Indexed OCR Text

Pages 641-660

٦٤١
أبواب الصلاة عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةٍ أنْ يَأْخُذَ المُؤْذِّنُ عَلَى الأَذَانِ أَجْراً
١٥٥- باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةٍ أنْ يَأْخُذَ المؤذِّنُ عَلَى الأَذَانِ أَجْراً [ت٤١، ٤١٢]
[٢٠٩] (٢٠٩) حدثنا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا أبو زُبَيْدٍ - وَهُوَ عَبْثَرُ بنُ القَاسِم - عَن أَشْعَثَ،
عَنِ الحَسَنِ، عَنْ عُثمانَ بنِ أبي العَاصِ، قَالَ: إنَّ مِن آخِرِ مَا عَهِدَ إلَيَّ رسول الله
وَ له أنِ اتَّخِدْ مُؤَذِّناً لا يَأخُذُ عَلَى أَذَانِهِ أجْراً. [ن: ٦٧١، د: ٥٣١، جه: ٧١٤، حم: ١٥٨٣٦].
١٥٥ - باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةِ أن يَأْخُذَ المُؤْذِّنُ عَلَى الأذَانِ أَجْرًا
[٢٠٩] قوله: (نا أبو زُبيد) بالتصغير، اسمه: عَبْثَرُ بن القاسم الزبيديُّ، بالضم،
الكوفي، ثقة من الثامنة، (عن أشعث) هو: ابن سوار الكندي، النَّجار، الكوفي، مولى
ثقيف، ويقال له: أشعث النَّجار، ويقال له: أشعث التابوتي، وأشعث الأفرق، روى عن:
الحسن البصري، والشعبي، وغيرهما، وروى عنه: شعبة، والثوري، وعبثر بن القاسم،
وغيرهم؛ قاله الحافظ في ((تهذيب التهذيب))، وقال في ((التقريب)): ضعيف، وقال
الخزرجي: حديثه في مسلم متابعة، (عن الحسن) هو البصري، (عن عثمان بن أبي العاص)
صحابيُّ شهير، استعمله رسولُ الله ◌َفي على الطائف، ومات في خلافة معاوية بالبصرة.
قوله: (إن من آخر ما عهد إليَّ رسولُ اللهِوَ﴿) أي: حين توديعه إلى الطائف للعملِ (أن
اتخذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا) فيه دلالةٌ ظاهرةٌ على أن يكره أخذ الأجرة، وقد عقد
ابن حبان(١) ترجمةً على الرخصة في ذلك، وأخرج عن أبي محذورة؛ أنه قال: ((فألقى عليَّ
رسولُ الله ﴿ الأذانَ، فأذنتُ، ثمَّ أعطانِي حينَ قضيتُ التَّاذِينَ صرَّةً فيها شيء من فِضَّةٍ)).
وأخرجه أيضًا النسائي، قال العمري: ولا دليل فيه لوجهين؛ الأول: أن قصة أبي محذورة
أول ما أسلم؛ لأنه أعطاه حين علمه الأذان، وذلك قبل إسلام عثمان بن أبي العاص الراوي
لحديث النهي، فحديث عثمان متأخر، الثاني: أنها واقعةُ عينٍ يتطرّق إليها الاحتمالُ، وأقربُ
الاحتمالات فيها أن يكون من باب التأليف لحداثة عهده بالإسلام؛ كما أعطى حينئذٍ غيره من
المؤلفة قلوبهم، ووقائعُ الأحوال إذا تطرّق إليها الاحتمال، سلبها الاستدلال؛ لما يبقى فيها
من الإجمال، قال الشوكاني - بعد نقل كلام ابن سيد الناس هذا -: وأنت خبيرٌ بأن هذا
الحديثَ لا يَرِدُ على من قال: ((إن الأجرة إنما تحرمُ إذا كانت مشروطة، لا إذا أعطيها بغير
مسألة))، والجمعُ بين الحديثين بمثل هذا حسنٌ.
(١) ابن حبان. حديث (١٦٨٠)، وأخرجه النسائي في ((الكبرى)). حديث (١٥٩٦).

٦٤٢
أبواب الصلاة عن رسول الله وَ﴿/ باب مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةٍ أنْ يَأْخُذَ المُؤْذِّنُ عَلَى الأَذَانِ أجْراً
قَالَ أَبُو عِيْسَى: حدِيثُ عُثْمانَ: حَديثُ حسَنٌ صَحِيْحٌ. وَالعَمَلُ عَلَى هذَا عِنْدَ
أهلِ العِلْم: كَرِهُوا أَنْ يَأْخُذَ المُؤَذِّنُ عَلَى الأَذَانِ أجْراً، وَاسْتَحَبُّوا لِلْمُؤَذِّنِ أنْ
يَحْتَسِبَ فِي أَذَانِهِ.
قلت: ما قال الشوكانيُّ في وجه الجمع بين الحديثينِ لا شك في حسنهِ.
قوله: (حديث عثمان حديث حسن) قال في ((المنتقى)) - بعد ذكره -: رواه الخمسة، وقال
في ((النيل)): صحَّحه الحاكم، وقال ابن المنذر: ثبت أنَّ رسولَ اللهِوَل﴿ قال لعثمانَ بن
أبي العاص: ((واتخذ مؤذِّنًا لا يأخذُ على أذانه أجرًا)) وأخرج ابن حبَّان عن يحيى البكاليِّ
قال: سمعتُ رجلًا قال لابن عمر: إني لأحبُّك في الله، فقال له ابن عمر: إني لأبغضكَ
في الله، فقال: سُبحان الله! أحِبُّكَ في الله، وتبغضنِي في اللهِ! قال: نعم، إنك تسألُ على
أذانكَ أجرًا، وروي عن ابن مسعود، أنه قال: أربعٌ لا يؤخذُ عليهنَّ أجرٌ: الأذان، وقراءةُ
القرآن، والمقاسم، والقضاء. انتهى.
قوله: (والعمل على هذا عند أهل العلم؛ كرهوا أن يأخذ على الأذان أجرًا، واستحبُّوا
للمؤذن أن يحتسب في أذانه) قال الخطابي: أخذ المؤذِّن الأجر على أذانه مكروهٌ، بحسبٍ
مذاهب أكثر العلماء، قال الحسنُ: أخشى ألَّا تكونَ صلاتهُ خالصةً لله، وكرهه الشافعيُّ
وقال: يرزق من خُمس الخُمس من سهْم رسولِ اللهِ وَلٍّ؛ فإنَّه مرصد لمصالح المسلمين،
وقال في ((النيل)): قد ذهبَ إلى تحريم الأجرِ شرطًا على الأذان والإقامة: الهادي، والقاسم،
والناصر، وأبو حنيفة، وغيرهم، وقال مالك: لا بأس بأخذ الأجر على ذلك، وقال
الأوزاعي: يُجاعلُ عليه ولا يؤاجرُ، وقال الشافعي في ((الأم)»: أحبُّ أن يكون المؤذِّنون
متطوِّعين، قال: وليس للإمام أن يرزقهُم وهو يجدُ من يؤذِّن متطوعًا ممَّن له أمانة، إلَّ أن
يرزقهُم من ماله، قال: ولا أحسبُ أحدًا ببلدٍ كثيرٍ الأهل يعوزه أن يجد مؤذنًا أمينًا يؤذِّن
متطوعًا؛ فإن لم يجده فلا بأس أن يرزُق مؤذنًا، ولا يرزقه إلَّا من خمسٍ الخمس الفَضْلِ،
وقال ابن العربي: الصحيحُ جوازُ أخذ الأجرة على الأذان والصَّلاة والقضاءِ وجميع الأعمال
الدينيّة؛ فإن الخليفة يأخذُ أجرته على هذا كله، وفي كل واحدٍ منها يأخذُ النائبُ أجرةً؛ كما
يأخذ المستنيب، والأصلُ في ذلك قولهُ وَّيِ: ((ما تركتُ بعد نفقةِ نسائِي ومؤنةٍ عاملي، فهو
صدقةٌ)). انتهى، فقاس المؤذن على العاملِ، وهو قياسٌ في مصادمة النصِّ، وفتيا ابن عُمرَ
التي مرَّت، لم يخالفها أحدٌ من الصحابة، كما صرَّح بذلك اليعمري؛ كذا في ((النيل)).
قلت: القول الراجحُ - عندي - هو قولُ الجمهور، والله تعالى أعلم.

