Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
أبواب الصلاة عن رسول الله وَليه / بَابُ مَا يَقُولُ عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ
[٢٤٣] (٢٤٣) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ وَيَحْيَى بْنُ مُوسَى، قَالَا: حَدَّثَنَا
أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ حَارِثَةَ بْنِ أَبِي الرِّجَالِ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ
وَ* إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ قَالَ: ((سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى
جَدُّكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ)). [ن: ٨٩٨، د: ٧٧٦، جه: ٨٠٦].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ لَا نَعْرِفُه مِنْ حَدِيثٍ عَائِشَةَ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
وَحَارِثَةُ قَدْ تُكُلِّمَ فِيهِ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ.
وَأَبُو الرِّجَالِ اسْمُهُ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ المَدِينِيُّ.
◌ِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ... )) الحديث، وَلا شك في أن أصح ما روي في الاستفتاح
هو: حديث أبي هريرة، فهو أولى بالإيثار والاختيار، وهذا الحديث: لم يروه الترمذي في
هذا الباب، ولم يشر إليه، لكنه أشار إليه في ((باب السكتتين)).
[٢٤٣] قوله: (حدثنا الحسن بن عرفة) وثقه ابن معين، وأبو حاتم. (عن حارثة بن
أبي الرجال) قال النسائي: متروك؛ قاله في ((الخلاصة))، وقال في ((التقريب)): ضعيف.
قوله: (هذا حدیث لا تعرفه إلا من هذا الوجه) روى أبو داود (١) هذا الحديث في سننه،
من غير هذا الوجه، ليس فيه: حارثة، وسنده هكذا: حدثنا حسين بن عيسى، نا طلق بن
غنام، نا عبد السلام بن حرب الملائي، عن بديل بن ميسرة، عن أبي الجوزاء قال: ((كَانَ
رَسُولُ اللهِ نَّهِ إِذَا اسْتَفْتَحَ الصَّلاةَ قَالَ: سُبْحَانَكَ اللهم ..... )) إلخ، وهذا الحديث من
هذا الطريق أيضًا ضعيف؛ قال أبو داود - بعد روايته -: وهذا الحديث ليس بالمشهور عن
عبد السلام بن حرب، لم يروه إلا طلق بن غنام، وقد روى قصة الصلاة عن بديل: جماعة
لم یذکروا فيه شيئًا من هذا. انتهى.
١
قال المنذري: يعني دُعَاءُ الاسْتِفْتَاحِ؛ وقال الدارقطني: قال أبو داود: ولم يروه عن عبد
السلام غير طلق بن غنام، وليس هذا الحديث بالقوي. هذا آخر كلامه. انتهى. (وحارثة قد
تكلم فيه من قبل حفظه) قال الذهبي في ((الميزان)): ضعفه أحمد، وابن معين، وقال
النسائي: متروك، وقال خ: منكر الحديث لم يعتد به أحمد، قال ابن عدي: عَامَّةُ مَا يَرْوِيهِ
مُنْكَرٌ. انتهى.
(١) أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (٧٧٦).

٦٢
أبواب الصلاة عن رسول اللّه ◌َّهِ / بَابُ مَا يَقُولُ عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ
فائدة: قال الحافظ في ((التلخيص)): قال ابن خزيمة: لا نَعْلَمُ في الافْتِتَاحِ بـ«سُبْحَانَكَ
اللهم)) خبرًا ثابتًا عند أهل المعرفة بالحديث، وأحسن أسانيده: حديث أبي سعيد، ثم قال:
لا نَعْلَمُ أَحَدًا ولا سَمِعْنَا به استعمل هذا الحديث على وجهه.
فائدة أخرى: أَصَحُّ مَا وَرَدَ فِي الاسْتِفْتَاحِ: حديث أبي هريرة الذي جاء فيه: دُعَاءُ
الافْتِتَاحِ بلفظ: ((اللهم بَاعِدْ بَيْبِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ ... إلخ)). قال الشيخ ابن الهمام في ((فتح
القدير)) - بعد ذكر هذا الحديث -: وهو الأصح من الكل؛ لأنه متفق عليه. انتهى.
قلت: فهو الأولى بالاختيار، ثم أصح ما ورد فيه: حديث علي نَُته الذي جاء فيه
دُعَاءُ الاِفْتِتَاحِ بِلَفْظِ: ((وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ ... )): إلخ؛ لأنه رواه
مسلم(١) ، فبعد: حديث أبي هريرة: هو أولى بالاختيار في جميع الصلوات مكتوبة كانت أو
تطوعًا؛ هذا ما عندي، والله تعالى أعلم.
فإن قلت: حديث علي هذا: رواه مسلم في ((صلاة الليل))، فإيراده في هذا الباب يدل
على: أن النَّبِيَّ نَّهُ كَانَ يقوله في التَّهَجُّد.
وقال الحافظ في ((بلوغ المرام)) - بعد ما ذكره عن مسلم ما لفظه -: وفي رواية له: أَنَّ
ذلِكَ فِي صَلاةِ اللَّيْلِ. انتهى. فيكون هذا الدعاء مخصوصًا بصلاة التطوع، كما هو مذهب
الحنفية، ولا يكون مشروعًا في المكتوبة.
قلت: مجرد إيراد مسلم هذا الحديث في صلاة الليل لا يدل على أنه ◌ّلل كان يقوله في
التهجد، كما لا يخفى، وأما قول الحافظ: وفي رواية له أَنَّ ذلِكَ فِي صَلاةِ اللَّيْلِ؛ ففيه نظر،
فإن هذا الحديث مروي في ((صحيح مسلم))، في ((باب: صلاة الليل)) من وجهين: ليس في
واحد منهما: أَنَّ ذَلِكَ فِي صَلاةِ اللَّيْلِ. وهذا الحديث رواه الترمذي(٢) في ((كتاب الدعوات))
من ثلاثة وجوه، ليس في واحد منها: أن ذلك في صَلاةِ اللَّيْلِ، بل وقع في واحد منها: ((إذَا
قَامَ إِلَى الصَّلاةِ المَكْتُوبَةِ))، وَرَوَاهُ أبو داود أيضًا في سننه في ((كتاب الصلاة)) من وجهين، لم
يقع في واحد منهما: أن ذلك في صلاة الليل، بل واقع في واحد منهما: ((إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلاةِ
المَكْتُوبَةِ ... ))، ووقع في رواية للدارقطني(١) ((إذَا ابْتَدَأَ الصَّلاةَ المَكْتُوبَةَ قَالَ: وَجَّهْتُ
(١) مسلم، كتاب صلاة المسافرين. حديث (٧٧١).
(١) الترمذي، كتاب الدعوات. حديث (٣٤٢١).
(٣) ((سنن الدارقطني)) (٢٩٧/١) (٢).

٦٣
أبواب الصلاة عن رسول الله وَله / بَابُ مَا يَقُولُ عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ
وَجهِي ... )) إلخ. وقال الشوكاني في ((النيل)): وأخرجه أيضًا ابن حبان (١)، وزاد: إذا قام
إلى الصَّلاةِ المَكْتُوبَةِ، وكذلك رواه الشافعي(٢)، وقيده أيضًا بـ((المكتوبة))، وكذا غيرهما،
فالقول: بأن هذا الدعاء مخصوص بصلاة التطوع، ولا يكون مشروعًا في المكتوبة باطل
جدًّا، ومن هنا ظهر بطلان قول صاحب ((آثار السنن)): أَنَّ القَيْدَ بِالمَكْتُوبَةِ فِي هذا الحديث
غير محفوظ؛ فإن هذا القيد موجود في كثير من روايات هذا الحديث.
تنبيه: روى النسائي(٣) من حديث محمد بن مسلمة؛ أن رسول الله ﴿ كَانَ إِذَا قَامَ يُصَلِّي
تَطَوُّعًا قَالَ: ((الله أَكْبَرُ، وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ ... )): إلخ. قال
الشيخ عبد الحق في ((اللمعات)): في قوله: ((إذَا قَامَ يُصَلِّ تطوعًا)): دليل على المخصوصية
بالتطوع، کما هو مذهبنا. انتهى.
قلت: ليس فيه دليل على المخصوصية بالتطوع، كيف وقد وقع في كثير من روايات
حديث علي: ((إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلاةِ المَكْتُوبَةِ))؟! عَلَى أَنَّهُ لو كان في هذا دليل على مخصوصية
هذا الدعاء بالتطوع لكان الدعاء الذي اختاره الحنفية للفرض أيضًا مخصوصًا بالتطوع، فإن
الترمذي، وأبا داود(٤) قد رويا عن أبي سعيد الخدري؛ أن النبي ◌َل﴿ِ كَانَ إذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ
كَبَّرَ، ثُمَّ يَقُولُ: ((سُبْحَانَكَ اللهم وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلا إلهً
غَيْرُكَ ... )): الحديث؛ فتفكر.
تنبيه آخر: قال الفاضل اللكنوي في ((عمدة الرعاية)): اختار المتأخرون - يعني: من
الحنفية - أن يقرأ: إني وَجَّهْتُ وَجْهِي قبل التحريمة؛ ليكون أبلغ في إحْضَارِ القَلْبِ، وجمع
العزيمة؛ كما ذكره في ((النهاية))، و((البناية)) وغيرهما، لكن هذا مما لا أصل له في السنة،
وإنما الثابت في الأحاديث: التوجيه في الصلاة لا قبلها. انتهى كلامه.
قلت: الأمر كما قال، ففي حديث محمد بن مسلمة عند النسائي(٥) كان إذا قام يصلي
تطوعًا قال: ((الله أَكْبَرُ، وَجَّهْتُ وَجْهِيَ ... )): إلخ، وفي حديث علي ﴿ه عند مسلم في
رواية له: إذَا افْتَتَحَ الصَّلاةَ كَبَّرَ، ثم قال: ((وَجَّهْتُ وَجْهِي ... )) إلخ.
(١) (صحيح ابن حبان)) (١٧٧١، ١٧٧٢).
(٢) ((مسند الشافعي)) (١٣٨، ١٩٠).
(٣) النسائي، كتاب الافتتاح. حديث (٨٩٨).
(٤) الترمذي، كتاب الصلاة. حديث (٢٤٢)، وأبو داود، كتاب الصلاة. حديث (٧٧٥).
(٥) النسائي، كتاب الافتتاح. حديث (٨٩٨).

