قوله: (ونحن شباب) على وزن سَحَاب جمع شَابٌ؛ ولا يجمع فاعل على فعال غيره.
قوله: (حديث ابن عمر حديث صحيح) وأخرجه البخاري مختصرًا ومطولً(١)، وأخرجه
ابن ماجه مختصرًا .
قوله: (وقد رخص قوم من أهل العلم ... إلخ). قال الحافظ في ((الفتح)): ذهب
الجمهورُ إلى جواز النوم في المسجد، وروي عن ابن عباس كراهيته إلا لمن يريدُ الصَّلاةَ،
وعن ابن مسعود مطلقًا، وعن مالك التفصيل بين من له مَسْكَنٌّ فيكره، وبين من لا مَسْكَنَ له
فيُنَاحُ. انتھی.
وقال العيني في ((عمدة القاري)): وقد اختلف العلماءُ في ذلك، فمن رَأَخَّصَ في النومِ فيه
ابْنُ عُمَرَ، وقال: كنا نَبِيتُ فيه وَنَقِيلُ على عهدٍ رسول الله ◌َّهِ .
وعن سعيد بن المسيب، والحُسن البصري، وعطاء، ومحمد بن سيرين مثله، وهو أحدُ
قولي الشافعي. واختلف عن ابن عباس، فروي عنه أنه قال: لا تتخذ المسجد مَرْقَدًا. وروي
عنه أنه قال: إن كنت تنام فيه الصلاة فلا بأس. وقال مالك: لا أحبُّ لمن له منزل أن يَبِيتَ
في المسجدِ، ويقيلَ فيه؛ وبه قال أحمد، وإسحاق. وقال مالك: وقد كان أصحاب النبي ◌َّ ه
يَبِيتُونَ في المسجد. وكره النومَ فيه ابنُ مسعود، وطاوس، ومجاهد، وهو قولُ الأوزاعي.
(١) البخاري، كتاب التعبير. حديث (٧٠٣١)، وابن ماجه (٧٥١).
٢٩٤
أبواب الصلاة عن رسول الله ◌ِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَة الْبَيْعِ والشِّرَاءِ
٢٤٠ - بَابُ مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ
وَإِنْشَادِ الضَّالَّةِ وَالشِّعْرِ في المَسْجِدِ [ت١٢٤، م١٢٣]
[٣٢٢] (٣٢٢) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ
شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ رَسُولِ الله ◌ِةٍ: أَنَّهُ نَهَى عَنْ تَنَاشُدِ الأَشْعَارِ فِي
المَسْجِدِ،
وقد سئِل سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، وسليمان بن يسار عن النوم فيه؛ فقالا: كيف تسألون عنها!
وقد كان أهل الصُّفَّةَ يَنامُونَ فيه وَهم قومٌ كان مسكنهُم المسجد. وذكر الطبري عن الحسن
قال: رأيت عثمان بن عفان نائمًا فيه، وليس حَوْلَهُ أحد، وهو أمير المؤمنين. قال: وقد نام
في المسجد جَمَاعَةٌ من السَّلَفِ بغير محذور للانتفاع به فيما يحل؛ كالأكل، والشرب،
والجلوس، وشبه النوم من الأعمال. والله أعلم.
٢٤٠ - بَابُ مَا جَاءَ في كَرَاهِيَة الْبَيْعِ والشِّرَاءِ، وإِنْشَادِ الضَّالَّةِ وَالشِّعْرِ في المَسْجِدِ
قال الجزري في ((النهاية)): الضَّالَّةُ هي: الضَّائعةُ من كُلِّ ما يقتنى من الحيوان، وغيره،
ضَلَّ الشيءُ إذا ضَاعَ، وضَلَّ عن الطريق إذا حَارَ، وهي في الأصل فاعلة، ثم اتسع فيها،
فصارت من الصفات الغالبة، وتقع على الذكر والأنثى، والاثنين والجمع، وتجمع على
الضَّوال. انتهى. وقال: يقال: نشدت الضالة، فأنا نَاشِدٌ إذا طلبتها، وأنشدتها فأنا منشد إذا
عرفتها. انتهى. وفي ((القاموس)): أنشد الضَّالة: عَرَّفَها، واسْتَرْشَد عنها، ضِدٌّ. انتهى. وفي
((الصراح)): تعریف کردن كم شده(١) وشعر خواندن(٢).