٦٤٣
أبواب الصلاة عن رسول الله وَّهَ / باب مَا جَاءَ مَا يَقُولُ الرَّجُلُ إِذَا أَذَّنَ المُؤَذِّنُ منَ الدُّعَاءِ
١٥٦- باب مَا جَاءَ مَ يَقُولُ الرَّجُلُ إِذَا أَذَّنَ المُؤَذِّنُ مِنَ الدُّعَاءِ [ت٤٢، ٤٢٠]
[٢١٠] (٢١٠) حدثنا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عنِ الحُكَيْمِ بنِ عبد الله بن قَيْسٍ،
عَن عَامِرٍ بْن سعدٍ، عَن سَعْدِ بْنِ أبي وَقَّاصٍ، عَن رسول الله وَِّ قَالَ: ((مَن قَالَ حينَ
يَسْمَعُ المُؤَذِّنَ: وَأَنَا أَشْهَدُ أنْ لا إلَه إلَّا الله وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأنَّ محمداً عبدُهُ
ورسولُهُ، رَضِيتُ بِالله رَبّاً وَبمُحَمَّدٍ رَسُولًا وَبَالإسْلامِ دِيناً، غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ)). [م: ٣٨٦، ن:
٦٧٨، د: ٥٢٥، جه: ٧٢١، حم: ١٥٦٨].
١٥٦ - باب مَا يَقُولُ إذَا أذَّنَ المؤذِّنُ منَ الدُّعاءِ
قوله: ((من الدعاء)» بيانٌ لـ ((ما)) والمعنى: أي دعاءٍ يدعو به السامعُ إذا أذَّن المؤذِّن.
[٢١٠] قوله: (عن الحُكيم) بضم أوله مصغرًا (ابن عبد الله بن قيس) بنِ مخرمةً بن
المطّلب المطّلبي، نزيل مصر، صدوق، من الرابعة، (عن عامر بن سعد) بن أبي وقاس
الزهريِّ، المدني، روى عن: أبيه، وغيره، قال ابن سعد: ثقة، كثير الحديث، مات سنة
(١٠٤) أربع ومئة، (عن سعد بن أبي وقاص) اسمه: مالكٌ: صحابيُّ جليل، شهد بدرًا
والمشاهدَ، وهو أحد العشرة، وآخرهم موتًا، وأول من رمى في سبيل الله، وفارسُ الإسلام،
وأحدُ سِتَّة الشورى، ومقدَّم جيوش الإسلام في فتح العراق، ومناقبه كثيرةٌ، مات بالعقيق،
سنة خمس وخمسين؛ على المشهور.
قوله: (من قال حين يسمع المؤذن) أي: أذانَهُ أو صوتهُ أو قولهُ، وهو الأظهر، وهو
يحتملُ أن يكونَ المرادُ به حينَ يسمع تَشَهُّده الأول أو الأخيرَ، وهو قوله آخر الأذان: ((لا إله
إِلَّا الله))؛ وهو أنسبُ، ويمكن أن يكون معنى: ((يسمع)) يجيبُ، فيكون صريحًا في
المقصود، وأن الثوابَ المذكورَ مرتَّب على الإجابة بكمالها مع هذه الزيادة، ولأن قوله بهذه
الشهادة في أثناء الأذان ربَّما يفوّته الإجابة في بعض الكلمات الآتية؛ كذا في ((المرقاة))،
(وأنا أشهد أن لا إله إلَّا الله) وفي رواية لمسلم: ((أشهدُ)) بغير لفظ ((أنا)) وبغير الواو، (رضيت
بالله ربًّا) أي: بربوبيته وبجميع قضائهِ وقدرهِ، فإن الرضا بالقضاء بابُ الله الأعظمُ، وقيل:
حالٌ، أي: مربيًا ومالكًا وسيِّدًا ومصلحًا، (وبمحمَّد رسولًا) أي: بجميع ما أرسل به، وبلَّغه
إلينا من الأمور الاعتقادية وغيرها، (وبالإسلام) أي: بجميع أحكام الإسلام من الأوامر
والنواهي، (دينًا) أي: اعتقادًا أو انقيادًا؛ قاله القاري، (غفر الله له ذنوبه) أي: من الصغائر؛
جزاء لقوله: ((من قالَ حينَ يسمعُ المؤذِّن)).

٦٤٤
أبواب الصلاة عن رسول الله وَا﴿ / بَابٌ مِنْهُ آخَرُ
قَالَ أبُو عِيْسَى: وهذَا حَدِيثٌ حسَنٌ صَحيحٌ غَرِيبٌ، لا نَعْرِفُهُ إلَّا مِن حَدِيثٍ
اللَّيْثِ بن سْعدٍ، عَن حُكَيْمٍ بن عبْدِ الله بن قَيْسٍ.
١٥٧- بَابٌ مِنْهُ آخَرُ [ت٤٣، م٤٣]
[٢١١] (٢١١) حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلٍ بْنِ عَسْكَرِ البَغْدَادِيُّ وَإِبْراهِيمُ بنُ يَعْقُوبَ
قَالا: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بنُ عَيَّشِ الحِمْصِيُّ، حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بنُ أبي حَمْزَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ
المُنْكَدِرِ، عَن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((مَن قَالَ حِينَ يَسْمَعُ
النِّدَاءَ:
قوله: (هذا حديث حسن صحيح غريب) وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه،
قال ميرك: والعجب من الحاكم؛ أنه أخرجه في ((المستدرك))، وأعجبُ من ذلك تقريرُ
الذهبيّ له في استدراكه عليه، وهو في «صحيح مسلم»، بلفظه. انتهى؛ ذكره القاري في
((المرقاة))، ثم قال: لعل إخراج الحاكم له بغير السَّند الذي في مُسلمٍ، فلينظر فيه؛ ليعلم ما
فیه، والله أعلم. انتهى.
١٥٧ - باب مِنْهُ آخَرُ
[٢١١] قوله: (حدَّثنا محمد بن سهل بن عسكر البغدادي) التميمي مولاهم، البخاري،
الحافظ الجوَّال، وثّقه النسائي وابن عدي، روى عنه: مسلم، والترمذي، والنسائي،
وغيرهم، (وإبراهيم بن يعقوب) الحافظ الجُوزجانيُّ، بضم الجيم الأولى،ِ مصنِّف («الجرْحِ
والتعديل))، نزيل دمشق، روى عنه: أبو داود، والترمذي، والنسائي ووثّقه، وكان أحمدَ
يكاتبه إلى دمشق ويكرمُهُ إكرامًا شديدًا، وقال الدارقطنيُّ: كان من الحفّاظ المصنِّفين، وقد
رُميَ بالنصب، توفي سنة (٢٥٩) تسع وخمسين ومئتين، قال الحافظ في ((التقريب)): ثقة
حافظ .
قوله: (علي بن عياش) بالياء الأخيرة والشين المعجمة، وهو: الحمصيُّ، من كبار شيوخ
البخاري، ولم يلقه من الأئمة الستة غيره، (حين يسمع النداء) أي: الأذان؛ واللام للعهدِ،
أو المراد من النداء: تمامه، أي: حين يسمع النداء بتمامه؛ يدلُّ عليه حديثُ عبد الله بن
عمرو بن العاص، عند مسلم (١)، بلفظ: ((قولُوا مثل ما يقولُ ثمَّ صَلُّوا عليَّ، ثم سَلُوا الله لي
(١) مسلم، كتاب الصلاة. حديث (٣٨٤).