٦٤
أبواب الصلاة عن رسول الله (صل﴿ / باب مَا جَاءَ فِي تَرْكِ الجَهْرِ بـ﴿إِسْمِ الَّهِ الََّنِ الرَّحَةِ﴾
١٨٠ - بَابُ مَا جَاءَ في تَرْكِ الجَهْرِ
بِ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [ت٦٦، م٦٦]
١٨٠ - باب مَا جَاءَ في تَرْكِ الجَهْرِ بـ﴿بِسْمِ اللَّهِ الََّنِ الرَّحَيَةِ﴾
اعلم: أن في قراءة البسملة في الصلاة: ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها واجبة وجوب الفاتحة، كمذهب الشافعي، وإحدى الروايتين عن أحمد،
وطائفة من أهل الحديث، بناء على أنها: من الفاتحة.
والثاني: أنها مَكْرُوهَةٌ سِرًّا وجهرًا، وهو المشهور عن مالك.
والثالث: أَنَّها جائزة بل مستحبة، وهو مذهب أبي حنيفة، والمشهور عن أحمد وأكثر
أهل الحديث، ثم مع قراءتها هل يسن الجهر بها أو لا؟ فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: يسن الجهر؛ وبه قال الشافعي ومن وافقه.
والثاني: لا يسن الجهر؛ وبه قال أبو حنيفة، وجمهور أهل الحديث والرأي، وفقهاء
الأمصار، وجماعة من أصحاب الشافعي، وقيل: مخير بينهما، وهو قول إسحاق بن راهويه،
وابن حزم؛ كذا في ((نصب الراية)).
قلت: قد ثبت قراءة البسملة في الصَّلاةِ بأحاديث صحيحة، وهي حجة على الإمام
مالك، والإسرار بها عندي أحب من الجهر بها، والله تعالى أعلم.
فائدة: قال الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) - في ترجمة سفيان الثوري ما لفظه - اللالكائي(١)
في ((السنة)): نا المخلص، نا أبو الفضل شعيب بن محمد، نا علي بن حرب بن بسام، سمعت
شعيب بن جرير يقول: قُلْتُ لسفيان الثوري: حَدِّثْ بِحَدِيثِ السُّنَّةِ يَنْفَعْنِي الله به، فَإِذَا وَقَفْتُ بَيْنَ
يَدَيْهِ قُلْتُ: يَا رَبِّ، حَدَّثَنِي بِهَذَا سُفْيَانُ، فَأَنْجُو أَنَا وَتُؤْخَذُ، قال: اكْتُبْ: بِسْم الله الرَّحْمنِ
الرَّحِيم، القُرْآنُ: كَلامُ الله غَيْرُ مِخْلُوقٍ، مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يَعُودُ، مَنْ قَالَ غَيْرَ هذَا فَهُوَ كَافِرٌ،
والإيمَانُ قَولٌ وَعَمَلُ وَنِيَّةِ، يَزِيدُ وَيَنْقُصُ، إِلَى أَنْ قال: يا شُعَيْبُ، لا يَنْفَعُكَ مَا كَتَبْتَ حَتَّى تَرَى
المَسْحَ علَى الخُفَّيْنِ، وَحَتَى تَرَى أَنَّ إِخْفَاءَ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أَفْضَلُ مِنَ الْجَهْرِ بِهِ، إِلَى أَنْ
قَالَ: إِذَا وَقَفْتَ بَيْنَ يَدَي الله، فَسَأَلَكَ عَنْ هَذَاً، فَقُلْ: يَا رَبِّ، حَدَّثَنِي بِهَذَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، ثم
خَلِّ بَيْنِي وَبَيْنَ الله عَزَّ وَجَلَّ، قال الذهبي: هذا ثابِتٌ عَنْ سُفْيَانَ، وَشَيْخُ المُخَلِّصِ: ثِقَةٌ. انتهى.
(١) (شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة)) لللالكائي (٢٧٨).

٦٥
أبواب الصلاة عن رسول الله وَّهِ / باب مَا جَاءَ فِي تَرْكِ الجَهْرِ بـ﴿يَسْمِ الَّهِ الََّنِ الرَّحَمَةِ﴾
[٢٤٤] (٢٤٤) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيع، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ
أَبِي إِيَاسِ الْجُرَيْرِيُّ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عَبَايَةً، عَنِ ابْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، قَالَ: سَمِعَنِي أَبِي
ـِّ﴾ [الفاتحة: ١] فَقَالَ لِي: أَيْ بُنَّيَّ
وَأَنَا فِي الصَّلَاةِ أَقُوْلُ ﴿يَسْمِ الَّهِ الرََّنِ الرَّحَـ
مُحْدَثٌ! إِيَّاكَ وَالْحَدَثَ، قَالَ: وَلَمْ أَرَ أَحَداً مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ الله ◌ِ كَانَ أَبْغَضَ
إِلَيْهِ الْحَدَثُ فِي الإِسْلَامِ - يَعْنِي: مِنْهُ - قَالَ: وَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ نَّهِ، وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ،
وَمَعَ عُمَرَ، وَمَعَ عُثْمَانَ، فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَداً مِنْهُمْ يَقُولُهَا، فَلَا تَقُلْهَا، إِذَا أَنْتَ صَلَّيتَ
فَقُل: ﴿اٌلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِ الْعَلَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] [ن بنحوه: ٩٠٧، جه: ٨٠٥، حم: ٢٠٠٣٦].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: حَدِيثُ عَبْدِ الله بْنِ مُغَفَّلٍ حَدِيثٌ حَسَنٌّ.
[٢٤٤] قوله: (حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسدي البصري) بن علية، وهي:
أمه، قال أحمد: إليه المُنْتَهَى في التثبت؛ قال ابن معين: كَانَ ثقَةً مَأْمُونًا. (حدثنا سعيد
الجريري) - بضم الجيم مصغرًا - هو سعيد بن إياس، أبو مسعود البصري، ثقة اختلط قبل
موته. (عن قيس بن عَبَايَةَ) - بفتح العين المهملة، وتخفيف الموحدة، ثم تحتانية - ثقة، من
أوساط التابعين، كنيته: أبو نعامة، قال ابن عبد البر: هو ثقة عند جميعهم. (عن ابن
عبد الله بن مغفل) اسمه: يزيد، كذا في ((التقريب)).
قوله: (وأنا في الصلاة) جملة حالية. (أي بُنَيَّ مُحْدَث) أي قوله: بِسْمِ الله الرَّحْمنِ
الرَّحِيمِ في الصلاة: محدث. (إياك والحدث) تحذير، أي: حذر نفسك من الحدث، واتق
منه. (قال) ابن عبد الله بن مغفل. (يعني منه) أي: من أبيه عبد الله بن مغفل، وهذا قول
بعض الرواة (وقال) أي عبد الله بن مغفل (وقد صليت مع النبي ويّي، ومع أبي بكر، وعم
وعثمان فلم أسمع أحدًا منهم يقولها) أي: البسملة، ولم يذكر عليًّا نَظُبه؛ لأن عليًّا نَظُوء
عاش في خلافته بـ الكُوفَةِ، وما أقام بـ((المَدِينَةِ)) إلا يَسيرًا، فلعل عبد الله بن مغفل لم يدركه،
ولم يضبط صلاته؛ كذا في ((إنجاح الحاجة)). (فلا تقلها) ظاهره: أنه نهاه عن البسملة رَأْسًا،
يعني: لا يقول سرًّا ولا جهْرًا، لكنه يحمل على: الجهر؛ إذ السماع عادة يتعلق بالجهر،
وإليه أشار المصنف في الترجمة؛ قاله أبو الطيب السندي.
قوله: (حديث عبد الله بن مغفل حديث حسن) وأخرجه النسائي، وابن ماجه؛ قال
النووي في ((الخلاصة)): وقد ضعف الحُفَّاظُ هذا الحديث، وأنكروا على الترمذي تحسينه؛
كابن خزيمة، وابن عبد البر، والخطيب، وقالوا: إن مَدَارَهُ على: ابن عبد الله بن مغفل، وهو

