Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
أبواب الصلاة عن رسول الله وَّهُ / بَابُ مَا جَاءَ فِي وَضْعِ الْيَمِينِ عَلَى الشِّمَالِ فِي الصَّلَاةِ
الاختلاف بين الأئمة رحمهم الله تعالى، وها أنا أذكر متمسكاتهم في ثلاثة فصول مع بيان
ما لها، وما عليها .
الفصل الأول: في بيان من ذهب إلى وضع اليدين تحت السرة. وقد تمسك هؤلاء على
مذهبهم هذا بأحاديث:
الأول: حدیث وائل بن حُجْرٍ قُ روى ابن أبي شيبة(١) في ((مصنفه))، قال: حدثنا وكيع،
عن موسى بن عمير، عن علقمة بن وائل بن حجر، عن أبيه قال: ((رَأَيْتُ النَّبِيَّ ◌َّهِ يَضَعُ يَمِينَهُ
عَلَى شِمَالِهِ تَحْتَ السُّرَّةِ). قال الحافظ القاسم بن قطلوبغا في تخريج أحاديث («الاختيار شرح
المختار)): هذا سند جيد. وقال الشيخ أبو الطيب المدني في ((شرح الترمذي)): هذا حديث
قوي من حيث السند. وقال الشيخ عابد السندي في ((طوالع الأنوار)): رجاله ثقات.
قلت: إسناد هذا الحديث وإن كان جيدًا، لكن في ثبوت لفظ: ((تَحْتَ السُّرَّةِ) في هذا
الحديث نظرًا قويًّا. قال الشيخ محمد حياة السندي في رسالته ((فتح الغفور)): في زيادة تحت
السّرة نظرٌ، بل هي غلط منشؤهُ السهوُ؛ فإني راجعت نسخةً صحيحةً من ((المصنف))؛ فرأيت
فيها هذا الحديث بهذا السند، وبهذه الألفاظ، إلا أنه ليس فيها: ((تحت السرة))، وذكر فيها
بعد هذا الحديث أثر النخعي، ولفظه قريب من لفظ هذا الحديث، وفي آخره: ((فِي الصَّلاةِ
تَحْتَ السُّرَّة)»: فلعل بصر الكاتِب زاغَ من محل إلى محل آخر، فأدرج لفظ الموقوف في
المرفوع. انتهى كلام الشيخ محمد حياة السندي.
وقال صاحب الرسالة المسماة بـ((الدرة في إظهار غش نقد الصرة)): وأما ما استدلَّ به من
حدیث وائل الذي رواه ابن أبي شيبة؛ فهذا حديث فيه كلام كثير، قال: وروى هذا الحديث
ابن أبي شيبة، وروى بعده أثر النخعي، ولفظهما قريب. وفي آخر الأثر لفظ: ((تَحْتَ
السُّرَّةِ))، واختلف نسخه، ففي بعضها ذكر الحديث من غير تعيين محلِّ الوضع في وُجُودِ الأثرِ
المذكور، وفي البعض وقع الحديثُ المرفوعُ بزيادة لفظ: ((تحت السرة)) بدون أثر النخعي،
فيحمل أن هذه الزيادة منشؤها ترك الكاتب سهوًا نحو سطر في الوسط وإدراج لفظ الأثر في
المرفوع؛ كما يحتمل سقوط لفظ: ((تَحْتَ السُّرَّةِ) في النسخة المتقدمة، لكن اختلاف
النسختين على هذا الوجه يؤذن بإدخال الأثر في المرفوع. انتهى كلام صاحب ((الدرة)).
(١) ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣٩٣٨).

١٠٢
أبواب الصلاة عن رسول الله وَّةٍ / بَابُ مَا جَاءَ فِي وضْع الْيَمِينِ عَلَى الشِّمَالِ فِي الصَّلَاةِ
وقال الشيخ محمد فاخر المحدِّث الإله آبادي في منظومته المسماة بـ«نور السنة)):
ابن قطلوبغا ست قاسم نام
وآنكه ازجمع حلقة أعلام
نكند هيج باور آنرا عقل
از كتاب مصنف آرد نقل
(١)
دركتا بيكه من دران ديدم
غير مقصود أو عيان ديدم
حاصله: أن ما نقله القاسمُ ابن قطلوبغا عن المصنف - لا اعتماد عليه، ولا عبرة به،
فإن الكتاب الذي رأيته أنا - وجدت فيه خلاف مقصوده.
قلت: ما قاله هؤلاء الأعلام يؤيدهُ أن هذا الحديث رواه أحمد في ((مسنده)) بعين سند
ابن أبي شيبة، وليست فيه هذه الزيادة، ففي ((مسند أحمد)» (٢) حدثنا وكيع، حدثنا موسى بن
عمير العنبري، عن علقمة بن وائل الحضرمي، عن أبيه قال: ((رَأَيْتُ رَسُولَ الله وَّهُ وَاضِعًا
يَمِينَهُ عَلَى شِمَالِهِ فِي الصَّلاةِ». انتهى.
ورواه الدارقطني أيضًا بعين سند ابن أبي شيبة، وليس فيه أيضًا هذه الزيادةُ ) ، قال في
((سننه)): حدثنا الحسين بن إسماعيل وعثمان بن جعفر بن محمد الأحول؛ قالا: نا يوسف بن
موسى، نا وكيع، نا موسى بن عمير العنبري، عن علقمة بن وائل الحضرمي، عن أبيه، قال:
((رَأَيْتُ رَسُولَ الله ◌َّةِ وَاضِعًا يَمِينَهُ عَلَى شِمَالِهِ في الصَّلاةِ)). انتهى.
ويؤيده أيضًا: أن ابن التركماني شيخ الحافظ الزيلعي ذكر في ((الجوهر النقي)) لتأييد
مذهبه حديثين ضعيفين، حيث قال: قال ابن حزم: وروينا عن أبي هريرة قال: ((وضع الكفّ
على الكفّ في الصلاة تحت السُّرَّةِ))، وعن أنس قال: ثلاث من أخلاق النبوة: تعجيلُ
الإفطارِ، وتأخير السُّحور، ووضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة تحت السرة. انتهى.
ونقل قبل هذين الحديثين أثر أبي مجلز عن مصنف ابن أبي شيبة حيث قال: قال ابن
أبي شيبة في ((مصنفه))(١) ثنا يزيد بن هارون، نا الحجاج بن حسان، سمعت أبا مجلز، أو
(١) هذه ثلاثة أبيات بالفارسية، الأول: معناه: ولقد قام قاسم بن قطلوبغا بجمع هذا الكتاب عن الأعلام. ومعنى
الثاني: وينقل من الكتاب المصنف ما لا يصدقه أي عقل. ومعنى الثالث: ولقد وجدت في ذلك الكتاب ما هو
مخالف للغاية صراحة.
(٢) أحمد. حديث (١٨٣٦٧).
(٣) الدارقطني في ((السنن)) (٢٨٦/١) حديث (٨).
(٤) ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣٩٤٢).