٦٤٥
أبواب الصلاة عن رسول الله وَاه / بَابٌ مِنْهُ آخَرُ
اللَّهمَّ ربَّ هذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ وَالصَّلاةِ القَائِمَةِ، آتِ مُحَمَّداً الوَسِيلَةَ وَالفضِيلَةَ، وَابْعَتُهُ
مَقَاماً مَحمُوداً الَّذِي وَعَدْتَهُ:
الوسيلةَ))؛ ففي هذا: أن ذلك يقالُ عند فراغ الأذان، (اللهم) أي: يا الله، والميم عوض عن
(يا))؛ فلذلك لا يجتمعانٍ، (ربَّ) منصوب على النداء، (هذه الدَّعوة التامَّة) بفتح الدَّال،
والمراد بـ ((الدعوة)) - هاهنا -: ألفاظ الأذان التي يدعى بها الشخصُ إلى عبادة الله تعالى؛
قاله العيني، وقال الحافظُ: المرادُ بها دعوةُ التوحيد؛ كقوله تعالى: ﴿لَمُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ [الرعد: ١٤]
وقيل لدعوة التوحيد: ((تامة))؛ لأن الشركَ نقصٌ، أو التامَّة: التي لا يدخلُها تغييرٌ ولا تبديلٌ؛
بل هي باقيةٌ إلى يوم النشور، أو لأنَّها هي التي تستحقُّ صفة التمام، وما سواها فمعرَّض
للفساد، (والصلاة) المراد بالصلاة المعهودة المدعو إليها حينئذ (القائمة) أي: الدائمة التي لا
تغيرها ملة ولا تنسخها شريعة، وأنها قائمة ما دامتِ السموات والأرض، (آت): أمر منَ
الإيتاء، أي: أعطِ (الوسيلة) قد فسَّرِها النبيُّ لَّهِ بقوله: ((فإِنَّها منزلةٌ في الجنَّةِ لا تَنْبَغِي إلَّا
لعبدٍ من عبادِ اللهِ)) ؛ وقع ذلك في حديث عبد الله بن عمرو عند مسلم، (والفضيلة): المرتبة
الزائدة على سائر الخلائق، ويحتمل أن تكون منزلةً أخرى أو تفسيرًا للوسيلة؛ قاله الحافظ،
(مقامًا محمودًا) أي: يحمد القائم فيه، وهو مطلق في كل ما يجلب الحمد من أنواع
الكرامات، ونُصب على الظرفية، أي: ابعثه يوم القيامة، فأقمه مقامًا محمودًا، أو ضمن
((ابعثه)) معنى ((أقمه)) أو على أنه مفعولٌ به، ومعنى: ((ابعثه)) أعطهِ، (الذي وعدته) قال الحافظ
في ((الفتح)): زاد في رواية البيهقيّ: ((إنَّك لا تُخلفُ الميعادَ)) وقال الطيبيُّ: المراد بذلك قوله
تعالى: ﴿عَسَوَ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا فَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]، وأطلق عليه الوعد؛ لأنَّ ((عسى))
من الله واقعٌّ؛ كما صحَّ عن ابن عيينة وغيره، والموصولُ: إما بدلٌ أو عطفُ بيان أو خبرُ
مبتدأ محذوفٍ، وليس صفةً للنكرة، ووقع في رواية النسائي وابن خُزيمة وغيرهما: ((المقام
المحمود)» بالألف واللام؛ فيصحُّ وصفه بالموصُولِ، قال ابن الجوزيِّ: والأكثر على أن
المراد بـ ((المقام المحمود)): الشفاعة، وقيل: إجلاسه على العرش، وقيل: على الكرسي،
وحكي كُلَّا من القولين عن جماعة، وعلى تقدير الصحة: لا ينافي الأوَّل؛ لاحتمال أن يكون
الإجلاسُ علامةَ الإذنِ في الشفاعةِ، ويحتمل أن يكون المرادُ بـ ((المقام المحمود)»: الشفاعةَ،
كما هو المشهور، وأن يكون ((الإجلاس)) هو المنزلة المعبَّر عنها بـ ((الوسيلة أو الفضيلة))،
ووقع في ((صحيح ابن حبان))(١) من حديث كعب بن مالك، مرفوعًا: ((يبعثُ اللهُ النَّاسَ
(١) ابن حبان. حديث (٦٤٧٩).

٦٤٦
أبواب الصلاة عن رسول الله وَّههـ / بَابٌ مِنْهُ آخَرُ
إلَّا حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ يَوْمَ القِيَامَةِ)). [خ: ٦١٤، ن: ٦٧٩، د: ٥٢٩، جه: ٧٢٢، حم: ١٤٤٠٣].
قَالَ أبُو عِيْسَى: حَدِيثُ جَابِرٍ: حَدِيثٌ [صَحِيحٌ] حَسَنٌ غَرِيبٌ مِن حَدِيثٍ
مُحَمَّدٍ بنِ المِنْكَدِرِ، لا نَعْلَمُ أحَداً رَوَاهُ غَيْرِ شُعَيْبٍ بنِ أبِي حَمْزَةَ، عَن مُحَمَّدٍ بنٍ
المُنْكَدِرِ. وَأَبُو حَمْزَةَ اسْمُهُ: دِينَارٌ.
فيكسوني ربِّي حلةً خَضْرَاءَ، فأقولُ ما شاءَ الله أن أقولَ، فذلكَ المقامُ المحمودُ))، ويظهر أن
المراد بالقول المذكور: هو الثناءُ الذي يقدمه بين يدي الشفاعة، ويظهر أن المقام المحمود
هو مجموعُ ما يحصلُ له في تلك الحالة، ويشعر قوله في آخر الحديث: ((حَلَّت له شفاعتي)):
بأن الأمر المطلوب له الشفاعة، والله أعلم. انتهى كلام الحافظ.
(إلَّا حلت له الشفاعة) أي: استحقَّت ووجبَت أو نزلت عليه، يقال: حلَّ يحلُّ بالضم:
إذا نزل، واللام بمعنى: ((على))؛ ويؤيده: رواية مسلم: ((حلَّت عليهِ))؛ ووقع في
الطحاوي(١) من حديث ابن مسعود: ((وجبت لهُ))، ولا يجوز أن يكون: ((حلَّت)) من الحلّ؛
لأنها لم تكن قبل ذلك محرَّمةً، كذا في ((الفتح))، وفي رواية البخاري: ((حلت له شفاعتي))
بدون ((إلَّا)) وهو الظاهر، وأما مع ((إلَّا)) فيجعل ((من)) في: ((مَن قال)) استفهاميةً؛ للإنكار؛ قاله
في ((فتح الودود))، وقال السيوطيُّ في ((حاشية النسائي)) ما لفظه: وقوله هنا وفي رواية
الترمذي: ((إلَّا)) يحتاج إلى تأويلٍ، وتأويله: أنه حمله على معنى: لا يقولُ ذلك أحدٌ إلَّا
حلت. انتهى.
فائدة: قد اشتهر على الألسنة في هذا الدعاء زيادتان؛ الأولى: ((إنك لا تخلفُ الميعاد))
في آخره، والثانية: ((والدرجة الرفيعة)) بعد قوله: ((والفضيلةَ))، أما الأولى: فقد وقعت في
رواية البيهقي؛ كما عرفت، وأما الثانية: فلم أجدها في رواية، قال القاري في ((المرقاة)):
أما زيادة ((الدرجة الرفيعة)) المشهورة على الألسنة؛ فقال السخاوي: لم أره في شيءٍ من
الروايات. انتهى.
قوله: (حديث جابر حديث حسن غريب ... إلخ) بل هو حديث صحيح غريبٌ؛ فإنه
أخرجه البخاري في ((صحيحه)) بسند الترمذي، قال الحافظ: فهو غريبٌ مع صِحَّته، وقد توبع
ابن المنكدر عليه عن جابر، أخرجه الطبراني في ((الأوسط)»(٢) من طريق أبي الزبير، عن
جابر؛ كذا في ((قوت المغتذي)).
(١) الطحاوي في ((معاني الآثار)) (٨١٤).
(٢) الطبراني في ((الأوسط)). حديث (٤٦٥٤).

٦٤٧
أبواب الصلاة عن رسول الله ﴿/ باب مَا جَاءَ فِي أنَّ الدُّعَاءَ لا يُرَدُّ بَيْنَ الأذَانِ وَالإِقَامَةِ
١٥٨- باب مَا جَاءَ في أنَّ الدُّعَاءَ لا يُرَدُّ بَيْنَ الأذَانِ وَالإقَامَةِ [ت٤٤، ٤٤٢]
[٢١٢] (٢١٢) حدثنا مَحْمُودُ بنُ غَيْلانَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ وَعَبْدُ الرَزَّاقِ وَأَبُو أحْمَدَ
وَأَبُو نُعَيْمِ قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَن زَيْدِ العَمِّيِّ، عَنِ أبِي إِيَاسٍ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، عَن
أَنَسٍ بنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَهِ: ((الدُّعَاءُ لا يُرَدُّ بَيْنَ الأَذَان وَالإِقَامَةِ)).
[د: ٥٢١، حم: ١١٧٩٠].
قَالَ أبُو عِيْسَى: حَدِيثُ أنَس: حَدِيثٌ حَسَنٌ،
١٥٨ - باب مَا جَاءَ في أنَّ الدُّعاءَ لا يُرَدُّ بِيْنَ الأذَانِ وَ الإِقامَةِ
[٢١٢] قوله: (وأبو أحمد) اسمه: محمد بن عبد الله بن زُبيرِ الزُّبيريُّ الكوفيّ، ثقة،
ثبت، إلَّا أنه قد يخطئُ في حديث الثوريِّ، (وأبو نُعيم) بالتصغير هو: الفضل بن دُکینِ
الملائيُّ، قال أحمد: ثقة، يقظان، عارف بالحديث، وقال الفسوي: أجمع أصحابنا على أن
أبا نُعيم كان غاية في الإتقان، (قالوا: نا سفيان) هو: الثوري، (عن زيد العمِّيُّ) بفتح العين
وشدة الميم، قال في ((المغني)): إنما سُمي زيدٌ بـ ((العَميِّ))؛ لأنه كلما سئل عن شيء يقول:
حتى أسأل عمِّي، وزيدٌ العميُّ هذا هو: ابن الحواري البصري قاضي هراةً، قال الحافظ في
((التقريب)): ضعيف، وقال الخزرجيُّ في ((الخلاصة)): ضعَّفه أبو حاتم والنسائي وابن عدي،
وقال أحمد والدارقطني: صالح. انتهى، (عن أبي إياس) بكسر الهمزة؛ كـ ((كتاب))،
(معاوية بن قُرَّة) بضم القاف وشدَّة، المزنيّ، البصري، ثقة، عالم، من رجال الكتب الستة.
قوله: (الدعاء لا يردُّ بين الأذان والإقامة) بل يُقبلُ ويستجابُ، وفي بعض روايات أنسٍ:
((الدُّعاءُ بينَ الأذانِ والإقامةِ مستجابٌ))؛ ذكره السيوطي في ((الجامع الصغير))، ولفظ
((الدعاء)) بإطلاقه: شامل لكلِّ، ولا بد من تقييده بما في الأحاديثِ الأخرى من أنه ما لم يكن
دعاءً بإثم أو قطيعةِ رحم، قال المُناوي - تحت قوله: ((مُستجاب)) - أي: بعد جَمعٍ شروط
الدعاء وأركانهِ وآدابهِ؛ فإن تخلَّف شيء منها، فلا يلُومُ إلَّا نفسهُ. انتهى.
قوله: (حديث أنس حديث حسن) وأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة وابن
حبَّان والضِّياء(١) في ((المختارة))؛ كذا في ((المنتقى)) و((النيل))، وقال في ((بلوغ المرام)):
(١) ابن حبان. حديث (١٦٩٦)، والضياء المقدسي في ((المختارة)) (١٥٦١، ١٥٦٢).