٦٦
أبواب الصلاة عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاءَ فِي تَرْكِ الجَهْرِ بـ﴿يِسْمِ الَّهِ الََّنِ الرَّحَمَةِ﴾
وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ نَّهِ مِنْهُمْ: أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ،
وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٍّ، وَغَيْرُهُمْ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ التَّابِعِينَ، وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَابْنُ
المُبَارَكِ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، لَا يَرَوْنَ أَنْ يَجْهَرَ بـ ﴿يِسْمِ اللَّهِ الََِّ
الرََّةِ﴾ قَالُوا: وَيَقُولُهَا فِي نَفْسِهِ.
مجهول. انتهى. وقال الحافظ في ((الدراية)) وقع في رواية للطبراني: عن يزيد بن عبد الله بن
مغفل، وهو كذلك في مسند أبي حنيفة. انتهى. وقال في ((تهذيب التهذيب)): ابن عبد الله بن
مغفل، عن أبيه، في ترك الجهر بالبسملة، وعنه: أبو نعامة الحنفي؛ قيل: اسمه: يزيد.
قلت: ثبت كذلك في مسند أبي حنيفة للبخاري. انتهى. وقد أطال الحافظ الزيلعي
الكلام على هذا الحديث في ((نصب الراية)) ثم قال: وبالجملة: فهذا حديث صريح في عَدَمِ
الجَهْرِ بالتسمية، وهو وإن لم يكن من أقسام الصحيح، فلا ينزل عن درجة الحسن.
وقد حسنه الترمذي، والحديث الحسن يحتج به، لا سيما إذا تعددت شواهده، وكثرت
متابعاته. انتهى كلامه.
قلت: لم أجد ترجمة يزيد بن عبد الله بن مغفل، فإن كان ثقة قابلًا للاحتجاج فالأمر كما
قال الزيلعي: من أن هذا الحديث إنْ لَم يكن من أقسام الصحيح فلا ينزل عن درجة الحسن،
وإلا فهو ضعيف.
قوله: (والعمل عليه عند أكثر أهل العلم ... إلخ) واستدلوا بحديث الباب، وبحديث أنس:
أن النَّبِيَّ وَِّ، وأبا بكر، وعمر كانوا يفتتحون الصلاة بـ((الحمد لله رَبِّ العَالَمِينَ))؛ أخرجه البخاري،
ومسلم(١)، زاد مسلم: لا يَذْكُرُونَ: بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ في أول قراءة، ولا في آخرها.
وفي رواية لأحمد والنسائي(٢)، وابن خزيمة: لا يجهرون بـ((بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ))،
وفي أخرى لابن خزيمة(٣) كَانُوا يُسِرُّون. قال الحافظ في ((بلوغ المرام)): وعلى هذا يحمل
النفي في رواية مسلم، خلافًا لمن أعلها. انتهى.
قال في ((فتح الباري)): فاندفع بهذا تعليل من أعله بالاضطراب؛ كابن عبد البر؛ لأن
الجمع إذا أمكن تعين المصير إليه. انتهى.
(١) البخاري، كتاب الأذان. حديث (٧٤٣)، ومسلم، كتاب الصلاة. حديث (٣٩٩).
(٢) أحمد. حديث (١٢٤٣٤)، والنسائي، كتاب الافتتاح. حديث (٩٠٨).
(٣) ابن خزيمة (٤٩٨).

٦٧
أبواب الصلاة عن رسول الله يه / باب مَا جَاءَ فِي تَرْكِ الجَهْرِ ب﴿إِسْمِ الَّهِ الرََّنِ الرَّحَمِ﴾
قلت: والعلّة التي أعلّها بها مَنْ أعلّها هي: أن الأوزاعي روى هذه الزيادة عن قتادة
مكاتبة، وقد ردت هذه العلة: بأن الأوزاعي لم ينفرد بها، بل قد رواها غيره رواية صحيحة.
فإن قلت: روي عن أنس: إنكار ذلك؛ فروى أحمد، والدارقطني(١)، من حديث
سعيد بن يزيد أبي سلمة قال: سألت أنسًا: أكان رسول الله وَّهُ يقرأ: ((بِسْمِ الله الرَّحْمنِ
الرَّحِيمِ أو: الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِين)»؟ قال: إنك لتسألني عن شيء ما أحفظه، أو: ما سألني
عنه أحد قبلك.
قال الدارقطني: إسناده صحيح.
قلت: قال الزيلعي في ((نصب الراية)): وأما ما روي من إنكار أنس، فلا يقاوم ما يثبت
عن خلافه في الصحيح، ويحتمل: أن يكون أنس نسي في تلك الحال؛ لكبره، وقد وقع مثل
ذلك كثيرًا؛ كما سئل يومًا عن مسألة فقال: عليكم بالحسن فاسألوه؛ فإنه حَفِظٍ وَنَسِينَا، وكم
ممن حدث ونسي؟!
ويحتمل: أنه سأله عن ذكرها في الصلاة أَضْلًا، لا عن الجهر بها وإخفائها. انتهى كلام
الزيلعي. وقال: وهذا الحديث مما يدل على: أن ترك الجهر عندهم كان ميراثًا عن نبيهم
وَّه، يتوارثه خَلَفُهُمْ عَنْ سَلَفِهِمْ، وهذا وحده كاف في المَسْأَلَةِ؛ لأن الصلوات الجهرية دائمة
- صباحًا ومساءً - فلو كان عليه السلام يجهر بها دائمًا؛ لما وقع: فيه اختلاف ولا اشتباه،
ولكان معلومًا بالاضطرار، ولما قال أنس: لم يجهر بها عليه السلام ولا خلفاؤه الراشدون،
ولا قال عبد الله بن مغفل ذلك أيضًا وسماه: حدثًا، ولما استمرَّ عمل أهل («المدينة» في
محراب النبي﴿ ومقامه على ترك الجهر، يتوارثه آخرهم عن أولهم، وذلك جَارٍ عِنْدَهُمْ
مَجْرَى الصَّاعِ وَالمُدِّ، بل أبلغ من ذلك؛ لاشتراك جميع المسلمين في الصلاة، ولأن الصلاة
تتكرر كل يوم وليلة، وكم من إنسان لا يحتاج إلى صَاعٍ ولا مُدِّ؟! ومن يحتاجه يَمْكُثُ مُدَّةً
لا يحتاج إليه، ولا يظن عاقل: أن أَكَابِرَ الصَّحَابَةِ والتابعين، وأكثر أهل العلم: كانوا
يواظبون على خلاف ما كان رسول اللهرَّاهل يفعله. انتهى كَلامُ الزيلعي.
(١) أحمد. حديث (١٢٢٨٩)، والدارقطني (٣١٢/١) (٣٧).