١٠٣
أبواب الصلاة عن رسول الله وَله / بَابُ مَا جَاءَ فِي وضْعِ الْيَمِينِ عَلَى الشِّمَالِ فِي الصَّلَاةِ
سألته قلت: كيف يضع؟ قال: يضع باطن كَفِّ يمينه على ظاهر كَفِّ شماله، ويجعلهما أسفل
من السرة. انتهى. ولم ينقل ابن التركماني عن ((مصنف ابن أبي شيبة)) غير هذا الأثر،
فالظاهر أنه لم يكن في حديث وائل الذي أخرجه ابنُ أبي شيبة زيادة ((تحت السُّرة))، فإنه لو
كان هذا الحديث فيه مع هذه الزيادة لنقله ابن التركماني؛ إذ بعيد كل البعد أن يذكر ابن
التركماني لتأييد مذهبه حديثين ضعيفين، وينقل عن ((مصنف ابن أبي شيبة)» أثر أبي مجلز
التابعي، ولا ينقل عنه حديث وائل المرفوع مع وجوده فيه بهذه الزيادة، ومع صحة إسناده.
ويؤيده أيضًا ما قال الشيخ محمد حياة السندي في رسالته ((فتح الغفور))، من أن غيرَ
واحد من أهل الحديث روى هذا الحديث، ولم يذكر: ((تحت السُّرة))، بل ما رأيت ولا
سمعت أحدًا من أهل العلم ذكر هذا الحديث بهذه الزيادة، إلا القاسم.
هذا ابن عبد البر - حافظ دهره - قال في ((التمهيد)): وقال الثوري، وأبو حنيفة: أسفل
السرة. وروي ذلك عن علي، وإبراهيم النخعي، ولا يثبت ذلك عنهم، فلو كان هذا الحديثُ
الصحيحُ بهذه اللفظة في ((مصنف ابن أبي شيبة)) لذكره، مع أنه قد أكثر في هذا الباب، وغيره
الرواية عن ابن أبي شيبة.
وهذا ابن حجر - حافظ عصره - يقول في ((فتحه)): وقد روى ابن خزيمة(١) من حديث
وائل؛ أنه وَضَعَهُمَا عَلَى صَدْرِهِ، وللبزار: (عِنْدَ صَدْرِهِ))، وعند أحمد(٢) في حديث هلب
نحوه. ويقول في ((تخريج الهداية)): وإسناد أثر عَلِيٍّ ضعيف، ویعارضه حدیثُ وائل بن حجر
قال: ((صَلَّيْتُ مَعَ رَسُول الله ◌ِّهِ فَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى يَدِهِ الْيُسْرَى عَلَى صَدْرِهِ)(٣) وأشار إلى
ذلك في تخريج أحاديث الرافعي، فلو كانت هذه الزيادة موجودة في ((المصنف)) لذكرها،
وكتبه مملوءة من أحاديثه وآثاره. وقد اختصره كما قال السيوطي في ((شرح ألفيته))، والظاهر
أن الزيلعيَّ الذي شمر ذيله بجمع أدلة المذهب لم يظفر بها، وإلا لذكرها، وهو من أوسع
الناس اطلاعًا .
وهذا السيوطي الذي هو حافظُ وقته يقول في ((وظائف اليوم والليلة)): وكان يضعُ يده
اليمنى على اليسرى، ثم يشدهما على صَدْرِهِ، وقد ذكر في ((جامعه الكبير)) في مسند وائل
(١) ابن خزيمة. حديث (٤٧٩).
(٢) أحمد. حديث (٢١٤٦٠).
(٣) أحمد. حديث (١٨٣٦٧).

١٠٤
أبواب الصلاة عن رسول الله وَ﴿ / بَابُ مَا جَاءَ فِي وضْعِ الْيَمِينِ عَلَى الشِّمَالِ فِي الصَّلَاةِ
نحو تسعة أحاديث عن ((المصنف))، ولفظ بعضها: ((رَأَيْتُ النَّبِيَّ ◌ِهِ وَضَعَ يَمِينَهُ عَلَى شِمَالِهِ
في الصَّلاةِ))، وهذا اللفظُ هو الذي ذكره صاحبُ ((نقد الصرة))، إلا أنه زاد لفظ: ((تَحْتَ
السُّرَّةِ»، فلو كانت هذه الزيادةُ موجودةً في ((المصنف)» لذكرها السيوطي.
وهذا العيني - الذي يجمع بين الغث والسمين في تصانيفه - في ((شرحه على البخاري)):
احتجَّ الشافعي بحديث وائل بن حجر، أخرجه ابن خزيمة(١) في ((صحيحه))، قال: ((صَلَّيْتُ
مَعَ رَسُولِ الله ◌ِ، فَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى يَدِهِ الْيُسْرَى عَلَى صَدْرِهِ». ويستدلُّ علماؤنا الحنفية
بدلائل غير وثيقة، فلو كانت هذه الزيادة موجودة فى ((المصنف)) لذكرها، وقد ملأ تصانيفه
بالنقل عنه.
وهذا ابن أمير الحاج الذي بلغ شيخه ابن الهمام في التحقيق، وسعة الاطلاع يقول في
((شرح المنية): إن الثابتَ من السنة وضعُ اليمين على الشمال، ولم يثبت حديثٌ يوجب تعيين
المحلِّ الذي یکون الوضعُ فیه من البدن، إلا حدیث وائل المذكور، وهکذا قال صاحب
((البحر الرائق))، فلو كان الحديث في ((المصنف)) بهذه الزيادة لذكره ابن أمير الحاج مع أن
(شرحه)) محشو من النقل عنه، فهذه أمور قادحة في صحة هذه الزيادة في هذا الحديث.
انتهى كلام الشيخ محمد حياة السندي.
قلت: فحديث وائل بن حجر المذكور، وإن كان إسناده جيدًا، لكنَّ في ثبوت زيادة:
(تَحْتَ السُّرَّةِ) فيه نظرًا قويًّا كما عرفت، فكيف يصحُّ الاستدلالُ بهذا الحديث على وضع
اليدين تحت السرة ... ؟.
والحديث الثاني: حديث علي ظه. روى أبو داود، وأحمد، وابن أبي شيبة،
والدار قطني، والبيهقي(٢) عن أبي جحيفة أن عليًّا قال: السنةُ وضعُ الكفّ على الكفِّ تحت
السرة.
قلت: في إسنادٍ هذا الحديث عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي، وعليه مدارُ هذا
الحديث، وهو ضعيفٌ لا يصلحُ للاحتجاج. قال الحافظ الزيلعي في ((نصب الراية)) بعد ذكر
(١) ابن خزيمة. حديث (٤٧٩).
(٢) أحمد. حديث (٨٧٧)، وأبو داود (٧٥٦)، والبيهقي في ((الكبرى)) (٢١٧٠)، والدارقطني (٢٨٦/١) حديث
(٩)، وابن أبي شيبة (٣٩٤٢).

١٠٥
أبواب الصلاة عن رسول الله وَ﴿ / بَابُ مَا جَاءَ فِي وضْع الْيَمِينِ عَلَى الشِّمَالِ فِي الصَّلَاةِ
هذا الحديث: قال ابن القطان: عبد الرحمن بن إسحاق هو ابن الحرب أبو شيبة الواسطي،
قال فيه ابن حنبل، وأبو حاتم: منكر الحديث، وقال ابن معين: ليس بشيء. وقال البخاري:
فيه نظر. وقال البيهقي في ((المعرفة)): لا يثبت إسنادهُ. تفرد به عبد الرحمن بن إسحاق
الواسطي، وهو متروك.
وقال النووي في ((الخلاصة))، و((شرح مسلم)): هو حديثٌ متفق على تضعيفه؛ فإن
عبد الرحمن بن إسحاق ضعيف بالاتفاق. انتهى ما في ((نصب الراية)). وقال الشيخُ ابن
الهمام في ((التحرير)): إذا قال البخاري للرجل: فيه نظر، فحديثه لا يحتج به، ولا يستشهد
به، ولا يصلحُ للاعتبار. انتهى.
فإذا عرفت هذا كله، ظهر لك أن حديث علي هذا لا يصلحُ للاحتجاج، ولا
للاستشهاد، ولا للاعتبار. ثم حديث علي يخالف تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَأَنْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢]
أنه وضع يده اليمنى على وسط ساعده اليسرى، ثم وضعهما على صَدْرِهِ في الصلاة. رواه
البيهقي، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والدارقطني، وأبو الشيخ،
والحاكم، وابن مردويه؛ كذا في ((الدر المنثور)). قال الفاضل ملا الهُداد في ((حاشية
الهداية)): إذا كان حديثُ وَضْع اليدين تحت السُّرة ضعيفًا ومعارضًا بأثر علي؛ بأنه فسر قوله
تعالى: ﴿وَأَنْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] بوضعِ اليمين على الشمال على الصَّدْرِ، يجب أن يعمل بحديث
وائل الذي ذكره النووي.
ثم حديث علي هذا منسوخٌ على طريق الحنفية. قال صاحب ((الدرة في إظهار غش نقل
الصرة)»- وهو حنفي المذهب -: روى أبو داود، عن جرير الضبي؛ أنه قال: رأيت عليًّا يمسكُ
شماله بيمينه على الرسغ فوق السرة، وأصل علمائنا إذا خالف الصحابي في مرويه فهو يدل
على نسخه، وهذا الفعلُ وإن لم يكن أقوى من القول، فلا أقل أن يكون مثله. انتهى.
قلت: إسناد أثر علي هذا - أعني: الذي رواه أبو داود عن جرير الضبي - صحيح كما
ستعرف.
والحديث الثالث: حديثُ أبي هريرة رواه أبو داود(١) في ((سننه)) عن أبي وائل قال: قال
أبو هريرة: ((أخذ الأكف في الصلاة تحت السرة)).
(١) أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (٧٥٨).