٦٤٨
أبواب الصلاة عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاء كُمْ فَرَضَ اللهُ عَلَى عِبَادِهِ مِنَ الصَّلَوَاتِ
وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ الهَمْدَانِيُّ، عَنِ بُرَيْدِ بنِ أبِي مَرْيَمَ، عَن أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َّهِ مِثْلَ هذَا.
١٥٩ - باب مَا جَاء كَمْ فَرَضَ الله عَلَى عِبَادِهِ مِنَ الصَّلَوَاتِ [ت٤٥، ٤٥٢]
[٢١٣] (٢١٣) حدثنا مُحَمَّدُ بنُ يَحْيَى النَّيْسَابُورِيّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا
مَعْمَرُ، عَنِ الزهْرِيِّ، عَن أَنَسِ بنِ مَالِكِ، قَالَ: فُرِضَتْ عَلَى النَّبِيِّ ◌َّهِ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ
الصَّلوَاتُ خَمْسِينَ، ثُمَّ نُقِصَتْ حَتَّى جُعِلَتْ خَمْساً، ثُمَّ نُودِيَ: يا محمدُ: إِنَّهُ لا يُبَدّلُ
القَوْلُ لَدَيَّ، وَإِنَّ لَك بِهِذِهِ الخَمْسِ خَمْسينَ. (خ مرفوعاً ومطولاً: ٣٤٩، م مرفوعاً ومطولاً:
١٦٣، ن مرفوعاً ومطولاً: ٤٤٨، حم: ١٢٢٣٠].
وصحَّحه ابن خزيمة، (وقد رواه أبو إسحاق الهمداني) بسكون الميم وبالدال المهملة، وهو:
السَّبيعيُّ؛ قاله في ((الخلاصة))، (عن بُرَيْد) بالموحدة مصغرًا (ابن أبي مريم) البصريِّ، ثقة،
من الرابعة، (عن أنس، عن النبي ◌َّهِ: مثلَ هذا) أي: مثل حديث الباب، قال الحافظ في
((التلخيص)) - بعد ذكر حديث الباب -: رواه النسائي وابن خزيمة وابن حبَّان من حديث
بُريْد بن أبي مريمَ، عن أنس، وأخرجه هو وأبو داود والترمذيُّ من طريق معاوية بن قُرَّة عن
أنس، قال: وروى أبو داود وابن خُزيمة وابن حبَّان(١) والحاكمُ من حديث سهل بن سعد،
قال: ((ما تردُّ عَلى داع دعوتُهُ عندَ حُضورِ النِّداء ... )) الحديث. انتهى.
١٥٩ - باب مَا جَاءَ كَم فَرضَ الله عَلَى عِبَادِهِ مِنَ الصَّلوَاتِ
[٢١٣] قوله: (فرضت على النبي ◌ّفي ليلة أسري به الصلاة خمسين) وفي رواية ثابت عن
أنس، عند مسلم(٢): ((فرضَ اللهُ عليَّ خمسينَ صلاةً كل يَومٍ وليلةٍ))، وفي رواية للبخاري(٣):
((فَرَضَ اللهُ على أمَّتي خمسينَ صلاة)). قال الحافظ: فيحتمل أن يقال: في كل من رواية
الباب اختصارٌ، أو يقال: ذكرُ الفرض عليه يستلزمُ الفرضَ على الأمة وبالعكس، إلَّا ما
يستثنى من خصائصه، (ثم نقصت حتى جعلت خمسًا)؛ قال الحافظ: قد حققت روايةُ ثابتٍ
أن التخفيفَ كان خمسًا خمسًا، وهي زيادة معتمدةٌ يتعيّن حمل باقي الروايات عليها، (ثم
نودي: يا محمد، إنه) - الضمير: للشأن - (لا يبدَّلُ القولُ) أي: لا يغيَّر، (وإن لك بهذا
الخمس خمسين) أي: ثوابَ خمسينَ صلاة، والحديثُ استدلَّ به على فرضية الصلوات
(١) ابن حبان. حديث (١٧٦٤)، وابن خزيمة (٤١٩).
(٢) مسلم، كتاب الإيمان. حديث (١٦٢).
(٣) البخاري، كتاب الصلاة. حديث (٣٤٩).

٦٤٩
أبواب الصلاة عن رسول الله وَ إ﴿ / باب مَا جَاء كَمْ فَرَضَ اللهُ عَلَى عِبَادِهِ مِنَ الصَّلَوَاتِ
قَالَ: وفي البابِ عَنِ عُبَادَةَ بن الصَّامِتِ، وَطَلْحَةَ بْن عَبَيْدِ الله، وَأبي ذَرِّ،
وَأَبِي قَتَادَةَ، وَمَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ، وَأَبِي سعِيدِ الخُدْرِي.
الخمس، وعدم فرضيَّة ما زاد عليها كالوترٍ، وعلى جواز النَّسخ قبل الفعلِ.
قال الحافظ في ((الفتح)): قال ابن بطَّال وغيره: ألا ترى أنه عز وجل نسخَ الخمسينَ
بالخمس قبل أن تصلَّى، ثم تفضَّل عليهم بأن أكملَ لهم الثوابَ، وتعقَّبه ابن المنيِّر، فقال:
هذا ذكره طوائف من الأصوليِّين والشُّراح، وهو مشكلٌ على من أثبت النسخَ قبلَ الفعلِ
كالأشاعرة، أو منعه كالمعتزلة؛ لكونهم اتفقوا جميعًا، على ألَّ يُتصوَّر قبل البلاغ، وحديثُ
الإسراء وقع فيه النسخُ قبل البلاغ؛ فهو مشكلٌ عليهم جميعًا. وقال: وهذه نكتة مبتكرة، قال
الحافظ: إن أراد البلاغ لكل أحد فممنوعٌ، وإن أراد قبل البلاغ إلى أمته، فمسلَّم، لكن قد
يقال: ليس هو بالنسبة إليهم نسخًا، لكن هو بالنسبة إلى النبيِّ وَ﴿ٍ نسخٌ؛ لأنه كُلفَ بذلك
قطعًا، ثم نسخ بعد أن بلغه، وقبل أن يفعل، فالمسألة صحيحةُ التصوير في حقِّه ◌ِغِ. انتهى.
قوله: (وفي الباب: عن عبادة بن الصامت، وطلحة بن عبيد الله، وأبي قتادة، وأبي ذر،
ومالك بن صعصعة، وأبي سعيد الخدري):
أما حديث عبادة بن الصامت: فأخرجه أحمد والنسائي(١)، عنه، مرفوعًا: ((خَمسُ
صلَوات افترضهُنَّ اللهُ تعالى: من أحسنَ وضوءَهنَّ وصلَّاهُنَّ لوقتهِنَّ، وأتمَّ ركوعهنَّ
وخُشوعهُنَّ، كانَ لهُ على اللهِ عهدٌ أن يغفرَ لهُ ... )) الحديث، وروى مالك والنسائي نحوه،
وأما حديث طلحة بن عبيد الله: فأخرجه الشيخان(٢)، عنه قال: ((جاءَ رجلٌ إلى رسول اللهِ
وَال﴿ من أهلِ نجدٍ ثائرَ الرأسِ، نسمعُ دويَّ صوتهِ، ولا نفقهُ ما يقولُ ... )) الحديث، وفيه:
((خمسُ صلواتٍ في اليوم والليلةٍ ... )) الحديث، وأما حديث أبي قتادة: فلينظر من
أخرجه(٣)، وأما حديث أبي ذر: فأخرجه الشيخان (٤)، وأما حديث مالك بن صعصعة:
فأخرجه الشيخان(٥) أيضًا، وأما حديث أبي سعيد الخدري: فلينظر من أخرجه.
(١) مالك. حديث (٢٧٠)، وأحمد. حديث (٢٢٢٤٦)، والنسائي، كتاب الصلاة. حديث (٤٦١).
(٢) البخاري، كتاب الإيمان. حديث (٤٦)، ومسلم، كتاب الإيمان. حديث (١١).
(٣) ابن ماجه، كتاب الصلاة. حديث (١٤٠٣).
(٤) البخاري، كتاب الصلاة. حديث (٣٤٩)، ومسلم، كتاب الإيمان. حديث (١٦٣).
(٥) البخاري، كتاب مناقب الأنصار. حديث (٣٨٨٧)، ومسلم، كتاب الإيمان. حديث (١٦٤).