٦٨
أبواب الصلاة عن رسول الله رَّار / باب مَنْ رَأَى الجَهْرَ بـ﴿نِسْمِ أَقَّهِ الرَّمَنِ الرَّحَمِ﴾
١٨١- بَابٌ مَنْ رَأَى الجَهْرَ بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمَةِ﴾ [ت٦٧، م٦٧]
[٢٤٥] (٢٤٥) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ، حَدَّثَنَا المُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ:
حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ حَمَّادٍ، عَنْ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ
صَلى الله
زسالم
يَفْتَتَحُ صَلَاتَهُ بِ﴿ِسْمِ اللَّهِ الََّنِ الرَّحَةِ﴾. [ضعيف الإسناد].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِذَاكَ.
وَقَدْ قَالَ بِهَذَا عِدَّةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَِّّ ◌َّهُ مِنْهُمْ: أَبُو هُرَيْرَةَ، وَابْنُ
١٨١ - بَابُ مَنْ رَأَى الجَهْرَ بـ﴿يِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحِيَةِ﴾
[٢٤٥] قوله: (حدثني إسماعيل بن حماد) قال الحافظ في ((تهذيب التهذيب)) إسماعيل بن
حَمَّاد بن أبي سليمان الأشعري، مَوْلاهُمُ الكُوفِيُّ، روى عن أبيه، وأبي خالد الوالبي، وعنه:
مُعْتَمِرُ بن سُلَيْمَانَ. قال ابن معين: ثِقَةٌ، وقال أبو حاتم: شَيْخٌ يُكْتَبُ حَدِيثُهُ.
وفرق ابن أبي حاتم بينه وبين إسماعيل بن حماد البصري الراوي، عن أبي خالد
الوالبي، عن ابن عباس؛ وعنه: معتمر، ولم يذكر البخاري في ((التاريخ)) غير ابن
أبي سليمان. وقال الأزدي في إسماعيل: يتكلمون فيه. وقال العقيلي: حديثه غير محفوظ،
ويحكيه عن مجهول؛ يعني: الحديث الذي رواه عن أبي خالد الوالبي عن ابن عباس في
الاسْتِفْتَاحِ بِالْبَسْمَلَةِ، وقال ابن عدي: ليس إسْنَادُهُ بِذَاكَ، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
انتهى. (عن أبي خالد) الوالبي تأتي ترجمته في آخر الباب. (يفتتح صلاته بـ ﴿نِسْمِ اللهِ
اَلَّهَِ الرَّحِيمِ﴾) ظاهره: يدل على أن رسول الله ◌َّ كان يجهر بالبسملة، لكن الحديث
ضعيف .
قوله: (وليس إسناده بذاك) أي: بذاك القوي: قال الطيبِيّ: المشار إليه بذاك: ما في
ذهن من يعتني بعلم الحديث، ويعتد بالإسناد القوي. قال الحافظ في ((الدراية)): وأخرجه ابن
عدي، وقال: لا يرويه غير معتمر، وفيه: أبو خالد، وهو مجهول، والحديث غير محفوظ؛
وقال أبو زرعة: لا أَعْرِفُ أبا خالد، وأخرجه العقيلي، وقال: هو مجهول؛ وقيل: إنه
الوالبي، وَاسْمُهُ: هرمز، والله أعلم. والراوي عنه: إسماعيل بن حماد: قال العقيلي:
ضعيف. انتهى.
قوله: (وقد قال بهذا عدة من أهل العلم) أي: قال بالجهر بالبسملة: جماعة من أهل

٦٩
أبواب الصلاة عن رسول الله ◌َّهُ / باب مَنْ رَأَى الجَهْرَ ب﴿نِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحَمِ﴾
عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ التَّابِعِينَ: رَأَوُا الْجَهْرَ بـ ﴿إِسْمِ
اللَِّ الََّنِ الرَّحَةِ﴾ وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ حَمَّادٍ هُوَ: ابْنُ
أَبِي سُلَيْمَانَ، وَأَبُو خَالِدٍ، يُقَالُ: هُوَ: أَبُو خَالِدِ الْوَالِيُّ، وَاسْمُهُ: هُرْمُزُ وَهُوَ كُوفِيٍّ.
العلم، واستدلوا: بحديث الباب، وبعدة أحاديث أخرى أكثرها ضعيفة، وأجودها: حديث
نعيم المجمر: قال: صَلَّيْتُ وَرَاءَ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَرَأَ: ((بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ))، ثم قرأ: بـ ((أَمِّ
القرآن))، حتى إذا بلغ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقال: آمينَ، وقال الناس:
آمين .... الحديث، وفي آخره: قال: ((وَالَّذِي نَفْسي بِيَدِهِ: إِنِّي لَأَشْبَهُكُمْ صَلاةَ بِرَسُولِ الله
(وَ))؛ أخرجه النسائي، وابن خزيمة، وابن حبان(١)، وغيرهم.
قال الحافظ في ((الفتح)) - بعد ذكر هذا الحديث -: وهو أصح حديث ورد في ذلك -
يعني: في الجهر بالبسملة، قال: وقد تعقب الاستدلال بهذا الحديث: باحتمال: أن يكون
أبو هريرة أراد بقوله: ((أَشْبَهُكُمْ)) أي في معظم الصلاة، لا في جميع أجزائها، وقد رواه
جماعة غير نعيم، عن أبي هريرة، بدون ذكر البسملة.
والجواب: أن نعيمًا ثقة فتقبل زيادته، والخبر ظاهر في جميع الأجزاء، فيحمل على
عمومہ حتی یثبت دلیل یخصصه. انتھی.
وقال صاحب ((سبل السلام): قول أبي هريرة: ((إِنِّي لَأَشْبَهُكُمْ صَلاةً برسول الله ◌ِهِ))،
وإن كان محتملاً: أنه يريد: في أكثر أفعال الصلاة وأقوالها، إلا أنه خلاف الظاهر، ويبعد
عن الصحابي: أن يبتدع في صلاته شيئًا لم يفعله رسول الله وَّهِ فيها، ثم يقول: ((وَالَّذِي
نَفْسِي بِيَدِهِ: إِنِّي لَأَشْبَهُكُمْ)). انتهى. قال: والأقرب أنه يَّ كان يقرأ بها تارة جهرًا، وتارة
يخفیھا . انتهى.
قوله: (وإسماعيل بن حماد) قال الذهبي في ((الميزان)): إسماعيل بن حماد بن
أبي سليمان الكوفي: وثقه ابن معين، وقال الأزدي: يتكلمون فيه، وقال العقيلي: حديثه غير
محفوظ، ويحكيه عن مجهول، ثم ذكر الذهبي حديث الباب من طريقه. (هو أبو خالد
الوالبي) قال في ((التقريب)) : - بموحدة قبلها كسرة - الكوفي، اسمه: هرمز، ويقال: هرم،
مقبول من الثانية، وَفَدَ عَلَى عمر، وقيل: حديثه مرسل، فيكون من الثالثة. انتهى. وقال
الذهبي في ((الميزان)): أبو خالد عن ابن عباس: لا يعرف.
(١) النسائي، كتاب الافتتاح. حديث (٩٠٥)، وابن خزيمة (٤٩٩)، وابن حبان (١٧٩٧).

٧٠
أبواب الصلاة عن رسول اللهنَ ﴿ / بَابُ مَا جَاءَ فِي افْتِتَاحِ القِرَاءَةِ بـ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾
١٨٢- بَابُ مَا جَاءَ في افْتِتَاحِ القِرَاءَةِ
بـ ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] [ت٦٨، ٦٨٢]
[٢٤٦] (٢٤٦) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ:
كَانَ رَسُولُ اللهِلٌَّ، وَأَبُو بَكْرِ، وَعُمَرُ، وَعُثمَانُ، يَفْتَتِحُونَ القِرَاءَةَ بـ ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ
رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]. [خ: ٧٤٣، م: ٣٩٩، ن: ٩٠٢، د: ٧٨٢، جه: ٨١٣، حم: ١١٥٨٠،
مي: ١٢٤٠] .
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِندَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ نَّهِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ،
كَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ القِراءَةَ بـ ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢].
قَالَ الشَّافِعِيُّ: إِنَّمَا مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيِّنَّةِ، وَأَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ
١٨٢ - بَابُ افْتِتَاحِ القِرَاءَةِ بـ﴿ اَلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾
[٢٤٦] قوله: (يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين) - بضم الدال على الحكاية -
واختلف في المراد بذلك، فقيل: المعنى: كانوا يفتتحون بالفاتحة، وهذا قَوْلُ من أثبت
البسملة في أولها، وتعقب: بأنها إنما تسمى ((الحمد)) فقط: وأجيب: بمنع الحصر،
ومستنده: ثبوت تسميتها بهذه الجملة، وهي الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ في ((صحيح
البخاري)). أخرجه في (فضائل القرآن)) من حديث: أبي سعيد بن المعلى؛ أن النبي ◌ّ
قال له: ((أَلا أُعَلِّمُكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ فِي الْقُرْآن .... ؟)) فذكر الحديث، وفيه قال: ((الْحَمْدُ لِلَّهِ
رَبِّ الْعَالَمِينَ هي: سبع المَثَانِي)) وقيل: المعنى: كَانُوا يفتتحون بهذا اللفظ، تمسكًا بظاهر
الحديث، وهذا قول مَنْ نفى قراءة البسملة، لكن لا يلزم من قوله: ((كانوا يفتتحون بالحمد)»
أنهم لم يقرؤوا: ((بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ)) سرًّا، وقد أطلق أبو هريرة السكوت على القراءة
سرًّا؛ كذا في ((فتح الباري)).
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم .
(٢)
البخاري كتاب فضائل القرآن. حديث (٥٠٠٦).
(١)
(٢)
مسلم، كتاب الصلاة. حديث (٣٩٩).