١٠٦
أبواب الصلاة عن رسول الله وَّةِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي وضْع الْيَمِينِ عَلَى الشِّمَالِ فِي الصَّلَاةِ
قلت: في إسناد حديث أبي هريرة أيضًا عبدُ الرحمن بن إسحاق الواسطي، فهذا الحديثُ
أيضًا لا يصلح للاحتجاج، ولا للاستشهاد، ولا للاعتبار كما عرفت آنفًا .
والحديث الرابع: حديث أنس، ذكره ابن حزم في ((المحلى)) تعليقًا بلفظ: ثلاث من
أخلاق النبوة: تعجيل الإفطار، وتأخير السحور، ووضع اليد اليمنى على اليد اليسرى في
الصَّلاةِ تحت السرة.
قلت: لم أقف على سندِ هذا الحديث(١)، والعلماء الحنفية يذكرونه في كتبهم،
ويحتجون به، ولكنهم لا يذكرون إسناده، فما لم يُعلم إسنادُه لا يصلح للاحتجاج، ولا
للاستشهاد، ولا للاعتبار.
قال صاحب ((الدرة)): وأما حديث أنس: ((من أخلاق النبوة: وضع اليمين والشمال
تحت السرة)»(٢) الذي قال فيه العيني: إنه رواه ابن حزم، فسنده غير معلوم، لينظر فيه هل
رجالُه مقبولون أم لا؟ وقد روى هذا الحديث غير واحد من المحدِّثين من غير زيادة: ((تحت
السرة))، والزيادة إنما تقبل من الثقة المعلوم. انتهى كلام صاحب ((الدرة)).
وقال الشيخ هاشم السندي في رسالته ((دراهم الصرة): ومنها ما ذكره الزاهدي في ((شرح
القدوري))، وابن أمير الحاج، وابن نجيم في ((البحر الرائق)): أنه روي عن النبي ◌َّ: ((ثَلاثٌ
من سُنَنِ المُرْسَلِينَ: تَعْجِيلُ الإفْطَارِ، وَتَأْخِيرُ السُّحُورِ، وَوَضْعُ الْيَمِينِ عَلَى الشِّمَالِ تَحْتَ
السُّرَّةِ في الصَّلاةِ)). قال: لم أقف على سند هذا الحديث، غير أن الزاهدي زاد أنه رواه
علي بن أبي طالب عن النبي ◌َّر، لكن قال ابن أمير الحاج، وابن نجيم: إن المخرجين لم
يعرفوا فيه موقوفًا ومرفوعًا لفظ: ((تحت السرة)). انتهى كلام هاشم السندي.
فهذه الأحاديثُ هي التي استدل بها على وَضْعِ اليدين تحت السُّرة في الصلاة، وقد
عرفت أنه لا يصلح واحد منها للاستدلال.
الفصل الثاني: في ذكر ما تمسَّك به من ذَهَبَ إلى وَضْعِ اليدين فوق السُّرة. لم أقف على
حديث مرفوع يدلُّ على هذا المطلوب، نعم أثر علي ◌َُّهَ يدلُّ على هذا. روى أبو داود(٣
(١) ذكره ابن حزم في ((المحلى)) (٤/ ١١٣) بدون سند.
(٢) أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (٧٥٨).
(٣) أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (٧٥٧).

١٠٧
أبواب الصلاة عن رسول الله وَ﴿ / بَابُ مَا جَاءَ فِي وضْعِ الْيَمِينِ عَلَى الشِّمَالِ فِي الصَّلَاةِ
في ((سننه)) عن جرير الضبي قال: ((رأيت عليًّا يمسك شِمَالَهُ بيمينه على الرسغ فوق السُّرة)).
قلت: إسناده صحيح أو حسن، لكن فعل علي تظلبه ليس بمرفوع.
ثم الظاهرُ أن المراد من قوله: ((فوق السرة)» على مكان مرتفع من السرة، أي: على
الصَّدر، أو عند الصَّدر؛ كما جاء في حديث وائل بن حجر. وفي حديث هلب الطائي،
ومرسل طاوس، وستأتي هذه الأحاديث الثلاثة، ويؤيده تفسيره تظ نه قوله تعالى: ﴿وَأَنْحَرْ﴾،
بوضع اليدين على الصدر في الصَّلاة؛ كما تقدم.
الفصل الثالث: في ذكر متمسكات من ذهبٍ إلى وضع اليدين على الصَّدر. احتج هؤلاء
بأحاديث: منها حديث وائل بن حجر قال: ((صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ◌ِ، فَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى بَدِهِ
الْيُسْرَى عَلَى صَدْرِهِ». أخرجه ابن خزيمة، وهذا حديث صحيح، وصحَّحه ابنُ خزيمة؛ كما
صرح به ابن سيد الناس في ((شرح الترمذي))، وقد اعترف الشيخُ محمد قائم السندي الحنفي
في رسالته: ((فوز الكرام»: أن هذا الحديثَ على شرط ابن خزيمة؛ حيث قال فيها: الذي
أعتقده أن هذا الحديث على شرط ابن خزيمة، وهو المتبادرُ من صنيع الحافظ في
((الإتحاف)). والظاهر من قول ابن سيد الناس بعد ذكر حديث وائل في ((شرح جامع
الترمذي))، وصحَّحه ابن خزيمة. انتهى. وقال ابنُ أمير الحاج الذي بلغ شيخه ابن الهُمَام في
التحقيق وسعة الاطلاع في ((شرح المنية)): إن الثَّابت من السنة وضعُ اليمين على الشِّمال،
ولم يثبت حديث يوجبُ تعيينَ المحلِّ الذي يكونُ الوضع فیه من البدنِ، إلا حدیث وائل
المذكور. وهكذا قال صاحب ((البحر الرائق))؛ كذا في ((فتح الغفور)) للشيخ حياة السندي،
وقال الشوكاني في ((النيل)): أخرجه ابن خزيمة في ((صحيحه)) وصححه. انتهى.
وقال الحافظ في ((فتح الباري)): ولم يذكر، أي: سهل بن سعد محلهما من الجسد، وقد
روى ابن خزيمة من حديث وائل، أنه وضعهما على صَدْرِهِ، والبزار: ((عِنْدَ صَدْرِهِ))، وعند
أحمد في حديث هلب الطائي نحوه، وفي زيادات ((المسند)) من حديث علي؛ أنه وضعهما
تحت الشُّرَّةِ، وإسناده ضعيف. انتهى. فالظاهرُ من كلام الحافظِ هذا، أن حديث وائل عنده
صحيحٌ أو حَسَنٌّ؛ لأنه ذكر هاهنا لغرض تعيين مَحَلِّ وضع اليدين ثلاثة أحاديث:
حديث وائل، وحديث هلب، وحديث علي، وضعف حديث علي، وقال: إسناده
ضعيف، وسكت عن حديث وائل، وحديث هلب، فلو كانا هما أيضًا ضعيفين عنده لبين
ضعفهما؛ ولأنه قال في أوائل ((مقدمة الفتح)) ما لفظه: فإذا تحررت هذه الفصولُ، وتقررت