٦٥٠
أبواب الصلاة عن رسول الله ﴿﴿ / باب مَا جَاءَ فِي فَضْلِ الصَّلوَاتِ الخَمْسِِ
قَالَ أَبُو عِيْسَى: حَدِيثُ أَنَسٍ حَدِيثٌ حسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ.
١٦٠- باب مَا جَاءَ في فَضْلِ الصَّلوَاتِ الخَمْسِ [ت٤٦، ٤٦٢]
[٢١٤] (٢١٤) حدثنا عَلَيُّ بْنُ حُجْرٍ، أخْبَرَنَا إِسْمَاعيلُ بن جَعْفَرٍ، عَن العَلاءِ بْنِ
عَبْدِ الرَّحْمن، عَن أبيهِ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، أنَّ رَسُوْلَ اللهِ وَلِ قَالَ: ((الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ
وَالجُمُعَةُ إِلَى الجُمُعَةِ كَفَّارَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ، مَا لَمْ تُغْشَ الكَبَائِرُ)). [م: ٢٣٣، جه: ١٠٨٦،
حم بنحوه: ٨٤٩٨].
قوله: (حديث أنس حديث حسن صحيح غريب) وأخرجه أحمد والنسائي، والحديث
طرف من ((حديث الإسراء الطويل)) وأخرجه الشيخان مطولًا .
١٦٠ - باب مَا جَاءَ في فضْلِ الصَّلوَاتِ الخَمْسِ
[٢١٤] قوله: (الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة) زادَ مسلم في رواية: ((ورمضانُ
إلى رمضانَ)) (كفارات لما بينهن) أي: من الذنوب، وفي رواية لمسلم: ((مُكفراتٌ لمَا بينهُنَّ)»
(مَا لَم تغش الكبائر) وفي رواية لمسلم: ((إذا اجتنَبَ الكبائر))، قال النووي في ((شرح مسلم)):
في شرح حديث: ((ما من امرئٍ مُسلم تحضرهُ صلاةٌ مكتوبةٌ، فيحسنُ وضوءَها وخُشوعَها
وركُوعَها إلَّا كانت كفارة لما قبلها من الذنوبِ ما لم يؤتَ كبيرة)) معناه: أن الذنوب كلَّها تغفر
إلَّا الكبائر، فإنها لا تغفر، وليس المراد: أن الذنوب تغفر ما لم تكن كبيرة، فإن كانت لا
يغفر شيءٌ من الصغائر، فإن هذا - وإن كان محتملًا - فسياق الحديث يأباه، قال القاضي
عياض: هذا المذكورُ في الحديث من غفران الذنوب ما لم يؤتَ كبيرة؛ هو مذهبُ أهل
السنة، وأن الكبائر إنَّما يكفِّرها التوبة أو رحمةُ الله تعالى وفضلُهُ.
وقال القاري في ((المرقاة)): إن الكبيرة لا يكفِّرها الصلاةُ والصومُ، وكذا الحجّ، وإنما
يكفِّرها التوبةُ الصحيحةُ لا غيرها؛ نقل ابن عبد البر الإجماعَ عليه، بعد ما حكى في («تمهيده»
عن بعض معاصريه أن الكبائر لا يكفرها غير التوبة، ثم قال: وهذا جهلٌ، وموافقة للمرجئة
في قولهم: إنه لا يضرُّ مع الإيمان ذنبٌ، وهو مذهبٌ باطلٌ بإجماع الأمة. انتهى، قال
العلامة الشيخ محمد طاهر في (مجمع البحار)) ص ٢٢١ ح ٢ ما لفظه: ((في تعليقي
للترمذيِّ: لا بُدَّ في حقوق الناس من القصاص، ولو صغيرةً، وفي الكبائر من التوبة، ثم وَرَدَ
وعدُ المغفرة في الصلواتِ الخمسِ والجمعةِ ورمضانَ، فإذا تكرَّر يغفر بأولها الصغائر،
وبالبواقي يخفِّف عن الكبائر، وإن لم يصادف صغيرةً ولا كبيرةً يرفع بها الدرجات)). انتهى.

٦٥١
أبواب الصلاة عن رسول اللّه ◌َ ﴿ / باب مَا جَاءَ فِي فَضْلِ الجَمَاعَةِ
قَالَ: وفي البابِ عَن جَابِرٍ، وَأَنَسٍ، وَحَنْظَلَةَ الأُسَيِّدِيِّ.
قَالَ أبُو عِيْسَى: حَديثُ أبي هُرَيْرَةَ: حَديثُ حسَنٌ صحيحٌ.
١٦١- باب مَا جَاءَ في فَضْلِ الجَمَاعَةِ [ت٤٧، ٤٧٢]
[٢١٥] (٢١٥) حدثنا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا عِبْدَةُ، عَن عَبَيْدِ الله بنِ عُمَرَ، عَن نافِعٍ، عَنِ
ابنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهُ: ((صَلاةُ الجَماعةِ تَفْضُلُ عَلَى صَلاةِ الرَّجُلِ وَحْدَهُ
بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجةً)). [خ: ٦٤٥، م: ٦٥٠، ن: ٨٣٦، جه: ٧٨٩، حم: ٥٣١٠، طا: ٢٩٠، مي:
١٢٧٧] .
قَالَ: وَفِي البَابِ عَن عِبْدِ الله بن مَسْعُودٍ، وَأُبيِّ بن كَعْبٍ، وَمُعَاذٍ بِن جَبَلٍ،
وَأَبِي سَعِيدٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَنَسِ بْن مَالِكٍ.
قوله: (وفي الباب: عن جابر، وأنس، وحنظلة الأُسيِّديِّ):
أما حديث جابر: فأخرجه مسلم(١) وأما حديث أنس: فأخرجه الشيخان، وأما حديث
حنظلة الأسيديِّ: ويقال له: ((حنظلة الكاتبُ)): فأخرجه أحمد(٢) بإسناد جيِّد مرفوعًا بلفظ:
((من حافظَ على الصَّلواتِ الخمسِ: رُكوعهنَّ وسُجودهنَّ ومواقِيتِهِنَّ، وعَلِمَ أنَّهنَّ حَقٌّ من
عندِ اللهِ، دخَلَ الجنَّة ... )) الحديث، ورواته رواةُ الصحيح؛ قاله المنذريُّ في ((الترغيب)).
قوله: (حديث أبي هريرة: حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم.
١٦١ - باب مَا جَاءَ فيٍ فَضْلِ الجَمَاعَةِ
[٢١٥] قوله: (صلاة الجماعة تفضل) أي: تزيدُ في الثواب (على صلاة الرجل وحده)
أي: منفردًا (بسبع وعشرين درجة) المراد بـ ((الدرجة)): الصلاةُ، فتكونُ صلاة الجماعة بمثابة
سَبْعٍ وعشرين صلاةً، كذا دلَّ عليه ألفاظ الأحاديث، ورجَّحه ابن سيِّد الناس، كذا في ((قوت
المغتذي».
قوله: (وفي الباب: عن عبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل،
وأبي سعيد، وأبي هريرة، وأنس بن مالك):
(١) مسلم، كتاب المساجد. حديث (٦٦٨).
(٢) أحمد. حديث (١٧٨٨١).