[٣٢٢] قوله: (عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده) يأتي تراجم هؤلاء في هذا
الباب.
قوله: (أنه نهى عن تناشِد الأشعار في المسجد) قال في ((القاموس)): أنشد الشعر: قرأه،
وبهم هجاهم، وتناشدوا: أَنْشَدَ بعضُهم بعضًا، والنِّشدةُ - بالكسر -: الصوت، والنشيدُ رَفْعُ
الصَّوت، والشعر المتناشد كالأنشودة. انتهى. وقال في ((المجمع)): هو أن ينشد كُلُّ واحد
صاحبه نشيدًا لنفسه أو لغيره، افتخارًا، أو مباهاة، وعلى وجه التفكّه بما يستطاب منه.
(١) كلمة فارسية: بمعنى الضالة المفقودة.
(٢) كلمة فارسية: بمعنى إنشاد الشعر.
٢٩٥
أبواب الصلاة عن رسول الله وَّ / بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ الْبَيْعِ والشّرَاءِ
[ن: ٧١٣ و ٧١٤،
وَعَنِ الْبَيعِ وَالاشْتِرَاءِ فِيهِ، وَأَنْ يَتَحَلقَ النَّاسُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ.
د: ١٠٧٩، جه مختصراً: ٧٤٩ ].
قَالَ: وَفِي الْبَابِ: عَنْ بُرَيْدَةَ، وَجَابِرٍ، وَأَنَسٍ.
وأما ما كان في مدح حق وأهله، وذم باطل، أو تمهيد قواعد دينية، أو إرغامًا
للمخالفين، فهو حقُّ خارج عن الذم وإن خالطه تشبيب. انتهى.
(وعن البيع والشِّراء فيه) أي: في المسجد، بفتح الشين والمد. قال الشوكاني في ((النيل)):
ذهبَ جمهورُ العلماءِ إلى أن النهيَ محمولٌ على الكراهة. قال العراقي: وقد أجمعَ العلماءُ على
أن ما عقد من البيع في المسجد لا يجوز نَقْضُهُ. وهكذا قال الماوردي، وأنت خبيرٌ بأن حمل
النهي على الكراهةِ يحتاجُ إلى قرينةٍ صارفة عن المعنى الحقيقي، الذي هو التحريمُ عند القائلين
بأن النهيَ حقيقة في التحريم وهو الحقُّ، وإجماعهم على عَدَم جواز النقض، وصحة العقد، لا
منافاة بينه وبين التحريم؛ فلا يصح جعله قرينةً لحمل النَّهي على الكراهة، وذهب بعضُ
أصحاب الشافعي إلى أنه لا يكره البيعُ والشراءُ في المسجد، والأحاديث ترد عليه. انتهى.
(وأن يتحلق الناس فيه يوم الجمعة قبل الصلاة) أي: أن يجلسوا متحلِّقين حلقةً واحدة،
أو أكثر، وإن كان لمذاكرة علم؛ وذلك لأنه ربما قطع الصفوف، مع كونهم مأمورين بالتبكير
يوم الجمعة، والتراصّ في الصفوف، الأول فالأول؛ ولأنه يخالف هيئة اجتماع المصلِّين؛
ولأن الاجتماع للجمعة خطب عظيم، لا يسع من حَضَرَهَا أن يهتمَّ بما سواها حتى يَفْرُغَ
منها، والتحلّق قبل الصلاة يوهم غفلتهم عن الأمر الذي نُدِبُوا إليه؛ ولأن الوقتَ وقتُ
الاشتغالِ بالإِنْصَاتِ للخطبةِ. والتقييد بقبل الصَّلاةِ يدلُّ على جوازه بعدها للعلمِ والذِّكر.
والتقييدُ بيوم الجمعة يَدُلُّ على جَوَازِهِ في غيره. والحديث رواه أبو داود ، وزاد: ((وأنْ
تُنْشَدَ فِيهِ ضَالَّةٌ)).
(٢)
قوله: (وفي الباب عن بريدة، وجابر، وأنس) أما حديث بريدة، فأخرجه مسلم ،
والنسائي ، وابن ماجه. وأما حديثُ جابر، فأخرجه النَّسائي. وأما حديث أنس، فأخرجه
(٣)
الطبراني ، قال العراقي: ورجالهُ ثِقَاتٌ.
(١) أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (١٠٧٩).
(٢) مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة. حديث (٥٦٩)، والنسائي في ((الكبرى)) (١٠٠٠٢)، وابن ماجه (٧٦٥).