٧١
أبواب الصلاة عن رسول الله بَاءٍ / بَابُ مَا جَاءَ أَنَّهُ لَا صَلَاةَ إِلَّا بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ
كَانُوا يَفْتَتِحُونَ القِرَاءَةَ بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] مَعْنَاهُ: أَنَّهُمْ كَانُوا
يَبْدَؤونَ بِقِرَاءَةٍ فَاتِحَةِ الكتابِ قَبْلَ السُّورَةِ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَقْرَؤُونَ ﴿إِسْمِ
اْللَّهِ اَلَِ الرَّحَةِ﴾. وَكَانَ الشَّافِعِيُّ يَرَى أَنْ يُبْدَأَ بـ﴿ يَسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَمِ﴾
وَأَنْ يُجْهَرَ بِهَا، إِذَا جُهِرَ بِالقِرَاءَةِ.
١٨٣- بَابُ مَا جَاءَ أَنَّهُ لَا صَلَاةَ إِلََّّ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ [ت٦٩، م٦٩]
[٢٤٧] (٢٤٧) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي عُمَرَ المَكِّيُّ أَبُو عَبْدِ الله العَدَنِيُّ
وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ،
عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، عَنِ النَّبِّ وَّهِ قَالَ: ((لَا صَلَاةَ لَمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ)).
[خ: ٧٥٦، م: ٣٩٤، ن: ٩٠٩، د: ٨٢٢، جه: ٨٣٧، حم: ٢٢١٦٣، مي بنحوه: ١٢٤٢].
قَالَ: وَفِي الْبَابِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَائِشَةَ، وَأَنَسٍ، وَأَبِي قَتَادَةَ، وَعَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو.
١٨٣ - باب مَا جَاءَ: أَنَّهُ لا صَلاةَ إلَّا بِفَاتِحَةِ الكِتَّابِ
[٢٤٧] قوله: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) هذا دليل على: أن قراءة فاتحة
الكتاب فَرْضٌ في جميع الصلوات، فريضة كانت أو نافلة، وركن من أركانها .
قال الشاه ولي الله الدهلوي في ((حجة الله البالغة)) تحت قوله: الأمور التي لا بد منها في
الصلاة: ما ذكره النبي ◌َّهِ بلفظ الركنية؛ كقوله ◌َله: ((لا صَلاةَ إلَّا بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ))، وقوله
وَلَّهِ: ((لا تُجْزِئُّ صَلاةُ الرَّجُلِ حَتَّى يُقِيمَ ظَهْرَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ))، وما سمى الشارع
الصلاة به، فإنه تنبيه بليغ على كونه ركنًا في الصلاة. انتهى كلامه. والحديث بعمومه: شامل
لكل مصلّ؛ منفردًا كان، أو إمامًا، أو مأمومًا .
قوله: (وفي الباب عن أبي هريرة، وعائشة، وأنس، وأبي قتادة، وعبد الله بن عمرو) أما
حديث أبي هريرة: فأخرجه مسلم(١)، مرفوعًا بلفظ: ((مَنْ صَلَى صَلاةَ لَمْ يَقْرَأُ فِيهَا بِأُمِّ القُرْآنِ
فَهِيَ خِدَاجٌ - ثَلاثًا - غَيْرُ تَمَام ... )) الحديث. وأما حديث عائشة: فأخرجه أحمد، وابن
ماجه، والطحاوي، والبيهقي في ((كتاب القراءة)) والبخاري(٢) في ((جزء القراءة)) بلفظ:
(١) مسلم، كتاب الصلاة. حديث (٣٩٥).
(٢) أحمد (٢٤٥٧٥)، وابن ماجه (٨٤٠)، والطحاوي في ((المشكل)) (١٣٩/٢)، والبيهقي (٧٩)، والبخاري (٩).

٧٢
أبواب الصلاة عن رسول الله وَ﴿ / بَابُ مَا جَاءَ أَنَّهُ لَا صَلَاةَ إِلَّ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ
قَالَ أَبُو عِيْسَى: حَدِيثُ عُبَادَةً حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ نَّهِ، مِنْهُمْ: عُمَرُ بْن
الْخَطَّابِ، وَعَلِيُّ بْن أَبِي طَالِبٍ، وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ الله، وَعِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ، وَغَيْرُهُمْ؛
قَالُوا: لَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ إِلَّا بِقِرَاءَةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: كُلُّ صَلَاةٍ لَمْ يُقْرَأُ فِيْهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَهِيَ خِدَاجٌ،
غَيْرَ تَمَامِ. وَبِهِ يَقُولُ ابْنُ المُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ.
قالت: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِهِ يقول: ((مَنْ صَلَّى صَلاةَ لَمْ يَقْرَأُ فِيهَا بِأُمِّ القُرْآنِ فهي خِدَاجٌ)).
وأما حديث أنس(١)، وأبي قتادة: فلم أقف عليهما(٢).
وأما حديثهما في القراءة خلف الإمام: فسيجيء تخريجهما في ((باب القراءة خلف الإمام)).
وأما حديث عبد الله بن عمرو(٣) فأخرجه البيهقي في ((كتاب القراءة)): والبخاري في:
((جزء القراءة)) - مرفوعًا - بلفظ: ((كُلُّ صَلاةٍ لَا يُقْرَأُ فِيهَا بِأُمّ القُرْآنِ؛ فَهِيَ مُخْدجَةٌ مُخْدجَةٌ
مُخْدجَةٌ)): وفي رواية: ((فَهِيَ خِدَاجٌ)).
قوله: (حديث عبادة حديث حسن صحيح) أخرجه الجماعة.
قوله: (والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي وَّر، منهم: عمر بن
الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وجابر بن عبد الله، وعمران بن حصين، وغيرهم) كعبادة بن
الصامت، وأبي هريرة رضي الله عنهم أجمعين (قالوا: لا تجزئ صلاة إلا بقراءة فاتحة
الكتاب؛ وبه يقول ابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق) فعند هؤلاء: قراءة الفاتحة
في الصلاة فرض من فروضها وركن من أركانها. واستدلوا عليه: بأحاديث الباب؛ فإن
حديث عبادة بلفظ: ((لا صلاةَ لِمَنْ لم يَقْرَأُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ))؛ تنبيه بليغ على ركنية الفاتحة؛
كما تقدم، ورواه الدارقطني، وابن خزيمة، وابن حبان(٤) وغيرهم بإسناد صحيح بلفظ: ((لا
تجزئ صلاةٌ لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب)) كما ذكره الحافظ في ((الفتح)): فهذه الرواية: نص
صريح في ركنية الفاتحة لا يحتمل تأويلاً، وحديث أبي هريرة وغيره بلفظ: ((مَنْ صَلَّى صَلاةً
(١) ابن حبان في صحيحه (١٨٤٤).
(٢) البخاري، كتاب الأذان. حديث (٧٥٩).
(٣) البخاري في ((جزء القراءة)) (١٠)، والبيهقي في ((القراءة)) (٨٣).
(٤) الدارقطني (٣٢١/١) حديث (١٧)، وابن خزيمة (٤٨٨)، وابن حبان (١٧٨٢).