٦٥٢
أبواب الصلاة عن رسول الله ﴿ / باب مَا جَاءَ فِي فَضْلِ الجَمَاعَةِ
قَالَ أبُو عِيْسَى: حدِيثُ ابن عُمَرَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَهكَذَا رَوَى نافعٌ، عَن
ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ أنَّهُ قَالَ: ((تَفْضُلُ صَلاةُ الجَميعِ عَلَى صلاةِ الرَّجُلِ وَحْدَهُ
بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً)).
قَالَ أَبُو عيسى: وَعامَّةُ مَن رَوى عَنِ النبيِّ وَّهَ إنَّما قالُوا: ((خَمْسٍ وَعِشْرِينَ)).
[خ: ٤٧١٧، م: ٦٤٩، ن: ٨٣٨، د: ٥٥٩، جه: ٧٨٦، حم: ٧٥٣٠] .
إلَّا ابن عُمَرَ فَإِنَّهُ قَالَ: ((بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ)).
أما حديث عبد الله بن مسعود: فأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه(١)، وأما
حديث أبي بن كعب: فأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة وابن حبَّان(٢) في
((صحيحيهما)). قال الحافظ المنذريُّ في ((الترغيب)) - بعد ذكر هذا الحديث -: قد جزم
يحيى بن معين والذَّهلي بصحّة هذا الحديث، وأما حديث معاذ بن جبل: فأخرجه البزار
والطبراني(٣) في ((الكبير)) مرفوعًا، بلفظ: ((تفضلُ صلاةُ الجميع على صلاةِ الرَّجُل وحدهُ
خمسةً وعشرينَ صلاة))، وفيه عبد الحكيم بن منصور، وهو ضعيف، كذا في ((مجمع
الزوائد»، وأما حديث أبي سعيد: فأخرجه البخاري(٤)، وأما حديث أبي هريرة: فأخرجه
البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه(٥)، وأما حديث أنس(٦): فأخرجه الدار قطني.
قوله: (حديث ابن عمر حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري ومسلم، (وعامَّة من رَوَى عن النبي
وَل﴿ إنما قالوا: ((خمس وعشرين)) إلَّا ابن عمر، فإنه قال: ((بسبع وعشرين))) قال الحافظ في
(١) مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة. حديث (٦٥٤)، أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (٥٥٠)، وابن
ماجه، كتاب المساجد والجماعات. حديث (٧٧٧)، والدارمي (١٢٧٧).
(٢) أحمد. حديث (٢٠٧٥٨)، وأبو داود كتاب الصلاة. حديث (٥٥٤)، والنسائي، كتاب الإمامة. حديث
(٨٤٣)، وابن حبان (٢٠٥٦) .
(٣) البزار (٢٣١٧ - زخار)، والطبراني في ((الكبير)) (١٣٩/٢٠). حديث (٢٨٣).
(٤) البخاري، كتاب الأذان. حديث (٦٤٦).
(٥) البخاري، كتاب تفسير القرآن. حديث (٤٧١٧)، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة. حديث (٦٤٩)،
وأبو داود، كتاب الصلاة. حديث (٥٥٩)، وابن ماجه، كتاب المساجد والجماعات. حديث (٧٨٦).
(٦) أخرجه الطبراني في ((الأوسط)). حديث (٢١٧٨)، وقال الهيثمي (٢ / ٣٨): رواه البزار والطبراني في
((الأوسط))، ورجال البزار ثقات.

٦٥٣
أبواب الصلاة عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاءَ فِي فَضْلِ الجَمَاعَةِ
((الفتح)) - بعد ذكر قول الترمذي هذا -: لم يختلف عليه في ذلك، إلَّا ما وقَعَ عند
عبد الرزَّاق(١) عن عبد الله العُمَرِيِّ، عن نافع، فقال فيه: ((خمس وعشرون))، لكن العُمريَّ
ضعيفٌ، ووقع عند أبي عوانة(٢) في ((مستخرجه)) من طريق أبي أسامة، عن عبيد الله بن عمر،
عن نافع، فإنه قال فيه: ((بخمس وعشرينَ)) وهي شاذَّة مخالفةٌ لرواية الحُفَّاظ من أصحاب
عبيد الله، وأصحاب نافع، وإن كان راويها ثقةً، وأما غير ابن عُمر، فصحَّ عن أبي سعيد
وأبي هريرة، كما في هذا الباب، وعن ابن مسعود: عند أحمد وابن خزيمة، وعن أبي بن
كعب: عند ابن ماجه والحاكم، وعن عائشة وأنس: عند السَّراج، وورد أيضًا من طرق
ضعيفة، عن معاذ وصهيب وعبد الله بن زيد بن ثابت، وكلّها عند الطبراني، واتفق الجميع
على ((خمس وعشرينَ)) سوى رواية لأبي هريرة عند أحمد(٣) قال فيها: ((سبعٌ وعشرونَ)) وفي
إسنادها شريكٌ القاضِي، وفي حفظهِ ضعفٌ، قال: واختلفَ في أن أيهما أرجحُ؟ فقيل: رواية
((الخمس))؛ لكثرة رواتها، وقيل: رواية ((السبع))؛ لأن فيها زيادةً من عدلٍ حافِظ. انتهى
كلام الحافظ باختصار يسير.
قال النووي والجمع بينهما - يعني: بين روايتي الخَمس والسَّبع - من ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه لا منافاة بينهما، فذكرُ القليل لا ينفي الكثير، ومفهومُ العدد باطلٌ عند جمهور
الأصوليين، والثاني: أن يكون أخبر أولًا بالقليل، ثم أعلمه الله تعالى بزيادة الفضل، فأخبر
بها، والثالث: أنه يختلفُ باختلاف أحوال المصلِّين والصلاة، فيكونُ لبعضهم خمس
وعشرون، ولبعضهم سبعٌ وعشرون، بحسب كمال الصلاة ومحافظته على هيئتها وخشوعها
وكثرة جماعتها وفضلهم وشرفِ البقعة، ونحو ذلك، قال: فهذه هي الأجوبة المعتمدة.
سھی .
وقد ذكر الحافظ في ((الفتح)) وجوهًا أخرَ للجمع بين الروايتين، من شاء الاطلاع عليها
فلیرجع إليه .

٦٥٤
أبواب الصلاة عن رسول الله وَفِ / باب مَا جَاءَ فيمَنْ يَسْمَعُ النِّدَاءَ فَلا يُچِيبُ
[٢١٦] (٢١٦) حدثنا إسْحَاقُ بنُ مُوسَى الأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ،
عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَن سعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، أنَّ رَسُولَ اللهِوَلِهِ قَالَ:
(إنّ صلاةَ الرَّجُلِ فِي الجَماعَةِ تَزِيدُ عَلَى صلاتِهِ وَحْدَهُ بِخَمسَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءاً)).
[خ: ٦٤٩، م: ٦٤٩، ن: ٨٣٧، جه: ٧٨٧، حم: ٩٩٣٢، طا: ٢٩١، مي: ١٢٧٦].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذَا حديثٌ حَسَنٌ صحِيحٌ.
١٦٢ - باب مَا جَاءَ فيمَنْ يَسْمَعُ النِّداءَ فَلا يُجِيبُ [ت٤٨، ٤٨٢]
[٢١٧] (٢١٧) حدثنا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا وَكِيعُ، عَن جَعْفَرِ بْن بُرْقَانَ، عَن يَزِيدَ بْن
الأَصَمِّ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ِ قَالَ: ((لَقَدْ هَمَمْتُ أنْ آمُرَ فِتْيَتِي أنْ يَجْمَعُوا
حُزَمَ الخَطَبِ، ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلاةِ فَتُقَامَ، ثُمَّ أُحَرِّقَ
[٢١٦] قوله: (بخمس وعشرين جزءًا) قال الحافظ في ((الفتح)): وقع الاختلافُ في مميِّز
العدد المذكور، ففي الروايات كلِّها: التعبير بقوله: ((درجة)) أو حذفُ المميِّز، إلَّا طرقَ
حديث أبي هريرة، ففي بعضها: ((ضِعْفًا)) وفي بعضها: ((جزءًا)) وفي بعضها: ((دَرَجةً)) وفي
بعضها: ((صلاةً)) ووقع هذا الأخير في بعض طرق حديث أنس، والظاهر: أن ذلك من
تصرُّف الرواة، ويحتملُ أن يكون ذلك من التفنُّن في العبارة.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) تقدم تخريجه آنفًا .
١٦٢ - باب مَا جَاءَ فِيمَن يَسْمَعُ النِّدَاءَ فَلا يُجِيبُ
[٢١٧] قوله: (عن جعفر بن بُرقان) بضم الموحدة وسكون الراء بعدها قاف، (لقد
هممتُ) اللام: جواب القسم، والهمُّ: العزمُ، وقيل: دونه، وزاد مسلم(١) في أوله: (أنَّه ◌ِيه
فَقَدَ ناسًا في بعض الصَّلوات، فقالَ: لقد هممتُ)) فأفادَ ذكرَ سبب الحديث، (فتيتي) الفتيةُ:
جمع فتّى، أي: جماعة من شُبَّان أصحابي، أو خدمي وغلماني (أن يجمعوا حزم الحطب):
جمع حُزمة، بضم الحاء ما حزم، كذا في ((القاموس))، وقال في ((الصراح)): حزمةٌ. بالضم:
بند هيزم وكاغذ وعلف وجزآن(٢)، (ثم أحرق) بالتشديد، والمراد به: التكثير، يقال: حرَّقه:
(١) مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة. حديث (٦٥١).
(٢) عبارة فارسية بمعنى: ربط الحطب والورق والعلف وغيرها.