(٣) النسائي، كتاب المساجد. حديث (٧١٧).
(٤) الطبراني في «الكبير)) (١٦٧٧)، وقال الهيثمي في ((المجمع)) (٢٧/٢) ورجاله ثقات.
٢٩٦
أبواب الصلاة عن رسول الله وَ﴿ / بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَة الْبَيْعِ والشّرَاءِ
قَالَ أَبُو عِيْسَى: حَدِيثُ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاص حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَعَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ هُوَ: ابْنُ مُحَمَّد بْنِ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ: رَأَيْتُ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ، وَذَكَرَ غَيْرَهُمَا، يَحْتَجُونَ
بِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ.
قوله: (حديث عبد الله بن عمرو بن العاص حديث حسن) وأخرجه أبو داود، والنسائي،
وابن ماجه، والحديث صَخَّحَهُ ابنُ خزيمة، وقال الحافظ في ((الفَتْح)) ص٢٧٣: وإسنادُه
صحيح إلى عمرو بن شعيب، فمن يصحِّح نسخته يُصَحِّحُهُ، قال: وفي المعنى عدةُ أحاديث،
لكن في أسانيدها مَقَالٌ. انتهى. وقال الحافظ في موضع آخر من ((الفتح)) ص٥١: ترجمة
عمرو بن شعيب قوية على المختار، لكن حيث لا تعارض. انتهى.
قوله: (عمرو بن شعيب هو: ابن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص) مرجح (١) هو
شعيب؛ فمحمد بن عبد الله هو والد شعيب وجد عمرو، وعبد الله بن عمرو جد شعيب والد
جد عمرو. (قال محمد بن إسماعيل) هو: الإمام البخاري. (رأيت أحمد، وإسحاق، وذكر
غيرهما: يحتجون بحديث عمرو بن شعيب) في ((شرح ألفية العراقي)) للمصنف، قد اختلف
في الاحتجاج برواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وأصح الأقوال أنها حجةٌ مطلقًا، إذا
صَحَّ السندُ إليه.
قال ابن الصلاح: وهو قولُ أكثر أهل الحديث؛ حملًا للجدِّ عند الإطلاق على الصحابي
عبد الله بن عمرو دون ابنه محمد والد شعيب؛ لما ظهر لهم من إطلاقه ذلك، فقد قال
البخاري: رأيت أحمد ابن حنبل، وعلي بن المديني، وإسحاق بن راهويه، وأبا عبيد،
وأبا خيثمة، وعامة أصحابنا: يحتجون بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، ما تركه
أحد منهم، وثبتوه، فمن الناس بعدهم؟! وقول ابن حبان: هي منقطعة؛ لأن شعيبًا لم يلق
عبد الله، مردود؛ فقد صحَّ سماعُ شعیب من جده عبد الله بن عمرو؛ کما صرح به البخاري
في ((التاريخ))، وأحمد، وكما رواه الدارقطني، والبيهقي في ((السنن)) بإسناد صحيح، وذكر
بعضُهم أن محمدًا مات في حياة أبيه، وأن أباه كَفلَ شعيبًا وربَّاه، وقيل: لا يحتجُّ به مطلقًا.
انتهى كلامه بتلخيص.
(١) في نسخة: مرجع.
٢٩٧
أبواب الصلاة عن رسول الله وَ﴿ / بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَة الْبَيْعِ والشِّرَاءِ
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَقَدْ سَمِعَ شُعَيْبُ بْنُ مُحَمَّدٍ مِنْ جَدِّه عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو.
قَالَ أَبُو عِيْسَى: وَمَنْ تَكَلَّمَ فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ إِنَّمَا ضَعَّفَهُ؛ لأنَّهُ يُحَدِّثُ
عَنْ صَحِيفَةِ جَدِّهِ، كَأَنَّهُمْ رَأَوْا أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعِ هَذِهِ الأَحَادِيثَ مِنْ جَدِّهِ.
قَالَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الله: وَذُكِرَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ
شُعَيْبٍ عِنْدَنَا وَاهٍ.