١٠٨
أبواب الصلاة عن رسول الله وَ﴿ ر ◌َابُ مَا جَاءَ فِي وضْعِ الْيَمِينِ عَلَى الشِّمَالِ فِي الصَّلَاةِ
هذه الأصول، افتتحت شرح الكتاب، فأسوق الباب وحديثه أولًا، ثم أذكر وجه المناسبة
بينهما إن كانت خفية، ثم أستخرج ثانيًا ما يتعلّق به غرض صحيح في ذلك الحديث من
الفوائد المتنية والإسنادية، من تتمات وزيادات، وكشف غامض، وتصريح مدلِّس بسماع،
ومتابعة سامع من شيخ اختلط قبل ذلك، منتزعًا كل ذلك من أمهات المسانيد، والجوامع،
والمستخرجات، والأجزاء، والفوائد، بشرط الصِّحَّة، أو الحسن فيما أورده من ذلك. انتهى
كلام الحافظ.
فقوله: بشرط الصحة أو الحسن فيما أورده من ذلك، يدلُّ على أن حديث وائل، وكذا
حديث هلب الطائي عنده صحيح أو حسن؛ فتفكر.
وأيضًا قد صَرَّحَ الحافظُ في ((الدراية)) بعد ذكر حديث وائل، أخرجه ابن خزيمة، وهو في
مسلم دون قوله: ((عَلَى صَدْرِهِ)). انتهى. فالظاهرُ من كلامه هذا أن حديثَ ابن خزيمة هذا هو
الذي في ((صحيح مسلم)) في وضع اليمنى على اليسرى سَنّدًا ومتنًا، بدون ذكر المحل.
فالحاصلُ: أن حديثَ وائل بن حجر صحيح، قابل للاحتجاج، والاستدلال به على
وَضْعِ اليدينِ على الصَّدْرِ في الصَّلاة تام صحيح.
ومنها حديث هلب الطائي رواه الإمام أحمد في «مسنده))، قال: حدثنا يحيى بن سعيد،
عن سفيان، ثنا سماك، عن قبيصة بن هلب، عن أبيه قال: ((رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِهِ يَنْصَرِفُ عَنْ
يَمِينِهِ، وَعَنْ يَسَارِهِ، وَرَأَيْتُهُ يَضَعُ هذِهِ عَلَى صَدْرِهِ)) ووضعَ يحيى اليمنى على اليسرى فوق
المفصل، ورواة هذا الحديث كلهم ثقات، وإسنادهُ متصل. أما يحيى بن سعيد فهو أبو سعيد
القطان البصري، الحافظ الحجة، أحد أئمة الجرح والتعديل. قال الحافظ في ((التقريب)):
ثقة، متقن، حافظ، إمام، قدوة، وأما سفيانُ فهو الثوري، قال في ((التقريب)): ثقة، حافظ،
فقیه، عابد، إمام، حجة، وربما کان دلس. انتهى.
قلت: قد صرح هَاهُنا بالتحديث فانتفت تهمةُ التدليس. وأما سماك فهو ابن حرب بن
أوس بن خالد الذهلي البكري الكوفي، أبو المغيرة، صدوق، وروايته عن عكرمة خاصة
مضطربة، وكان قد تغيَّر بأخره، فكان ربما يلقن؛ كذا في ((التقريب)). وقال الذهبي: قال
أحمد: سماك مضطرب، وضعفه [يعقوب بن] شيبة، وقال ابن عمار: كان يغلط، وقال
العجلي: ربما وصل الشيء، وكان الثوري يضعفه، قال: روايته مضطربة، وليس من

١٠٩
أبواب الصلاة عن رسول الله ◌َه / بَابُ مَا جَاءَ فِي وضْعِ الْيَمِينِ عَلَى الشِّمَالِ فِي الصَّلَاةِ
المثبتين. وقال صالح: يضعف. وقال ابن [خداش](١) فيه لين، ووثقه ابن معين، وأبو حاتم.
انتھی.
وكون السماك مضطرب الحديث لا يقدحُ في حديثه المذكور؛ لأنه رواه عن قبيصة
وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وكذا تغيره في آخره لا يقدح أيضًا؛ لأن الحديث
المذكور رواه عنه سفيان، وهو ممن سَمِعَ قديمًا من سماك. قال في ((تهذيب الكمال)»: قال
يعقوب: وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وهو في غير عكرمة صالح، وليس من
المتثبتين، ومن سمع قديمًا من سماك مثل شعبة، وسفيان، فحديثهم عنه مستقيم. انتهى.
وأما قبيصة فهو أيضًا ثقة؛ كما عرفت فيما تقدم، وأما أبوه فهو صحابيّ، فحديث هلب
الطائي هذا حَسَنٌّ، وقد اعترف صاحب ((آثار السنن» بأن إسناده حسن، فالاستدلالُ به على
وضع اليدين على الصَّدْرِ في الصَّلاة صَحِيحٌ.
ومنها: حديث طاوس، رواه أبو داود في ((المراسيل))(٢) قال: حدثنا أبو توبة، حدثنا
الهيثم، يعني: ابن حميد، عن ثور، عن سليمان بن موسى، عن طاوس قال: ((كَانَ رَسُولُ الله
بَّهِ يَضَعُ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى يَدِهِ الْيُسْرَى، ثُمَّ يَشُدُّ بَيْنَهُمَا عَلَى صَدْرِهِ وَهُوَ فِي الصَّلاةِ). وهذا
الحدیثُ قد وجد في بعض نسخ أبي داود.
قال الحافظ المزي في الأطراف في حرف الطاء من كتاب ((المراسيل)): الحديث أخرجه
أبو داود في كتاب ((المراسيل))، وكذا قال البيهقي في ((المعرفة))؛ فحديث طاوس هذا مرسل؛
لأن طاوسًا تابعي، وإسناده حسن، والحديث المرسل حُجَّةٌ عند الإمام أبي حنيفة، ومالك،
وأحمد مطلقًا، وعند الشافعي إذا اعتضد بمجيئه من وجه آخر يباينُ الطّريق الأولى، مسندًا
كان أو مرسلًا. وقد اعتضدَ هذا المرسل بحديث وائل، وبحديث هلب الطائي المذكورين،
فالاستدلال به على وضع اليدين على الصدر في الصلاة صحيح.
تنبيه: قال بعضُ الحنفية: حديث وائل فيه اضطراب، فأخرج ابن خزيمة في هذا
الحديث: ((عَلَى صَدْرِه))، والبزار: ((عِنْدَ صَدْرِه))، وابن أبي شيبة: (تَحْتَ السُّرَّةِ)).
قلت: قد تقرر في أصول الحديث، أن مجرد الاختلاف لا يوجبُ الاضطراب، بل من
(١) في نسخة: ((خراش))؛ والصواب ما أثبتناه.
(٢) ((المراسيل)) لأبي داود. (٣٣).

١١٠
أبواب الصلاة عن رسول الله ◌َّهِ / بَابُ مَا جَاءَ فِي وضْعِ الْيَمِينِ عَلَى الشِّمَالِ فِي الصَّلَاةِ
شرطه استواء وجوه الاختلاف، فمتى رجح أحد الأقوال قدّم. ولا يعل الصحيح بالمرجوح،
ومع الاستواء يتعذر الجمع على قواعد المحدثين، وهَاهُنا وجوه الاختلاف ليست بمستويةٍ؛
فإن في ثبوت لفظ: ((تَحْتَ السُّرَّةِ)): في رواية ابن أبي شيبة نظرًا قويًّا، كما تقدم بيانه.
وأما روايةُ ابن خزيمة بلفظ: ((عَلَى صَدْرِهِ)، ورواية البزار بلفظ: ((عِنْدَ صَدْرِهِ»، فالأولى
راجحةٌ؛ فَتُقَدَّمُ على الأخرى. ووجه الرجحان أن لها شاهدًا حسنًا من حديث هلب، وأيضًا
يشهد لها مرسلُ طاوس، بخلاف الأخرى، فليس لها شاهد، ولو سلم أنهما متساويتان،
فالجمع بينهما ليس بمتعذّر. قال الشيخ أبو المحاسن محمد الملقب بالقائم السندي في
رسالته: ((فوز الكرام)): قال العلامة الشيخ أبو الحسن في رسالة: ((جواز التقليد والعمل
بالحديث)) بعد ذكر حديث وائل وهلب، ومرسل طاوس، وتفسير علي، وأنس، وابن عباس:
هذه الأحاديث قد أخذ بها الشافعيُّ، لكن قال بوضع اليدِ على الصدرِ، بحيث تكون آخر اليد
تحت الصَّدر؛ جمعًا بين هذه الأحاديث وبين ما في بعض الروايات: ((عِنْدَ الصَّدْرِ)). انتهى.
وقد جمع بعضُ أهل العلم بينهما بالحمل على صَلاتَيْنِ مختلفتين، ونظير هذا الاختلاف
اختلافُ رفع اليدين حذو المنكبين، وحذو الأُذُنَيْنِ في الصلاة، فقول بعض الحنفية
بالاضطرب في حديث وائل، مما لا يُصغى إليه.
تنبيه آخر: قال النيموي في ((آثار السنن)) بعد ذكر حديث هُلْب الطائي: رواه أحمد،
وإسناده حسن، لكن قوله: ((عَلَى صَدْرِهِ)) غير محفوظ، يعني: أنه شاذ، وَبَيَّنَ وجه كونه شاذًّا
غير محفوظ؛ أن يحيى بن سعيد القطان خالف في زيادة قوله: ((على صدره)) غيرَ واحدٍ من
أصحاب سفيان، وسماك، فإنهم لم يذكروا هذه الزيادات، وعرف الشَّاذ: بأنه ما رواه الثقةُ
مخالفًا في نوع من الصِّفَاتِ لما رواه جماعةٌ من الثِّقَاتِ، أو من هو أوثق منه وأحفظ وأعم
من أن تكون المخالفة منافية للرواية الأخرى أم لا. وادعى أن هذا هو مذهبُ الشافعي،
وأحمد ابن حنبل وابن معين، والبخاري، وغيرهم من المحدِّثين المتقدمين، واستدلَّ عليه بأن
هذا يفهم من صنيعهم في زيادة: (ثُمَّ لا يَعُودُ)) في حديث ابن مسعود، و((فَصَاعِدًا)) في حديث
عبادة، ((وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا)) في حديث أبي هريرة، وأبي موسى الأشعري، وكذلك في كثيرٍ من
المواضع، حيث جعلوا الزياداتِ شاذةً بزعمهم أن راويها قد تفرد بها، مع أن هذه الزيادات
غير منافية لأَصْلِ الحديثِ.
قلت: تعريفُ الشَّاذِّ هذا الذي ذكره صاحب ((آثار السنن)) ليس بصحيح، وليس هو