قَالَ أَبُو عيسى: وَفِي البَابِ عَن عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ، وأبي الدَّرْدَاءِ، وابْنٍ
عَبَّاسٍ، وَمُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ، وَجَابٍِ .
قَالَ أَبُو عِيْسَى: حَدِيثُ أبي هُرَيْرَةَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وقدْ رُوِيَ عَن غَيْرِ
وَاحِدٍ مِن أَصْحَابِ النَّبِيِّ ◌َّهِ أَنَّهُمْ قَالُوا: مَن سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يُجِبْ فَلا صَلاةَ لَهُ.
وَقَالَ بَعْضُ أهلِ العِلْمِ: هذَا عَلَى التَّغْلِيظِ وَالتَّشْدِيدِ، وَلا رُخْصَةَ لأحَدٍ فِي تَرْكُ
الجَماعَةِ إلَّا مِن عُذْرٍ .
إذا بالغ في التحريق، (على أقوام لا يشهدون الصلاة) وفي رواية أبي داود(١): ((ثُمَّ آتَيَ قومًا
يُصَلَّونَ في بيوتهم ليست بهم علةٌ فأحرِّقها عليهم)).
قوله: (وفي الباب: عن ابن مسعود) أخرجه مسلم(٢)، قال: ((لقد رأيتُنَا وما يَتَخَلَّفُ عن
الصَّلاةِ إلَّا منافقٌ قد علمَ نفاقهُ أو مريضٌ ... )) الحديث، (وأبي الدرداء) قال: قال رسولُ اللهِ
مَ : ((ما من ثلاثةٍ في قريةٍ ولا بَدوٍ لا تقامُ فيهمُ الصَّلاةُ إلَّا وقد استحوذَ عليهِم الشّيطانُ،
فعليكَ بالجماعةِ، فإنما يأكلُ الذُّتْبُ القاصيَة))، أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي ورواه
الحاكم وصححه، وقال النووي: إسناده صحيح، (وابن عباس) قال: قال رسولُ اللهِ يَّةٍ :
((من سمعَ المناديَ، فلم يمنعهُ من اتباعِهِ عُذرٌ، قالوا: وما العُذرُ؟ قال: خوفٌ أو مرضٌ، لم
تقبل منهُ الصلاةُ التي صلى)) ؛ أخرجه أبو داودٌٌ) ، قال المنذريُّ: وفي إسناده أبو جناب
يحيى بن أبي حيَّة الكلبيِّ، وهو ضعيف والحديثُ أخرجه ابن ماجه بنحوه، وإسناده أمثل،
وفيه نظر. انتهى، (ومعاذ بن أنس، وجابر) أخرجه العُقيليُّ في ((الضعفاء)) كما يأتي عن
قريب.
قوله: (وقد روي عن غيرٍ واحدٍ من أصحاب النبي ◌َّر؛ أنهم قالوا ... إلخ) أخرج ابن
أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (٥٤٩).
(١)
(٢)
مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة. حديث (٦٥٤).
(٣) أحمد، حديث (٢١٢٠٣)، وأبو داود، كتاب الصلاة. حديث (٥٤٧)، والنسائي، كتاب الإمامة. حديث
(٨٤٧)، والحاكم. حديث (٧٦٥) وصححه ووافقه الذهبي.
(٤) أبو داود، كتاب الصلاة. حديث (٥٥١)، وانظر ابن ماجه، كتاب المساجد والجماعات. حديث (٧٩٣).

٦٥٦
أبواب الصلاة عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاءَ فيمَنْ يَسْمَعُ النِّدَاءَ فَلا يُچِيبُ
[٢١٨] (٢١٨) قَالَ مُجَاهِدٌ: وَسُئِلَ ابْنُ عبَّاسٍ عَن رَجُلٍ يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ
اللَّيْلَ، لا يَشْهَدُ جُمُعَةً وَلا جَمَاعَةً؟ قَالَ: هُوَ فِي النَّارِ. قَالَ: حَدَّثَنَا بِذلِكَ هَنَّادٌ،
حَدَّثَنَا المُحَارِبِيُّ، عَن لَيْثٍ، عَن مُجَاهِدٍ. [فيه ضعف، لأجل ليث بن أبي سليم، الأكثر على
ضعفه] .
قَالَ: ومعنى الحديث: ألَّا يشهدَ الجماعةَ والجمعةَ رغبةً عنها واستخفافاً بحقِّها
وتهاوناً بها .
ماجه وبقيُّ بن مخلدٍ وابن حبَّان(١) وغيرهم، عن ابن عبّاس، عن النَّبِيِّ بَّهُ: ((من سمعَ
النداءَ، فلم يجب، فلا صلاةً له إلَّا من عذرٍ))، قال الحافظ في ((التلخيص)): إسناده صحيح،
لكن قال الحاكم (٢): وقفه غندر، وأكثر أصحاب شعبة، ثم أخرج له شواهدَ، منها: عن
أبي موسى الأشعريِّ، بلفظ: ((مَن سمعَ النِّداء فارغًا صحيحًا، فلم يجبْ، فلا صلاةَ له)) رواهُ
البزَّار (٣)، من طريق سماك، عن أبي بردة، عن أبيه، موقوفٌ، وقال البيهقيّ: الموقوف
أصحُّ، ورواه العُقيليُّ في ((الضعفاء)) من حديث جابر، وضعَّفه، ورواه ابن عديٍّ من حديث
أبي هريرة، وضعَّفه. انتهى.
قوله: (وقال بعض أهل العلم: هذا على التغليظ والتشديد) يعني: أن قول الصحابة:
((من سمعَ النِّداءَ فلم يجب فلا صلاةَ لهُ))؛ ليس على ظاهره، بل هو محمولٌ على التغليظ
والتشدید.
[٢١٨] (ومعنى الحديث) أي: حديث أبي هريرة المذكور في الباب، (ألَّا يشهد جماعة
ولا جمعة، رغبة عنها) أي: إعراضًا عنها، قال الحافظ في ((فتح الباري)): والحديثُ ظاهرٌ
في كون الجماعة فرْضَ عينٍ؛ لأنها لو كانت سُنَّةً، لم يهدد تاركها بالتحريق، ولو كانت
فرضَ كفايةٍ، لكانت قائمةً بالرسول ومَن معه، وإلى القول بأنها فرضُ عين ذهب عطاءٌ
والأوزاعيُّ وأحمدُ وجماعةٌ من محدِّثي الشافعية، كأبي ثور وابن خزيمة وابن المنذر وابن
حبان، وبَالغَ داودُ ومن تبعه، فجعَلها شرطًا في صِحَّة الصلاة، وظاهر نصِّ الشافعي: أنها
(١) ابن حبان. حديث (٢٠٦٤).
(٢) الحاكم. حديث (٨٩٣).
(٣) البزار (٢٧٠٦ - زخار).