قال (محمد) يعني: البخاري. (وقد سمع شعيب بن محمد من عبد الله بن عمرو)
وكذلك قد صرح غيرُ واحد بسماعه منه. قال أبو بكر بن زياد: صَحَّ سماعُ عمرو من أبيه،
وصحَّ سماعُ شعيب من جده عبد الله بن عمرو؛ كذا في ((الخلاصة)). وقال الجوزجاني: قلت
لأحمد: سمع عمرو من أبيه شيئًا؟ قال: يقول: حدثني أبي. قلت: فأبوه سمع من عبد الله بن
عمرو؟ قال: نعم أراه قد سمع منه؛ كذا في ((هامش الخلاصة))، نقلا عن ((التهذيب)). وقال
الحافظ في ((التقريب)): ثبت سَمَاعُهُ من جده. انتهى.
قلت: ويدلُّ على سماعه منه ما رواه الدارقطني، والحاكم، والبيهقي عنه في إفساد
الحجج، فقالوا: عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، أن رجلا أتى عبد الله بن عمرو يسأله عن
المحرم وقع بامرأته، فأشار إلى عبد الله بن عمر، فقال: اذهب إلى ذلك فاسأله، قال
شعيب: فلم يعرفه الرجلُ، فذهبت معه، فسأل ابن عمر، وإسناده صحيح؛ كما عرفت في
كلام العراقي.
(ومن تكلم في حديث عمرو بن شعيب إنما ضعفه؛ لأنه يحدث عن صحيفة جده، كأنهم
رأوا أنه لم يسمع هذه الأحاديث من جده) قد أطال الحافظ الذهبي الكلام في ترجمة عمرو بن
شعيب، وقال في آخره: قد أجبنا عن روايته عن أبيه عن جده، بأنها ليست بمرسلة، ولا
منقطعة، أمَّا كونها وجَادَةً، أو بعضها سماع، وبعضها وِجَادَةً، فهذا محلُّ نظر، ولسنا نقول:
إن حديثه من أعلى أقسام الصحيح، بل هو من قَبيل الْحَسَنِ. انتهى كلامه. (قال علي بن
عبد الله: وذكر عن يحيى بن سعيد، أنه قال: حديث عمرو بن شعيب عندنا واهٍ) أي:
ضعيف، وعلي بن عبد الله هو ابن المديني، ويحيى بن سعيد هو القطّان، وقد عرفت أن عند
أكثر أهل الحديث حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده حجة مطلقًا، إذا صَحَّ السندُ
إليه، وهو أصحُّ الأقوال. والله تعالى أعلم.
٢٩٨
أبواب الصلاة عن رسول الله صَلِهٍ / بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَة الْبَيْعِ والشِّرَاءِ
وَقَدْ كَرِهَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ فِي المَسْجِدِ. وَبِهِ يَقُولُ أَحْمَدُ،
وَإِسْحَاقُ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْضٍ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ الثَّابِعِينَ رُخْصَةٌ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فِي
المسجدِ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ◌َلِ فِي غَيْرِ حَدِيثٍ رُخْصَةٌ فِي إِنْشَادِ الشِّعْرِ فِي المَسْجِدِ .
قوله: (وقد كره قوم من أهل العلم البيع والشراء في المسجد، وبه يقول أحمد،
وإسحاق) وهو قول الجمهور، وهو الحق. (وقد روي عن بعض أهل العلم من التابعينٍ
رخصة في البيع والشراء في المسجد). لم يقم على قول هذا البعض دليل صحيح، بل تردُّه
أحاديث الباب (وقد روي عن النبي ◌ّهم في غير حديث رخصة في إنشاد الشعر في المسجد)
كحديث جابر بن سمرة قال: ((شهدتُ النّبيَّ ◌َِّ أكثرَ من مِائَةٍ مُّرَّةٍ في المَسْجِدِ، وَأَصْحَابَهُ
يَتَذَاكَرُونَ الشِّعْرَ، وَأَشْيَاءَ من أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَرُبَّمَا تَبَسَّمَ مَعَهُمْ)). رواه أحمد(١)، ورواه
الترمذي(٢) في ((كتاب الأدب)) من ((جامعه)) ص٤٦٣ بلفظ: ((جالستُ النبي ◌َّةِ أكثر من مائة
مرة، فكان أصحابُه يَتَنَاشَدُونَ الشِّعْرَ، وَيَذْكُرُونَ أَشْيَاءَ من أَمْرِ الجَاهِلِيَّةِ، فَرُبَّمَا يَتَبَسَّمُ مَعَهُمْ)).