١١١
أبواب الصلاة عن رسول الله وَ ﴿ بَابُ مَا جَاءَ فِي وضْع الْيَمِينِ عَلَى الشِّمَالِ فِي الصَّلَاةِ
مذهب المحدِّثين المتقدِّمين ألبتة، وجه عدم صحته؛ أنه يلزم منه أن يكونَ كُلُّ زیادة زادها
ثقة، ولم يزدها جماعة من الثقات، أو لم يزدها من هو أوثقُ منه، وليست منافية لأصل
الحديث، شاذة غير مقبولة. واللازمُ باطلٌ فالملزوم مثله. والدليلُ على بطلان اللازم أن كُلَّ
زيادة هذا شأنها قبلها المحدِّثون المتقدِّمون، كالشافعي، والبخاري، وغيرهما، وكذا قَبِلَهَا
المتأخرون، إلا إن ظهرت لهم قرينة تدلُّ على أنها وَهْمٌ من بَعْضٍ الرواة؛ فحينئذٍ لا يقبلونها .
ألا ترى أن الإمامَ البخاريّ رحمه الله قد أدخل في ((صحيحه)) من الأحاديث ما تفرَّد به
بَعْضُ الرواةِ بزيادةٍ فيه غير منافية، ولم يزدها جماعةٌ من الثِّقاتِ، أو من هو أوثق منه
وأحفظ، وقد طعن بعضُ المحدِّثين بإدخال مثل هذه الأحاديث في ((صحيحه)) ظنًّا منهم أن
مثلَ هذه الزيادات ليست بصحيحةٍ. وقد أجاب المحقّقون عن هذا الطعن: ((بأن مثل هذه
الزيادات صحيحة)).
قال الحافظ في ((مقدمة الفتح)» ص٤٠٢: فالأحاديثُ التي انتقدت عليهما، أي:
البخاري، ومسلم، تنقسم أقسامًا، ثم بَيَّنَ الحافظ القسم الأول والثاني، ثم قال: القسم
الثالث: منها ما تفرَّدَ به بعضُ الرواة بزيادة فيه، دون من هو أكثر عددًا، أو أضبط ممن لم
يذكرها، فهذا لا يؤثِّر التعليلُ به إلا إن كانت الزيادةُ منافيةً بحيث يتعذّر الجمع، أما إذا كانت
الزيادةُ لا منافاة فيها، بحيث يكونُ کالحدیث المستقلِّ فلا، اللهم إلا إن وضح بالدلائل
القوية أن تلك الزيادة مدرجةٌ في المتن من كلام بعض رواته، فما كان من هذا القسم فهو
مؤثر، كما في الحديث الرابع والثلاثين. انتهى.
وأيضًا قال الحافظُ فيها: قال الدارقطني: أخرج البخاريُّ(١) حديث أبي غسان، عن
أبي حازم، عن سهل بن سعد قال: ((نَظَرَ النَّبِيُّ لَّهَ إِلَى رَجُلٍ يُقَاتِلُ الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ: هُو من
أَهْلِ النَّارِ)» ... الحديث، وفيه: ((إنَّ الْعَبْدَ لَيَعْمَلُ فِيمَا يَرَى النَّاسُ عمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنَّهُ لَمِنْ
أَهْلِ النَّارِ. ويَعْمَلُ فِيمَا يَرَى النَّاسُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ، وَهُوَ من أَهْلِ الْجَنَّةَ، وَإِنَّمَا الأَعْمَالَ
بالخَوَاتِيمِ))(٢). قال: وقد رواه ابن أبي حازم، ويعقوب بن عبد الرحمن، وسعيد الجمحي
عن أبي حازم، فلم يقولوا في آخره: ((وإِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالْخَوَاتِيم)). قال الحافظ: زادها
أبو غسان، وهو ثقةٌ حافظ، فاعتمده البخاري. انتهى.
(١) البخاري، كتاب الرقاق. حديث (٦٤٩٣).
(٢) البخاري، كتاب الرقاق. حديث (٦٦٠٧).

١١٢
أبواب الصلاة عن رسول الله وَ﴿ بَابُ مَا جَاءَ فِي وضْع الْيَمِينِ عَلَى الشِّمَالِ فِي الصَّلَاةِ
وقد صرح بقبول مثل هذه الزيادة ابن التركماني في ((الجوهر النقي))؛ والحافظ الزيلعي
في ((نصب الراية)) في مواضع عديدة، بل أشار النيموي نفسه في كتاب ((آثار السنن)) أيضًا
بقبول مثل هذه الزيادة، في موضع منه ص١٧؛ حيث قال: فزيادته، أي: زيادة الحميدي
تقبل جدًّا؛ لأنها ليست منافيةً لمن هو أوثقُ منه. انتهى. فلما ظهر بطلانُ اللازِمِ ثبت بطلانُ
الملزوم، أعني: بطلان تعريف الشَّاذِّ، الذي ذكره صاحب ((آثار السنن)) من عند نفسه.
فإن قلت: فما تعريفُ الشاذ الذي عليه المحققون؟
قلت: قال الحافظ ابن حجر في ((مقدمة فتح الباري)) ص٤٤٥: وأما المخالفةُ فينشأ عنها
الشذوذُ والنكارةُ، فإذا روى الضَّابط أو الصدوق شيئًا، فرواه من هو أحفظ منه، أو أكثر عددًا
بخلاف ما روى، بحيث يتعذّر الجمعُ على قواعد المحدثين، فهذا شاذ. انتهى. فهذا
التعريف هو الذي عليه المحقِّقون، وهو المعتمدُ: قال الحافظ في ((شرح النخبة)) ص٣٧: فإن
خُولف بأرجح منه، لمزيد ضبط، أو كثرة عدد، أو غير ذلك من وجوه الترجيحات، فالراجح
يقال له: المحفوظ، ومقابله - وهو المرجوح - يقال له: الشاذ. إلى أن قال: وعرف من هذا
التقرير أن الشاذ ما رواه المقبولُ مخالفًا لمن هو أولى منه، وهو المعتمدُ في تعريف الشاذ
بحسب الاصطلاح. انتهى. والمراد من المخالفة في قوله: ((مخالفًا)): المنافاةُ دون مطلق
المخالفة، يدلُّ عليه قولُ الحافظ في هذا الكتاب ص ٣٧: وزيادة راويهما، أي: الصحيح
والحسن مقبولة، ما لم تقع منافية لرواية من هو أوثق، ممن لم يذكر تلك الزيادة؛ لأن الزيادة
إما أن تكون لا تنافي بينها وبين رواية من لم يذكرها، فهذه تقبلُ مطلقًا، لأنها في حُكْم
الحديثِ المستقلِّ الذي يتفرد به الثقة، ولا يرويه عن شيخه غيره، وإما أن تكونَ منافيةً بحيثُ
يلزمُ من قبولها رَدُّ الروايةِ الأخرى؛ فهذه هي التي يقع الترجيح بينها وبين معارضها؛ فيقبل
الراجحُ، ویرد المرجوح. انتھی.
وقال الشيخ ابن حجر الهيثمي في رسالته المتعلّقة بالبسملة: الشَّاذُّ اصطلاحًا فيه اختلاف
كثير، والذي عليه الشافعي، والمحققون؛ أن ما خالف فيه راو ثقة بزيادة أو نقص في سند أو
متن ثقات لا يمكن الجمع بينهما مع اتحاد المرويِّ عنه. انتهى. وقال الشيخ عمر البيقوني
في منظومته في مصطلح أهل الحديث: [من الرجز]
فَالشَّاذُ وَالمَقْلُوبُ قِسْمَانٍ تَلا
وَمَا يُخَالِفْ ثِقَةٌ فِيه المَلا
قال الشارح الشيخ محمد بن عبد الباقي الزرقاني: وما يخالف ثقة فيه بزيادة أو نقص في