٧٣
أبواب الصلاة عن رسول الله وَّه / بَابُ مَا جَاءَ أَنَّهُ لَا صَلَاةَ إِلَّ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ
سَمِعْتُ ابْنَ أَبِيِ عُمَرَ يَقُولُ: اخْتَلَفْتُ إِلَى ابْنِ عُيَيْنَةَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَنَةً، وَكَانَ
الْحُمَيْدِيُّ أَكْبَرَ مِنِّي بِسَنَةٍ، وَسَمِعْتُ ابنَ أَبِي عُمَرَ يَقُولُ: حَجَجْتُ سَبْعِينَ حَجَّةً مَاشِيَاً
عَلَى قَدَمَيَّ.
لَمْ يَقْرَأُ فِيهَا بِأُمّ القُرْآنِ فَهِيَ خِدَاج)): أيضًا يدل على: ركنية الفاتحة في الصلاة؛ فإن معنى
قوله: ((خداجٌ))؛ أي: ناقصة نقص فساد وبطلان.
قال الزمخشري في ((أساس البلاغة)): ومن المجاز: خَدَجَ الرَّجُلُ: فهو خَادِجٌ إذا نَقَصَ
عُضْوٌ منه، وأَخْدَجَهُ الله فهو مُخْدَجٌ. وكان ذو النُّدَيَّةِ مُخْدَجَ اليَدِ. وأخدج صلاته: نقص
بعض أركانها، وصلاتي مُخْدَجَةٌ وخَادِجَةٌ وَخِدَاجٌ، وصف بالمصدر. انتهى.
وقال الخطّابي في ((معالم السنن)): فهي خداج، أي: ناقصة نقصَ بطلانٍ وفسادٍ؛ تقول
العرب: أَخْدَجَتِ النَّاقَةُ: إذَا أَلْقَتْ ولدها وهو دَمٌّ لم يستبن خلقه، فهي مُخْدِجٌ. والخداج
اسم مبني منه. وقال البخاري في جزء القراءة: قال أبو عبيد: أخدجت الناقة: إذا أسقطت،
والسقط ميت لا ينتفع به. انتهى.
وقال الجزري في ((النهاية)): الخِدَاجُ: النقصان؛ يقال: خَدَجَتِ النَّاقَةُ: إذا ألقت ولدها
قبل أوانه، وإن كان تام الخلق. وأَخْدَجَتْهُ: إذا ولدته ناقص الخلق، وإن كان لتمام الحمل.
انتھی .
وقال في ((المصباح المنير)): قال أبو زيد: خَدَجَتِ النَّاقَةُ، وكل ذات خُفٍّ وَظِلْفٍ
وَحَافِرٍ: إذا ألقت ولدها لغير تمام الحمل؛ وزاد ابن القوطية: وإن تم خلقه وَأَخْدَجَتْهُ -
بالألف -: ألقته ناقص الخَلْقِ. انتهى.
قلت: والمراد من إلقاء الناقة ولدها - لغير تمام الحمل وإن تم خلقه - إسقاطها،
والسَّقط ميت لا ينتفع به؛ كما عرفت، فظهر من هذا كله: أن قوله: ((فَهِيَ خِدَاجٌ)). معناه:
نَاقِصَةٌ نَقْصَ فَسَادٍ وَبُطْلانٍ، ويدل عليه: ما رواه البيهقي (١) في ((كتاب القراءة)) بإسناده، عن
أبي هريرة قال: قال رسول الله بَّه: ((لا تُجْزِئُ صَلاةٌ لا يُقرَأُ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ)» قلت: فإن
كنت خلف الإمام؟ قال: فَأَخَذَ بِيَدِي وَقَالَ: ((اقْرَأْ فِي نَفْسِكَ يَا فَارِسيُّ)). قال البيهقي: رواه
ابن خزيمة الإمام، عن محمد بن يحيى محتجًّا به على أن قوله - في سائر الروايات -: ((فَهِيَ
خِدَاجٌ)): المراد به: النقصان الذي لا تجزئ معه. انتهى.
(١) ((القراءة خلف الإمام)) للبيهقي (٥٠).

٧٤
أبواب الصلاة عن رسول الله وَّة / بَابُ مَا جَاءَ أَنَّهُ لَا صَلَاةَ إِلَّ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ
فالحاصل: أن استدلال أكثر أهل العلم وجمهورهم بأحاديث الباب على ركنية الفاتحة
في الصلاة صحيح لا غبار عليه، وقولهم هو الراجح المنصور.
وقال الحنفية: بأن قراءة الفاتحة في الصلاة ليست بفرض، وأجابوا عن حديث عبادة:
بأن النفي في قوله: ((لا صَلاة)): للكمال، ورد هذا الجواب بوجهين:
الأول: أن رواية ابن خزيمة(١) وغيره بلفظ: ((لا تُجْزِئُ صَلاةٌ لا يُقرَأُ فِيهَا بِفَاتِحَةٍ
الْكِتَابِ)) تبطل تأويلهم هذا إبطالًا صريحًا وهذه الرواية صحيحة صرح بصحتها أئمة الفن.
قال الحافظ في ((التلخيص)): ورواه - يعني حديث عبادة - الدار قطني بلفظ: ((لا تُجْزِئُ
صلاةٌ إلا أن يقرأ الرجل فيها بأمِّ القرآن)). وصححه ابن القطان. انتهى.
وقال القاري في ((المرقاة)) - نقلًا عن ابن حجر المكي - ومنها: خبر ابن خزيمة، وابن
حبان، والحاكم في صحاحهم بإسناد صحيح: ((لا تُجْزِئُ صَلاةٌ لا يُقرَأُ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ)).
ورواه الدارقطني بإسناد حسن.
وقال النووي: رُوَاتُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ. انتهى.
والثاني: أن النفي في قوله ((لا صَلاةَ)): إما أن يراد به: نفي الحقيقة، أو نفي الصحة،
أو نفي الكمال، فالأول: حقيقة، والثاني، والثالث: مجاز، والثاني - أعني: نفي الصحة -:
أقرب المجازين إلى الحقيقة، والثالث - أعني: نفي الكمال -: أبعدهما، فحمل النفي على
الحقيقة واجب إن أمكن، وإلا: فحمله على أقرب المجازين واجب ومتعين، ومع إمكان
الحقيقة أو أقرب المجازين لا يجوز حمله على أبعد المجازين.
قال الشوكاني في ((النيل)): والحديث - يعني حديث عبادة -: يدل على تعين الفاتحة في
الصَّلاةِ، وأنه لا يُجْزِئُ غَيْرُهَا؛ وإليه ذهب مالك، والشافعي، وجمهور العلماء من الصحابة
والتابعين فمن بعدهم؛ لأن النَّفْيَ المَذْكُورَ في الحديث يَتَوَجَّهُ إلى الذَّاتِ إِنْ أَمْكَنَ انتفاؤها،
وإلا تَوَجَّهَ إلى ما هو أقرب إلى الذات، وهو الصحة لا إلى الكمال؛ لأَنَّ الصِّحَّةَ أقرب
المجازين، والكمال: أبعدهما، والحمل على أقرب المجازين واجب، وتوجه النفي ها هنا
إلى الذات ممكن؛ كما قال الحافظ في ((الفتح))؛ لأن المراد بالصلاة: معناها الشرعي لا
اللغوي، لما تقرر من أن ألفاظ الشارع محمولة على عرفه؛ لكونه بعث لتعريف الشرعيات لا
(١) ابن خزيمة. حديث (٤٨٨).

٧٥
أبواب الصلاة عن رسول الله ◌ِ﴿ بَابُ مَا جَاءَ أَنَّهُ لَا صَلَاةَ إِلَّا بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ
لتعريف الموضوعات اللغوية، وإذا كان المنفي: الصلاة الشرعية استقام نفي الذات؛ لأن
المركب كما ينتفي بانتفاء جميع أجزائه، ينتفي بانتفاء بعضها، فلا يحتاج إلى إضمار الصحة؛
ولا الإجزاء، ولا الكمال؛ كما روي عن جماعة؛ لأنه إنما يحتاج إليه عند الضرورة، وهي
عدم إمكان انتفاء الذات. ولو سلم: أن المراد هاهنا: الصلاة اللغوية، فلا يمكن توجه النفي
إلى الذات؛ لأنها قد وجدت في الخارج، كما قاله البعض، لكان المتعين توجيه النفي إلى
الصحة أو الإجزاء، لا إلى الكمال، أمَّا أولًا: فَلِمَا ذَكَرْنَا من أن ذلك أقرب المجازين، وأما
ثانيًا: فلرواية الدارقطني المذكورة في الحديث؛ فإنها مصرحة بالإجزاء فَتَعَيَّنَ تَقْدِيرُهُ، انتهى
كلام الشوكاني.
وقال الحافظ في ((الفتح)): إن سلمنا تَعَذُّرَ الحَمْلِ عَلَى الحقيقة، فالْحَمْلُ على أَقْرَب
المَجَازَيْنِ إلى الحقيقة أولى من الحَمْلِ على أبعدهما، ونفي الإجزاء أَقْرَبُ إلى نَفْي الحقيقة،
وهو السابق إلى الفَهْمِ؛ ولأنه يَسْتَلْزِمُ نفي الكمال من غير عكس فيكون أولى. ويؤيده: رواية
الإسماعيلي، من طريق العباس بن الوليد النرسي - أحد شيوخ البخاري - عن سفيان بهذا
الإسناد بلفظ: ((لا تُجْزِئُ صَلاةٌ لا يُقرَأُ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ)». وتابعه على ذلك: زياد بن
أيوب - أحد الأثبات - أخرجه الدارقطني، وله شاهد من طريق العلاء بن عبد الرحمن، عن
أبيه، عن أبي هريرة - مرفوعًا بهذا اللفظ - أخرجه ابن خزيمة، وابن حبان، وغيرهما،
ولأحمد (١) من طريق عبد الله بن سوادة القشيري، عن رجل، عن أبيه - مرفوعًا -: ((لا تُقْبَلُ
صَلاةٌ لا يُقرَأُ فِيهَا بأمِّ القرآن)). انتهى كلام الحافظ.
وأجاب الحنفية - عن حديث أبي هريرة المذكور -بأن لفظ ((الخِدَاج)): يدل على
النُّقْصَانِ لا على البطلان؛ لأنه وقع مثل هذا في ترك الدعاء بعد الصلاة، في حديث:
فضل بن عباس، ورُدَّ بأنه: يدل على أَنَّ مَنْ صَلَّى صَلاةً لم يقرأ فيها بِأُمِّ القُرْآن فَصَلاتُهُ نَاقِصَةٌ
نَقْص بُطْلانٍ وَفَسَادٍ، وقد عرفت بيانه، ولم يقع لفظ ((الخداج)) في حديث فضل بن عباس
على ترك الدعاء بعد الصلاة فقط، بل على ترك مجموع ما ذكر في هذا الحديث، ولفظه
هكذا: ((الصَّلاةُ مَثْنَى مَثْنَى تشهد في كُلِّ رَكْعَتَيْنٍ، وَتَخشَع وتضرع وتمسكُن، ثمَّ تقنع يَدَيْكَ،
يقولُ: ترفعهُما إلى ربِّك مُستقبلًا)) (٢).
(١) أحمد. حديث (٢٠٢١٧).
(٢) الترمذي، كتاب الصلاة. حديث (٣٨٥).