٦٥٧
أبواب الصلاة عن رسول اللّه ◌َ﴿ / باب مَا جَاءَ فيمَنْ يَسْمَعُ النِّداءَ فَلا يُجِيبُ
فرضُ كفاية؛ وعليه جمهورُ المتقدِّمين من أصحابه، وقال به كثيرٌ من الحنفية والمالكية،
والمشهورُ عند الباقين: أنها سُنَّة مؤكّدة، وقد أجابوا عن ظاهر حديث الباب: بأجوبة، ثم
ذكر الحافظُ عشَرَةَ أجوبة، وقال في آخر كلامه: واجتمعَ من الأجوبة لمن لم يقُل بالوجوب
عشرة أجوبة، لا توجد مجموعة في غير هذا الشرح. انتهى.
ونحن نذكر بعضًا منها، فمنها: أنه يستنبط من نفس الحديث عدمُ الوجوب، لكونه وَّر
هَمَّ بالتوجّه إلى المتخلِّفين، فلو كانت الجماعةُ فرضَ عين ما همَّ بتركها إذا توجّه، وتعقّب
بأنَّ الواجبَ: يجوزُ تركه، لما هو أوجبُ منه، ومنها: أن الحديث وَرَدَ مورِدَ الزَّجرِ،
وحقيقته، غير مرادة، وإنما المرادُ المبالغةُ، ويرشد إلى ذلك وعيدُهُم بالعقوبة التي يُعاقَبُ بها
الكفار، وقد انعقدَ الإجماعُ على منع عقوبة المسلمين بذلك، وأجيب: بأن المَنعَ وقع بعد
نسخ التعذيب بالنار، وكان قبل ذلك جائزًا، بدليل حديث أبي هريرة الذي رواه البخاريُّ في
((الجهاد)) الدَّالِ على جوازِ التحريقِ بالنَّارِ، ثم نسخهِ؛ فحملُ التهديد على حقيقته غيرُ ممتنع،
ومنها: أنه رَّه ترك تحريقهُم بعد التهديد، فلو كانت فرضَ عينٍ، لما تركهُم، وتعقِّب: بأنه
وَّهِ لا يَهُمُّ إلَّا بما يجوزُ له فعلُهُ لو فعلَهُ، وأما التَّركُ فلا يدلُّ على عدم الوجوب؛ لاحتمال
أن يكونُوا انْزَجَرُوا بذلك، وتركوا التخلُّف الذي ذمَّهم بسببه، على أنه قد جاء في بعضٍ
الطرقِ بيانُ سببٍ الترك، وهو فيما رواه أحمد (٩) من طريقِ سعيد المقبريِّ، عن أبي هريرة،
بلفظ: ((لولا ما في البيوتِ منَ النساءِ والذرِّيَّةِ، لأقمتُ صلاةَ العشاءِ، وأمرتُ فتيَاني
يُحرِّقُونَ ... )) الحديث.
تم بحمد الله وحسن توفيقه المجلد الأول
من تحفة الأحوذي ويليه المجلد الثاني
والحمد لله رب العالمين

فهرس الموضوعات
خطبة الكتاب
٥
[سَنَدُ الشَّارِحِ]
١١
[مقدمة الشّارح]
١٣
أبوابُ الطَّهَارةِ [عن رسول اللّه ◌َّرِ]
١ - باب: ما جاء لا تُقبَلُ صلاةٌ بغير طُهُورٍ
٢٤
٢ - باب: ما جاء في فضل الظُّهور
٣١
٣ - باب: ما جاء أن مفتاح الصلاة الظُهور
٤٢
٤ - باب ما يقول إذا دخل الخلاء
٤٨
٥ - بابُ: ما يَقولُ إِذَا خَرَجَ مِنَ الخَلَاءِ
٥٥
٦ - بابٌ فِي الَّهِي عَنِ اسْتِقْبَالِ القِبْلَةِ بِغَائِطِ أُو بَولٍ
٥٨
٧ - باب: ما جاء مِن الرُّخْصَة في ذلك
٦٧
٨ - بَابُ مَا جَاءَ في النَّهْي عَنِ الْبَولِ قَائمًا
٧٢
٩ - بابُ ما جَاءَ مِنَ الرُّخصةِ فِي ذلكَ
٧٥
١٠ - بَابٌ: في الاسْتِتَارِ عنْدَ الحَاجَةِ
٧٩
١١ - بَابُ كَرَاهِيَة الاسْتِنجَاء بِالیَمینِ
٨٣
١٢ - بَابُ الاسْتنجَاءِ بالحِجَارةِ
٨٦
٨٩
١٣ - بَابٌ: فِي الاسْتِنْجَاءِ بِالحَجَریْنِ
١٤-باب: ما جاء في گرَاهِیة ما يُستَنْجی به
٩٦٠
١٥ - بَاب: الاسْتِنْجاءِ بِالمَاءِ
٩٩
١٦ - بَابُ مَا جَاء أَنَّ النَّبيَّ ◌َ ﴿ٍ كَانَ إِذَا أُرَادِ الحَاجَة أبْعَدَ فِي المَذْهَب
١٠١
١٧ - بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَّةِ البَولِ فِي المُغْتَسَلِ
١٠٤
١٨ - بَابُ مَا جَاءَ فِي السَّوَاكِ
١٠٧
١٩ - بَابُ مَا جَاءَ إِذَا اسْتَيْقَظَ أحَدُكُم مِن مَنَامِهِ
١١٥
٢٠ - بَابٌ: فِي التَّسْمِيةِ عِنْد الوضُوءِ
١١٩

٦٦٠
فهرس الموضوعات
٢١ - بَابٌ: مَا جَاءَ فِي المَضْمضَةِ وَالاستنشاق
١٢٥
٢٢ - بابٌ: فِي الْمَضمَضَةِ والاسْتَلْنَاقِ مِن گفِّ واحدٍ
١٢٩
٢٣ - بَابُ مَا جَاءَ فِي تَخْليلِ اللِّحْيَةِ
١٣٥
٢٤ - بَابُ مَا جَاءَ في مَسْحِ الرَّأْسِ أَنَّهُ يَبْدَأُ بِمُقَدَّمُ الرَّأْسِ إلى مُؤَخَّرِهِ
١٤١
٢٥ - بَابُ مَا جَاءَ أَنَّهُ يَبْدَأُ بِمُؤَخّرِ الرَّأْسِ
١٤٢
٢٦- بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ مَسْحَ الرَّأْسِ مَرَّةٌ
١٤٤
٢٧ - بابُ: مَا جَاءَ أَنَّهُ يأُخُذُ لِرَأْسِهِ مَاءَ جَدِيدًا
١٤٧
١٤٩
٢٨ - بَابُ مَسْحِ الأُذُنَيْنِ ظَاهِرِ هِمَا وَبَاطِنِهِمَا
١٥٠
٢٩ - بابُ: مَا جَاءَ أَنَّ الأُذُنَيْنِ مِنَ الرَّأْسِ
٣٠- بَابٌ: في تَخْلِيل الأَصَابع
١٥٦
٣١ - بَابُ مَا جَاءَ: ((وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ»
١٥٩
٣٢- بَابُ مَا جَاءَ فِي الوضُوءِ مَرَّةً مَرَّةً
١٦٢
٣٣ - بَابُ مَا جَاءَ فِي الوُضُوءِ مَرَّتَيْن مَرَّتیْنِ
١٦٤
٣٤ - بَابُ ما جاءَ في الوُضوءِ ثلاثًا ثلاثًا
١٦٥
٣٥ - بَابُ مَا جَاءَ فِي الوضُوءِ مرَّة وَمَرَّتَيْن وَثَلاثًا
١٦٨
٣٦ - بَابُ مَا جَاءَ فِيمن يَتَوَضَّأُ بَعْضَ وضُوءِهِ مَرَّتَيْنِ وبَعْضَهُ ثَلاثًا
١٦٩
٣٧- بَابٌ: فِي وضُوءِ النَّبِيِّ ◌ِكَيْفَ كَانَ؟
١٧٠
٣٨ - بَابٌ: في النَّصْحِ بَعْدَ الوصُوءِ
١٧٤
٣٩ - بابٌ: في إسْباغ الوضُوءِ
١٧٨
١٨١
٤١ - بَابٌ: فيمَا يُقَالُ بَعْدَ الوضُوءِ
١٩٠
٤٢- بَابٌ: فِى الوضُوءِ بالمُدَّ
١٩٦
٤٣- بَابُ مَا جَاء فِى كَرَاهَيَةِ الإسْرافِ فى الوضُوءِ بِالمَاءِ
١٩٨
٤٤ - بابُ: مَا جَاءَ فى الوضوءِ لِكلِّ صَلَاةٍ
٢٠٢
٤٥ - بَابُ مَا جَاءَ أنَّهُ يُصَلِّي الصَّلَوَاتِ بِوضُوءٍ واحِدٍ
٢٠٥
٤٦- بَابٌ: فِي وضُوءِ الرَّجُلِ والمَرْأةِ مِن إِنَاءٍ واحِدٍ
٤٧- بَابُ كَرَاهِيةِ فضْلٍ طَهُورِ المَرْآةِ
٢٠٧
٤٨ - بَابَ الرّخْصَة فِى ذلِك
٢٠٩
٤٩ - بَابُ مَا جَاءَ أنَّ المَاءَ لا يُنَجِّسُهُ شَيءٌ
٢١١
٤٠ - بابُ: مَا جَاءَ في المِنْديلِ بَعْدَ الوضُوءِ
١٨٦