١١٣
أبواب الصلاة عن رسول الله وَّهُ / بَابُ مَا جَاءَ فِي وضْع الْيَمِينِ عَلَى الشِّمَالِ فِي الصَّلَاِ
السند أو المتن المَلأَ، أي: الجماعة الثقات فيما رووه، وتعذّر الجمع بينهما، فالشاذ كما
قاله الشافعي، وجماعة من أهل الحجاز، وهو المعتمد؛ كما صرح به في ((شرح النخبة))،
لأن العدد أولَى بالحفظ من الواحد، وعليه فما خالف الثقة فيه الواحد الأحفظ شاذ. وفي
كلام ابن الصلاح وغيره ما يفهمه. انتهى. وقال العلامة المجد صاحب ((القاموس)) في
((منظومته في أصول الحديث)): [من الرجز]
كُلُّ حَدِيثٍ مُفْرَدٍ مَجْذُوذِ
ثُمَّ الَّذِي يُنْعَثُ بِالشُّذُوذِ
لأَنْ رَوى مَا لا رَوَى سِواه
خَالفَ فيهِ الناسَ مَا رَواه
قال الشيخ سليمان بن يحيى بن عمر بن مقبول الأهدل في شرحه المسمى بـ(المنهل
الروي)): الشاذ لغة: المنفرد، يقال: شَذَّ يَشُذُّ شُذوذًا، إذا انفرد.
وأما اصطلاحًا، ففيه اختلافٌ كثيرٌ، ومقتضى ما ذكره النَّاظِمِ الإشارةُ إلى قولين:
الأول: ما ذهب إليه الشافعي، وجماعة من أهل الحجاز، أنه ما رواه الثقةُ مخالفًا لرواية
الناس - أي: الثقات - وإن كانوا دونه في الحفظ والإتقان، وذلك لأن العدد الكثير أولى
بالحفظ من الواحد.
وألحق ابن الصَّلاح بالثقات الثقةَ الأَحْفَظَ، وسواء كانت المخالفةُ بزيادةٍ أو نقصٍ في
سند أو متن، إن كانت لا يمكن الجمعُ بين الطّرفين فيهما مع اتحاد المروي. انتهى.
فإن قلت: فلم يقبل المحدِّثون المتقدمون، كالشافعي، وأحمد بن حنبل، وابن معين،
والبخاري، وأبي داود، وأبي حاتم، وأبي علي النيسابوري، والحاكم، والدار قطني، وغيرهم
زيادة: (ثُمَّ لا يَعُودُ)) في حديث ابن مسعود، وزيادة: ((فَصَاعِدًا)) في حديث عبادة، وزيادة:
(وَإِذَا قَرَّأَ فَأَنْصِتُوا))، في حديث أبي هريرة، وأبي موسى الأشعري، ولم يجعلوها غير
محفوظة مع أن هَذِهِ الزياداتِ غيرُ منافية لأصل الحديث.
قلت: إنما لم يقبلوا هذه الزيادات؛ لأنه قد وَضَحَ لهم دلائلُ على أنها وَهْمٌ من بعض
الرواة، كما بينوه وأوضحوه، لا لمجرد أن راويها قد تفرد بها؛ كما زعم النيموي. وإنما
أطنبنا الكلام في هذا المقام، لئلا يغتر القاصرون بما حقق النيموي في زَعْمِهِ الْفَاسِدِ.

١١٤
أبواب الصلاة عن رسول الله ◌َّهـ / بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّكْبِيرِ عِنْدَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ
وَاسْمُ هُلْبٍ: يَزِيدُ بْنُ قُنَافَةَ الطَّائِيُّ.
١٨٨- بَابُ مَا جَاءَ في التَّكْبِيرِ عِنْدَ الزُّكُوعِ وَالسُّجُودِ [ت٧٤، ٧٤٢]
[٢٥٣] (٢٥٣) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَخْوَصِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدِ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: كَانَ
رَسُولُ اللهِ وَِّ يُكَبِّرُ فِي كَلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ وَقِيَامٍ وَفُعُودٍ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ. [ن: ١٠٨٢،
مي مختصراً: ١٢٤٩، حم: ٣٦٥٢].
قَالَ: وَفِي الْبَابِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَنَسٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي مَالِكِ الأشْعَرِيِّ،
وَأَبِي مُوسَى، وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَوَائِلٍ بْنِ حُجْرٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ.
قوله: (واسم هلب: يزيد بن قنافة الطائي) بضم القاف وخفة النون وبفاء؛ كذا في
((المغني)) لصاحب ((مجمع البحار)).
١٨٨ - بَابُ مَا جَاءَ في التَّكْبِيرِ عِنْدَ الزُّكُوعِ وَالسُّجُودِ
[٢٥٣] قوله: (كان رسول الله ﴿ ﴿ يكبر في كل خفض ورفع ... إلخ) هذا دليلٌ على
مشروعيةِ التكبير في كُلِّ خفض ورفع، وقيام وقعود، إلا في الرفع من الركوع، فإنه يقول:
(سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ)). قال النووي: وهذا مجمعٌ عليه اليوم، ومن الأعصار المتقدمة، وقد
كان فيه خِلافٌ زمن أبي هريرة، وكان بعضهم لا يرى التكبير إلا للإحرام. انتهى.
قوله: (وفي الباب عن أبي هريرة، وأنس، وابن عمر، وأبي مالك الأشعري،
وأبي موسى، وعمران بن حصين، ووائل بن حجر، وابن عباس) أما حديث أبي هريرة:
فأخرجه الشيخان (١) نحو حديث الباب. وأما حديث أنس: فأخرجه النسائي (٢). وأما حديث
ابن عمر: فأخرجه أحمد، والنسائي(٣)، وأما حديث أبي مالك الأشعري: فأخرجه ابن
أبي شيبة(٤). وأما حديث أبي موسى: فأخرجه أحمد، ومسلم، والنسائي، وأبو داود(٥).
(١) البخاري، كتاب الأذان. حديث (٧٨٩)، ومسلم، كتاب الصلاة. حديث (٣٩٢).
(٢) النسائي، كتاب السهو. حديث (١١٧٩).
(٣) أحمد. حديث (٦٣٦١)، والنسائي، كتاب السهو. حديث (١٣٢٠).
(٤) ابن أبي شيبة. حديث (٢٤٩٠).
(٥) أحمد. حديث (١٩٠٠٠)، ومسلم، كتاب الصلاة. حديث (٤٠٤)، والنسائي (٨٣٠)، وأبو داود (٩٧٢).

١١٥
أبواب الصلاة عن رسول الله وَجِ بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّكْبِرِ عِنْدَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ
قَالَ أَبُو عِيْسَى: حَدِيثُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَصْحَابِ النَّبِيِ مِنْهُمْ: أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ،
وَغَيْرُهُمْ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ التَّابِعِينَ، وَعَلَيْهِ عَامَّةُ الفُقَهَاءِ وَالْعُلَمَاءِ.
وأما حديث عمران بن حصين: فأخرجه الشيخان. وأما حديث وائل بن حجر: فأخرجه
أبو داود، وأحمد، والنسائي، وابن ماجه(١)، وأما حديث ابن عباس (٢) فأخرجه أحمد،
والبخاري، عن عكرمة عنه قال: قلت لابن عباس: صَلَّيْتُ الظهْرَ بالبطحاءِ خلف شيخ
أحمق، فكبر ثنتين وعشرين تكبيرة، يكبر إذا سجد، وإذا رفع رأسه. فقال ابن عباس: تلك
صَلاةُ أبي القاسمِ وَّةِ.
قوله: (حديث عبد الله بن مسعود حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد، والنسائي.
قوله: (والعمل عليه عند أصحاب النبي ويّلفر منهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي،
وغيرهم، ومن بعدهم من التابعين، وعليه عامة الفقهاء والعلماء) قال البغوي: اتفقت الأمةُ
على هذه التكبيرات، قال ابن سيد الناس: وقال آخرون: لا يشرع إلا تكبير الإحرام فقط،
يحكى ذلك عن عمر بن الخطاب، وقتادة، وسعيد بن جبير، وعمر بن عبد العزيز، والحسن
البصري، ونقله ابن المنذر عن القاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله بن عمر، ونقله ابن
بطال عن جماعة أيضًا منهم: معاوية بن أبي سفيان، وابن سيرين، قال أبو عمر: قال قوم من
أهل العلم: إن التكبير ليس بِسُنَّة إلا في الجماعة، وأما مَنْ صَلَّى وحده فلا بأس عليه ألا
يكبر، وقال أحمد: أَحَبُّ إلَيَّ أن يكبر إذا صَلَّى وحده في الفرض، وأما في التطوع، فلا.
وروي عن ابن عمر، أنه كان لا يكبر إذا صَلَّى وَحْدَهُ.
واستدل من قال بعدم مشروعية التكبير كذلك بما أخرجه أحمد، وأبو داود عن ابن
أبزى، عن أبيه، أنه صَلَّى مَعَ النبيِّ وَّهِ فَكَانَ لا يُتِمُّ التَّكْبِير (٣)، وفي لفظ لأحمد: ((إِذَا خَفَضَ
وَرَفَعَ))، وفي رواية: ((فَكَانَ لا يُكَبِّرُ إِذَا خَفَضَ)) (٤)، يعني: بين السجدتين، وفي إسناده
الحسن بن عمران، قال أبو زرعة: شيخ، ووثّقه ابن حبان، وحكى عن أبي داود الطيالسي؛
(١) أحمد. حديث (١٨٣٧١)، أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (٨٣٨)، والنسائي (٨٧٩)، وابن ماجه (٨٦٧).
(٢) أحمد. حديث (١٨٨٩)، والبخاري، كتاب الأذان. حديث (٧٨٧).
(٣) أحمد. حديث (١٤٩٤٤)، وأبو داود، كتاب الصلاة. حديث (٨٣٧).
(٤) أحمد. حديث (١٤٩٢٧).