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وكحديث سعيد بن المسيب قال: يبدو أنها: كان
عمر في المسجد، وحسان فيه ينشد، فلحظ إليه، فقال: كنت أنشدُ فيه، وفيه مَنْ هُوَ خَيْرٌ
مِنْكَ، ثم التفت إلى أبي هريرة، فقال: أنشدكَ الله، أسمعت رسول الله عَ ليهِ يقول: ((أَجبْ
عَنِّي، اللهم أَيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدُسُ))؟ قال: نَعَمْ. أخرجه الشيخان(٣).
وقد جُمع بین الأحاديث بوجهین:
الأول: حمل النهي على التنزيه، والرخصة على بيان الجواز.
والثاني: حملُ أحاديث الرخصة على الشِّعْرِ الحسن المأذون فيه؛ كهجاء حسان
للمشركين، ومدحه ◌َ ليه وغير ذلك، ويحمل النهي على التفاخر، والهجاء، ونحو ذلك. ذكر
هذين الوجهين العراقي في ((شرح الترمذي)).
(١) أحمد. حديث (٢٠٣٤٢).
(٢) الترمذي، كتاب الأدب عن رسول الله. حديث (٢٨٥٠).
(٣) البخاري، كتاب بدء الخلق. حديث (٣٢١٢)، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة. حديث (٢٤٨٥).
٢٩٩
أبواب الصلاة عن رسول الله وَّةٍ / بَابُ مَا جَاءَ فِي المَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى
٢٤١ - بَابُ مَا جَاءَ في المَسْجِدِ الَّذِي أَسَّسَ عَلَى التَّقْوَى [ت١٢٥، ١٢٤٢]
[٣٢٣] (٣٢٣) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَنَّيْسٍِ بْنِ أَبِي يَحَْى،
عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: امْتَرَى رَجُلٌ مِنْ بَنِي خُدْرَةَ، وَرَجُلٌ مِنْ بَنِي
عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ فِي المَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى، فَقَالَ الْخُدْرِيُّ: هُوَ مَسْجِدُ
رَسُولِ اللهِ لَّهُ، وَقَالَ الآخَرُ: هُوَ مَسْجِدٍ قُبَاءٍ، فَأَتَيَا رَسُولَ اللهِ وَّهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ:
هُوَ
وقال الحافظ في ((الفتح)): والجمعُ بين الأحاديث أن يحملَ النهيُ على تَنَاشُدِ الأشعارِ
الجاهليةِ والمبطلين، والمأذون فيه ما سَلِمَ من ذلك، وقيل: المنهيُّ عنه ما إذا كان التناشدُ
غالبًا على المسجدِ، حتى يتشاغل به مَنْ فيه. انتهى. وقال ابن العربي: لا بأس بإنشاد الشِّعْرِ
في المسجد، إذا كان في مَدْحِ الدِّين، وإقامة الشَّرْعِ، وإن كان فيه الخمرُ ممدوحةً بصفاتها
الخبيثة من طيب رائحة، وحسن لون، وغير ذلك مما يذكره من يعرفها، وقد مَدَحَ فیه کعبُ بن
زهير رَسُولَ الله ◌َّ فقال [من البسيط].
بَانَتْ سُعَادُ فَقَلْبِي اليَوْمَ مَتْبُولُ
إلى قوله في صفة ريقها :
كَأَنَّهُ مَنْهَلٌ بِالرَّاحِ مَعْلُولُ
قال العراقي: وهذه القصيدة قد رويناها من طرق لا يصح منها شيء، وذكرها ابن
إسحاق بسند منقطع، وعلى تقدير ثبوت هذه القصيدة عن كعب، وإنشاده بين يَدَي النبيِّ مَّةِ،
فليس فيها مدح الخمر، وإنما فيه مدح ريقها وتشبيهه بالراح. انتهى.
٢٤١ - بَابُ مَا جَاءَ في الْمَسْجِدِ الَّذِي أَسِّسَ عَلَى التَّقْوَى
[٣٢٣] قوله: (عن أنيس بن أبي يحيى) بضم الهمزة مصغرًا، الأسلمي، واسم
أبي یحیی: سمعان، ثقة. (عن أبيه) سمعان المدني، لا بأس به.