٧٦
أبواب الصلاة عن رسول الله وَه / بَابُ مَا جَاءَ أَنَّهُ لَا صَلَاةَ إِلَّ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ
تنبيه: اعلم: أن مذهب الحنفية: أَنَّ قِرَاءَةَ الفَاتِحَةِ ليست بفرض، بل هي واجبة، قالوا:
الفرض عندنا: مطلق القراءة؛ لقوله تعالى: ﴿فَقْرَءُواْ مَا نَّيَشَرَ مِنَ الْقُرْءَانِ﴾ [المزمل: ٢٠] وتقييده
بالحديث: زيادة على الكتاب، وذا لا يجوز، فعملنا بالكتاب والحديث، فقلنا: إن مطلق
القرآن فرض، وقراءة الفاتحة واجب.
قلت: إثبات فرضية مطلق القرآن بهذه الآية مبني على: أن المراد من قوله تعالى:
﴿فَاقْرَءُوا﴾ قراءة القرآن بعينها، وهو ليس بمتفق عليه، بل فيه قولان.
قال الرازي في «تفسيره)): فيه قولان:
الأول: أن المُرادَ من هذه القراءة الصلاة، أي: فصلوا ما تَيَسَّر عليكم.
القول الثاني: أَنَّ المراد من قوله: ﴿فَقْرَءُواْ مَا نَشَرَ مِنَ الْقُرْءَانِ﴾ قراءة القرآن بعينها.
انتھی .
وهكذا في عامة كتب التفسير؛ والقول الثاني: فيه بعد عن مقتضى السياق.
قال الشيخ الألوسي البغدادي في ((تفسيره)) المسمى: بـ«روح المعاني)): أي: فَصَلُّوا مَا
تَسَّرَ لَكُمْ مِن صَلاةِ الليل؛ عبر عن الصلاة بالقراءة، كما عبر عنها بسائر أركانها .
وقيل: الكلام على حقيقته من طلب قراءة القرآن بعينها. وفيه بُعْدٌ عَنْ مُقْتَضَى السِّيَاقِ.
انتهى كلامه. فلما ظهر أن في قوله تعالى: ﴿فَقْرَهُوا﴾ القولين المذكورين، وأن القول
الثاني فيه بعد، لاحَ لك أن الاسْتِدْلالَ به على فرضية مطلق القراءة غير صحيح، ولو سلمنا :
أن المراد: هو القول الثاني - أعني: قراءة القرآن بعينها - فحديث الباب مشهور، بل
متواتر .
قال الإمام البخاري في: ((جزء القراءة)): تواتر الخبر عن رسول الله وَالهو: ((لا صَلاةَ إلا
بِقرَاءَةِ أُمّ القُرْآنِ)). انتهى. والزيادة بالحديث المشهور جائزة عند الحنفية، على أن قوله
تعالى: ﴿فَقْرَهُواْ مَا تَتَرَ مِنَ الْقُرْءَانِ﴾ عام مخصوص منه البعض، فهو ظني؛ فلا يدل على
فرضية مطلق القراءة، ويجوز تخصيصه ولو بالأحاديث، قال الملا جيون في تفسيره: ثم أقل
القراءة فرضًا عندنا آية واحدة طويلة؛ كآية الكرسي وغيرها، أو ثلاث آيات قصيرة،
ك﴿ مُدْهَآَمَتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٤]، وهذا هو الأصح.
، وقيل: إنه واحدة طويلة كانت أو قصيرة، وذلك مما لا يعتد به تنأى عنه كتب الفقه.

٧٧
أبواب الصلاة عن رسول الله ◌َلِ / بَابُ مَا جَاءَ أَنَّهُ لَا صَلَاةَ إِلَّ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ
وعلى كل تقدير يكون ما دون الآية مخصوصًا من هذا العام، فيكون العام ظنيًّا؛ فينبغي
ألَّ يدل على فرضية القراءة، وأن يعارضه الحديث حجة للشافعي. انتهى كلامه.
وأما ما قيل: من أن ما دون الآية لا يسمى قراءة القرآن عرفًا، والعرف قاض على
الحقيقة اللغوية، فهذه دعوى لا دليل عليها، ولا يلزم منها: أن يكون: ﴿مُدْهَآَمَتَانِ﴾ التي هي
كلمة واحدة قراءة القرآن، ولا يكون أكثر آية المداينة التي هي كلمات كثيرة قراءة القرآن،
وهذا كما ترى.
وأيضًا: يلزم منه: أنه لو قرأ أحد نصف آية المداينة في الصلاة لا تجوز، وعامة الحنفية
على جوازها. قال في ((فتح القدير)): ولو قرأ نصف آية المداينة، قيل: لا يجوز؛ لعدم تمام
الآية. وعامتهم على الجواز. انتهى.
فإن قلت: قوله ◌َّله حين تعليم المسيء صلاته -: ((إِذَا قُمْتَ إلَى الصَّلاةِ فَكَبِّرْ ثُمَّ اقْرَأْ مَا
تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ)) رواه البخاري (١) - يدل على عدم فرضية الفاتحة؛ إذ لو كانت فرضًا
لأمره؛ لأن المقام مقام التعليم، فلا يجوز تأخير البيان عنه.
قلت: قد أمره رسول الله الر بقراءة الفاتحة؛ فأخرج أبو داود في ((سننه))(٢)، من حديث
رفاعة بن رافع مرفوعًا: ((وَإِذَا قُمْتَ فَتَوَجَّهْتَ فَكَبِّر، ثُمَّ اقْرَأْ بِأُمِّ القُرْآنِ، وبِمَا شَاءَ الله أَنْ
تَقْرَأَ».
وأجاب الخطّابي عن هذا: بأن قوله: (ثُمَّ اقْرَأُ مَا تَيسَّرَ مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ)) ظاهر الإطلاق
التخيير، لكن المراد به: فاتحة الكتاب؛ بدليل: حديث عبادةَ؛ وهو كقوله تعالى: ﴿فَا
أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْمَدْيِّ﴾ [البقرة: ١٩٦] ثم عينت السنة المراد. والحاصل: أن قراءة الفاتحة في
الصلوات فَرْضٌ من فروضها، ولم يقم دليل صحيح على ما ذهب إليه الحنفية هذا ما عندي؛
والله تعالى أعلم.
(١) البخاري، كتاب الأذان، حديث (٧٥٧).
(٢) أبو داود، كتاب الصلاة، حديث (٨٥٩).