١١٦
أبواب الصلاة عن رسول الله بَلٍ / بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّكْبِيرِ عِنْدَ الرُُّوعِ وَالسُّجُودِ
أنه قال: هذا عندي باطل، وهذا لا يقوى على معارضة أحاديث الباب؛ لكثرتها، وصحتها،
وكونها مثبتة، ومشتملة على الزيادة.
والأحاديث الواردة في هذا الباب أقلُّ أحوالها الدلالةُ على سُنيَّةِ التكبير في كُلِّ خفض
ورفع، وقد روى أحمد عن عمران بن حصين: أن أول من تَرَكَ التكبيرَ عثمان حين كبر،
وضَعُفَ صوته، وهذا يحتملُ أنه ترك الجهر. وروى الطبريُّ عن أبي هريرة: أن أولَ مَنْ تَرَكَ
التكبيرَ معاويةُ. وروى أبو عبيد: أن أول من تركه زياد، وهذه الرواياتُ غير متنافية؛ لأن
زيادًا تركه بترك معاوية، وكان معاوية تركه بترك عثمان، وقد حمل ذلك جماعةٌ من أهل العلم
على الإخفاء، وحكى الطحاوي: أن بني أمية كانوا يتركون التكبيرَ في الْخَفْضِ دون الرفع،
وما هذه بأول سنة تَرَكُوها .
وقد اختلف القائلون بمشروعية التكبير: فذهب جمهورهم إلى أنه مندوبٌ فيما عدا تكبيرة
الإحرام، وقال أحمد في رواية عنه، وبعض أهل الظاهر: إنه يجب كله. واحتج الجمهور
على الندبية بأن النبي ◌ٍَّ لم يُعَلِّمُهُ المُسِيئَ صَلاتَهُ. ولو كان واجبًا لعلَّمه، وأيضًا حديث ابن
أبزى يدلُّ على عدم الوجوب؛ لأن تركه وسي له في بعض الحالات، لبيان الجواز، والإشعار
بعدم الوجوب.
واحتج القائلون بالوجوب بأن النبي ◌َّللم علَّمه المسيءَ صلاته. أخرج أبو داود(١)، أن
النبي ◌ٍَّ قال للمسيء بلفظ: ثُمَّ يَقُولُ: الله أَكْبَرُ، ثُمَّ يَرْكَعُ حَتَّى تَظْمَئِنَّ مُفَاصِلُهُ، ثم يَقُولُ:
سَمِعَ الله لَمَنْ حَمِدَهُ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَائِمًا، ثُمَّ يَقُولُ: الله أَكْبَرُ، ثُمَّ يَسجُدُ حَتَّى تَطْمَيْنَّ مَفَاصِلُهُ،
ثُمَّ يَقُولُ: الله أَكْبَرُ، وَيَرْفَعُ رَأْسَهُ حَتَّى يَسْتَوِي قَاعِدًا، ثُمَّ يَقُولُ الله أَكْبَرُ، ثُمَّ يَسْجُدُ حَتَّى تَظْمَئِنَّ
مَفَاصِلُهُ، ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ فَيُكَبِّرُ، فَإِذَا فَعَلَ ذلِكَ، فَقَدْ تَمَّتْ صَلاتُهُ)).
قلت: وفي هذا الحديث رَدّ على من قال: إن النبي ◌َّهِ لم يُعَلِّم المسيء صلاته
التكبير.
(١) أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (٨٥٦) مطولًا.

١١٧
أبواب الصلاة عن رسول الله وَلِهِ / بَابٌ مِنْهُ آخَرٌ
١٨٩ - بَابٌ مِنْهُ آخَرٌ [ت٧٥، ٧٥٢]
!
[٢٥٤] (٢٥٤) حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ مُنِيرِ المَرْوَزِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ الْحَسَنِ،
قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الله بْنُ المُبَارَكِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ◌ِ كَانَ يُكَّبِّرُ وَهُوَ يَهْوِي.
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ◌َهِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ التَّابِعِينَ، قَالُوا :
يُكَبِّرُ الرَّجُلُ وَهُوَ يَهْوِي، لِلِرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ.
١٨٩ - بَابٌ مِنْهُ آخَرٌ
[٣٥٤] قوله: (حدثنا عبد الله بن منير) بضم الميم وكسر النون آخره راء، أبو عبد الرحمن
المروزي الزاهد، ثقة عابد، روى عنه البخاري، وقال: لم أر مثله، وروى عنه أيضًا
الترمذي، والنسائي ووثّقه. (قال: سمعت علي بن الحسن) ابن شقيق أبا عبد الرحمن
المروزي، ثقة، ثبت، روى عن إبراهيم بن طهمان، وابن المبارك، وغيرهما، وعنه
البخاري، وأحمد، وابن معين، وأبو بكر بن أبي شيبة، مات سنة ٢١٥ خمس عشرة
ومائتين.
قوله: (كان يكبر وهو يهوي) أي: يهبط إلى السُّجُود الأول، من هَوَى يَهْوِي هَوِيًّا،
كَضَرب يَضْرِبُ، إذا سقط، وأما هوى بمعنى مَالَ وأحب، فهو من باب سَمِعَ یَسْمَمُ،
والحديثُ رواه البخاري مطولًاً(١)، وفيه: (ثُمَّ يَقُولُ: الله أَكْبَرُ حِينَ يَهْوِي سَاجِدًا)). قال
الحافظ في ((الفتح)): فيه أن التكبير ذكر الهوي، فيبتدئ به، من حيث يشرع في الهوي بعد
الاعتدال، إلى حين يتمكن ساجدًا. انتهى.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري(٢) من طريق الزهري عن أبي بكر بن
عبد الرحمن بن الحارث، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة كان يكبِّرُ في كُلِّ صَلاةٍ من
المكتوبة وغيرها، في رمضان وغيره، فيكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع ... الحديث.
(١) البخاري، كتاب الأذان. حديث (٨٠٣).
(٢) البخاري، كتاب الأذان. حديث (٨٠٣).