قوله: (امترى رجل) وفي رواية النسائي: ((تَمَارَى))، قال في ((مجمع البحار)): الامتراءُ
والمماراةُ الْمُجَادَلَةُ، والمعنى: أنهما تَنَازَعًا واختلفا. (فقال: هو) أي: المسجد الذي أُسِّسَ
على التقوى، المذكور في قوله تعالى: ﴿لَّمَسِْدُ أُمِّسَ عَلَى التَّقْوَ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ
٣٠٠
أبواب الصلاة عن رسول الله ﴿ بَابُ مَا جَاءَ فِي المَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى
هَذَا - يَعْنِي مَسْجِدَهُ - وَفِي ذَلِكَ خَيْرٌ كَثِيرٌ. [م: ١٣٩٨، ن: ٦٩٦، حم: ١٠٧٩٤].
فِيهِ﴾ [التوبة: ١٠٨]. (هذا) أي: هذا المسجد، وفي رواية لأحمد (١) ((هُوَ مَسْجِدِي)). (يعني:
مسجده) هذا قول الراوي يفسر قوله ◌َ# هذا. ((وفي ذلك)): أي: مسجد قباء. (خير كثير)،
زاد في رواية لأحمد: ((يعني مَسْجِدَ قبَاء))، وهذا قول الراوي يفسِّر قوله {َ ◌ّ# ذلك، أي: يريد
وَّ بقوله: ((ذَلِكَ مَسْجِدُ قبَاء)».
والحديثُ دليلٌ على أن المسجدَ الذي أُسِّسَ على التقوى هو المسجدُ النبوي. قال
الحافظ في ((الفتح)): قد اختلف في المراد بقوله تعالى: ﴿لَّمَسْجِدُ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ
يَوْمٍ﴾، فالجمهورُ على أن المراد به مسجد قباء، وهو ظاهرُ الآية. وروى مسلمٌ(٢) من طريق
عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبيه: سألت رسول الله وَّ﴿ عن المَسْجِدِ الذي أُسِّسَ على
التقوى؟ فقال: ((هُوَ مَسْجِدُكُمْ هَذَا)). ولأحمد، والترمذي(٣) من وجه آخر عن أبي سعيد:
اختلف رَجُلانِ في المسجد، الذي أُسِّسَ على التقوى، فقال أحدهما: هو مسجدُ النبي ◌َّل،
وقال الآخر: هو مَسْجِدُ قباء، فَأَتَيا رسولَ اللهِ وَّر فسألاه عن ذلك؟ فقال: ((هُوَ هَذَا، وفِي
ذَلِكَ - يَعْنِي: مَسْجِدَ قباء - خَيْرٌ كَثِيرٌ)). ولأحمد عن سهل بن سعد نحوه. وأخرجه من وجه
آخر عن سهل بن سعد عن أبي بن كعب مرفوعًا. قال القرطبي: هذا السؤالُ صدر ممن
ظهرت له المساواةُ بين المسجديْن في اشتراكهما في أن كُلَّا منهما بناه النبي ◌َّه؛ فلذلك سُئِلَ
النبي ◌َّ* فأجابَ بأن المرادَ مسجدُه. وكأن المزية التي اقتضت تعيينه دون مسجد قباء. لم
يكن بناؤه بأمرٍ جَزْم من الله لنبيه - أو كان رأيًا رآه بخلاف مسجده، أو كان حصل له، أو
لأصحابه فيه من الأحوال القلبية ما لم يَحْصُلْ لغيره. انتهى.
قال الحافظ: يحتملُ أن تكونَ المزيةُ؛ لما اتفق من طول إقامته وَّهِ بمسجد المدينة،
بخلاف مسجد قباء، فما أقام به إلا أيّامًا قلائل، وكفى بهذا مزية، من غير حاجة إلى ما
تكلَّفه القرطبيُّ. والحق أن كُلَّ منهما أُسِّس على التقوى. وقوله تعالى في بقية الآية: ﴿فِيهِ
رِجَالٌ يُحِبُونَ أَن يَظَهَرُواْ﴾ [التوبة: ١٠٨] - يؤيد كون المراد مسجد قباء. وعند أبي داود (٤
ج
بإسنادٍ صحيحٍ عن أبي هريرة عن النبيِ نَ ◌ّه قال: نزلت: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَنَظَهَّرُواْ﴾ في
(١) أحمد. حديث (١٠٦٦٢).
(٢) مسلم، كتاب الحج. حديث (١٣٩٨).
(٣) أحمد. حديث (١٠٧٩٤)، والترمذي كتاب الصلاة. حديث (٣٢٣).
(٤) أبو داود، كتاب الطهارة. حديث (٤٤).