٧٨
أبواب الصلاة عن رسول الله ◌ِ ﴿/ بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّأُمِين
١٨٤ - بَابُ مَا جَاءَ في التَّأْمِين [ت٧٠، ٧٠٢]
[٢٤٨] (٢٤٨) حَدَّثَنَا بُنْدَارٌ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ
وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ حُجْرِ بْنِ
عَنْبَسٍ،
١٨٤ - باب مَا جَاءَ في التَّأْمِينِ
التأمين: مصدر أمَّن، أي: قال: آمين، وهي بالمد والتخفيف في جميع الروايات، وعن
جميع القراء. وحكى الواحدي عن حمزة والكسائي: الإمالَةَ. وفيها ثلاث لغات أخرى
شاذة: القَصْرُ: أي: أَمِين، والتشديد، مع المد والقصر: أي: آمِّين، وأمِّين. وخَطَأَ الأخريين
جَمَاعَةٌ؛ وأما الأولى منها: فحكاها ثعلب، وأنشد لها شاهدًا، وأنكرها ابن درستويه، وطعن
في الشاهد: بأنه لضرورة الشعر، ومعنى: آمين: اللهم استجب، عند الجمهور؛ وقيل غير
ذلك مما يرجع جميعه إلى هذا المعنى. وقيل: هو اسم من أسماء الله تعالى، رواه
عبد الرزاق، عن أبي هريرة بإسناد ضعيف: وعند أبي داود (١) من حديث أبي زهير النميري
الصحابي: أن ((آمين)) مثل الطابع على الصحيفة، ثم ذكر قوله وَله: ((إِنْ خَتَمَ بِآمِينَ فَقَدْ
أَوْجَبَ».
[٢٤٨] قوله: (حدثنا بُنْدَار) - بضم الموحدة، وسكون النون - لقب محمد بن بشار بن
عثمان العبدي، أحد أوعية السنة.
قال الذَّهبِيُّ: انْعَقَدَ الإِجْمَاعُ على الاحْتِجَاجِ بـ((بندار)). (نا يحيى بن سعيد) القطّان، أحد
أئمة الجرح والتعديل. (قالا: نا سفيان) هو: الثوري. (عن سلمة بن كهيل) الحضرمي
الكوفي.
قال الحافظ: ثقة. وقال الخزرجي: وثقه أحمد والعجلي.
واعلم: أن سَلَمَةَ هذا - وكله بفتح اللام، إلا عمرو بن سَلِمَةَ - إمام قومه - وبني سَلِمَةً
القبيلة من الأنصار، فبكسرها، وفي عبد الخالق بن سلمة: الوجهان -. (عن حُجْر) بضم
الحاء المهملة وسكون الجيم. (بن عَنْبس) - بفتح العين المهملة، وسكون النون، وفتح
الموحدة - الحضرمي، صدوق من كبار التابعين؛ قاله الحافظ. وقال الخزرجي: وثقه ابن
(١) أبو داود. كتاب الصلاة. حديث (٩٣٨).

٧٩
أبواب الصلاة عن رسول الله وَّه / بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّأْمِينِ
عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيِّ بَهَ قَرَأَ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَ الضَّآلِّنَ﴾
[الفاتحة: ٧]. فَقَالَ: ((آمِينَ)) وَمَذَّ بِهَا صَوْتَهُ. [ن بنحوه: ٨٧٩، د: ٩٣٢، جه بنحوه: ٨٥٥، حم:
١٨٣٦٣، مي: ١٢٤٧].
معين. (عن وائل بن حُجْر) - بضم الحاء المهملة وسكون الجيم - ابن سعد بن مسروق
الحضرمي، صحابي جليل، وكان من ملوك ((اليمن))، ثم سكن («الكوفة)»، ومات في ولاية
معاوية
قوله: (فقال: آمين) فيه: دليل على: أن الإمام يقول: آمين، وهذا موضع اختلف فيه
العلماء: فروى ابن القاسم عن مالك: أَنَّ الإمَامَ لا يقُولُ: آمين، وإنما يقول ذلك: مَنْ
خلفه، وهو قول المصريين من أصحاب مالك.
وقال جمهور أهل العلم: يقولها الإمام كما يقول المنفرد؛ وهو قول مالك في رواية
المدنيين. وحجتهم: أن ذلك ثابت عن النبي ◌َّ﴾ من حديث أبي هريرة ووائل بن حُجْرٍ،
وحديث بلال: ((لا تَسْبِقْنِي بِآمِينَ)) (١)؛ كذا في ((الاستذكار))(٢).
قلت: عن أبي حنيفة أيضًا في ذلك قولان:
أحدهما: أَنَّهُ يُؤَمِّنُ مَنْ خَلْفَ الإمَامِ، ولا يؤَمِّنُ الإمام؛ ذكره محمد في ((الموطأ)).
والثاني: كقول الجمهور؛ ذكره محمد في ((الآثار)). ولاشَكَّ: في أن قول الجمهور هو:
الحق. (ومد بها صوته) أي: رفع بها صوته وجهر. ورواه أبو داود (٣) بإسناد صحيح بلفظ:
(فَجَهَرَ بِآمِينَ)) ورواه أيضًا بإسناد صحيح بلفظ: كان رسول الله وَّه إذا قرأ: ((وَ لا الضَّالِينَ)»:
قال: ((آمين))، ورفع بها صوته، فظهر: أن المراد من قوله: ((وَمَدَّ بِهَا صَوتَهُ)) جهر بها، ورفع
صوته بها، فإن الروايات يفسر بعضها بعضًا.
قال الحافظ في ((التلخيص)»: احتج الرافعي بحديث وائل الذي بلفظ: ((مَّدَ بِهَا صَوتَهُ»
على استحباب الجهر بـ(آمين)) وقال في ((أَمَالِيهِ)): يجوز حمله على: أَنَّهُ تكلم على لغة المَدِّ،
دون القصر من جهة اللفظ، ولكن رواية من قال: ((رَفَعَ بِهَا صَوتَهُ)) تبعد هذا الاحتمال؛ ولهذا
قال الترمذي - عقبه -: وبه يقول غير واحد، يرون: أنه يرفع صوته. انتهى.
(١) أحمد. حديث (٢٣٣٦٦)، كتاب الصلاة. حديث (٩٣٧).
(٢) (٣٩٢/١).
(٣) أبو داود. كتاب الصلاة. حديث (٩٣٣).

٨٠
أبواب الصلاة عن رسول الله ◌َيُّ / بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّأْمِين
وقال الشيخ عبد الحق الدهلوي في ((اللمعات)): قوله: ((مَدَّ بِهَا صَوتَهُ)) - أي: بكلمة
(آمين)) - يحتمل: الجهر بها، ويحتمل: مد الألف على اللغة الفصيحة، والظاهر: هو
الأول، بقرينة الروايات الأخر، ففي بعضها: ((يرفع بها صوته))، وهذا صريح في معنى
الجهر، وفي رواية ابن ماجه ((حتى يَسْمَعَهَا الصَّفُّ الأَوَّلُ، فَيَرِتَجَّ بِهَا المَسْجِدُ)). وَفِي
بَعْضِهَا: (يَسْمَعُهَا مَنْ كَانَ فِي الصَّفِّ الأوَّل)). رواه أبو داود، وابن ماجه . انتهى كلام
الشيخ.
قلت: قول من قال: إن قوله: ((مَدَّ بِهَا صَوْتَهُ)) يجوزُ حملُه على أنَّه تكلّم على لُغة المدِّ
دون القصر، غير صحيح، ولا يجوز حَمْلُه على هذا ألبتة لما عرفت؛ ولأن هذا اللفظ لا
يُظْلَقُ إلا عَلَى رفع الصوت والجهر؛ كما لا يخفى على من تتبع مَظَانَّ استعمال هذا اللفظ،
ونحن نذكر ها هنا بعضها. روى البخاري في ((صحيحه)) عن البراء قال: لما كان يَوْمُ
الأحزاب وخَندَقَ رَسُولُ الله ... الحديث.
وفيه يقول: [من الرجز].
وَلا تَصَّدَّقْنَا ولا صَلَّيْنَا
اللهم لَوْلا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا
وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لاقَيْنَا
فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا
وَإِنْ أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا
إِنَّ الأُلَى قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا
قال: يمدُّ صوتَهُ بآخرها. انتهى.
وروى الترمذيُّ(٣) عن أبي بكرة؛ أن رسول الله قال: ((أَسْلَمُ، وَغِفَارُ، وَمُزَيْنَةُ، خَيْرٌ من
تَمِيم، وَأَسَدٍ، وَغَطْفَانَ، وَبَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ)) يَمُدُّ بِهَا صَوْتَهُ، فقال القوم: قد خابوا
وَخَسِرُوا؛ قال: ((فَهُمْ خَيْرٌ مِنْهُمْ))؛ قال الترمذي: هذا حديث حسن.
وروى أبو داود٢٤ٌ، وغيره حديث أبي محذورة في الترجيع بلفظ: (ثُمَّ ارْجِعْ فَمُدَّ من
صَوْتِكَ)) فلفظ: ((يمد صوته بآخرها)) في الأول، و((يمد بها صوته)) في الثاني، و((فمد من
(١) ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها. حديث (٨٥٣).
(٢) أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (٩٣٤)، وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة. حديث (٨٥٣).
(٣) الترمذي، كتاب المناقب عن رسول الله. حديث (٣٩٥٢)، وقال: حسن صحيح.
(٤) أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (٥٠٣).