١١٨
أبواب الصلاة عن رسول الله ◌َيَمِ / بَابُ رَفْعِ اليَدَيْنِ عِنْدَ الرُّكُوعِ
١٩٠- بَابُ رَفْعِ اليَدَيْنِ عِنْدَ الزُّكُوعِ [ت: ٧٦، ٧٦٢]
[٢٥٥] (٢٥٥) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ
الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِم، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَلَهَ إِذَا افتَتَحَ الصَّلاةَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ
حَتَّى يُحَاذِيَ مَنْكِبَيَّهِ، وَإِذَا رَكَعَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَه مِنَ الرُّكُوعِ، وَزَادَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ فِي
حَدِيثِهِ: وَكَانَ لَا يَرْفَعُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ. [خ: ٧٣٥، م: ٣٩٠، ن: ١١٤٣، د: ٧٢١، جه: ٨٥٨،
حم: ٤٥٢٦، طا: ١٦٥، مي: ١٢٥٠].
[٢٥٦] (٢٥٦) قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدَّثَنَا الفَضْلُ بْنُ الصَّبَّاحِ البَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا
سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةَ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ.
وفي آخره: ((ثم يقول حين ينصرف: والذي نفسي بيده، إني لأقربكم شبهًا بصلاة
رسول الله ◌َّل و إن كانت هذه لصلاته حتى فارق الدنيا)).
١٩٠ - بَابُ رَفْعِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ الزُّكُوعِ
[٢٥٥] قوله: (وابن أبي عمر) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني، نزيل مكة.
ويقال: إن أبا عمر كنية يحيى، صدوق، صنف ((المسند))، وكان لازم ابن عيينة، لكن قال
أبو حاتم: كانت فيه غفلة. (عن سالم) هو: ابن عبد الله بن عمر رضيیًا.
قوله: (إذا افتتح الصلاة، يرفع يديه حتى يحاذي منكبيه، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من
الركوع) هذا دليلٌ صريح على أن رَفْعَ اليدين في هذه المواضع سنة، وهو الحقُّ والصواب،
ونقل البخاري في (صحيحه)) عقب حديث ابن عمر هذا، عن شيخه علي بن المديني قال:
حَقٌّ على المسلمين أن يرفعوا أيديهم عند الركوع، والرفع منه؛ لحديث ابن عمر هذا، وهذا
في رواية ابن عساكر، وقد ذكره البخاري في ((جزء رفع اليدين))، وزاد: وكان أعلمَ أَهْلِ
زَمَانِهِ. انتهى. (وكان لا يرفع بين السجدتين) وفي رواية للبخاري(١): ((ولا يفعل ذلك حين
يسجد، ولا حين يرفع رَأْسَهُ من السجود)).
[٢٥٦] قوله: (حدثنا الفضل بن الصباح البغدادي) السمسار، روى عن ابن عيينة وهشيم،
وعنه الترمذي، وابن ماجه، وثقه ابنُ معين، قال الحافظ: أصله من نهاوند، ثقة، عابد.
(١) البخاري، كتاب الأذان. حديث (٧٣٨).

١١٩
أبواب الصلاة عن رسول الله وَّةٍ / بَابُ رَفْعِ اليَدَيْنِ عِنْدَ الرُّكُوعِ
قَالَ: وَفِي الْبَابِ: عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَوَائِلِ بْنِ حُجْرٍ، وَمَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ،
وَأَنَسِ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي حُمَيْدٍ، وَأَبِي أُسَيْدٍ، وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ،
وَأَبِي قَتَادَةَ، وَأَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، وَجَابٍ، وَعُمَيْرِ اللَّيْنِيّ.
قوله: (وفي الباب عن عمر، وعلي، ووائل بن حجر، ومالك بن الحويرث، وأنس،
وأبي هريرة، وأبي حميد، وأبي أسيد، وسهل بن سعد، ومحمد بن سلمة، وأبي قتادة،
وأبي موسى الأشعري، وجابر، وعمير الليثي) أما حديث عمر: فأخرجه البيهقي (١)، وابن
أبي حاتم. وأما حديث علي: فأخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن
ماجه(٢)، وصححه الترمذي، وصححه أيضًا أحمد ابن حنبل فيما حكاه الخلالُ. وأما حديث
وائل بن حجر: فأخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه(٣). وأما حديث مالك بن
الحويرث: فأخرجه البخاري، ومسلم(٤). وأما حديث أنس، فأخرجه ابن ماجه(٥). وأما
حديث أبي هريرة: فأخرجه أبو داود وابن ماجه(٦). وأما حديث أبي حميد: فأخرجه الخمسة
إلا النسائي، وصحَّحه الترمذي، وأخرجه البخاري(٧)، مختصرًا.
وأما حديث أبي أسيد، وسهل بن سعد: فأخرجه أبو داود(٨). وأما حديث محمد بن
مسلمة، فأخرجه ابن ماجه(٩). وأما حديث أبي قتادة: فأخرجه أبو داود(١٠). وأما حديث
أبي موسى الأشعري: فأخرجه الدارقطني(١١). وأما حديث جابر: فأخرجه ابن ماجه(١٢).
وأما حديث عمير الليثي: فأخرجه ابن ماجه (١٣). قال السيوطي في ((الأزهار المتناثرة في
(١) البيهقي في ((الكبرى)) (٢١٤٣).
(٢) أحمد (٧٣١). وأبو داود (٧٦٠)، والترمذي (٣٤٢٣)، والنسائي (٨٩٧)، وابن ماجه (١٠٥٤).
(٣) أحمد. حديث (١٨٣٧١)، وأبو داود (٧٢٣)، والنسائي (٨٧٩)، وابن ماجه (٨١٠).
(٤) البخاري، كتاب الصلاة. حديث (٧٣٧)، ومسلم، كتاب الصلاة. حديث (٣٩١).
(٥) ابن ماجه، كتاب الصلاة. حديث (٨٦٦).
(٦) أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (٨٣٨)، وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها. حديث (٨٦٠).
(٧) البخاري، كتاب الأذان. حديث (٨٢٨)، وأبو داود (٧٣٠)، وابن ماجه (٨٦٢)، والدارمي (١٣٠٧).
(٨) أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (٧٣٠).
(٩) ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها. حديث (٨٦٣).
(١٠) أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (٧٣٠).
(١١) الدارقطني (٢٩٣/١). حديث (١٦).
(١٢) ابن ماجه، كتاب الصلاة. حديث (٨٦٨).
(١٣) ابن ماجه، كتاب الصلاة. حديث (٨٦١).

١٢٠
أبواب الصلاة عن رسول الله وَ﴿ / بَابُ رَفْع الْيَدَيْنِ عِنْدَ الرُّكُوعِ
قَالَ أَبُو عِيْسَى: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَبِهَذَا يَقُولُ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ◌ََّ، مِنْهُمْ: ابْنُ عُمَرَ، وَجَابِرُ
بْنُ عَبْدِ الله، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَأَنَسٌِّ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَبْدُ الله بْنُ الزُّبَيْرِ، وَغَيْرُهُمْ، وَمِنَ
التَّابِعِينَ: الْحَسَنُ البَصْرِيُّ، وَعَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَنَافِعٌ، وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ الله،
وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَغَيْرُهُمْ.
الأخبار المتواترة)): إن حديث الرفع متواتر عن النبي ◌ّ*، أخرجه الشَّيْخَان عن ابن عمر،
ومالك بن الحويرث، ومسلم عن وائل بن حجر، والأربعة عن علي، وأبو داود عن سهل بن
سعد، وابن الزبير، وابن عباس، ومحمد بن مسلمة، وأبي أسيد، وأبي قتادة، وأبي هريرة،
وابن ماجه عن أنس، وجابر، وعمير الليثي، وأحمد عن الحكم بن عمير، والبيهقي عن
أبي بكر، والبراء، والدارقطني عن عمر، وأبي موسى، والطبراني عن عقبة بن عامر،
ومعاذ بن جبل. انتهى.
قال الحافظ في ((الفتح): وذكر البخاري أن رفع اليدين عند الركوع، وعند الرفع منه رواه
سبعة عشر رجلًا من الصحابة. وذكر الحاكم، وأبو القاسم بن منده ممن رواه العشرة
المبشرة، وذكر شيخنا أبو الفضل الحافظ؛ أنه تتبع من رواه من الصحابة، فبلغوا خمسين
رجلًا. انتھی.
وقال الشوكاني في ((النيل)): وسرد البيهقي في ((السنن))، وفي ((الخلافيات)) أسماء من
روى الرفع نحوًا من ثلاثين صحابيًّا. وقال: سمعتُ الحاكمَ يقول: اتفق على رواية هذه السنة
العشرة المشهود لهم بالجنة، فمن بعدهم من أكابر الصحابة. قال البيهقي: وهو كما قال.
قال الحاكم، والبيهقي أيضًا: ولا يعلم سنة اتفق على روايتها العشرة، فمن بعدهم من أكابر
الصحابة على تفرقهم في الأقطار الشاسعة غير هذه السنة. انتهى.
قوله: (حديث ابن عمر حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان.
قوله: (وبهذا يقول بعض أهل العلم من أصحاب النبي وّمقر منهم: ابن عمر، وجابر بن
عبد الله ... إلخ) قال الحافظ في ((الفتح)): قال محمد بن نصر المروزي. أجمع علماء
الأمصار على مشروعية ذلك إلا أهل الكوفة، وقد صَنَّفَ البخاريُّ في هذه المسألة جزءًا
مفردًا، وحكى فيه عن الحسن، وحميد بن هلال، أن الصحابة كانوا يَفْعَلُونَ ذلك. قال
البخاري: ولم يستثن الحسنُ أحدًا. انتهى.